Полный текст (1 630 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى في الآيات السابقة أنَّ في الأرض دعوتين: دعوة الحق، ودعوة الباطل، وذكر أن دعوة الله هي دعوة الحق، ودعوة ما يعبدون من دونه هي دعوة الباطل ... ذكر تعالى هنا مثلين ضربهما للحق وأهله، والباطلِ وحزبه، ليتضح الفرق بين الهدى والضلال، والرشد والغيّ، ثم أعقبه بذكر مآل المؤمنين في دار النعيم، والكافرين في دار الجحيم.
стр. 632
اللغَة: ﴿زَبَداً﴾ الزبد: الغثاء الذي يحمله السيل ﴿رَّابِياً﴾ عالياً منتفخاً ﴿جُفَآءً﴾ مضمحلاً متلاشياً لا منفعة فيه ولا بقاء له يقال: جفا الماء بالزبد إذا قذفه ورمى به ﴿المهاد﴾ الفِراش وأصله المكان الممهَّد الموطأ للنوم والراحة ﴿وَيَدْرَءُونَ﴾ يدفعون والدرءُ: الدفع ﴿عقبى﴾ العاقبة ويسمى الجزاء على الفعل عقبى لأنه يكون عقب الفعل ﴿عَدْنٍ﴾ استقرار وثبات وخلود يقال: عَدَن بالمكان إذا أقام به ﴿يَبْسُطُ﴾ يوسّع ﴿يَقَدِرُ﴾ يضيّق ﴿مَتَاعٌ﴾ كل شيء يتمتع به إلى أجل ثم ينتهي ويفنى ﴿طوبى﴾ فرحٌ وقرة عين قال الزمخشري: مصدر من طاب كبشرى وزلفى ومعناه أصبتَ خيراً وطيباً ﴿يَيْأَسِ﴾ اليأسُ: القنوط من الشيء ﴿أَمْلَيْتُ﴾ أمهلتُ يقال: أملى الله له إذا أمهله وطوَّل له المدة ﴿وَاقٍ﴾ اسم فاعل من وقى إذا دفع الأذى والضر عنه.
سَبَبُ النزول: قال ابن عباس: نزلت في كفار قريش حين قال لهم النبي ﷺ َ: اسجدوا للرحمن قالوا: وما الرحمن؟ أنسجد لما تأمرنا؟ فأنزل الله ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن قُلْ هُوَ رَبِّي لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ .
التفسِير: ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ أي أنزل تعالى من السماء مطراً ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ أي فجرت مياه الأودية بمقدار سعتها كل بحَسَبه، فالكبير بمقدار كبره، والصغير بمقدار صغره ﴿فاحتمل السيل زَبَداً رَّابِياً﴾ أي حمل السيل الذي حدث من الأمطار زبداً عالياً فوقه وهو ما يحمله السيل من غثاء، ورغوة تظهر على وجه الماء قال الطبري: هذا مثلٌ ضربه الله للحق والباطل، والإيمان والكفر، فمثل الحق في ثباته، والباطل في اضمحلاله، مثلُ الماء الذي أنزله الله من السماء إلى الأرض، فاحتمل السيل زبداً عالياً، فالحق هو الماء الباقي الذي يمكث في الأرض، والزبد الذي لا يُنتفع به هو الباطل، وهذا أحد مثلي الحق والباطل، والمثل الآخر قوله تعالى ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النار ابتغآء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ﴾ أي ومن الذي يوقد عليه الناس من المعادن كالذهب والفضة والنحاس، مما يُسبك في النار طلب الزينةِ أو الأشياء التي يُنتفع بها كالأواني زبدٌ مثل زبد السيل، لا يُنْتفع به كما لا يُنْتفع بَزَبد السيل ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل﴾ أي كذلك يضرب الله المَثَل للحق والمَثَل للباطل، فمثلُ الحق في ثباته واستقراره كمثل الماء الصافي الذي يستقر في الأرض فينتفع منه الناس، ومثل الباطل في زواله واضمحلاله كمثل الزبد والغثاء الذي يقذف به الماء يتلاشى ويضمحل ﴿فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً﴾ أي فأما الزبد الذي لا خير فيه مما يطفو على وجه الماء والمعادن فإنه يرمي به السيل ويقذفه ويتفرق ويتمزّق ويذهب في جانبَي الوادي ﴿وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض﴾ أي وأمّا ما ينتفع الناس به الماء الصافي، والمعدن الخالص فيبقى ويثبت في الأرض ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الأمثال﴾ أي مِثْلَ المَثَلين السابقين يبيّن الله الأمثال
