← Фатава

Фатава · id 894

فتاوى واستشارات الإسلام اليوم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (10 202 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

وأما نصب "الظالمين" في قوله -تعالى- "لا ينال عهدي الظالمين" فلأن (الظالمين) مفعول به وليس فاعلاً والتقدير: لا يصل عهدي الظالمين، في عهدي فاعل وليس مفعولاً به كما توهم السائل. السؤال الثالث: وأما تذكير قريب، في قوله: "إن رحمة الله قريب من المحسنين" [الأعراف: ٥٦] ، فلذلك عدة تأويلات وكلها سائغة في لغة العرب فمن ذلك: (١) ذكرت: قريب، على النسب كما يقال: امرأة طالق، فالتقدير إن رحمة الله ذات قرب. (٢) ويمكن أن يقال: أراد المكان، أي: إن مكان رحمة الله قريب. (٣) أن قريب، فعيل بمعنى مفعول كما يقال: كن خطيباً. السؤال الرابع: وأما اعتراض السائل على جمع (أسباطاً) في قوله -تعالى-: "وقطعناهم اثنتى عشرة أسباطاً أمماً" [الأعراف: ١٦٠] ، وزعمه وجوب تذكير العدد وإفراد أسباطاً، فالجواب: أن قطعنا بمعنى: صيرنا فيكون اثنتى عشرة، مفعولاً ثانياً، والتأنيث باعتبار التقطيع آل إلى تصييرهم قطعاً جمع قطعة. وأما جمع أسباطاً فلأنها بدل من اثنتي عشرة لا تمييز. السؤال الخامس: وأما جمع الضمير في اختصموا في قوله -تعالى-: "هذان خصمان اختصموا في ربهم" [الحج: ١٩] فذلك حملاً على المعنى؛ لأن كل خصم عبارة عن فريق يضم عدداً من الأشخاص فروعي تعدد الأشخاص لا تثنية الخصم. والتقدير: هذان فريقان: فريق المؤمنين وفريق الكافرين، المؤمنون جماعة والكافرون جماعة أيضاً. السؤال السادس: وأما إفراد الاسم الموصول في قوله -تعالى-: "وخضتم كالذي خاضوا" [التوبة: ٦٩] ، فالجواب: أن الذي جنس والتقدير: خوضاً كخوض الذين خاضوا. السؤال السابع: وأما جزم وأكن، في قوله -تعالى-: "لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين" [المنافقون: ٦٣] . ففي وأكن قراءة أخرى بالنصب (وأكونَ) قرأ بها أبو عمرو البصري من السبعة. وقرأ الجمهور بالجزم وأكنْ حملاً على المعنى إي: إن أخرتني أكن. السؤال الثامن:

стр. 282

وأما جمع الضمير في نورهم في قوله -تعالى-: "مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم" [البقرة: ١٧] فالجواب: أن الذي مفرد باللفظ والمعنى على الجمع، ووجه وقوع المفرد موقع الجمع أنه أريد به الجنس مثل: من فيعود إليه الضمير تارة بلفظ المفرد، وتارة بلفظ الجمع. السؤال التاسع: وأما نصب المقيمين في قوله -تعالى-: والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله ... " [النساء: ١٦٢] ، فالجواب: أن نصبها باعتبارها مفعول به لمفعول محذوف تقديره: وأخص المقيمين. السؤال العاشر: وأما نصب ضراء في قوله: "ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته" [هود: ١٠] ، فلأنها ممنوعة من الصرف للتأنيث مثل: صحراء والممنوع من الصرف يخفض بالفتحة. السؤال الحادي عشر: وأما قوله:"معدودة"، في قوله -تعالى-: "لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة" [البقرة: ٨٠] ، فهذا استثناء مفرغ فأياماً منصوب على الظرف بالفعل قبله والتقدير: لن تمسنا النار أبداً إلا أياماً قلائل، يحصرها العد، لأن العد يحصر القليل. السؤال الثاني عشر: وأما قوله: "معدودات"، في قوله -تعالى-: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ... أياماً "معدودات" فإن معدودات صفة، وجمع صفة ما لا يعقل بالألف والتاء مطرد نحو هذا، ونحو قوله: "وقدور راسيات" [سبأ: ١٣] ، وقوله:"أيام معلومات" [الحج: ٢٨] . السؤال الثالث عشر: وأما قوله "الياسين" في قوله -تعالى-: "سلام على إل ياسين"، [الصافات: ١٣] فيمكن أن يقال: إل يعني: آل وأهل ياسين. أو يقال: سلام على الجماعة المنسوبين لإلياس، وهو نبي كريم ﷺ مثل: الأشعرون نسبة إلى الأشعري، وكان حقه أن يقال: الأشعريون، فإلياسين، على هذا القول جمع إلياس فحذفت ياء النسبة تخفيفاً كما ذكرنا في (الأشعرون) ، وأما سينين فليست جمعاً لـ سيناء، كما توهم السائل بل هي لغة أخرى لـ سيناء. السؤال الرابع عشر:

стр. 283

وأما اعتراض السائل على جملة "ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة" [البقرة: ١٧٧] ، حيث زعم الصواب أن يقال: ولكن البر أن تؤمنوا فالجواب: أن التقدير: ولكن البر بر من آمن فحذف المضاف، وإنما احتيج إلى هذا التقدير؛ لأن البر مصدر "ومن آمن" جسم وعين والأجسام لا تكون خبراً عن المصادر، ولا المصادر خبراً عن الأجسام. السؤال الخامس عشر: وأما نصب الصابرين، في قوله -تعالى-:"والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ... " [البقرة: ١٧٧] ، فقد تقدم جواب مشابه عن السؤال التاسع ونعيده، فأقول: نصبت بتقدير فعل محذوف تقديره: وأخص الصابرين أو على المدح. والله أعلم. السؤال السادس عشر: وأما قوله: "ثم قال له كن فيكون" في الآية الكريمة: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون" [آل عمران: ٥٩] ، فالمعنى فيكون كما يأمر الله فيكون حكاية للحال التي يكون عليها آدم، ويجوز أن يكون فيكون، بمعنى فكان وعلى هذا أكثر المفسرين والنحويين. السؤال السابع عشر: وأما حذف جواب لما، في قوله "فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب ... " [يوسف: ١٥] ، فالجواب محذوف تقديره: عرَّفناه أو نحو ذلك وبعض العلماء يقولون الجواب: أوحينا والواو زائدة إعراباً وهو مذهب الكوفيين. السؤال الثامن عشر: ليس فيما ذكره المعترض أدنى لبس لمن فهم اللغة العربية والخطاب العربي في قوله -تعالى-: "إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا" [الفتح: ٨-٩] ، فيجوز حمل الضمائر كلها على الله -تعالى-، ويجوز أن يكون الأولان عائدين على الرسول ﷺ والأخير عائداً على الله -تعالى- لأن التسبيح خاص به، والعربي المسلم يعي هذا فلا إشكال فيه. السؤال التاسع عشر: وأما الجمع في قلوبكما، في قوله -تعالى-: "فقد صغت قلوبكما" [التحريم: ٤] فسائغ لغة أن يعبر بالجمع عن المثنى؛ لأن التثنية جمع فأقل الجمع اثنان.

стр. 284

هل تشترط لتدريس القرآن أخذ الإجازة فيه المجيب د. عبد العزيز بن علي الحربي عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ١٩/١٠/١٤٢٤هـ السؤال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هناك أحد علماء التجويد عندنا يقول بأنه لا يجوز لمن ليس لديه سند متصل بالقرآن إلى النبي ﷺ ، ولم يعرض القرآن على شيخ قارئ فيجيزه فيه، لا يجوز له قراءة القرآن ولا تدريسه، ولدينا في بلادنا حلقات لتحفيظ القرآن الكريم يدرس فيها بعض الشباب الصالح غير أنهم ليسوا على ما ذكر ذلك الشيخ. فهل ما قاله صحيح؟ أفتونا جزاكم الله خيراً. الجواب من قال: لا يجوز إقراء القرآن ولا قراءته إلا بإجازة وإسناد فهو مخطئ، جاهل بمذهب السلف، ويذكر عن بعض المتأخرين اشتراط ذلك لمن أراد الإقراء، لا القراءة، فإن اشتراط الإجازة للقراءة لا يقوله عاقل، ولا يمكن تصور إجازة إلا بعد قراءة، وأظن مسألة القراءة زيادة من السائل، فهمها خطأ، لم يقل بها معلم التجويد المذكور، والمقصود: أن اشتراط ذلك والتعسير على الناس بمثل هذا ليس من الحق في شيء، فإن الله يسر للناس الذكر، تلاوة، وحفظاً فقال: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ" [القمر: من الآية١٧] ، وكان في الصحابة ﵃ العربي والعجمي، وفيهم الأعرابي، وكل يقرأ بما تيسر له، ويقول لهم: "اقرءوا فكل حسن" أبو داود (٨٣٠) وأحمد (١٤٨٤٩) والحديث صحيح، بل أنزل القرآن على سبعة أحرف (لغات) ، تيسيراً عليهم ودفعاً للمشقة، ولم يكن منهم ولا بعدهم من أهل القرون الأولى من يجيز، ولا يجاز بإسناد، وقد رد السيوطي في كتاب (الإتقان) على من يشترط ذلك، وتفصيل ذلك يطول، وقد جرت بيني وبين بعض الناس مباحثة في هذا، وكان مما قلته له هذه الأبيات التي منها: قالوا: الإجازة من شيوخ *** الذكر شرط في القراءة قلت: السلام عليكم*** رفقاً بنا ما ذي الجراءة هل كان لأسلاف الأوائل *** قبل عام التسعماءة لا يقرؤون بغيرها *** أين التثبت والبراءة؟ من يعشق التقليد يوماًً *** يرجع التقليد داءه والله الموفق.

