Полный текст (1 630 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
لأنه كان نعمة أنعمها الله على قومه فكفروها، وكذلك كلُ نبيٍ نعمةٌ من الله تعالى على أمته ﴿وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً﴾ أي تركنا تلك الحادثة «الطوفان» عبرة ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ أي فهل من معتبر ومتعظ؟ ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ استفهام تهويل وتعجيب أي فكيف كان عذابي وإِنذاري لمن كذب رسلي، ولم يتعظ بآياتي؟ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ﴾ أي والله لقد سهلنا القرآن للحفظ والتدبر والاتعاظ، لما اشتمل عليه من أنواع المواعظ والعبر ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ أي فهل من متعظٍ بمواعظه، معتبرٍ بقصصه وزواجره؟ مقال الخازن: وفيه الحث على تعليم القرآن والاشتغال به، لأنه قد يسره الله وسهله على من يشاء من عباده، بحيث يسهل حفظه للصغير والكبير، والعربي والعجمي قال سعيد بن جبير: يرسناه للحفظ والقراءة، وليس شيء من كُتب الله تعالى يُقرأ كلُّه ظاهراً إلا القرآن، وبالجملة فقد جعل الله القرآن مهيئاً ومسهلاً لمن أراد حفظه وفهمه أو الاتعاظ به، فهو رأس سعادة الدنيا والآخرة ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي كذبت عادٌ رسولهم هوداً فكيف كان إنذاري لهم بالعذاب؟ ثم شرع في بيان ما حلَّ بهم من العذاب الفظيع المدمر فقال ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾ أي أرسلنا عليهم ريحاً عاصفة باردة شديدة الهبوب والصوت قال ابن عباس: الصرصر: الشديدة البرد وقال السدي: الشديدة الصوت ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ أي في يومٍ مشئوم دائم الشؤم، استمر عليهم بشؤمه فلم يبق منهم أحدٌ إِلا هلك فيه قال ابن كثير: استمر عليهم نحسه ودماره، لأنه يوم اتصل فيه عذابهم الدنيوي بالأخروي ﴿تَنزِعُ الناس﴾ أي تقلع الريح القوم ثم ترمي بهم على رؤسهم فتدقُّ رقابهم وتتركهم ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ أي كأنهم أُصول نخلٍ قد انقلعت من مغارسها وسقطت على الأرض، شبهوا بالنخل لطولهم وضخامة أجسامهم فتبقى أجسامهم بلا رءوس كعجز النخلة الملقاة على الأرض ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ تهويلٌ لما حلَّ بهم من العذاب وتعجبٌ من أمره أي كيف كان عذابي وإِنذاري لهم؟ ألم يكن هائلاً فظيعاً؟ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ ؟ كرره للتنبيه على فضل الله على المؤمنين بتيسير حفظ القرآن أي ولقد سهلنا القرآن للحفظ والفهم، فهل من متعظٍ ومعتبر بزواجر القرآن؟ ثم أخبر تعالى عن قوم ثمود المكذبين لرسولهم صالح ﵇ فقال ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر﴾ أي كذبت ثمود بالإِنذارات والمواعظ التي أنذرهم بها نبيهم صالح ﴿فقالوا أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ﴾ أي أنتَّبع إِنساناً مثلنا من آحاد الناس، ليس من الأشراف ولا العظماء، ونحن جماعة كثيرون؟ قال في البحر: قالوا ذلك حسداً منهم واستبعاداً أن يكون نوع البشر بفضل بعضُه بعضاً هذا الفصل، فقالوا: أنكون جمعاً ونتبع واحداً منا؟ ولم يعلموا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ويفيض نور الهدى على من رضيه ﴿إِنَّآ إِذاً لَّفِي
стр. 1332
ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ أي إنا إِذا ابتعناه لفي خطأ وذهابٍ عن الحقِّ واضح، وجنون دائم قال ابن عباس: سُعُر أي جنون من قولهم ناقة مسعورة كأنها من شدة نشاطها مجنونة ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا﴾ استفهام إِنكاري أي هل خصَّ بالوحي والرسالة وحده دوننا، وفينا من هو أكثر منه مالاً وأحسن حالاً؟ قال الإِمام الفخر: وفي الآية إِشارة إلى ما كانوا ينكرونه بطريق المبالغة، وذلك لأن الإِلقاء إِنزالٌ بسرعة، فكأنهم قالوا: الملك جسيم والسماء بعيدة فكيف ينزل عليه الوحي في لحظة؟ وقولهم «عليه» إنكارٌ آخر كأنهم قالوا: ما أُلقي عليه ذكرٌ أصلاً، وعلى فرض نزوله فلا يكون عليه من بيننا وفينا من هو فوقه في الشرف والذكاء؟ وقولهم ﴿أَأُلْقِيَ﴾ بدلاً من قولهم «أألقى الله» إشارة إِلى أن الإِلقاء من السماء غير ممكن فضلاً عن أن يكون من الله تعالى ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ أي بل هو كاذب في دعوى النبوة، متجاوز في حد الكذب، متكبرٌ بطِرٌ يريد العلو علينا، وإِنما وصفوه بأنه ﴿أَشِرٌ﴾ مبالغة منهم في رفض دعواه كأ، هم قالوا نه كذب لا لضرورةٍ وحاجةٍ إلى الخلاص كما يكذب الضعيف، وإنما تكبَّر وبطر وطلب الرياسة عليكم وأراد أن تتبعوه فكذب على الله، فلا يلتفت إِلى كلامه لأنه جمع بين رذيلتين: الكذب والتكبر، وكلٌّ منهما مانع من اتباعه، قال تعالى تهديداً لهم وردّاً لبهتانهم ﴿سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر﴾ أي سيعلمون في الآخرة من هو الكذَّاب الأشر، هل هو صالح ﵇ أم قومه المكذبون المجرمون؟ قال الألوسي: المراد سيعلمون أنهم هم الكذابون الأشرون، لكنْ أورد ذلك مورد الإِبهام إيماءً إِلى أنه مما لا يكاد يخفى ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة فِتْنَةً لَّهُمْ﴾ أي مخرجوا الناقة من الصخرة الصماء محنة لهم واختباراً كما شاءوا وطلبوا قال ابن كثيكر: أخرج الله لهم ناقة عظيمة عشراء، من صخرة صماء طبق ما سألوا لتكون حجة الله عليهم في تصديق صالح ﵇ فيما جاءهم به ﴿فارتقبهم واصطبر﴾ أي فانتظرهم وتبصَّرْ ما يصنعون وما يُصنع بهم، واصبر على أذاهم فإِن الله ناصرك عليهم ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ المآء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي وأعلِمْهم أنَّ الماء الذي يمرُّ بواديهم مقسومٌ بين ثمود وبين الناقة كقوله تعالى
﴿لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥] قال ابن عباس: إِذا كان يوم شربهم لا تشرب الناقةُ شيئاً من الماء وتسقيهم لبناً وكانوا في نعيم، وإِذا كان يوم الناقة شربت الماءك له فلم تُبق لهم شيئاً، وإنما قال تعالى ﴿بَيْنَهُمْ﴾ تغليباً للعقلاء ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾ أي كل نصيب وحصة من الماء يحضرها من كانت نوبته، فإِذا كان يوم الناقة حضرت القوم شربها، وإِذا كان يومهم حضروا شربهم ﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فتعاطى فَعَقَرَ﴾ أي فنادت قبيلة ثمود أشقى القوم واسمه «قدار بن سالف» لقتل الناقة فتناول الناقة بسيفه فقتلها غير مكترث بالأمر العظيم ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي فكيف كان عقابي وإِنذاري لهم؟ ألم يكن فظيعاً شديداً؟! ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ أي أهلكناهم بصيحة واحدة صاح بها جريل ﵇ فلم تبق منه عين تطْرف ﴿فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر﴾ أي فصاروا هشيماً متفتتاً كيابس الشجر إِذا بلى وتحطَّم وداسته الأقدام قال الإِمام الجلال: المحتظر هو الذي يجعل لغنمه حظيرةً من
стр. 1333
يابس الشجر والشوك يحفظهن فيها من الذئاب والسباع، وما سقط من ذلك فداسته فهو الهشيم ﴿وَلَقَد يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ أي يسرناه للحفظ والاتعاظ فه من معتبر؟
стр. 1334
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى المكذبين من قوم «عاد وثمود» ذكر هنا قوم لوط وقوم فرعون وما حل بهم من العذاب والدمار، تذكيراً لكفار مكة بانتقام الله من أعدائه وأعداء رسله، وختم السورة الكريمة ببيان سنة الله في عقاب الكفرة المجرمين.
اللغَة: ﴿حَاصِباً﴾ الحاصب: الحجارة وقيل: هي الريح الشديد التي تثير الحصباء وهي الحصى ﴿بَطْشاً﴾ عقابنا الشديد ﴿الزبر﴾ الكتب السماوية جمع زبور وهو الكتاب الإِلهي ﴿أدهى﴾ أفطع من الداهية وهي الأمر المنكر العظيم ﴿سُعُرٍ﴾ خسرانٍ وجنون ﴿سَقَرَ﴾ اسم من أسماء جهنم أعاذنا الله منها.
سَبَبُ النّزول: عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء مشركموا قريشٍ يخاصمون رسول الله ﷺ َ في القدر فنزلت ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ .
التفسِير: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بالنذر﴾ أي كذبوا بالإِنذارات التي أنذرهم بها نبيهم لوط ﵇ ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً﴾ أي أرسلنا عليهم حجارة قذفوا بها من السماء قال ابن كثير: أمر تعالى جبريل فحمل مدائنهم حتى وصل بها إِلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم وأرسلها وأُتبعت بحجارةٍ من سجيلٍ منضود، والحاصب هي الحجارة ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ﴾ أي غير لوطٍ وأتباعه المؤمنين ﴿نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾ أي نجيناهم من الهلاك قُبيل الصبح وقت السَّحر ﴿نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ أي إِنعاماً منَّا
стр. 1335
عليهم نجيناهم من العذاب ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ أي مثل ذلك الجزاء الكريم، نجزي من شكر نعمتنا بالإِيمان والطاعة ﴿وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا﴾ أي ولقد خوفهم لوط عقوبتنا الشديدة، وانتقامنا منهم بالعذاب ﴿فَتَمَارَوْاْ بالنذر﴾ أي فتشككوا وكذبوا بالإِنذار والوعيد ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ﴾ أي طلبوا منه أن يسلّم لهم أضيافه وهم الملائكة ليفجروا بهم بطريق اللواطة ﴿فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ﴾ أي أعمينا أعينهم وأزلنا أثرها حتى فقدوا أبصارهم قال المفسرون: لما جاءت الملائكة إلى لوط في صورة شبابٍ مردٍ حسان، أضافهم لوط ﵇، فجاء قومه يُهرعونن إِليه لقصد الفاحشة بهم، فأعلق لوط دونهم الباب، فجعلوا يحاولون كسر الباب، فخرج عليهم جبريل فضرب أعينهم بطرف جناحه فانطمست أعينهم وعموا ﴿فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي فذوقوا عذابي وإِنذاري الذي أنذركم به لوط ﴿وَلَقَدْ صَبَّحَهُم بُكْرَةً عَذَابٌ مُّسْتَقِرٌّ﴾ أي جاءهم وقت الصبح عذابٌ دائم متصل بعذاب الآخرة قال الصاوي: وذلك أن جبريل قلع بلادهم فرفعها ثم قلبها بهم وأمطر عليهم حجارة من سجيل، واتصل عذاب الدنيا بعذاب الآخرة فلا يزول عنهم حتى يصلوا إِلى النار ﴿فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي فذوقوا أيها المجرمون عذابي الأليم، وإِنذاري لكم على لسان رسولي ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُدَّكِرٍ﴾ أي ولقد يسرنا القرآن للحفظ والتدبير فهل من متعظٍ ومعتبر؟ قال المفسرون: حكمة تكرار ذلك في كل قصة، التنبيهُ على الاتعاض والتدبير في أنباء الغابرين، وللإِشارة إِلى أن تكذيب كل رسولٍ مقتضٍ لنزول العذاب كما كرر قوله
﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ١٣] تقريراً للنعم المختلفة المعدودة، فكلما ذكر نعمةً وبَّخ على التكذيب بها ﴿وَلَقَدْ جَآءَ آلَ فِرْعَوْنَ النذر﴾ أي جاء فرعون وقومه الإِنذارات المتكررة فلم يعتبروا قال أبو السعود: صُدّرت قصتهم بالقسم المؤكد لإِبراز كمال الاعتناء بشأنها، لغاية عظم ما فيها من الآيات وكثرتها، وهو ما لاقوه من العذاب، وفرعون رأس الطغيان ﴿كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا كُلِّهَا﴾ أي كذَّبوا بالمعجزات التسع التي أعطيها موسى ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عِزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ أي فانتقمنا منهم بإِغراقهم في البحر، وأخذناهم بالعذاب أخذ إِلهٍ غالب في انتقامه، قادرٍ على إِهلاكهم لا يعجزه شيء. . ثم خوَّف تعالى كفار مكة فقال ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ﴾ ؟ الاستفهام إِنكاري للتقريع والتوبيخ أي أكفاركم يا معشر العرب خيرٌ من أولئكم الكفار الذين أحللت بهم نقمتي مثل قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم فرعون، حتَّى لا أعذبهم؟ قال القرطبي: استفهام إنكار ومعناه النفي أي ليس كفاركم خيراً من كفار من تقدم من الأمم الذين أهلكوا بكفرهم ﴿أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزبر﴾ أي أم لكم يا كفار قريش براءة من العذاب في الكتب السماوية المنزلة على
стр. 1336
الأنبياء؟ ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ أي بل أيقولون نحن جمعٌ كثير، واثقون بكثرتنا وقوتنا، منتصرون على محمد؟ قال تعالى رداً عليهم ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ أي سيهزم جمع المشركين ويولون الأدبار منهزمين قال ابن الجوزي: وهذا مما أخبر الله به نبيه من علم الغيب، فكات الهزيمةُ يوم بدر ﴿بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ﴾ أي ليس هذا تمام عقابهم بل القيامة موعد عذابهم ﴿والساعة أدهى وَأَمَرُّ﴾ أي أعظم داهيةً وأشدُّ مرارةً من القتل والأسر ﴿إِنَّ المجرمين فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ أي إِن المجرمين في حيرةٍ وتخبطٍ في الدنيا، وفي نيرانٍ مسعَّةر في الآخرة قال ابن عباس: في خسرانٍ وجنون ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النار على وُجُوهِهِمْ﴾ أي يوم يُجرُّون في النار على وجوههم عقاباً وإِذلالاً لهم ﴿ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ﴾ أي يقال لهم: ذوقوا أيها المكذبون عذاب جهنم قال أبو السعود: وسقر علمٌ لجهنم ولذلك لم يُصرف ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي إِنا خلقنا كل شيءٍ مقدَّراً مكتوباً في اللوح المحفوظ من الأزل ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبصر﴾ أي وما شأننا في الخلق والإِيجاد إِلا مرة واحدة كلمح البصر في السرعة نقول للشيء: كن فيكون قال ابن كثير: أي إِنما نأمر بالشيء مرة واحدة لا نحتاج إِلى تأكيد بثانية، فيكون ذلك موجوداً كلمح البصر لا يتأخر طرفة عين ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَآ أَشْيَاعَكُمْ﴾ أي ووالله لقد أهلكنا أشباهكم ونظراءكم في الكفر والضلال من الأمم السالفة ﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾ أي فهل من يتذكر ويتعظ؟ ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزبر﴾ أي وجميع ما فعلته الامم المكذبة من خير وشر مكتوب عليهم، مسجل في كتب الحفظة التي بأيدي الملائكة قال ابن زيد: ﴿فِي الزبر﴾ أي في دواوين الحفظة ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ أي وكل صغيرٍ وكبير من الأعمال مسطورٌ في اللوح المحفوظ، مثبتٌ فيه ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ أي في جنات وأنهار قال القرطبي: يعني أنهار الماء، والخمر، والعسل، واللبن ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أي في مكانٍ مرضي، ومقام حسن ﴿عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ أي عند ربٍ عظيم جليل، قادرٍ في ملكه وسلطانه، لا يعجزه شيء، وهو الله رب العالمين.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الاستعارة التمثيلية ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السمآء﴾ [القمر: ١١] شبه تدفق المطر من السحاب بانصباب أنهار انفتحت بها أبواب السماء، وانشق بها أديم الخضراء بطريق الاستعارة التمثيلية.
