← Общие книги

Общие книги · id 8955

المنهج الصحيح وأثره في الدعوة إلى الله تعالى

حمود الرحيلي

Полный текст (76 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

ومن الأدلة كذلك ماجاء عن معاوية بن الحكم السلمي ﵁ قال: "بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكْلَ أمَّياه١ ! ماشأنكم تنظرون إلىَّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمّتونني، لكني سكت، فلما صلى رسول الله ﷺ فبأبي هو وأمي، مارأيت معلماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فوالله ماكهرني٢ولا ضربني ولا شتمني، قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ ... "الحديث٣. إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة التي تبين لنا أن النبي ﷺ كان يعامل الناس في دعوته بالحكمة واللين، لذلك فإنه لا بد للداعية إلى الله تعالى أن يتأسى بالنبي ﷺ في دعوته وفي أمره ونهيه، وفي تعامله مع الناس، ولابد له من الصبر وطول النفس، والتدرج مع المدعو شيئاً فشيئاً حتى يمكن إعادته للحق والصواب. خامسا: الرفق والحلم: إنَّ من الواجب على الداعية إلى الله تعالى أن يكون رفيقاً رحيماً، حليماً ليناً، مشفقاً على الناس، فإنَّ ذلك مدعاة لقبول الناس منه، وانتفاعهم بدعوته، وهذا هو خلق النبي ﷺ في دعوته للناس، ولهذا امتن الله تعالى على نبيه ﷺ بقوله:

стр. 37

﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لا نْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ١. وامتن الله ﵎ على عباده المؤمنين ببعثة رسوله الكريم إليهم، وبما هو عليه من الخلق العظيم، فقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. ولقد أمضى النبي ﷺ حياته بمكة والمدينة وغيرهما، يدعو ويذكر وينذر في غاية من اللطف واللين، ويقصد نواديهم، يدعوهم إلى الهدى، ويتحمل منهم ألوان الأذى، ويزيد على ذلك فيقول: "رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" ٣. فهذا دَيْدنُهُ ﷺ في دعوته، وأمره ونهيه، يا خذ بالرفق واللين، ولم يستعمل الغلظة والشدة، إلا حين لم يجد ذلك مع المخاطبين - مع تحقيق القدرة وانتفاء المفسدة - كما هو واضح من سيرته، وقد قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ ٤. فمن قرأ سيرته ﷺ ولزم طريقته في دعوة أمته، كان أكمل الناس في متابعته، وأولاهم بوراثته، وأسعدهم بشفاعته، وأنصحهم لا مته، ولهذا لما كان صاحبه

стр. 38

أبو بكر الصديق في ذلك كذلك أسلم على يديه من لا يحصون، وانتفع به من الخلق كثيرون١. ولما أرسل الله موسى وهارون ﵉ إلى فرعون - طاغية مصر وجبارها - أمرهما أن يخاطباه باللين واللطف. قال تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ ٢. قال الإمام ابن كثير ﵀ !: "هذه الآية فيها عبرة عظيمة وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه، إذ ذاك ومع هذا أمر أن لا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين"٣. وقد ورد في هذا المعنى استدلال المأمون عندما وعظه رجل وعنّف له في القول، فقال: يا رجل ارفُقْ فقد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، وأمره بالرفق، قال تعالى: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾ ٤ ٥. ومن الأحاديث النبوية التي تبين فضل الرفق واللين وتحثُّ عليه مايلي: ١- عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه" ٦.

стр. 39

٢- وعن جرير بن عبد الله ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من يحرم الرفق، يحرم الخير" ١. ٣- وقال ﷺ لا شج عبد القيس: "إن فيك خصلتين يحبهما الله، الحلم والأناه" ٢. لذا فإنه ينبغي للداعية إلى الله تعالى، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتقي الله في عباد الله، وأن يلزم الرفق بهم واللين معهم والحلم والعفو عنهم، فيما يدعوهم إليه، ويأمرهم به، وينهاهم عنه، حتى لا يصدهم عن الهدى أو يوردهم الردى. ولا ينبغي للداعية إلى الله تعالى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يتسم بالشدة، ويأخذ بالغلظة، ما وجد مندوحة عن ذلك، فإذا اشتبه عليه الأمر، فعليه بمراجعة نصوص الكتاب والسنة وقواعد الشريعة، وكلام أهل العلم المعتبرين، إن كانت لديه الأهلية لذلك، لمعرفة الراجح بالدليل، وإلا فعليه بما وجه الله تعالى إليه أمثاله بقوله سبحانه: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ٣ ٤. سادساً: الصبر: إن نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الواردة في الصبر لا تكاد تُحصى لكثرتها.

стр. 40

وقد أخبر الله تعالى عن لقمان الحكيم بأنه أوصى ابنه بقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ١. فأتبع حثه له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصبر، وما ذلك إلا لأن القيام بهذا يتطلب الكثير من المجاهدة، ولحوق الأذى بالمحتسب، وهذا لا يثبت معه إلا من كان متحلياً بالصبر. ولهذا نجد أن الله تعالى أمر رسله - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - وهم أئمة الدعوة إلى الله تعالى بالصبر، كما قال تعالى لخاتمهم ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ ٢. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٤. ومن الأدلة من السنة التي ترغب في الصبر وتحث عليه مايلي: ١-ماورد عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاءً؟ قال: "الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلي الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زِيدَ في بلائه، وإن كان في دينه رقة خُفِّفَ عنه، وما يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض وليس عليه خطيئة" ٥.

