Полный текст (1 630 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
المنع والتضييق يقال: أعضل الأمر أي أشكل وضاقت فيه الحيل وداء عُضال أي عسير أعيا الأطباء، قال الأزهري: وأصله من عضلت الناقة إِذا نشب ولدها فلم يسهل خروجه. ﴿يُوعَظُ بِهِ﴾ يوصى ويؤمر به. ﴿أزكى﴾ أنمى وأنفع يقال: زكا الزرع إِذا نما بكثرةٍ وبركة. ﴿وَأَطْهَرُ﴾ الطهارة: التنزه عن الدَّنْس والمعاصي.
سَبَبُ النّزول: روي أنّ «معقل بن يسار» زوَّج أخته رجلاً من المسلمين على عهد النبيّ ﷺ َ فكانت عنده ما كانت ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدّة، فهويها وهويته ثم خطبها مع الخطّاب فقال له: يا لُكَع، أي «يا لئيم» أكرمتك بها وزوجتك فطلقتها!! والله لا ترجع إِليك أبداً فعلم الله حاجته إِليها وحاجتها إِلى بعلها فأنزل الله ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ. .﴾ الآية فلما سمعها معقل قال: سمعاً لربي وطاعة ثم دعاه فقال: أزوجك وأكرمك.
التفسِير: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي إِذا طلقتم يا معشر الرجال النساء طلاقاً رجعياً وقاربن انقضاء العدة ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ أي فراجعوهنّ من غير ضرار ولا أذى أو اتركوهن حتى تنقضي عدتهن بإِحسان من غير تطويل العدّة عليهن ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ﴾ أي لا تراجعوهن إِرادة الإِضرار بهنّ لتظلموهن بالإِلجاء إِلى الافتداء، وفيه زجرٌ لما كان عليه الناس حيث كان الزوج يترك المعتدة حتى إِذا شارفت انقضاء العدّة يراجعها للإِضرار بها ليطوّل عليها العدّة لا للرغبة فيها ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أي من يمسكها للإِضرار بها أو ليكرهها على الافتداء فقد ظلم بذلك العمل نفسه لأنه عرّضها لعذاب الله ﴿وَلاَ تتخذوا آيَاتِ الله هُزُواً﴾ أي لا تهزءوا بأحكام الله وأوامره ونواهيه فتجعلوا شريعته مهزوءاً بها بمخالفتكم لها ﴿واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الكتاب والحكمة﴾ أي اذكروا فضل الله عليكم بهدايتكم للإِسلام وما أنعم به عليكم من القرآن العظيم والسنّة المطهّرة ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي يرشدكم ويذكّركم وهدي رسوله إِلى سعادتكم في الدارين ﴿واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي خافوا الله وراقبوه في أعمالكم واعلموا أنه تعالى لا تخفى عليه خافية من أحوالكم ثم أمر تعالى الأولياء بعدم عضل النساء الراغبات في العودة إِلى أزواجهن فقال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النسآء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي إِذا طلقتم النساء وانقضت عدتهن ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُمْ بالمعروف﴾ أي فلا تمنعوهن يا معشر الأولياء من العودة لأزواجهن إِذا صلحت الأحوال بين الزوجين وظهرت أمارات الندم ورضي كل منهما إِلى العودة لصاحبه والسير بما يرضي الله ﴿ذلك يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر﴾ أي ما نهيتكم عنه من الإِضرار والعضل يُنصح به ويوعظ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر لأنه هو المنتفع بالمواعظ الشرعية ﴿ذلكم أزكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أي الاتعاظ بما ذكر والتمسك بأوامر الله خير وأنفع لكم وأطهر من الآثام وأوضار الذنوب ﴿والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي والله يعلم ما هو أصلح لكم من الأحكام والشرائع وأنتم لا تعلمون ذلك، فامتثلوا أمره تعالى ونهيه في
стр. 142
جميع ما يأتون وما تذرون.
البَلاَغَة: ١ - ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي قاربن انقضاء عدتهن أُطلق اسم الكل على الأكثر فهو مجاز مرسل لأنه لو انقضت العدّة لما جاز له إِمساكها والله تعالى يقول: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ .
٢ - ﴿واذكروا نِعْمَتَ الله عَلَيْكُمْ وَمَآ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الكتاب والحكمة﴾ هو من باب عطف الخاص على العام لأن النعمة يراد بها نعم الله والكتاب والسنّة من أفراد هذه النعم.
٣ - ﴿واعلموا أَنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ بين كلمة «اعلموا» و «عليم» من المحسنات البديعية ما يسمى بجناس الاشتقاق.
٤ - ﴿أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ يراد بأزواجهن «المطلقين» لهن فهو من باب المجاز المرسل والعلاقة اعتبار ما كان.
فَائِدَة: قال الإِمام الفخر: الحكمة في إِثبات حق الرجعة أنّ الإِنسان ما دام مع صاحبه لا يدري هل تشقُّ عليه المفارقة أو لا؟ فإِذا فارقة فعند ذلك يظهر، فلو جعل الله الطلقة الواحدة مانعةً من الرجوع لعظمت المشقة على الإِنسان إِذ قد تظهر المحبة بعد المفارقة، ثم لما ان كمال التجربة لا يحصل بالمرة الواحدة أثبت تعالى حق المراجعة مرتين، وهذا يدل على كمال رحمته تعالى ورأفته بعباده.
стр. 143
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى جملة من الأحكام المتعلقة بالنكاح والطلاق والعدة والرجعة والعَضْل، ذكر في هذه الآية الكريمة حكم الرضاع لأنّ الطلاق يحصل به الفراق فقد يطلّق الرجل زوجته ويكون لها طفل ترضعه وربما أضاعت الطفل أو حرمته الرضاع من الزوج وإيذاءً له في ولده، لذلك وردت هذه الآية لندب الوالدات المطلقات إِلى رعاية الأطفال والاهتمام بشأنهم، ثم أعقب ذلك ببيان حكم الفراق بين الزوجين بالموت وما يجب على المرأة من العدَّة فيه رعايةً لحق الزوج، كما ذكر تعالى موضع خطبة المرأة في حالة العدّة، وموضوع استحقاق المرأة لنصف المهر أو كامل المهر بعد الفراق أو الطلاق.
اللغَة: ﴿فِصَالاً﴾ الفِصال والفَصْل: الفطام سمي به لأن الولد ينفصل عن لبن أمه إِلى غيره من الأقوات، قال المبرّد: الفِصال أحسن من الفصل لأنه إِذا انفصل عن أمه فقد انفصلت عنه فبينهما فِصال كالقِتال والضراب ﴿تَشَاوُرٍ﴾ التشاور: استخراج الرأي ومثله المشاورة والمشورة مأخوذ من الشَّوْر وهو استخراج العسل. ﴿يَذَرُونَ﴾ يتركون وهذا الفعل لا يستعمل منه الماضي ولا المصدر. ﴿عَرَّضْتُمْ﴾ التعريض: الإِيماء والتلويح من غير كشفٍ وإظهار، مأخوذ من عرض الشيء أي جانبه كقول الفقير للمحسن: جئت لأنظر إِلى وجهك الكريم ﴿خِطْبَةِ﴾ بكسر الخاء طلب النكاح وبالضم الموعظة كخُطبة الجمعة والعيدين. ﴿أَكْنَنتُمْ﴾ سترتم وأضمرتم والإِكنان: السرُّ والخفاء. ﴿عُقْدَةَ النكاح﴾ من العقد وهو الشدُّ وفي المثل «يا عاقد اذكر حلاً» قال الراغب: العُقدة اسم لما يعقد من نكاح أو يمين أو غيرهما. ﴿حَلِيمٌ﴾ يمهل العقوبة فلا يعجّل بها للعاصي. ﴿المقتر﴾ الفقير يقال: أقتر الرجل إذا افتقر.
سَبَبُ النّزول: روي «أن رجلاً من الأنصار تزوج امرأة من بني حنيفة ولم يسمّ لها مهراً ثم طلّقها قبل أن يمسَّها فنزلت الآية ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ فقال له النبيّ ﷺ َ» متِّعْها وَلوْ بِقَلَنْسُوَتِكَ «.
التفسِير: ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ أي الواجب على الأمهات أن يرضعن أولادهن لمدة سنتين كاملتين ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرضاعة﴾ أي إِذا شاء الوالدان إتمام الرضاعة ولا زيادة عليه ﴿وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بالمعروف﴾ أي وعلى الأب نفقة الوالدات المطلقات وكسوتهن بما هو متعارف بدون إِسراف ولا تقتير لتقوم بخدمته حق القيام ﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي تكون النفقة بقدر الطاقة لأنه تعالى لا يكلّف نفساً إِلا وسعها ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلاَ مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ أي لا يضرَّ الوالدان بالولد فيفرِّطا في تعهده ويقصّرا في ما ينبغي له، وأو يضارَّ أحدهما الآخر بسبب الولد فترفض الأم إرضاعه لتضرّ أباه بتربيته، وينتزع الأب الولد منها إِضراراً بها
стр. 144
مع رغبتها في إِرضاعه ليغيط أحدهما صاحبه، قاله مجاهد ﴿وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك﴾ أي وعلى الوارث مثلُ ما على والد الطفل من الإِنفاق على الأم والقيام بحقوقها وعدم الإِضرار بها والمراد به وارثُ الأب وقيل: وارثُ الصبي، والأول اختيار الطبري ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ أي فإِذا اتفق الوالدان على فطامه قبل الحولين ورأيا في ذلك مصلحة له بعد التشاور فلا إِثم عليهما ﴿وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تسترضعوا أَوْلاَدَكُمْ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بالمعروف﴾ أي وإِن أردتم أيها الآباء أن تطلبوا مرضعةً لولدكم غير الأم بسبب عجزها أو إِرادتها الزواج فلا إِثم عليكم شريطة أن تدفعوا لها ما اتفقتم عليه من الأجر، فإِن المرضع إِذا لم تكرم لا تهتم بالطفل ولا تُعنى بإِرضاعه ﴿واتقوا الله واعلموا أَنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي راقبوا الله في جميع أفعالكم فإِنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأحوالكم ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ أي على النساء اللواتي يموت أزواجهن أن يمكثن في العدّة أربعة أشهر وعشرة أيام حداداً على أزواجهنَّ وهذا الحكم لغير الحامل أما الحامل فعدتها، وضع الحمل لقوله تعالى:
﴿وَأُوْلاَتُ الأحمال أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ بالمعروف﴾ أي فإِذا انقضت عدتهن فلا إِثم عليكم أَيها الأولياء في الإذن لهنّ بالزواج وفعل ما أباحه لهنّ الشرع من الزينة والتعرض للخطّاب ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي عليم بجميع أعمالكم فيجازيكم عليها ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النسآء﴾ أي لا إِثم عليكم أيها الرجال في التعريض بخطبة النساء المتوفّى عنهن أزواجهن في العدّة، بطريق التلميح لا التصريح، قال ابن عباس: كقول الرجل: وددتُ أنّ الله يسَّر لي امرأةً صالحة، وإِن النساء لمن حاجتي ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ في أَنْفُسِكُمْ﴾ أي ولا إِثم عليكم أيضاً فيما أخفيتموه في أنفسكم من رغبة الزواج بهنّ ﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ولكن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ أي قد علم الله أنكم ستذكرونهن في أنفسكم ولا تصبرون عنهن فرفع عنكم الحرج، فاذكروهنَّ ولكنْ لا تواعدوهنَّ بالنكاح سرّاً إِلا بطريق التعريض والتلويح وبالمعروف الذي أقرّه لكم الشرع ﴿وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح حتى يَبْلُغَ الكتاب أَجَلَهُ﴾ أي ولا تعقدوا عقد النكاح حتى تنتهي العدّة ﴿واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا في أَنْفُسِكُمْ فاحذروه﴾ أي احذروا عقابه في مخالفتكم أمره ﴿واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ أي يمحو ذنب من أناب ولا يعاجل العقوبة لمن عصاه. ثم ذكر تعالى حكم المطلقة قبل المساس فقال: ﴿لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النسآء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ أي لا إِثم عليكم أيها الرجال إِن طلقتم النساء قبل المسيس «الجماع» وقبل أن تفرضوا لهنَّ مهراً، فالطلاق في مثل هذه الحالة غير محظور إِذا كان لمصلحة أو ضرورة ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الموسع قَدَرُهُ وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ مَتَاعاً بالمعروف حَقّاً عَلَى المحسنين﴾ أي فإِذا طلقتموهن فادفعوا لهنَّ المتعة تطييباً لخاطرهن وجبراً لوحشة الفراق، على قدر حال الرجل في الغنى والفقر، الموسر بقدر يساره، والمعسر بقدر إِعساره، تمتيعاً بالمعروف حقّاً على المؤمنين المحسنين ﴿وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي وإِذا طلقتموهن قبل الجماع وقد كنتم ذكرتم لهنَّ مهراً معيناً فالواجب عليكم أن تدفعوا نصف المهر المسمّى لهن لأنه طلاقٌ قبل المسيس ﴿إِلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَاْ الذي بِيَدِهِ
стр. 145
عُقْدَةُ النكاح﴾ أي إِلا إِذا أسقطت المطلّقة حقها أو أسقط وليُّ أمرها الحق إِذا كانت صغيرة، وقيل: هو الزوج لأنه هو الذي يملك عُقدة النكاح وذلك بأن يسامحها بكامل المهر الذي دفعه لها واختاره ابن جرير، وقال الزمخشري: القول بأنه الوليُّ ظاهر الصحة ﴿وَأَن تعفوا أَقْرَبُ للتقوى﴾ الخطاب عام للرجال والنساء، قال ابن عباس: أقربهما للتقوى الذي يعفو ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي لا تنسوا أيها المؤمنون الجميل والإِحسان بينكم، فقد ختم تعالى الآيات بالتذكير بعدم نسيان المودّة والإِحسان والجميل بين الزوجين، فإِذا كان الطلاق قد تمَّ لأسباب ضرورية قاهرة فلا ينبغي أن يكون هذا قاطعاً لروابط المصاهرة ووشائج القربى.