٢ - جناس الاشتقاق ﴿يَدْعُ الداع﴾ .
٣ - الكناية ﴿وَحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر: ١٣] كناية عن السفينة التي تحوي الأخشاب والمسامير.
٤ - التشبيه المرسل والمجمل ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٧] ومثله ﴿فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر﴾ [القمر: ٣١] .
٥ - صيغة المبالغة ﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ [القمر: ٢٥] أي كثير الكذب عظيم البطر لأن فعَّال وفعل للمبالغة.
стр. 1337
٦ - الإطناب بتكرار اللفظ ﴿بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ والساعة أدهى﴾ لزيادة التخويف والتهويل.
٧ - المقابلة بين المجرمين والمتقين ﴿إِنَّ المجرمين فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ و ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ .
٨ - الطباق بين ﴿صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ﴾ .
٩ - السجع المرصَّع غير المتكلف الذي يزيد في جمال اللفظ وموسيقاه إقرأ مثلاً قوله تعالى ﴿ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبصر﴾ الخ.
стр. 1338
اللغَة: ﴿بِحُسْبَانٍ﴾ الحُسبان بضم الحاء مصدر مثل الغُفران والكُفران ومعناه الحساب ﴿الأَنَامِ﴾ الخلق وكلُّ ما دبَّ على وجه الأرض ﴿العصف﴾ ورق الزرع الأخضر إِذا يبس ﴿الريحان﴾ كل نبات طيب الريح، سمي ريحاناً لرائحته الطيبة ﴿مَّارِجٍ﴾ المارج: اللهب الذي يعلو النار قال الليث: هو الشعلة الساطعة ذات اللهب الشديد ﴿الجوار﴾ جمع جارية وهي السفينة سميت جارية لأنها تمشي
стр. 1339
على سطح الماء ﴿الأعلام﴾ الجبال جمع علم وهو الجبل الطويل قال الشاعر: «إِذا قطعن علماً بدا علمٌ» ﴿تَنفُذُواْ﴾ النفوذ: الخروج من الشي بسرعة ﴿شُوَاظٌ﴾ : اللهب الذي لا دخان له ﴿الدهان﴾ الجلد الأحمر ﴿آنٍ﴾ نهاية في الحرارة.
التفسِير: ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن﴾ أي الله الرحمنُ علَّم القرآن، ويسَّره للحفظ والفهم قال مقاتل: لما نزل قوله تعالى ﴿اسجدوا للرحمن﴾ [الفرقان: ٦٠] قال كفار مكة، وما الرحمن؟ فأنكروه وقالوا لا نعرف الرحمن فقال تعالى ﴿الرحمن﴾ الذين أنكروه هو الذي ﴿عَلَّمَ القرآن﴾ وقال الخازن: إن الله عدَّد نعمه على عباده، فقدَّم أعظمها نعمة، وأعلاها رتبة، وهو القرآن العزيز لأنه أعظم وحي الله إلى أنبيائه، وأشرفه منزلة عند أوليائه وأصفيائه، وأكثره ذكراً، وأحسنه في أبواب الدين أثراً، وهو سنام الكتب السماوية المنزَّلة على أفضل البرية ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ أي خلق الإِنسان السميع البصير الناطق، والمرادُ بالإِنسان الجنسُ ﴿عَلَّمَهُ البيان﴾ أي ألهمه النطق الذي يستطيع به أن يُبين عن مقاصده ورغباته ويتميَّز به عن سائر الحيوان قال البيضاوي: والمقصودُ تعداد ما أنعم الله به على الإِنسان، حثاً على شكره، وتنبيهاً على تقصيرهم فيه، وإنما قدَّم تعليم القرآن على خلق الإِنسان، لأنه أصل النعم الدينية فقدَّم الأهم ﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ﴾ أي الشمس والقمر يجريان بحساب معلوم في بروجهما، وبتنقلان في منازلهما لمصالح العباد قال ابن كثير: أي يجريان متعاقبين بحساب مقنَّن لا يختلف ولا يضطرب ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ أي والسماء خلقها عالية محكمة البناء رفيعة القدر والشأن، وأمر بالميزان عند الأخذ والإِعطاء لينال الإِنسان حقه وافياً ﴿أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان﴾ أي لئلا تبخسوا في الميزان ﴿وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط﴾ أي اجعلا الوزن مستقيماً بالعدل والإِنصاف ﴿وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان﴾ أي لا تطففوا الوزن ولا تُنقصوه كقوله تعالى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١] ﴿والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ أي والأرض بسطها لأجل الخلق، ليستقروا عليها، وينتفعوا بما خلق الله على ظهرها قال ابن كثير: أي أرساها بالجبال الشامخات لتستقر بما على وجهها من الأنام وهم الخلائق، المختلفة أنواعهم وأشكالهم وألوانهم في سائر أرجائها ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾ أي فيها من أنواع الفواكه المختلفة الألوان والطعوم والروائح ﴿والنخل ذَاتُ الأكمام﴾ أي وفيها النخل التي يطلع فيها أوعية الثمر قال ابن كثير: أفرد النخل بالذكر لشرفه ونفعه رطباً ويابساً، والأكمام هي أعية الطلع كما قال ابن عباس، وهو الذي يطلع فيه القنو، ثم ينشق عنه العنقود فيكون بُسراً ثم رُطباً، ثم ينضج ويتناهى ينعه واستواؤه ﴿
стр. 1340
والحب ذُو العصف﴾ أي والنجمُ والشجر ينقادان للرحمن فيما يريده منهما، هذا بالتنقل بالبروج، وذاك بإخراج الثمار ﴿والسمآء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الميزان﴾ أي وفيها أنواع الحب كالحنطة والشعير وسائر ما يُتغذى به، ذو التبن الذي هو غذاء الحيوان ﴿والريحان﴾ أي وفيها كل مشموم طيب الريح من النبات كالورد، والفُلْ، والياسمين وما شاكلها قال في البحر: ذكر تعالى الفاكهة أولاً ونكَّر لفظها لأن الانتفاع بها نفسها، ثم ثنَّى بالنخل فذكر الأصل ولم يذكر ثمرها وهو التمر، لكثرة الانتفاع بها من ليفٍ، وسعف، وجريدٍ، وجذوع، وجُمَّار، وثمر، ثم ذكر الحب الذي هو قوام عيش الإِنسان وهو البشر والشعير وكل ما له سنبل وأوراق، ووصفه بقوله ﴿ذُو العصف﴾ تنبيهاً على إنعامه عليهم بما يقوتهم به من الحب، وما يقوت بهائمهم من ورقه وهو التبنُ، وبدأ بالفاكهة وختم بالمشموم ليحصل ما به يُتفكه، وما به يُتقوَّت، وما به تقع اللذاذة من الرائحة الطيبة، ولما عدَّد نعمه خاطب الإِنس والجن بقوله ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم الله يا معشر الإِنس والجن تكذبان؟ أليست نعم الله علكيم كثيرة لا تُحصى؟ عن ابن عمر
«أن رسول الله ﷺ َ قرأ سورة الرحمن على أصحابه فسكتوا، فقال: مالي أسمع الجنَّ أحسن جواباً لربها منكم؟ ما أتيتُ على قول الله تعالى ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالوا: لا بشيءْ من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد» . ثم ذكر تعالى دلائل قدرته ووحدانيته فقال ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ أي خلق أباكم آدم من طين يابسٍ يسمع له صلصلة أي صوتٌ إِذا نُقر قال المفسرون: ذكر تعالى في هذه السورة أنه خلق آدم ﴿مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ وفي سورة الحجر ﴿مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٦] أي من طين أسود متغير، وفي الصافات ﴿مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ [الصافات: ١١] أي يلتصق باليد، وفي آل عمران ﴿كَمَثَلِءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] ولا تنافي بينهما، وذلك لأن الله تعالى أخذه من تراب الأرض، فعجنه بالماء فصار طيناً لازباً أي متلاصقاً يلصق باليد، ثم تركه حتى صار حمأً مسنوناً أي طيناً أسود منتناً، ثم صوَّره كما تُصوَّر الأواني ثم أيبسه حتى صار في غاية الصلابة كالفخار إِذا نُقر صوَّت، فالمذكور ههنا آخر الأطوار ﴿وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ أي وخلق الجنَّ من لهبٍ خالصً لا دخان فيه من لنار قال ابن عباس: ﴿مِن مَّارِجٍ﴾ أي لهبٍ خالص لا دخال فيه وقال مجاهد: هو اللهب المختلط بسواد النار، وفي الحديث
«خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجان من مارجٍ من نار، وخُلق آدم مما وُصف لكم» ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم الله يا مشعر الإِنس والجن تكذبان؟ قال أبو حيان: والتكرار في هذه الفواصل للتأكيد والتنبيه والتحريك، وقال ابن قتيبة: إن هذا التكرار إِنما هو لاختلاف النعم، فكلما ذكر نعمةً كرر قوله ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وقد ذُكرت هذه الآية إِحدى وثلاثين مرة، والاستفهام فيها للتقريع والتوبيخ ﴿رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين﴾ أي هو جل وعلا ربُّ مشرق الشمس والقمر، وربُّ مغربهما، ولمّا ذكر الشمس والقمر في قوله ﴿الشمس والقمر بِحُسْبَانٍ﴾ ذكر هنا أنه رب مشرقهما ومغربهما ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي
стр. 1341
نعم الله التي لا تحصى تكذبان؟ ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ﴾ أي أرسل البحر الملح والبحر العذب يتجاوران يلتقيان ولا يمتزجان ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ أي بينهما حاجزٌ من قدرة الله تعالى لا يطغى أحدهما على الآخر بالممازجة قال ابن كثير: والمراد بالبحرين: الملح والحلو، فالملح هذه البحار، والحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس، وجعل الله بينهما برزخاً وهو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا على هذا فيفسد كل واحد منهما الآخر ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم الله تكذبان؟ ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ أي يُخرج لكم من الماء اللؤلؤ والمرجان، كما يخرج من التراب الحب والعصف والريحان، قال الألوسي: واللؤلؤ صغار الدُر، والمرجان كباره قاله ابن عباس، وعن ابن مسعود أن المرجان الخرز الأحمر، والآية بيانٌ لعاجئب صنع الله حيث يخرج من الماء الملح أنواع الحلية كالدر والياقوت والمرجان، فسبحان الواحد المنَّان ﴿فَبِأَيِّ آلاَءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعمة من نعم الله تكذبان؟ ﴿وَلَهُ الجوار المنشئات فِي البحر كالأعلام﴾ أي وله جل وعلا السفن المرفوعات الجارياتُ في البحر كالجبال في العظم والضخامة قال القرطبي: ﴿كالأعلام﴾ أي كالجبال، والعلمُ الجبل الطويل، فالسفن في البحر كالجبال في البر، ووج الامتنان بها أن الله تعالى سيَّر هذه السفن الضخمة التي تشبه الجبال على وجه الماء، وهو جسم لطيف مائع يحمل فوقه هذه السفن الكبار المحمَّلة بالأرزاق والمكاسب والمتاجر من قطر إلى قطر، ومن إقليم إِلى إقليم قال شيخ زاده: واعلم أن أصول الأشياء أربعة: الترابُ، والماءُ والهواءُ، والنارُ، فبيَّن تعالى بقوله ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ أن التراب أصلٌ لمخلوق شريف مكرَّم، وبيَّن قوله ﴿وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ أن النار أيضاً أصلٌ لمخلوق آخر عجيب الشأن، وبيَّن بقوله ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ أن الماء أيضاً أصل لمخلوق له قدرٌ وقيمة، ثم ذكر أن الهواء له تأثير عظيم في جري السفن المشابهة للجبال فقال ﴿وَلَهُ الجوار المنشئات فِي البحر كالأعلام﴾ وخصَّ السفن بالذكر لأن جريها في البحر لا صنع للبشر فيه، هم معترفون بذلك حيث يقولون: «لك الفُلك ولك المُلك» وإِذا خافوا الغرق دعوا الله تعالى خاصة
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدين فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى البر إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعمةٍ من نعم الله تكذبان؟ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ أي كل من على وجه الأرض من الإِنان والحيوان هالك وسيموت ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ أي ويبقى ذات الله والواحد الأحد، ذو العظمة والكبرياء والإِنعام والإِكرام كقوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] قال ابن عباس: الوجهُ عبارة عن الله جل وعلا الباقي الدائم قال القرطبي: ووجه النعمة في فناء الخلق التسويةُ بينهم في الموت ومع الموت تستوي الأقدام، والموتُ سبب النقلة من دار الفناء إِلى دار الثواب والجزاء ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعمةٍ من نعم الله تكذبان ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ أي يفتقر إِليه تعالى كمن السموات والأرض، ويطلبون منه العون والرزق بلسان المقال أو بلسان الحال ﴿كُلَّ
