← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 8953

المنصوب على نزع الخافض في القرآن

إبراهيم بن سليمان البعيمي

Полный текст (91 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

لطولهما بالصلة، واختلفوا في محلِّهما بعد الحذف فذهب الخليل والكسائي إلى أنّ محلَّهما جرّ تمسكاً بقوله: وَما زُرْتُ لَيْلى أنْ تَكونَ حَبيبَةً ... إليّ وَلا دَيْنٍ بِها أَنا طالِبُهْ١ بجر دين، وذهب سيبويه والفراء إلى أنهما في موضع نصب وهو الأقيس"٢.

стр. 37

المطلب الثاني: نزع الخافض من أنَّ وأن في القرآن: جاءت آيات كثيرة جداً تحتوي على أحد الحرفين المصدريَّين (أنَّ وأنْ) قال عنها المعربون للقرآن: إنها منزوعة الخافض - ونزع الخافض معهما أمر قياسي عند النحاة -، ولهذا سأكتفي بإيراد أمثلة توضح هذه المسألة دون استقصاء لجميع ما ورد منها في القرآن. قال تعالى: ﴿وَبَشِّر الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ﴾ ٣. أي: بأنَّ لهم جنات. وقال تعالى: ﴿إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحوا بَقَرَةً﴾ ٤. أي بأن تذبحوا بقرة. وقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعونَ أَنْ يُّؤْمِنوا لَكُمْ﴾ ٥. أي بأن يؤمنوا لكم.

стр. 38

وقال تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلاَّ هُوَ﴾ ١. أي: بأنه لا إله إلا هو. وقال تعالى: ﴿إذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أنْ تَفْشَلا﴾ ٢. أي: بأن تفشلا. وقال تعالى: ﴿قالوا إنَّ اللهِ عَهِدَ إلَيْنا ألاَّ نُؤْمِنَ لِرَسولٍ﴾ ٣. أي: بألأ نؤمن، أو على تضمين الفعل (عهد) معنى ألزم. وقال تعالى: ﴿وَتَرْغَبونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ ٤. أي: في أن تنكحوهنَّ، أو عن أن تنكحوهنَّ. وقال تعالى: ﴿سُبْحانَهُ أَنْ يَّكونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ٥. أي: من أن يكون له ولد. وقال تعالى: ﴿لَنْ يَّسْتَنْكِفَ المَسيحُ أنْ يَّكونَ عَبْداً للهِ﴾ ٦. أي: من أن يكون عبداً لله، أو عن أن يكون عبداً لله. وقال تعالى: ﴿وَبَشِّر الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلوا الصّالِحاتِ أنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ ٧. أي: بأنَّ لهم قدم صدق.

стр. 39

وقال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكونَ مِنَ المُؤْمِنينَ﴾ ١. أي: بأن أكون من المؤمنين. وقال تعالى: ﴿مالَكَ ألاَّ تَكونَ مَعَ السّاجِدينَ﴾ ٢. أي: من أن تكون، أو في أن تكون.

стр. 40

المطلب الثالث: دراسة كي في اللغة: جاءت (كي) في اللغة على أربعة أضرب: منها وجه واحد سماعي، والثلاثة الباقية قياسية. الضرب الأول السماعي::اسم مختصرمن كيف، كما اُختصر (سَوْ) من (سوف) ، قال الفراء:"سمعت بيتاً حذفت الفاء فيه من كيف قال الشاعر: مَنْ طالِبينَ لِبُعْرانٍ لَنا رَفَضَتْ ... كَيْ لا يُحِسُّونَ مِنْ بُعْرانِنا أَثَرا٣ أراد كيف لا يحسون"٤. قال ابن مالك: "وإن ولي (كي) اسم، أو فعل ماض، أو مضارع مرفوع عُلم أن أصلها (كيف) حذفت فاؤه"٥. وقال ابن يعيش: "في (كيف) لغتان: (كيف وكي) "٦.

стр. 41

وأنكر أبو علي الفارسي على الفراء أن تكون (كي) في البيت السابق مرخمة من كيف، وحتَّم أن تكون فيه حرفاً بمعنى اللام، بحجة أن كيف اسم ثلاثي خال من علامة التأنيث، والثلاثي لا يرخم منه إلا ما لحقتة علامة التأنيث، كما أنه نكرة والنكرة لا ترخم، وهو مبني لمشابهته الحروف، والحذف لا يكون في الحروف قال: "وكذلك ينبغي أن لا يكون فيما غلب عليه شبهُها وصار بذلك في حيّزها"١. الضرب الثاني وهو قياسي: حرف تعليلي كاللام معنى وعملاً٢، وذلك إذا وليها (ما) الاستفهامية نحو كيمه؟، أو المصدرية، ويمثل لها النحاة بقول الشاعر: إذا أنْتَ لَمْ تَنْفَعْ فَضُرَّ فَإنَّما ... يُرَجّى الفَتى كَيْما يَضُرُّ وَيَنْفَعُ٣ أو وليتها اللام ومنه قول: وَأَوْقَدْتُ ناري كَيْ لِيُبْصَر َضَوْؤُها ... وَأَخْرَجْتُ كَلْبِي وَهْوَ في البَيْتِ داخِلُهْ٤