стр. 633
للحق والباطل، والهدى والضلال ليعتبر الناس ويتعظوا ﴿لِلَّذِينَ استجابوا لِرَبِّهِمُ الحسنى﴾ أي للمؤمنين الذين استجابوا لله بالإيمان والطاعة المثوبةُ الحسنى وهي الجنة دار النعيم ﴿والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ﴾ أي لم يجيبوا ربهم إلى الإيمان به وهم الكافرون ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً﴾ أي لو كان لهم جميع ما في الدنيا من الأموال ﴿وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾ أي ومثلَ جميع ما في الدنيا ﴿لاَفْتَدَوْاْ بِهِ﴾ أي لبذلوا كل ذلك فداءً لأنفسهم ليتخلصوا من عذاب الله ﴿أولئك لَهُمْ سواء الحساب﴾ أي لهم الحساب السيء قال الحسن: يُحاسبون بذنوبهم كلها لا يُغفر لهم منها شيء ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ أي المكان الذي يأوون إليه يوم القيامة نار جهنم ﴿وَبِئْسَ المهاد﴾ أي بئس هذا المستقر والفِراش الممهد لهم في النار ﴿أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى﴾ الهمزة للاستفهام الإنكاري أي هل يستوي من آمن وصدَّق بما نزل عليك يا محمد ومن بقي يتخبط في ظلمات الجهل والضلال لا لُبَّ له كالأعمى؟ والمراد به عمى البصيرة قال ابن عباس نزلت في حمزة وأبي جهل ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي إنما يتعظ بآيات الله ويعتبر بها ذوو العقول السليمة، ثم عَّدد تعالى صفاتهم فقال ﴿الذين يُوفُونَ بِعَهْدِ الله﴾ أي يتمون عهد الله الذي وصاهم به وهي أوامره ونواهيه التي كلَّف بها عباده ﴿وَلاَ يَنقُضُونَ الميثاق﴾ أي لا يخالفون ما وثقوه على أنفسهم من العهود المؤكدة بينهم وبين الله، وبين العباد ﴿والذين يَصِلُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ أي يصلون الأرحام التي أمر الله بصلتها ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي يهابون ربهم إجلالاً وتعظيماً ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ أي يخافون الحساب السيء المؤدي لدخول النار، فهم لرهبتهم جادّون في طاعة الله، محافظون على حدوده ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابتغاء وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ أي صبروا على المكاره طلباً لمرضاة الله ﴿وَأَقَامُواْ الصلاة﴾ أي أدُّوا الصلاة المفروضة بحدودها في أوقاتها ﴿وَأَنْفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾ أي أنفقوا بعض أموالهم التي أوجبها الله عليهم في الخفاء والعلانية ﴿وَيَدْرَءُونَ بالحسنة السيئة﴾ أي يدفعون الجهلَ بالحلم والأذى بالصبر وقال ابن عباس: يدفعون بالعمل الصالح السيء من الأعمال بمعنى يفعلون الحسنات ليدرءوا بها السيئات وفي الحديث
«وأتبع السيئةَ الحسنة تمحها» ﴿أولئك لَهُمْ عقبى الدار﴾ أي العاقبة المحمودة في الدار الآخرة وهي الجنة وقد جاء تفسيرها في قوله ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أي جنات إقامة خالدة يدخلها أولئك الأبرار ومن كان صالحاً من آبائهم ونسائهم وأولادهم، ليأنسوا بلقائهم ويتمَّ بهم سرورهم، وإن لم يكونوا يستحقون