стр. 41

٢-وعن أنس بن مالك ﵁ مرفوعاً: "إنَّ عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله السخط"١. ٣-وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أن أناساً من الأنصار سألوا رسول الله ﷺ فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم حتى نَفِدَ ما عنده قال: "مايكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطى الله أحداً عطاءً هو خير وأوسع من الصبر" ٢ ومما تقدم من الآيات الكريمة والأحاديث النبوية وغيرها التي تدل على فضل الصبر وتحث عليه، يتبين أن المؤمن معرض للابتلاء، ولكن على حسب قوة إيمانه أو ضعفه، وإذا صبر المؤمن واحتسب أجره عند الله كفر الله من ذنوبه وسيئاته، وعظم له الأجر، وإذا كان عامة الناس معرضين لهذا الابتلاء والامتحان، فإنَّ

стр. 42

أشدهم بلاء الدعاة إلى الله، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وهم أَوْلَى بالصبر والاحتساب، وخاصة ما يصيبهم بسبب دعوتهم من الأذى. وفي صبر النبي ﷺ على أذى المشركين أمثلة رائعة يجدر بالدعاة إلى الله تعالى أن يقفوا عندها ويتأملوها، ليتأسَّوا بالنبي ﷺ ، ومن هذه الأمثلة: ١- ماكان مشركو مكة يلقون على عتبته ﷺ من الأنتان والأقذار، ومع ذلك كان يصبر ويحتسب، ويقول: "أي جوار هذا"١؟ . ٢-بعد أن اشتد أذى قريش للنبي ﷺ عقب وفاة عمه أبي طالب، خرج النبي ﷺ إلى الطائف، للدعوة وطلب النصرة من ثقيف، ولكنها لم تستجب له، وأمروا صبيانهم وسفهاءهم أن يصطفوا على الطريق صفين، وأن يرجموه بالحجارة، فرجموه ﷺ بالحجارة حتى أدموا عقبه٢. فهذه الأمثلة وغيرها كثير تبين لنا شدة صبر النبي ﷺ واحتسابه على مالاقاه أثناء دعوته من أذى المشركين، فعلى الداعية إلى الله أن يتحلى بالصبر، ويتحمل المشاق في سبيل الدعوة إلى الله. سابعاً: التحلي بالأخلاق الفاضلة: إن من الأمور المهمة في حياة الداعية إلى الله تعالى أو الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يكون متمسكاً بأخلاق الداعية، بحيث يظهر عليه أثر العلم في

стр. 43

معتقده وفي عباداته من صلاة وصيام وتلاوة قرآن وفي هيئته وجميع مسلكه مبتعداً عن الأخلاق الذميمة حتى يُمثّل دور الداعية إلى الله تعالى. وقد شنّع الله تعالى على الذين يدعون الناس إلى الصلاح وينسون أنفسهم بقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ١. وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ ٢ وإن كان القول الراجح من أقوال العلماء ﵏ أن للإنسان أن يأمر بالمعروف ولو لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن كان يفعله. إلاَّ أنَّ هناك أمراً مهماً يجب التنبه إليه. ألا وهو قبول دعوة الداعي أو أمر الآمر بالمعروف ونهي الناهي عن المنكر. وتأثير ذلك في الناس. لذلك فإن الداعي إلى الله تعالى أو الآمر الناهي إذا كان قدوة صالحة في عقيدته وفي عباداته ومنهج حياته فحريٌ أن يُقبَلَ قوله، وتسمع كلمته، ويكون له تأثير طيب على المجتمع.٣ وقد مثلت حياة الرسول ﷺ أعمالاً كثيرة متنوعة، بحيث تكون فيها الأسوة الصالحة، والمنهج الأعلى للحياة الإنسانية في جميع أطوارها، لأنها جمعت بين الأخلاق العالية والعادات الحسنة، والعواطف النبيلة المعتدلة ...

стр. 44

وقد كان ﷺ ، معلماً مخلصاً، وواعظاً ناصحاً، ومرشداً أميناً، وكان مبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. وكان ﷺ عابداً شاكراً لربه، وقد غفر له ماتقدم من ذنبه وما تأخر. فعن عائشة ﵂ قالت: "كان النبي ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه، فقلت له: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر لكماتقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبداً شكورا" ١. لذا فإنه ينبغي للداعية إلى الله تعالى الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يلتزم بأوامر الإسلام ويتخذها زاداً يستعين به في دعوته وأمره ونهيه، وأن يتخذ من الرسول ﷺ ، وسيرته القدوة الحسنة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ ٢. إلى غير ذلك من الدعائم والمقومات التي يقوم عليها المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى كالصدق، والعدل، والتواضع، والجود، والكرم، والتثبت وعدم العجلة وغيرها مما هي من لوازم الداعية الناجح.

стр. 45

الفصل الثالث: أسباب انحراف الأمة عن المنهج الصحيح المبحث الأول: الغلو في الدين لقد بدأت البشرية على التوحيد لله تعالى منذ أن أهبط آدم ﵇ إلى الأرض، قال ابن عباس ﵄: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام" ١. إلا أن الناس بعد ذلك تعلقوا بالصالحين، وغَلَواْ فيهم، وبدأ الانحراف في العقيدة، في أولئك القوم الذين بعث الله فيهم نوحاً ﵇، بعد أن زين لهم الشيطان عبادة الأصنام، بسبب الغلو في الصالحين. فقد روى البخاري ﵀ في صحيحه عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ٢. قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم ففعلوا، ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم فعبدت ٣.

стр. 46

إن الغلو داء عضال وسرطان فتاك، يفسد العقيدة، ويهلك الشعوب، وما ذاك إلا لأنه تعدٍّ لما أمر الله به، وتجاوز للمشروع الذي شرعه الله، ولهذا حذر الله عباده من الغلو في الدين، والإفراط بالتعظيم، سواء بالاعتقاد أو القول أو الفعل، قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١. أي لاَ تَتَعَدَّوْا ما حد الله لكم، وأهل الكتاب هنا: اليهود والنصارى، فنهاهم عن الغلو في الدين، وهذه الأمة كذلك، كما قال تعالى مخاطباً رسوله محمداً ﷺ : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢. وعن ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" ٣. وحذر النبي ﷺ عن اتخاذ المساجد على القبور، لأن عبادة الله عند قبور الصالحين وسيلة إلى عبادتهم، ولهذا لما ذكرت أم حبيبة وأم سلمة ﵄ لرسول الله ﷺ كنيسة في الحبشة فيها تصاوير قال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصّور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"٤.

