← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 893

الحديث الموضوعي المنهج والتأصيل والتمثيل

لطيفة الراشد

Полный текст (256 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بعض أبناء الأمة - قليلاً كان أو كثيراً - من التشتت الذهني الذي أصابهم، وذلك بسبب الجهل بحقيقة الإسلام وتراثه الزاخر وحضارته الغنية، وعدم الرجوع إلى تعاليم الشريعة السمحة، والتي يناقش هذا البحث جوانب مهمة منها، حيث يجيب على الأسئلة التالية: • هل الحسنة والسيئة للآخرة فقط؟ أم أن أثرها في الدنيا أيضا؟ • ما الوقت؟ وما علاقته بالمخلوق؟ وما قيمة الوقت في الشرع؟ وما أهميته؟ وكيف رتب الإسلام للمسلم وقته؟ • ما العلم؟ وما القدر الواجب تعلمه؟ وهل يختص الأمر الواجب تعلمه في العلوم الشرعية؟ وهل الأجر خاصٌ بالعلم الشرعي؟ أم في كافة العلوم المتعلقة بحياة المسلم؟ • ما أثر المال على الإنسان؟ وكيف صان الإسلام مال المسلم؟ • ما علاقة الجسد بالروح؟ وكيف عُنِىَ الإسلام بهما؟ • أهمية الموضوع: كل إنسان ينشد النجاح ويسعى لبلوغ العلا، ويخطئ كثير من الناس الدرب لتحصيل الأسباب، وتحقيق ذلك النجاح، بصورة شاملة، وهناك كثير من الأبحاث في هذا المجال، لكنها تنشد شيئاً من الأسباب، وتغفل عن غيرها، وأهمية موضوع هذا البحث أنه يجمع أربعة أسباب مجتمعة، في جماعها النجاح الكامل. • أسباب اختيار الموضوع: السبب الرئيس للبحث في هذا الموضوع هو الرغبة في التعريف بأهمية الموازنة في الاهتمام بين الوقت والعلم والمال والجسم فإن ذلك حتما سيؤدي إلى قاعدة متينة يؤسس عليها أي نجاح.

стр. 212

• أهداف البحث: يظن بعض المسلمين أن الأجور في الأمر والنهي، ويتعداها إلى التقوى والإحسان؛ إنما هو في الآخرة فقط، وهذا غير صحيح، بل إنه شامل للدنيا أيضا، والبحث يوضح ذلك. • حدود البحث: بيان أهمية الأمور الأربعة المذكورة في الحديث، مفصلة، وعدم اهمال أي منها في بناء وأسس النجاح المطلوب. دراسة النجاح من خلال حديث «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ» دراسة موضوعية، عن طريق استقراء السنة حول الأمور المذكورة في الحديث. • الدراسات السابقة: لم أقف على دراسة موضوعية للحديث، والموجود شرح تحليلي للحديث. • خطة البحث البحث عبارة عن تمهيد، وأربعة مباحث، و ٣ ملاحق، وخاتمة. التمهيد: • الحسنة والسيئة، وأثرهما في حياة الإنسان، الدنيا قبل الآخرة. • الحديث موضوع الدراسة تخريجه، وأفضل طرقه لتقوم عليه الدراسة. • علاقة الحديث بأثر الحسنة والسيئة في الدنيا، وعلاقة الحديث بالنجاح.

стр. 213

المبحث الأول: الوقت «عن عمره فيما أفناه». المبحث الثاني: العلم «وعن علمه فيما فعل». المبحث الثالث: - المال «وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه». المبحث الرابع: الجسم «وعن جسمه فيما أبلاه». • ملاحق البحث: ١. كيف أخطط لحياتي؟ ٢. كيف أقوّم عبادتي؟ ٣. كيف أخطط لأمنياتي؟ الخاتمة. • منهج البحث واجراءاته: تتبع الدراسة المنهج الرابع: منهج الدراسة الموضوعية التي تعتمد على جمع روايات حديث واحد ودراسته دراسة موضوعيه؛ لحديث «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ»، وذلك بجمع الأحاديث الواردة في كتب السّنة النبوية عن الأمور الواردة في الحديث، على سبيل الاستقصاء، للوصول إلى أبعاد ونتائج تساهم في الوصول للنجاح، ومعالجة الأخطاء التي يقع فيها كثير من الناس ومعالجتها وبيان الوضع الصحيح في كل منها. ثم ذكر العوامل المعينة على إصلاح التعامل مع كل من الوقت والعلم والمال والجسد، ومناقشة ذلك بواقعية مما يساعد على تطبيقها في واقع الحياة.

стр. 214

• والمنهج البحثي المتبع: يتبع البحث المنهج البحثي النوعي بكل فروعه، وذلك كما يلي: (١) المنهج الوصفي: عن طريق وصف فكرة البحث وبيان أهميته، بعد جمع الحقائق والمعلومات التي تحويها الأحاديث التي ذكر فيها خطوات النجاح من خلال الاهتمام بالوقت والعلم والمال والجسد، مستعينة على فهم الأحاديث بأقوال السلف، ومقارنتها، وتحليلها؛ للوصول إلى تعميمات وحقائق مقبولة مقنعة يقبلها العقل، والهدف هو وصف علمي متكامل يصل إلى عقل القارئ ووجدانه. (٢) المنهج الاستنباطي: استنبطت مشكلة البحث، وهي خطوات النجاح والتي يطمح لها كل إنسان من الحديث «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ» وهي المقدمة الكبرى. ومن الحديث تنطلق عملية البحث المزدوج بين ما ورد في الحديث من الأربع أمور وما يعاني منه كثير من الناس من عوائق النجاح والبحث في النصوص الشرعية في تنظيم هذه الأمور، للوقوف على حقائق مذهلة قوامها الأحاديث، تلمس حاجة البشر. وهي المقدمة الصغرى. (٣) المنهج الاستقرائي: الاستقراء اليقيني والظني كان واضحًا ومجديًا في البحث، وفي كل مباحثه وتحديد ذلك بناء على الفئة المستفيدة من البحث حيث أن كل مبحث من مباحه يحتاج الكتابة فيه إلى مجلدات ولكن تم التركيز على أجزاء منها للتنبيه عليها فمن ذلك:

стр. 215

• في التمهيد: جزاء الحسنة في الدنيا وكذلك السيئة. • تنظيم الوقت من خلال مراعات الساعة البيلوجية والساعة الكونية. • الاهتمام بالعلوم الشرعية وعلوم المهنة. • الاهتمام بالمال والنظرة التعبدية في كسبه وانفاقه والإبداع في استثماره. • أما الجسد فالنظر في العناية به من خلال النظر له كجسد وروح لا ينفصلان فإن كل منهما ذا تأثير على الآخر. وما تم تحديده بين اليقيني والظني هو أن البحث فيه مبني على حاجة المستفيد من البحث لوجود مشكلة عند الكثير في تطبيقه وكذلك ضعف البحث فيه أو البحث فيه متناثر بين الكتب ذات التخصصات المختلفة. (٤) المنهج الاستنتاجي: يرتبط الاستنتاج مع كل المناهج السابقة؛ فهو نتيجة حتمية لها. لأنه عن طريق هذا المنهج يقف البحث على حقائق قابلة للتصديق، وتقنع العقل الإنساني، وتتوافق مع قواعد المنطق. وقوام ذلك في هذا كله الدليل الشرعي، كما يتم من خلالها إيجاد حلول لمشكلات البحث بطريقة علمية ومنطقية وواضحة ومقنعة. وقد استخدم في البحث أنواع من الاستنتاج؛ منها: القياسي؛ وهو إثبات؛ أنه على الإنسان النظر في هذه الأمور بشكل متساوي دون إغفال شيء منها. كما أن من أهتم بهذه الأمور مجتمعة من شأنه البلوع للعيش الهني وبلوغ النجاح. هذا الاستنتاج المبني على القياس قوامه أن هذه الأمور على قدر مراعاة الله فيها والإحسان فيها يكون النجاة في الآخرة. وأما الاستنتاج الاستقرائي؛ حيث من خلاله تم استقراء المشكلات التي تعيق