البَلاَغَة: ١ - ﴿والوالدات يُرْضِعْنَ﴾ أمر أُخرج مخرج الخبر مبالغة في الحمل على تحقيقه أي ليرضعن كالآية السابقة ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] .
٢ - ﴿تسترضعوا﴾ فيه إٍِيجاز بالحذف أي يسترضعوا المراضع لأولادكم، كما أنّ فيه الالتفات من الغيبة إِلى الخطاب لأنّ ما قبله ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً﴾ وفائدة هذا الالتفات هز مشاعر الآباء نحو الأبناء.
٣ - ﴿وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح﴾ ذكر العزْم للمبالغة في النهي عن مباشرة النكاح، فإِذا نهي عنه كان النهي عن الفعل من باب أولى.
٤ - ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ كنّى تعالى بالمسّ عن الجماع تأديباً للعباد في اختيار أحسن الألفاظ فيما يتخاطبون به.
٥ - ﴿وَأَن تعفوا﴾ و ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل﴾ الخطاب عام للرجال والنساء ولكنه ورد بطريق التغليب.
٦ - ﴿واعلموا أَنَّ الله﴾ إِظهار الاسم الجليل في موضع الإِضمار لتربية المهابة والروعة.
الفَوائِد الأولى: التعبير بلفظ «الوالدات» دون قوله «والمطلقات» أو النساء المطلقات لاستعطافهن نحو الأولاد، فحصول الطلاق لهنَّ لا ينبغي أن يحرمهنَّ عاطفة الأمومة.
الثانية: أضاف تعالى الولد في الآية الكريمة إِلى كلٍّ من الأبوين في قوله: ﴿وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ و ﴿مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ﴾ وذلك لطلب الاستعطاف والإِشفاق عليه، فالولد ليس أجنبياً عن الوالدين هذه أمه وذاك أيوه فمن حقهما أن يشفقا عليه ولا تكون العداوة بينهما سبباً للإِضرار به.
الثالثة: الحكمة في إِيجاب المتعة للمطلقة هي جبر إِيحاش الطلاق قال ابن عباس: إِن كان معسراً متعها بثلاثة أثواب، وإِن كان موسراً متعّها بخادم.
الرابعة: روي أنّ الحسن بن علي متّع زوجته بعشرة آلاف درهم فقالت المرأة: «متاعٌ قليلٌ من
стр. 146
حبيب مفارق» وسبب طلاقه إيّاها ما روي أنه لما أصيب عليٌّ كرّم الله وجهه وبويع الحسن بالخلافة قالت له: لتهنك الخلافة يا أمير المؤمنين! فقال: يُقتل عليٌّ وتظهرين الشماتة؟ اذهبي فأنت طالق ثلاثاً، فتلفعت بجلبابها وقعدت حتى انقضت عدتها فبعث إِليها بعشرة آلاف متعة وبقية ما بقي لها من صداقها فقالت ذلك، فلما أخبره الرسول بكى وقال: لولا أنني طلقتها ثلاثاً لراجعتها.
стр. 147
المنَاسَبَة: توسطت آيات المحافظة على الصلاة خلال الآيات الكريمة المتعلقة بأحكام الأسرة وعلاقات الزوجين عند الطلاق أو الافتراق وذلك لحكمة بليغة، وهي أنّ الله تعالى لما أمر بالعفو والتسامح وعدم نسيان الفضل بعد الطلاق بيّن بعد ذلك أمر الصلاة، لأنها أعظم وسيلة إِلى نسيان هموم الدنيا وأكدارها ولهذا كان ﷺ َ إِذا حزبه همٌّ فزع إِلى الصلاة فالطلاق يولّد الشحناء والبغضاء، والصلاة تدعو إِلى الإِحسان والتسامح وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وذلك أفضل طريق لتربية النفس الإِنسانية.
اللغَة: ﴿حَافِظُواْ﴾ المحافظة: المداومة على الشيء والمواظبة عليه. ﴿الوسطى﴾ مؤنث الأوسط، ووسط الشيء خيره وأعدله قال أعرابي يمدح الرسول ﷺ َ:
يا أوسط الناس طرّاً في مفاخرهم ... وأكرم الناس أمّاً برّةً وأباً
﴿قَانِتِينَ﴾ أصل القنوت في اللغة: المداومة على الشيء وقد خصّه القرآن بالدوام على الطاعة والملازمة لها على وجه الخشوع والخضوع قال تعالى: ﴿يامريم اقنتي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣] . ﴿فَرِجَالاً﴾ جمع راجل وهو القائم على القدمين قال الراغب: اشتُقَّ من الرجل راجلٌ للماشي بالرجل ويقال: رجل راجل أي قويٌّ على المشي. ﴿رُكْبَاناً﴾ جمع راكب وهو من يركب الفرس والدابة ونحوهما.
التفسِير: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصلوات والصلاة الوسطى﴾ أي واظبوا أيها المؤمنون وداوموا على أداء الصلوات في أوقاتها وخاصة صلاة العصر فإِن الملائكة تشهدها ﴿وَقُومُواْ للَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي داوموا على العبادة والطاعة بالخشوع والخضوع أي قوموا لله في صلاتكم خاشعين ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ
стр. 148
رُكْبَاناً﴾ أي فإِذا كنتم في خوفٍ من عدوٍ أو غيره فصلوا ماشين على الأقدام أو راكبين على الدواب ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ فاذكروا الله كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ أي فإِذا زال الخوف وجاء الأمن فأقيموا الصلاة مستوفية لجميع الأركان كما أمركم الله وعلى الوجه الذي شرعه لكم وهذه كقوله: ﴿فَإِذَا اطمأننتم فَأَقِيمُواْ الصلاة﴾ [النساء: ١٠٣] والذكرُ في الآية يراد به الصلاة الكاملة المستوفية للأركان، قال الزمخشري: المعنى اذكروه بالعبادة كام أحسن إِليكم بما علمكم من الشرائع وكيف تصلون في حال الخوف والأمن. ثم قال تعالى مبيناً أحكام العدة ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ أي والذين يموتون من رجالكم ويتركون زوجاتهم على هؤلاء أن يوصوا قبل أن يُحتضروا بأن تمتَّع أزواجهم بعدهم حولاً كاملاً - يُنْفق عليهنَّ من تركته ولا يُخرجن من مساكنهنَّ - وكان ذلك في أول الإِسلام ثم نسخت المدة إِلى أربعة أشهر وعشرة أيام ﴿فَإِنْ خَرَجْنَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ في أَنْفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ﴾ أي فإِن خرجن مختارات راضيات فلا إِثم عليكم يا أولياء الميت في تركهن أن يفعلن ما لا ينكره الشرع كالتزين والتطيب والتعرض للخُطّاب ﴿والله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي هو سبحانه غالبٌ في ملكه حكيم في صنعه ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين﴾ أي واجبٌ على الأزواج أن يُمتِّعوا المطلقات بقدر استطاعتهم جبراً لوشحة الفراق وهذه المتعة حقٌّ لازم على المؤمنين المتقين لله ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي مثل ذلك البيان الشافي الذي يوجه النفوس نحو المودة والرحمة يبيّن الله سبحانه لكم آياته الدالة على أحكامه الشرعية لتعقلوا ما فيها وتعملوا بموجبها.
البَلاَغَة: ١ - ﴿الصلاة الوسطى﴾ عطف خاص على عام؛ لبيان مزيد فضلها.
٢ - ﴿فَإنْ خِفْتُمْ﴾ ﴿فَإِذَآ أَمِنتُمْ﴾ بين لفظ خفتم وأمنتم طباق وهو من المحسنات البديعية، قال أبو السعود: وفي إِيراد الشرطية بكلمة «إِن» المنبئة عن عدم تحقق وقوع الخوف، وإِيراد الثانية بكلمة «إِذا» المنبئة عن تحقق وقوع الامن وكثرته مع الإِيجاز في جواب الأولى والإِطناب في جواب الثانية من الجزالة ولطف الاعتبار ما فيه عبرة لأولي الأبصار.
تنبيه: الصلاة الوسطى على الراجح من الأقوال هي صلاة العصر لأنها وسط بين الفجر والظهر والمغرب والعشاء ويقوي هذا ما ورد في الصحيحين: «شَغَلُونَا عن الصَّلاةِ الوُسْطَى صَلاَةِ العَصْرِ مَلأَ الله قُلُوبَهُم وَبُيُوتَهُم نَاراً» وفي الحديث: «الّذِي تَفُوتُه صَلاةُ العَصْرِ فَكَأَنَمَا وَتِر أَهْلُهُ وَمَالُهُ» أخرجه الشيخان وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة.
стр. 149
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أحكام الأسرة بالتفصيل والنظم التي تربط بين أفرادها، وسعى لإِصلاحها باعتبار أنها النواة واللبنة التي يشاد منها صرح المجتمع الفاضل، ذكر بعدها أحكام الجهاد وذلك لحماية العقيدة وصيانة المقدسات، وتأمين البيئة الصالحة للأسرة المسلمة التي تنشد الحياة الكريمة، فلا صلاح للأسرة إِلا بصلاح المجتمع، ولا بقاء لها ولا خلود إِلا ببقاء الحق وأنصاره، ولهذا أمر تعالى بالقتال وضرب عليه الأمثال بالأمم السابقة، كيف جاهدت في سبيل الحق وانتصرت القلة مع إِيمانها على الكثرة مع كفرها وطغيانها، فليست العبرة بكثرة أنصار الباطل بل بصمود أهل الحق والتزامهم له وجهادهم في سبيله.
اللغَة: ﴿أُلُوفٌ﴾ جمع ألف جمع كثرة وفي القلة آلاف، ومعناه كثرة كاثرة وألوف مؤلفة. ﴿حَذَرَ﴾ خشية وخوف ﴿يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ القبض: ضم الشيء والجمع عليه والمراد به التقتير والبسط ضدَّه والمراد به التوسيع قال أبو تمام:
стр. 150
تعوَّد بسطَ الكفِّ حتى لو أنه ... دعاها لقبضٍ لم تُجْبه أناملُه
﴿الملإ﴾ الأشراف من الناس سمّوا بذلك لأنهم يلمؤون العين مهابةً وإِجلالاً. ﴿فَصَلَ﴾ انفصل من مكانه يقال: فصل عن الموضع انفصل عنه وجاوزه. ﴿مُبْتَلِيكُمْ﴾ مختبركم. ﴿يَظُنُّونَ﴾ يستيقنون ويعلمون. ﴿فِئَةٍ﴾ الفئة: الجماعة من الناس لا واحد له كالرهط والنفر. ﴿أَفْرِغْ﴾ أفرغ الشيء صبَّه وأنزله.