стр. 42

ونُسب للأخفش أن (كي) لا تكون إلا تعليلية، ولايصح كونها مصدرية١، والذي في معاني القرآن لا يحتِّم ذلك، بل يجيز كونها مصدرية، قال:"قوله: ﴿لِيَشْتَروا بِهِ ثَمَناً قَليلاً﴾ ٢ فهذه اللام إذا كانت في معنى (كي) كان ما بعدها نصباً على ضمير (أنْ) وكذلك المنتصب بـ (كي) هو أيضاً على ضمير (أن) كأنه يقول للاشتراء فـ (يشتروا) لا يكون اسماً إلا بـ (أن) فـ (أن) مضمرة وهي الناصبة، وهي في موضع جرّ باللام وكذلك: ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُوْلَةً﴾ ٣ (أن) مضمرة وقد جرّتها كي، وقالوا: (كَيْمَهْ) فـ (مه) اسم، لأنه (ما) التي في الاستفهام وأضاف (كي) إليها. وقد تكون (كي) بمنزلة (أن) هي الناصبة، وذلك قوله: ﴿لِكَيْ لا تَأْسَوا﴾ ٤ فأوقع عليها اللام، ولو لم تكن (كي) وما بعدها اسماً لم تقع عليها اللام"٥ الضرب الثالث وهو قياسي: حرف مصدري ينصب المضارع بنفسه وذلك إذا دخلت على كي اللام التعليلية ولم يقع بعدها أن المصدرية نحو: زرتك لكي تكرم محمداً.

стр. 43

الضرب الرابع وهو قياسي: جواز أن تكون مصدرية وتعليلية ولها حينئذ صورتان: الأولى: أن تكون مجرّدة من لام التعليل قبلها ومن أن المصدرية بعدها نحو: جئتك كي تكرمني. الثانية: المتوسطة بين لام التعليل وأن المصدرية نحو: جئتك لكي أن تكرمني ومنه قول الشاعر: أَرَدْتَ لِكَيْما أنْ تَطيرَ بِقِرْبَتِي ... فَتَتْرُكَها شَنّاً بِبَيْداءَ بِلْقَعِ١ وكثير من النحاة يدمجون الضرب الرابع مع الضرب الثالث.

стр. 44

المطلب الرابع: كي في القرآن: جاءت كي في القرآن في عشرة مواضع: سته منها مجرورة باللام، والأربعة الباقية غير مجرورة. ووقع المصدر بعدها منفياً بـ (لا) في سبعة مواضع، أربعة منها وُصلت كي بـ (لا) رسماً هكذا: (كيلا) ، وفُصلت في ثلاثة هكذا: (كي لا) - مع اختلاف في عدد المرسوم - ويعلل الإمام الزركشي الوصل في الرسم بأن النفي إذا كان داخلاً على معنى كُلّيّ وُصِلَ حرفُ النفي بـ (كي) ، لأن نفي الكلّيّ نفي لجزئياته، ويرى أن الكلي المنفي ليس له أفراد في الوجود، وأما فصل (كي)

стр. 45

عن (لا) النافية رسماً فسببه أن النفي منصبٌّ على جزئي ولا يلزم منه نفي الكلّيّ١. قال تعالى: ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسولِهِ مِنْ أهْلِ القُرى فَللَّهِ وَلِلرَّسولِ وَلِذي القُرْبى واليَتامى والمَساكينِ وَابنِ السَّبيلِ كَيْ لا يَكونَ دُوْلَةً بَيْنَ الأغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمْ الرَّسولُ فَخُذوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهوا وَاتَّقوا اللهَ إنَّ اللهَ شَديدُ العِقابِ﴾ ٢ يرى ابن هشام أن كي في الآية مجرورة بلام محذوفة والتقدير (لكي لا) قال:"وذلك إذا قدّرت كي مصدرية"٣ وهو يشير بقوله إذا قدّرت كي مصدرية إلى المذهب الكوفي الذي يحتم كون كي مصدرية. فالمصدر منصوب على نزع الخافض بفعل مقدّر وهو: (فَعَلْنا، أو بيّنا ذلك، أو حكمنا بذلك) لئلا تكون الغنائم دولة بين الأغنياء، قال المنتجب:"أي فعلنا ذلك في هذه الغنائم، أو بيّنا ذلك لئلا يغلب الأغنياء على الفقراء على الفيء"٤ وقال تعالى: ﴿إذْ تَمْشي أُخْتُكَ فَتَقولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَن يَّكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتوناً فَلَبِثْتَ سِنينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يَّا موسى﴾ ٥.

стр. 46

وقال تعالى: ﴿فَرَدَدْناهُ إلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَّلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿وَأَشْرِكْهُ في أَمْري كَيْ نَسَبِحَكَ كَثيراً﴾ ٢. يجوز في الآيات الكريمة السابقة أن تكون لام كي محذوفة والتقدير: لكي تقر عينها، ولكي نسبحك، والمصدر منصوب على نزع الخافض كما سبق في آية الحشر.

стр. 47

نزع الخافض سماعاً في القرآن نزع الخافض من المفرد ... المبحث الثاني: نزع الخافض سماعاً في القرآن: وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: نزع الخافض من المفرد: نزع الخافض من المفرد موقوف على السماع، كما سبق ذكره، وقد جاءت آيات في القرآن كثيرة قال عنها عددٌ من النحاة، والمفسرين، والمعربين له بأنها منزوعة الخافض، وذلك مع أفعال لازمة، أو مما يتعدى لواحد بنفسه، وللثاني بالحرف، في غير المسائل القياسية الآنفة الذكر، منها قوله تعالى: ﴿وَاللاتي تَخافونَ نُشوزَهُنَّ فَعِظوهُنَّ وَاهْجُروهُنَّ في المَضاجِعِ وَاضْرِبوهُنَّ فَإنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغوا عَلَيْهِنَّ سَبيلاً إنَّ اللهَ كانَ عَلِيّاً كَبيراً﴾ ٣.