стр. 285

إمام متساهل في أحكام التجويد المجيب د. مساعد بن سليمان الطيار عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ١٩/٧/١٤٢٤هـ السؤال إمام مسجدنا متساهل في أحكام التجويد، وخاصة في السكتات الخفيفة مثلا. فكيف يمكن توجيهه إذا اعتبرنا هذا العمل خطأ منه؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين، أما بعد: فإن كان يستطيع تعلم أحكام التجويد، فالأولى له أن يتعلم هذا العلم ليقوِّم قراءته، ويضبطها، أما إذا كانت أخطاؤه جلية تمسُّ عربية القرآن، فهذا ممن لا يصلح للصلاة بالناس، فالأولى أن لا يصلي بالناس. وأما السكتات التي ذكرت، فإن كان يقرأ من طريق حفص عن عاصم، فله سكتات أربع مشهورة، وهي: السكت على (عوجا) من قوله تعالى: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا" [الكهف:١] . والسكت على (مرقدنا) من قوله تعالى: "قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ" [يّس:٥٢] .والسكت على (بل) من قوله تعالى: "كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" [المطففين:١٤] ، والسكت على (مَن) من قوله "وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ" [المدثر:٢٧] . ومن قرأ برواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية فليس له أن يترك هذه السكتات، وإن كان يعلمها فلا شيء عليه، والله أعلم. وبالجملة، فالأولى لمثل هذا الذي تقلَّد الإمامة للناس أن يتعلم التجويد ويحسِّن قراءته، والله الموفق.

стр. 286

التفسير الكبير للرازي المجيب د. عبد اللطيف بن إبراهيم الحسين عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ١٩/١٢/١٤٢٤هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. سؤالي عن التفسير الكبير للرازي، لم عدَّه العلماء من التفاسير المنحرفة؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. يمكن القول بأن الرازي ﵀ من الأشاعرة المتكلمين، وتفسيره: (مفاتيح الغيب) المسمى بالتفسير الكبير فيه لطائف لغوية دقيقة، ونكت إعجازية من البلاغة القرآنية والحقائق الشرعية، إلا أن فيه مآخذ منها: قلة استشهاداته بالأدلة الشرعية، وعدم تمحيص الصحيح من الضعيف، وإقحامه للعقلانية والفلسفة، والعلوم الرياضية والطبيعية، وكتابه: (مفاتيح الغيب) أشبه بموسوعة في علم الكلام، وفي علوم الكون والطبيعة، حتى كادت أن تقلل من أهمية الكتاب كتفسير للقرآن العظيم - كما يقول بعض أهل التفسير-. وقال الحافظ ابن حجر عنه في (لسان الميزان) : (كان يعاب بإيراد الشبهة الشديدة، ويقصر في حلها، حتى قال بعض المغاربة: يورد الشبهة نقداً، ويحلها نسيئة) . وأنصح القارئ غير المتخصص والمتمكن في علوم الشريعة بعدم قراءته، ويمكن الرجوع إلى غيره من التفاسير الموثوقة والميسرة.

стр. 287

قراءة سورة الإخلاص ثلاثاً هل تعدل ختم القرآن ؟ المجيب د. محمد بن عبد الله القناص عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ٢٧/٠٨/١٤٢٦هـ السؤال أخرج البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَجُلاً سَمِعَ رَجُلاً يَقْرَأ: ُ"قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ" يُرَدِّدُهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، وَكَأَنَّ الرَّجُلَ يَتَقَالُّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ". فهل يكفي أن نقرأ سورة الإخلاص ثلاث مرات في اليوم بدلاً من قراءة أجزاء كثيرة من القرآن؟ وهل يجب التسمية عند كل قراءة للسورة إذا قرأتها ثلاث مرات متتابعةً؟. الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد: في هذا الحديث دليل على فضل: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، وبيان أنها تعدل ثلث القرآن الكريم، قال بعض أهل العلم: "هي ثلث القرآن باعتبار معاني القرآن الكلية، لأنه أحكام، وأخبار، وتوحيد، وقد اشتملت هي على القسم الثالث، وهو أشرف المعارف وأفضلها، فكانت ثلثاً بهذا الاعتبار، ويستأنس لهذا بقوله ﷺ : "إِنَّ اللهَ جَزَّأَ القُرْآنَ ثَلاَثَةَ أَجْزَاءٍ فجعل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) جُزْءاً مِنْ أَجْزَاءِ القُرْآنِ" [فتح الباري (٩/٦١) ] . وقال أبو العباس بن سريج لما سئل عن معنى قول النبي ﷺ : "قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن"، فقال: "معناه أنزل القرآن على ثلاثة أقسام: ثلث منها الأحكام، وثلث منها وعد ووعيد، وثلث منها الأسماء والصفات، وهذه السورة جمعت الأسماء والصفات " [ينظر: مجموع الفتاوى (١٧/١٠٣) ] .

стр. 288

وقال القرطبي: " اشتملت هذه السورة على اسمين من أسمائه تعالى يتضمنان جميع أوصاف كماله تعالى, لم يوجدا في غيرها من السور وهما "الأحد"، "الصمد"؛ لأنهما يدلان على أحادية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال، وبيان ذلك أن "الأحد" يشعر بوجوده الخاص الذي لا يشاركه فيه غيره، وأما "الصمد": فهو المتضمن لجميع أوصاف الكمال، فإن "الصمد" هو الذي انتهى سؤدده بحيث يصمد إليه في الحوائج كلها، أي يقصد، ولا يصح ذلك تحقيقاً إلا ممن حاز جميع خصال الكمال حقيقة، وذلك لا يكمل إلا لله -تعالى- فهو الأحد الصمد الذي: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ) ، فقد ظهر أن لهذين الاسمين من شمول الدلالة على الله تعالى وصفاته ما ليس لغيرهما من الأسماء، وأنهما ليسا موجودين في شيء من سور القرآن، فظهرت خصوصية هذه السورة بأنها ثلث القرآن" [المفهم (٢/٤٤١- ٤٤٢) ] . وقد ورد في فضل هذه السورة أحاديث أخرى، منها: حديث عائشة ﵂ في الصحيحين أن رسول الله ﷺ بَعَثَ رَجُلاً عَلَى سَرِيَّةٍ، وَكَانَ يَقْرَأُ لأصْحَابِهِ فِي صَلاتِهِمْ فَيَخْتِمُ بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فَلَمَّا رَجَعُوا ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ؟ " فَسَأَلُوهُ فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ يُحِبُّهُ" أخرجه البخاري (٧٣٧٥) ، ومسلم (٨١٣) .

стр. 289

وهذه السورة المباركة إذا قرأها المسلم حصل له ثواب بقدر ثواب ثلث القرآن، ولكن لا يكتفى بتلاوتها ثلاث مرات عن تلاوة بقية القرآن، وذلك لتنوع الثواب والأجر، وحاجة المسلم إلى قراءة بقية القرآن لما فيه من الأحكام والقصص التي يحتاج المسلم إلى تدبرها والانتفاع بما تضمنته من أوامر ونواهٍ وتوجيهات حتى يعبد الله على بصيرة وهدى، ويوفق للاستقامة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فإذا قرأ الإنسان "قل هو الله أحد" حصل له ثواب بقدر ثواب ثلث القرآن، لكن لا يجب أن يكون الثواب من جنس الثواب الحاصل ببقية القرآن، بل قد يحتاج إلى جنس الثواب الحاصل بالأمر والنهي والقصص، فلا تسد (قل هو الله أحد) مسد ذلك ولا تقوم مقامه،.... بل يبقى فقيراً محتاجاً إلى ما يتم به إيمانه من معرفة الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولو قام بالواجب عليه فالمعارف التي تحصل بقراءة سائر القرآن لا تحصل بمجرد قراءة هذه السورة، فيكون من قرأ القرآن كله أفضل ممن قرأها ثلاث مرات من هذه الجهة لتنوع الثواب، وإن كان قارىء (قل هو الله أحد) ثلاثاً يحصل له ثواب بقدر ذلك الثواب، لكنه جنس واحد ليس فيه الأنواع التي يحتاج إليها العبد، كمن معه ثلاثة آلاف دينار وآخر معه طعام ولباس ومساكن ونقد يعدل ثلاثة آلاف دينار، فإن هذا معه ما ينتفع به في جميع أموره، وذاك محتاج إلى ما مع هذا وإن كان ما معه يعدل ما مع هذا، وكذلك لو كان معه طعام من أشرف الطعام يساوي ثلاثة آلاف دينار فإنه محتاج إلى لباس ومساكن وما يدفع به الضرر من السلاح والأدوية وغير ذلك مما لا يحصل بمجرد الطعام. " [مجموع الفتاوى (١٧/١٣٨) ] . والبسملة عند افتتاح كل سورة مستحبة إلا عند قراءة سورة التوبة، هذا والله أعلم.

стр. 290

آية الرجم المنسوخة المجيب د. محمد بن إبراهيم الغامدي عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ٢٢/٣/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم ورحمة الله. هل هنالك آية تسمى آية الرجم حذفت من القرآن؟ إن كان ذلك صحيحاً نرجوكم أن توضحوا لنا الحكمة من ذلك، وهل هناك آيات أخرى حذفت؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده: أما بعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فنقول وبالله التوفيق نعم هناك آية في كتاب الله تسمى آية الرجم لم تحذف ولكن العبارة الصحيحة أنها نسخت لفظاً وبقي حكمها وهذا أمر مقرر شرعاً وهو نسخ اللفظ وبقاء الحكم وهونوع من أنواع النسخ في القرآن أخرج البخاري في صحيحه٦/٢٥٠٣ حديث (٦٤٤١) حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس ﵄ قال قال عمر ﵁ لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف قال سفيان كذا حفظت ألا وقد رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، باب: رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت.

стр. 291

وأخرج البخاري (٦/٢٥٠٤) أيضا من حديث عمر ﵁ أنه قام فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي إن الله بعث محمدا ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها رجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله) . وأخرج مسلم: ٣/١٣١٧حديث (١٦٩١) عن عمر ﵁ أنه قال وهو جالس على منبر رسول الله ﷺ إن الله قد بعث محمدا ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها وعقلناها فرجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف وأخرج ابن حبان في صحيحه:١٠/٢٧٤ أخبرنا محمد بن الحسن بن مكرم بالبصرة قال حدثنا داود بن رشيد قال حدثنا أبو حفص الأبار عن منصور عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش قال لقيت أبي بن كعب ﵁ فقلت له إن ابن مسعود ﵁ كان يحك المعوذتين من المصاحف ويقول إنهما ليستا من القرآن فلا تجعلوا فيه ما ليس منه قال أبي قيل لرسول الله ﷺ فقال لنا فنحن نقول كم تعدون سورة الأحزاب من آية قال قلت ثلاثا وسبعين قال أبي والذي يحلف به إن كانت لتعدل سورة البقرة ولقد قرأنا فيها آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم".