стр. 216

النجاح؛ وتتبعها ومنها: • عدم التنظيم في الوقت ومراعات حاجة الأجسام في ذلك. • القصور في التطوير المهني وطلب العلم في ذلك مع سهول الحصول على المعلومة. • النظرة الشرعية للمال وأسباب تكثيره والنظر في الاستثمار فيه وتحريكه. • النظرة المزدوجة للجسد والروح وتأثير كل منهما على الآخر. ومثله الاستنتاج الاستنباطي: عن طريق استنباط مشكلة البحث ومعالجتها من النص الشرعي. (٥) المنهج التاريخي والاستردادي: وتم ذلك من خلال نصوص السنة، وتتبعها، ودراسة ما حولها من إثبات صحة الحديث من جهة؛ والدراسات حول شرح الحديث، والوقوف على كل ما ذكر في معناه للوقوف على فهم النص والاستدلال به في الموضع الصحيح، من جهة أخرى. وأيضًا: أقوال السلف وعلماء الأمه حول موضوعات البحث ومشكلاته. • أسلوب البحث: البحث موجه للعامة، والشباب على وجه الخصوص، وهو بحث تربوي، لذا فإنه يتخذ الأسلوب الإقناعي، بعبارات مختصرة موجزة، تعطي رسائل سريعة مقنعة، حتى لا يتسلل الملل للقارئ. وفي الملاحق خاطبت الشباب بعبارات قصيرة جداً، حتى يحتفظ الشاب بهذه الورقة في مكان في متناول يده، ليقرأها باستمرار، ففيها رسائل إيمانيه، وتحفيز للهمم. والله الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 217

• الأحاديث: (١) حديث ابن عباس ﵄ قال: "إن للحسنة: ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة: سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق" (٢) حديث صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا، وَكَانَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ» وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلا تَاجِرًا، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: "هُوَ صَخْرُ بْنُ وَدَاعَةَ". (٣) عَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْر موقوفاً عليه قَالَ: "نَوْمُ أَوَّلِ النَّهَارِ خُرْقٌ، وَأَوْسَطُهُ خُلُقٌ، وَآخِرُهُ حُمْقٌ". (٤) حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل». (٥) حديث عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَبَّاسِ فال: للْفَضْلِ ابْنِهِ وَهُوَ نَائِمٌ نَوْمَةَ الضُّحَى: "قُمْ؛ إِنَّكَ لَنَائِمُ السَّاعَةِ الَّتِي يُقَسِّمُ اللهُ فِيهَا الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِيهَا؟ قَالَ: وَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِيهَا يَا أَبَتِ؟ قَالَ: زَعَمَتْ أَنَّهَا مُكْسِلَةٌ مُهْرِمَةٌ مُنْسِئَةٌ لِلْحَاجَةِ، ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ! نَوْمُ النَّهَارِ عَلَى ثَلاثَةٍ؛ نَوْمُ حُمْقٍ؛ وَهِيَ نَوْمَةُ الضُّحَى، وَنَوْمَةُ الْخُلُقِ؛ وَهِيَ الَّتِي رُوِيَ: «قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لا تَقِيلُ»، وَنَوْمَةُ الْخُرْقِ؛ وَهِيَ نَوْمَةٌ بَعْدَ الْعَصْرِ لا يَنَامُهَا إِلا سَكْرَانُ أَوْ مَجْنُونٌ". (٦) حديث ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: "بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ

стр. 218

رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ فَسكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، فَقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. (٧) حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه كان يقول: "حبذا المال أصون به عرضي، وأقرضه ربي، فيضاعفه لي". (٨) حديث ابن عباس ﵄ في قوله ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]. أي مالاً إلى مالكم،، وكان ﵁ يقول: "قد يشرف الوضيع بالمال". (٩) حديث المِقْدَامِ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ». (١٠) حديث أَبو هُرَيْرَةَ ﵁، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ». (١١) حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ». (١٢) حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَرَفَعَ الْحَدِيثَ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا قَالَ: قَالَ الْمَلَكُ: أَيْ رَبِّ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ». (١٣) حدبث «إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله». (١٤) وحديث جابر مرفوعا قال ﷺ : «لا تستبطئوا الرزق؛ فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغه آخر الرزق، فأجملوا في الطلب».

стр. 219

(١٥) حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا». (١٦) حديث ابن عباس ﵄ قَالَ: «كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ قَالَ: وَمَا رُئِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي، أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]. قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلا مَا تَعْلَمُ». (١٧) حديث «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ». (١٨) حديث «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ». (١٩) حديث «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ». (٢٠) حديث ابن عمر مرفوعاً: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالِه» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "يَتِرَكُمْ" "وَتَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلْتَ لَهُ قَتِيلا أَوْ أَخَذْتَ لَهُ مَالاً". (٢١) حديث «إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ». (٢٢) حديث زُهَيْرِ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ الضَّبْعِيِّ قَالَ: «أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ سَيِّئُ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: أَلَكَ مَالٌ؟» قَالَ: نَعَمْ مِنْ كُلِّ أَنْوَاعِ الْمَالِ. قَالَ: «فَلْيُرَ عَلَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَهُ عَلَى عَبْدِهِ حَسَنًا، وَلا يُحِبُّ الْبُؤْسَ وَلا التَّبَؤُّسَ».

стр. 220

(٢٣) حديث «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ». (٢٤) حديث أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعاً: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ». (٢٥) حديث أنس: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً». (٢٦) حديث عائشة ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ» قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ زَادَ قُتَيْبَةُ، قَالَ وَكِيعٌ: "انْتِقَاصُ الْمَاءِ: يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ". (٢٧) حديث أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ «قَالَتِ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، أَوْ قَالَ: دَوَاءً إِلا دَاءً وَاحِدًا " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الهَرَمُ». (٢٨) حديث أبي هريرة مرفوعاً، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». متفق عليه. (٢٩) حديث «إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته».

стр. 221

التمهيد خطوات النجاح من خلال حديث «لا تزول قدما امرئ حتى يسأل عن أربع … ». إن المؤمنين المتبعين لشرع الله، الراجين لرحمة الله ؛ تكمن سعادتهم في الدنيا والآخرة، وهو ما ورد في جزاء الحسنات؛ تقيداً بأوامر الشرع، وعقاب السيئات؛ جزاءً لمخالفة أوامره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "إن الله حمد أفعالاً هي الحسنات، ووعد عليها -أي الوعد في الآخرة- وذم أفعالاً هي السيئات وأوعد عليها- أي الوعيد في الآخرة - وقيَّد الأمور بالقدرة والاستطاعة والوسع والطاقة، فقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] " (١). وقال: " فعل الحسنات له آثار محمودة في النفس وفي الخارج، وكذلك السيئات، والله تعالى جعل الحسنات سبباً لهذا، والسيئات سبباً لهذا، كما جعل السم سبباً للمرض والموت. وأسباب الشر لها أسباب تُدفع بمقتضاها، فالتوبة والأعمال الصالحة يمحى بها السيئات، والمصائب في الدنيا تكفر بها السيئات" (٢). وقال ابن عباس ﵄: "إن للحسنة: ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وقوة في