стр. 1342
يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ أي كل ساعة ولحظة هو تعالى في شأن من شئون الخلق، يغفر ذنباً، ويفرّج كرباً، ويرفع قوماً، ويضع آخرين قال المفسرون: هي شئونٌ يُبديها ولا يبتديها أي يظهرها للخلق ولا ينشئها من جديد لأن القلم جفَّ على ما كان وما سيكون إِلى يوم القيامة، فهو تعالى يرفع من يشاء ويضع من يشاء، ويشفي سقيماً ويمرض سليماً، ويعز ذليلاً ويذل عزيزاً، ويفقر غيباً ويغني فقيراً قال مقاتل: إن الآية نزلت في اليهود قالوا: إن الله تعالى لا يقضي يوم السبت شيئاً، فردَّ الله عليهم بذلك ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان أيها الإِنس والجان؟ ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثقلان﴾ أي سنحاسبكم على أعمالكم يا معشر الإِنس والجنِّ قال ابن عباس: هذا وعيدٌ من الله تعالى للعباد، وليس بالله تعالى شغل وهو فارغ قال في البحر: أي ننظر في أموركم يوم القيامة، لا أنه تعالى كان له شغل فيفرغ فيه، وجرى هذا على كلام العرب يقول الرجل لمن يتهدده: سأفرغ لك أي سأتجرد للانتقام منك من كل ما شغلني وقال البيضاوي: أي سنتجرد لحسابكم وجزائكم يوم القيامة، وفيه تهديد مستعارٌ من قولك لمن تهدده: سأفرغ لك، فإن المتجرد للشيء يكون أقوى عليه، وأجدَّ فيه، والثقلان: الإِنسُ والجنُّ سميا بذلك لثقلهما على الأرض ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانب السمواتِ والأرض هاربين من الله، فارين من قضائه فأخرجوا منها، وخلصوا أنفسكم من عقابه، والأمر للتعجيز ﴿لاَ تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ أي لا تقدرون على الخروج إِلا بقوةٍ وقهر وغلبة، وأنَّى لكم ذلك؟ قال ابن كثير: معنى الآية أنكم لا تستطيعون هرباً من أمر الله وقدره، بل هو محيطٌ بكم لا تقدرون على التخلص من حكمه، أينما ذهبتم أحيط بكم، وهذا في مقام الحشر حيث الملائكة محدقةٌ بالخلائق سبع صوف من كل جانب، فلا يقدر أحد على الذهاب إِلا بسلطان أي إِلا بأمر الله وإِرادته
﴿يَقُولُ الإنسان يَوْمَئِذٍ أَيْنَ المفر﴾ [القيامة: ١٠] ؟ وهذا إِنما يكون في القيامة لا في الدنيا بدليل قوله تعالى بعده ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ؟ تقدم تفسيره ﴿يُرْسَلُ
стр. 1343
عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ﴾ أي يرسل عليكما يوم القيامة لهب النار الحامية ﴿وَنُحَاسٌ﴾ أي ونحاسٌ مذاب يصبُّ فوق رءوسكم قال مجاهد: مجاهد هو الصفر المعروف يصب على رءوسهم يوم القيامة وقال ابن عباس: ﴿نحاسٌ﴾ هو الدخان الذي لا لهب فيه، وقول مجاهد أظهر ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي فلا ينصر بعضكم بعضاً، ولا يخلصه من عذاب الله قال ابن كثير: ومعنى الآية لو ذهبتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكةُ وزبانية جهنم، بإِرسال اللهب من النار والنحاس المذاب عليكم لترجعوا فلا تجدون لكم ناصراً ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿فَإِذَا انشقت السمآء﴾ أي فإِذا انصدعت يوم القيامة لتنزل الملائكة منها لتحيط بالخلائق من كل جانب ﴿فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾ أي فكانت مثل الورد الأحمر من حرارة النار، ومثل الأديم الأحمر أي الجلد الأحمر قاله ابن عباس: وذلك من شدة الهول، ومن رهبة ذلك اليوم العظيم ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ أي ففي ذلك اليوم الرهيب يوم تنشق السماء، لا يُسأل أحد من المذنبين من الإِنس والجن عن ذنبه، لأن للمذنب علامات تدل على ذنبه كاسوداد الوجوه، وزرقة العيون قال الإِمام الفخر: لا يُسأل أحد عن ذنبه فلا يقال له: أنتَ المذنب أو غيرك؟ ولا يقال: من المذنب منكم؟ بل يعرفون بسواد وجوههم وغيره ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي يُعرف يوم القيامة أهل الإِجرام بعلامات تظهر عليهم وهي ما تغشاهم من الكآبة والحزن قال الحسن: سواد الوجه وزرقة الأعين كقوله تعالى ﴿وَنَحْشُرُ المجرمين يَوْمِئِذٍ زُرْقاً﴾ [طه: ١٠٢] وقوله ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي فتأخذ الملائكة بنواصيهم أي بشعور مقدم رءوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في جهنم قال ابن عباس: يُؤخذ بناصية المجرم وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب ثم يلقى في النار ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي يقال لهم تقريعاً وتوبيخاً: هذه النار التي أخبرتم بها فكذبتم قال ابن كثير: أي هذه النار التي كنتم تكذبون بوجودها، ها هي حاضرةٌ تشاهدونها عياناً ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي يترددون بين نار جهنم وبين ماءٍ حار بلغ النهاية في الحرارة قال قتادة: يطوفون مرةً بين الحميم، ومرة بين الجحيم، والجحيم النارُ، والحميم الشارب الذي انتهى حره ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم الله تكذبان يا معشر الإنس والجان؟
стр. 1344
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أحوال أهل ال نار، ذكر ما أعدَّه للمؤمنين من الأبرار من الجنان والولدان والحور الحسان، ليتميز الفارق الهائل بين منازل المجرمين ومراتب المتقين، على طريقة القرآن في الترغيب والترهيب.
اللغَة: ﴿أَفْنَانٍ﴾ جمع فنن وهو الغضن قال الشاعر يصف حمامة:
ربَّ ورقاءَ هتوفٍ في الضُحى ... ذاتِ شدوٍ صدحَت في فنن
ذكر إِلفاً ودهراً حالياً ... فبكت شوقاً فهاجت حزني
﴿وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ ما غلظ من الديباج وخشُن ﴿وَجَنَى﴾ الجنى: ما يُحجتنى من الشجر ويقطف ﴿يَطْمِثْهُنَّ﴾ الطمثُ: الجماع المؤدي إِلى خروج دم البكر ثم أطلق على كل جماع، ومعنى ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ﴾ أي لم يصبهن بالجماع قبل أزواجهن أحد قال الفراء: الطمث الافتضاض وهو النكاح بالتدمية ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ سوداوان من شدة الخضرة، والدهمةُ في اللغة السواد ﴿نَضَّاخَتَانِ﴾ فوارتان بالماء لا تنقطعان ﴿عَبْقَرِيٍّ﴾ طنافس جمع عبقرية أي طنفسة ثخينة فيها أنواع النقوش قال الفراس: العبقري الطنافس الثخان منها وقال أبو عبيد: كل ثوبٍ وشي عند العرب فهو عبقري منسوب إِلى أرضٍ يعمل فيها الوشي قال ذو الرمة:
حتى كأن رياض القف ألبسها ... من وشي عبقر تجليل وتنجيد
التفسِير: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ أي وللعبد الذي يخاف قيامه بين يدي ربه للحساب جنتان: جنةٌ لسكنه، وجنةٌ لأزواجه وخدهة، كما هي حال ملوك الدنيا حيث يكون له قصرٌ ولأزواجه قصر قال القرطبي: وإِنما كانتا اثنتين ليضاعف له السرور بالتنقل من وجهة إِلى جهة وقال
стр. 1345
الزمخشري: جنة الفعل الطاعات، وجنة لترك المعاصي وفي الحديث «جنتان من قضة آنيتُهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إِلى ربهم إِلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن» ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ثم وصف تعالى الجنتين فقال ﴿ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ﴾ أي ذواتا أغصان متفرعة وثمار متنوعة قال في البحر: وخصَّ الأفنان وهي الغصون بالذكر لأنهما لا تورق وتمثر، ومنها تمتد الظلال وتُجنى المثار ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم الله الجليلة تكذكبان يا معشر الإِنس والجن ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ أي في كل واحدة من الجنتين عين جارية، تجري بالماء الزلال كقوله تعالى ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ [الغاشية: ١٢] قال ابن كثير: أي تسرحان لسقي تلك الأشجار والأغصان، فتثمر من جميع الألوان قال الحسن: تجريان بالماء الزلال إِحداهما التسنيم، والأخرى السلسبيل ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ أي فيهما من جميع أنواع الفواكه والثمار صنفان: معروفٌ، وغريب لم يعرفوه في الدنيا قال ابن عباس: ما في الدنيا ثمرةٌ حلوة ولا مرة إِلا وهي في الجنة حتى الحنظل، إِلا أنه حلو، وليس في الدنا مما في الآخرة إلآَ الأسماء ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره قال الفخر الرازي: إِن قوله تعالى ﴿ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ﴾ و ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ و ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ كلها أوصافٌ للجنتين المذكورتين، وإنما فصل بين الأغصان والفواكه بذكر العينين الجاريتين على عادة المتنعمين، فإِنهم إِذا دخلوا البستان لا يبادرون إِلى أكل الثمار، بل يقدمون التفرج على الأكل، مع أن الإِنسان في بستان الدنيا لا يأكل حتى يجوع ويشتهي شهوة شديدة فكيف في الجنة!! فذكر تعالى ما يتم به النزة وهو خضرة الأشجار، وجريان الأنهار، ثم ذكر ما يكون بعد النزهة وهو أكل الثمار، فسبحان من يأتي بالآيات بأحسن المعاني في أبين المباني ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ أي مضطجعين في جنان الخلد على فرشٍ وثيرة بطائنها من ديباج وهو الحرير السميك المزين بالذهب، وهذا يدل على نهاية شرفها لأن البطانة إِذا كانت بها الوصف فما بالك بالظهارة؟ قال ابن مسعود: هذه البطائن فيكف لو رأيتم الظواهر؟ وقال ابن عباس: لما سئل عن الآية: ذلك مما قال الله تعالى
﴿فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّآ أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] ﴿وَجَنَى الجنتين دَانٍ﴾ أي ثمرها قريب يناله القاعد والقائم والنائم، بخلاف ثمار الدنيا فإِنها لا تنال إِلا بكدٍ وتعب قال ابن عباس: تدنو الشجرة حتى يجتنيها وليُ الله إِن شاء قائماً، وإِن شاء قاعداً، وإِن شاء مضطجعاً ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطرف﴾ أي في تلك الجنان نساء قاصرات الطرف قصرن أعينهن على أزواجهن فلا يرين غيرهم، م كما هو حال المخدَّرات العفائف ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ﴾ أي لم يمسهنَّ ولم يجامعهن أحدٌ قبل أزواجهنَّ لا من الإِنس ولا من الجن، بل هنَّ أبكار عذارى قال الألوسي: وأصلُ الطمث خروج الدم ولذلك يقال للحيض طمثٌ، ثم أُطلق على جماع الأبكار لما فيه من خروج الدم، ثم على كل جماع وإِن لم يكن فيه خروج دم ﴿فَبِأَيِّ
стр. 1346
آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإِنس والجن ﴿كَأَنَّهُنَّ الياقوت والمرجان﴾ أي كأنهن يشبهن الياقوت والمرجان في صفائهن وحمرتهن قال قتادة: كأنهن في صفاء الياقوت وحمرة المرجان، لو أدخلت في الياقوت سلكاً ثم نظرت إِليه لرأيته من ورائه وفي الحديث «إن المرأة من نساء أهل الجنة ليُرى بياض ساقها من وراء سبيعن حلة من حرير، حتى يُرى مخُّها» ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿هَلْ جَزَآءُ الإحسان إِلاَّ الإحسان﴾ أي ما جزاء من أحسن في الدنيا إِلا أن يُحسن إِليه في الآخرة قال أبو السعود: أي ما جزاء الإِحسان في العمل، إِلا الإِحسان في الثواب والغرضُ أنَّ من قدم المعروف والإِحسان استحق الإِنعام والإِكرام ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ أي ومن دون تلك الجنتين في الفضيلة والقدر جنتان أخريان قال المفسرون: الجنتان الأوليان للسابقين، والأخريان لأصحاب اليمين ولا شك أن مقام السابقين أعظم وأرفع لقوله تعالى
﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة وَأَصْحَابُ المشأمة مَآ أَصْحَابُ المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون﴾ [الواقعة: ٨١١] ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا معشر الإِنس والجن؟ ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ أي سوداوان من شدة الخضرة والريّ قال الألوسي: والمراد أنها شديدتا الخضرة، والخضرةُ إِذا اشتدت ضربت إِلى السواد وذلك من كثرة الريّ بالماء ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ أي فوارتان بالماء لا تنقطعان وقال ابن مسعود وابن عباس: تنْضَخُ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة كزخ المطر ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ أي في الجنتين من أنواع الفواكه كلها وأنواع النخل والرمان، وإِنما ذكر النخل والرمان تنبيهاً على فضلهما وشرفهما على سائر الفواكه ولأنهما غالب فاكهة العرب قال الألوسي: ثم إِن نخل الجنة ورمانها وراء ما نعرفه ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ أي في تلك الجنان نساء صالحات كريمات الأخلاق، حِسان الوجوه ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الخيام﴾ أي هنَّ الحورُ العين المخدرات المستورات لا يخرجن لكرامتهن وشرفهن، قد قصرن في خدورهن في خيام اللؤلؤ المجوَّف، قال أبو حيان: والنساء تُمدح بذلك إِذ ملازمتهن البيوت تدل على صيانتهن قال الحسن: ليس بطوَّافات في الطرق، وخيامٌ الجنة بيوت اللؤلؤ، وفي الحديث «إنَّ في الجنة خيمةً من لؤلؤةٍ مجوفة، عرضها ستون ميلاً، في كل زوايةٍ منها أهلٌ ما يرون الآخرين، يطوف عليهم المؤمنون» ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ تقدم تفسيره ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلاَ جَآنٌّ﴾ أي لم يجامعهن ولم يغشهن أحد قبل أزواجهم لا من الإِنس ولا من الجن قال في التسهيل: الجنتان المذكورتان أولاً للسابقين، والجنتان المذكورتان ثانياً لأصحاب اليمين، وانظر
стр. 1347
كيف جعل أوصاف الجنتين الأوليين أعلى من أوصاف الجنتين اللتين بعدهما، فقال هناك ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾ وقال هنا ﴿فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾ والجريُ أشدُّ من النضح، وقال هناك ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ وقال هنا ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ والأول أعم وأشمل، وقال في صفة الحور هناك ﴿كَأَنَّهُنَّ الياقوت والمرجان﴾ وقال هنا ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾ وليس كل حُسْنٍ كحسن الياقوت والمرجان فالوصف هناك أبلغ، وقال هناك في وصف الفرش ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَآئِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ وهو الديباج وقال هنا ﴿مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ ولا شك أن الفرش المعدَّة للاتكاء أفضل من فضل الخباء ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعم الله الجليلة تكذبان يا مشعر الإِنس والجن؟ ﴿مُتَّكِئِينَ على رَفْرَفٍ خُضْرٍ﴾ أي مستندين على وسائد خضر من وسائد الجنة ﴿وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾ أي وطنافس ثخينة مزخرفة، محلاَّة بأنواع الصور والزينة قال الصاوي: وهي نسبة إِلى «عبقر» قرية بناحية اليمن، يُنسج فيها بسط منقوشة بلغت النهاية في الحسن، فقرَّب الله لنا فرش الجنتين بتلك البسط المنقوشة ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي فبأي نعمةٍ من نعم الله تعالى تكذبان يا معشر الإِنس والجن ﴿تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ﴾ أي تنزه وتقدَّس الله العظيم الجليل، وكثرت خيراته وفاضت بركاته ﴿ذِي الجلال والإكرام﴾ أي صاحب العظمة والكبرياء، والفضل والإِنعام قال في البحر: لما ختم تعالى نعم الدنيا بقوله
﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ [الرحمن: ٢٧] ختم نعم الآخرة بقوله ﴿تَبَارَكَ اسم رَبِّكَ ذِي الجلال والإكرام﴾ وناسب هناك ذكر البقاء والديمومة له تعالى بعد ذكر فناء العالم، وناسب هنا ذكر البركة وهي النماء والزيادة عقب امتنانه على المؤمنين في دار كرامته وما آتاهم من الخير والفضل في دار النعيم.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيا يلي:
١ - المقابلة اللطيفة بين ﴿والسمآء رَفَعَهَا﴾ [الرحمن: ٧] وبين ﴿والأرض وَضَعَهَا﴾ [الرحمن: ١٠] وكذلك المقابلة بين ﴿خَلَقَ الإنسان مِن صَلْصَالٍ كالفخار﴾ [الرحمن: ١٤] ﴿وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] .
٢ - التشبيه المرسل المجمل ﴿وَلَهُ الجوار المنشئات فِي البحر كالأعلام﴾ [الرحمن: ٢٤] أي الجبال في العظم.
٣ - المجاز المرسل ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] أي ذاته المقدسة وهو من باب إِطلاق الجزء وإِرادة الكل.
٤ - الاستعارة التمثيلية ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثقلان﴾ [الرحمن: ٣١] شبَّه انتهاء الدنيا وما فيها من تدبير شئون
стр. 1348
الخلق ومجيء الآخرة وبقاء شأن واحد وهو محاسبة الإِنس والجن بفراغ من يشغله أمور فتفرَّغ لأمرٍ واحد، والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن وإِنما هو على سبيل التمثيل.
٥ - الأمر التعجيزي ﴿إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ. . فانفذوا﴾ [الرحمن: ٣٣] فالأمر هنا للتعجيز.
٦ - التشبيه البليغ ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ [الرحمن: ٣٧] أي كالوردة في الحمرة حذف وجه الشبه وأداة التشبيه فصار بليغاً.
٧ - الجناس الناقص ﴿وَجَنَى الجنتين﴾ لتغير الشكل والحروف، ويسمَّى جناس الاشتقاق.
٨ - الإِيجاز بحذف الموصوف وإِبقاء الصفة ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطرف﴾ أي نساءٌ قصرن أبصارهن على أزواجهن لا ينظرن إِلى غيرهم.
٩ - السجع المرصَّع غير المتكلف كأنه حبات در منظومة في سلكٍ واحد إقرأ قوله تعالى ﴿الرحمن عَلَّمَ القرآن خَلَقَ الإنسان عَلَّمَهُ البيان﴾ [الرحمن: ١٤] وأمثاله في السورة كثير.
فَائِدَة: تسمى سورة الرحمن «عروس القرآن» لما ورد «لكل شيء عروسٌ، وعروسُ القرآنِ سورةُ الرحمن» .
стр. 1349
اللغَة: ﴿رُجَّتِ﴾ زلزلت وحرّكت تحريكاً شديداً ﴿بُسَّتِ﴾ فُتِّت حتى صارت كالدقيق المبسوس ﴿هَبَآءً﴾ الهباء ما يتطاير في الهواء من الأجزاء الدقيقة ﴿ثُلَّةٌ﴾ جماعة من ثللت الشيء أي قطعته قاله الزجاج فمعنى ثُلة كمعنى فرقة وزناً ومعنى ﴿مَّوْضُونَةٍ﴾ منسوجة محكمة النسج كأن بعضها أُدخل في بعض قال الأعشى:
ومن نسج داود موضونة ... تُساق مع الحيّ عسيراً فعيراً
﴿يُصَدَّعُونَ﴾ صُدع القوم الخمر لحقهم الصُداع في رءوسهم منها ﴿يُنزِفُونَ﴾ يسكرون فتذهب عقولهم ﴿مَّخْضُودٍ﴾ خُضد شوكه أي قُطع قال أمية بن أبي الصلت:
إن الحدائقَ في الجنان ظليلةٌ ... فيها الكواعبُ سِدْرها مخْضود
﴿طَلْحٍ﴾ الطلح: شجر الموز ﴿مَّنضُودٍ﴾ متراكب بضعه فوق بعض ﴿عُرُباً﴾ جمع عروب وهي
стр. 1350
المتحببة إِلى زوجها ﴿سَمُومٍ﴾ ريح حارة تدخل في مسام البدن ﴿يَحْمُومٍ﴾ اليحموم الشديد السواد ﴿الحميم﴾ الماء المغلي ﴿الهيم﴾ الإِبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها.
التفسِير: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة﴾ أي إِذا قامت القيامة التي لا بد من وقوعها، وحدثت الداهية الطامة التي ينخلع لها قلب الإِنسان، كان من الأهوال ما لا يصفه الخيال قال البيضاوي: سميت واقعة لتحقق وقوعها وقال ابن عباس: الواقعة اسم من أسماء القيامة كالصاخة والآزفة والطامة، وهذه الأشياء تقتضي عظم شأنها ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾ أي لا يكون عند وقوعها نفس كاذبة تكذِّب بوقوعها كحال المكذبين اليوم، لأن كل نفسٍ تؤمن حنيئذٍ لأنها ترى العذاب عياناً كقوله تعالى ﴿فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قالوا آمَنَّا بالله وَحْدَهُ﴾ [غافر: ٨٤] ﴿خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ﴾ أي هي خافضة لأقوام رافعةٌ لآخرين، تخفض أعداء الله في النار، وترفع أولياء الله في الجنة قال الحسن: تخفض أقواماً إِلى الجحيم وإِن كانوا في الدنيا أعزة، وترفع آخرين إِلى أعلى عليين وإن كانوا في الدنيا وضعاء. . ثم بيَّن تعالى متى يكون ذلك فقال ﴿إِذَا رُجَّتِ الأرض رَجّاً﴾ أي زلزلت زلزالاً عنيفاً، واضطربت اضطراباً شديداً، بحيث ينهدم كل ما فوقها من بناء شامخ، وطودٍ راسخ قال المفسرون: تُردُّ كما يرجُّ الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها من بناء، وينكسر كل ما فيها من جبال وحصون ﴿وَبُسَّتِ الجبال بَسّاً﴾ أي فتُتت تفتيتاً حتى صارت كالدقيق المبسوس وهو المبلول بعد أن كانت شامخة ﴿فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً﴾ أي فصارت غباراً متفرقاً متطايراً في الهواء، كالذي يُرى في شعاع الشمس إِذا دخل النافذة فهذا هو الهباء، والمنبثُّ المتفرق، وهذه الآية كقوله تعالى ﴿وَتَكُونُ الجبال كالعهن المنفوش﴾ [القارعة: ٥] وقوله ﴿وَسُيِّرَتِ الجبال فَكَانَتْ سَرَاباً﴾ [النبأ: ٢٠] ﴿وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلاَثَةً﴾ أي وكنتم أيها الناس أصنافاً وفرقاً ثلاث «أهل اليمين، وأهل الشمال، وأهل السبق» فأما السابقون فهم أهل الدرجات العُلى في الجنة، وأما أصحاب اليمين فيهم سائر أهل الجنة، وأما أصحاب الشمال فهم أهل النار، وهذه مراتب الناس في الآخرة قال ميمون بن مهران: اثنان في الجنة وواحد في النار، ثم فصَّلهم تعالى بقوله ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ ؟ استفهام للتفخيم والتعظيم أي هل تدري أيُّ شيء أصحاب الميمنة؟ من هم وما هي حالهم وصفتهم؟ إنهم الذين يؤتون صحائفهم في أيمانهم، فهو تعجيبٌ لحالهم، وتعظيم لشأنهم في دخولهم الجنة وتنعمهم بها ﴿وَأَصْحَابُ المشأمة مَآ أَصْحَابُ المشأمة﴾ ؟ أي هل تدري من هم؟ وما هي حالهم وصفتهم، إنهم الذين يؤتون صحائفهم بشمالهم، ففيه تعجب لحالهم في دخولهم النار وشقائهم قال القرطبي: والتكرير في ﴿مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ و ﴿مَآ أَصْحَابُ المشأمة﴾ للتفخيم والتعجيب كقوله
﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: ١٢] وقوله ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: ١٢] وقال
стр. 1351
الألوسي: والمقصود التفخيم في الأول، والتفظيع في الثاني، وتعجيب السامع من شأن الفريقين في الفخامة والفطاعة كأنه قيل: فأصحاب الميمنة في غاية حسن الحال، وأصحاب المشأمة في غاية سوء الحال ﴿والسابقون السابقون﴾ هذا هو الصنف الثالث من الأزواج الثلاثة أي والسابقون إِلى الخيرات والحسنات، هم السابقون إِلى النعيم والجنات، ثم أثنى عليهم بقوله ﴿أولئك المقربون﴾ أي أولئك هم المقربون من الله، في جواره، وفي ظل عرشه، ودار كرامته ﴿فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ أي هم في جنات الخلد يتنعمون فيها قال الخازن: فإن قلت: لم أخَّر ذكر السابقين وكانوا أولى بالتقديم على أصحاب اليمين؟ قلت: فيه لطيفة وذلك أنَّ الله ذكر في أول السورة الأمور الهائلة عند قيام الساعة تخويفاً لعباده، فإِما محسنٌ فيزداد رغبةً في الثواب، وإِمّا مسيء فيرجع عن إِساءته خوفاً من العقاب، فلذلك قدَّم أصحاب اليمين ليسمعوا ويرغبوا، ثم ذكر أصحاب الشمال ليرهبوا، ثم ذكر السابقين وهم الذين لا يحزنهم الفزع الأكبر ليجدوا ويجتهدوا ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين﴾ أي السابقون المقربون جماعة كثيرة من الأمم السالفة ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ أي وهم قليلٌ من هذه الأمة قال القرطبي: وسمُّوا قليلاً بالإِضافة إلى من كان قبلهم، لأن الأنبياء المتقدمين كانوا كثرة، فكثر السابقون إِلى الإيمان منهمن فزادوا على عدد من سبق إِلى التصديق من أمتنا، قال الحسن: سابقوا من مضى أكثر من سابقينا ثم تلا الآية وقيل: إن المراد بقوله ﴿والسابقون السابقون﴾ أول هذه الأمة، والآخرون والمتأخرون من هذه الأمة، فيكون كلا الفريقين من أمة محمد ﷺ َ ﴿على سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ﴾ أي جالسين على أسرَّة منسوجة بقضبان الذهب، مرصعَّة بالدر والياقوت قال ابن عباس: ﴿مَّوْضُونَةٍ﴾ أي مرمولة بالذهب يعني منسوجة به ﴿مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا﴾ أي حال كونهم مضطجعين على تلك الأسرَّة شأن المنعَّمين المترفين ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ أي وجوه بضعهم إلى بعض، ليس أحد وارء أحد، وهذا أدخل في السرور، وأكمل في أدب الجلوس ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ﴾ أي يدور عليهم للخدمة أطفال في نضارة الصبا، لا يموتون ولا يهرمون قال أبو حيان: وُصفوا بالخلد وإِن كان كل من في الجنة مخلداً ليدل على أنهم يبقون دائماً في سنِّ الولدان، لا يتحولون ولا يكبرون كما وصفهم جل وعلا ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ أي بأقداح كبيرة مستديرة لا عُرى لها ﴿وَأَبَارِيقَ﴾ جمع إِبريق أي وبأباريق لها عُرى تبرق من صفاء لونها ﴿وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ أي وكأسٍ من خمرٍ لذلة جارية من