стр. 634
هذه المنازل العالية بأعمالهم، فترفع منازل هؤلاء إكراماً لأولئك وذلك فضل الله، ثم إنَّ لهم إكراماً آخر بيّنه بقوله ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ﴾ أي والملائكةُ تدخل عليهم للتهنئة من كل باب من أبواب الجنة يقولون لهم ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ أي سلمتم من الآفات والمحن بصبركم في الدنيا، ولئن تعبتم فيما مضى فلقد استرحتم الساعة، وهذه بشارة لهم بدوام السلامة ﴿فَنِعْمَ عقبى الدار﴾ أي نعمت هذه العاقبة الحميدة عاقبتكم وهي الجنة بدل النار، ولما ذكر تعالى أوصاف المؤمنين التسع أعقبه بذكر أوصاف الكافرين الذميمة فقال ﴿والذين يَنقُضُونَ عَهْدَ الله مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ أي ينقضون عهودهم بعدما وثقوا على أنفسهم لله أن يعملوا بما عهد إليهم من طاعته والإيمان به ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ الله بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ أي يقطعون الرحم التي أمر الله بوصلها ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأرض﴾ ﴿أولئك لَهُمُ اللعنة﴾ أي أولئك الموصوفون بما ذُكر من القبائح لهم البعد من رحمته، والطردُ من جنته ﴿وَلَهُمْ سواء الدار﴾ أي لهم ما يسوءهم في الدار الآخرة وهو عذاب جهنم على عكس المتقين ﴿الله يَبْسُطُ الرزق لِمَنْ يَشَآءُ وَيَقَدِرُ﴾ أي يوسّع على من يشاء من عباده ويضيّق على من يشاء حسب الحكمة والمصلحة ﴿وَفَرِحُواْ بالحياة الدنيا﴾ أي وفرح هؤلاء المشركون بنعيم الدنيا فرح أشَر وبطر، وهو إخبار في ضمنه ذم وتسفيه لمن فرح بالدنيا ولذلك حقّرها بقوله ﴿وَمَا الحياة الدنيا فِي الآخرة إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ أي قليل وشيء حقير بالنظر إلى الآخرة ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ أي ويقول كفار مكة هلاّ أُنزل على محمد معجزة من ربه مثل معجزة موسى في فلق البحر، ومعجزة عيسى في إحياء الموتى ونحو ذلك ﴿قُلْ إِنَّ الله يُضِلُّ مَن يَشَآءُ ويهدي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ أي قل لهم يا محمد الأمر بيد الله وليس إليَّ، يُضلُّ من يشاء إضلاله فلا تغني عنه الآياتُ والنُذُّر شيئاً، ويرشد إلى دينه من أراد هدايته لأنه رجع إلى ربه بالتوبة والإِنابة قال في التسهيل: خرج بالكلام مخرج التعجب حين طلبوا آية والمعنى قد جاءكم محمد ﷺ َ بالقرآن وآياتٍ كثيرة فعميتُم عنها، وطلبتم غيرها، وتماديتم على الكفر فإنه تعالى يضل من يشاء مع ظهور الآيات، ويهدي من يشاء دون ذلك ﴿الذين آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله﴾ هذا بدلٌ والمعنى يهدي أهل الإِنابة وهم الذين آمنوا وتسكن وتستأنس قلوبهم بذكر الله وتوحيده، وجيء بصيغة المضارع لإِفادة دوام الاطمئنان واستمراره ﴿أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب﴾ أي ألا فانتبهوا أيها القوم فإن بذكر الله تستأنس وتسكن قلوب المؤمنين، فلا يشعرون بقلق واضطراب من سوء العقاب، على عكس الذين أذا ذكر الله اشمأزتْ قلوبُهم ﴿الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات طوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ﴾ أي أما المؤمنون أهل الأعمال الصالحة فقرة عينٍ لهم ونعم ما يلقون من الهناءة