стр. 222

البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة: سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضاً في قلوب الخلق" (١). إذا كان الأمر كذلك فلماذا يرتكب الناس السيئات؟ يجيب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على هذا السؤال فيقول: " السيئات منشؤها الجهل والظلم، فإن أحداً لا يفعل سيئة قبيحة إلا لعدم علمه بكونها سيئة قبيحة، أو لهواه وميل نفسه إليها، والإنسان لا يترك حسنة واجبة إلا لعدم علمه بوجوبها، أو لبغض نفسه لها (٢). إذن: السيئات كلها ترجع للجهل، لكن لابد أن يُعلم أيضاً بأن الغفلة والشهوة أصل الشر، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، فالهوى وحده لا يستقل بفعل السيئات إلا مع الجهل. يقول شيخ الإسلام ﵀: " فصاحب الهوى إذا علم قطعاً أن ذلك يضره ضرراً راجحاً انصرفت نفسه عنه بالطبع؛ فان الله تعالى جبل في النفس حباً لما ينفعها وبغضاً لما يضرها، فلا تفعل ما تجزم بأنه يضرها ضرراً راجحاً، بل متى فعلته كان لضعف العقل" (٣). فأصل ما يُوقِع الناس في السيئات الجهل، وقد قال بعض الصحابة: "كل من عصى الله فهو جاهل" (٤). إذا كان الأمر كذلك وهو أن وقوع الناس في السيئات له علاقة قوية بالجهل،

стр. 223

فان المسئولية التي تنتظرني وتنتظرك أنت أيها القارئ، بل وتنتظر كل الدعاة وطلبة العلم هي رفع الجهل عن الناس، تفقيههم بأمور دينهم ودنياهم. إن أوامر الشارع ونواهيه إنما فرضها الشارع علينا؛ أنه لا يمكن الحياة إلا باتباع هديه، الذي سطره لنا سبحانه عن طريق الوحي؛ ليكون دليلاً ونبراساً، نسير عليه فنغنم السلامة والسعادة في الدنيا والآخرة. انظر الأمور الخطيرة الواردة في الحديث الذي رواه الترمذي وصححه الألباني من حديث أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ». قال الترمذي: "هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُرَيْجٍ هُوَ بَصْرِيٌّ، وَهُوَ مَوْلَى أَبِي بَرْزَةَ، وَأَبُو بَرْزَةَ اسْمُهُ: نضْلَةُ بْنُ عُبَيْدٍ" (١). وورد الحديث من طريق آخر حسنه الألباني، أخرجه الترمذي في سننه، من طريق ابن مسعود أن النَّبِيِّ ﷺ قال: «لا تَزُولُ قَدَمُ ابْنِ آدَمَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ، عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ». قال الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلا مِنْ حَدِيثِ الحُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ، وَحُسَيْنُ بْنُ قَيْسٍ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ، وَفِي البَاب عَنْ أَبِي بَرْزَةَ، وَأَبِي سَعِيدٍ (٢). والأولى حديث أبي برزة من حيث المتن والسند. فمتن حديث أبي برزة أتم من حيث المعنى، حيث لم يرد في حديث ابن مسعود «جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ» وجاء فيه «وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاهُ».

стр. 224

أما السند ففي حديث ابن مسعود: الحُسَيْنِ بْنِ قَيْسٍ وهو الرحبي أبوعبدالله الواسطي، قال عنه الترمذي بعد أن ساق الحديث من طريقه يضعف من قبل حفظه، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب متروك (١). وبالجمع بين الطريقين يتضح أن الحديث أشار إلى أربعة أمور مهمة، وأنها من الخطورة بحيث جعلها الله سبحانه جسر الوصول إلى الجنة. ومن المعلوم أن الشارع شدد على هذه الأمور لأنه لا يمكن الوصول للحياة في الدنيا بسعادة تامة، والبعد عن الأخطار إلا بمراعاة هذه الأمور، وعلى هذا فيجب العلم بها، ومراعاة أوامر الشرع في كل جانب منها. إن هذا الحديث يجعلك تحدد ما يتوجب عليك العناية به، وترتيب حياتك، من خلال هذه الأربعة أمور، وهي: العمر، أي الوقت، والعلم، ومن خلاله مطلوب منك تطوير الذات وتنمية العقل، وتعلم كل ما يحقق الإيمان، ويسهل أمور الحياة، والمال، وطرق اكتسابه وصرفه وفق ما أمر به الدين، وأخيراً الجسم، وطرق العناية به. هذه الأمور الأربعة لا يجوز ولا يمكن فصل بعضها عن بعض، فكل منها مرتبط بالآخر، ولا يكون إلا به؛ لذا حدد الشارع أنه لا ينتهي الحساب إلا بالسؤال عنها جميعاً، لا عن أحدها وترك الآخر. وفي هذه العجالة حديث عنها جميعاً، وعن مدى ارتباط بعضها ببعض، وأهمية كل منها مع الآخر، وأثرها في عملية تطوير الذات، وتحقيق النجاح.

стр. 225

١ - الوقت «عن عمره في ما أفناه» حظي الوقت بنصيب وافر من عناية الشارع الحكيم ، وأرشدت النصوص القرآنية والنبوية إلى العناية به، والتدبر في دلالاته، فقد أقسم الله بالوقت في أكثر من موضع فقال سبحانه ﴿وَالْعَصْرِ﴾ [العصر: ١]. بل إنه جعل العباداتِ مربوطةً بالوقت، الذي يجب أن تؤدَّى فيه، كي نتدبر فيه، وتمريناً لنا على أنه ينبغي النظر في الأوقات، فقال تعالى عن الصلاة ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]. وعند الحديث عن الوقت فإنه ينظر إليه من وجهين، وجَّهتنا النصوص الشرعية إلىهما، وهما: (١) الساعة الكونية: أي الوقت من حولنا، حيث يسير الكون بمقاييس، وأشكال متعددة، وثابتة، لا تتغير؛ للتدبر في تأثيرها على ضبط وقت اليوم، والشهر، والسنة، بناء على حركة الشمس، والأرض، والقمر، ثم تعاقب فصول السنة، من صيف، وشتاء، وما بينهما. (٢) الساعة البيلوجية: التي بداخل أجسامنا، بل داخل كل كائن حي؛ من إنسان، وحيوان، ونبات، هذه الساعة تعمل دون انقطاع، مركزها في الإنسان، والحيوان داخل الدماغ، في غدة، تحت المهاد وهو قلب هذه الساعة، أما عقاربها فهي موجودة في كل جزء من الجسم، بل في كل خلية.

стр. 226

عمل هذه الساعة: تنظيم أجهزة الجسم الحيوية، فهي التي تنظم النوم واليقظة، والأيض، وإفراز الهرمونات، وإعادة بناء الخلايا، وتوجيه النشاط الموجي للدماغ، أي أنها هي المسئولة عن حيوية الإنسان، وفعاليته، بل إنها تتحكم في أمور عدة، كالنشاط العقلي، والنفسي، والحيوي. إن إهمال هذه الساعة ومخالفتها تجعل الكائن الحي ممزقاً بين عقاربها البيلوجية، في داخل أجسامنا، إضافة إلى ارتباطها بالكون، ويظهر هذا واضحاً عند التنقل من قارة، إلى قارة بعيدة، فتجد أن حركة النهار في جسمك ترفض هذا التغيّر. إن هذه الساعة مؤثرة في ما يحدث في أجسامنا من عمليات حيوية، كإفراز الهرمونات، التي تحفز على النمو - يؤخذ في الاعتبار تأثيرها على نمو الأطفال والمراهقين - وتؤثر في عمليات بناء الخلايا وهدمها، ونشاط الدماغ وحيويته، وغيرها كثير مما توصل العلم الحديث أو لم يصل إليه، وهي في الحقيقة عمليات موقوتة مرتبطة بتعاقب الليل والنهار. لذا جاءت النصوص بمراقبة هذه الساعة، وأخذها بالاعتبار، بل الأمر والترغيب في مراعاة ذلك، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ [النبأ: ١٠ - ١١]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧]، وقوله تعالى ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ [غافر: ٦١]. في ضوء ما سبق من أدلةٍ نصل إلى أنه لابد من النظر للوقت من عدة زوايا، منها: (١) إن مخالفة الساعة الكونية وارتباطها بالساعة البيلوجية الموجودة داخل أجسامنا له ضرر واضح علينا، وهذا ما يعاني منه الإنسان في الوقت الحاضر، من أمراض نفسية، وخلل في الهرمونات، بشكل واضح، عند الصغار والكبار، على حد