стр. 292

وأخرج الحاكم في مستدركه٢/٤٥٠ أخبرنا أبو العباس أحمد بن هارون الفقيه حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن أبي بن كعب ﵁ قال كانت سورة الأحزاب توازي سورة البقرة وكان فيها "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأخرج أيضا في٤/٤٠٠ حديث (٨٠٦٨) قال حدثنا أحمد بن كامل القاضي ثنا محمد بن سعد العوفي ثنا روح بن عبادة ثنا شعبة قال وحدثنا أحمد بن محمد بن عيسى القاضي ثنا أبو النعمان محمد بن الفضل ثنا حماد بن زيد جميعا عن عاصم عن زر قال قال لي أبي بن كعب ﵁ وكان يقرأ سورة الأحزاب قال قلت ثلاثا وسبعين آية قال قط قلت قط قال لقد رأيتها وإنها لتعدل البقرة ولقد قرأنا فيما قرأنا فيها "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأخرج أيضا برقم (٨٠٦٩) قال: أخبرنا أبو العباس القاسم بن القاسم السياري ثنا محمد بن موسى الباشاني ثنا علي بن الحسن بن شقيق أنبأ الحسين بن واقد ثنا يزيد النحوي عن عكرمة عن بن عباس ﵄ قال من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب قوله "يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب" [المائدة:١٥] فكان الرجم مما أخفوا هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. أخرج أيضا حديث برقم (٨٠٧٠) قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أنبأ بن وهب أخبرني الليث بن سعد عن سعيد بن أبي هلال عن مروان بن عثمان عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف أن خالته أخبرته قالت لقد أقرأنا رسول الله ﷺ آية الرجم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة بما قضيا من اللذة" هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة

стр. 293

وأخرج أيضاً برقم (٨٠٧١) فقال: حدثني محمد بن صالح بن هانئ ثنا الحسين بن محمد بن زياد ثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار قالا ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن كثير بن الصلت قال كان ابن العاص وزيد بن ثابت ﵄ يكتبان المصاحف فمرا على هذه الآية فقال زيد ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ثم "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" فقال عمرو ﵁ لما نزلت أتيت النبي ﷺ فقلت أكتبها فكأنه كره ذلك فقال له عمرو ألا ترى أن الشيخ إذا زنى وقد أحصن جلد ورجم وإذا لم يحصن جلد وأن الثيب إذا زنى وقد أحصن رجم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فهذه الآية التي ذكرت ثبت أنها كانت فيما أنزل من القرآن ثم نسخ لفظها وبقي حكمها، وأما الحكمة من ذلك فقد نعلمها وقد لا نعلمها لكن إذا لم نعلمها فالواجب علينا التسليم والنسخ أمر مقرر شرعاً: يقول الله جل وعلا "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منه أو مثلها ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير" [البقرة ١٠٦] . وقال "وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون" [النحل ١٠١] . ومن الحكم التي ذكرها أهل العلم للنسخ ١- اللطف والتخفيف بعد التشديد والتغليظ قال تعالى "الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين......." [الأنفال:٦٦] فنسخ لقاء الواحد من المسلمين للعشرة من المشركين إلى لقاء الواحد للإثنين. ٢-العقوبة والمجازاة على جرائم المكلفين كما في قوله - تعالى - "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم..........." [النساء١٦٠] .

стр. 294

٣- التكريم للمكلف وطلب رضاه وما تطيب به نفسه كما في قوله -تعالى- "قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام......." الآية [البقرة:١٤٤] ، وقد كان يستقبل بيت المقدس لكنه كان يكره استقبال قبلة اليهود ويحب استقبال قبلة إبراهيم ﵇ فنسخ الله -سبحانه- ما كرهه بما رضيه من القبلتين كرامة له ﷺ . ٤-المصلحة المبنية على ما تقدم من السهولة بعد الصعوبة وتخفيف التكليف لكونه أقرب للاستجابة استصلاحا للمكلفين ٥- وقد يكون ابتلاء من الله ولا يبين وجه الأصلح فيه إذ له فعل ما يشاء كما في قوله "سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها" فأجابهم بقوله "قل لله المشرق والمغرب"الآية، [البقرة:١٤٢] . فأخبر أنه يملك المشرق والمغرب فله أن يوليهم إلى أي جهة وعلل بالابتلاء في قوله: "وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه" [البقرة:١٤٣] فهذا نسخ للابتلاء والاختبار. والنسخ باب واسع من أبواب أصول الفقه ينظر في هذا الواضح في أصول الفقه لأبي الوفاء ابن عقيل١/٢٤٣وما بعدها والذي ينبغي أن يعلم أن الرجم حكم ثابت أيضا بالسنة الصحيحة في حق الزاني المحصن إذا ثبت عليه ذلك بإقراره المعتبر شرعا أو بالبينة المعتبرة شرعا وتوافرت بقية شروطه المفصلة في كتب الفقه والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 295

القراءات العشر المجيب د. محمد بن سريّع السريّع عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ٠٤/٠٢/١٤٢٦هـ السؤال بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقد أحببت السؤال بخصوص القراءات المتسلسلة للقرآن الكريم أن عددها عشرة قراءات، وأتمنى أن تعلموني كيف يتم التفريق بينها، إضافة إلى سبب عدم كتابة هذه القراءات، وكيف يمكن للمسلم أن يتعلمها، وما السبيل لذلك؟. وجزاكم الله كل خير، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. - القراءات القرآنية جمع قراءة، والقراءة: هي مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراء في النطق بالقرآن الكريم. والقراءات القرآنية الصحيحة هي المتلقاة بأسانيد صحيحة إلى النبي ﷺ مع اجتماع باقي الشروط التي ذكرها العلماء لذلك. ومن أمثلة القراءات القرآنية قوله تعالى: "مالك يوم الدين" [الفاتحة:٤] ، وفي قراءة: "ملك يوم الدين"، ومن أمثلتها قوله تعالى: "ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون" [البقرة:١٠] ، وفي قراءة: "يكذّبون"، ومن أمثلتها قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا" [الحجرات:٦] ، وفي قراءة: "فتثبتوا". - والقراءات القرآنية تناقلها الأئمة القراء، وهي مثبتة في كتب أهل العلم، ولكن لا يسوغ جمعها في مصحف واحد؛ لأنه يؤدي إلى التشويش والتلبيس، ومن أراد تعلُّم هذه القراءات فعليه أن يتلقاها من الأئمة القراء الذين تلقوا هذه القراءات عمن قبلهم، كما أنه من الممكن أن يستفيد من كتب أهل العلم المصنفة في القراءات ككتاب التيسير لأبي عمر الداني والنشر في القراءات العشر لابن الجزري. والله أعلم.

стр. 296

علماء الإغريق واكتشاف مراحل الجنين المجيب د. محمد بن إبراهيم دودح باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ١/٠٥/١٤٢٥هـ السؤال هل صحيح أن علماء الإغريق القدامى مثل أرسطو اكتشفوا كيف يتم تكوين الجنين في بطن أمه؟ أي قبل نزول القرآن على سيدنا محمد ﷺ ؟ لأن هناك شخصاً هندوسياً تحدى القرآن، وأبطل كون القرآن كتاباً علمياً، وأنه سبق الكثير من العلوم الحالية في اكتشافاته مثل تكوين الجنين. والسلام عليكم ورحمة الله. الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. بخصوص السؤال عن الحقائق العلمية المتعلقة بخلق الجنين، والتي كشفها القرآن الكريم هل كان يعرفها أحد زمن التنزيل؟؛ بديهي أن تسمع من المشككين مغالطات آملين التشويش على غير العارفين بالحقائق, ويكفي أن نخبة من كبار المختصين في العالم في علم الأجنة قد بهرتها الأوصاف العلمية الدقيقة في القرآن، فشاركت معنا في العديد من المؤتمرات العلمية الدولية، مقررة سبق القرآن للمعارف البشرية، ومعترفة أنه ليس بقول بشر, ومن هؤلاء (كيث مور) Keith Moore رئيس قسم التشريح وعلم الأجنة بجامعة (تورنتو) في كندا, ولك أن تطالع كتابه بالإنجليزية حول تخلق الجنين البشري The Developing Human لتجد أمامك مقابل حقائق علم الأجنة المكتشفة حديثاً على يد أشخاص معروفين نفس الدلالات في القرآن، لتشهد للكتاب الكريم بالتنزيل.

стр. 297

عاش المفكر الإغريقي أرسطو Aristotle في القرن الرابع قبل الميلاد, وقد أصاب شهرة واسعة؛ نتيجة لتأملاته في كثير من الظواهر الطبيعية قبل اكتشاف المجهر في القرن السابع عشر, وله مساهمات تجريبية في وصف تطور جنين الدجاجة وغيرها بالعين المجردة، حتى إن البعض يعتبره واضع أساس علم الأجنة, ومع ذلك فقد جاءت الثورة العلمية الحديثة ابتداء من القرن السابع عشر بمكتشفات نقضت معتقداته, ومن ذلك اعتقاده بتخلق الجنين من دم الحيض نتيجة للاتحاد مع السائل المنوي, وليس هو أول من وصف تطور جنين الدجاجة من الإغريق فقد سبقه (أبو قراط) Hippocrates بحوالي قرن عدا كثير من اجتهاداته في الطب، حتى إن كثيراً ممن يحاول من الغربيين قصر نسبة تاريخ العلوم على أسلافه يعتبره أبا الطب, وربما كان (جالن) Galen الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد أكثر دقة من أرسطو في كثير من أوصاف أجنة الحيوان بالعين المجردة, وفي العصور الوسطى قبل عصر النهضة عاشت أوروبا في كساد علمي لم يتجاوز كثيرا ترديد أفكار الإغريق, ولذا يتعجب البروفيسور (كيث مور) في كتابه من وفرة وتآزر الحقائق العلمية المتعلقة بخلق الجنين في القرآن, فيقول: "لم تُضف في العصور الوسطى معلومات ذات قيمة في مجال تخلق الجنين, ومع ذلك قد سجل القرآن في القرن السابع وهو الكتاب المقدس عند المسلمين أن الجنين البشري يتخلق من أخلاط تركيبية من الذكر والأنثى, مع بيان تخلق الجنين في أطوار ابتداءً مما يماثل في التركيب قطيرة أو نطفة تنغرس وتنمو في الرحم كالبذرة.. ومع وصف الجنين في أول مرحلة بما يماثل العلقة Leech التي تعيش على مص دماء الغير، ثم مما يماثل كتلة ممضوغة بما فيها من علامات أسنان وانبعاجات وهو ما يتفق تماما مع تطور الأعضاء في المرحلة التالية, وإذا أردت مزيدا من الأوصاف العلمية في القرآن في مجال علم الأجنة فإني أحيلك إلى كتابي طبعة ١٩٨٦.., مع العلم أن أول من درس جنين الدجاجة