التفسِير: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ﴾ أي ألم يصل إِلى سمعك يا محمد أو أيها المخاطب حال أولئك القوم الذين خرجوا من وطنهم وهم ألف مؤلفة ﴿حَذَرَ الموت﴾ أي خوفاً من الموت وفراراً منه، والغرض من الاستفهام التعجيب والتشويق إِلى سماع قصتهم وكانوا سبعين ألفاً ﴿فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ أي أماتهم الله ثم أحياهم، وهم قوم من بني إِسرائيل دعاهم ملكهم إِلى الجهاد فهربوا خوفاً من الموت فأماتهم الله ثمانية أيام ثم أحياهم بدعوة نبيهم «حزقيل» فعاشوا بعد ذلك دهراً، وقيل: هربوا من الطاعون فأماتهم الله قال ابن كثير: وفي هذه القصة عبرةٌ على أنه لا يغني تحذرٌ من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إِلا إِليه ﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس﴾ أي ذو إِنعام وإِحسان على الناس حيث يريهم من الآيات الباهرة والحجج القاطعة ما يبصّرهم بما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ أي لا يشكرون الله على نعمه بل ينكرون ويجحدون ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ واعلموا أَنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي قاتلوا الكفار لإِعلاء دين الله، لا لحظوظ النفس وأهوائها واعلموا أنّ الله سميع لأقوالكم، عليم بنيّاتكم وأحوالكم فيجازيكم عليها، وكما أنّ الحذر لا يغني من القدر فكذلك الفرار من الجهاد لا يقرّب أجلاً ولا يبعده ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ أي من الذي يبذل ماله وينفقه في سبيل الخير ابتغاء وجه الله، ولإِعلاء كلمة الله في الجهاد وسائر طرق الخير، فيكون جزاؤه أن يضاعف الله تعالى له ذلك القرض أضعافاً كثيرة؟ لأنه قرضٌ لأغنى الأغنياء ربّ العالمين ﷻ وفي الحديث
«مَنْ يُقْرِضُ غَيْرَ عَدِيم وَلاَ ظَلُومٍ» ﴿والله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أي يقتّر على من يشاء ويوسّع على من يشاء ابتلاءً وامتحاناً ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الملإ مِن بني إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ موسى﴾ أي ألم يصل خبر القوم إليك؟ وهو تعجيب وتشويق للسامع كما تقدم وكانوا من بني إسرائيل وبعد وفاة موسى ﵇ كما دلت عليه الآية ﴿إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله﴾ أي حين قالوا لنبيِّهم «شمعون» - وهو من نسل هارون أقم لنا أميراً واجعله قائداً لنا لنقاتل معه الأعداء في سبيل الله ﴿قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلاَّ تُقَاتِلُواْ﴾ أي قال لهم نبيّهم: أخشى أن يُفرض عليكم القتال ثم لا تقاتلوا عدوكم وتجبنوا عن لقائه ﴿قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا﴾ أي أيُّ سببٍ لنا في ألاّ نقاتل عدونا وقد أخذت منا البلاد وسُبيت الأولاد؟ قال تعالى بياناً لما انطوت عليه نفوسهم من الهلع والجبن ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ أي لما فرض عليهم القتال نكل أكثرهم عن
стр. 151
الجهاد إِلا فئة قليلة منهم صبروا وثبتوا، وهم الذين عبروا النهر مع طالوت، قال القرطبي: وهذا شأن الأمم المتنعِّمة المائلة إِلى الدَّعة، تتمنى الحرب أوقات الأنفة فإِذا حضرت الحرب جُبنت وانقادت لطبعها ﴿والله عَلِيمٌ بالظالمين﴾ وعيدٌ لهم على ظلمهم بترك الجهاد عصياناً لأمره تعالى ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ الله قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكاً﴾ أي أخبرهم نبيّهم بأنَّ الله تعالى قد ملَّك عليهم طالوت ليكونوا تحت إِمرته في تدبير أمر الحرب واختاره ليكون أميراً عليهم ﴿قالوا أنى يَكُونُ لَهُ الملك عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بالملك مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِّنَ المال﴾ أي قاموا معترضين على نبيّهم كيف يكون ملكاً علينا والحال أننا أحقُّ بالملك منه لأن فينا من هو من أولاد الملوك وهو مع هذا فقير لا ما له فكيف يكون ملكاً علينا؟ ﴿قَالَ إِنَّ الله اصطفاه عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي العلم والجسم﴾ أي أجابهم نبيّهم على ذلك الاعتراض فقال: إِنّ الله اختاره عليكم وهو أعلم بالمصالح منكم، والعمدة في الاختيار أمران: العلم ليتمكن به من معرفة أمور السياسة، والأمر الثاني قوة البدن ليعظم خطره في القلوب، ويقدر على مقاومة الأعداء ومكابدة الشدائد، وقد خصّه الله تعالى منهما بحظ وافر، قال ابن كثير: ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم، وشكل حسن، وقوّةٍ شديدة في بدنه ونفسه، ﴿والله يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَآءُ﴾ أي يعطي الملك لمن شاء من عباده من غير إِرثٍ أو مال ﴿والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي واسع الفضل عليمٌ بمن هو أهلٌ له فيعطيه إِياه.
. ولمّا طلبوا آية تدل على اصطفاء الله لطالوت أجابهم إِلى ذلك ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ﴾ أي علامة ملكه واصطفائه عليكم ﴿أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت﴾ أي يردَّ الله إِليكم التابوت الذي أخذ منكم، وهو كما قال الزمخشري: صندوق التوراة الذي كان موسى ﵇ إِذا قاتل قدَّمه فكانت تسكن نفوس بني إِسرائيل ولا يفرون ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ موسى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الملائكة﴾ أي في التابوت السكون والطمأنينة والوقار وفيه أيضاً بقية من آثار آل موسى وآل هارون وهي عصا موسى وثيابه وبعض الألواح التي كتبت فيها التوراة تحمله الملائكة، قال ابن عباس: جاءت الملائكة تحمل التابوت بين السماء والأرض حتى وضعه بين يدي طالوت والناس ينظرون ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ أي إِن في نزول التابوت لعلامة واضحة أنّ الله اختاره ليكون ملكاً عليكم إِن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود﴾ أي خرج بالجيش وانفصل عن بيت المقدس وجاوزه وكانوا ثمانين أخذ بهم في أرض قفرة فأصابهم حرٌّ وعطشٌ شديد ﴿قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ أي مختبركم بنهر وهو نهر الشريعة المشهور بين الأردن وفلسطين ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أي من شرب منه فلا يصحبني - وأراد بذلك أن يختبر إِرادتهم وطاعتهم قبل أن يخوض بهم غمار الحرب - ﴿وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مني﴾ أي من لم يشرب منه ولم يذقه فإِنه من جندي الذين يقاتلون معي ﴿إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾ أي لكن من اغترف قليلاً من الماء ليبلَّ عطشه وينقع غلته فلا بأس بذلك، فأذن لهم برشفةٍ من الماء تذهب بالعطش ﴿فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ﴾ أي شرب الجيش منه إِلا فئة قليلة صبرت على العطش، قال السدي: شرب منه ستة وسبعون ألفاً وتبقّى معه أربعة آلاف ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والذين آمَنُواْ مَعَهُ﴾ أي
стр. 152
لما اجتاز النهر مع الذين صبروا على العطش والتعب ورأوا كثرة عدوهم واعتراهم الخوف فقال فريق منهم ﴿قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ﴾ أي لا قدرة لنا على قتال الأعداء مع قائد جيشهم جالوت فنحن قلة وهم كثرة كاثرة ﴿قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ الله﴾ أي قال الذين يعتقدون بلقاء الله وهم الصفوة الأخيار والعلماء الأبرار من أتباع طالوت ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله﴾ أي كثيراً ما غلبت الجماعة القليلة الجماعة الكثيرة بإِرادة الله ومشيئته، فليس النصر عن كثرة العدد وإِنما النصر من عند الله ﴿والله مَعَ الصابرين﴾ أي معهم بالحفظ والرعاية والتأييد ومن كان الله معه فهو منصور بحول الله ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي ظهروا في الفضاء المتسع وجهاً لوجه أمام ذلك الجيش الجرار جيش جالوت المدرّب على الحروب ﴿قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾ دعوا الله ضارعين إِليه بثلاث دعوات تفيد إِدراك أسباب النصر فقالوا أولاً: ربنا أفضْ علينا صبراً يعمنا في جمعنا وفي خاصة نفوسنا لنقوى على قتال أعدائك ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي ثبتنا في ميدان الحرب ولا تجعل للفرار سبيلاً إِلى قلوبنا وهي الدعوة الثانية ﴿وانصرنا عَلَى القوم الكافرين﴾ أي انصرنا على من كفر بك وكذب رسلك وهم جالوت وجنوده وهي الدعوة الثالثة قال تعالى إِخباراً عنهم ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ الله﴾ أي هزموا جيش جالوت بنصر الله وتأييده إِجابة لدعائهم وانكسر عدوهم رغم كثرته ﴿وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ﴾ أي وقتل داود - وكان في جيش المؤمنين مع طالوت - رأس الطغيان جالوت واندحر جيشه ﴿وَآتَاهُ الله الملك والحكمة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ﴾ أي أعطى الله تعالى داود الملك والنبوّة وعلّمه ما يشاء من العلم النافع الذي أفاضه عليه، قال ابن كثير: كان طالوت قد وعده إِن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته، ويشركه في أمره، فوفى له ثم آل الملك إِلى داود ﵇ مع ما منحه الله به من النبوّة العظيمة ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض﴾ أي لولا أن يدفع الله شرّ الأشرار بجهاد الأخيار لفسدت الحياة، لأنّ الشر إِن غلب كان الخراب والدمار ﴿ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين﴾ أي ذو تفضلٍ وإِنعام على البشر حيث لم يمكّن للشر من الاستعلاء ﴿تِلْكَ آيَاتُ الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق﴾ أي ما قصصنا عليك يا محمد من الأمور الغريبة والقصص العجيبة التي وقعت في بني إِسرائيل هي من آيات الله وأخباره المغيبة التي أوحاها إِليك بالحق بواسطة جبريل الأمين ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ أي وإِنك يا محمد لمن جملة الرسل الذين أرسلهم الله لتبليغ دعوة الله .
البَلاَغَة: ١ - قال أبو حيان: تضمنت الآية الكريمة من ضروب البلاغة وصنوف البيان أموراً كثيرة منها الاستفهام الذي أُجري مجرى التعجب في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين﴾ والحذف بين ﴿مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ أي فماتوا ثم أحياهم، والطباق في قوله: ﴿مُوتُواْ﴾ و ﴿أَحْيَاهُمْ﴾ كذلك في قوله: ﴿يَقْبِضُ﴾ و ﴿وَيَبْسُطُ﴾ والتكرار في قوله: ﴿فَضْلٍ عَلَى الناس﴾ و ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس﴾ والالتفات في ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والتشبيه بدون الأداة في قوله: ﴿قَرْضاً حَسَناً﴾ شبّه قبوله تعالى إِنفاق العبد في سبيله بالقرض الحقيقي فأطلق اسم القرض عليه، والتجنيس المغاير في قوله: ﴿فَيُضَاعِفَهُ﴾ وقوله: ﴿أَضْعَافاً﴾ .
стр. 153
٢ - ﴿أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً﴾ فيه استعارة تمثيلية فقد شبّه حالهم والله تعالى يفيض عليهم بالصبر بحال الماء يصب ويفرغ على الجسم فيعمه كله، ظاهره وباطنه فيلقي في القلب برداً وسلاماً وهدوءاً واطمئناناً.
الفوَائِد: الأولى: أسند الاستقراض إِلى الله في قوله: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله﴾ وهو المنزه عن الحاجات ترغيباً في الصدقة كما أضاف الإِحسان إِلى المريض والجائع والعطشان إِلى نفسه تعالى في قوله جلّ وعلا في الحديث القدسي: «ابن آدم مرضتُ فلم تعدني» و «اسعطعمتك فلم تطعمني» و «استسقيتك فلم تسقني» الحديث الذي رواه الشيخان.
الثانية: روي أنه لمّا نزلت الآية الكريمة «جاء أبو الدحداح الأنصاري إِلى رسول الله ﷺ َ فقال يا رسول الله: وإِنّ الله ليريد منّا القرض؟ قال:» نَعَمْ يَا أَبَا الدَّحْدَاح! «قال: أرني يدك يا رسول الله، فناوله يده قال: فإِين قد أقرضتُ ربي حائطي - أي بستاني وكان فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها - فجاء أبو الدحداح فنادها: يا أُمَّ الدحداح قالت: لبّيك، قال: اخرجي فقد أقرضته ربي » ، وفي رواية قالت: ربح بيعك يا أبا الدحداح وخرجت منه مع عيالها.
الثالثة: قال البقاعي: ولعلّ ختام بني إِسرائيل بهذه القصة لما فيها للنبيّ ﷺ َ من واضح الدلالة على صحة رسالته لأنها مما لا يعلمه إِلا القليل من حذاق علماء بني إِسرائيل.
стр. 154
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة اصطفاء طالوت على بني إِسرائيل، وتفضيل داود عليهم بالملك والنبوّة ثم خاطب رسوله ﷺ َ بأنه من المرسلين، وكان ظاهر اللفظ يقتضي التسوية بين الرسل، ذكر في هذه الآية أنّ المرسلين ليسوا في درجة واحدة بل بعضهم أفضل من بعض كما يكون التفاضل بين البشر.