стр. 227

سواء، وأمراض عصبية كثيرة يشتكي منها النساء والرجال، بل حتى الأطفال والكبار، كالصداع، والقولون العصبي، وآلام العضلات، وقد يمتد إلى المفاصل، ثم ما يلبث أن ينتهي إلى الأمراض الشائعة، كالخلل في ضغط الدم بين ارتفاع وانخفاض، ومرض السكر، وغير ذلك. وربما كان سببه راجعاً إلى عدة ظروف معيشية، لكن يظل من أهمها - والله أعلم - عدم تفعيل الساعة البيلوجية، أي السهر ليلاً. (٢) يشتكي كثير من الناس من ضيق الوقت وعدم بركته، ومنشؤه - والله أعلم - من العمل في وقت يكون العقل والجسم غير مستعد لذلك، كأن يبدأ الطالب بالاستذكار في الساعة التاسعة ليلاً، مع أن العقل والجسم غير مهيأ تماماً لذلك، بل هو وقت راحته واسترخائه المفترض، وهذا أمر مهم لابد من أخذه بالحسبان. كما أن هذا واضح من سيرة النبي صلى الله عليه والسلف الصالح من بعده، ومن ذلك الحديث الذي رواه أحمد في المسند وأبو داود والترمذي والنسائي وصححه الألباني لتعدد طرقه، من حديث صَخْرٍ الْغَامِدِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا، وَكَانَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً أَوْ جَيْشًا بَعَثَهُمْ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ» وَكَانَ صَخْرٌ رَجُلا تَاجِرًا، وَكَانَ يَبْعَثُ تِجَارَتَهُ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ، فَأَثْرَى وَكَثُرَ مَالُهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هُوَ صَخْرُ بْنُ وَدَاعَةَ " (١). (٣) يشتكي كثير من الناس عدم قدرته على مزاولة التمارين الرياضية، وأنها ثقيلة على أجسامهم، أو أنهم يزاولونها لكنهم لا يستفيدون منها في الشفاء من الأمراض كالكلوسترول، أو في تخفيف الوزن، وربما كان السبب هو مزاولتها والجسم غير

стр. 228

مهيأ تماماً لذلك، حيث أثبتت التجارب التي أجراها علماء التربية البدنية أن الوظائف الجسمية تزداد قوتها وتنقص بين وقت وآخر خلال اليوم، حيث تظهر الكفاءة العضلية في الزيادة تدريجياً عند الرابعة صباحاً، وتبلغ مداها الأقصى عند السابعة صباحاً، وتستمر حتى الحادية عشر ظهراً، حيث تبدأ بالانخفاض التدريجي لغاية الثالثة عصراً - هذا الوقت هو وقت القيلولة، الذي كان النبي وأصحابه يرتاحون فيه، إما قبل الظهر أو بعد الظهر إلى قبيل صلاة العصر- ثم يزداد النشاط تدريجياً حتى السادسة مساء، ثم يعود بالانخفاض مجدداً عند التاسعة ليلاً، ويبلغ مداه حتى الثالثة صباحاً وهكذا. لقد فَقِه السلف الصالح تقسيم النهار بين اليقظة والعمل، والخلو للراحة والقيلولة، ومن ذلك ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني عَنْ خَوَّاتِ بْنِ جُبَيْرٍ (١) موقوفاً عليه قَالَ: " نَوْمُ أَوَّلِ النَّهَارِ خُرْقٌ، وَأَوْسَطُهُ خُلُقٌ، وَآخِرُهُ حُمْقٌ" (٢). ومعنى "خرق": أي جهل. ومعنى " خُلْقٌ ": المراد أن النوم في أوسط النهار خلق ممدوح. وكذلك الحديث الذي أخرجه أبو نعيم في" الطب " وفي" أخبار أصبهان " من حديث أنس قال: قال رسول الله ﷺ : «قيلوا فإن الشياطين لا تقيل» (٣).

стр. 229

ومن ذلك ما قاله عَبْدُ اللهِ بْنُ الْعَبَّاسِ للْفَضْلِ ابْنِهِ وَهُوَ نَائِمٌ نَوْمَةَ الضُّحَى: " قُمْ؛ إِنَّكَ لَنَائِمُ السَّاعَةِ الَّتِي يُقَسِّمُ اللهُ فِيهَا الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ، أَمَا سَمِعْتَ مَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِيهَا؟ قَالَ: وَمَا قَالَتِ الْعَرَبُ فِيهَا يَا أَبَتِ؟ قَالَ: زَعَمَتْ أَنَّهَا مُكْسِلَةٌ مُهْرِمَةٌ مُنْسِئَةٌ لِلْحَاجَةِ، ثُمَّ قَالَ: يَا بُنَيَّ! نَوْمُ النَّهَارِ عَلَى ثَلاثَةٍ؛ نَوْمُ حُمْقٍ؛ وَهِيَ نَوْمَةُ الضُّحَى، وَنَوْمَةُ الْخُلُقِ؛ وَهِيَ الَّتِي رُوِيَ: «قِيلُوا فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لا تَقِيلُ»، وَنَوْمَةُ الْخُرْقِ؛ وَهِيَ نَوْمَةٌ بَعْدَ الْعَصْرِ لا يَنَامُهَا إِلا سَكْرَانُ أَوْ مَجْنُونٌ" (١). وفي ضوء هذه النصوص فإن أفضل وقت لمزاولة الرياضة، إما الصباح باكراً، أو بعد صلاة العصر، وهذا ما كان عليه السلف في مجالس العلم وطلب الرزق؛ مراعاةً لطبيعة وخصائص هذه الأوقات. إن إغفال هذه الأمور يجعل الإنسان غير منتج، وعالة على غيره، وعبئاً على مجتمعه، فكيف وقد أصبحت هذه ظاهرة تشتكي منها قطاعات المجتمع كافة، من الأسرة والمدرسة والعمل؟ فالأباء يشتكون من أبنائهم، والأبناء يشتكون من الأباء، وأرباب العمل تكثر شكواهم من عدم إنتاجية موظفيهم، بل الزوجات تكثر شكواهن من هروب أزواجهن ليلاً إلى مناطق اللهو أو حتى الاستجمام، بعيداً عن بيوتهم، فنتج عن ذلك أمراض كثيرة مادية وإجتماعية ونفسية، في المجتمع، إن لم تعالج؛ تثقيفاً وعلماً، بجهودٍ رسمية، وغير رسمية؛ فإن الخطر عظيم. لابد من تنظيم الوقت ومراعاة ما أمر الشرع به، فإن الشارع أعلم وأحكم وأقدر من ينظم ذلك، انظر إلى الصلوات الخمس التي قال عنها الله : ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، فأوقاتها تتبع هذا البندول، وتتفاعل مع الضوء والظلمة، فيها مراعاة العمليات التي تحدث في أجسامنا، فأوقات الصلاة

стр. 230

أعمق بكثير مما نظن ونعلم، وفي كل وقت من هذه الأوقات فائدة تعود بالنفع على الإنسان جسمياً وعقلياً ونفسياً، لذا علينا أن ننظم حياتنا عبر الصلاة الموقوتة؛ فهي مرتبطة بحركة الكون. كذلك نجد في أحكام الصيام: الحث على تأخير السحور، وتقديم الفطور؛ فإن في ذلك حكمة تتعلق بالوقت، وصيام النوافل كأيام البيض في اليوم الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر له علاقته بالدورة الدموية. العبادات والأعياد قسمت السنة عند المسلم إلى مواسم يمكن أن يغتنم ويغترف منها ما أمكنه ذلك، حيث من الممكن وضع الخطط تبعاً لأوقاتها، مثل: شهر رمضان، وعيد الفطر وعشر ذي الحجة، وعيد الأضحى، وصيام عاشوراء بداية السنة الهجرية، فكلها محطات من الممكن استغلال توقيتها للتخطيط والتقويم.