стр. 1352
العيون قال ابن عباس: لم تعصر كخمر الدنيا بل هي من عيون سارحة قال القرطبي: والمعين الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد في هذا الموضع الخمر الجارية من العيون، ليست كخمر الدنيا التي تستخرج بعصرٍ وتكلف ومعالجة ﴿لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا﴾ أي لا تنصدع رءوسهم من شربها ﴿وَلاَ يُنزِفُونَ﴾ أي ولا يسكرون فتذهب بعقولهم فتذهب بعقولهم كخمر الدنيا قال ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السُّكرُ والصُّداع، والقيءُ، والبول، وقد ذكر تعالى خمر الجننة ونزَّهها عن هذه الخصال الذميمة ﴿وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ أي ولهم فيها فاكهة كثيرة يختارون ما تشتهيه نفوسهم لكثرتها وتنوعها ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ﴾ أي ولحم طيرٍ مما يحبون ويشتهون قال ابن عباس: يخطر على قلب أحدهم لحم الطير فيطير حتى يقع بين يديه على ما اشتهى مقلياً أو مشوياً وفي الحديث
«إنك لتنظر إِلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشوياً» قال الرازي: وقدَّم الفاكهة على اللحم لأن أهل الجنة يأكلون لا عن جوع بل للتفكه، فميلهم إِلى الفاكهة أكثر كحال الشبعان في الدنيا فلذلك قدمها ﴿وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ أي ولهم مع ذلك النعيم نساء من الحور العين، الواسعات العيون، في غاية الجمال والبهاء، كأنهن اللؤلؤ في الصفاء والنقاء، الذي لم تمسه الأيدي قال في التسهيل: شبههن باللؤلؤ في البياض، ووصفه بالمكنون لأنه أبعد عن تغيير حسنه، وحين «سألت» أم سلمة «رسول الله ﷺ َ عن هذا التشبيه قال» صفاؤهن كصفاء الدر في الأصداف الذي لم تمسه الأيدي « ﴿جَزَآءً بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي جعلنا لهم ذلك كله جزاءً لعملهم الصالح في الدنيا. . ثم أخبر تعالى عن مال نعيمهم في الجنة فقال ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً﴾ أي لا يطرق آذانهم فاحشٌ الكلام، ولا يلحقهم إِثمٌ ما يسمعون قال ابن عباس: لا يسمعون باطلاً ولا كاذباً ﴿إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ أي إلا قول بعضهم لبعضٍ سلاماً سلاماً، يُحيي به بعضهم بعضاً ويفشون السلام فيما بينهم قال في البحر: والظاهر أنه استثناء منقطع لأنه لم يندرج في اللغو ولا التأثيم وقال أبو السعود: والمعنى أنهم يفشون السلام فيسلمون سلاماً بعد سلام، أو لا يسمع كلٌ منهم إِلا سلام الآخر بدءاً أو ردّاً.
. ثم شرع في تفصيل أحوال الصنف الثاني وهم أصحاب اليمين فقال ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ ؟ استفهام للتعظيم والتعجيب من حالهم أي ما أدراك من هم، وما هي حالهم؟ ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ أي هم تحت أشجار النبق الذي قطع شوكه قال المفسرون: والسِّدرُ: شجر النبق، والمخضود الذي خُضد أي قُطع شوكه، وفي الحديث «أن أعرابياً جاء إلى رسول الله ﷺ َ فقال يا رسول الله: إن الله تعالى ذكر في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، فقال: وما هي؟ قال: السدر فإِن له شوكاً، فقال رسول الله ﷺ َ أليس اللهُ يقول ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ﴾ ؟ خضَدَ اللهُ شوكه فجعل مكان كل شوكةٍ ثمرة، وإِن الثمرة من ثمره تفتَّق عن اثنين وسبعين
стр. 1353
لوناً من الطعام، ما فيها لونٌ يشبه الآخر» ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ هو شجر الموز ومعنى ﴿مَّنضُودٍ﴾ أي متراكم قد نُضد بالحمل من أسفله إِلى أعلاه ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ أي وظل دائم باقٍ لا يزول ولا تنسخه الشمس، لأن الجنة ظل كلها لا شمس فيها ﴿لاَ يَرَوْنَ فِيهَا شَمْساً وَلاَ زَمْهَرِيراً﴾ [الإِنسان: ١٣] وفي الحديث «إن في الجنة شجرةً يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها واقرءوا إن شئتم ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ » وقال الرازي: ومعنى ﴿مَّمْدُودٍ﴾ أي لا زوال له فهو دائم ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥] أي دائم، والظلُّ ليس ظل الأشجار، بل ظل يخلقه الله تعالى ﴿وَمَآءٍ مَّسْكُوبٍ﴾ أي وماءٍ جارٍ دائماً لا ينقطع يجري في غير أخدود قال القرطبي: كانت العرب أصحاب بادية، والأنهار في بلادهم عزيزة، لا يصلون إِلىلماء إِلا بالدلو والرشاء، فوعدوا بالجنة بأسباب النزهة وهي الأشجار وظلالها، والمياه والأنهار وجريانها ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ﴾ أي وفاكهةٍ كثيرة متنوعة، ليست بالقليلة العزيزة كما كانت في بلادهم، لا تنقطع كما تنقطع ثمار الدنيا في الشتاء، وليست ممنوعة عن أحد، قال ابن عباس: لا تنقطع إِذا جُنيت، ولا تمتنع من أحدٍ إِذا أراد أخذها وفي الحديث «ما قُطعت ثمرةٌ من ثمار الجنة إِلا عاد مكانها أخرى» ﴿وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ﴾ أي عالية وطيئة ناعمة وفي الحديث «ارتفاعها كما بين السماء والأرض، ومسيرة ما بينهما خمس مائة عام» قال الألوسي: ولا تستبعد هذا من حيث العروجُ والنزولُ، فالعالم عالم آخر فوق طور عقلك تنخفض للمؤمن إِذا أراد الجلوس عليها ثم ترتفع به، والله على كل شيء قدير ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً﴾ أي خلقنا نساء الجنة خلقاً جديداً، وأبدعناهن إِبداعاً عجيباً، قال في التسهيل: ومعنى إنشاء النساء أن الله تعالى يخلقهن في الجنة خلقاً آخر في غاية الحسن بخلاف الدنيا، فالعجوز ترجع شابة، والقبيحة ترجع جميلة قال ابن عباس: يعني الآدميات العجائز الشمط خلقهن الله بعد الكبر الهرم خلقاً آخر ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ أي فجعلناهن عذارى، كلما أتاهنَّ أزواجهن وجدوهنَّ أبكاراً ﴿عُرُباً﴾ جمع عروب وهي المتحببة لزوجها العاشقة له قال مجاهد: هنَّ العاشقات لأزواجهن المتحببات لهن اللواتي يشتهين أزواجهن ﴿أَتْرَاباً﴾ أي مستويات في السنِّ مع أزواجهن، في سنّ أبناء ثلاث وثلاين، عن أم سلمة ﵂ قالت:
«سألت النبي ﷺ َ عن قوله تعالى ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ فقال يا أم سلمة: هنَّ اللواتي قُبضن في الدنيا عجائز، شُمطاً عُمشاً، رُمصاً، جعلهن الله بعد الكِبر أتراباً على ميلادٍ واحد في الاستواء» وفي الحديث «أن امرأة عجوزاً جاءت النبي ﷺ َ فقالت يا رسول الله: أُدع الله أن يُدخلني الجنة، فقال: يا أم فلان إِن الجنة لا تدخلها
стр. 1354
عجوز، فولَّت تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، فإن الله تعالى يقول ﴿إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ » ﴿لأَصْحَابِ اليمين﴾ أي أنشأنا هؤلاء النساء الأبكار لأصحاب اليمين ليستمتعوا بهنَّ في الجنة، ثم قال تعالى ﴿ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ أي هم جماعة من الأولين من الأمم الماضية، وجماعة من المتأخرين من أُمة محمد ﷺ َ، قال في البحر: ولا تنافي بين هذه الآية ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ وبين الآية التي سبقتها وهي قوله ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ لأن الثانية في السابقين فلذلك قال ﴿وَقَلِيلٌ مِّنَ الآخرين﴾ وهذه في أصحاب اليمين ولذلك قال ﴿وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين﴾ . . ثم شرع تعالى في بيان الصنف الثالث وهم أهل النار فقال ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ استفهام بمعنى التهويل والتفظيع والتعجيب من حالهم أي وأصحابُ الشمال وهم الذين يعطون كتبهم بشمائلهم ما أصحاب الشمال؟ أي ما حالهم وكيف مآلهم؟ ثم فصَّل تعالى حالهم فقال ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ أي في ريح حارة من النار تنفذ في المسام، وماءٍ شديد الحرارة ﴿وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ﴾ أي وفي ظلٍ من دخان أسود شديد السواد ﴿لاَّ بَارِدٍ﴾ أي ليس هذا الظل بارداً يستروح به الإِنسان من شدة الحر ﴿وَلاَ كَرِيمٍ﴾ أي وليس حن المنظر يُسرُّ به من يستفيء بظله قال الخازن: إِن فائدة الظل ترجع إِلى أمرين: أحدهما: دفع الحر، والثاني: حسن المنظر وكون الإِنسان فيه مكرماً، وظلُّ أهل النار بخلاف هذا لأنهم في ظل من دخان أسود حار. . ثم بيَّن تعالى سبب استحقاقهم ذلك فقال ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ أي لأنهم كانوا في الدنيا منعَّمين، مقبلين على الشهوات والملذات ﴿وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم﴾ أي وكانوا يداومون على الذنب العظيم وهو الشرك بالله قال المفسرون: لفظ الإَصرار يدل على المداومة على المعصية، والحنثُ هو الذنب الكبير والمراد به هنا الكفر بالله كما قاله ابن عباس ﴿وَكَانُواْ يِقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أي هل سنبعث بعد أن تصبح أجسادنا تراباً وعظاماً نخرة؟ وهذا استبعادٌ منهم لأمر البعث وتكذيب له ﴿أَوَ آبَآؤُنَا الأولون﴾ ؟ تأكيدٌ للإِنكار ومبالغة فيه أي وهل سيبعث آباؤنا الأوائل بعد أن بليت أجسامهم وتفتَّتت عظامهم؟ ﴿قُلْ إِنَّ الأولين والآخرين لَمَجْمُوعُونَ إلى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ أي قل لهم يا محمد: إن الخلائق جميعاً السابقين منهم واللاحقين، سيجمعون ويحشرون ليوم الحساب الذي حدَّده الله بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر
﴿ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٣١٠٤] ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضآلون المكذبون لأَكِلُونَ مِن شَجَرٍ مِّن زَقُّومٍ﴾ أي ثم إنكم يا معشر كفار مكة، الضالون عن الهدى، المكذبون بالبعث والنشور، لآكلون من شجر الزقوم الذي ينبت في أصل الجحيم ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا البطون﴾ أي فمالئون بطونكم من تلك الشجرة الخبيثة لغلبة الجوع عليكم ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحميم﴾ أي فشاربون عليه الماء الحار الذي اشتد غليانه ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ أي فشاربون شرب الإِبل العطاش قال ابن عباس: الهيمُ الإِبل
стр. 1355
العطاش التي لا تروى لداء يصيبها وقال أبو السعود: إنه يسلط على أهل النار من الجوع ما يضطرهم إِلى أكل الزقوم الذي هو كالمُهل، فإِذا ملأوا منه بطونهمه وهو في غاية الحرارة والمرارة سُلِّط عليهم من العطش ما يضطرهم إلى شرب الحميم الذي يقطع أمعاءهم، فيشربونه شرب الهيم وهي الإِبل التي بها الهيام وهو داء يصيبها فتشرب ولا تروى ﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدين﴾ أي هذه ضيافتهم وكرامتهم يوم القيامة، وفيه تهكم بهم قال الصاوي: والنُزُل في الأصل ما يهيأ للضيف أول قدومه من التحف والكرامة، فتسمية الزقوم نُزلاً تهكم بهم.