стр. 298

باستخدام عدسة بسيطة هو (هارفي) Harvey عام ١٦٥١, ودرس كذلك أجنة الأيل Deer ولصعوبة معاينة المراحل الأولى للحمل استنتج أن الأجنة ليست إلا إفرازات رحمية, وفي عام ١٦٧٢ اكتشف جراف Graaf حويصلات في المبايض ما زالت تسمى باسمه Graafian Follicles وعاين حجيرات في أرحام الأرانب الحوامل تماثلها، فاستنتج أن الأجنة ليست إفرازات من الرحم وإنما من المبايض, ولم تكن تلك التكوينات الدقيقة التي عاينها (جراف) سوى تجاويف في كتل الخلايا الجنينية الأولية Blastocysts, وفي عام ١٦٧٥ عاين مالبيجي Malpighi أجنة في بيض دجاج ظنه غير محتاج لعناصر تخصيب من الذكر، واعتقد أنه يحتوى على كائن مصغر ينمو ولا يتخلق في أطوار, وباستخدام مجهر أكثر تطوراً اكتشف هام Hamm وليفنهوك Leeuwenhoek الحوين المنوي للإنسان للمرة الأولى في التاريخ عام ١٦٧٧ولكنهما لم يدركا دوره الحقيقي في الإنجاب، وظنا أيضاً أنه يحتوي على الإنسان مصغراً لينمو في الرحم بلا أطوار تخليق, وفي عام ١٧٥٩ افترض وولف Wolff تطور الجنين من كتل أولية التكوين ليس لها هيئة الكائن المكتمل, وحوالي العام ١٧٧٥ انتهى الجدل حول فرضية الخلق المكتمل ابتداءً، واستقرت نهائيا حقيقة التخليق في أطوار وأكدت تجارب إسبالانزاني Spallanzani على الكلاب على أهمية الحوينات المنوية في عملية التخليق.. وقبله سادت الفكرة بأن الحوينات المنوية كائنات غريبة متطفلة، ولذا سميت بحيوانات المني Semen Animals, وفي عام ١٨٢٧ بعد حوالي ١٥٠ سنة من اكتشاف الحوين المنوي عاين (فون بير) von Baer البويضة في حويصلة مبيض إحدى الكلاب, وفي عام ١٨٣٩ تأكد شليدن Schleiden وشوان Schwann من تكون الجسم البشري من وحدات بنائية أساسية حية ونواتجها، وسميت تلك الوحدات بالخلايا Cells وأصبح من اليسير لاحقا تفهم حقيقة التخلق في أطوار من خلية مخصبة ناتجة عن الاتحاد بين الحوين المنوي والبويضة.. وفي عام ١٨٧٨ اكتشف فليمنج

стр. 299

Flemming الفتائل الوراثية Chromosomes داخل الخلايا, وفي عام ١٨٨٣ اكتشف بينيدن Beneden اختزال عددها في الخلايا التناسلية, وفي القرن العشرين تم التحقق نهائيا من احتواء الخلية البشرية الأولى Zygot على العدد الكامل من تلك الأخلاط الوراثية من الذكر ومن الأنثى وعُرف عددها". هذا هو تاريخ اكتشاف تلك الحقائق التي سبق القرآن وذكرها قبل اكتشافها بقرون, فكيف لمحقق أن يجهلها أو يتجاهلها ويعارض الحقيقة إلا ويتهمه التاريخ والعلم بالجهل أو الحيدة عن الإنصاف! , يقول العلي القدير: "مّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلّهِ وَقَاراً. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً" [نوح: ١٣و١٤] , ويقول : "يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ" [الحجرات: ١٣] , قال القرطبي: "بَيَّنَ الله -تعالى- في هذه الآية أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى، وقد ذهب قوم من الأوائل إلى أن الجنين إنما يكون من ماء الرجل وحده، ويتربى في رحم الأم ويستمد من الدم الذي يكون فيه.. والصحيح أن الخلق إنما يكون من ماء الرجل والمرأة لهذه الآية فإنها نص لا يحتمل التأويل", ويقول : "إِنّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ" [الإنسان: ٢] , قال الشوكاني: "وأمشاج صفة لنطفة وهي جمع مشج أو مشيج وهي الأخلاط والمراد نطفة الرجل ونطفة المرأة واختلاطهما", وقال ابن القيم: "الجنين يخلق من ماء الرجل وماء المرأة خلافا لمن يزعم من الطبائعيين أنه إنما يخلق من ماء الرجل وحده, إن فيض التفاصيل العلمية في القرآن، والتي يستحيل أن يدركها بشر زمن التنزيل هي بعض دلائل النبوة الخاتمة التي تسطع اليوم أمام النابهين.

стр. 300

لماذا لم يفسر الرسول القرآن درءاً للخلاف ؟ المجيب د. ناصر بن محمد الماجد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ١٠/٠٣/١٤٢٧هـ السؤال لماذا لم يفسر الرسول ﷺ القرآن كلمة كلمة؟ ألم يكن ذلك حماية لكتاب الله من محاولات البشر لتفسيره كلٌّ كما يرى، مما أدى -في رأيي- إلى تفريق الملتفين حوله كل يدعي صحة تفسيره، وخاصة في عصرنا الحالي، وكلٌّ يستند إلى تفسير البشر المقربين من الرسول ﷺ أي الصحابة وكأنهم بشر مقدسين؟ وأخطر مثال لذلك ما يحدث بين علماء السنة وعلماء الشيعة وكلاهما يكفر الآخر ويدعو أتباعه إلى قتل الآخر وهنا أسأل: أين الحقيقة بين الفريقين، وخاصة فيما يخص الأحاديث النبوية؟ ولماذا لم يوجه الرسول ﷺ الصحابة بضرورة كتابة وتدوين القرآن وكذلك الأحاديث؛ حتى يمكنه تدقيقها بنفسه، وقطع الطريق على المدلسين ... والغريب أن ذلك تم بعد موته بقليل بشأن القرآن، وبعد مدة طويلة بشأن الأحاديث، مما أدى إلى دخول عوامل أخرى أثرت في دقة التدوين، وتعلمون ذلك مما يشاع من قرآن لدى الشيعة مختلف قليلا عن قرآن السنة، والأمر أوضح في الأحاديث؟ أرجو أن لا يفهم تساءلي على أنه رغبة في هدم الإسلام، بل على العكس إنه نقد يهدف إلى تزويد المدافعين عن الإسلام بأجوبة مقنعة لأسئلة تواجههم من خلال وسائل تبادل المعلومات في عصرنا الحالي. الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد: فقد عرض السائل الكريم في سؤاله لعدد من الموضوعات، وفي بعض ما أورده مسائل كبار، ربما لم يمكن استيعابها في هذه الإجابة، فأرجو أن يكون فيما أذكره ما يفي بمبتغى السائل، ويضع يده على طريق الصواب.

стр. 301

فأما سؤالك عن عدم تفسير النبي ﷺ للقرآن، فيغلب على ظني أن الذي حملك على مثل هذا السؤال ما رأيت من اختلاف واسع بين المنتسبين إلى الإسلام، فظننت أنه لو كان النبي ﷺ فسر القرآن كاملا لكان عصم الأمة من هذا الاختلاف، والجواب على هذا من جانبين: أولهما: أن الاختلاف بين البشر سنة باقية، هي من لوازم وجودهم واجتماعهم، وهي قدر الله السابق، وله في ذلك الحكمة البالغة، والمشيئة النافذة، وهو تعالى يعلم أن هذا الاختلاف سيقع من الناس، ولو شاء لم يكن ذلك، وإنما أراد ذلك؛ ليعلم بهذا من يطيعه ممن يعصيه، ويبتلي عباده لينظر من يعظم أمره ممن يتعداه، ولهذا خلق الإنس والجن، وأوجد الجنة والنار، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب. ولو طردنا هذا الذي تقول في مسألة اختلاف المسلمين، لجاز لنا أن نسأل: لم قدر الله اختلاف الناس أصلا، بين مؤمن وكافر، وبر وفاجر؟ ومتى أجبتَ عن هذا السؤال والإيراد، وبينت حكمة هذا الاختلاف، كان ما قلتَه هو الجواب عما استشكل عليك، ذلك أن الله لو شاء لهدى الناس جميعا، فكانوا أمة واحدة، لا خلاف بينها، كما قال : "وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ" [النحل:٩٣] ، ولكن الله -تعالى- أراد أن يبتلي عباده، ليعلم المؤمن من الكافر، والبر من الفاجر. فمهما يكن من بذل للأسباب المانعة من الخلاف، فإنه لا بد أن يقع بين الأمة اختلاف وافتراق، كما أخبر بذلك النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي أخرجه أبوداود (٤٥٩٦) ، والترمذي (٢٦٤٠) وغيرهما، من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تفرقت اليهود على إحدى وسبعين، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة".