стр. 231

٢ - العلم «وعن علمه في ما فعل» العلم التام الكامل صفة من صفات الله ، ولا تكون بمجموعها إلا له ؛ لأن العلم واسع غير محدود، ولا يمكن أن يُعطَى بمَجْمُوعِه لمخلوق، بل هو صفة لله وحده، قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. ووهب الله الإنسان جزءاً من هذه القوى العلمية للجنس الآدمي كله، فكلٌ ينهل من هذا العلم بما آتاه الله من الوسائل والقدرات، فالإنسان ناهل وكاسب منه، أوتي في أصل خلقه من المواهب والقدرات العقلية ما يجعله قادراً على كسب شيء من هذا العلم، وكلما أوتي نصيباً منه ظهر له المزيد. الإنسان بهذه القوى العلمية غير محدود الرغائب، ولا محدود العلم، ولا محدود العمل، يولد ضعيفاً جاهلاً، لا يدفع عن نفسه شيئاً، ثم ما يلبث أن يتعلَّم، بما وهبه الله من الإلهام والعلم، شيئاً فشيئاً، حتى تكتمل قواه، فيكون له سلطانٌ بهذا العلم، وما يكتسبه من المهارات على كل الكائنات حوله، فيسخرها الله له بهذا العلم، ويذللها حتى تكون طوعاً له. ثم الناس درجات مختلفة في طلبه، كل بما سخر عقله له من العلوم المختلفة، فمنهم من كان ذا همة عالية، ومنهم دون ذلك، والعلم دروبه كثيره، ونواياه كثيرة؛ فهو في الخير والشر على حد سواء؛ لذا يحاسب الإنسان عنه يوم القيامة، ولا تزول قدمه حتى يسأل عنه، وإنما ذلك لخطورة استعمال العلم في مجالات الهدم والشر.

стр. 232

العلم غير محدود، وهو موجود لكل من يطلبه، وشامل لكل ما في الكون، وما على الأرض، حتى في الإنسان نفسه، وكل ما ازداد نهلاً منه شعر بالجهل والحاجة إلى طلب المزيد، وكل ما تعمق فيه قاده علمه إلى الإيمان بوحدة وعظمة خالقه وحقارة وصغر نفسه، لذا كان العلماء أكثر الناس تواضعاً، وإيماناً وخشية من الله : ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]. العلم منه ما يعتمد على العقل، ويترجم عنه بالحواس، عن طريق البحث والاستدلال والتجارب، ومنه مالا يدرك إلا بالنقل، ويكون الضلال والزيغ عاقبة البحث عنه بمجرد العقل، حيث لا يمكن معرفته إلا عن طريق الوحي، دون أن يكون للعقل فيه أي سبيل، كالغيبيات من الذات الإلهية، والبعث، والجنة والنار، والروح، ونحو ذلك مما هو معلوم عند أهل الكتب السماوية. فمن ذلك الحديث المتفق عليه عن ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: "بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا الرُّوحُ؟ فَسكَتَ، فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، فَقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] " (١). فإذا كان العلم بهذه السَّعة، وبهذه الأهمية؛ فما القدر الواجب تعلمه، حتى يحظى الإنسان بالسعادة في الدنيا والآخرة؟

стр. 233

ويمكن الإجابة على هذا السؤال باختصار: (١) علوم الدين، والقدر الواجب على المسلم معرفته منها اختصره العلماء بقولهم " كل ما هو معلوم بالضرورة" كمعرفة علاقة الإنسان بربه، وحفظ سور من القرآن تقوم بها عبادته لربه، ثم تعلم ما عليه من حقوق لله من العبادات المختلفة، وترك المنهيات، واتباع الأوامر الشرعية التي تجعل نفسه مطمئنة قريبة من الله. (٢) تعلم كل ما يحقق تطوير الذات، وتنمية العقل، وما يسهل أمور الحياة، فكل إنسان عليه تطوير ذاته، وتعلم كل ما يحقق له العيش الهنيء، في محيطه الذي يعيش فيه، فالزوجة عليها تعلم كل ما يحقق لها السعادة الزوجية، من معرفة حقوقها وواجباتها، وكيفية التعامل مع الزوج والأبناء، وطريقة الحديث مع الرجل والتودد له، وكذلك حل المشاكل الزوجية، وإدارة المنزل وتجميله، والمطبخ وكيفية جعله نقطةً يتميز بها منزلها. ولباسها وزينتها، ونحو ذلك، والوسائل لتحصيل هذا العلم كثيرة، سواء بالقراءة من الكتب، أو الإنترنت، أو البرامج التي تباع في الأسواق، أو عن طريق الدورات التدريبية، وغير ذلك، فإن هذا من العلم الذي تؤجر عليه الزوجة في الآخرة، وتسعد به في الدنيا. (٣) وكذلك الزوج عليه تعلم ماتصح به عبادته، وحقوقه وواجباته الشرعية، وحقوق الأبناء، وكيفية التعامل مع الزوجة والأبناء، بالوسائل المتاحة له، وهكذا يظل كل فرد في المجتمع في حالة تطوير لذاته، بالنهل من العلم حتى يحظى بعيشة هنيئة. (٤) تعلم مهنة يكسب بها قوت يومه، ويحسن بها معيشته، فعلى المسلم أن يتعلم المزيد في مهنته، ولا يقف عند حد معين، فالمعلم عليه تعلم المزيد وكل

стр. 234

جديد في هذه المهنة، التي عن طريقها يكسب المال، فمن الإخلاص في العمل تعلم المزيد منه، وكذلك الطبيب، والمهندس، حتى ربة المنزل، كل عليه أن ينهل من العلم ما يجعله يبدع في مهنته. كل ما سبق ذكره هو أقل ما يجب على المسلم تعلمه، وكل إنسان محاسب عليه يوم القيامة، فمن أراد أن ينجو فعليه أن يتزود من العلم بما يحقق له النجاة.

стр. 235

٣ - المال «وعن ماله من أين اكتسبه، وفيما أنفقه» حب المال غريزة جعلها الله في النفس الإنسانية؛ لحكمة إعمار الأرض، ولأسباب أخرى، والحقيقة الملموسة، أنهم مهما امتدحوا الفقر، وتغنى به من تغنى، إلا أن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أنه لا يمكن لأحد أن يحيا حياة حقيقية وناجحة لا ينقصها شيء إلا إذا كان ذا مال، بل إن الرغبة في حياة أكثر رخاء هي رغبة جميع العقلاء؛ لأن المال سبب للطموح والنهوض، للأفراد والمؤسسات، بل والدول، حيث تقوم عليه اقتصادياتها، التي هي مصدر قوتها وثباتها. وامتدح الشارع -سبحانه- المال في القرآن وسماه خيراً، بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠]، وبقوله سبحانه: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨]. أي المال. وروي عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه كان يقول: "حبذا المال أصون به عرضي، وأقرضه ربي، فيضاعفه لي". وروى السدي عن ابن عباس ﵄ في قوله ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود: ٥٢]. أي مالاً إلى مالكم،، وكان ﵁ يقول: "قد يشرف الوضيع بالمال". المال حق مشروع لكل إنسان، رجلاً أو امرأة، فمن حق الجميع الحصول عليه، وحق الملكية مكفول شرعاً لكل أحد، كما أنه من حقنا أن نعيش في رخاء ورفاهية