اللغَة: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ جمع درجة وهي المنزلة الرفيعة السامية. ﴿البينات﴾ المعجزات. ﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ قويناه من التأييد بمعنى التقوية. ﴿رُوحِ القدس﴾ القدس: الطهارة وروح القدس جبريل عليه السلام
стр. 155
وقد تقدم. ﴿خُلَّةٌ﴾ الخُلَّة: الصداقة والمودة سميت بذلك لأنها تتخلل الأعضاء أي تدخل خلالها ومنه الخليل. ﴿شَفَاعَةٌ﴾ مأخوذة من الشفع بمعنى الضم، والشفاعة الانضمام إِلى آخر ناصراً له وسائلاً عونه.
التفسِير: ﴿تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ أي أولئك الرسل الكرام الذين قصصنا عليك من أنبائهم يا محمد هم رسل الله حقاً، وقد فضّلنا بعضهم على بعض في الرفعة والمنزلة والمراتب العالية ﴿مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله﴾ أي منهم من خصّه الله بالتكليم بلا واسطة كموسى ﵇ ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ أي ومنهم من خصّه اله بالمرتبة الرفيعة السامية كخاتم المرسلين محمد ﷺ َ فهو سيد الأولين والآخرين في الدنيا والآخرة، وكأبي الأنبياء إِبراهيم الخليل ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات﴾ أي ومنهم من أعطاه الله العجزات الباهرات كإِحياء الموتى وإِبراء الأكمة والأبرص والإِخبار عن المغيبات ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس﴾ أي قويناه بجبريل الأمين وهو عيسى ابن مريم ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات﴾ أي لو أراد الله ما اقتتل الأمم الذين جاؤوا بعد الرسل من بعد الحجج الباهرة والبراهين الساطعة التي جاءتهم بها رسلهم، فلو شاء الله ما تنازعوا ولا اختلفوا ولا تقاتلوا، ولجعلهم متفقين على اتباع الرسل كما أنّ الرسل متفقون على كلمة الحق ﴿ولكن اختلفوا فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ﴾ أي ولكنَّ الله لم يشأ هدايتهم بسبب اختلافهم في الدين وتشعب مذاهبهم وأهوائهم، فمنهم من ثبت على الإِيمان ومنهم من حاد وكفر ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ أي لو شاء الله لجعل البشر على طبيعة الملائكة لا يتنازعون ولا يقتتلون ولكنّ الله حكيم يفعل ما فيه المصلحة، وكلُّ ذلك عن قضاء الله وقدره فهو الفعال لما يريد ﴿ياأيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاكُم﴾ أي أنفقوا في سبيل الله من مال الله الذي منحكم إِيّأه، ادفعوا الزكاة وأنفقوا في وجوه الخير والبر والصالحات ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ﴾ أي من قبل مجيء ذلك اليوم الرهيب الذي لا تستطيعون أن تقتدوا نفوسكم بمالٍ تقدمونه فيكون كالبيع، ولا تجدون صديقاً يدفع عنكم العذاب، ولا شفيعاً يشفع لكم ليحط عنكم من سيئاتكم إِلا أن يأذن الله ربّ العالمين ﴿والكافرون هُمُ الظالمون﴾ أي لا أحد أظلم ممن وافى الله يومئذٍ كافراً، والكافر بالله هو الظالم المعتدي الذي يستحق العقاب.
البَلاَغة: ﴿تِلْكَ الرسل﴾ الإِشارة بالعبيد لبعد مرتبتهم في الكمال.
٢ - ﴿مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله ... ﴾ الآية تفصيلٌ لذلك التفضيل ويسمى هذا في البلاغة: التقسيم وكذلك فيب قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ﴾ وبين لفظ «آمن» و «كفر» طباقٌ.
٣ - الإِطناب وذلك في قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا﴾ حيث كرر جملة ﴿وَلَوْ شَآءَ الله﴾ .
٤ - ﴿والكافرون هُمُ الظالمون﴾ قصر صفة على الموصوف، وقد أكدت بالجملة الاسمية وبضمير الفصل.
فَائِدَة: روي عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال: ﴿والكافرون هُمُ الظالمون﴾ ولم
стр. 156
يقل: «والظالمون هم الكافرون» ومراده أنه لو نزل هكذا لكان قد حكم على كل ظالم بالكفر فلم يخلص منه إِلا من عمصه الله.
تنبيه: يحتمل أن يراد بالكفر المعنى الحقيقي أو المجازي فيكون المراد بالكافر تارك الزكاة كما ذهب إِليه الزمخشري حيث قال: أراد والتاركون للزكاة هم الظالمون، وإِيثاره عليه للتغليظ والتهديد كما في آية الحج ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ [البقرة: ١٢٦] مكان «ومن لم يحج» ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكاة﴾ [فصلت: ٦ - ٧] .
стр. 157
المنَاسَبة: لّما ذكر تعالى تفضيل بعض الأنبياء على بعض، وبيّن أن الخلائق قد اختلفوا من بعدهم وتنازعوا وتقاتلوا بسبب الدين، ذكر أن هذا التفضيل بين الأنبياء لا يستدعي الصراع بين الأتباع ولا الخصام والنزاع، فالرسل صلوات الله عليهم وإِن كانوا متفاوتين في الفضل إِلا أنهم جميعاً جاءوا بدعوةٍ واحدة هي «دعوة التوحيد» فرسالتهم واحدة ودينهم واحد، وأنه لا إِكراه في الدين فقد سطع نور الحق وأشرق ضياؤه.
اللغَة: ﴿الحي﴾ ذو الحياة الكاملة ومعناه الباقي الدائم الذي لا سبيل للفناء عليه ﴿القيوم﴾ القائم بتدبير الخلق ﴿سِنَةٌ﴾ بكسر السين النعاس وهو ما يسبق النوم من فتور قال الشاعر:
وسنان أقصده النعاس فرنَّقت ... في عينه سِنةٌ وليس بنائم
﴿يَؤُودُهُ﴾ يثقله ويتعبه ﴿العلي﴾ المراد علو المنزلة والشأن الذي تعالى في جلاله وعظم في سلطانه ﴿إِكْرَاهَ﴾ الإِكراه: حمل الشخص على ما يكره بطريق القسر والجبر ﴿الطاغوت﴾ من الطغيان وهو كل ما يطغي الإِنسان ويضله عن طريق الحق والهدى ﴿الوثقى﴾ مؤنث الأوثق وهو الشيء المحكم الموثق ﴿انفصام﴾ الانقصام: الانكسار قال الفراء: الانفصام لغتان وبالفاء أفصح وقال بعضهم: الفصم انكسار بغير بينونة والقصم انكسار ببينونة.
سَبَبُ النّزول: كان لرجلٍ من الأنصار ابنان تنصّرا قبل بعثة النبي ﷺ َ ثم قدما المدينة في نفرٍ من التجار يحملون الزيت، فلزمهما أبوهما وقال: لا أدعكما حتى تسلما فنزلت ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين
стр. 158
قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي﴾ . الآية.
التفسير: ﴿الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم﴾ أي هو الله ﷻ الواحد الأحد الفرد الصمد، ذو الحياة الكاملة، الباقي الدائم الذي لا يموت، القائم على تدبير شئون الخلق بالرعاية والحفظ والتدبير ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ أي لا يأخذه نعاسٌ ولا نوم كما ورد في الحديث «إنَّ الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه» ، ﴿لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي جميع ما في السماوات والأرض ملكه وعبيده وتحت قهره وسلطانه ﴿مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ أي لا أحد يستطيع أن يشفع لأحد إِلا إِذا أذن له الله تعالى قال ابن كثير: وهذا بيان لعظمته وجلاله وكبريائه بحيث لا يتجاسر أحد على الشفاعة إِلا بإذن المولى ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي يعلم ما هو حاضر مشاهد لهم وهو الدنيا وما خلفهم أي أمامهم وهو الآخرة فقد أحاط علمه بالكائنات والعوالم ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾ أي لا يعلمون شيئاً من معلوماته إِلا بما أعلمهم إِيّاه على ألسنة الرسل ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض﴾ أي أحاط كرسيّه بالسماوات والأرض لبسطته وسعته، والسماواتُ السبع والأرضون بالنسبة للكرسي كحلقةٍ ملقاةٍ في فلاة، وروي عن ابن عباس ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ قال: علمه بدلالة قوله تعالى
﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر: ٧] فأخبر أن علمه وسع كل شيء وقال الحسن البصري: الكرسي هو العرش قال ابن كثير: والصحيح أن الكرسي غير العرش وأن العرش أكبر منه كما دلت على ذلك الآثار والأخبار ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العلي العظيم﴾ أي لا يثقله ولا يعجزه حفظ السماوات والأرض ومن فيهما وهو العلي فوق خلقه ذو العظمة والجلال كقوله ﴿الكبير المتعال﴾ [الرعد: ٩] ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي﴾ أي لا إِجبار ولا إِكراه لأحد على الدخول في دين الإِسلام، فقد بان ووضح الحق من الباطل والهدى من الضلال ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى﴾ أي من كفر بما يعبد من غير الله كالشيطان والأوثان وآمن بالله تمسك من الدين بأقوى سبب ﴿لاَ انفصام لَهَا﴾ أي لا انقطاع لها ولا زوال ﴿والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي سميع لأقوال عباده عليم بأفعالهم ﴿الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ أي الله ناصر المؤمنين وحافظهم ومتولي أمورهم، يخرجهم من ظلمات الكفر والضلالة إِلى نور الإِيمان والهداية ﴿والذين كفروا أَوْلِيَآؤُهُمُ الطاغوت يُخْرِجُونَهُمْ مِّنَ النور إِلَى الظلمات﴾ أي وأما الكافرون فأولياؤهم الشياطين يخرجونهم من نور الإِيمان إِلى ظلمات الشك والضلال ﴿أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي ماكثون في نار جهنم لا يخرجون منها أبداً.
البَلاَغَة: ١ - في آية الكرسي أنواعٌ من الفصاحة وعلم البيان منها حسنُ الافتتاح لأنها افتتحت بأجل أسماء اللله تعالى، وتكرار اسمه ظاهراً ومضمراً في ثمانية عشر موضعاً، والإِطناب بتكرير
стр. 159
الصفات، وقطعُ الجمل حيث لم يصلها بحرف العطف، والطباقُ في ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أفاده صاحب البحر المحيط.
٢ - ﴿استمسك بالعروة الوثقى﴾ استعارة تمثيلية حيث شبه المستمسك بدين الإِسلام بالمستمسك بالحبل المحكم، وعدم الانفصام ترشيح.
٣ - ﴿مِّنَ الظلمات إِلَى النور﴾ استعارة تصريحية حيث شبه الكفر بالظلمات والإِيمان بالنور قال في تلخيص البيان: وذلك من أحسن التشبيهات لأن الكفر كالظلمة التي يتسكع فيها الخابط ويضل القاصد، والإِيمان كالنور الذي يؤمه الجائر ويهتدي به الحائر، وعاقبة الإِيمان مضيئة بالنعيم والثواب، وعاقبة الكفر مظلمة بالجحيم والعذاب.
الفَائِدَة: أفرد النور وجمع الظلمات لأن الحق واحد لا يتعدد وأما طرق الضلال فكثيرة ومتشعبة.
تنبيه: آية الكرسي لها شأن عظيم وقد صحّ الحديث عن رسول الله ﷺ َ بأنها أفضل آية في كتاب الله وفيها اسم الله الأعظم كما جاء في الحديث الشريف: «اسم الله الأعظم الذي إِذا دُعى به أجاب في ثلاث: سورة البقرة وآل عمران وطه» وقال هشام: أما البقرة فقوله ﴿الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم﴾ وفي آل عمران: ﴿الم الله لا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم﴾ [الآيات: ١ - ٢] وفي طه ﴿وَعَنَتِ الوجوه لِلْحَيِّ القيوم﴾ [الآية: ١١١] قال ابن كثير: وقد اشتملت على عشر جملٍ مستقلة، متعلقة بالذات الإِلهية وفيها تمجيد الواحد الأحد.
стр. 160
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى الإِيمان بالله وصفاته القدسية العلية، وذكر ولايته للمؤمنين وولاية الطاغوت للكافرين، ذكر هنا نموذجاً عن تحكم الطغيان في نفوس الكفرة المعاندين ومجادلتهم في وحدانية الله، فذكر هاهنا قصصاً ثلاثة: الأولى في بيان إِثبات الخالق الحكيم والثانية والثالثة في إِثبات الحشر، والبعث بعد الفناء.