стр. 48

يتوقف إعراب ﴿سِبيلاً﴾ ١ على معرفة أصل اشتقاق الفعل (بغى) فإن أُخِذَ من (البَغْي) وهو الظُّلم فهو لازم وتكون كلمة (سيبلاً) حينئذٍ منزوعةَ الخافض والمعنى فلا تظلموهنَّ. وإنْ فُسِّر الفعل (بغى) بـ (طلب) يقال بغيت الأمر أي طلبته، فالفعل حينئذٍ متعدٍّ بنفسه ويكون (سبيلاً) معمولاً له، والمعنى: لا تطلبوا عليهن ذنوباً تعنتاً لتتوصلوا بها إلى سبيل من السبل الثلاثة المتاحة لكم وهي: الوعظ، والهجر، والضرب التي كانت مباحة لكم وقت نشوزهن، أو الخوف من نشوزهن. واختتام الآية الكريمة بـ ﴿علياً كبيراً﴾ غاية في البلاغة والإعجاز، ففيه إعلام للأزواج الذين منحهم الله صفة القوامة والعلو على أزواجهم بأن هذه صفة محكومة بأمر الله، وتوصيتهم بعدم الظلم والإسراف فيما أبيح لهم، فلا تستعلوا عليهنّ ولا تتكبروا، وتنبيه لهم بخفض الجناح ولين الجانب، وإشارة إلى أن قدرة الله فوق قدرتهم عليهنّ، وتذكيرهم بأن العلو والكبر من صفات الله تعالى. وقال تعالى: ﴿وَقالوا كونوا هوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إبْراهيمَ حَنيفاً وَّما كان مِنَ المُشْرِكينَ﴾ ٢.

стр. 49

قراءة الجمهور بنصب: (مِلَّةَ) ، وقرئ١ في الشواذ برفع (مِلَّةُ) ، وتوجَّه قراءة الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره بل الهَدْيُ ملةُ، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره بل ملةُ إبراهيم حنيفاً هدْيُنا. وفي توجيه قراءة النصب أربعةُ أقوال: الأول: أنه مفعول به لفعل محذوف تقديره بل نتَّبِعُ ملةَ إبراهيم٢. الثاني: أنه منصوب على الإغراء أي: عليكم ملةَ إبراهيم، وبه قال أبو عبيدة٣. الثالث: أنه منصوب على أنه خبر لـ (نكون) محذوفة، والمعنى حينئذٍ بل نكون أهلَ ملَّةِ إبراهيم، أو أصحابَ ملَّةِ إبراهيم، فحذف المضافُ، وأقيم المضافُ إليه مُقامه وهو رأي الفراء، والأخفش، والزجاج، والزمخشري٤. الرابع: أنه منصوب على نزع الخافض والمعنى نقتدي بملة إبراهيم٥. فالوجه الأول والثاني من هذه الأقوال واحد وهو أنه مفعول به ولكن العامل مختلف، والوجه الرابع مفعول به توسعاً بعد نزع الخافض، والثالث خبر كان.

стр. 50

والوجه الرابع عندي ضعيف، لأن نزع الخافض مع غير أنْ وأنَّ وكي غير قياسي، ولا ينبغي حمل إعراب الآيات على وجه ضعيف، ما أمكن حملها على وجه أقوى منه، ولاسيما أن من الأوجه ما يدعمه السياق. وقال تعالى: ﴿إنَّ الصَّفا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَو اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أن يَّطّوَفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيراً فَإنَّ اللهَ شاكِرٌ عَليمٌ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَريضاً أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أيَّامٍ أُخُرَ وَعَلى الَّذينَ يُطيقونَه ُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَنْ تَصُوموا خَيْرٌ لَّكُمْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمونَ﴾ ٢. في توجيه نصب (خيراً) في الآيتين الكريمتين أربعة أقوال٣: الأول: أنه منصوب على نزع الخافض، أي: تطوّع بخير فنزع الخافض، وانتصب (خيراً) ، وتعضد هذا الوجهَ قراءةُ ابن مسعود: (ومن تطوع بخير) ٤. الثاني: منصوب على تضمين الفعل (تطوّع) معنى (فَعَلَ) فيكون المعنى ومن فَعَلَ خيراً. الثالث: مفعول مطلق نائب عن المصدر الأصلي، لأنه وصف له في الأصل، والتقدير ومن يتطوّع تطوّعاً خيراً فحذف المصدر وحلت صفته محله.

стр. 51

الرابع: إذا قدر المصدر المحذوف معرفة فـ (خيراً) حال منه، والتقدير ومن تطوّع تطوّعه خيراً فإن الله شاكر عليم. وقال تعالى: ﴿وإنْ عَزَموا الطَّلاقَ فَإنَّ اللهَ سَميعٌ عَليمٌ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَلا تَعْزِموا عُقْدَةَ النِّكاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الكِتابُ أَجَلَهُ﴾ ٢. الفعل عزم لازم، يتعدَّى بـ (على) ، قال في القاموس: "عزم على الأمر يعزِم عزماً ويضمّ ومعزماً كمقعَد ومجلِس وعُزْماناً بالضم وعزيماً وعزيمة واعتزمه وعليه وتعزّم أراد فعله"٣. وقال الشاعر: عَزَمْتُ عَلى إقامِةِ ذي صَباحٍ ... لأمْرٍ ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسودُ ٤ فـ (الطلاق) ٥ في الآية الأولى، و (عقدة) في الآية الثانية منصوبان على نزع الخافض، والأصل - والله أعلم - وإن عزموا على الطلاق، ولا تعزموا على عقدة النكاح، فحذف الخافض، وانتصب معموله. ويجوز أن يضمّن الفعل (عزم) معنى الفعل (نوى) فينتصب ما بعده مفعولاً به. وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرّاً إلاّ أنْ تَقولوا قَوْلاً مَعْروفاً﴾ ٦.