стр. 236

وبالطريقة التي نريد، لكن في محيط الشرع، والحكمة تقول: "إن حق الإنسان في الحياة يعني حقه في الاستخدام الحر والمطلق لجميع الأشياء التي يتطلبها نموه العقلي والروحي والجسمي" وبعبارة أخرى " من حقه أن يكون ثرياً". ثم أن الحياة في أيامنا هذه أصبحت أكثر تعقيداً، مما ييزيد مسؤولية الإنسان العادي للحصول على قدر من الثروة؛ لكي ينعم بحياة تقترب من الكمال، ومما لا شك فيه أن كل إنسان بطبيعته يريد أن يحقق كل ما يمكن تحقيقه، وهذه الرغبة في الاستفادة من كل الإمكانات من حولنا هي في الحقيقة متأصلة في الطبيعة البشرية. إن تحقيق الرخاء بذاتك وبعملك وإبداعك وأفكارك، من دون أن تكون عالة على غيرك؛ يجعل منك إنساناً واثقاً، وهذا من الهدي النبوي، فقد روى البخاري في صحيحه عَنِ المِقْدَامِ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ ﵇، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (١). وعَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ» (٢). وكذلك الحديث الذي أخرجه الترمذي وصححه الألباني من حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ، وَإِنَّ أَوْلادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» (٣).

стр. 237

إن امتلاك المال الوفير -الثراء- متاحٌ للجميع، لا تحده بيئة معينة، ولا مدينة محددة، ما دام الإنسان في مجتمع ومع الناس، كما لا يُقصَر على جنس، فهو للذكر كما أنه للأنثى، ولا هو مربوط بالقدرة العقلية؛ فالموهوبون وغير الموهوبين يمكن أن يكونوا أثرياء، ما داموا يملكون القدر من العقل الذي يؤهلهم لذلك "أي الأهلية الشرعية" بل إنه لا يرتبط بمهنة بعينها، فالناس يحققون الثراء في مختلف الوظائف، والأعمال والمهن، كما أنه غير مرتبط بوقت معين أو عمر معين. كما أن على المسلم أن يؤمن أن الرزق توفيق من الله، وليس من ذات نفسه، وبذلك يرضى وتطمئن نفسه، والحقيقة النبوية تقول: إن الرزق مكتوب لابن آدم وهو في بطن أمه، وأن رزقه مثل أجله، له وقت معلوم، وعملك يا ابن أدام سببٌ يسره الله لك، حتى تصل لرزقك الذي كتبه الله لك، فإن تيسر لك ذلك فعليك شكر الله ونسبة الفضل لله، لا لذاتك. والدليل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَرَفَعَ الْحَدِيثَ، أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا قَالَ: قَالَ الْمَلَكُ: أَيْ رَبِّ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ» (١). وقوله ﷺ : «إن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله» (٢)، وحديث جابر مرفوعا

стр. 238

قال ﷺ : «لا تستبطئوا الرزق؛ فإنه لم يكن عبد يموت حتى يبلغه آخر الرزق، فأجملوا في الطلب» (١). وعلى هذا مهما كنت فقيراً، فإنه متى شرعت في القيام بأشياء مما يسره الله لك، وفق جدولة مرتبة، فإن ذلك طريقك للثراء، ورأس المال يدعو بعضه بعضاً، فيكون أسهل في تحصيل المزيد، بقدرة الله وتوفيقه. المال غير محدود بكمية معينة، ولا يقف عند حد، فكلما زادت حاجة الناس إلى المزيد من الغذاء، والكساء، والمأوى، ووسائل الترفيه، والسياحة، والجمال، والمعرفة، والسعادة؛ فسييسر الله لهم وسائل وفرة المال، والسعي إلى كسبه. ويخضع كل كائن حي إلى ضرورة التقدم المستمر، إلى طلب المزيد، فإن توقف الزيادة في الحياة يكون تماماً؛ بمثابة إيذان بالمرض، ثم الموت والفناء، والناس بطبيعتهم يدركون ذلك تماماً، ولهذا يسعون دائما إلى المزيد من الحياة، بل الشرع يؤكد هذه النظرية، ومنها الحديث الذي رواه أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا» (٢). وأوضح منه دلالة ما فهمه ابن عباس ﵄ من أن توقف الزيادة دليل على حلول الأجل، قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الفَتَى مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فَقَالَ: إِنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُمْ قَالَ: فَدَعَاهُمْ ذَاتَ يَوْمٍ وَدَعَانِي مَعَهُمْ قَالَ: وَمَا رُئِيتُهُ دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إِلا لِيُرِيَهُمْ مِنِّي، فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي: ﴿إِذَا جَاءَ

стр. 239

نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١ - ٢] حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَدْرِي، أَوْ لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أَكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْلَمَهُ اللَّهُ لَهُ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ٣]. قَالَ عُمَرُ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلا مَا تَعْلَمُ " (١). لكن ما علاقة ذلك كله بالحساب يوم القيامة؟ المال سلاح ذو حدين، فهو عظيم في القوة والخير، لكنه سيء جداً إذا استخدم في الشر، في كسبه، أو انفاقه؛ لذا فإنه لا تزول قدما العبد، حتى يسأل عن كل ما يتعلق به، لأن الشرع ينظر إليه على النحو التالي: • يجب أن تكون النظرة للمال على أنه وسيله، لا غاية، فهو وسيلة لتحقيق ما سبق ذكره من أمور الحياة، لا أنه هدف تُطَوع الحياة لكسبه، ويكون مالكه عبداً له؛ لأن ضرر ذلك عظيم في نفس الإنسان ودينه، قال ﷺ : «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ، وَالقَطِيفَةِ، وَالخَمِيصَةِ، إنْ أُعْطِيَ رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ» (٢). • اليقين من أن المال وسيلة لتحقيق ما تريد، لكن ليس بالضرورة أن يجلب السعادة، فهو كما وصفه القرآن قد يكون زينة، وفتنة، وسبب عذاب ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]. ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦].

стр. 240

• أن هنالك قواعد لاكتسابه، ولا يجوز أبداً مخالفة هذه القواعد؛ فإن عقابها من الله عسير، يصل إلى الحرب عليك، وهذا أمر عظيم، كما هي الحال في الربا، وأبوابه، والغش، والسرقة، والطرق غير المشروعة لاكتسابه، لذا من أراد أن يسلك طريق المال عليه تعلم حقوق هذا المال. • إذا أنعم الله عليك بالمال، فلابد من إعطاء حقه من الزكاة والصدقة باستمرار، وفق ما أوجبه الشرع، فإن في ذلك نماء وزيادة له. • لابد من الايمان بالحقيقة الواردة في الحديث، الآمرة بالنفقة، في قوله ﷺ : «مَا نَقَصَ مَالُ عَبْدٍ مِنْ صَدَقَةٍ» (١)، وقوله ﷺ : «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» (٢). • النهي البتة وتماماً عن كنز المال، فهو أقرب طريق للفشل في تكثيره، يدل عليه ما سبق ذكره من الأحاديث، والنهي الكثير في القرآن والسنة عن كنزه. • لابد من الإيمان بالقاعدة الاقتصادية الاسلامية أن الوسيلة المشروعة في نماء المال وتكثيره؛ هي في تحريكه وتقليبه بالوجه المشروع، في مجالات الاقتصاد المختلفة، لا عن طريق الإقراض، واستخدام الربا، وأشباه الربا، التي لا تعود بالفائدة على الناس واقتصاد المجتمع. • مهما كنت معدماً أو فقيراً فإن الله هو الرازق، والمال مال الله، بيده وحده توزيعه على خلقه، وأن من اتبع الطرق الشرعية التي أرشد لها الشارع لجلب هذه النعمة؛ فإنه لابد أن يصل إلى ما يريد، ومن تلك الطرق: الاهتمام بصلاة العصر؛