اللغَة: ﴿حَآجَّ﴾ المحاجّة: المغالبة يقال: حججته فحججته، وحاجّه أي بادله الحجة ﴿فَبُهِتَ﴾ انقطع وسكت متحيراً قال العذري:
فما هو إِلا أن أَراها فَجاءةً ... فأبهتُ حتى ما أكاد أجيب
﴿خَاوِيَةٌ﴾ ساقطة ﴿عُرُوشِهَا﴾ العرش: سقف البيت، وكلُّ ما يهيأ ليُظلَّ أو يُكنَّ فهو عريش ﴿يَتَسَنَّهْ﴾ يتغيّر ويتبدّل من تسنَّهت النخلة إِذا أتت عليها السنون وغيَّرتها ﴿نُنْشِزُهَا﴾ نركّب بعضها فوق بعض من النشاز وهو الرفع يقال لما ارتفع من الأرض نشز ومنه نشوز المرأة ﴿فَصُرْهُنَّ﴾ ضمهنَّ إِليك ثم اقطعهنَّ من صار الشيء يصوره إِذا قطعه.
التفِسير: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ تعجيب للسامع من أمر هذا الكافر، المجادل في قدرة الله أي ألم ينته علمك إِلى ذلك المارد وهو «النمر وذو بن كنعان» الذي دادل إِبراهيم في وجود الله؟ ﴿أَنْ آتَاهُ الله الملك﴾ أي لأن آتاه الله الملك حيث حمله بطره بنعم الله على إِنكار وجود الله، فقابل الجود والإِحسان بالكفر والطغيان ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي حين قال له إِبراهيم مستدلاً على وجود الله إِن ربي هو الذي يخلق الحياة والموت في الأجساد فهو وحده ربُّ العالمين ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ أي قال ذلك الطاغية وأنا أيضاً أحيي وأميت، روي أنه دعا برجلين حكم عليهما بالإِعدام فأمر بقتل أحدهما فقال: هذا قتلتُه، وأمر بإِطلاق الآخر وقال: هذا أحييتُه، ولما رأى الخليل حماقته ومشاغبته في الدليل عدل إِلى دليل آخر أجدى وأروع وأشد إِفحاماً ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب﴾ أي إِذا كنت تدعي الألوهية وأنك تحيي وتميت كما يفعل رب العالمين ﷻ فهذه الشمس تطلع كل يوم من المشرق بأمر الله ومشيئته فأطلعها من المغرب بقدرتك وسلطانك ولو مرة واحدة ﴿فَبُهِتَ الذي كَفَرَ﴾ أي أُخرس ذلك الفاجر بالحجة القاطعة، وأصبح مبهوتاً دهشاً لا يستطيع الجواب ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الظالمين﴾ أي لا يلهمهم الحجة والبيان في مقام المناظرة والبرهان بخلاف أوليائه المتقين ﴿أَوْ كالذي مَرَّ على قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾ وهذه هي القصة الثانية وهي مثل لمن أراد الله هدايته والمعنى ألم ينته إلى علمك كذلك مثل الذي مرَّ على قرية وقد سقطت جدرانها على سقوفها وهي قرية بيت المقدس لما خرَّ بها بختنصر ﴿قَالَ أنى يُحْيِي هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي قال ذلك الرجل الصالح واسمه «عزير» على الرأي الأشهر: كيف يحيي الله هذه البلدة بعد حرابها ودمارها؟ قال ذلك استعظاماً لقدرة الله تعالى وتعجباً من حال تلك المدينة وما هي عليه من الخراب والدمار، وكان راكباً على حماره حينما مرَّ عليها ﴿فَأَمَاتَهُ الله مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ﴾ أي أمات الله ذلك السائل واستمر ميتاً مائة سنة ثم أحياه الله ليريه كمال قدرته ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ أي قال له ربه بواسطة الملك كم مكثت في هذه الحال؟ قال يوماً ثم نظر حوله فرأى الشمس باقية لم تغب فقال: أو
стр. 161
بعض يوم أي أقل من يوم فخاطبه ربه بقوله ﴿قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ﴾ أي بل مكثت ميتاً مائة سنة كاملة ﴿فانظر إلى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ أي إن شككت فانظر إلى طعامك لم يتغير بمرور الزمان، وكان معه عنب وتينٌ وعصير فوجدها على حالها لم تفسد ﴿وانظر إلى حِمَارِكَ﴾ أي كيف تفرقت عظامه ونخرت وصار هيكلاً من البلي ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ أي فعلنا ما فعلنا لتدرك قدرة الله سبحانه ولنجعلك معجزة ظاهرة تدل على كمال قدرتنا ﴿وانظر إِلَى العظام كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً﴾ أي تأمل في عظام حمارك النخرة كيف نركّب بعضها فوق بعض وأنت تنظر ثم نكسوها لحماً بقدرتنا ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي فلما رأى الآيات الباهرات قال أيقنت وعلمت علم المشاهدة أن الله على كل شيء قدير ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾ وهذه هي القصة الثالثة وفيها الدليل الحسي على الإعادة بعد الفناء والمعنى: اذكر حين طلب إِبراهيم من ربه أن يريه كيف يحيى الموتى، سأل الخليل عن الكيفية مع إِيمانه الجازم بالقدرة الربانية، فكان يريد أن يعلم بالعيان ما كان يوقن به بالوجدان، ولهذا خاطبه ربه بقوله ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي أولم تصدِّق بقدرتي على الإِحياء؟ قال بلى آمنت ولكن أردت أن أزداد بصيرةً وسكون قلب برؤية ذلك ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطير فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ أي أخذ أربعة طيور فضمهنَّ إِليك ثم اقطعهن ثم اخلط بعضهن ببعض حتى يصبحن كتلة واحدة ﴿ثُمَّ اجعل على كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا﴾ أي فرِّق أجزاءهن على رءوس الجبال ﴿ثُمَّ ادعهن يَأْتِينَكَ سَعْياً﴾ أي نادهنَّ يأتينك مسرعات قال مجاهد: كانت طاووساً وغراباً وحمامه وديكاً فذبحهن ثم فعل بهن ما فعل ثم دعاهن فأتين مسرعات ﴿واعلم أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي لا يعجز عما يريده حكيم في تدبيره وصنعه.
قال المفسرون: ذبحهن ثم قطعهن ثم خلط بعضهن ببعض حتى اختلط ريشها ودماؤها ولحومها ثم أمسك برءوسها عنده وجزأها أجزاءً على الجبال ثم دعاهن كما أمره تعالى فجعل ينظر إلى الريش يطير إلى الريش، والدم إلى الدم، واللحم إلى اللحم حتى عادت طيراً كما كانت وأتينه يمشين سعياً ليكون أبلغ له في الرؤية لما سأل.
ذكره ابن كثير.
البَلاَغَة: ١ - ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الرؤية قلبية والاستفهام للتعجيب.
٢ - ﴿يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ التعبير بالمضارع يفيد التجدد والاستمرار، والصيغة تفيد القصر ﴿رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ لأن المبتدأ والخبر وردا معرفتين والمعنى أنه وحده سبحانه هو الذي يحيي ويميت، وبين كلمتي «يحيي» و «يميت» طباقٌ وهو من المحسنات البديعية وكذلك بين لفظ «المشرق» و «المغرب» .
٣ - ﴿فَبُهِتَ الذي كَفَرَ﴾ التعبير بالنص السامي يشعر بالعلة وأن سبب الحيرة هو كفره ولو قال فبهت الكافرُ لما أفاد ذلك المعنى الدقيق.
٤ - ﴿أنى يُحْيِي هذه الله بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ موت القرية هو موتُ السكان فهو من قبيل إِطلاق المحل وإِرادة الحال ويسمى المجاز المرسل.
٥ - ﴿ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً﴾ نسترها به كما يستر باللباس قال أبو حيان: الكسوةُ حقيقةً هي
стр. 162
ما وراء الجسد من الثياب واستعارها هنا لما أنشأ من اللحم الذي غطّى العظم وهي استعارة في غاية الحسن.
الفوَائِد: الأولى: قال مجاهد: ملك الدنيا مشارقها ومغاربها أربعة: مؤمنان، وكافران فالمؤمنان «سليمان بن داود» و «ذو القرنين» والكافران «النمرود» و «بختنصّر» الذي خرّب بيت المقدس.
الثانية: لما رأى الخليل تجاهل الطاغية معنى الحياة والموت وسلوكه مسلك التلبيس والتمويه على الرعاع، وكان بطلان جوابه من الجلاء بحيث لا يخفى على أحد، انتقل إِبراهيم إِلى حجة أخرى لا تجري فيها المغالطة ولا يتيسر للطاغية أن يخرج عنها بمكابرة أو مشاغبة فقال ﴿إِنَّ الله يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب﴾ فلوى خليل الله عنقه حتى أراه عجزه وأخرس لسانه.
الثالثة: سؤال الخليل ربه بقوله ﴿كَيْفَ تُحْيِي الموتى﴾ ليس في شك في قدرة الله ولكنه سؤال عن كيفية الإِحياء ويدل عليه وروده بصيغة ﴿كَيْفَ﴾ وموضوعها السؤال عن الحال ويؤيد المعنى قول النبي ﷺ َ «نحن أحق بالشك من إبراهيم» ومعناه: ونحن لم نشك فلأن لا يشك إِبراهيم أحرى وأولى.
стр. 163
المنَاسَبَة: لّما ذكر تعالى في الآيات السابقة أن الناس فريقان: أولياء الله وهم المؤمنون، وأولياء الطاغوت وهم الكافرون ثم أعقبه بذكر نموذج للإِيمان ونموذج للطغيان، ذكر هنا ما يرغّب في الإِنفاق في سبيل الله وخاصة في أمر الجهاد لأعداء الله، لأن الجهاد في سبيل الحق ميادين ثلاثة: أولها الإِقناع بالحجة والبرهان وثانيها الجهاد بالنفس وثالثها الجهاد بالمال، فلما ذكر فيما سبق جهاد الدعوة وجهاد النفس شرع الآن في ذكر الجهاد بالمال.
اللغَة: ﴿المن﴾ أن يعتد بإِحسانه على من أحسن إِليه، وأن يذكّره النعمة على سبيل التطاول والتفضل قال الشاعر:
أفسدتَ بالمنِّ ما أسديتَ من حَسَن ... ليس الكريمُ إِذا أسدى بمنّان
﴿رِئَآءَ الناس﴾ لا يريد بإِنفاقه رضى الله وإنما يريد ثناء الناس وأصله من الرؤية وهو أن يرى الناسَ ما يفعله حتى يثنوا عليه ويعظموه ﴿صَفْوَانٍ﴾ الصفوان: الحجر الأملس الكبير قال الأخفش: وهو جمع واحده صفوانه وقيل: هو اسم جنس كالحجر ﴿وَابِلٌ﴾ الوابل: المطر الشديد ﴿صَلْداً﴾ الصَّلْد: الأملس من الحجارة وهو كل ما لا ينبت شيئاً ومنه جبينٌ أصلد ﴿بِرَبْوَةٍ﴾ الربوة: المكان المرتفع من الأرض يقال: ربوة ورابية وأصله من ربا الشيء إِذا زاد وارتفع ﴿طَلٌّ﴾ الطلُّ: المطر الخفيف الذي تكون قطراته صغيرة وقال قوم منهم مجاهد: الطلُّ الندى ﴿إِعْصَارٌ﴾ الإِعصار: الريح الشديدة التي تهبُّ من الأرض وترتفع إِلى السماء كالعمود ويقال لها: الزوبعة ﴿تَيَمَّمُواْ﴾ تقصدوا ﴿تُغْمِضُواْ﴾ من أغمض الرجل في أمر كذا إِذا تساهل فيه وهذا كالإِغضاء عند المكروه.
سَبَبُ النّزول: نزلت في عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف في غزوة تبوك، حيث جهزّ عثمان ألف بعير بأحلاسها وأقتابها ووضع بين يدي رسول الله ﷺ َ ألف دينار، فصار رسول الله ﷺ َ يقلّبها ويقول: ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم، وأتى عبد الرحمن بن عوف النبي ﷺ َ بأربعة آلاف درهم فقال يا رسول الله: كان عندي ثمانية آلاف درهم فأمسكت منها لنفسي ولعيالي أربعة آلاف وأربعة آلاف أقرضتُها ربي، فقال له رسول الله ﷺ َ: «بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت» ، فنزلت فيهما الآية ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ... ﴾ الآية.