стр. 47

كما حذر النبي ﷺ عن الإطراء فقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" ١. والإطراء مجاوزة الحد بالباطل في المدح، والكذب فيه، ومعنى لا تطروني أي: لا تمدحوني بالباطل، أو لا تجاوزوا الحد في مدحي٢. والغلو كثير في النصارى فإنهم غَلَواْ في عيسى ﵇ فنقلوه من حيّز النبوة إلى أن اتخذوه إلهاً من دون الله، يعبدونه كما يعبدون الله، بل غلوا فيمن زعم أنه على دينه من أتباعه، فادعوا لهم العصمة، واتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقاً أو باطلاً، وناقضتهم اليهود في أمر عيسى ﵇ فحطوا من منزلته، حتى جعلوه وَلَدَ بغيَّ٣. وقد وقعت الأمة فيما حذرها منه النبي ﷺ من الغلو، حيث غلا كثير من الناس في دين الله، وتجاوزا الحد المشروع لهم، وتشبهوا بمن قبلهم من اليهود والنصارى وغيرهم. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى، وغلا في الدين بإفراط أو تفريط، وضاهاهم في ذلك فقد شابههم، كالخوارج المارقين من الإسلام الذين خرجوا في خلافة علي بن أبي طالب ﵁ فقاتلهم حين خرجوا على المسلمين، وكان قتالهم بأمر النبي ﷺ كما ثبت ذلك من عشرة أوجه في الصحاح والمسانيد وغير ذلك، وكذلك من غلا

стр. 48

في دينه من الرافضة والقدرية والجهمية والمعتزلة" وقال أيضاً: "فإذا كان على عهد النبي ﷺ من انتسب إلى الإسلام وقد مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان، قد يمرق أيضاً من الإسلام، وذلك بأسباب: منها الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١٢. ومن هذا يتبين لنا أن أعظم فتنة ابتُليت بها البشرية إنما هي فتنة الغلو، وأن من أسباب انحراف الأمة عن المنهج الصحيح، والفطرة السليمة، إنما هو مجاوزة الحد الذي أدى ببعض الناس إلى صرف العبادة إلى غير الله تعالى، وذلك بالتقرب والتوسل إلى ما يسمونه بالأولياء والصالحين، والعكوف عند قبورهم بالصلاة أو الدعاء أو الذبح أو النذر أو الطواف أو التبرك بها ونحو ذلك مما هو من الشرك الذي حذرنا الله ورسوله منه، أشد التحذير.

стр. 49

المبحث الثاني: الجهل إن الجهل داء عظيم، يوصل للضلالة، ويورد المهالك، وهو من أعظم أسباب انحراف الأمة عن المنهج الصحيح، وفي الحديث عن عبد الله ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله لا يقبض العلم اننزاعاً ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساً جُهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" ١. قال النووي ﵀:"هذا الحديث يبيّن أن المراد بقبض العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ليس هو محوه من صدور حفاظه، ولكن معناه: أن يموت حملته، ويتخذ الناس جهالاً يحكمون بجهالاتهم فيضلون ويُضلون"٢. والمراد بالعلم هنا: علم الكتاب والسنة، وهو العلم الموروث عن الأنبياء ﵈، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، وبذهابهم يذهب العلم، وتموت السنن، وتظهر البدع، ويعم الجهل، وأما علم الدنيا، فإنه في زيادة، وليس هو المراد في الأحاديث، بدليل قوله ﷺ : "فسُئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" والضلال إنما يكون عند الجهل بالدين، والعلماء الحقيقون هم الذين يعملون بعلمهم، ويوجهون الأمة، ويدلونها على طريق الحق والهدى"٣. ومن أعظم الجهل القول على الله بغير علم، وتحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ

стр. 50

بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ١. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ على الله كذباً ليضلّ الناس بغير علم﴾ ٢. ومن أفتى أحداً بدون علم، فإنه يبوء بإثمه، وإثم من استفتاه، قال تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ٣. وخطورة الجهل تكمن في أن الجاهل يستكبر عن سماع الحق، ويستثقله، ويصور العلم والتعلم بأنه شبح رهيب وأنه بعيد المنال بحيث لا يمكن الوصول إليه، ومن ثم يبقى على جهله إلى أن يموت. فانظر إلى حال كثير من المسلمين اليوم وخصوصاً ممن ينتمي إلى كثير من الجماعات الحزبية في هذا العصر، والتي اختطت لنفسها طابعاً حزبياً وصبت جل اهتمامها في مسائل محدودة من مسائل الشرع، أو ما توهموها من مسائل الشرع، وخُيّل إليهم عبثاً أنها وحدها توصلهم إلى بر النجاة، وإيجاد المجتمع الإسلامي المنشود في الوقت الذي لو سئلوا عن فرع سهل من فروع مسائل العلم لأجابوا بملء أفواههم، بأننا لا نعرف هذه المسائل، وإنما عليكم بسؤال العلماء، لأننا مشغولون عن ذلك بالدعوة إلى الله! فيا عجباً!! كيف يدعو إلى الله بغير علم، وكيف يكون أهلاً للدعوة من لا يحسن أداء الصلاة على الوجه الذي صلاه رسول الله ﷺ ؟ ٤. والدواء الناجع للجهل، وطريق السلامة إنما هو بالعلم الشرعي، وقد وردت النصوص من الكتاب والسنة في الحث عليه، والثناء على أهله، وقد سبق بيانه.

стр. 51

المبحث الثالث: الابتداع في الدين البدعة في اللغة: مأخوذة من البدع وهو: الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ١. ويُقال لمن أتى بأمر لم يسبقه إليه أحد، أبدع، وابتدع، وتبدّع. أي أتى ببدعة٢. أما البدعة في الاصطلاح: فقد عرفها الشاطبي ﵀ بقوله: "طريق في الدين مخترعة تضاهي الشريعة، يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه"٣. وقد نهى النبي ﷺ عن الابتداع في الدين، وحذر منه، وبيّن لأمته، أنّ كل بدعة في دين الله فهي محرمة وضلالة، فعن العرباض بن سارية ﵁ قال: "وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع، فأوصنا، قال:"أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عَضَّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومُحْدَثَاثِ الأمور، فإن كل بدعة ضلالة"٤.

стр. 52

وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"١. وفي رواية: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد" ٢. ولا شك أن الايتداع في الدين كان - ولا يزال - من أعظم الأسباب التي حادت بالأمة الإسلامية عن المنهج الصحيح، وكان من أهم العوامل التي قضت على وحدة المسلمين، وشتتت شملهم، حتى تفرق الناس شيعاً وأحزاباً. يقول الشاطبي ﵀: "ثم استمر تزايد الإسلام، واستقام طريقه على مدة حياة النبي ﷺ ومن بعد موته، وأكثر قَرْن الصحابة ﵃، إلى أن نبغت فيهم نوابغ الخروج عن السنة، وأصغوا إلى البدع المضلة"٣. وعن ظهور البدع ونشأتها يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "واعلم أن عامة البدع المتعلق بالعلوم والعبادات إنما وقع في الأمة في أواخر خلافة الخلفاء الراشدين، كما أخبر به النبي ﷺ حيث قال: "من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي"٤.