стр. 241

للحديث المتفق عليه، من حديث ابن عمر مرفوعاً: «الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالِه» قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: "يَتِرَكُمْ" "وَتَرْتُ الرَّجُلَ إِذَا قَتَلْتَ لَهُ قَتِيلا أَوْ أَخَذْتَ لَهُ مَالاً" (١)، وكذا الاستغفار بنية التوفيق فيه، قال تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ ئج ئح ئم يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢] أما كيفية الاستغفار فهو باللسان مع صدق الإخلاص والإقلاع عن الذنب، والعزم على عدم العودة له، وإلا كان استغفاراً يحتاج إلى استغفار كما يراه أهل العلم، وهذا هو الأصل في إجابة المغفرة (٢). ومن تلك الطرق كذلك: بذل النفقة الواجبة، كالنفقة على الزوجة والأولاد والتوسيع عليهم فإنه مجلبة للرزق، والزكاة، والصدقة؛ لأن ذلك يورث الشعور بالرضى والقناعة. (١) ثمة عوامل تساعد على الحصول على المال، كدقة الرؤية، ووضوحها: "ماذا أريد أن أكون لأحصل على المال"، ثم ثبات العزيمة، والإصرار، وقوة الإيمان بأن الله سيتفضل به عليه، ثم الشكر والعرفان لله بهذا الفضل، المترجم بالنفقة على النفس وعلى المقربين منه؛ لقول النبي ﷺ «إِنَّ اللَّهَ يُحِبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ» (٣)، وكذلك الحديث المروي عن زُهَيْرِ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ

стр. 242

الضَّبْعِيِّ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ سَيِّئُ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: «أَلَكَ مَالٌ؟» قَالَ: نَعَمْ مِنْ كُلِّ أَنْوَاعِ الْمَالِ. قَالَ: «فَلْيُرَ عَلَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَهُ عَلَى عَبْدِهِ حَسَنًا، وَلا يُحِبُّ الْبُؤْسَ وَلا التَّبَؤُّسَ» (١). (٢) البعد عن التفكير التنافسي، إلى التفكير الإبداعي، أي أن لا يفكر الإنسان عند جمعه المال أن يكون مسيطراً على الآخرين، والمحيطين به، فالمال ليس هدفاً في ذاته، وإنما وسيلة للسعادة لمالكه، لذا علينا أن نبتعد عن الفكر التنافسي، إلى الإبداع القائم على النظرة إلى المستهلك أن أُحِبَّ له ما أحب لنفسي، ثم القناعة بالربح القليل، والرضى من غير استعجال؛ فإن من يبدأ صغيراً، بقاعدة قوية متينة؛ أفضل مِنْ مَنْ يبدأ كبيراً بقاعدة هشة معرضة للسقوط مع أي هزة.

стр. 243

٤ - الجسم «وعن جسمه فيما أبلاه» الإنسان روح وجسد، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، أما الجسد فمخلوق من عناصر الأرض، والتحليل العلمي يثبت ذلك، موافقاً لما جاء به القرآن قال الله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥]. والجسد مادي أمرنا بالتدبر فيه ودراسته، وما زال الإنسان يكتشف قوانينه على مر العصور عن طريق العلم، أما الروح فهي سر إلهي لا يعلمها إلا الله، فَقِه ذلك من كان قبلنا، من اليهود، وتحدث القرآن والسنة عنه،، ولذلك فمن العبث البحث في كنه الروح، إلا ما جاء به الوحي من القرآن والسنة، ولا شيء غيره، أي أن الروح ستظل سراً من أسرار الله تعالى إلى يوم القيامة. فالإنسان في الإسلام ليس مادياً فقط، ولا روحانياً فقط، فهو ليس بحيوان، ولا بمَلَك. وسميت الروح روحاً لحصول الحياة بها (١). والروح ذات تأثير مباشر على الجسد، من الحركة، والحس، والإرادة، ولهذا جاء اللفظ في الحديث: «وعن جسمه فيما أبلاه»؛ لأن الجسد أداة يتحكم بها نفس الإنسان، وروحه تُسَيِّر الجسد كيف يشاء في الخير والشر، ولذا كان الحساب عليه. إن من أعظم عطايا الرحمن للإنسان الإرادة، وهي الصفة التي من أجلها

стр. 244

سيحاسب؛ لأنه يختار بعقله بين البدائل المطروحة أمامه في الحياة، التي تفضي به إلى الخير أو الشر، ثم إلى الجنة أو النار. وعند الحديث عن العناية بالجسد يبرز جانبان مهمان، هما: • الجانب الروحي. • الجانب المادي. وقد عُنِيَ بهما الإسلام أشد عناية على التفصيل التالي: • العناية بالجانب الروحي: اهتم الشارع بتربية الروح والنصوص الواردة في ذلك كثيرة جداً، وهي مرتبطة بالأعمال أحياناً، ومفردة أحياناً أخرى، كما تأتي في سياق وصف الشعور بالروح في حالة العصيان والإيمان وبينهما، في ضوء المعطيات التالية: (١) الإسلام والإيمان في أصلهما أمران معنويان، وهما مرتكز التوجيه في الإنسان؛ فالإسلام قناعة فكرية يعتقدها المسلم ومحلها العقل، أما الإيمان فهو حلاوة قلبية وشعور جميل سعيد يتمتع به المؤمن ومحله القلب، وكلاهما يلقي بضلاله على أعضاء الجسد المادي، وله الأثر المباشر على صحة أعضائه، وقد ثبت ذلك علمياً، إضافة إلى القصص التاريخية التي تصف حال المؤمنين عميقي الإيمان، مما جعل ذلك صحةً في أجسادهم. (٢) زرع الشعور بالإيمان والاستسلام، وأن الحياة كلها لله، وأن قدره سبحانه ماضٍ، ولا يمكن معاسرته مهما كان، وانظر إلى الآية العظيمة التي تحدد شعور المؤمن ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. فإن هدف المسلم واضح جلي، لا لبس فيه، ولا غموض، وهو إرضاء الله

стр. 245

تعالى، نسأل المولى أن نبلغه. وعندما يصل المسلم إلى هذه القناعة فإنه حتماً سيشعر بلذة الإيمان، التي ستنعكس على سلامة الجسد من الأمراض النفسية المؤثرة على أجهزة الجسم، كالقلق، والحزن، والاكتئاب، الخ. (٣) النفس المطمئنة تلك النفس التي تحسن الظن بخالقها، المتفائلة، الراضية بما قسمه الله لها، المؤمنة بأن الحياة مجموعة من الامتحانات والابتلاءات، المستعدة لذلك، المؤمنة بعدل الله المطلق، وبشكل مختصر ذات التفكير الإيجابي، والتي لا تدع مجالاً للسلبيات. (٤) الإسلام دين الاجتماع، ودين العطاء، ويزرع دائماً في نفس المسلم أن يحب للآخرين ما يحب لنفسه، ويحث على التكافل الاجتماعي، وقد ثبت علمياً أن من تكون هذه صفاته يكون راضياً عن نفسه، ويحظى بمحبة من حوله، ولذلك فائدة في الحصول على صحة الجسد أيضاً. وبشكل مختصر فإن الإيمان بالله يزرع الشعور بالإيجابية، ولا يمكن أن يجتمع في قلب مؤمن السلبية والاستسلام والبلادة المؤثرة على صحة الأجساد. • رعاية الجانب المادي من الجسد: الجسد أمانة فهو ليس ملكاً لصاحبه، يفعل به ما يشاء، بل هو مستخلف فيه، ومسؤول عنه، ويحاسب عن كل ضرر يُلْحِقُهُ به، ولذا علينا مراعاة الله في أجسادنا، ولهذه المراعاة صور، ومنها: (١) اتباع الشرع الحنيف في كل ما نهى عنه من المأكل والمشرب. (٢) عدم العبث بهذا الجسد، أو إلحاق الضرر به، بالدفع به إلى ما يهلكه، أو يضره، قال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥].