التفسير: ﴿مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ قال ابن كثير: هذا مثلٌ ضربه الله تعالى لتضعيف الثواب لمن أنفق في سبيله وابتغاء مرضاته وأن الحسنة تضاعف بعشر أمثالها إِلى سبعمائة ضعف أي مثل نفقتهم كمثل حبة زُرعت فأنبتت سبع سنابل ﴿فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ﴾ أي كل سنبلةٍ منها تحتوي على مائة حبة فتكون الحبة قد أغلَّتْ سبعمائة حبة، وهذا تمثيل لمضاعفة الأجر لمن أخلص في صدقته ولهذا قال تعالى ﴿والله يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ أي
стр. 164
يضاعف الأجر لمن أراد على حسب حال المنفق من إِخلاصه وابتغائه بنفقته وجه الله ﴿والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي واسع الفضل عليم بنيَّة المنفق ﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَآ أَنْفَقُواُ مَنّاً وَلاَ أَذًى﴾ أي لا يقصدون بإنفقاقهم إلا وجه الله، ولا يعقبون ما أنفقوا من الخيرات والصدقات بالمنِّ على من أحسنوا إِليه كقوله قد أحسنتُ إليك وجبرتُ حالك، ولا بالأذى كذكره لغيره فيؤذيه بذلك ﴿لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي لهم ثواب ما قدموا من الطاعة عند الله ﴿وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي لا يعتريهم فزعٌ يوم القيامة ولا هم يحزنون على فائتٍ زهرة الدنيا ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَآ أَذًى﴾ أي ردُّ السائل بالتي هي أحسن والصفحُ عن إِلحاحه، خيرٌ عند الله وأفضل من إِعطائه ثم إيذائه أو تعييره بذلّ السؤال ﴿والله غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ أي مستغنٍ عن الخلق حليم لا يعاجل العقوبة لمن خالف أمره.
. ثم أخبر تعالى عما يبطل الصدقة ويضيع ثوابها فقال ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بالمن والأذى﴾ أي لا تحبطوا أجرها بالمنِّ والأذى ﴿كالذي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ الناس﴾ أي كالمرائي الذي يبطل إِنفاقه بالرياء ﴿وَلاَ يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخر﴾ أي لا يصدّق بلقاء الله ليرجو ثواباً أو يخشى عقاباً ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ أي مثل ذلك المرائي بإِنفاقه كمثل الحجر الأملس الذي عليه شيء من التراب يظنه الظانُّ أرضاً طيبةً منبتةً ﴿فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً﴾ أي فإِذا أصابه مطر شديد أذهب عنه التراب فيبقى صلداً أملس ليس عليه شيء من الغبار أصلاً كذلك هذا المنافق يظن أن له أعمالاً صالحة فإِذا كان يوم القيامة اضمحلت وذهبت ولهذا قال تعالى ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ على شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ﴾ أي لا يجدون له ثواباً في الآخرة فلا ينتفع بشيءٍ منها أصلاً ﴿والله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ أي لا يهديهم إِلى طريق الخير والرشاد. . ثم ضرب تعالى مثلاً آخر للمؤمن المنفق ماله ابتغاء مرضاة الله فقال ﴿وَمَثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابتغآء مَرْضَاتِ الله وَتَثْبِيتاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي ينفقونها طلباً لمرضاته وتصديقاً بلقائه تحقيقاً للثواب عليه ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ أي كمثل بستان كثير الشجر بمكانٍ مرتفع من الأرض، وخُصَّت بالربوة لحسن شجرها وزكاء ثمرها ﴿أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ﴾ أي أصابها مطر غزير فأخرجت ثمارها جنيَّة مضاعفة، ضعفي ثمر غيرها من الأرض ﴿فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ أي فإِن لم ينزل عليها المطر الغزير فيكفيها المطر الخفيف أو يكفيها الندى لجودتها وكرم منبتها ولطافة هوائها فهي تنتج على كل حال ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ أي لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ أي أيحب أحدكم أن تكون له حديقة غناء فيها من أنواع النخيل والأعناب والثمار الشيء الكثير ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي تمر الأنهار من تحت أشجارها ﴿لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثمرات﴾ أي ينبت له فيها جميع الثمار ومن كل زوج بهيج ﴿وَأَصَابَهُ الكبر وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَآءُ﴾ أي أصابته الشيخوخة فضعف عن الكسب وله أولاد صغار لا يقدرون على الكسب ﴿فَأَصَابَهَآ إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فاحترقت﴾ أي أصاب تلك الحديقة رريح عاصفة شديدة معها نار فأحرقت الثمار والأشجار أحوج ما يكون الإِنسان إِليها ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ أي مثل هذا البيان الواضح في هذا المثل الرائع المحكم يبيّن الله لكم آياته في كتابه الحكيم لكي تتفكروا وتتدبروا بما فيها من العبر والعظات ﴿ياأيها الذين آمنوا أَنْفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أي أنفقوا من الحلال الطيب من المال الذي كسبتموه ﴿وَمِمَّآ
стр. 165
أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض﴾ أي ومن طيبات ما أخرجنا لكم من الحبوب والثمار ﴿وَلاَ تَيَمَّمُواْ الخبيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ أي ولا تقصدوا الرديء الخسيس فتتصدقوا منه ﴿وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ أي لستم تقبلونه لو أعطيتموه إِلا إِذا تساهلتم وأغمضتم البصر فكيف تؤدون منه حق الله!! ﴿واعلموا أَنَّ الله غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي أنه سبحانه غني عن نفقاتكم حميد يجازي المحسن أفضل الجزاء.
. ثم حذّر تعالى من وسوسة الشيطان فقال ﴿الشيطان يَعِدُكُمُ الفقر وَيَأْمُرُكُم بالفحشآء﴾ أي الشيطان يخوفكم من الفقر إِن تصدقتم ويغريكم بالبخل ومنع الزكاة ﴿والله يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً﴾ أي وهو سبحانه يعدكم على إِنفاقكم في سبيله مغفرةً للذنوب وخلفاً لما أنفقتموه زائداً عن الأصل ﴿والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي واسع الفضل والعطاء عليم بمن يستحق الثناء ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَآءُ﴾ أي يعطي العلم النافع المؤدي إِلى العمل الصالح من شاء من عباده ﴿وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾ أي من أعطي الحكمة فقد أعطي الخير الكثير لمصير صاحبها إلى السعادة الأبدية ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي ما يتعظ بأمثال القرآن وحكمة إِلا أصحاب العقول النيرة الخالصة من الهوى.
البَلاَغَة: ١ - ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ شبّه سبحانه الصدقة التي تُنفق في سبيله بحبة زرعت وباركها المولى فأصبحت سبعمائة حبة، ففيه تشبيه «مرسل مجمل» لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه قال أبو حيان: وهذا التمثيل تصوير للأضعاف كأنها ماثلة بين عيني الناظر.
٢ - ﴿أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ إِسناد الإِنبات إِلى الحبة إِسنادٌ مجازي ويسمى «المجاز العقلي» لأن المنبت في الحقيقة هو الله تعالى.
٣ - ﴿مَنّاً وَلاَ أَذًى﴾ من باب ذكر العام بعد الخاص لإِفادة الشمول لأن الأذى يشمل المنَّ.
٤ - ﴿كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ فيه تشبيه يسمى «تشبيهاً تمثيلياً» لأن وجه الشبه منتزع من متعدد وكذلك يوجد تشبيه تمثيلي في قوله ﴿كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ .
٥ - ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ... ﴾ الآية، لم يذكر المشبه ولا أداة التشبيه وهذا النوع يسميه علماء البلاغة «استعارة تمثيلية» وهي تشبيه بحال لم يذكر فيه سوى المشبّه به فقط وقامت قرائن تدل على إِرادة التشبيه، والهمزة للاستفهام والمعنى على التبعيد والني أي ما يود أحدٌ ذلك.
٦ - ﴿تُغْمِضُواْ فِيهِ﴾ المراد به هنا التجاوز والمساهلة لأن الإِنسان إِذا رأى ما يكره أغمض عينيه لئلا يرى ذلك ففي الكلام مجاز مرسل أو استعارة.
الفوَائِد: الأولى قال الزمخشري: المنُّ أن يعتد على من أحسن إِليه بإِحسانه، وفي نوابغ الكلم «صنوان من منح سائلة ومنَّ، ومن منع نائله وضنّ» و «طعم الآلاء أحلى من المنّ وهي أمرُّ من الألاء مع المنِّ» وقال الشاعر:
وإِن امرءً أسدى إِليَّ صنيعةً ... وذكّر فيها مرةً للئيم
стр. 166
الثانية: المطر أوله رشٌ ثم طشٌ ثم طل نم نضحٌ ثم هطلٌ ثم وبلٌ والمطر الوابل الشديد الغزير.
الثالثة: قال عمر بن الخطاب يوماً لأصحاب النبي ﷺ َ «فيمن ترون هذه الآية نزلت ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ قالوا: الله أعلم فغضب عمر فقال: قولوا نعلم أو لا نعلم فقال ابن عباس: في نفسي منها شيء يا أمير المؤمنين، فقال عمر: يا ابن أخي قل ولا تحقر نفسك، فقال ابن عباس ضربت مثلاً بعمل لرجلٍ غني يعمل بطاعة الله ثم بعث له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أغرق أعماله» أخرجه البخاري.
الرابعة: قال الحسن البصري: هذا مثل قلَّ والله من يعقله: شيخ كبير، ضعف جسمه، وكثر صبيانه أفقر ما كان إِلى جنته فجاءها الإِعصار فأحرقها، وإِن أحدكم والله أفقر ما يكون إِلى عمله إذا انقطعت عنه الدنيا.
стр. 167
المنَاسَبَة: لا تزال الآيات تتحدث عن الإِنفاق في وجوه البر والخير، وأعلاها الجهاد في سبيل الله والإِنفاق لإعلاء كلمته، وترغّب في إِخفاء الصدقات لأنها أبعد عن الرياء، فوجه المناسبة ظاهر.
اللغَة: ﴿فَنِعِمَّا﴾ أصلها «نعم ما» أدغمت الميان فصارت نعمّا قال الزجاج: أي نعم الشيء هو ﴿أُحصِرُواْ﴾ الحصر: الحبس أي حبسوا أنفسهم على الجهاد وقد تقدم معنى الحصر ﴿التعفف﴾ من العفة يقال: عفّ عن الشيء أمسك عنه وتنزّه عن طلبه والمراد التعفف عن السؤال ﴿بِسِيمَاهُمْ﴾ السِّيما: العلامة التي يعرف بها الشيء ويقال: سيمياء كالكيمياء وأصلها من السّمة بمعنى العلامة قال تعالى ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السجود﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿إِلْحَافاً﴾ الإِلحاف: الإِلحاح في السؤال يقال: ألحف: إِذا ألحَّ ولجًّ في السؤال والطلب.
стр. 168
سَبَبُ النّزول: عن سعيد بن جبير أن المسلمين كانوا يتصدقون على فقراء أهل الذمة فلما كثر فقراء المسلمين قال رسول الله ﷺ َ «لا تتصدقوا إِلا على أهل دينكم» فنزلت هذه الآية ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾ مبيحةً للصدقة على من ليس من دين الإِسلام.
التفِسير: ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ الله يَعْلَمُهُ﴾ أي ما بذلتم أيها المؤمنون من مال أو نذرتم من شيء في سبيل الله فإِن الله يعلمه ويجازيكم عليه ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ أي وليس لمن منع الزكاة أو صرف المال في معاصي الله، من معين أو نصير ينصرهم من عذاب الله ﴿إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي إِن تظهروا صدقاتكم فنعم هذا الشيء الذي تفعلونه ﴿وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقرآء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي وإِن تخفوها وتدفعوها للفقراء فهو أفضل لكم لأن ذلك أبعد عن الرياء ﴿وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ﴾ أي يزيل بجميل أعمالكم سيء آثامكم ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي هو سبحانه مطلع على أعمالكم يعلم خفاياكم، والآية ترغيب في الإِسرار ﴿لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ولكن الله يَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ أي ليس عليك يا محمد أن تهدي الناس فإِنك لست بمؤاخذ بجزيرة من لم يهتد، إِنما أنت ملزم بتبليغهم فحسب، والله يهدي من شاء من عباده إِلى الإِسلام ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ﴾ أي أيّ شيء تنفقونه من المال فهو لأنفسكم لا ينتفع به غيركم لأن ثوابه لكم ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابتغآء وَجْهِ الله﴾ خيرٌ بمعنى النهي أي لا تجعلوا إِنفاقكم إِلا لوجه الله لا لغرضٍ دنيوي ﴿وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ أي فإِن أجره وثوابه أضعافاً مضاعفة تنالونه أنتم ولا تنقصون شيئاص من حسناتكم ﴿لِلْفُقَرَآءِ الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ اي اجعلوا ما تنفقونه للفقراء الذين حبسوا أنفسهم للجهاد والغزو في سبيل الله ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأرض﴾ أي لا يستطيعون بسبب الجهاد السفر في الأرض للتجارة والكسب ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهل أَغْنِيَآءَ مِنَ التعفف﴾ أي يظنهم الذي لا يعرف حالهم أغنياء موسرين من شدة تعففهم ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ الناس إِلْحَافاً﴾ أي تعرف حالهم أيها المخاطب بعلامتهم من التواضع وأثر الجهد، وهم مع ذلك لا يسألونك الناس شيئاً أصلاً فلا يقع منهم إِلحاح وقيل معناه: إِن سألوا سألوا بلطفٍ ولم يلحّوا ﴿وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي ما أنفقتموه في وجوه الخير فإِن الله يجازيكم عليه أحسن الجزاء ﴿الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾ أي الذين ينفقون في سبيل الله ابتغاء مرضاته، في جميع الأوقات، من ليل أو نهار، وفي جميع الأحوال من سر وجهر ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي لهم ثواب ما أنفقوا ولا خوف عليهم يوم القيامة ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا.