стр. 1356
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى الأشقياء المجرمين وأحوالهم في نار جهنم، ذكر هنا الأدلة والبراهين على قدرة الله ووحدانيته في بديع خلقه وصنعه، لتقوم الحجة على المنكر المكذب بوجود الله، وختم السورة الكريمة بالتنويه بذكر أهل السعادة، وأهل الشقاوة، والسابقين إِلى الخيرات، ليكون ذلك كالتفصيل لما ورد في أول السورة من الإِجمال، والإِشادة بذكر مآثر المقربين في البدء والمآل.
اللغَة: ﴿تَفَكَّهُونَ﴾ تفكَّه بالشيء تمتَّع به، ورجلٌ فَكه منبسط النفس غير مكترث بشيء ﴿المزن﴾ السحاب جمع مُزْنة قال الشاعر:
стр. 1357
ونحن كماء المُزن ما في نصابها ... كَهَامٌ ولا فينا يُعدُّ بخيل
﴿تُورُونَ﴾ أورى النار من الزناد قدحها ﴿لِّلْمُقْوِينَ﴾ المسافرين يقال أقوى الرجل إِذا دخل القواء وهو القفر، والقوى الجوع قال الشاعر:
وإِني لأختار القوى طاوي الحشا ... محافظةً من أن يُقال لئيم
﴿مُّدْهِنُونَ﴾ المدهن: الذي ظاهرة خلاف باطنة، كأنه شُبّه بالدهن في سهولة ظاهره ومنه المداهنة ﴿مَدِينِينَ﴾ مجزيين ومحاسبين من الدين بمعنى الجزاء ﴿فَرَوْحٌ﴾ الرُّوح بفتح الراء الاستراحة ﴿رَيْحَانٌ﴾ الريحان: كل مشموم طيب الريح من النبات.
التفسِير: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ﴾ أي نحن خلقناكم أيها الناسُ من العدم، فهلاَّ تصدقون بالبعث؟ فإِن من قدر على البدء قادرٌ على الإِعادة ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ﴾ أي أخبروني عمَّا تصبُّونه من المنيّ في أرحام النساء ﴿أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون﴾ ؟ أي هل أنتم تخلقون هذا المنيَّ بشراً سوياً، أم نحن بقدرتنا خلقناه وصوَّرناه؟ ﴿قال القرطبي: وهذا احتجاج على المشركين وبيانٌ للآية الأولى والمعنى إِذا أقررتم بأنا خالقوه لا غيرنا فاعترفوا بالبعث ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت﴾ أي نحن قضينا وحكمنا عليكم بالموت وساوينا بينكم فيه قال الضحاك: ساوى فيه بين أهل
стр. 1358
السماء والأرض، سواء في الشريف والوضيع، والأمير والصعلوك ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي وما نحن بعاجزين ﴿على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ أي على أن نهلككم ونستبدل قوماً غيركم يكونون أطوع لله منكم كقوله تعالى ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: ١٩] ﴿وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي ولسنا بعاجزين أيضاً أن نعيدكم يوم القيامة في خلقةٍ لا تعلمونها ولاتصل إِليها عقولكم، والغرضُ أن الله قادر على أن يهلكهم وأن يعيدهم وأن يبعثهم يوم القيامة، ففي الآية تهديد واحتجاج على البعث ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النشأة الأولى﴾ أي ولقد عرفتم أن الله أنشأكم من العدم بعد أن لم تكونوا شيئاً مذكوراً، فخلقكم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ﴿فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ أي فهلا تتذكرون بأن الله قادر على إعادتكم كما قدر على خلقكم أول مرة؟ ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ [مريم: ٦٧] ؟﴾ ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ هذه حجة أخرى على وحدانية الله وقدرته أي أخبروني عن البذر الذي تلقونه في الطين ﴿أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون﴾ ؟ أي أأنتم تنبتونه وتنشئونه حتى يكون فيه السنبل والحبُّ أم نحن الفاعلون لذلك؟ فإِذا أقررتم أن الله هو الذي يخرج الحبَّ وينبت الزرع، فكيف تنكرون إِخراجه الأموات من الأرض؟ ﴿لَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ أي لو أردنا لجعلنا هذا الزرع هشيما متكسراً لا ينتفع به في طعام ولا غيره قال القرطبي: والحُطام الهشيم الهالك الذي لا يُنتفع به في مطعم ولا غذاء، فنبههم بذلك على أمرين: أحدهما: ما أولاهم به من النعم في زرعهم ليشكروه الثاني: ليعتبروا في أنفسهم فكما أنه تعالى يجعل الزرع حُطاماً إِذا شاء، كذلك يهلكهم إِذا شاء ليتعظوا فينزجروا ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ أي فظللتم وبقيتم تتفجعون وتحزنون على الزرع مما حلَّ به وتقولون ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ﴾ أي إنا لمحمَّلون الغرم في إِنفاقنا حيث ذهب زرعنا وغرمنا الحبَّ الذي بذرناه ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي بل نحن محرومون الرزق، غرمنا قيمة البذر، وحُرمنا خروج الزرع ﴿أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ﴾ أي أخبروني عن الماء الذي تشربونه عذباً فراتاً لتدفعوا عنكم شدة العطش ﴿أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المزن أَمْ نَحْنُ المنزلون﴾ أي هل أنتم الذين أنزلتموه من السحاب أم نحن المنزلون له بقدرتنا؟ قال الخازن: ذكَّرهم تعالى نعمته عليهم بإِنزال المطر الذي لا يقدر عليه إِلا اللهُ ﴿لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ أي لو شئنا لجعلناه ماءٌ مالحاً شديد الملوحة لا يصلح لشرب ولا لزرع قال ابن عباس: ﴿أُجَاجاً﴾ شديد الملوحة وقال الحسن: مُرّاً زُعافاً لا يمكن شربه ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ أي فهلاّ تشكرون ربكم على نعمه الجليلة عليكم؟! وفي الحديث أن النبي ﷺ َ شرب الماء قال
«الحمد لله الذي سقانا عذباً فُراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً أُجاجاً بذنوبنا» ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النار التي تُورُونَ﴾ أي أخبروني عن النار التي تقدحونها وتستخرجونها من الشجر الرطب ﴿أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ المنشئون﴾ أي هل أنتم خلقتم
стр. 1359
شجرها أم نحن الخالقون المخترعون؟ قال ابن كثير: وللعرب شجرتان: إِحداهما المرخُ، والأُخرى العُفار، إِذا أُخذ منهمنا غصنان أخضران، فحُك أحدهما بالآخر تناثر من بينهما شرر النار، وقيل: أراد جميع الشجر الذي توقد منه النار، لما روي عن ابن عباس أنه قال: ما من شجرة ولا عود إِلا وفيه النار سوى العُناب ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ أي جعلنا نار الدنيا تذكيراً للنار الكبرى «نار جهنم» إِذا رآها الرائي ذكر بها نار جهنم، فيخشى اللهَ ويخاف عقابه وفي الحديث «ناركم هذه التي توقدون جزءٌ من سبعين جزءاً من نار جهنم، فقالوا يا رسول الله: إِنْ كانت لكافية!! فقال: والذي نفسي بيده لقد فضّلت عليها بتسعة وتسعين جزءاً، كلهن مثل حرها»
﴿وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ أي ومنفعقةً للمسافرين قال ابن عباس: ﴿المقوين﴾ المسافرين، وقال مجاهد: للحاضر والمسافر، المستمتعين بالنار من الناس أجمعين قال الخازن: والمقوي النازلُ في الأرض القواء وهي الأرض الخالية البعيدة عن العمران والمعننى أنه ينتفع بها أهل البوادي والسُفَّار، فإِن منفعتهم أكثر من المقيم، فإِنهم يوقدون النار بالليل لتهرب السباع ويهتدي بها الضال إِلى غير ذلك من المنافع وهو قول أكثر المفسرين. . ولما ذكر دلائل القدرة والوحدانية في الإِنسان، والنبات، والماء، والنار، أمر رسوله بتسبيح الله الواحد القهار فقال ﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ أي فنزِّه يا محمد ربك عما أضافه إليه المشركون من صفات العجز والنقص وقل: سبحان من خلق هذه الأشياء بقدرته، وسخَّرها لنا بحكمته، سبحانه ما أعظم شأنه، وأكبر سلطانه! ﴿عدَّد نعمه على عباده، فبدأ بذكر خلق الإٍنسان فقال ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ﴾ ثم بما به قوامه ومعيشته وهو الزرع فقال ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ﴾ ثم بما به حياته وبقاؤُه وهو الماء فقال ﴿أَفَرَأَيْتُمُ المآء الذي تَشْرَبُونَ﴾ ثم بما يصنع به طعامه، ويصلح به اللحوم والخضار وهو النار فقال ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النار التي تُورُونَ﴾ فيا له من إله كريم، ومنعمٍ عظيم﴾ ! ثم شرع بالقسم على جلال القرآن ورفعته، وعلو شأنه ومنزلته، وأنه تنزل العزيز الحكيم فقال ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ اللام لتأكيد الكلام وتقويته، وزيادة «لا» كثير في كلام العرب ومشهور قال الشاعر:
تذكرتُ ليلى فاعترتني صبابةٌ ... وكادَ نياطُ القلب لا يتقطَّع
اي كاد يتقطع قال القرطبي: «لا» صلة في قول أكثر المفسرين والمعنى «فأقسم» بدليل قوه بعده ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ﴾ أي فأقسم بمنازل النجوم وأماكن دورانها في أفلاكها وبروجها ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ
стр. 1360
تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ أي وإِن هذا القسم العظيم جليل، لو عرفتم عظمته لآمنتم وانتفعتم به، لما في المقسم به من الدلالة على عظيم القدرة، وكمال الحكمة، وفرط الرحمة، ومن مقتضيات رحمته تعالى أن لا يترك عباده سُدى ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ هذا هو المقسم عليه، والمعنى أقسم بمواقع النجوم إِن هذا القرآن وقرآن كريم، ليس بسحرٍ ولا كهانة وليس بمفترى، بل هو قرآن كريم مجيد، جعله الله معجزة لنبيه محمد ﷺ َ وهو كثير المنافع والخيرات والبركات ﴿فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ أي في كتاب مصونٍ عند الله تعالى، محفوظ عن الباطل وعن التبديل والتغيير قال ابن عباس: هو اللوح المحفوظ، وقال مجاهد: هو المصحف الذي بأيدينا ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون﴾ أي لا يمس ذلك الكتاب المكنون إِلا المطهرون، وهم الملائكة الموصوفون بالطهارة من الشرك والذنوب والأحداث، أو لا يمسُّه إِلا من كان متوضئاً طاهراً قال القرطبي المراد بالكتاب المصحف الذي بأيدينا وهو الأظهر لقول ابن عمر «لا تمسَّ القرآن إلا وأنت طاهر» ولكتاب رسول اله ﷺ َ لعمرو بن حزم
«وألاَّ يمسَّ القرآن إِلا طاهر» ﴿تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾ أي منزَّلمن عند الله جل وعلا. . ثم لمَّا عظم أمر القرآن ومجَّد شأنه وبخ الكفار فقال ﴿أفبهذا الحديث أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ﴾ أي أفبهذا القرآن يا معشر الكفار تكذبون وتكفرون؟ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ أي وتجعلونن شكر رزقكم أنكم تكذبون برازقكم، وهو المنعم المتفضل عليكم؟ ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم﴾ أي فهلاَّ إِذا بلغت الروح الحلقوم عند معالجة سكرات الموت ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ أي وأنتم في ذلك الوقت تنظرون إِلى المحتضر وما يكابده من شدائد وأهوال ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ ولكن لاَّ تُبْصِرُونَ﴾ أي ونحن بعلمنا واطلاعنا أقرب إلى الميت منكم ولكنْ لا تعلمون ذلك، ولا تبصرون ملائكتنا الذين حضروه لقبض روحه قال ابن كثير: ومعنى الآية ملائكتنا أقرب إِليه منكم ولكن لا ترونهم كما قال تعالى ﴿حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: ٦١] ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي فهلاَّ إن كنتم غير مجزيين بأعمالكم كما تزعمون ﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي تردون نفس هذا الميت إلى جسده بعد ما بلغت الحلقوم قال ابن عباس: ﴿غَيْرَ مَدِينِينَ﴾ أي غير محاسبين ولا مجزيين قال الخازن: أجاب عن قوله ﴿فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الحلقوم﴾ وعن قوله ﴿فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾
стр. 1361
بجواب واحد وهو قوله ﴿تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ومعنى الآية: إِن كان الأمر كما تقولون أنه لا بعث ولا حساب، ولا إله يجازي، فهلاّ تردون نفس من يعزُّ عليكم إِذا بلغت الحلقوم؟ وإِذا لم يمكنكم ذلك فاعلموا أن الأمر إِلى غيركم وهو الله تعالى فآمنوا به. . ثم ذكر تعالى طبقات الناس عند الموت وعند البعث، وبيَّن درجاتهم في الآخرة فقال ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المقربين فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾ أي فأما إِن كان هذا الميت من المحسنين السابقين بالدرجات العلا، فله عند ربه استراحة ورزق حسن وجنة واسعة يتنعم فيها قال القرطبي: والمراد بالمقربين السابقون المذكورون في أول السورة ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين﴾ أي وأما إِن كان المحتضر من السعداء أهل الجنة الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم ﴿فَسَلاَمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ اليمين﴾ أي فسلامٌ لك يا محمد منهم، لأنهم في راحةٍ وسعادة ونعيم ﴿وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضآلين﴾ أي وأما إِن كان المحتضر من المنكرين للبعث، الضالين عن الهدى والحق ﴿فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ أي فضيافتهم التي يُكرمون بها أول قدومهم، الحميمُ الذي يصهر البطون لشدة حرارته قال في التسهيل: النُزل أول شيءٍ يُقدم للضيف ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ أي ولهم إِصلاءٌ بنار جهنم وإِذاقة لهم من حرها ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ اليقين﴾ أي إن هذا الذي قصصناه عليك يا محمد من جزاء السابقين، والسعداء، والأشقياء لهو الحقُّ الثابت الذي لا شك فيه ولا ريب، وهو عين اليقين الذي لا يمكن إِنكاره ﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ أي فنزِّه ربك عن النقص والسوء، وعمَّا يصفه به الظالمون، لما نزلت هذه الآية الكريمة قال النبي ﷺ َ:
«اجعلوها في ركوعكم، ولما نزلت ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ [الأعلى: ١] قال ﷺ َ: اجعلوها في سجودكم» .