стр. 246

(٣) عدم اقتناء الحيوانات المحرم اقتناؤها في البيوت كالكلاب؛ فإنها ما حرمت إلا لضررها على الصحة؛ للحديث المتفق عليه «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إِلا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ، نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ» (١). (٤) العناية بالنظافة المتمثلة بالطهارة الواجبة، ثم اتباع سنن الفطرة الواردة في الحديث المتفق عليه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعاً: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ، أَوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ: الخِتَانُ، وَالاسْتِحْدَادُ، وَنَتْفُ الإِبْطِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَقَصُّ الشَّارِبِ» (٢). وعلى المسلم أن يضع جدولاً لهذه العملية، فقد ورد في حديث أنس ﵁ مرفوعاً قَالَ أَنَسٌ: «وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، وَنَتْفِ الإِبِطِ، وَحَلْقِ الْعَانَةِ، أَنْ لا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» (٣). ووردت زيادات إلى عشر من الفطرة، في الحديث الذي أخرجه مسلم أيضاً، من حديث عائشة ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ: قَصُّ الشَّارِبِ، وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ، وَالسِّوَاكُ، وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ، وَقَصُّ الأَظْفَارِ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ الْعَانَةِ، وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ» قَالَ زَكَرِيَّا: قَالَ مُصْعَبٌ: وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إِلا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ زَادَ قُتَيْبَةُ، قَالَ وَكِيعٌ: " انْتِقَاصُ الْمَاءِ: يَعْنِي الاسْتِنْجَاءَ) (٤).

стр. 247

ومعنى الفطرة: هي السُّنَّةُ القديمة، التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، وكأنها أمر جبلي فطروا عليها. والاستحداد: استعمال الحديدة "الموس" لحلق العانة، وقال العلماء إن إزالة شعر العانة بغير الحديدة لا يكون على وجه السنة، أي لا تنتف. والبراجم: هي العقد التي على ظهر مفاصل الأصابع. أما النساء فمن الممكن أن يحددن فعل هذه الأمور بعد الانتهاء من الدورة الشهرية، ففي ذلك اتباع للسنة. (٥) التداوي وطلب الشفاء إذا ألم بالجسم مرض؛ للحديث الذي رواه أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: قَالَتِ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، أَوْ قَالَ: دَوَاءً إِلا دَاءً وَاحِدًا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: «الهَرَمُ» (١). والهرم: الموت. (٦) تعاهد الجسم بالحِمْيات الصحية، التي تعيد له حيويته، خصوصاً في الأعياد والمناسبات، تلك الحميات التي من شأنها طرد السموم عن الجسد؛ فإن لها فائدة في جمال الجسد وصحته. (٧) عمل التمارين الرياضية، وأن يكون ذلك مجدولاً ضمن أعمال الأسبوع. (٨) شكر الله على ما تفضل به علينا، بكمال نعمة الجسد، وما فيه من مزايا من المفاصل والعظام، مما يعيننا على عبادته سبحانه، ويكون ذلك كما ورد في حديث أبي هريرة مرفوعاً، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ

стр. 248

عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، يَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا، أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ» (١). متفق عليه. مما سبق يتضح أن من أراد أن يحيا حياة كريمة ملؤها الإيمان، متوهجة بالحب والعزم والأمل، مليئة بالمشاعر والعواطف الإنسانية النبيلة، عامرة بالإيجابية والمبادرة، وتحمّل المسئولية؛ فعليه أولاً مراعاة هذه الأمور الأربعة الواردة في الحديث. ثم إن ما سبق ذكره من توجيهات هو أقل ما يمكن فعله، وهو بداية المشوار في طريق النور والهداية، مادام المسلم مستعيناً بالله ، وهذا هو طريق الهداية إلى توجيه النفس الى الثقة بالله ، فإذا وصل إلى تلك القناعة بدأ بشكل جدي في التخطيط لجميع شؤون حياته تخطيطاً إيجابياً مثمراً.

стр. 249

الملاحق • الملحق رقم (١): كيف أخطط لحياتي؟ (١) اقتلع الخوف من تفكيرك، فسوف تحصل على ما تريد، فالخوف يُحْبِطُ ثقتك بربك. (٢) اعلم أن التطوير والتخطيط، ليس له سن معين ولا وقت محدد، فنحن مهما بلغنا من العلم والمعرفة بحاجة مستمرة إلى العلم والتطوير. (٣) أنت أيها الطالب؛ في هذه السن الصغيرة والخبرة القليلة ليس مطلوباً منك إلا تطوير ذاتك من العلوم المختلفة، فاستفيد مما تقدمه لكِ كليتك من العلوم المختلفة، وطور نفسك بالعلوم النافعة، ولا تستعجل العطاء قبل استكمال أدواته؛ فإن "فاقد الشيء لا يعطيه". (٤) اعلم أن أفضل هدية تقدمها لنفسك أن تستغني عن الناس، باستقلالكِ مادياَ ومعنوياَ غير محتاج لمن حولك، وبه ستشعر بالأمان والسلام الداخلي، وسترى أن الغضب والخوف يزولان من نفسك؛ لأنه لن يستطيع أحد أن يرهبك بغضبه، فأنت لست بحاجة إلى الخوف منه، كما أنك إذا اقتلعت الخوف من تفكيرك فستحصل على ما تطمح إليه. (٥) اكتب لائحة؛ بمواهبك التي ترغب في إبرازها، وتطويرها، والتي فيها فائدة لكِ وللآخرين.

стр. 250

(٦) اعلم أن كل عسر يحمل في طياته اليسر والفرصة. (٧) تأكد؛ أن الله قريب منك بشكل لا تتصوره، وفي كل وقت، فإن كنت في ترقب وانتباه، ووعي لمشاعرك وأحاسيسك السعيدة، فسيساعدك ذلك في حل مشكلاتك اليومية مهما كانت، بالاستعانة بربك، الذي هو أرحم بك من أكثر الناس محبة لك. (٨) كلما كان تفكيرك واضحاً ومركزاً كانت رؤية الفكرة في عالم الواقع أقرب تحقيقاً. (٩) اعلم أن من يَهُن يسهل الهوان عليه، فاطلب الأعلى والأجود، فالله يعطيك أكثر مما تتصور متى ما وثقت بربك، والقاعدة تقول (لا تعش بأقل مما تستحق فالله يعطيك ما تستحق) (١٠) تعرف على ذاتك بالنظر إلى ما تحب، كأحب مادة تدرسها وتتفاعل معها. (١١) اتبعي الخطوات التالية لنقل أفكارك وامنياتك إلى واقع ملموس: (أ) ابدأ بشكر الله ، وانظر إلى ما من الله عليك من النعم، وركز في ذلك الجانب، وابتعد عن كل ما يعكره. (ب) اعمل بالمعادلة التالية: الفكرة +دعاء وتفكير +ثقة بالله متولد عنها ثقة بنفسك لتحقيق هذه الفكرة = حقيقة واقعية. (ج) ركز باستمرار على فكرتك وبكل تفاصيلها، ثم ناج ربك بها في جوف الليل، فإنك إن فعلت، فحتماً سترى ما تريدين بل أفضل منه. (د) تحدث عن أفكارك دائماً، حتى تنتقل من كونها فكرة إلى واقع محسوس.
следующие страницы →