البَلاَغَة: ١ - ﴿وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن نَّفَقَةٍ﴾ بين أنفقتم ونفقة جناس الاشتقاق وكذلك بين نذرتم ونذر.
٢ - ﴿إِن تُبْدُواْ الصدقات﴾ في الإِبداء والإِخفاء طباقٌ لفظي، وكذلك بين لفظ «الليل والنهار» و «السر والعلانية» وهو من المحسنات البديعية.
стр. 169
٣ - ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ إطناب لورودها بعد قوله ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ الذي معناه يصلكم وافياً غير منقوص.
فَائِدَة: قال بعض الحكماء: إِذا اصطنعت المعروف فاستره، وإِذا اصطُنع إِليك فانشره وأنشدوا:
يُخفي صنائعه والله يُظهرها ... إِن الجميل إِذا أخفيتَه ظهرا
стр. 170
المنَاسَبَة: لما أمر تعالى بالإِنفاق من طيبات ما كسبوا، وحضّ على الصدقة، ورغب في الإِنفاق في سبيل الله، ذكر هنا ما يقابل ذلك وهو الربا الكسب الخبيث ذو الوجه الكالح الطالح، الذي هو شحٌٍّ وقذارة ودنس، بينما الصدقة عطاء وسماحة وطهارة، وقد جاء عرضه مباشرة بعد عرض ذلك الوجه الطيب من الإِنفاق في سبيل الله ليظهر الفارق بجلاء بين الكسب الطيب والكسب الخبيث وكما قيل «وبضدها تتميّز الأشياء» .
اللغَة: ﴿الربا﴾ لغة: الزيادة يقال: ربا الشيء إِذا زاد ومنه الربوة والرابية: وشرعاً: زيادة على أصل المال يأخذها الدائن من المدين مقابل الأجل ﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ التخبط: الضرب على غير استواء كخبط البعير الأرض بأخفافه ويقال للذي يتصرف ولا يهتدي: خبط في عشواء وتورَّط في عمياء، وتخبطه الشيطان إذا مسه بخبلٍ أو جنون ﴿المس﴾ الجنون وأصله من المسّ باليد كأن الشيطان يمسُّ الإِنسان فيحصل له الجنون ﴿سَلَفَ﴾ مضى وانقضى ومنه سالف الدهر أي ماضيه ﴿يَمْحَقُ﴾ المحق: نقصان الشيء حالاً بعد حال ومنه المحاق في الهلال يقال: محقه الله فانمحق وامتحق ﴿أَثِيمٍ﴾ كثير الإِثم المتمادي في الذنوب والآثام.
سَبَبُ النّزول: كان لبني عمرو بن ثقيف ديونُ ربا على بني المغيرة فلما حلّ الأجل أرادوا أن يتقاضوا الربا منهم فنزلت الآية ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ
стр. 171
فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ الآية فقالت ثقيف: لا يد لنا «أي لا طاقة لنا» بحرب الله ورسوله وتابوا وأخذوا رءوس أموالهم فقط.
التفسير: ﴿الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس﴾ أي الذين يتعاملون بالربا ويمتصون دماء الناس لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إِلا كما يقوم المصروع من جنونه، يتعثر ويقع ولا يستطيع أن يمشي سوياً، يقومون مخبلين كالمصروعين تلك سيماهم يعرفون بها عند الموقف هتكاً لهم وفضيحة ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا﴾ أي ذلك التخبط والتعثر بسبب استحلالهم ما حرّمه الله، وقولهم: الربا كالبيع فلماذا يكون حراماً؟ قال تعالى ردّاً عليهم ﴿وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا﴾ أي أحل الله البيع لما فيه من تبادل المنافع، وحرّم الربا لما فيه من الضرر الفادح بالفرد والمجتمع، لأن فيه زيادة مقتطعة من جهد المدين ولحمه ﴿فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي من بلغه نهيُ الله عن الربا فانتهى عن التعامل به فله ما مضى قبل التحريم ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى الله﴾ أي أمره موكول إِلى الله إِن شاء عفا عنه وإِن شاء عاقبه ﴿وَمَنْ عَادَ فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي ومن عاد إِلى التعامل بالربا واستحله بعد تحريم الله له فهو من المخلدين في نار جهنم ﴿يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات﴾ أي يُذهب ريعه ويمحو خيره وإِن كان زيادة في الظاهر، ويُكثر الصدقات وينميّها وإِن كانت نقصاناً في الشاهد ﴿والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي لا يحب كل كفور القلب، أثيم القول والفعل، وفي الآية تغليظ في أمر الربا وإِيذان بأنه من فعل الكفار، ثم قال تعالى مادحاً المؤمنين المطيعين أمره في إِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَقَامُواْ الصلاة وَآتَوُاْ الزكاة﴾ أي صدّقوا بالله وعملوا الصالحات التي من جملتها إِقامة الصلاة وإِيتاء الزكاة ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي لهم ثوابهم الكامل في الجنة، ولا يخافون يوم الفزع الأكبر ولا يحزنون على ما فاتهم في الدنيا ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الربا إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ أي اخشوا ربكم وراقبوه فيما تفعلون، واتركوا ما لكم من الربا عند الناس إِن كنتم مؤمنين بالله حقاً ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ﴾ أي وإِن لم تتركوا التعامل بالربا فأيقنوا بحرب الله ورسوله لكم قال ابن عباس: يقال الآكل الربا يوم القيامة خذ سلاحك للحرب ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ أي إِن رجعتم عن الربا وتركتموه فلكم أصل المال الذي دفعتموه من غير زيادة ولا نقصان ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ﴾ أي إِذا كان المستدين معسراً فعليكم أن تمهلوه إِلى وقت اليسر لا كما كان أهل الجاهلية يقول أحدهم لمدينة: إِمّا أن تَقْضي وإِمّا أن تُرْبي ﴿وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي إِن تجاوزتم عمّا لكم عنده فهو أكرم وأفضل، إِن كنتم تعلمون ما فيه من الذكر الجميل والأجر العظيم ثم حذّر تعالى عباده من ذلك اليوم الرهيب الذي لا ينفع فيه إِلا العمل الصالح فقال ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله ثُمَّ توفى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾ أي احذروا يوماً سترجعون فيه إِلى ربكم ثم توفى كل نفسٍ حسابها وأنتم لا تظلمون، وقد ختمت هذه الآيات الكريمة بهذه الآية
стр. 172
الجامعة المانعة التي كانت آخر ما نزل من القرآن وبنزولها انقطع الوحي، وفيها تذكير العباد بذلك اليوم العصيب الشديد قال ابن كثير: هذه الآية آخر ما نزل من القرآن العظيم وقد عاش النبي ﷺ َ بعد نزولها تسع ليال ثم انتقل إِلى الرفيق الأعلى.
البَلاَغَة: ١ - ﴿إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا﴾ فيه تشبيه يسمى (التشبيه المقلوب) وهو أعلى مراتب التشبيه حيث يجعل المشبّه مكان المشبّه به كقول الشاعر: كأن ضياء الشمس غرةُ جعفر والأصل في الآية أن يقال: الربا مثل البيع ولكنه بلغ من اعتقادهم في حل الربا أن جعلوه أصلاً يقاس عليه فشبهوا به البيع.
٢ - ﴿وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا﴾ بين لفظ «أحلَّ» و «حرَّم» طباق وكذلك بين لفظ «يمحق» و «يربي» .
٣ - ﴿كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ صيغة فعّال وفعيل للمبالغة فقوله ﴿كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي عظيم الكفر شديد الإِثم.
٤ - ﴿فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ﴾ التنكير للتهويل أي بنوعٍ من الحرب عظيم لا يُقادر قدره كائن من عند الله أفاده أبو السعود.
٥ - ﴿لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ﴾ فيه من المحسنات البديعية ما يسمى «الجناس الناقص» لاختلاف الشكل.
٦ - ﴿واتقوا يَوْماً﴾ التنكير للتفخيم والتهويل.
الفوَائِد: الأولى: عبّر بقوله ﴿يَأْكُلُونَ الربا﴾ عن الانتفاع به لأن الأكل هو الغالب في المنافع وسواءٌ في ذلك المعطي والآخذ لقول جابر في الحديث الشريف «لعن رسول الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء» .
الثانية: شبّه تعالى المرابين بالمصروعين الذين تتخبطهم الشياطين، وذلك لأن الله أربى في بطونهم ما أكلوا من الربا فأثقلهم فصاروا مخبلين ينهضون ويسقطون قال سعيد بن جبير تلك علامة آكل الربا يوم القيامة.
ليبلغ إِلى الحسّ ما تبلغه هذه الصورة الحيّة المجسّمة، صورة الممسوس المصروع، ولقد مضت معظم التفاسير على أن المقصود بالقيام في هذه الصورة المفزعة هو القيام يوم البعث، ولكنها - فيما نرى - واقعة في هذه الأرض أيضاً على البشرية الضالة التي تتخبط كالممسوس في حكم النظام الربوي، إِن العالم الذي نعيش فيه اليوم هو عالم الفلق والاضطراب ولاخوف والأمراض العصبية والنفسية، وذلك على الرغم من كل ما بلغته الحضار المادية وعلى الرغم من كل مظاهر الرخاء المادي، ثم هو عالم الحروب الشاملة والتهديد الدائم بالحروب المبيدة وحرب الأعصاب
стр. 173
والاضطرابات التي لا تنقطع هنا وهناك وهذا رأي حسن.
الرابعة: أخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ َ قال: «كان رجلُ يداينُ الناس فكان يقول لفتاه إذا أتيتَ معسراً فتجاوز عنه لعلّ الله أن يتجاوز عنا، فلقي الله فتجاوز عنه» .
стр. 174
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى الربا وبيَّن ما فيه من قباحة وشناعة، لأنه زيادة مقتطعة من عرق المدين ولحمه وهو كسب خبيث يمقته الإِسلام ويحرمه، أعقبه بذكر القرض والحسن بلا فائدة وذكر الأحكام الخاصة بالدين والتجارة والرهن، وكلها طرق شريفة لتنمية المال وزيادته بما فيه صلاح الفرد والمجتمع، وآية الدين أطول آيات القرآن على الإِطلاق مما يدل على عناية الإِسلام بالنظم الاقتصادية.
اللغَة: ﴿وَلْيُمْلِلِ﴾ من الإِملاء وهو أنْ يُلقي عليه ما يكتبه يقال: أملَّ وأملى ﴿يَبْخَسْ﴾ البخس: النقص ﴿تسأموا﴾ السأم والسآمة: الملل من الشيء والضجر منه ﴿أَقْسَطُ﴾ القِسط: بكسر القاف العَدْل يقال: أقسط الرجل إِذا عدل، وبفتح القاف الجورُ يقال: قسط أي جار ومنه ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٥] ﴿تَضِلَّ﴾ قال أبو عبيد: معنى تضل أي تنسى والضلال عن الشهادة نسيان جزءٍ منها ﴿أدنى﴾ أقرب ﴿ترتابوا﴾ تشكوا من الريب بمعنى الشك ﴿فَرِهَانٌ﴾ جمع رهن وهو ما يدفع إلى الدائن توثيقاً للدين.