стр. 53

وأول بدعة ظهرت بدعة القدر، وبدعة الإرجاء، وبدعة التشيع والخوارج، هذه البدع ظهرت في القرن الثاني والصحابة موجودون، وقد أنكروا على أهلها، ثم ظهرت بدعة الاعتزال، وحدثت الفتن بين المسلمين، وظهر اختلاف الآراء والميل إلى البدع والأهواء، وظهرت بدعة التصوف، وبدعة البناء على القبور بعد القرون المفضلة، وهكذا كلما تأخر الوقت زادت البدع وتنوعت١. ومن البدع المعاصرة الاحتفال بالمولد النبوي، والتبرك بالأماكن والآثار والأشخاص أحياءً وأمواتاً. ومنها البدع في مجال العبادات والتقرب إلى الله، وهي كثير ومنها الجهر بالنية للصلاة، والذكر الجماعي بعد الصلاة، وطلب قراءة الفاتحة في المناسبات بعد الدعاء، وللأموات، وإقامة المآتم على الأموات، وصناعة الأطعمة، واستئجار المقرئين..، وكالاحتفال بالمناسبات الدينية كمناسبة الإسراء والمعراج، ومناسبة الهجرة النبوية، ومن ذلك الأذكار الصوفية، كلها بدع ومحدثات لأنها مخالفة للأذكار المشروعة في صيغها وهيئاتها وأوقاتها، ومن ذلك البناء على القبور واتخاذها مساجد، وزيارتها لأجل التبرك بها، والتوسل بالموتى وغير ذلك من الأغراض الشركية..٢. وأختتم قولي هنا بقول ابن الماجشون: "سمعت مالكاً يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمداً ﷺ خان الرسالة، لأن الله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ٣ فما لم يكن يومئذ ديناً فلا يكون اليوم ديناً" ٤.

стр. 54

المبحث الرابع: اتباع الهوى إنَّ اتباع الهوى من أعظم الأسباب التي أدت إلى انحراف هذه الأمة عن منهجها الصحيح، فنشأت بسببه الأحزاب الضالة، والفرق المنحرفة، وهو من أعظم دواعي الضلال، وأسباب الهلاك، فإنه يهوي بصاحبه إلى الردى والمهالك، حتى يورده إلى النار والعياذ بالله. وكل مخالف لما بعث الله به رسوله ﷺ من العبادات والطاعات والأوامر والنواهي، إنما يكون متبعاً لهواه، ولا يكون متبعاً لدين شرعه الله تبارك وتعالى١. وقد ذم الله اتباع الهوى في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ ٢. قال ابن كثير ﵀: "أي مهما استحسن من شيء ورآه حسناً في هوى نفسه كان دينه ومذهبه" ٣. وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٤. ونهى المؤمنين عن اتباع الهوى فقال تعالى: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ ٦، إلى غير ذلك من الآيات.

стр. 55

واتباع الهوى هو أصل كل شر، وأساس كل بلوى، ومعتمد كل بدعة، ولذلك فهو أشد وطأة من الجهل، لأن الجهل ميسور علاجه، وفي استطاعة من يتلبس به، وذلك بطلب العلم والتفقه في الدين، أما الهوى في أثناء طلب العلم أو بعد تحصيله فهو الآفة الخطيرة التي تحتاج إلى مجاهدة النفس وعلاج الداء. ولخطورة الهوى وما يسببه من وقوع المرء في الشهوات والشبهات، حذر السلف الصالح رضوان الله عليهم من أهل الأهواء، ومن ذلك: قول ابن عباس ﵁:" لاتجالس أهل الأهواء، فإن مجالستهم ممرضة للقلوب"١. وقال أبو قلابة: "لا تجالسوا أهل الأهواء ولا تجادلوهم فإني لا آمن من أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون"٢. وقال إبراهيم النخعي: "لا تجالسوا أهل الأهواء فإن مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث الغلظة في قلوب المؤمنين"٣، إلى غير ذلك من أقوال السلف الصالح ﵃. وباتباع الهوى خرجت الخوارج، ورفضت الروافض، ونبتت الجهمية، وظهرت المعتزلة، وألحدت المرجئة، ونفت القدرية، وضلت الجبرية، وتفرقت الأمة حتى صارت شيعاً وأحزاباً كل حزب بما لديهم يفرحون، فكم حرّف الهوى من شرائع، وبدّل من ديانات، وأوقع الإنسان في ضلال مبين ٤.

стр. 56

المبحث الخامس: تقديم العقل على النقل ومن أسباب الانحراف في هذه الأمة تقديم العقل واعتماده مصدراً تشريعياً أعلى من كلام الله تعالى، وسنة رسوله ﷺ ، وهذا كحال بعض المنتسبين إلى الإسلام من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة وغيرهم من الفرق الضالة الذين تأثروا بكتب اليونان وعلومهم، وتبنوا أكثر أفكارهم، فما وافق العقل عندهم قبلوه، وما خالفه ردوه وطعنوا فيه، فابتعدوا بذلك عن العقيدة الصحيحة، وحادوا عن الصراط المستقيم، ولو أنهم تمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وجعلوهما المصدر الوحيد للتلقي، وردوا التنازع إليهما، وسلكوا منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وابتعدوا عن كل ما يخالف المنهج الصحيح، لما حصل لهم ماحصل من التخبط والضلال، ولما وقعت الأمة في الزيغ والانحراف. ولا يخفى أن العقل نعمة عظيمة أودعها الله في الإنسان ليميز الخير من الشر، والحق من الباطل، ولكنّ للعقول حداً تنتهي في الإدراك إليه، ولم يجعل الله لها سبيلاً إلى إدراك كل شيء، فمن الأشياء مالا يصل العقل إليه بحال، ومنها مايصل إلى ظاهر منه دون اكتناه١ وهي مع هذا القصور الذاتي لا تكاد تتفق في فهم الحقائق التي أمكن لها إدراكها، فإن قوى الإدراك ووسائله تختلف عند النظار اختلافاً كثيراً، ولهذا كان لابد فيما لاسبيل للعقول إلى إدراكه، وفيما تختلف فيه الأنظار من الرجوع إلى مخبر صادق، يضطرُّ العقل أمام معجزته إلى تصديقه، وليس ذلك سوى الرسول المؤيد من عند الله العليم بكل شيء، الخبير بما خلق"٢.