стр. 302

ثانيهما: يجب لفت نظرك الكريم، إلى أن الخلاف بين أهل الإسلام في فهم كلام الله وسنة رسوله ﷺ -وإن كان واسعا- فإنه بحمد لله لم يوجب شقاقا ولا نزاعا؛ لأنه بقي في دائرة البحث العلمي والنظر الفقهي، الذي تتعدد فيه الرؤى وتتنوع الاعتبارات، وهؤلاء صحابة رسول الله ﷺ وسلف الأمة من القرون المفضلة، ثم من تبعهم من علماء المسلمين وأئمة الدين، لم يقع بينهم شقاق أو نزاع، يخرج عن دائرة الاجتهاد والنظر في فهم كلام الله وكلام رسوله ﷺ ، لأنهم متفقون على أصول الاعتقاد، وأصول العبادة، وأمهات المسائل الشرعية، والخلاف الذي وقع بينهم سائغ في أصله، لم يوجب أن يضلِّل أو يُبَدِّع بعضهم بعضا. وأما ما وقع فيه أهل البدعة والضلالة، الذين تأولوا كتاب الله على غير وجهه، فإن من المهم أن تعلم -أخي السائل- أن هذا الخلاف لم يكن من جهة غموض دلالة القرآن والسنة، وعدم فهم مراد الشارع فيهما، بل هم أناس اعتقدوا عقيدة بهوى أنفسهم، وبنوا عليها رأيهم، وأصَّلوا عليها أصولهم، ثم طلبوا الدليل لها، فلما أعياهم ذلك بدأوا يأولون كلام الله، ويحرفون الكلام عن مواضعه، ومن كانت هذه حاله فلن يردعهم عن ضلالهم تفسير النبي- ﷺ لجميع القرآن، ولو فعل، وخذ على سبيل المثال، من أنكر سنة النبي ﷺ جملة وتفصيلا، مقتصرًا على القرآن الكريم، ممن يسمون أنفسهم ـ كذبا ـ (قرآنيون) فهؤلاء يردون سنة النبي ﷺ من أصلها، ولا يقبلون شيئا منها، وإن كانت ثابتة، فإذاً لو فسر النبي ﷺ كامل القرآن كلمة كلمة، لم يمنعهم ذلك من مخالفة المسلمين.

стр. 303

ومثال آخر: تلك الفرق الباطنية المتعددة، التي تقوم أساسا على تفسيرات باطنية، تخالف الظاهر المدرك، ولا تجري على لغة العرب ونسقها، فضلا عن مخالفتها لإجماع علماء المسلمين، فمثل أولئك لابد أن يقع خلاف معهم، لأن أسس الاستدلال والفهم والالتزام غير مشتركة، فلابد أن تكون النتيجة غير متفقة. وفي هذا السبيل الخلاف الذي أشرت إليه في سؤالك، بين أهل السنة والشيعة، فالخلاف بين الفريقين ليس خلافا في فهم آية من كتاب الله، أو استدلال بحديث من أحاديث رسول الله ﷺ ، أو فرع من فروع الشريعة، بل الخلاف معهم أعمق من هذا، إنه خلاف في أصول الاعتقاد، ومصادر التلقي، ومنهج الاستدلال، مما يجعل الخلاف منظومة فكرية كاملة، فلو كتب النبي ﷺ ، -كما تقول أنت- سنته كاملة، وضبطها وراجعها، لما أغنى ذلك في الخلاف مع الرافضة -وهم غلاة الشيعة- لأنهم يقدحون في كل الصحابة، إلا نفرا قليلا جدا، لا يبلغ العشرة منهم، فلو جئتهم بسنته مكتوبة، وقلت: هذا ما كتبه رسول الله ﷺ ؛ لما قبلوها، زاعمين أن من كتبها ونقلها -وهم الصحابة ﵃ قد غيروا وبدلوا، بل هذا ما وقع فعلا في كتاب الله -وقد أشرت أنت إلى ذلك- فمع أنه كان قد كتب عند رسول الله ﷺ ، وحفظ وضبط، فلم يغن شيئا عند أهل الغلو منهم، فزعموا نقص القرآن وتحريفه. وأما ما ذكرته من مسألة التلقي عن الصحابة والاحتجاج بأقوالهم، فهي مسألة أصولية بسطت في محلها من كتب الأصول ولها قيود وضوابط، ومن المهم أن تعلم أن الاحتجاج بأقوالهم، ليس لأنهم بشر مقدس لا يخطئ، بل هم يخطئون ويصيبون، ويؤخذ من قولهم ويرد، لا يختلف في ذلك أهل العلم، وإنما كان لأقوالهم في تفسير كلام الله تعالى مزية عن غيرهم لأمور، من أهمها:

стр. 304

أولا: أنهم أهل اللسان الذين نزل به القرآن الكريم، فهم أهل العربية الناطقون بها، فمن المعقول أن يكونوا أولى مَنْ فهم كلام الله، وعَرَف مراده. ثانيا: أنهم قد عايشوا التنزيل، وشهدوا مواقع نزول القرآن، وما احتف بذلك النزول من حوادث، وهذه مزية تجعلهم أعلم بمعاني الكلام، ومراد المتكلم به. ثالثا: أنهم لصحبتهم للنبي ﷺ وطول ملازمتهم له، كانوا أعلم الناس بهذه الشريعة، وأدرى الأمة بمراد الشارع. لهذه الأسباب، وغيرها مما لم أشر إليه، فلا يختلف أهل الإسلام؛ أنهم المقدمون على من سواهم، وأن قولهم حجة على من بعدهم. وأما مسألة الدقة في التدوين فلا أدري ما قصدك بها، لأنه لا توجد أمة على وجه الأرض، حفظت سنة نبيها وآثار سلفها، كما فعلت هذه الأمة، على نحو يدل أن ذلك من توفيق الله تعالى لها، وهدايته إياها، حتى سلكت هذا السبيل، وبنظرة خاطفة إلى دواوين السنة، والمؤلفات الخادمة لها، تدرك مدى الجهد العلمي الضخم، الذي بذله علماء السنة، وأساطين الدين، حتى حفظوا لنا سنة رسول الله ﷺ ، بأسماء رواتها كلهم، على اختلاف بلدانهم، وتنوع أعصارهم، وتفاوت درجاتهم في العدالة والحفظ، بشكل مذهل معجب، مع العناية الفائقة بتمييز الصحيح من الضعيف، والمقبول من المردود. ومع هذا التدوين والكتابة الدقيقة، فلم يكن الاعتماد على هذا فقط، بل هناك حفظ الصدور، حيث اشتهر في تاريخ تدوين السنة، عدد ضخم من الحفاظ المتقنين، الذين تربو محفوظاتهم من الآثار والسنن بأسانيدها، عن عشرات الألوف، بل وبعضهم مئات الألوف، ولذا فلا شك عند علماء المسلمين، أن سنة رسول الله ﷺ قد حفظت لنا، حفظا متقنا، نعلم معه ونميز به، ما قاله الرسول ﷺ مما كُذب عليه ونسب إليه.

стр. 305

وبقي أن أقول -أيها السائل الكريم-: ليس بين يدي طالب الحق، الباحث عن الهدى والنور، أو حتى من يدافع عنه، إلا أن يجتهد وسعه، ويخلص النية لله تعالى، ويسأله الهداية لما اختلف فيه من الحق، والله الموفق للصواب، الهادي إلى سواء السبيل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.

стр. 306

تحزيب القرآن الكريم المجيب د. رياض بن محمد المسيميري عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ٢٧/١١/١٤٢٤هـ السؤال أرجو التفضل بالإفادة عن تقسيم القرآن الكريم إلى أجزاء، وأحزاب، وأرباع، متى تم ذلك؟ ومن الذي قام به؟ وعلى أي أساس؟ والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الجواب لقد مرّ المصحف الشريف بمراحل متعددة قبل أن يصل إلينا بحليته الموجودة بين أيدينا الآن، وقد كان القرآن الكريم في عصر النبي ﷺ مفرقاً، في الألواح، وعُسْب النخل والأكتاف، وغيرها مما تيسر آنذاك، ثم حصل جمع القرآن في عهد الصديق ﵁، ثم جمع الجمع الأخير، في عهد عثمان ﵁ لأسباب وظروف معلومة، يطول شرحها، وظل القرآن في عصر الصحابة ﵃ غير منقوط أو مشكوك حتى اضطر المسلمون إلى نقطه وضبطه بالشكل حين كثر اللحن وشاع الخطأ، وقيل: أول من نقطه هو أبو الأسود الدؤلى وقيل: بل يحيى بن يعمر، وقيل: غير ذلك، وكان بداية تحزيبه بشكله المعروف الآن في عهد الحجاج بن يوسف الثقفي كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (١٣/٤٠٩) ، ومما هو جدير بالذكر أن تحزيب الصحابة ﵁ كان بالسور وهو أفضل وأحسن من تحزيبه الحالي الذي لا يخلو من بعض الوقوفات على كلمات أو آيات ذات صلة وثيقة بما بعدها، كما أشار السائل. والله أعلم.