والسعادة في المرجع والمنقلب قال ابن عباس: ﴿طوبى لَهُمْ﴾ فرحٌ وقرة عين ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ في أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَآ أُمَمٌ﴾ أي كما أرسلنا الأنبياء من قبلك كذلك أرسلناك يا محمد في أمة قد مضت قبلها أمم كثيرة، فهي آخر الأمم وأنتَ خاتم الأنبياء ﴿لِّتَتْلُوَاْ عَلَيْهِمُ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ أي لتبلّغهم هذا الوحي العظيم والذكر الحكيم ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بالرحمن﴾ أي والحال أنهم يكفرون بالرحمن الذي وسعت رحمته كل شيء ﴿قُلْ هُوَ رَبِّي لا
стр. 635
إله إِلاَّ هُوَ﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين إن الرحمن الذي كفرتم به وأنكرتم معرفته هو ربي الذي آمنتُ به لا معبود لي سواه ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ أي عليه وحده اعتمدت، وإليه توبتي ومرجعي فيثيبني على مجاهدتكم، والغرضُ تسلية النبي ﷺ َ مما يلقاه من كفار قريش من الجحود والعناد فقد كذَّب قبلهم الأمم ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الجبال﴾ أي لو كان كتابٌ من الكتب المنزّلة سُيرت بتلاوته الجبال وزعزعت عن أماكنها ﴿أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرض﴾ أي شُققت به الأرض حتى تتصدَّع وتصير قطعاً ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الموتى﴾ أي خوطبت به الموتى حتى أجابت وتكلمت بعد أن أحياها الله بتلاوته عليها، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف تقديره: لكان هذا القرآن، لكونه غايةً في الهداية والتذكير، ونهايةً في الإِنذار والتخويف وقال الزجاج: تقديره «لما آمنوا» لغلوهم في المكابرة والعناد، وتماديهم في الضلال والفساد ﴿بَل للَّهِ الأمر جَمِيعاً﴾ بلْ للإضراب والمعنى: لو أن قرآناً فُعل به ما ذُكر لكان ذلك هذا القرآن، ولكنَّ الله لم يجبهم إلى ما اقترحوا من الآيات، لأنه هو المالك لجميع الأمور والفاعل لما يشاء منها من غير أن يكون لأحدٍ عليه تحكّمٌ أو اقتراح ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الذين آمنوا أَن لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعاً﴾ أي أفلم يقنط وييأس المؤمنون من إيمان الكفار، ويعلموا أنه تعالى لو شاء هدايتهم لهداهم لأن الأمر له، ولكنْ قضت الحكمة أن يكون بناء التكليف على الاختيار ﴿وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ﴾ أي ولا يزال كفار مكة يصيبهم بسوء أعمالهم وكفرهم داهيةٌ تقرع أسماعهم وتقلق بالهم من صنوف البلايا والمصائب ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِّن دَارِهِمْ﴾ أي أو تحلُّ القارعة والداهية قريباً من ديارهم فيفزعون منها ويتطاير إليهم شررها ﴿حتى يَأْتِيَ وَعْدُ الله﴾ بإظهار الإِسلام وانتصارك عليهم بفتح مكة ﴿إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد﴾ أي لا يخلف وعده لرسله وأوليائه بنصرهم على أعدائه ﴿وَلَقَدِ استهزئ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ تسلية وتأنيس للنبي ﷺ َ أي كما استهزأ بك المشركون فقد استهزأ المجرمون برسلهم وأنبيائهم ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي أمهلتهم وتركتهم في أمنٍ وَدَعة ثم أخذتهم بالعذاب ﴿فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ أي فكيف كان عقابي لهم على الكفر والتكذيب؟ ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي أفمن هو رقيب حفيظ على عمل كل إنسان لا يخفى عليه شيء من أعمال العباد وهو الله تعالى، والخبر محذوف تقديره: كمن ليس بهذه الصفة من الأصنام التي لا تسمع ولا تنفع ولا تملك من الأمر شيئاً قال الفراء: وتُرك جوابُه لأن المعنى معلومٌ وقد بيّنه بعد هذا بقوله ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ﴾ كأنه قيل: هل الله كشركائهم؟ وقال الزمخشري: هذا احتجاجٌ عليهم في إشراكهم بالله يعني أفالله الذي هو قائم رقيب على كل نفس صالحة أو طالحة بما كسبت من خير أو شر وقد أعدَّ لكلٍ جزاءه كمن ليس كذلك ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ أي وجعل المشركون آلهة عبدوها
стр. 636
معه من أصنام وأنداد في منتهى العجز والحقارة والجهالة، قل لهم يا محمد: سمّوهم لنا وصفوهم لننظر هل لهم ما يستحقون به العبادة والشركة مع الله؟ ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي الأرض﴾ أي أم تخبرون الله بشركاء لا يعلمهم سبحانه وهو استفهام للتوبيخ ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول﴾ أي أم تسمونهم شركاء بظنٍ باطلٍ فاسد لا حقيقة له، لفرط الجهل وسخافة العقل ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكْرُهُمْ﴾ أي زيَّن لهم الشيطان ذلك الكفر والضلال ﴿وَصُدُّواْ عَنِ السبيل﴾ أي مُنعوا عن طريق الهدى ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ أي ومن يضلله الله فما له أحدٌ يهديه ﴿لَّهُمْ عَذَابٌ فِي الحياة الدنيا﴾ أي لهؤلاء الكفرة عذاب عاجل في هذه الحياة الدنيا بالقتل والأسر وسائر المحن ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَشَقُّ﴾ أي ولعذابهم في الآخرة أثقل وأشد إيلاماً من عذاب الدنيا ﴿وَمَا لَهُم مِّنَ الله مِن وَاقٍ﴾ أي وليس لهم من يحميهم من عذاب الله أو يدفع عنهم سخطه وانتقامه.
البَلاَغَة: ١ - ﴿أَنَزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ. .﴾ الآية شبّه تعالى الحق والباطل بتشبيه رائع يسمى «التشبيه التمثيلي» لأن وجه الشبه فيه منتزعٌ من متعدد، فمثَّل الحق بالماء الصافي الذي يستقر في الأرض، والجوهر الصافي من المعادن الذي به ينتفع العباد، ومثَّل الباطل بالزبد والرغوة التي تظهر على وجه الماء، والخبث من الجوهر الذي لا يلبث أن يتلاشى ويضمحل، والصورة التي توحي بها الآية «صورة الحق والباطل» وهما في صراع كالزبد الذي تتقاذفه الأمواج ﴿فَأَمَّا الزبد فَيَذْهَبُ جُفَآءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ الناس فَيَمْكُثُ فِي الأرض﴾ وهو تمثيل في منتهى الروعة والجمال.
٢ - ﴿فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ مجاز عقلي من إسناد الشيء لمكانه والأصل فسالت مياه الأودية.
٣ - ﴿كذلك يَضْرِبُ الله الحق والباطل﴾ فيه إيجاز بالحذف أي أمثال الحق وأمثال الباطل.
٤ - ﴿لِلَّذِينَ استجابوا ... والذين لَمْ يَسْتَجِيبُواْ﴾ بينهما طباق السلب.
٥ - ﴿كَمَنْ هُوَ أعمى﴾ شبّه الجهل والكفر بالعمى على سبيل الاستعارة التبعية لأن المراد بالأعمى الجاهل الكافر.
٦ - ﴿سِرّاً وَعَلاَنِيَةً﴾ بينهما طباق وكذلك بين ﴿الحسنة السيئة﴾ و ﴿يَبْسُطُ وَيَقَدِرُ﴾ و ﴿يُضِلُّ ويهدي﴾ للتضاد بين اللفظين.