стр. 57

فمن الضلال المبين أن نوجه عقولنا لأمور قد كفانا الله شأنها، وندع المنهج الصحيح الذي أمرنا الله به من التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ على فهم السلف الصالح، فإنَّ المسلمين لو تمسكوا بالمنهج الصحيح، وأعرضوا عن كل ما يُخالفه، لما وقعوا في تحكيم العقل في مجالات لم يخلق لها، ولما وقعوا في التخبط والحيرة، كما ذكر ذلك بعض أهل الكلام ١. وإذا صح الخبر عن الله أو عن رسوله ﷺ فليس للعقل مجال للأخذ أو الرد، بل يجب الإذعان والتسليم، حتى وإن لم تدرك العقول كنه تلك الأمور، لأن العقول أعجز من أن تحيط بكل شيء، فرحم الله امرءاً عرف قدر نفسه.٢ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ٤. فهذه الآية عامة في جميع الأمور، وذلك أنه إذا حكم الله ورسوله بشيء فليس لأحدٍ مخالفته، ولا اختيار لأحدٍ ههنا ولا رأي ولا قول ٥. لذا فإنَّ الواجب على المسلم أن يُذعن ويسلم لما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وأن يجعل عقله تابعاً لهما، لا مُعارضاً لهما، أو مقدّما عليهما، حتى لا يزيغ عن الحق، ولا يحيد عن الصراط المستقيم.

стр. 58

المبحث السادس: التفرق والتحزب لقد أصاب الأمة الإسلامية ما أصاب الأمم قبلها من التحزب والاختلاف، فأضحت الأمة شيعاً وأحزاباً، يُخَطِّئ بعضُها بعضاً، ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ ، وماذاك إلا لبعدها عن المنهج الصحيح، وهو التمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والاعتصام بهما، والعمل بهما، ورد التنازع إليهما، فإنَّ السبيل الوحيد لجمع الشمل، وتوحيد الكلمة، هو الرجوع التام للمنهج الصحيح: كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، على فهم السلف الصالح، ففيه العصمة من التفرق والاختلاف، وفيه النجاة والسعادة في الدنيا والآخرة. قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ١. قال الإمام ابن القيم ﵀ مبيناً معنى الاعتصام بكتاب الله: "وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم، ومعقولاتهم، وأذواقهم، وكشوفاتهم، ومواجيدهم، فمن لم يكن كذلك فهو مُنسَّلٌ من هذا الاعتصام، فالدين كله في الاعتصام به وبحبله، علماً وعملاً، وإخلاصاً، واستعانة، ومتابعة، واستمراراً على ذلك إلى يوم القيامة"٢. قال قتادة ﵀ عند قوله تعالى: ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ :"إن الله قد كره لكم الفرقة وقدّم إليكم فيها، وحذركموها، ونهاكم عنها، ورضي لكم السمع والطاعة، والألفة والجماعة، فارضوا لأنفسكم ما رضي الله لكم إن استطعتم، ولا قوة إلا بالله"٣.

стр. 59

وقال الإمام ابن كثير ﵀:"وقوله ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة.. وقد وردت الأحاديث المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف.. إلى أن قال: وقد ضمنت لهم العصمة عند اتفاقهم من الخطأ، كما وردت بذلك الأحاديث المتعددة أيضاً، وخيف عليهم الافتراق والاختلاف، فقد وقع ذلك في هذه الأمة فافترقوا على ثلاث وسبعين فرقة، منها فرقة ناجية إلى الجنة ومُسَلَّمَة من عذاب الله، وهم الذين على ما كان عليه النبي ﷺ وأصحابه"١. وقال تعالى في النهي عن التفرق والاختلاف ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٢. يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: "يتوعد الله تعالى الذين فرقوا دينهم، أي شتتوه وتفرقوا فيه، وكل أخذ لنفسه نصيباً من الأسماء التي لا تفيد الإنسان في دينه شيئاً، كاليهودية، والنصرانية، والمجوسية، أو لا يكمل بها إيمانه، بأن يأخذ من الشريعة شيئاً، ويجعله دينه، ويدع مثله، أو ما هو أولى منه، كما هو حال أهل الفرقة، من أهل البدع والضلال، والمفرقين للأمة، ودلت الآية الكريمة أن الدين يأمر بالاجتماع والائتلاف، وينهى عن التفرق والاختلاف في أصل الدين، وفي سائر مسائله الأصولية والفروعية"٣. وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصاري على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة

стр. 60

على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، قيل من هي يا رسول الله؟ قال:"من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي"١. قال الإمام ابن كثير ﵀: "فأهل الأديان - قبلنا - اختلفوا فيما بينهم على آراء ومُثُل باطلة، وكل فرقة منهم تزعم أنهم على شيء، وهذه الأمة أيضاً اختلفوا فيما بينهم على نحلٍ كلها ضلالة إلا واحدة، وهم أهل السنة والجماعة، المتمسكون بكتاب الله وسنة رسوله وبما كان عليه الصدر من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين في قديم الدهر وحديثه"٢. وقال ابن أبي العز الحنفي في تعليقه على الحديث السابق: "فبين أن عامة المختلفين هالكون إلا أهل السنة والجماعة"٣. وزادت الفرقة بالمسلمين - مع مرور الزمن - وكثر الاختلاف، واتسع الشقاق، وماجت الفتن بأصحاب الأهواء موج البحر، وصارت قلوبهم متنافرة، مظلمة سوداء مرباده لا تعرف معروفاً ولا تنكر منكراً إلا ما أُشربت من الأهواء٤.