стр. 307

الإعجاز العلمي للقرآن المجيب د. محمد بن إبراهيم دودح باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ١٢/٠٤/١٤٢٥هـ السؤال ما حكم ما يسمى بالإعجاز العلمي للقرآن؟، وأعني بذلك تفسير آيات القرآن الكريم بقوانين العلوم الطبيعية (كالكيمياء، والطب، والجيولوجيا، والفلك، ونحوها) ، هل هو جائز بإطلاق؟ أم ممنوع بإغلاق؟ أم هناك ضوابط وقواعد؟. الجواب الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.. وبعد: لقد ادخر القرآن الكريم كثيراً من الآيات للأجيال في عبارات معلومة الألفاظ، لكن الكيفيات والحقائق لا تتجلى إلا حيناً بعد حين, يقول تعالى: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ" (ص ٨٧و٨٨) , وقد فسر الطبري معنى الحين بقوله: (فلا قول فيه أصح من أن يطلق كما أطلقه الله من غير حصر ذلك على وقت دون وقت) , فلكل نبأ في القرآن زمن يتحقق فيه، فإذا تجلى الحدث ماثلا للعيان أشرقت المعاني، وتطابقت دلالات الألفاظ والتراكيب مع الحقائق, وهكذا تتجدد معجزة القرآن على طول الزمان, يقول العلي القدير: "وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" [الأنعام: ٦٦-٦٧] , ونقل ابن كثير عن ابن عباس ﵄ تفسيره للمستقر بقوله: (لكل نبأ حقيقة أي لكل خبر وقوع ولو بعد حين) , وقد تردد هذا الوعد كثيرا في القرآن الكريم بأساليب متعددة كما في قوله -تعالى- "ثم إن علينا بيانه" [القيامة: ١٩] , وقوله: "سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق" [فصلت: ٥٣] , وقوله: "وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها" [النمل: ٩٣] , قال ابن حجر: (ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة، وخرقه للعادة في أسلوبه، وفي بلاغته، وإخباره بالمغيبات، فلا يمر عصر من العصور إلا ويظهر فيه شيء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه) , قال محمد رشيد رضا: (ومن دلائل إعجاز القرآن أنه يبين الحقائق التي لم يكن يعرفها أحد من المخاطبين بها في زمن تنزيله بعبارة لا يتحيرون في فهمها والاستفادة منها مجملة، وإن كان فهم ما وراءها من التفصيل الذي يعلمه ولا يعلمونه يتوقف على ترقي البشر في العلوم والفنون الخاصة بذلك) , وقال جوهري: (أما قولك كيف عميت هذه الحقائق على كثير من أسلافنا؟ , فاعلم أن الله هو الذي قال: "سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ"، وقال: "وَقُلْ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا", إن الله لا يخلق الأمور إلا في أوقاتها المناسبة، وهذا الزمان هو أنسب الأزمنة) , "والمدار على الفهم، والفهم في كل زمان بحسبه، وهذا زمان انكشاف بعض الحقائق) . وفي قوله -تعالى-: "سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ" [الأنبياء: ٣٧] ، قال ابن عاشور: (وعد بأنهم سيرون آيات الله في نصر الدين) , وهي كما قال الرازي: (أدلة التوحيد وصدق الرسول ﷺ ولذلك قال -سبحانه-:"فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ" أي أنها ستأتي لا محالة في وقتها) , واستعجال المنكرين يعني كما قال الشيخ طنطاوي: (استبعاد ما جاء في هذه الآيات من الأمور العلمية التي أوضحها علماء العصر الحاضر، فهم يستبعدونها طبعاً؛ لأنهم لا يعقلونها، فقال الله -تعالى- لا تستبعدوا أيها الناس "سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ"، فإذا لم تفهمها أمم سابقة.. سيعرفها من بعدهم، فقد ادخرنا هذه الأمور لأمم ستأتي؛ لتكون لهم آية علمية على صدقك فتكون الآيات دائما متجددة) , قال محمد رشيد: (والكلام في وجوه إعجاز القرآن واجب شرعاً، وهو من فروض الكفاية، وقد تكلم فيه المفسرون والمتكلمون، فإن كان ذلك قد وفى بحاجة (تلك) الأزمنة.. فهو لا يفي بحاجة هذا الزمان، إذ هي داعية إلى قول أجمع، وبيان أوسع، وبرهان أنصع في أسلوب أجذب للقلب، وأخلب للب، وأصغى للأسماع، وأدنى إلى الإقناع) , هذا ما قاله المحققون، ولكنه لا يعني تعريض كتاب الله للمؤاخذة بسوء فهم للنصوص، وتحريفها عن دلالتها لتلتقي مع حقيقة علمية، أو الانتصار لفرضية لم تؤيدها الوقائع بعد لتلتقي مع دلالة نصية أو استنباطية, تلك هي أهم أصول التحقيق, والله أعلم.

стр. 308

حكم الزاني والزانية المجيب عبد الرحمن بن عبد العزيز العقل عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ٣/١٢/١٤٢٤هـ السؤال السلام عليكم ما حكم الزاني والزانية في القرآن الكريم، وأي الآيات التي تدل على الرجم حتى الموت أمام الملأ؟. الجواب وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. الزاني لا يخلو إما أن يكون بكراً -وهو الذي لم يتزوج- أو محصناً وهو الذي وطئ في نكاح صحيح، فأما إذا كان بكراً لم يتزوج فإن حده جلد مائة، لقول الله -تعالى-: "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" [النور: ٢٠] ، هذا ما ورد في القرآن في حكم الزاني البكر، وجاء في السنة أنه يغرب سنة مع الجلد، وذلك فيما رواه البخاري في كتاب الأحكام (٧١٩٥) ، ومسلم في كتاب الحدود (١٦٩٨) من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجنهي ﵄ قالا: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أنشدك الله إلا قضيت بيننا بكتاب الله، فقام خصمه وكان أفقه منه فقال: صدق، اقض بيننا بكتاب الله، وأذن لي يا رسول الله، فقال النبي ﷺ : "قل" فقال: إن ابني هذا كان عسيفاً - يعني أجيراً- على هذا فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم، فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال ﷺ : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله- جل ذكره- المائة والخادم رد عليك، وعلى ابنك جلد، وتغريب عام، ويا أنيس أغد على امرأة هذا فسلها فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها"، وفي هذا الحديث دلالة على تغريب الزاني عام مع جلد مائة، كما في الآية، وبهذا قال جمهور أهل العلم في حق الزاني البكر، وهذا القول هو المأثور عن مالك والشافعي وأحمد، أما أبو حنيفة ﵀ فيرى أن التغريب مرده إلى الإمام، إن شاء غرب وإن شاء لم يغرب، وفي هذه المسألة نزاع طويل وتفصيل ليس هذا محل بسطه، وأما إذا كان الزاني محصناً، وهو الذي وطئ في نكاح صحيح وهو حرّ بالغ عاقل فحده الرجم، لحديث أبي هريرة وزيد بن خالد ﵄ السابق، ولأحاديث أخرى، منها ما أخرجه البخاري في الحدود (٦٨٢٩) ، ومسلم في الحدود أيضاً (١٦٩١) ، عن ابن عباس ﵄ قال: "جلس عمر ﵁ على المنبر، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد: فإن الله بعث محمداً ﷺ بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها ووعيناها وعقلناها، رجم رسول الله ﷺ ،ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أوكان الحبل أو الاعتراف"،وقوله: كان مما أنزل الله آية الرجم، المراد بهذه الآية (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما) . وعن شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن كثير بن الصلت، قال: قال زيد بن ثابت ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة" قال عمر ﵁ لما أنزلت، أتيت رسول الله ﷺ فقلت: أكتبنيها - قال شعبة- كأنه كره ذلك، فقال عمر ﵁ ألا ترى أن الشيخ إذا لم يحصن جلد؟ وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم؟، وقد ساق بعض طرق هذا الحديث ابن كثير في تفسيره (١٠/١٦٢) ثم قال: وهذه طرق كلها متعددة متعاضدة، ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها، وبقي حكمها معمولاً به ولله الحمد. وأما الآية التي تدل على الرجم حتى الموت فهي قول الله تعالى: "واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم، فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت، حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا" [النساء: ١٥] . قال البغوي ﵀ في تفسيره (١/٤٠٥) قوله: "فإن شهدوا فأمسكوهن" فاحبسوهن في البيوت "حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا" وهذا كان في أول الإسلام قبل نزول الحدود، وكانت المرأة إذا زنت حبست في البيوت حتى تموت، ثم نسخ ذلك في حق البكر بالجلد والتغريب، وفي حق الثيب بالجلد والرجم" اهـ. الجواب مختصراً. والله سبحانه أعلم.

стр. 309

حول مصحف عبد الله بن مسعود المجيب د. ناصر بن محمد الماجد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ٢٤/٢/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم سمعت أن عبد الله بن مسعود ﵁ لم يدخل سورتي الفلق والناس في مصحفه، ما سبب ذلك؟. الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ما أشار إليه السائل الكريم عن ابن مسعود ﵁ صحيح، إذ روي ذلك عنه بأسانيد حسان، فقد أخرج ابن حبان (٧٩٧) وغيره عن زر بن حبيش قال: لقيت أبي بن كعب ﵁ فقلت له: "إن ابن مسعود ﵁ كان يحك المعوذتين من المصاحف ويقول: إنهما ليستا من القرآن فلا تجعلوا فيه ما ليس منه ... الحديث"، وأخرج الطبراني في الكبير (٩١٥١) عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يقول: لا تخلطوا بالقرآن ما ليس فيه، فإنما هما معوذتان تعوذ بهما النبي ﷺ "قل أعوذ برب الفلق" و"قل أعوذ برب الناس" وكان عبد الله ﵁ يمحوهما من المصحف. وأخرج الطبراني في الكبير (٩١٤٨) عن عبد الرحمن بن يزيد قال: رأيت عبد الله ﵁ يحك المعوذتين، ويقول: لم تزيدون ما ليس فيه، وفي لفظ عنده: ليستا من كتاب الله. وقد اختلف الأئمة قديما في هذا المروي عن ابن مسعود ﵁ فمنهم من رد الرواية عنه وضعفها بل وبالغ في إنكارها كصنيع ابن حزم ﵀، ومنهم من صحح الرواية واعتذر عنها بما لا يخلو من ضعف، كصنيع الباقلاني ﵀، وبكل حال فإن هذا المروي عن ابن مسعود ﵁ اجتهاد منه، بحسب ما انتهى إليه علمه، إذ ظن أنهما دعاء كان النبي- ﷺ يتعوذ بهما، يدل على ذلك ما رواه الطبراني في الكبير (٩١٥٢) عن علقمة عن عبد الله ﵁ أنه كان يحك المعوذتين من المصاحف، ويقول: (إنما أمر رسول الله ﷺ أن يتعوذ بهما ولم يكن يقرأ بهما) وهذا منه ﵁ اجتهاد بحسب ما انتهى إليه علمه، وهو بشر غير معصوم يصيب ويخطئ، كما يصيب البشر ويخطئون، ولا عصمة لقول أحد بعد النبي ﷺ ، ولذا رأينا الصحابة ﵃ لم يقروه على قوله بل خالفوه، وأجمعوا على إثبات المعوذتين في المصحف الإمام وفي سائر المصاحف التي أُرسلت إلى الأمصار، ولم ينقل عن أحد من الصحابة ﵃ أنه تابع ابن مسعود ﵁ على قوله هذا، بل رأينا أبي بن كعب ﵁ يخالفه في ذلك استنادا إلى ما ثبت عن النبي ﷺ فقد أخرج أحمد (٢١١٨٦) وغيره بسند صحيح عن زر بن حبيش قال: قلت لأبي بن كعب ﵁: إن ابن مسعود ﵁ كان لا يكتب المعوذتين في مصحفه! فقال: أشهد أن رسول الله ﷺ أخبرني أن جبريل ﵇ قال له: "قل أعوذ برب الفلق" فقلتها، فقال: "قل أعوذ برب الناس" فقلتها، فنحن نقول ما قال النبي ﷺ ومن المتقرر؛ أن من حفظ وعلم، حجة على من لم يحفظ ولم يعلم، فابن مسعود ﵁ لم يحفظ ولم يعلم هاتين السورتين، وغيره من سائر الصحابة ﵃ علمها وحفظها فالحجة لهم عليه، وكذلك لم ينقل عن أحد من تلاميذ ابن مسعود ﵁ مع كثرتهم وجلالة قدرهم ـ أنه تابعه على قوله هذا، بل ثبت عن بعضهم مخالفته صراحة فقد روى ابن أبي شيبة (٣٠١٩٧) عن النخعي قال: قلت للأسود بن يزيد ـ وكان من أعلم أصحاب ابن مسعود ﵁ من القرآن هما؟ قال: نعم، يعني المعوذتين. وفوق هذا أن إجماع الأمة كلها من عهد الصحابة ﵃ إلى يومنا على إثبات هاتين السورتين أبلغ دليل على خطأ هذا القول، ومع هذا فقد ثبتت أحاديث عن النبي ﷺ في المعوذتين خصوصا تدل على أنهما من القرآن الكريم، وأنهما أنزلتا كما أنزل القرآن الكريم، فقد أخرج النسائي (٩٥٣) وغيره بسند صحيح عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ أنزل علي آيات الليلة لم يُر مثلهن قط "قل أعوذ برب الفلق" و "قل أعوذ برب الناس"، وأخرج أحمد (١٧٣٤١) وغيره بسند صحيح عنه أيضا أنه قال اتبعت رسول الله ﷺ وهو راكب فوضعت يدي على قدمه فقلت أقرئني سورة هود أو سورة يوسف فقال: "لن تقرأ شيئا أبلغ عند الله من "قل أعوذ برب الفلق" "قل أعوذ برب الناس". فالحمد لله الذي حفظ كتابه من التبديل وصانه من التغيير، هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 310