стр. 52

في انتصاب (سِرّاً) مع الفعل (واعد) ستة أوجه ذكرها العلماء١، وقدّروا في بعضها مفعولاً محذوفاً وهو لا تواعدوهنّ نكاحاً سراً: الأول: أنه مفعول ثانٍ للفعل (واعد) . والثاني: أنه حال من فاعلِه أي لا تواعدوهنّ مستخفين. الثالث: أنه نعت مصدر محذوف والتقدير: لا تواعدوهنّ مواعدةً سرّاً. الرابع: أنه حال من ذلك المصدر المحذوف مع جعل المصدر معرفه والتقدير: المواعدة مستخفية. الخامس: أنه منصوب على الظرفية أي في سرٍّ. السادس: أن يكون منصوباً على نزع الخافض والتقدير على سرٍّ، وذلك عند من فسّر السر بالجماع، ذكر هذا المنتجب، وابن هشام، وعزاه للأخفش٢. وقال تعالى: ﴿وإنْ كُنْتُم مَّرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أَحَدٌ مِّنْكُم مِّنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدوا ماءً فَتَيَمَّموا صَعيداً طَيِّباً﴾ ٣. الفعل: (تَيَمَّمَ) سمع من العرب متعدياً بنفسه قال خُفَافُ بْنُ نُدْبَةَ: تَيَمَّمْتُ كَبْشَ القَوْمِ حَتَّى عَرَفْتُهُ ... وَجانَبْتُ شُبَّانَ الرِّجالِ الصَّعالِكا فإنْ تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصيبَ صَميمُها ... فَعَمْداً عَلى عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مالِكا٤

стр. 53

وقال الأعشى: تَيَمَّمْتُ قَيْساً وَكَمْ دُوْنَهُ ... مِنَ الأرْضِ مِنْ مَهْمَهٍ ذي شَزَنْ١ وقال كُثيِّر عَزَّة: تَيَمَّمْتُ لِهْباً أَبْتَغِي العِلْمَ عِنْدَهُمْ ... وَقَدْ رُدَّ عِلْمُ العائِفِينَ إلى لِهْبِ٢ قال امرؤ القيس: تَيَمَّمَتِ العَيْنَ الَّتي عِنْدَ ضارِجٍ ... يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عِرْمِضُها طامِ٣ وقال ذو الرُّمَّة: تَيَمَّمْنَ عَيْناً مِنْ أُثالٍ نَميرَةً ... قَموساً يَمُجُّ المُنْقِضاتِ احْتِفالُها٤ ولو ذهبتُ أتتبعُ الشواهد الشعرية في تعدية الفعل (تَيَمَّمَ) عند العرب لطال البحث وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق.

стр. 54

وقال ابن السكيت: "أَصْلُ التَّيَمُّم: القصد، ويقال تيمّمته إذا قصدت له، قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعيداً طَيِّباً﴾ أي اقصدوا لصعيد طيّب، ثم كثر استعمالهم هذه الكلمة حتى صار التيمُّم مسح الوجه واليدين بالتراب"١. والياء في تيمّم منقلبة عن همزة، وأصل الفعل: (أمَّ) بمعنى قصد يقال أمَّه يؤمُّه أمّاً بمعنى قصده. ومع أن الفعل استعمل متعدِّياً كما رأينا في الشواهد السابقة إلا أننا نجد من المعربين للقرآن من أجاز أن تكون (صعيداً) منزوعة الخافض، قال أبو البقاء: "صعيداً مفعول تيمّموا، أي: اقصدوا صعيداً، وقيل: هو على تقدير حذف الباء أي: بصعيد"٢. وقال المنتجب: "وقيل: هو على تقدير حذف الباء أي بصعيد، وقيل هو ظرف وهذا على قول من جعل الصعيد الأرض، أو وجه الأرض، والوجه هو الأول وعليه المعنى والإعراب"٣ وقال السمين:"وصعيداً مفعول به لقوله تيمّموا أي اقصدوا، وقيل: هو على إسقاط حرفٍ أي: بصعيد، وليس بشيء لعدم اقتياسه"٤. وقال الجمل: "وصعيداً مفعول به لقوله فتيمّموا أي اقصدوا، وقيل هو على إسقاط حرف أي لصعيد، وليس بشيء لعدم انقياسه"٥.

стр. 55

وقال تعالى: ﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَني لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ المُسْتَقيمَ﴾ ١. جاءت كلمة (صراطَ) في الآية منصوبة، والفعل الذي يطلبها هو (قَعَدَ) ، وهو لازم، وللنحاة في توجيه نصبها ثلاثة أقوال: الأول: أنه منصوب على إسقاط الخافض وهو رأي الأخفش قال: (أي على صراطك، كما تقول توجه مكة أي: إلى مكة وقال الشاعر: كَأَنِّيَ إذْ أسْعى لأظْفَرَ طائِراً ... مَعَ النِّجْمِ في جَوِّ السَّماءِ يُصَوِّبُ٢ يريد: لأظفر بطائر، فألقى الباء، ومثله: ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ ٣ يريد عن أمر ربكم"٤. ووافقه الزجاج، وحكى الإجماع على ذلك قال: "لا اختلاف بين النحويين في أنَّ (على) محذوفة، ومن ذلك قولك ضُرِبَ زَيدٌ الظهرَ والبطنَ"٥. الوجه الثاني: أنَّه منصوب على الظرفية المكانية: وإليه مال الفراء قال: "المعنى - والله أعلم- لأقعدنَّ لهم على طريقهم، أوفي طريقهم، وإلقاء الصفة من هذا جائز، كما قال قعدت لك وَجْهَ الأرض، وعلى وجه الأرض، لأن الطريق صفة في المعنى فاحتمل ما يحتمله اليوم والليلة والعام إذا قيل آتيك غداً أو في غدٍ"٦.