٧ - ﴿إِلاَّ مَتَاعٌ﴾ أي إلا مثل المتاع الذي يستمتع به الإنسان في الحاجات الموقتة ففيه تشبيه بليغ لحذف الأداة ووجه الشبه.
فَائِدَة: بيَّن تعالى في قوله ﴿وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أن النسب لا ينفع إذا لم يحصل معه العمل الصالح، وفيه قطع للأطماع الفارغة لمن يتمسك بمجرد حبل الأنساب.
تنبيه: قال الإمام الطيبي في قوله تعالى ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ﴾ في هذه الآية احتجاج بليغ مبنيٌّ على فنون من علم البيان أولها: التوبيخ لهم على قياسهم الفاسد في عبادة غير الله ثانيها: وضع الظاهر موضع الضمير ﴿كَسَبَتْ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ﴾ تنبيهاً على ضلالهم في جعل شركاء لمن هو فردٌ واحد لا يشاركه أحد في اسمه ثالثها: إنكار لوجود الشركاء على وجه برهاني ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ رابعها: نفي الشيء بنفي لازمه ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لاَ يَعْلَمُ﴾ خامسها: الاحتجاج عليهم بطريق التدرج لبعثهم على التفكر ﴿أَم بِظَاهِرٍ مِّنَ القول﴾ أي أتقولون بأفواهكم من غير روية ولا تفكير ببطلان ما
стр. 637
تقولون؟ فكان هذا الاحتجاج منادياً على نفسه بالإعجاز وأه ليس من كلام البشر.
стр. 638
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى ما أعدَّ للكفار في الآخرة ذكر ما أعد للمؤمنين في جنات النعيم، ثم توعد المشركين بالعذاب الأليم، وختم السورة الكريمة ببيان صدق رسالته ﵇ بشهادة الله تعالى وشهادة المؤمنين من أهل الكتاب.
اللغَة: ﴿الأحزاب﴾ الطوائف المتفرقة من أحزاب اليهود والنصارى سموا بذلك لأنهم جماعات متفرقة لا تجمعهم عقيدة واحدة ﴿مَآبِ﴾ أي مآبي بمعنى مرجعي ﴿يَمْحُواْ﴾ المحو: إزالة الأثر من كتابة أو غيرها وعكسه الإِثبات ﴿أُمُّ الكتاب﴾ أصل كل الكتب والمراد منه علم الله أو اللوح المحفوظ ﴿البلاغ﴾ اسم بمعنى التبليغ ﴿مَكَرَ﴾ المكرُ: تدبير أمرٍ في خفاء، وقد يكون في الخير وقد يكون في الشر.
سَبَبُ النّزول: قال الكلبي: عيَّرت اليهود رسول الله ﷺ َ وقالت: ما نرى لهذا الرجل مهمة إلا النساء والنكاح ولو كان نبياً كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء، فأنزل الله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ .
التفسير: ﴿مَّثَلُ الجنة التي وُعِدَ المتقون تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي صفة الجنة العجيبة الشأن التي وعد الله بها عباده المتقين أنها تجري من تحت قصورها وغرفها الأنهار ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا﴾ أي ثمرها دائم لا ينقطع، وظلُّها دائم لا تنسخه الشمس ﴿تِلْكَ عقبى الذين اتقوا﴾ أي تلك الجنة عاقبة المتقين ومآلهم ﴿وَّعُقْبَى الكافرين النار﴾ أي وأما عاقبة الكفار الفجار فهي النار ﴿والذين
стр. 639
آتَيْنَاهُمُ الكتاب يَفْرَحُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ أي والذين أنزلنا إليهم التوراة والإِنجيل - ممن آمن بك واتبعك يا محمد - كعبد الله بن سلام والنجاشي وأصحابه يفرحون بهذا القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به ﴿وَمِنَ الأحزاب مَن يُنكِرُ بَعْضَهُ﴾ أي ومن أهل الملل المتحزبين عليك وهم أهل أديان شتى من ينكر بعض القرآن مكابرة مع يقينهم بصدقه لأنه موافق لما معهم ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ولا أُشْرِكَ بِهِ﴾ أي قل يا محمد إنما أُمرتُ بعبادة الله وحده لا أشركُ معه غيره ﴿إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآبِ﴾ أي إلى عبادته أدعو الناس وإليه مرجعي ومصيري ﴿وكذلك أَنزَلْنَاهُ حُكْماً عَرَبِيّاً﴾ أي ومثل إنزال الكتب السابقة أنزلنا هذا القرآن بلغة العرب لتحكم به بين الناس ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم﴾ أي ولئن اتبعتَ المشركين فيما يدعونك إليه من الأهواء والآراء بعدما آتاك الله من الحجج والبراهين ﴿مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ وَاقٍ﴾ أي ليس لك ناصرٌ ينصرك أو يقيك من عذاب الله، والمقصود تحذير الأمة من اتباع أهواء الناس لأن المعصوم إذا خوطب بمثل ذلك كان الغرض تحذير الناس قال القرطبي: الخطاب للنبي ﷺ َ والمراد الأمة ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ﴾ أي أرسلنا قبلك الرسل الكرام ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾ أي وجعلنا لهم النساء والبنين، وهو ردٌّ على من عاب على الرسول ﷺ َ كثرة النساء وقالوا: لو كان مرسلاً حقاً لكان مشتغلاً بالزهد وترك الدنيا والنساء، فردَّ الله مقالتهم وبيَّن أن محمداً ﷺ َ ليس ببدعٍ في ذلك، بل هو كمن تقدم من الرسل ﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ أي لم يكن لرسولٍ أن يأتي قومه بمُعجزة إلا إذا أذن الله له فيها، وهذا ردٌّ على الذين اقترحوا الآيات ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾ أي لكل مدةٍ مضروبة كتابٌ كتبه الله في اللوح المحفوظ، وكلُّ شيء عنده بمقدار قال الطبري: لكل أمر قضاه الله كتابٌ قد كتبه فهو عنده ﴿يَمْحُواْ الله مَا يَشَآءُ وَيُثْبِتُ﴾ أي ينسخ الله ما يشاء نسخه من الشرائع والأحكام وصحف الملائكة الكرام، ويثبتُ ما يشاء منها دون تغيير قال ابن عباس: يبدّل الله ما يشاء فينسخه إلا الموتَ والحياة والشقاء والسعادة فإنه قد فرغ منها وقيل: إن المحو والإِثبات عامٌ في جميع الأشياء لما روي أن عمر بن الخطاب كان يطوف بالبيت ويبكي ويقول: اللهمَّ إن كنتَ كتبت عليَّ شقوةً أو ذنباً فامحه، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أمُّ الكتاب، واجعله سعادةً ومغفرة، وقد رجحه أبو السعود وهو قول ابن مسعود أيضاً ﴿وَعِندَهُ أُمُّ الكتاب﴾ أي أصل كل كتاب وهو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقاديرَ الأشياء ِ كلَّها ﴿وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الذي نَعِدُهُمْ﴾ أي وإن أريناك يا محمد بعض الذي وعدناهم من العذاب ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ أي نقبضك قبل أن نقر عينك بعذاب هؤلاء المشركين ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب﴾ أي ليس عليك إلا تبليغ الرسالة وعلينا حسابهم وجزاؤهم ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أي أولمْ ير هؤلاء المشركون أنّا نمكّن للمؤمنين من ديارهم ونفتح للرسول الأرض بعد الأرض حتى تنقص دار الكفر وتزيد دار الإِسلام؟ وذلك من
стр. 640
أقوى الأدلة على أن الله منجزٌ وعده لرسوله ﵇ ﴿والله يَحْكُمُ لاَ مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾ أي ليس يتعقب حكمه أحد بنقصٍ ولا تغيير ﴿وَهُوَ سَرِيعُ الحساب﴾ أي سريع الانتقام ممن عصاه ﴿وَقَدْ مَكَرَ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ أي مكر الكفار الذين خَلَوْا بأنبيائهم كما مكر كفار قريش بك ﴿فَلِلَّهِ المكر جَمِيعاً﴾ أي له تعالى أسباب المكر جميعاً لا يضر مكرهم إلا بإرادته، فهو يوصل إليهم العذاب من حيث لا يعلمون ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي من خير وشر فيجازي عليه ﴿وَسَيَعْلَمُ الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدار﴾ أي لمن تكون العاقبة الحسنة في الآخرة ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً﴾ أي يقول كفار مكة لستَ يا محمد مرسلاً من عند الله ﴿قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي حسبي شهادة الله بصدقي بما أيدني من المعجزات ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ أي وشهادة المؤمنين من علماء أهل الكتاب.