إهداء قراءة القرآن للميت المجيب عبد العزيز بن باز ﵀ المفتي العام للمملكة العربية السعودية سابقاً القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ١٧/٠٩/١٤٢٥هـ السؤال هل يجوز إهداء قراءة القرآن للميت وإذا كان كذلك هل يجوز أن ندعو لأنفسنا عند دعاء الختمة التي نريد إهدائها ويكون الدعاء مستجاباً كم لو كانت لنا؟ الجواب سئل فضيلة الشيخ/ عبد العزيز بن باز ﵀ عن سؤال مشابه لسؤالك فنذكر لك فيما يلي نص السؤال والإجابة: س: والدتي أمية لا تقرأ ولا تكتب، فهل يجوز لي قراءة القرآن الكريم وصلاة النوافل وإهداء ثواب ذلك لها. وإذا كان لا يجوز، فما هي الأمور التي يمكن أن أهدي ثوابها إليها؟ وجزاكم الله خيراً. ج: ليس هناك دليل شرعي على شرعية إهداء الصلاة والقراءة عن الغير سواء كان حياً أو ميتاً، والعبادة توقيفية لا يشرع منها إلا ما دل الشرع على شرعيته، ولكن يشرع لك الدعاء لها والصدقة عنها، والحج عنها والعمرة إذا كانت كبيرة السن لا تستطيع الحج والعمرة. [مجموع فتاوى ومقالات متنوعة، تأليف الشيخ/ عبد العزيز بن باز ﵀، ج٩ صـ٣٢١] .

стр. 311

القرآن ... ودعوى الإبهام المجيب د. ناصر بن محمد الماجد عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ٨/٣/١٤٢٥هـ السؤال السلام عليكم صديق نصراني يقول -والعياذ بالله-: إن القرآن مبهم، حيث إنه بالمقارنة بالإنجيل نحتاج نحن المسلمين للنظر في كتاب آخر نسميه (التفسير) لمعرفة ما حدث من تفاصيل عندما نزلت الآية، وكمثال أذكرُ عندما قال لموسى لقومه: "يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم"، ولم يكن رسول الله محمد ﷺ هناك، والقصة بخصوص الآية أعلاه مذكورة في التفسير، فسألني هذا النصراني: ما هي مصادر التفسير بجانب الإنجيل؟ لأن هذه القصة بتمامها مذكورة في الإنجيل، وأنهم بدلاً من العجل الحي جعلوا عجلاً من ذهب ولؤلؤ، وتفاصيل عن السامري الذي دعا بني إسرائيل لعبادة صنم، أنا أؤمن بالقرآن وأصدق به، ولا أحتاج كتاباً آخر لتوضيح الأمور، لكن في هذا الوضع أرى أننا بحاجة للنظر في الكتب الأخرى لمعرفة ما جرى. فما هي صحة الكتب الأخرى التي تتكلم في هذه الوقائع؟. الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فالجواب عن هذا الإشكال الذي أُورد على السائل الكريم يقتضي ذكر مقدمتين، فهمهما يعين على دفع هذه الشبهة:

стр. 312

الأولى: لقد نزل القرآن الكريم بلغة العرب، وجرى على أساليبهم، ومعهود خطابهم في الكلام، فالعربي الذي لم تتأثر سليقته العربية باختلاطه بالأعاجم لا يحتاج في فهم أكثر (ألفاظ القرآن الكريم) إلى بيان وتفسير؛ لأنه نازل بلغته وبلسانه، ولذا رأينا قلة التفسير المروي عن الصحابة ﵃ والتابعين، وإن كان في التابعين أكثر، وإنما توسع الناس في تفسير ألفاظ القرآن الكريم بعد ظهور العجمة وضعف السليقة العربية، بدخول الأعاجم في الإسلام وتأثيرهم على اللسان العربي. وعلى هذا؛ فإن أكثر آيات القرآن الكريم واضحة المعنى من جهة الألفاظ، وإنما أشكل على الناس فهمها بعد أن ضعف اللسان العربي.

стр. 313

الثانية: من المهم جدا أن ندرك طبيعة منهج القرآن الكريم في عرض القصص والحوادث التي وقعت في الأمم الماضية، فالقرآن الكلام ـ وهو كلام ربنا ـ ليس كتابا تأريخيا يعتني بسرد الوقائع بتفصيلاتها الدقيقة وجزيئاتها الصغيرة، بل هو فوق هذا كله وأعظم، إنه كتاب هداية وإرشاد، يهدي كما وصفه المتكلم به -جل وعلا-: "للتي هي أقوم" [الإسراء: من الآية ٩] ، ويقول تعالى ـ أيضاً ـ في وصفه: "قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين" [يونس:٥٧] ، فالقرآن الكريم لم يورد هذه الوقائع من أجل سردها سرداً قصصياً فقط، إنما كان الهدف من ذكرها أخذ العبرة بما وقع للأمم الماضية، والاستفادة من تجاربهم فيما يقع لنا يقول -تعالى-: "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل" [الروم:٤٢] وإذا؛ فلا يذكر القرآن من تلك الحوادث إلا ما تدعو الحاجة لبيانه، مما يساعد على أخذ العبرة والهداية من تلك الحادثة أو القصة، فلا نجد في القرآن الكريم ذكر كثير من الأسماء التي يحكي خبرها ولا أسماء الأمم ولا تواريخ الحوادث؛ لأنها لا تؤثر ولا تمنع أخذ العبرة منها، وخذ مثلا؛ قصة أصحاب الكهف، نجد حديث القرآن عنها وذكره لها مقتصرا على ما يحقق الغاية المتمثلة في أخذ العبرة من تلك القصة، ولذا لم يذكر تعالى أسماءهم ولا زمن القصة ولا اسم القرية التي كانوا فيها؛ لأنها لا تؤثر في الهدف الذي سيقت من أجله.

стр. 314

وعلى هذا فدعوى أن القرآن مبهم فيما يتعلق بالحوادث والقصص عارية عن الصحة، وذلك أننا نقطع جازمين بأننا لسنا بحاجة إلى أي تفاصيل زائدة عما في القرآن الكريم من أجل أخذ العبرة، فنحن نستطيع أن نفهم القصة أو الحادثة بشكل عام، ونستطيع أيضا أن نستلهم الهدايات من خلالها مقتصرين على ما ورد ذكره في القرآن الكريم فقط؛ لأن ما لم يذكر في القرآن الكريم من تلك التفاصيل والجزئيات لا يخدم الهدف والغاية التي من أجلها سيقت، وبعبارة أكثر دقة وموضوعية لا يؤثر عدم ذكرها في تحقق الهدف والغرض. وأما سؤالك ـ بناء على ما أورده عليك ذلك النصراني ـ عن مصادر التفسير فقد تكلم أهل العلم عن ذلك بكلام طويل أذكر لك أبرز ما هنالك مختصرا: أولها: القرآن الكريم ذاته، فهو أولى ما فسر القرآن به. وأما المصدر الثاني فهو ما ورد عن النبي- ﷺ من قول أو فعل أو تقرير يتعلق بمعنى آية وفهم المراد بها، يقول -تعالى-: " وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم" [النحل: من الآية ٤٤] . ومن المصادر أيضا الصحابة ﵃، وكونهم من مصادر التفسير لأمور؛ فهم أهل اللغة إذ القرآن نزل بلغتهم، وفضلا عن هذا فالنبي- ﷺ بين أظهرهم يسمعون منه ويتلقون عنه ويسألونه، ثم إن القرآن الكريم نزل عليهم فهم أعلم الناس بأسباب نزوله وما احتف به من وقائع ومناسبات. ويأتي بعد الصحابة ﵃ التابعون لهم بإحسان فهم أقرب الناس بعد الصحابة لزمن الوحي العجمة فيهم أقل ممن جاء بعدهم.