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - جناس الاشتقاق ﴿إِذَا وَقَعَتِ الواقعة﴾ [الواقعة: ١] والجناس الناقص في قوله ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ .
٢ - الطباق بين ﴿الميمنة. . والمشأمة﴾ وبين ﴿الأولين. . والآخرين﴾ وبين ﴿خَافِضَةٌ. . رَّافِعَةٌ﴾ وفي إِسناد الخفض والرفع إِلى القيامة مجاز عقلي، لأن الخافض والرافع على الحقيقة هو الله وحده، يرفع أولياءه ويخفض أعداءه، ونسب إِى القيامة مجازاً كقولهم «نهاره صائم» .
٣ - التشبيه المرسل المجمل ﴿حُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللؤلؤ المكنون﴾ [الواقعة: ٢٢٢٣] أي كأمثال اللؤلؤ في بياضه وصفائه، حذف منه وجه الشبه فهو مرسل مجمل.
٤ - التفخيم والتعظيم ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: ٢٧] كرره بطريق الاستفهام تفخيماً.
٥ - التفنن بذكر أصحاب الميمنة ثم بذكر أصحاب اليمين، وكذلك بذكر المشئمة وذكر أصحاب الشمال ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: ٢٧] .
٦ - تأكيد المدح بما شبه الذم ﴿لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلاَماً سَلاَماً﴾ [الواقعة: ٢٥٢٦] لأن
стр. 1362
السلام ليس من جنس الغو والتأثيم، فهو مدح لهم بإِفشاء السلام، وهذا كقول القائل «لا ذنب لي إلا محبتُك» .
٧ - التهكم والاستهزاء ﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدين﴾ [الواقعة: ٥٦] أي هذا العذاب أول ضيافتهم يوم القيامة ففيه سخرية وتهكم بهم لأن النزل هو أول ما يقدم للضيف من الكرامة.
٨ - الالتفات من الخطاب إِلى الغيبة ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضآلون المكذبون﴾ [الواقعة: ٥١] ثم قال بعد ذلك ملتفتاً عن خطابهم ﴿هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدين﴾ [الواقعة: ٥٦] وذلك للتحقير من شأنهم، والأصل هذا نزلكم.
٩ - الجملة الاعتراضية وفائدتها لفت الأنظار إِلى أهمية القسم ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ جاءت الجملة الاعتراضية ﴿لَّوْ تَعْلَمُونَ﴾ بين الصفة والموصوف للتهويل من شأن القسم.
١٠ - توافق الفواصل في الحرف الأخير مما يزيد في رونق الكلام وجماله مثل ﴿فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٢٨ ٣٠] ومثل ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الحميم فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم﴾ [الواقعة: ٥٤٥٥] ويسمى هذا بالسجع المرصَّع وهو من المحسنات البديعية.
لطيفَة: المناسبة بين المقسم به وهو النجوم وبين المقسم عليه وهو القرآن ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ أن النجوم جعلها الله ليهتدي بها الناس في ظلمات البر والبحر، وآيات القرآن يُهتدى بها في ظلمات الجهل والضلالة، وتلك ظلمات حسية، وهذه ظلمات معنوية، فالقسم جاء جامعاً بين الهدايتين: الحسية للنجوم، والمعنوية للقرآن، فهذا وجه المناسبة والله أعلم.
стр. 1363
اللغَة: ﴿سَبَّحَ للَّهِ﴾ نزَّه الله ومجَّده وقدَّسه ﴿العزيز﴾ القوي الغالب على كلي شيء ﴿الأول﴾ السابق على جميع الموجودات ﴿الآخر﴾ الباقي بعد فنائها ﴿يَلِجُ﴾ يدخل ﴿يَعْرُجُ﴾ يصعد ﴿الظاهر﴾ بوجوده ومصنوعاته وآثاره ﴿الباطن﴾ بكنه ذاته عن إِدارك الأبصار له ﴿الحسنى﴾ المثوبة الحسنة والمراد بها الجنة ﴿انظرونا﴾ انتظرونا ﴿نَقْتَبِسْ﴾ نستضيء ونهتدي بنوركم ﴿سُورٍ﴾ حاجز بين الجننة والنار ﴿الغرور﴾ الشيطان وكل من خدع غيره فهو غار وغرور.
стр. 1364
التفسِير: ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ أي مجَّد اللهَ ونزَّهه عن السوء كلُّ ما في الكون من إِنسان، وحيوان، ونبات قال الصاوي: والتسبيحُ تنزيهُ المولى عن كل ما لا يليق به قولاً، وفعلاً، واعتقاداً، من سبح في الأرض والماءِ إِذا ذهب وأبعد فيهما، وتسبيحُ العقلاء بلسان المقال، وتسبيح الجماد بلسان الحال أي أن ذاتها دالة على تنزيه صانعها عن كل نقص، وقيل بلسان المقال أيضاً ﴿ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإِسراء: ٤٤] وقال الخازن: تسبيحُ العقلاء تنزيهُ الله عن كل سوء، وعما لا يليق بجلاله، وتسبيحُ غير العقلاء من ناطق وجماد اختلفوا فيه، فقيل: تسبيحه دلالته على صانعه، فكأنه ناطق بتسبيحه، وقيل: تسبيحه بالقول يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإِسراء: ٤٤] أي قولهم، والحقُّ ألأن التسبيح هو القولُ الذي لا يصدر إِلا من العاقل العارف بالله تعالى، وما سوى العاقل ففي تسبيحه وجهان: أحدهما: أنها تدل على تعظيمه وتنزيهه والثاني: أن جميع الموجودات بأسرها منقادةٌ له يتصرف فيها كيف يشاء، فإِن حملنا التسبيح على القول كان المراد بقوله ﴿سَبَّحَ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾ الملائكةُ والمؤمنون العارفون بالله، وإِن حملنا التسبيح على التسبيح المعنوي، فجميع أجزاء السموات وما فيها من شمس، وقمر، ونجوم وغير ذلك وجميع ذرات الأرضين وما فيها من جبالٍ، وبحار، وشجر، ودواب وغير ذلك كلها مسبحة خاشعة خاضعة لجلال عظمة الله، منقادةٌ له يتصرف فيها كيف يشاء، فإِن قيل: قد جاء في بعض فواتح السور ﴿سَبَّحَ للَّهِ﴾ بلفظ الماضي، وفي بعضها ﴿يُسَّبح للهِ﴾ بلفظ المضارع فما المراد؟ قلت: فيه إشارة إلى كون جميع الأشياء مسبحاً لله أبداً، غير مختص بوقت دون وقت، بل هي كانت مسبحة أبداً في الماضي، وستكون مسبحة أبداً في المستقبل ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ أي وهو الغالب على أمره الذي لا يمانعه ولا ينازعه شيء، الحكيمُ في أفعاله الذي لا يفعل إِلا تقتضيه الحكمة والمصلحة. . ثم ذكر تعالى عظمته وقدرته فقال ﴿لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي هو جلا وعلا المالك المتصرف في خلقه، يحيي من يشاء، ويُميت من يشاء قال القرطبي: يميتُ الأحياء في الدنيا، ويحيي الأموات للبعث والنشور ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولفظُ ﴿قَدِيرٌ﴾ مبالغة في القادر لأن «فعيل» من صيغ المبالغة ﴿هُوَ الأول والآخر﴾ أي ليس لوجوده بداية، ولا لبقائه نهاية ﴿والظاهر والباطن﴾ أي الظاهرُ للعقول بالأدلة والبراهين الدالة على وجوده، الباطنُ الذي لا تدركه الأبصار، ولا تصلُ العقول إِلى معرفة كنه ذاته وفي الحديث
«أنت الأولُ فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء» قال شيخ زاده: وقد فسَّر صاحب الكشاف «الباطن» بأنه غير المدرك بالحواسِ وهو تفسير بحسب التشهي يؤيد مذهبه من استحالة رؤية الله في الآخرة، والحقُّ أنه تعالى ظاهرٌ بوجوده،
стр. 1365
باطنٌ بكنهه، وأنه تعالى جامعٌ بين الوصفين أزلاًَ وأبداً ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي هو تعالى عالمٌ بكل ذرةٍ في الكون، لا يعزب عن عمله شيء في الأرض ولا في السماء ﴿هُوَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي خلقهما في مقدار ستة أيام ولو شاء لخلقهما بلمح البصر، وهو تحقيقٌ لعزته، وكمال قدرته، كما أن قوله ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرض﴾ تحقيق لحكمته، وكمال علمه ﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ استواءً يليق بجلاله من غير تمثيلٍ ولا تكييفٍ ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرض وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي يعلم ما يدخل في الأرض من مطر وأموات، وما يخرج منها من معادن ونبات وغير ذلك ﴿وَمَا يَنزِلُ مِنَ السمآء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ أي وما ينزل من السماء من الأرزاق، والملائكة، والرحمة، والعذاب، وما يصعد فيها من الملائكة والأعمال الصالحة كقوله ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الكلم الطيب﴾ [فاطر: ١٠] ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ أي هو جل وعلا حاضرٌ مع كل أحدٍ بعلمه وإِحاطته قال ابن عباس: هو عالمٌ بكم أينما كنتم قال ابن كثير: أي هو رقيبٌ عليكم، شهيدٌ على أعمالكم، حيث كنتم وأين كنتم، من برٍّ وبحر، في ليلٍ أو نهار، في البيوت أو القفار، الجميع في علمه على السواء، يسمع كلامكم ويرى مكانكم، ويعلم سرَّكم ونجواكم ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي رقيب على أعمال العباد، مطلع علىك ل صغيرة وكبيرة ﴿لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾ كرره للتأكيد والتمهيد لإِثبات الحشر والنشر أي هو المعبود على الحقيقة، المتصرف في الخلق كيف يشاء ﴿وَإِلَى الله تُرْجَعُ الأمور﴾ أي إِليه وحده مرجع أمور الخلائق في الآخرة فيجازيهم على أعمالهم ﴿يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل﴾ أي هو المتصرف في الكون كيف يشاء، يقلِّب الليل والنهار بحكمته وتقديره، ويدخل كلاً منهما في الآخر، فتارة يطول الليل ويقصر النهار، وأُخرى بالعكس ﴿وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي هو العالم بالسرائر والضمائر، وما فيها من النوايا والخفايا، ومن كانت هذه صفته فلا يجوز أن يُعبد سواه.