стр. 56

القول الثالث: هو مفعول به للفعل: (لأقعدنَّ) لأنه قد ضمِّن معنى (لألزمنَّ) ذكره أبوحيّان، والسمينُ وغيرهم١. واسْتضعفَ الرأيُ الأولُ، لأن حذف حرف الجر هنا ليس من مواضع القياس. وضُعّف القول الثاني، لأن الصراط ظرف مكان مختص، وظروف المكان المختصة لايصل إليها الفعل إلابواسطة حرف الجر. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَّالقَمَرَ نوراً وقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَموا عَدَدَ السِّنينَ وَالحِسابِ ما خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إلاَّ بِالحقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَّعْلَمونَ﴾ ٢. الضمير في: ﴿قَدَّرَهُ﴾ قيل: إنه منصوب على نزع الخافض، و ﴿مَنازِلَ﴾ مفعول به للفعل قدّر، والفعل (قدّر) حينئذٍ على بابه، والمعنى: والقمر قدّر له منازل، قال أبو جعفر النحاس:" ﴿وقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ : بمعنى: وقدّر له، مثل: وإذا كالوهم"٣، ووافقه أبو البقاء٤، والمنتجب ٥، وأبو حيّان٦ والسمين٧.

стр. 57

ويصح أن يكون الضمير مفعولاً به، ومنازل حينئذٍ إما ظرف مكان أي: قدّر القمر في منازل، ويشكل أن العامل في الظرف ليس من مادته، أو مفعولٌ به ثانٍ بعد حذف مضافٍ وإحلال المضاف إليه محلّه، وذلك إذا ضمّن الفعل قدّر معنى صيّر، والمعنى صيّر القمر ذا منازل، أو حال من الضمير إذا فسّر قدّر بـ (خلق أو هيَّأ) ، والمعنى خلق الله القمر متنقلاً١. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَبَقا البابَ وَقَدَّتْ قَميصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ﴾ ٢ الفعل (استبق) بمعنى (تسابق) فهو لازم يتعدى بـ (إلى) ، فـ (البابَ) في الآية الكريمة منصوب إمّا على نزع الخافض، وإما على تضمين (استبق) معنى (ابتدر) ، ونزع الخافض هنا ليس قياسياً، والتضمين في قياسيته كلام٣. وقال تعالى: ﴿آتُوني زُبَرَ الحَديدِ﴾ ٤. قرأ٥أبوبكر شعبةُ بنُ عيّاش٦ عن عاصم (ايتوني) بهمزة وصل ثم ياء منقلبة عن همزة هي فاء الكلمة من (أتى يأتي) من المجيء، والفعل: (أتى) يتعدَّى

стр. 58

لواحد بنفسه فعلى هذه القراءة يكون الفعل قد استوفى معموله في ياء المتكلم، وكلمة (زُبَرَ) على هذه القراءة منصوبةٌ على نزع الخافض والتقدير: ايتوني بزبر الحديد. وقرأ الباقون: (آتوني) من الإيتاء وهو الإعطاء، والفعل حينئذ يتعدى إلى مفعولين الأول ياء المتكلم، والثاني (زبر) وعليها فلا شاهد في الآية ١. وقال تعالى: ﴿وَقالَ الّذينَ كَفَروا إنْ هَذا إلاَّ إفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرونَ فَقَدْ جاءوا ظُلْماً وَّزُورا﴾ ٢. الفعل: (جاء) سمع متعدياً بنفسه كقوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَّقينٍ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿وَجاءَ السَحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ ٤، وسمع لازماً كقوله تعالى: ﴿جاءَ بِكُمْ مِنَ البَدْوِ﴾ ٥وكقوله تعالى: ﴿مَنِ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِهَا﴾ ٦،قال صاحب التاج: "ويرد في كلامهم لازماً ومتعدياً"٧.

стр. 59

فعلى كون الفعل متعدياً يصحّ في إعراب (ظلماً) وجهان ١: الأوّل: أنها مفعول به للفعل جاء. والثاني أنها حال في تأويل مصدر باسم فاعل أي: ظالمين، أو على حذف مضاف أي ذوي ظلم، أو جعل المصدر حالاً على حدّ: (طلع زيد بغتة) وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتينَكَ سَعْياً﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً﴾ ٣. وعلى كونه لازماً فلها توجيهان أيضاً: الأول: أنها منصوبة على نزع الخافض، أي: جاءوا بظلم وزور، ومال إلى هذا الوجه جماعة من المفسرين٤. والثاني: أنه حال من فاعل جاء بحسب التوجيه السابق. وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلاً فيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمونَ﴾ ٥. ﴿مَثَلاً﴾ : في الآية الكريمة مفعول لـ ﴿ضَرَبَ﴾ ، و ﴿رَجلاً﴾ بدل منه، واختار هذا العكبري والمنتجب ٦.

стр. 60

وروى أبو حيّان والسمين: أنَّ الكسائي قال: "انتصب رجلاً على إسقاط الجار أي: لرجل، أو في رجل"١. وقال تعالى: ﴿وَلا يَسْأَلُ حَميمٌ حَميماً﴾ ٢. الجمهور على قراءة الفعل (يَسأل) بالبناء للفاعل فـ (حميماً) مفعول به أوّل لـ (يَسْأَلُ) أي يسأله عن حاله لما هو فيه من الشغل بنفسه، أو لا يسأله شفاعة، أو لا يسأله نُصْرَةً ومَنفعةً، أو لا يسأله أن يحمل عنه من أوزاره شيئاً، وقيل بل هو منصوب على نزع لخافض أي: لا يسأل حميمٌ عن حميمٍ. وقرأ٣ ابن كثير٤ بروايةٍ عنه، وأبو جعفر٥، وأبو حيوة٦، وشيبة٧، والبزي٨ بالبناء للمفعول: (يُسْأَلُ) فـ (حميماً) منصوب على نزع