стр. 315

ومن مصادر التفسير ـ أيضا ـ أخبار أهل الكتاب ورواياتهم المتعلقة بالحوادث التي وقعت لأنبيائهم ومن عاصرهم، أو الأمور الغيبية المستقبلية ونحوها، غير أنه مما يجدر التأكيد عليه أن هذا المصدر ليس في قيمة المصادر التي قبله ولا يوازيها من جهتين؛ الأولى: من جهة مقدار ما أخذ عنهم، فهو قليل بالنسبة إلى مقدار التفسير. والثانية: من جهة الثقة به والاعتماد عليه، فقد تقرر عند أهل العلم أن أخبار أهل الكتاب ـ مما لم يثبت عندنا بطلانها أو صوابها ـ تروى دون الجزم بصحتها أو بطلانها، ولذا وجدنا أئمة التفسير وأهل التحقيق أقلوا كثيرا من النقل عنهم، بل وحذروا من ذلك، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية عن الروايات الإسرائيلية: (وما لم يعلم حكمه في شرعنا لا يصدق ولا يكذب وغالبه لا فائدة فيه) أ. هـ. وأما سؤالك عن الكتب التي تكلمت على هذه فهناك من الكتب من بالغت وأكثرت من سرد تفاصيل القصص التي وردت في القرآن الكريم، وهذه المبالغة أوقعت في ذكر الغث والسمين والصحيح والسقيم، حتى كان بعضهم ينقل بلا تمييز مما يجب أن يصان تفسير كلام الله عن مثله كتفسير الثعلبي والخازن، وغالب كتب التفسير تنقل تلك التفاصيل على نحو مختصر، وأفضل ما أنصحك به فيما يتعلق بهذا الأمر كتاب تفسير القرآن العظيم للإمام ابن كثير ﵀؛ فهو فارس الحلبة لا يشق غباره، أدرك قصب السبق غير منازع.

стр. 316

وبعد فبقي أن ألفت نظرك إلى أن وجود الإبهام في القرآن الكريم ليس أمرا يعاب وجوده بإطلاق، بل ربما كان أمرا محمودا حيث يعرف به العالم من الجاهل، ولو تساوى الناس في فهمه فأي فضيلة تكون، بل حتى هذه الأناجيل التي بين أيديهم لا يزعم أهلها أنها قد حوت من التفاصيل ما لا تحتاج معه إلى بيان، بل المقطوع به يقينا أن فيها من الإجمال ما تحتاج معه إلى بيان وتفصيل، وفوق هذا؛ فأكثر هذه الأناجيل ـ كما يعلم ذلك المختصون ـ عبارة عن شروح وهوامش كتبت على النص الموحى به. هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

стр. 317

الصلاة على النبي ﷺ عند القراءة في الصلاة المجيب د. محمد بن سليمان المنيعي عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ١٥/٠٨/١٤٢٥هـ السؤال حينما نصلي ويتلو الإمام آيات من القرآن فيها ذكر محمد ﷺ ، يقع ضجيج من المصلين لأنهم يصلون على النبي ﵊ في الصلاة. سؤالي: هل يجوز أن نصلي على نبينا ﷺ جهرًا؟ أو نصلي على نبينا ﷺ في السر؟ وأرجو من فضيلتكم جوابًا واضحًا. وأعانكم الله. والسلام عليكم. الجواب الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: يقول الحق في محكم التنزيل: (وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الأعراف: ٢٠٤] . وعلى ذلك فالواجب الاستماع إلى كتاب الله وتدبر آياته، وعدم التشويش على المصلين؛ امتثالاً للأمر الكريم المذكور في الآية، ولم يرد فيما أعلم أنه ﷺ أو أحد من صحابته، ﵃، كانوا يصلون على النبي ﷺ في الصلاة إذا ورد ذكره ﷺ في آية من كتاب الله. والله أعلم.

стр. 318

تطور الجنين كما حكاه القرآن المجيب د. محمد بن إبراهيم دودح باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة القرآن الكريم وعلومه/مسائل متفرقة التاريخ ٠٣/٠٤/١٤٢٦هـ السؤال السلام علبكم ورحمته وبركاته. أريد من فضيلتكم إعطائي تفسيراً علمياً دقيقاً عن تطور الجنين في بطن الأم كما جاء في القرآن، مع ما جاء في العلم الحديث، وهل هو متوافق مع العلم؟ وجزاكم الله خيراً. الجواب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله, وبعد: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. إجابة على السؤال حول مراحل تطور الجنين البشري في القرآن الكريم، ومدى تطابقها مع المعطيات العلمية الحديثة؛ أقول مستعينا بالله العلي العظيم، القادر وحده على كل شيء: ليس غرض القرآن أن يعطي المخاطب درساً في علم الأجنة على نحو المقررات الدراسية اليوم, وإنما يمد بصره في نظرة أوسع من آفاق المألوف تعيده إلى البداية، حيث لم يكن شيئاً لتقوده إلى اليقين بقدرة الله؛ يقول العلي القدير: "أَوَلاَ يَذْكُرُ إلإِنْسَانُ أَنّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً" [مريم: ٦٧] , وفي ثنايا العرض ترد في عفوية جملة من الحقائق التي لم يكن يعلم بها أحد زمن التنزيل؛ يقول العلي القدير: "هَلْ أَتَىَ عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مّنَ الدّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مّذْكُوراً. إِنّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً" [الإنسان: ١-٢] , فلم يكن يعلم أحد بتكون الجنين من بويضة مخصبة Fertilized egg تماثل "نطفة" أي قطرة ماء غاية في الضآلة، ذات أخلاط تحتوي على مكونات وراثية من الأبوين؛ نسميها اليوم كروموزومات Chromozomes.

стр. 319

ويكفيك أن تعرف أن الإدراك بتكون الجنين من أخلاط من الجنسين؛ أي أمشاج, لم يتحقق إلا بعد عقود من اكتشاف المجهر في القرن السابع عشر, وأول من استخدم عدسة بسيطة في دراسة أجنة الدجاج هو هارفي Harvey عام ١٦٥١م، ولصعوبة معاينة المراحل الأولى استنتج أن الأجنة ليست إلا إفرازات رحمية, وفي عام ١٦٧٢، اكتشف جراف Graaf حويصلات المبايض Graafian Follicles وعاين حجيرات في أرحام الأرانب الحوامل تماثلها، فاستنتج أن الأجنة ليست إفرازات من الرحم وإنما من المبايض, ولم تكن تلك التكوينات الدقيقة التي عاينها جراف سوى تجاويف في كتل الخلايا الجنينية الأولية Blastocysts, وفي عام ١٦٧٥م عاين مالبيجي Malpighi أجنة في بيض الدجاج، واعتقد بأنه يحتوى على كائن مصغر ينمو في الحجم فحسب، ولا يتخلق في أطوار, وباستخدام مجهر أكثر تطوراً اكتشف هام Hamm وليفنهوك Leeuwenhoek الحوين المنوي عام ١٦٧٧م، وظنا أيضاً أنه يحتوي على الإنسان مصغراً, وفي عام ١٨٢٧م عاين فون بير von Baer البويضة, وأخيراً انتهى الجدل حول فرضية الخلق المكتمل، وتأكدت أهمية كل من الحوينات المنوية والبويضة، واستقرت حقيقة التخلق في أطوار, وفي عام ١٨٧٨م اكتشف فليمنج Flemming الكروموزومات, وفي القرن العشرين تم التحقق نهائياً من احتواء البويضة المخصبة على تلك الأخلاط الوراثية، والتخلق من الذكر والأنثى [The Developing Human, Keith L. Moore, Fourth ed.,١٩٨٨, Saunders Comp., Toronto, P: ٧-١١, ١٤.] . وبديهي أن يسعى المعاند إلى التهرب من الحجج بكل وسيلة ممكنة, لكن تأكيد القصد في البيان بالتثنية يغلق عليه الأبواب، فترسمه المخيلة مغلق العينين عن الحقيقة الساطعة, يقول العلي القدير: "يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ" [الحجرات: ١٣] , قال القرطبي: بيَّنَ الله -تعالى- في هذه الآية أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى..

стр. 320

وقد ذهب قوم من الأوائل إلى أن الجنين إنما يكون من ماء الرجل وحده، ويتربى في رحم الأم، ويستمد من الدم الذي يكون فيه.. والصحيح أن الخلق إنما يكون من ماء الرجل والمرأة لهذه الآية؛ فإنها نص لا يحتمل التأويل" [تفسير القرطبي ج: ١٦ ص: ٣٤٢و٣٤٣.] . وفي قوله تعالى: "فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً"؛ سبقت وظيفة السمع في مقام بيان أطوار التخليق وظيفة البصر, ووظيفة السمع خلال تكون الجنين تسبق بالفعل وظيفة البصر، حيث تبدأ العمل ابتداء من الشهر الخامس بينما يتأخر البصر, فهل هي مصادفة أن يتفق النظم مع الواقع، أم هو الإحكام في البيان والبينة على التنزيل؟ وهكذا كلما غصت أكثر نحو الأغوار، كان رصيدك أكثر من دلائل الإحكام في البيان الموافق الحقيقة من كل وجه. ولصعوبة الرؤية في المجاهر الأولية رسم داليمباتيوس Dalempatius الإنسان كاملاً داخل رأس الحوين المنوي عام ١٦٩٩م, أي قبل بداية القرن ١٨ بعام واحد فقط, بدون إدراك لتخلق الجنين من الأبوين في أطوار, بينما يعلن القرآن الكريم -بجلاء- منذ القرن السابع الميلادي بتخلق الجنين في أطوار, يقول العلي القدير: ?مّا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلّهِ وَقَاراً. وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً? [نوح: ١٣-١٤] . وقد تتلاحق المشاهد في سرعة خاطفة لتبرز النقلات الواسعة في إنجاز المشروع الخلقي والقدرة الفائقة وفق تقدير غاية في الإحكام من مكونات ضئيلة، ليس لها في مرأى العين وجود, فتتجلى القدرة المبدعة في جلاء يعمق اليقين بقدرة الخالق وإمكان البعث, يقول العلي القدير: "قُتِلَ الإِنسَانُ مَآ أَكْفَرَهُ. مِنْ أَيّ شَيءٍ خَلَقَهُ. مِن نّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدّرَهُ ثُمّ السّبِيلَ يَسّرَهُ" [عبس: ١٧-٢٠] , ولكن العجيب أن تتخفى الحقائق في ثنايا العرض فلا يكاد يلمحها إلا العالمون, فبعد تكون البويضة الملقحة مباشرة يتكون البرنامج الوراثي، وتقدر بالفعل سمات الجنين.
следующие страницы →