стр. 61

وصار الاختلاف في أصل الدين، في إفراد الله في العبادة، وفي العبادة ذاتها، كما اختلف الذين من قبل اتباعاً للسنن كما أخبر النبي ﷺ بقوله: "لتتبعنَّ سَنَنَ من كان قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لسلكتموه" قالوا: يارسول الله من اليهود والنصارى؟ قال: "فمن إذن" ١. ولكن بفضل الله ورحمته لا تزال طائفة أهل السنة والجماعة: "الفرقةُ الناجيةُ" باقيةً إلى قيام الساعة كما روى البخاري من حديث معاوية ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "لايزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لايضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك" ٢. ومن هؤلاء الذين أقام الله بهم السنة في الإخلاص والمتابعة في هذه الجزيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجدد ما اندرس من معالم الإسلام في القرن الثاني عشر، فلقد تجرّد للدعوة إلى الله على بصيرة، وجاهد في رد الناس إلى ما كان عليه أهل السنة والجماعة من إفراد الله بالعبادة وترك التعلق بغير الله، والاعتقاد فيما دونه، متبعاً في ذلك سنة رسول الله ﷺ ، وقيض الله من آل سعود أنصاراً لدين الله ورسوله عرفوا صدق موافقته للحق فنفّذوا نصرته بالسلطان والعزيمة، وعقدوا الاتفاق بين نص الوحي وحد السيف إذا لم ينفع

стр. 62

اللين واستمر الظالم في ظلمه ولم يبال بالواعظ من الكتاب والسنة فأخذوا على يديه وأجروا عليه مايستحقه شرعاً من جهاد وقتال، وإقامة حدّ أو تعزير حتى ينزجِرَ عن باطله، وهذا هو سنة المصطفى ﷺ وسيرته. ونحن في هذه البلاد - ولله الحمد والمنة - ننعم بالإسلام، وبجماعة المسلمين، تحت ولاية إسلامية تحكّم فينا شرع الله، وسنة رسوله ﷺ ، فلا يجوز لأحد من المسلمين في هذه البلاد السعودية المسلمة أن يوجد حزباً إسلامياً أو ينتمي إليه ... لأن ذلك شق لعصا الطاعة، وتفريق للجماعة وهو بمثابة خرق في سفينة نجاتهم يسبب غرقها أو يهددها بالخطر والغرق ١.

стр. 63

الفصل الرابع: أثر المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى للمنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى آثار طيبة، ونتائج حميدة: على الداعي إلى الله تعالى وعلى المدعوين، وأهم هذه الآثار مايلي: أولاً: إن في الدعوة إلى الله تعالى على هدي النبي ﷺ ، امتثالاً لأمر الله تعالى الذي أمر بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هى أحسن، كما في قوله : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ١. وقوله سبحانه: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ ٢ والأمر للرسول ﷺ ، أمر لأمته، مالم يدل دليل على اختصاصه به. فكما أن الرسول ﷺ مأمور بالدعوة إلى الله تعالى فأمته مأمورة بذلك. بل قد أمرها الله تعالى بذلك في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣. ثانياً: إن تحقيق المنهج الصحيح في الدعوة إلى لله فيه الاقتداء بالنبي ﷺ ، كما أمره ربه ﵎ بذلك في قوله سبحانه: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٤ فأتباع الرسول ﷺ يدعون إلى الله على بصيرة كما دعا الرسول ﷺ على بصيرة، ومن لم يدع على منهج

стр. 64

الرسول ﷺ كان اتباعه ناقصاً١. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢. قال ابن كثير ﵀: "هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله"٣. ثالثاً: إنَّ من آثار المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى العمل بالكتاب والسنة والاعتصام بهما، كما ينتج عنه تآلف المسلمين واجتماعهم وترابطهم وتماسك مجتمعهم، وعدم التفرق والتحزب، والاختلاف والتطرف. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ ٤. وقال : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ٥ إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة. رابعاً: وإن في الدعوة إلى الله تعالى على المنهج الصحيح تبليغ دين الله تعالى إلى الناس كما أراد الله تعالى. قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ .٦

стр. 65

وعن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "بلغوا عني ولو آية"١. خامساً: وإن من آثار اتباع المنهج الصحيح تصحيح عقائد الناس من الشرك والبدع والشعوذة، وجميع ما يخالف العقيدة الإسلامية. وكما يحصل الأمن والاستقرار والطمأنينة في الدنيا يكون الأمن من عذاب الله يوم القيامة. قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٢. سادساً: إن في الدعوة إلى الله تعالى على المنهج الصحيح تكون هداية من أراد الله هدايته من الناس، ويكون الأجر العظيم والثواب الجزيل، فعن أبي هريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا يَنْقُصُ ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً"٣. وقول النبي ﷺ يوم خيبر - لعلي بن أبي طالب ﵁:"انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من أن يكون لك حمر النعم"٤.

стр. 66

فهذه الأدلة تبين لنا فضل الدعوة إلى الله تعالى، وذلك لما يترتب عليها من تبليغ شرع الله وحفظه، وحصول المصالح العظيمة للخلق في معاشهم ومعادهم، ودينهم ودنياهم، واندفاع الشرور عنهم إذا هم قبلوها وعملوا بها على الوجه المطلوب. سابعاً: وإنَّ من آثار الدعوة القائمة على الكتاب والسنة والعمل بهما على فهم السلف الصالح - رضوان الله عليهم - حصول التمكين في الأرض، ورغد العيش، وحياة الأمن والاستقرار. وخير شاهد على ذلك ما قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من الدعوة إلى التوحيد، ونبذ الشرك والبدع وغيرها من المنكرات، التي كانت متفشية في الجزيرة العربية. ومنذ أن قام الإمام محمد بن سعود ﵀ مؤسس الدولة السعودية المباركة بتبني هذه الدعوة الطيبة، قامت دولة التوحيد، وكتب الله لها النصر والبقاء، واتفقت كلمة أهلها، وتوحدت صفوفهم، ونبذوا الفرقة والاختلاف، وعاشوا في أمن ورخاء، وزالت مظاهر الشرك في مدة وجيزة، وهي لم تكن لتزول لولا فضل الله وتوفيقه ثم انطلاق هذه الدعوة من روح العقيدة الإسلامية الخالصة. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ١