стр. 61

الخافض أي: عن حميمٍ١، قال أبو علي الفارسي: "من ضمّ فقال: ﴿لا يُسْأَلُ حَميمٌ حَميماً﴾ فالمعنى- والله أعلم -: لا يُسألُ حميمٌ عن حميمه ليُعرفَ شأنُه من جهته كما قد يُتعرّف خبرُ صديق من جهة صديقه، والقريب من قريبه، فإذا كان كذلك، فالكلام إذا بنيت الفعل للفاعل: سألتُ زيداً عن حميمه، وإذا بنيت الفعل للمفعول قلت: سُئل زيدٌ عن حميمه، وقد يحذف الجار فيصل الفعل إلى الاسم الذي كان مجروراً قبل حذف الجار فينتصب بأنه مفعول الاسم الذي أسند إليه الفعل المبني للمفعول به فعلى هذا انتصاب قوله حميم حميماً"٢. وقال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ المَنَّ وَالسَّلْوى﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ وَالسَّلوى﴾ ٤. الفعل (ظَلَّلَ) المضعّف: يتعدى إلى واحد بنفسه وللثاني بالحرف ومثاله قول الشاعر: قامَتْ تُظَلِّلُنِيْ مِنَ الشَّمْسِ ... نَفْسٌ أَعَزُّ عَلَيَّ مِنْ نَفْسي قامَتْ تُظَلِّلُنِيْ وَمِنْ عَجَبٍ ... شَمْسٌ تُظَلِّلُنِيْ مِنَ الشَّمْسِ٥

стр. 62

ذهب جمهرة من المفسرين: إلى أنَّ الغمام في الآية إنما هو آلة الظل، ولا يجوز أن يكون مفعولاً به، لأنه لم يقع عليه فعل الفاعل، إلا بتأويل: جَعَلْنا الغمامَ عليكم طبقات، فالطبقة العليا تُظِلُّ التي أسفل منها، ولهذا حكموا عليه بأنه منزوع الخافض أي ظَلَّلَناكم بالغمام، أشار إلى ذلك أبو البقاء١، ومنع أن يكون الفعل متعدياً إلى الغمام بنفسه، لأنه لم يقع عليه فعل الفاعل، وقال أبوحيّان:"مفعول على إسقاط حرف الجر، أي بالغمام كما تقول ظلَّلْتُ على فلان بالرداء، أو مفعول به لا على إسقاط الحرف، ويكون المعنى جعلناه عليكم ظُلَلاً، فعلى هذا الوجه الثاني يكون (فَعَّل) فيه بجعل الشيء بمعنى ما صيغ منه كقولهم: عدَّلت زيداً أي: جعلته عدلاً فكذلك هذا، معناه: جعلنا الغمام عليكم ظُلّة، وعلى الوجه الأول تكون (فَعَّل) فيه بمعنى أفعل، فيكون التضعيف أصله للتعدية ثم ضمِّن معنى فِعْلٍ يُعدَّى بـ (على) فكأن الأصل: وظلَّلناكم أي أظللناكم بالغمام"٢، ويرى السمين أنَّ الغمام مفعول به للفعل ظَلَّلَ على تضمين (ظلَّل) معنى (جَعَلَ) ٣، وحكى قول أبي البقاء السابق، وقال عنه: إنه تفسير معنى لا إعراب وعلَّل ذلك بقوله: "لأن حذف حرف الجر لا ينقاس"٤، وقال المنتجب: "أي: جعلنا الغمام يُظِلُّكُم"٥.

стр. 63

وعلى هذا نجد أن أبا البقاء، وأبا حيان يذهبان إلى أن الغمام منصوب على نزع الخافض، وأن المنتجب والسمين يذهبان إلى تضمين الفعل (ظلَّل) معنى الفعل (جعل) ، والتضمين - وإن نودي بقياسيته - إلا أنه محكوم بأضيق نطاق، ونزع الخافض في الآية ليس من مواطن القياس فكلاهما على المشهور غير قياسي، ولعلَّ مما يرجح التضمين على القول بنزع الخافض أن الفعل (ظلَّل) عُدِّي إلى المفعول به بـ (على) مع أنه - في الأصل- متعدّ بنفسه، ولم يكن السياق ظلّلناكم بالغمام، لأن (جعل) يتعدى للثاني بـ (على) فلمّا ضمَّن ظلَّل معنى جعل عُدّي بالحرف الذي يتعدى به جعل.

стр. 64

المطلب الثاني: دراسة التعليق والجمل التي بعده: التعليق هو: إبطال العمل لفظاً لا محلاًّ، لمجيء ما له صدر الكلام بعد الفعل المعلَّق١، والأصل اختصاصه بأفعال القلوب المتصرفة، وليس كلّ قلبيٍّ يُعلَّق، ألا ترى أن: أحبّ، وكره، وأبغض، وأراد أفعال قلبية ولا أعلم أحداً قال بأنها عُلّقت، وذكر العلماء أفعالاً عُلِّقت وهي ليست قلبية: كنظر، وأبصر، وسأل، لتلطِّفهم في معانيها بما يتلاءم مع الأفعال القلبية. ومن الأدوات المعلِّقة٢: لام الابتداء، ولام القسم، وأدوات النفي: (ما، ولا، وإنْ) ، والاستفهام، وإنَّ المشدّدة المكسورة التي في خبرها اللام.