стр. 175
التفِسير: ﴿ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى فاكتبوه﴾ أي إِذا تعاملتم بدينٍ مؤجل فاكتبوه، وهذا إِرشاد منه تعالى لعباده بكتابة المعاملات المؤجلة ليكون ذلك أحفظ وأوثق لمقدارها وميقاتها ﴿وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بالعدل﴾ أي وليكتب لكم كاتب عادل مأمون لا يجور على أحد الطرفين ﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ الله﴾ أي ولا يمتنع أحد من الكتابة بالعدل كما علّمه الله ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الذي عَلَيْهِ الحق﴾ أي وليمل على الكاتب ويلقي عليه المدينُ وهو الذي عليه الحق لأنه المقر المشهود عليه ﴿وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ أي وليخشَ الله رب العالمين ولا ينقص من الحق شيئاً ﴿فَإن كَانَ الذي عَلَيْهِ الحق سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً﴾ أي إِن كان المدين ناقص العقل مبذراً أو كان صبياً أو شيخاً هرماً ﴿أَوْ لاَ يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بالعدل﴾ أي لا يستطيع الإِملاء بنفسه لعيٍّ أو خرسٍ أو عُجْمة فليملل قيِّمه أو وكيله بالعدل من غير نقصٍ أو زيادة ﴿واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ أي اطلبوا مع الكتابة أن يشهد لكم شاهدان من المسلمين زيادة في التوثيقة ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتان مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشهدآء﴾ أي فإن لم يكن الشاهدان رجلين، فليشهد رجلٌ وامرأتان ممن يُوثق بدينهم وعدالتهم ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى﴾ أي تنسى إحدى المرأتين الشهادة فتذكّرها الأخرى، وهذا علةٌ لوجوب الاثنين لنقص الضبط فيهن ﴿وَلاَ يَأْبَ الشهدآء إِذَا مَا دُعُواْ﴾ أي ولا يمتنع الشهداء عن أداء الشهادة أو تحملها إِذا طلب منهم ذلك ﴿وَلاَ تسأموا أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إلى أَجَلِهِ﴾ أي لا تملّوا أن تكتبوا الدين صغيراً كان أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً إِلى وقت حلول ميعاده ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ الله وَأَقْومُ لِلشَّهَادَةِ وأدنى أَلاَّ ترتابوا﴾ أي ما أمرناكم به من كتابة الدين أعدل في حكمه تعالى، وأثبت للشهادة لئلا تنسى، وأقرب أن لا تشكّوا في قدر الدَّيْن والأجل ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ أي إِلا إِذا كان البيع حاضراً يداً بيد والثمن مقبوضاً ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلاَّ تَكْتُبُوهَا﴾ أي فلا بأس بعدم كتابتها لانتفاء المحذور ﴿وأشهدوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ أي أشهدوا على حقكم مطلقاً سواءً كان البيع ناجزاً أو بالدين لأنه أبعد عن النزاع والاختلاف ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ أي لا يضرب صاحبُ الحق الكُتَّاب والشهود ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي إِن فعلتم ما نهيتم عنه فقد فسقتم بخروجكم عن طاعة الله ﴿واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾ أي خافوا الله وراقبوه يمنحكم العلم النافع الذي به سعادة الدارين ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي عالم بالمصالح والعواقب فلا يخفى عليه شيء من الأشياء ﴿وَإِن كُنتُمْ على سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ أي إِن كنتم مسافرين وتداينتم إِلى أجلٍ مسمى ولم تجدوا من يكتب لكم، فليكن بدل الكتابة رهانٌ مقبوضة يقبضها صاحب الحق وثيقة لدينه ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ﴾ أي فإِن أمن الدائن المدين فاستغنى عن الرهن ثقة بأمانة صاحبه فليدفع ذاك المؤتمن الدين الذي عليه وليتق الله في رعاية حقوق الأمانة ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ أي إِذا دعيتم إِلى أداء شهادة فلا تكتموها فإِن كتمانها إثم كبير، يجعل القلب آثماً وصاحبه فاجراً، وخُصّ القلب بالذكر لأنه سلطان الأعضاء، إِذا صلح صلح الجسد كله وإِذا فسد فسد الجسد كله ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ أي لا يخفى عليه شيء من أعمال وأفعال العباد.
البَلاَغَة: ١ - في الآية من ضروب الفصاحة «الجناس المغاير» في قوله ﴿تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ وفي ﴿
стр. 176
واستشهدوا شَهِيدَيْنِ﴾ وفي ﴿اؤتمن أَمَانَتَهُ﴾ وفي ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ... عَلِيمٌ﴾ .
٢ - الطباق في قوله ﴿صَغِيراً أَو كَبِيراً﴾ وفي ﴿تَضِلَّ ... فَتُذَكِّرَ﴾ لأن الضلال هنا بمعنى النسيان.
٤ - الإِيجاز بالحذف وذلك كثير وقد ذكر أمثلته صاحب البحر المحيط.
٥ - كرر لفظ الجلالة في الجمل الثلاث ﴿واتقوا الله﴾ ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾ ﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ لإِدخال الروعة وتربية المهابة في النفوس.
٦ - ﴿وَلْيَتَّقِ الله رَبَّهُ﴾ جمع ما بين الإِسم الجليل والنعت الجميل مبالغة في التحذير.
فَائِدَة: العلم نوعان: كسبيٌّ ووهبيٌّ، أما الأول فيكون تحصيله بالاجتهاد والمثابرة والمذاكرة، وأما الثاني فطريقه تقوى الله والعمل الصالح كما قال تعالى ﴿واتقوا الله وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾ وهذا العلم يسمى العلم اللُّدُني ﴿وآتيناه من لدنَّا علماً﴾ وهو العلم النافع الذي يهبه الله لمن شاء من عباده المتقين وإِليه أشار الإِمام الشافعي بقوله:
شكوتُ إِلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إِلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يُهدى لعاصي
стр. 177
المنَاسَبَة: ناسب ختم هذه السورة الكريمة بهذه الآيات لأنها اشتملت على تكاليف كثيرة في الصلاة والزكاة والقصاص والصوم والحج والجهاد والطلاق والعدة وأحكام الربا والبيع والدين الخ فناسب تكليفه إِيانا بهذه الشرائع أن يذكر أنه تعالى مالك لما في السماوات وما في الأرض فهو يكلف من يشاء بما يشاء والجزاء على الأعمال إِنما يكون في الدار الآخرة، فختم هذه السورة بهذه الآيات على سبيل الوعيد والتهديد. .
اللغَة: ﴿إِصْراً﴾ الإِصر في اللغة: الثقل والشدة قال النابغة:
يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم والحامل الإِصر عنهم بعد ما عرفوا
стр. 178
وسميت التكاليف الشاقة إِصراً لأنها تثقل كاهل صاحبها كما يسمى العهد إصراً لأنه ثقيل. ﴿طَاقَةَ﴾ الطاقة: القدرة على الشيء من أطاق الشيء وهو مصدر جاء على غير قياس الفعل ﴿واعف عَنَّا﴾ العفو: الصفح عن الذنب ﴿واغفر لَنَا﴾ الغفران: ستر الذنب ومحوه.
سَبَبُ النزّول: لما نزل قوله تعالى ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ الآية، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ َ فأتوا رسول الله فقالوا: كُلِّفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصقدة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها فقال ﷺ َ: أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣] قولوا ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ «فلما قرأها القوم وجرت بها ألسنتهم أنزل الله تعالى ﴿آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ ونسخها الله تعالى فأنزل ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾ الآية»
التفِسير: ﴿للَّهِ ما فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي هو سبحانه المالك لما في السماوات والأرض المطّلع على ما فيهن ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله﴾ أي إِن أظهرتم ما في أنفسكم من السوء أو أسررتموه فإِن الله يعلمه ويحاسبكم عليه ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي يعفو عمن يشاء ويعاقب من يشاء وهو القادر على كل شيء الذي لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون ﴿آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ والمؤمنون﴾ أي صدّق محمد ﷺ َ بما أنزل الله إِليه من القرآن والوحى وكذلك المؤمنون ﴿كُلٌّ آمَنَ بالله وملائكته وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ أي الجميع من النبي والأتباع صدَّق بوحدانية الله، وآمن بملائكته وكتبه ورسله ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ أي لا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعل اليهود والنصارى بل نؤمن بجميع رسل الله دون تفريق ﴿وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ المصير﴾ أي أجبنا دعوتك وأطعنا أمرك فنسألك يا ألله المغفرة لمن اقترفناه من الذنوب وإِليك وحدك يا ألله المرجع والمآب.
﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ أي لا يكلف المولى تعالى أحداً فوق طاقته ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت﴾ أي لكل نفس جزاء ما قدمت من خير، وجزاء ما اقترفت من شرّ ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ أي قولوا ذلك في دعائكم والمعنى لا تعذبنا يا ألله بما يصدر عنا بسبب النسيان أو الخطأ ﴿رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الذين مِن قَبْلِنَا﴾ أي ولا تكلفنا بالتكاليف الشاقة التي نعجز عنها كما كلفت بها من قبلنا من الأمم كقتل النفس في التوبة وفرض موضع النجاسة ﴿رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ أي لا تحمّلنا ما لا قدرة لنا عليه من التكاليف والبلاء ﴿واعف عَنَّا واغفر لَنَا وارحمنآ﴾ أي امحُ عنا ذنوبنا واستر سيئاتنا فلا تفضحنا يوم الحشر الأكبر وارحمنا برحمتك التي وسعت كل شيء ﴿أَنتَ مَوْلاَنَا فانصرنا عَلَى القوم الكافرين﴾ أي أنت يا ألله ناصرنا ومتولي أمورنا فلا تخذلنا، وانصرنا على أعدائنا وأعداء دينك من القوم الكافرين، الذين جحدوا دينك وأنكروا وحدانيتك وكذبوا برسالة نبيك ﷺ َ. روي أنه ﵇ لما دعا بهذه الدعوات قيل له عند كل دعوة: قد فعلتُ.
البَلاَغَة: ١ - تضمنت الآية من أنواع الفصاحة وضروب البلاغة أشياء منها «الطباق» في قوله ﴿
стр. 179
وَإِن تُبْدُواْ ... أَوْ تُخْفُوهُ﴾ وبين «يغفر» و «يعذب» ومنها الطباق المعنوي بين ﴿كَسَبَتْ﴾ و ﴿اكتسبت﴾ لأن كسب في الخير واكتسب في الشر.
٢ - ومنها الجناس ويسمى جناس الاشتقاق في قوله ﴿آمَنَ ... والمؤمنون﴾ .
٣ - ومنها الإِطناب في قوله ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾ .
٤ - ومنها الإِيجاز بالحذف في قوله ﴿والمؤمنون﴾ أي آمنوا بالله ورسله ومواضع أخرى.
فَائِدَة: عن ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ َ: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» أخرجه البخاري وفي رواية لمسلم أن ملكاً نزل من السماء فأتى النبي ﷺ َ فقال له: «أبشرْ بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبيٌ قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ حرفاً منهما إِلا أوتيته» .
стр. 180
اللغَةَ: ﴿الحي﴾ الباقي الدائم الذي لا يفنى ولا يموت ﴿القيوم﴾ القائم على تدبير شئون العباد ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ التصوير: جعل الشيء على صورة معينة أي يخلقكم كما يريد ﴿الأرحام﴾ جمع رحم وهو محل تكوّن الجنين ﴿مُّحْكَمَاتٌ﴾ المحكم: ما كان واضح المعنى قال القرطبي: «المحكم ما عُرف تأويله وفهم معناه وتفسيره، والمتشابه: ما لم يكن لأحدٍ إِلى علمه سبيل مما استأثر تعالى بعلمه دون خلقه مثل الحروف المقطعة في أوائل السور، هذا أحسن ما قيل فيه» ﴿أُمُّ الكتاب﴾ أصل الكتاب وأساسه وعموده ﴿زَيْغٌ﴾ ميلٌ عن الحق يقال: زاغ زيغاً أي مال ميلاً ﴿تَأْوِيلِهِ﴾ التأويل: التفسير وأصله المرجع والمصير من قولهم آل الأمر إِلى كذا إذا صار إِليه ﴿والراسخون﴾ الرسوخ: الثبوت في الشيء والتمكن منه قال الشاعر:
لقد رسخت في القلب مني مودّة ... لليلي أبت أيامُها أن تغَيّرا
سَبَبُ النّزول: نزلت هذه الآيات في وفد نصارى نجران وكانوا ستين راكباً، فيهم أربعة عشر من أشرافهم ثلاثة منهم أكابرهم «عبد المسيح» أميرهم و «الأيهم» مشيرهم و «أبو حارثة بن علقمة» حبرُهم، فقدموا على النبي ﷺ َ فتكلم منهم أولئك الثلاثة معه فقالوا تارةً عيسى هو «الله» لأنه كان يحيي الموتى، وتارةً هو «ابن الله» إِذ لم يكن له أب، وتارة إِنه «ثالث ثلاثة» لقوله تعالى «فعلنا وقلنا» ولو كان واحداً لقال «فعلتُ وقلتُ» فقال لهم رسول الله ﷺ َ: ألستم تعلمون أن ربنا حيٍّ لا يموت وأن عيسى يموت! ﴿قالوا: بلى، قال ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إِلا ويشبه أباه﴾ ﴿قالوا بلى، قال ألستم تعلمون أن ربنا قائم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه فهل يملك عيسى شيئاً من ذلك؟
следующие страницы →