стр. 67

الخاتمة بعد حمد الله تعالى على عونه وتوفيقه لي بانجاز هذا البحث أحبُّ أن أثبت أهم النتائج التالية: ١-إن اتباع منهج أهل السنة والجماعة، الذين جاءت الأدلة بفضلهم والثناء عليهم، هو طريق الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة. وهو المنهج الحق الذي يجب اتباعه. ٢-إن أهل السنة والجماعة يسيرون على أصول ثابتة وواضحة، في الاعتقاد والقول والعمل والسلوك، وهذه الأصول مستمدة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان ﵃ أجمعين. ٣-إن التوحيد وعبادة الله تعالى وحده دون سواه هو الأمر الذي بعث الله من أجله الرسل وأنزل من أجله الكتب، وخلق من أجله الإنس والجن، وهو أول مادعت الرسل أممهم إليه، وبقية الأحكام إنما هي تابعة له. وأنه لم يدع أحد من الأنبياء إلى السياسة أو يبدأ بالزهد والورع أو بالأخلاق. وأن النبي محمد ﷺ قد استمر طيلة ثلاث عشرة سنة في مكة في سبيل تحقيق هذا المبدأ العظيم.. لذا فإن هذا المنهج هو الذي يجب على الدعاة أن يسلكوه، ولا يحيدوا عنه. ٤-إن من أهم الدعائم والمقومات التي يقوم عليها المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى: العلم النافع، والإخلاص لله وحده، والمتابعة للنبي ﷺ ، وترتيب الأولويات، والحكمة، والرفق والحلم، والصبر والاحتساب، والتحلي بالأخلاق الفاضلة، والصدق في القول والعمل، والعدل، والتواضع، والجود والكرم، والتأني والتثبت وعدم الطيش والعجلة

стр. 68

٥- بيان أن البشرية كانت على التوحيد، وكانت على الحق، وأن الانحراف عن الحق وعن الطريق المستقيم، إنما كان بسبب الغلو في الدين، والابتداع فيه، والجهل، واتباع الهوى، وتقديم العقل على النقل، والتفرق والتحزب والاختلاف. ٦-بيان أن في الدعوة إلى الله تعالى على المنهج الصحيح القائم على الكتاب والسنة على فهم السلف الصالح فيه امتثال لأمر الله تعالى الذي أمر بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.. وفيه اقتداء بالرسول ﷺ على علم وبصيرة. ٧-إن من آثار المنهج الصحيح في الدعوة إلى الله تعالى العمل بالكتاب والسنة والاعتصام بهما، كما ينتج عن ذلك التآلف والترابط، وعدم التفرق والتحزب والتنابذ. ٨-إن الدعوة إلى الله على المنهج الصحيح فيه تصحيح لعقائد الناس من الشرك والبدع والشعوذة، وجميع ما يخالف العقيدة الصحيحة، ويكون فيه الأمن والاستقرار والطمأنينة في الدنيا، كما يحصل الأمن من عذاب الله في الآخرة لمن أطاعه واتبع هديه. ٩-إن في الدعوة إلى الله تعالى على المنهج الصحيح ما يحصل به تبليغ دين الله تعالى إلى الناس كما أراد الله، وتكون هداية من أراد الله هدايته، ويكون الأجر العظيم والثواب الجزيل. ١٠-إننا في هذه البلاد السعودية ننعم - ولله الحمد والمنة - بالإسلام والدعوة إليه والعمل به على هدي الكتاب والسنة، ومنهج السلف الصالح، وننعم بجماعة المسلمين، تحت ولاية إسلامية راشدة تحكم فينا شرع الله وسنة رسوله ﷺ . فلا يجوز لأحدٍ من المسلمين في هذه البلاد أو من خارجها أن يوجد حزباً، أو ينشئ جماعة، فيشق بذلك الطاعة، ويخالف الجماعة.

стр. 69

فهذه أهم المعالم الرئيسة في هذا البحث، وإني في الختام لأستغفر الله من كل ذنب زلت به القدم، أو زلل طغى به القلم. وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به من يطلع عليه من المسلمين، إنه جواد كريم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 70

مصادر ومراجع ... قائمة بأهم المصادر والمراجع ١ – القرآن الكريم. ٢ – الإبانة عن شريعة الفرق الناجية ومجانبة الفرق المذمومة: لأبي عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي "ت٣٨٧هـ"، دار الراية للنشر والتوزيع، ط١، ١٤٠٩هـ. ٣ – الأجوبة المفيدة عن أسئلة المناهج الجديدة من إجابات فضيلة الدكتور صالح بن فوزان الفوزان: ط٢، ١٤١٨هـ، دار السلف، الرياض. ٤ – الاستقامة لابن تيمية: أبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم، "ت٧٢٨هـ"، ط٢، ١٤٠٩هـ، مكتبة السنة، تحقيق الدكتور محمد رشاد سالم. ٥ – الأصول الثلاثة وأدلتها: للشيخ محمد بن سليمان التميمي، مكتبة الخضيري، ١٤١٦هـ، المدينة المنورة. ٦- أضواء على طريق الدعوة إلى الإسلام: للدكتور محمد أمان بن علي الجامي، طبع الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ١٤٠٤هـ. ٧- الاعتصام: للعلامة أبي إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي، "ت٧٩٠هـ"، دار المعرفة، بيروت. ٨- البدع أسبابها ومضارها: للشيخ محمود شلتوت "ت١٣٨٣هـ" تحقيق علي حسن عبد الحميد، مكتبة ابن الجوزي.

стр. 71

٩ – البدع والنهي عنها: لمحمد بن وضاح القرطبي، تحقيق محمد أحمد دهمان، دار البصائر، دمشق. ١٠- تذكرة أولي الغير بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: للشيخ عبد الله بن صالح القصير، ط١، ١٤١١هـ، دار العاصمة، الرياض. ١١ – تفسير القرآن العظيم: للحافظ ابن كثير "ت٧٧٤هـ" مطبعة الفجالة، القاهرة، ط١، ١٣٨٤هـ، نشر مكتبة النهضة الحديثة. ١٢ – تنبيه أولي الأبصار إلى كمال الدين وما في البدع من الأخطار: للدكتور صالح بن سعد السحيمي، ط١، ١٤١٠هـ، دار بن حزم للنشر والتوزيع، الرياض. ١٣ – تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، "ت١٢٣٣هـ"، الطبعة ٣، ١٤١٠ هـ، نشر مكتبة العلوم والحكم. ١٤ – تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان: للشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، "ت١٣٧٦هـ" مطبعة المدني، ١٤٠٨هـ، القاهرة. ١٥ – جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ : للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري "ت٦٠٦هـ" نشر مكتبة الحلواني، دار البيان، توزيع رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالسعودية.