стр. 65

والجملة المعلَّقة في محل نصب على نزع الخافض إنْ كان الفعل الذي قبلها لازماً، وفي موضع نصب إن كان يتعدَّى إلى واحد، وسادَّة مسدَّ المفعولين إن كان يتعدّى إلى مفعولين، قال ابن مالك: "والجملة بعد المعلِّق في موضع نصب بإسقاط حرف الجرّ إن تعدّى به، وفي موضع مفعوله إن تعدى إلى واحد، وسادة مسدّ مفعوليه إن تعدى إلى اثنين، وبدل من المتوسط بينه وبينها إن تعدّى إلى واحد، وفي موضع الثاني إن تعدّى إلى اثنين ووجد الأول"١. وقال ابن عصفور: "وإذا عُلِّق الفعلُ فلا يخلو أن يكون من باب ما يتعدّى إلى واحد بحرف جرّ نحو: فكَّرت، أو من باب ما يتعدّى إلى واحد بنفسه نحو: عرفت، أو من باب ما يتعدّى إلى اثنين أصلهما المبتدأ والخبر نحو: علمت، فإن كان من باب ما يتعدّى إلى واحد بحرف الجر كانت الجملة في موضع نصب بعد إسقاط حرف الجرّ"٢وقال الرضي:"الجملة بعد الفعل المعلَّق في موضع النصب، وهي: إمّا في موضع مفعولٍ يُنصب بنزع الخافض، وذلك بعد كلّ فعل يقيد الشك"٣. وألحقَ بعضُ العلماء بالأفعال القلبية في التعليق مع الاستفهام خاصة: "نظر سواء أكانت بصرية أم قلبية، وأبصر، وتفكَّر، وسأل، ونسي، ونبّأ، وأنبأ"، قال ابن مالك عن تعليق الأفعال القلبية: "ويشاركهنّ فيه مع الاستفهام: نظر، وأبصر، وتفكّر، وسأل، وما وافقهن، أو قاربهن، لا ما لم يقاربهن خلافاً ليونس،

стр. 66

وقد تعلَّق نَسِيَ"١، وقال: "وعُلِّقَ أيضاً مع الاستفهام نظر بالعين، أو بالقلب، وأبصر، وتفكَّر، وسأل. وأشرت بما وافقهن إلى نحو: أما ترى أيُّ برق هاهنا؟ ٢ بمعنى: أما تبصر حكاه سيبويه٣، وإلى نحو: ﴿وَيَسْتَنْبِئونَكَ أَحَقٌّ هُوَ﴾ ٤، وأشرت بما قاربهن إلى نحو: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٥ ... وعُلِّق نسي، لأنه ضد علم، والضد قد يحمل على الضد"٦.

стр. 67

المطلب الثالث: نزع الخافض من الجمل المعلّقة في القرآن: قال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٧. الفعل (نظر) لازم، يتعدّى بـ (إلى) ، وقد عُلِّق٨ عن العمل في الجملتين بـ (كيف) و (أنَّى) ، وجملتا (كيف نبيّن لهم الآيات) و (أنَّى يؤفكون) في محل نصب على نزع الخافض ٩ ونظر هنا قلبية.

стр. 68

وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّروا ما بِصاحِبِهِمْ مِّنْ جِنَّةٍ إنْ هُوَ إلاَّ نّذيرٌ مُّبينٌ﴾ ١. قال أبو حيّان: "الظاهر أن: ﴿يَتَفَكَّروا﴾ مُعلّق عن الجملة المنفية، وهي في موضع نصب بـ (يتفكروا) بعد إسقاط حرف الجر، لأن التفكُّر من إعمال القلوب، فيجوز تعليقه"٢. وقال تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضيلاً﴾ ٣. جملة: ﴿كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ جعلها أبو حيّان منصوبة على نزع الخافض، فقال عنها: "في موضع نصب بعد حذف حرف الجرّ، لأن نظر يتعدَّى به، فانظر هنا معلَّقة، ولمّا كان النظر مفضياً وسبباً إلى العلم جاز أن يعلَّق"٤ونظر هنا يصح أن تكون قلبية وبصرية. وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ أيُّها أَزْكىطَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِّنْهُ﴾ ٥. (أيُّها) :يصح أن تكون استفهاماً فهي مبتدأ، خبره (أزكى) ، والجملة في محل نصب على نزع الخافض لـ (ينظر) ، لأن الفعل (نظر) لازم يتعدى بـ

стр. 69

(إلى) ، ويصح أن تكون موصولاً، فهي مفعول لـ (ينظر) على نزع الخافض أيضاً، و (أزكى) خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديره: هو أزكى ١، و (نظر) هنا بصرية. وقال تعالى: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبينَ﴾ ٢. قال أبو حيّان: جملة ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبينَ﴾ عُلِّق عنها: (سننظر) ، وهي في محل نصب على نزع الخافض٣، و (نظر) هنا يصِحّ أن تكون قلبية وبصرية. وقال تعالى: ﴿فَانْظُرِيْ ماذا تَأْمُرينَ﴾ ٤. جملة ﴿ماذا تَأْمُرينَ﴾ في موضع نصب على نزع الخافض، والفعل مُعلَّق عنها بسبب الاستفهام ٥ ونظر هنا قلبيه. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّروا في أَنْفُسِهِمْ مَّا خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ والأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إلاَّ بالحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمَّى﴾ ٦. (ما) : نافية، والجملة بعدها يصح أن تكون استئنافية، فلا محل لها من الإعراب.