. ثم لما ذكر دلائل عظمته وقدرته، أمر بتوحيده وطاعته فقال ﴿آمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ أي صدِّقوا بأن الله واحد وأن محمداً عبده ورسوله ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ أي وتصدّقوا من الأموال التي جعلكم الله خلفاء في التصرف ليها، فهي في الحقيقة لله لا لكم قال في التسهيل: يعني أن الأموال التي بأيديكم إنماهي أموال الله لأنه خلقها، ولكنه متَّعكم بها وجعلكم خلفاء بالتصرف فيها، فأنتم فيها بمنزلة الوكلاء فلا تمنعوها من الإِنفاق فيما أمركم مالكها أن تنفقوها فيه، والمقصود التحريضُ على
стр. 1366
الإِنفاق والتزهيد في الدنيا ولهذا قال بعده ﴿فالذين آمَنُواْ مِنكُمْ وَأَنفَقُواْ لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ أي فالذين جمعوا بين الإِيمان الصادق والإِنفاق في سبيل الله ابتغاء وجهه الكريم لهم أجر عظيم وهو الجننة قال أبو السعود: وفي الآية من المبالغات ما لا يخفى، حيث جعل الجملة اسمية ﴿فالذين آمَنُواْ﴾ وأعيد ذكرُ الإِيمان والإِنفاق ﴿آمَنُواْ وَأَنفَقُواْ﴾ وكرر الإِسناد ﴿لَهُمْ﴾ وفخَّم الأجر بالتنكير ووصفه بالكبير ﴿لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ ﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُونَ بالله﴾ استفهام للإِنكار والتوبيخ أي أيُّ عذرٍ لكم في ترك الإِيمان بالله؟ ﴿والرسول يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُواْ بِرَبِّكُمْ﴾ أي والحالُ أن الرسول صلى الل عليه وسلم يدعوكم للإِيمان بربكم وخالقكم، بالبراهين القاطعة، والحجج الدامغة ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ﴾ أي وقد أخذ الله ميثاقكم وهو العهد المؤكد بما ركز في العقول من الأدلة الدالة على وجود الله قال أبو السعود: وذلك بنصب الأدلة والتمكين من النظر وقال الخازن: أخذ ميثاقكم حين أخرجكم من ظهر آدم وأعلمكم بأن الله ربكم لا إله لكم سواه، وقيل: أخذ ميثاقكم حيث ركب فيكم العقول، ونصب لكم الأدلة والبراهين والحجج التي تدعو إلى متابعة الرسول ﴿إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ شرطٌ حذف جوابه أي إِن كنتم مؤمنين في وقت من الأوقات فالآن أحرى الأوقات لقيام الحجج والبراهين عليكم. . ثم ذكر تعالى بعض الأدلة الدالة على وجوب الإيمان فقال ﴿هُوَ الذي يُنَزِّلُ على عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي هو تعالى الذي ينزّل على محمد القرآن العظيم، المعجز في بيانه، الواضح في أحكامه قال القرطبي: يريد بالآيات البينات القرآن وقيل: المعجزات أي لزمكم الإِيمان بمحمد ﷺ َ لما معه من المعجزات، والقرآنُ أكبرها وأعظمها ﴿لِّيُخْرِجَكُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ أي ليخرجكم من ظلمات الكفر إِلى نور الإِيمان ﴿وَإِنَّ الله بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي مبالغ في الرأفة والرحمة بكم، حيث أنزل الكتب وأرسل الرسل لهدايتكم، ولم يقتصر على ما نصب لكم من الحجج العقلية ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السماوات والأرض﴾ ؟ أيْ أيُّ شيءٍ يمنعكم من الإِنفاق في سبيل الله، وفيما يقربكم من ربكم، وأنتم تموتون وتخلّفون أموالكم وهي صائرة إِلى الله تعالى؟ قال الإِمام الفخر: المعنى إِنكم ستموتون فتورثون، فهلاَّ قدمتموه في الإِنفاق في طاعة الله!! وهذا من أبلغ الحث على الإِنفاق في سبيل الله ﴿لاَ يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وَقَاتَلَ﴾ أي لا يستوي في الفضل من أنفق ماله وقاتل الأعداء مع رسول الله قبل فتح مكة، مع من أنفق ماله وقاتل بعد فتح مكة قال المفسرون: وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم، لأن حاجة الإِسلام إِلى الجهاد والإِنفاق كانت أشد، ثم أعز الله الإِسلام بعد الفتح وكثَّر ناصريه، ودخل الناس في دين الله أفواجاً ﴿أولئك أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الذين أَنفَقُواْ مِن بَعْدُ وَقَاتَلُواْ﴾ أي أعظم أجراً، وأرفع منزلة من الذين أنفقوا من بعد فتح مكة وقاتلوا لإِعلاء كلمة الله قال الكلبي: نزلت في «أبي بكر» لأنه أول من أسلم، وأول من أنفق ماله في سبيل الله، وذبَّ عن رسول الله ﷺ َ ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ أي وكلاً ممن آمن وأنفق قبل الفتح، ومن آمن وأنفق بعد الفتح،
стр. 1367
وعده الله الجنة مع تفاوت الدرجات ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي عالمٌ بأعمالكم، مطلع على خفاياكم ونواياكم، ومجازيكم عليه، وفي الآية وعدٌ ووعيد ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ أي من ذا الذي ينفق ماله في سبيل الله ابتغاء رضوانه ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ﴾ أي يعطيه أجره على إنفاقه مضاعافً ﴿وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي وله مع المضاعفة ثواب عظيم كريم وهو الجننة قال ابن كثير: أي جزاء جميل ورزق باهر وهو الجنة، ولما نزلت هذه الآية قال
«ابو الدحداح الأنصاري» يا رسول الله: وإنَّ الله ليريد منا القرض؟ قال: نعم يا أبا الدحداح، قال أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده، قال: فإِني قد أقرضت ربي حائطي أي بستاني وله في ستمائة نخلة، وأم الدحداح فيه هي وعيالها، فجاء أبو الدحداح فناداها: يا أم الدحداح قالت: لبيك، قال اخرجي فقد أقرضته ربي ، فقالت: ربح بيعك يا أبا الدحداح ونقلت منه متاعها وصبيانها «. ثم أخبر تعالى عن المؤمنين الأبرار، وما يتقدمهم من الأنوار وهم على الصراط فقال ﴿يَوْمَ تَرَى المؤمنين والمؤمنات يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ أي اذكر يوم ترى أنوار المؤمنين والمؤمنات تتلألأ من أمامهم ومن جميع جهاتهم ليستضيئوا بها على الصراط، وتكون وجوههم مضيئة كإِضاءة القمر في سواد الليل ﴿بُشْرَاكُمُ اليوم جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي ويقا لهم: أبشروا اليوم بجنات الخلد والنعيم، التي تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي ماكثين فيها أبداً ﴿ذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم﴾ أي الفوز الذي لا فوز بعده لأنه سبب السعادة الأبدية، روي أن نور كل أحدٍ على قدر إِيمانه، وأنهم متفاوتون في النور، فمنهم من يضيء نوره ما قرب من قدميه، ومنهم من يُطفأ نوره مرة ويظهر مرة قال الزمخشري: وإِنما قال ﴿بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم﴾ لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم.
. ولما شرح حال المؤمنين يوم القيامة، أتبع ذلك بشرح حال المنافقين فقال ﴿يَوْمَ يَقُولُ المنافقون والمنافقات لِلَّذِينَ آمَنُواْ انظرونا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ أي انتظرونا لنستضيء من نوركم قال المفسرون: إن الله تعالى يعطي المؤمنين نوراً يوم القيامة على قد أعمالهم يمشون به على الصراط، ويترك الكافرين والمنافقين بلا نور، فيستضيء المنافقون بنور المؤمنين، فبينما هم يمشون إِذ بعث الله فيهم ريحاً وظلمة، فبقوا في الظلمة لا يبصرون مواضع أقدامهم فيقولون للمؤمنين: انتظرونا لنستضيء بنوركم ﴿قِيلَ ارجعوا وَرَآءَكُمْ فالتمسوا نُوراً﴾ أي فيقول لهم المؤمنون سخريةً واستهزاءً بهم: ارجعوا إلى الدنيا فالتمسوا هذه الأنوار هناك قال أبو حيان: وقد علموا أن لا نور وراءهم، وإنما هو إِقناطٌ لهم ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ﴾ أي فضرب بين المؤمنين والمنافقين بحاجزٍ له باب، يحجز بين أهل الجنة وأهل النار ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب﴾ أي في باطن السور الذي هو جهة المؤمنين الرحمةُ وهي الجنة، وفي ظاهره وهو جهة الكافرين العذاب وهو النارُ قال ابن كثير: هو سور يضرب يوم القيامة ليحجز بين المؤمنين والمنافقين، فإِذا انتهى إليه المؤمنون دخوله من بابه، فإِذا استكملوا دخولهم أعلق الباب
стр. 1368
وبقي المنافقون من ورائه في الحيرة والظلمة والعذاب ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ أي ينادي المنافقون المؤمنين: ألم نكن معكم في الدنيا، نصلي كما تصلون، ونصوم كما تصومون، ونحضر الجمعة والجماعات، ونقاتل معكم في الغزوات؟ ﴿قَالُواْ بلى ولكنكم فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ أي قال لهم المؤمنون: نعم كنتم معنا في الظاهر ولكنكم أهلكتم أنفسكم بالنفاق ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ انتظرتم بالمؤمنين الدوائر ﴿وارتبتم﴾ أي شككتم في أمر الدين ﴿وَغرَّتْكُمُ الأماني﴾ أي خدعتكم الأماني الفارغة بسعة رحمة الله ﴿حتى جَآءَ أَمْرُ الله﴾ أي حتى جاءكم الموتُ ﴿وَغَرَّكُم بالله الغرور﴾ أي وخدعكم الشيطان الماكر بقوله: إن الله عفو كريم لا يعذبكم قال قتادة: ما زالوا على خُدعةٍ من الشيطان حتى قذفهم الله في نار جهنم قال المفسرون: الغرور بفتح الغين الشيطان لأنه يغر ويخدع الإنسان قال تعالى ﴿فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحياة الدنيا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بالله الغرور إِنَّ الشيطان لَكُمْ عَدُوٌّ فاتخذوه عَدُوّاً﴾ [فاطر: ٥٦] ﴿فاليوم لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الذين كَفَرُواْ﴾ أي ففي هذا اليوم العصيب لا يقبل منكم بدلٌ ولا عوضٌ يا معشر المنافقين، ولا من الكفارين الجاحدين بالله وآيات وفي الحديث «إن الله تعالى يقول للكافر: أرأيتك لو كان لك أضعاف الدنيا أكنت تفتدي بجميع ذلك من عذاب النار؟! فيقول: نعم يا ربّ، فيقول الله ﵎: قد سألتك ما هو ايسرُ من ذلك في ظهر أبيك آدم، أن لا تشرك بي فأبيتَ إلا الشرك» ﴿مَأْوَاكُمُ النار﴾ أي مقامكم ومنزلكم نار جهنم ﴿هِيَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي هو عونكم وسندكم وناصركم لا ناصر لكم غيرها، وهو تهكم بهم ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ أي وبئس المرجع والمنقلب نار جهنم.
قال بعض العلماء: «السعيد من لا يغتر بالطمع ولا يركن إِلى الخدع، ومن أطال الأمل نسي العمل، وغفل عن الأجل» .
стр. 1369
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى اغترار المنافقين والكافرين بالحياة الدنيا، نبَّه المؤمنين ألا يكومنوا مثلهم، أو مثل مأهل الكتاب بالاغترار بدار الفناء، ثم ضرب مثلاً للحاية الدنيا وبهرجها الخادع الكاذب، وختتم السورة الكريمة ببيان فضيلة التقوى والعمل الصالح، وأرشد المؤمنين إلى مضاعفة الأجر والنور باتباعهم هدي الرسول ﷺ َ.
اللغَة: ﴿يَأْنِ﴾ يحن يقال: أني يأْني مثل رمى يرمي أي حال، قال الشاعر:
ألم يأنِ لي يا قلب أن أترك الجهلا ... وأن يُحدث الشيب المبينُ لنا عقلاً
﴿تَخْشَعَ﴾ تذل وتلين ﴿الأمد﴾ الأجل أو الزمان ﴿يَهِيجُ﴾ هاج الزرع إِذا جف ويبس بعد خضرته ونضارته ﴿حُطَاماً﴾ فُتاتاً يتلاشى بالرياح ﴿قَفَّيْنَا﴾ ألحقنا وأتبعنا ﴿كِفْلَيْنِ﴾ مثنى كقل وهو النصيب.
سَبَبُ النّزول: لما قدم المؤمنون المدينة، أصابوا من لين العيش وفاهيته، ففتروا عن بعض ما كانوا عليه فعوتبوا ونزلت هذه الآية ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله﴾ قال ابن مسعود: «ما كان إِسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إِلا أربع سنوات» .
التفسِير: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله﴾ أي أما حان للمؤمنين أن ترقَّ
стр. 1370
قلوبهم وتلين لمواعظ الله؟ ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق﴾ أي ولما نزل من آيات القرآن المبين؟ ﴿وَلاَ يَكُونُواْ كالذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلُ﴾ أي ولا يكونوا كاليهود والنصارى الذين أعطاهم الله التوراة والإِنجيل ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي فطال عليهم الزمن الذي بينهم وبين أنبيائهم، حتى صلبت قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة قال ابن عباس: ﴿قست قلوبهم﴾ مالوا إِلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ القرآن وقال أبو حيان: أي صلبت بحيث لا تنفعل للخير والطاعمة والغرض أن الله يحذِّر المؤمنين أن يكونوا مع القرآن كاليهود والنصارى حين قست قلوبهم لما طال عليهم الزمان ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي وكثير من أهل الكتاب خارجون عن طاعة الله، رافضون لتعليم دينهم، من فرط قسوة القلب قال ابن كثير: نهى الله تعالى المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول عليهم الزمن بدَّلوا كتاب الله الذي بأيديهم، ونبذوه وراء ظهروهم، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله، فعند ذلك قست قلوبهم فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد ﴿اعلموا أَنَّ الله يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي اعلموا يا معشر المؤمنين أن الله يحيي الأرض القاحلة المجدبة بالمطر، ويخرج منها النبات بعد يبسها، وهو تمثيل لإِحياء القلوب القاسية بالذكر وتلاوة القرآن، كما تحيا الأرض المجدبة بالغيث الهتان قال ابن عباس: يلين القلوب بعد قسوتها فيجعلها مخبتةً منيبة، وكذلك يحيي القلوب الميتة بالعلم والحكمة قال في البحر: ويظهر أنه تمثيلٌ لتليين القلوب بعد قسوتها، ولتأثير ذكر الله فيها، فكما يؤثر الغيب في الأرض فتعود بعد إجدابها مخصبة، كذلك تعود القلوب النافرة مقبلةً يظهر فيها أثر الخشوع والطاعات ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات﴾ أي وضحنا لكم الحجج والبراهين الدالة على كمال قدرتنا ووحدانيتنا ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي لكي تعقلوا وتتدبروا ما أنزل الله في القرآن ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً﴾ أي الذين تصدقوا بأموالهم على الفقراء ابتغاء وجه الله، والذين أنفقوا في سبيل الله وفي وجوه البر والإِحسان طيبة بها نفوسهم ﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ أي يضاعف لهم ثوابهم بأن تكتب الحسنة بعشر أمثالها، ولهم فوق ذلك ثواب حسن جزيل وهو الجنة قال المفسرون: أصل ﴿المصدقين﴾ المتصدقين أدغمت التاء في الصاد فصارت المصدّقين، ومعنى القرض الحسن هو التصدق عن طيب النفس، وخلوص النية للفقير، فكأن الإِنسان بإِحسانه إِلى الفقير قد أقرض اللهَ قرضاً يستحق عليه الوفاء في دار الجزاء ﴿والذين آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ﴾ أي صدَّقوا بوحدانية الله ووجوده، وآمنوا برسله إِيماناً راسخاً كاملاً، لا يخالجه شك ولا ارتياب ﴿أولئك هُمُ الصديقون والشهدآء عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي أولئك الموصوفون بالإِيمان بالله ورسله، هم الذين جمعوا أعلى المراتب فحازوا درجة الصديقية والشهادة في سبيل الله قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صدِّيقٌ وشهيد ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي لهم في الآخرة الثواب الجزيل، والنور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم ﴿والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أولئك أَصْحَابُ الجحيم﴾ أي والذين
следующие страницы →