стр. 72

١٦ – جامع البيان عن تأويل آي القرآن المعروف بتفسير الطبري: لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري "ت٣١٠هـ" شركة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ط٣، ١٣٨٨هـ. ١٧ – الجامع الصحيح للترمذي: للحافظ أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي "ت٢٧٩هـ" دار إحياء التراث العربي. ١٨ – جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثاً من جوامع الكلم: للإمام الحافظ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين البغدادي الدمشقي الشهير بابن رجب "ت٧٩٥?" ط٥، ١٤١٤?، مؤسسة الرسالة، بيروت. ١٩ – حقيقة الدعوة إلى الله تعالى وما اختصت به جزيرة العرب: بقلم سعد بن عبد الرحمن الحصين، ط١، ١٤١١هـ، الفرقان، الرياض. ٢٠ – حكم الانتماء إلى الفرق والأحزاب والجماعات الإسلامية: للشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد، ط الأولى، ١٤١٠ هـ. ٢١ – الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى: لسعيد بن علي القحطاني، ط١، ١٤١٢هـ. ٢٢ – درء تعارض العقل والنقل: لأبي العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية "ت٧٢٨هـ" تحقيق د. رشاد سالم، ط١، ١٤٠٠?، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. ٢٣ – الرد على من أنكر الحرف والصوت: لأبي نصر عبيد الله بن سعيد الوائلي السجزي، تحقيق ودراسة د. محمد با كريم، طبع المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ط١، ١٤١٣هـ.

стр. 73

٢٤ – سلسلة الأحاديث الصحيحة: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي. ٢٥ – سنن ابن ماجه: للحافظ أبي عبد الله القزويني،"ت٢٧٥هـ"، دار الفكر، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. ٢٦ – السنن الكبرى: للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي "ت٤٥٨هـ" دار الفكر. ٢٧ – سنن أبي دواد: للإمام الحافظ أبي دواد سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي "ت٢٧٥هـ" دار الحديث للطباعة، بيروت، ط١، ١٣٨٨هـ. ٢٨ – سنن الدارمي: للإمام أبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي "ت٢٥٥هـ" دار الكتب العلمية، بيروت. ٢٩ – سنن النسائي: للحافظ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي "ت٣٠٣هـ" المكتبة العلمية، بيروت. ٣٠ – السيرة النبوية: لأبي محمد عبد الملك بن هشام "٢١٨هـ" دار الكنوز الأدبية، تحقيق مصطفى السقا، إبراهيم الإبياري، وعبد الحفيظ شلبي. ٣١ – شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم: للإمام الحافظ أبي القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري اللالكائي "ت٤١٨هـ" تحقيق د. حمد سعد حمدان، دار طيبة، الرياض. ٣٢ – شرح العقيدة الطحاوية: للإمام علي بن محمد بن أبي العز الحنفي "ت٣٢١هـ" المكتب الإسلامي، ط٤، ١٣٩١هـ.

стр. 74

٣٣ – شرح النووي على صحيح مسلم: للإمام الحافظ محيي الدين أبي زكريا يحى بن شرف الشافعي النووي، "ت٦٧٦هـ" دار الفكر، بيروت. ٣٤ – الصحوة الإسلامية ضوابط وتوجيهات: للشيخ محمد بن صالح العثيمين، ط١، ١٤١٤هـ، دار المجد، الرياض. ٣٥ – صحيح البخاري مع فتح الباري: للإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري "ت٢٥٦هـ" طبع المكتبة السلفية. ٣٦ – صحيح مسلم: للإمام الحافظ أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري "ت٢٦١هـ" دار إحياء التراث العربي، بيروت، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي. ٣٧ – الطبقات الكبرى: لابن سعد محمد بن سعد بن منيع البصري الزهري المكنى بأبي عبد الله "ت٢٣٠هـ" دار صادر، بيروت. ٣٨ – عقيدة أهل السنة والجماعة: لفضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين، من مطبوعات الجتمعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ١٤٠٧هـ. ٣٩ – العقيدة الصحيحة ونواقض الإسلام: لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز، دار العصيمي، الرياض. ٤٠ – فتح الباري شرح صحيح البخاري: للإمام الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني "ت٨٥٢هـ" طبع المكتبة السلفية. ٤١ – القاموس المحيط: لمجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي "ت٨١٧هـ" مؤسسة الحلبي وشركاه، القاهرة.

стр. 75

٤٢ – لسان العرب: لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور "٧١١هـ" دار صادر، بيروت. ٤٣ – مجمل اعتقاد أئمة السلف: للدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط٢، ١٤١٧هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت. ٤٤ – مجموع الفتاوى: لشيخ الإسلام ابن تيمية، جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم، وابنه محمد، الطبعة السعودية، ١٣٩٨هـ. ٤٥ – محاضرات في العقيدة والدعوة: للشيخ صالح بن فوزان الفوزان، دار العاصمة، النشرة الأولى، ١٤١٥هـ. ٤٦ – مختصر منهاج القاصدين: للإمام أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن قدامة المقدسي، "ت٧٤٢?" تقديم د. وهبة الزحيلي، ط١، ١٤١٤?، دار الخير، بيروت، توزيع مكتبة الوراق، الرياض. ٤٧ – مدارج السالكين: للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر القيم الجوزية "٧٥١هـ" دار صادر الكتب العلمية، بيروت، ط١، ١٤٠٣هـ. ٤٨ – المستدرك على الصحيحين: للإمام الحافظ أبي عبد الله الحاكم النيسابوري "ت٤٠٥هـ" دار الكتاب العربي، بيروت. ٤٩ – المسند: للإمام أحمد بن حنبل الشيباني "ت٢٤١هـ" دار صادر، بيروت. ٥٠ – المصباح المنير في غريب الشرح الكبير: للعلامة أحمد بن محمد بن علي المقرىء الفيومي "ت٧٧٠هـ" مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، تصحيح مصطفى السقا.
следующие страницы →