стр. 70

ويصحّ أن تكون منصوبة على نزع الخافض. وأُجيز - على ضعف- أن تكون (ما) استفهامية بمعنى النفي، والجملة بعدها فيها الوجهان السابقان١. وقال تعالى: ﴿قُلْ إنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أنْ تَقوموا لله مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّروا ما بِصاحِبِكُمْ مِّنْ جِنَّةٍ﴾ ٢ الفعل: (تتفكّر) لازم يتعدّى بالحرف، والجملة المنفية ﴿ما بصاحبكم من جنة﴾ أجيز أن تكون استئنافية فلا محل لها من الإعراب. وأجيز أن تكون في محل نصب على نزع الخافض وهو مَحَطُّ التفكر، أي: ثم تتفكروا في انتفاء الجنة عن محمد صلى الله عليه وسلم٣. وقال تعالى: ﴿عَلى الأَرائِكِ يَنْظُرونَ هَلْ ثُوِّبَ الكُفَّارُ ما كانوا يَفْعَلونَ﴾ ٤. قال السمين:" ﴿هَلْ ثُوِّبَ﴾ يجوز أن تكون الجملة الاستفهامية مُعَلِّقة للنظر قبلها فتكون في محل نصب بعد إسقاط الخافض، ويجوز أن تكون على إضمار القول أي: يقولون: هل ثُوِّبَ الكفار"٥

стр. 71

وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ ١. الاستفهام مُعلِّق للفعل عن العمل، وجملة (مم خلق) في محل نصب بالفعل (فلينظر) على نزع الخافض، ونظر هنا قلبية٢.

стр. 72

المطلب الرابع: المفعول الثاني منصوب على نزع الخافض والفعل معلّق عنه: قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ٣. ﴿أيُّكم أحسنُ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب مفعول ثانٍ بعد إسقاط الخافض، والاستفهام مُعلِّق للفعل٤، قال الزمخشري:"فإن قلت: كيف جاز تعليق فعل البلوى؟ قلتُ: لِمَا في الاختيار من معنى العلم، لأنه طريق إليه فهو ملابس له كما تقول: انظر أيهم أحسن وجهاً، واسمع أيهم أحسن صوتاً، لأن النظر والاستماع من طُرُق العلم"٥ وقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ البَناتُ وَلَهُمُ البَنونَ﴾ ٦. أجاز الدماميني أن يكون الفعل (استفتى) مُعلَّقاً عن العمل بالاستفهام، وجملة: (ألربك البنات) في موضع نصب على نزع الخافض قال:"الظاهر أن هذه

стр. 73

الجملة المقترنة بالهمزة في محل مفعول مقيّد بالجار على ما قرروه، والفعل مُعلّق، لأن الاستفتاء طريق العلم كالسؤال فجاز تعليقه كما علّق فِعْلُ السُّؤال نحو ﴿سَلْهُم ْأَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعيمٌ﴾ " ١. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُناديهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهيدٍ﴾ ٢. الفعل: (آذن) يتعدَّى لواحد بنفسه وللثاني بالباء يقال آذنته بالسفر بمعنىأعلمته به قال الشاعر: آذَنَتْنا بِبَيْنِها أَسْماءُ ... رُبَّ ثاوٍ يُمَلُّ مِنْهُ الثَّواءُ٣ وقد أجاز أبو حيّان وجماعة تعليق الفعل (آذن) في الآية الكريمة، لأنه بمعنى أعلم، وأعلم يعلّق فما كان بمعناه يأخذ حكمه قال في تفسير الآية الكريمة: "وآذنّاك معلّق، لأنه بمعنى الإعلام، والجملة من قوله: ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ في موضع المفعول، وفي تعليق باب أعلم خلافٌ، والصحيح أنه مسموع من كلام العرب"٤، وقال السمين: " ﴿مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ هذه الجملة المنفية معلِّقة لـ (آذناك) ،لأنها بمعنى أعلمناك، وتقدّم لنا خلاف في تعليق أعلم، والصحيح وقوعه سماعاً من العرب"٥.

стр. 74

وقال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعيمٌ﴾ ١. أجاز أبو حيان والسمين٢ أن تكون جملة (أيُّهم بذلك زعيمٌ) في محل نصب على نزع الخافض مفعول ثانٍ لـ (سأل) ، لأن (سأل) إذا كان بمعنى استفهم تعدَّى للثاني بـ (عن) ، أو بـ (الباء) قال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ ٣ وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿ويَسْأَلونَكَ عَنِ ذي القَرْنَيْنِ﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ ٦. وقال علقمة الفحل: فَإنْ تَسْأَلونِي بالنِّساءِ فَإنَّني ... بَصيرٌ بِأَدْواءِ النِّساءِ طَبيبُ٧ وإن كان (سأل) بمعنى (طلب) نصب الثاني بنفسه نحو قوله تعالى: ﴿قُلْ لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إنْ هُوَ إلاَّ ذِكْرٌ لِلعالَمِينَ﴾ ٨ وقوله تعالى: ﴿لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ

стр. 75

وَالعاقِبَةُ للتَّقْوى﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿وَإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلاَّ المَوَدَّةَ في القُرْبى﴾ ٣. وقال الشاعر: فَلَوْ أَنْكِ في يَوْمِ الرَّخاءِ سَأَلْتِنِي ... طَلاقَكَ لَمْ أَبْخَلْ وَأَنْتِ صَدِيقُ٤ قال الدماميني:"ألا ترى أن سأل التى يراد بها طلب العلم لا المال إنما يتعدى إلى الثاني بالجار"٥. فـ (أيهم) في قوله تعالى: ﴿سَلهُم أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعيمٌ﴾ معلّق لـ (سلهم) ، لكونه سبباً في العلم. ويشكل قول الفيروز أبادي:"سأله كذا وعن كذا وبكذا بمعنى"٦، إذ جعل (سأل كذا) وهو متعدٍّ للثاني بدون واسطة، بمعنى (سأله عن كذا وبكذا) وهو متعدٍّ للثاني بالحرف، ويمكن توجيه كلامه بأن سأل تفيد الطلب حيثما كانت فالأولى تفيد طلب المال ونحوه، والثانية تفيد طلب العلم ونحوه، وهذا معنى كلام الدماميني السابق (طلبُ العلمِ لا المالِ) إذ الجميع طلب.
следующие страницы →