البَلاَغَة: في الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
١ - التشبيه في قوله ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ﴾ [الرعد: ٣٠] وفي ﴿وكذلك أَنزَلْنَاهُ﴾ ويسمى مرسلاً مجملاً.
٢ - الإِيجاز بالحذف في ﴿أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا﴾ أي وظلها دائم حذف منه الخبر بدليل السابق.
٣ - المقابلة في ﴿تِلْكَ عقبى الذين اتقوا وَّعُقْبَى الكافرين النار﴾ وهو من المحسنات البديعية.
٤ - جناس الاشتقاق في ﴿أَرْسَلْنَا رُسُلاً﴾ .
٥ - الطباق في ﴿يَمْحُواْ ... . وَيُثْبِتُ﴾ .
٦ - القصر في ﴿إِنَّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله﴾ وفي ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ﴾ وكلاهما قصرٌ إضافي من باب قصر الموصوف على الصفة أي ليس لك من الصفات إلا صفة التبليغ.
٧ - التهييج والإِلهاب ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم﴾ .
٨ - المجاز المرسل في ﴿نَأْتِي الأرض﴾ أي يأتيها أمرنا وعذابنا.
لطيفَة: فسَّر بعضهم قوله تعالى ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أن نقصانها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير والصلاح، وهذا مرويٌ عن مجاهد وابن عباس في رواية عنه وأنشد بعضهم:
الأرضُ تحيا إذا ما عاشَ عالمِها ... متى يمُتْ عالمٌ منها يمتْ طَرَفُ
كالأرض تحيا إذا ما الغيثُ حلَّ بها ... وإن أبى عادَ في أكنافها التَّلَفُ
стр. 641
اللغَة: ﴿وَيْلٌ﴾ هلاكٌ ودمار ﴿يَسْتَحِبُّونَ﴾ يختارون ويفضّلون ﴿يَسُومُونَكُمْ﴾ يذيقونكم يقال: سامه الذلُّ أي أذاقه الذل ﴿تَأَذَّنَ﴾ أعلم إعلاماً لا شبهة فيه ﴿نَبَأُ﴾ النبأ: الخبر وجمعه أنباء ﴿سُلْطَانٍ﴾ حجة وبرهان ﴿فَاطِرِ﴾ مبدع ومخترع ﴿استفتحوا﴾ استنصروا على أعدائهم ﴿جَبَّارٍ﴾ الجبار: المتكبر الذي لا يرى لأحدٍ عليه حقاً ﴿عَنِيدٍ﴾ العنيد: المعاند للحق والمجانب له الذي يذهب عن طريق الحق، تقول العرب: شرُّ الإِبل العَنُود ﴿صَدِيدٍ﴾ الصديد: القيح الذي يسيل من أجساد أهل النار ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ أي يتحسّاه ويتكلف بلعه بمرارة ﴿يُسِيغُهُ﴾ يبتلعه.
التفسِير: ﴿الر﴾ هذا الكتاب المعجز مؤلف من جنس هذه الحروف المقطعة فأتوا بمثله إن
стр. 642
استطعتم ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ أي هذا القرآن كتاب أنزلناه عليك يا محمد، لم تنشئْه أنت وإنما أوحيناه نحن إليك ﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ أي لتخرج البشرية من ظلمات الجهل والضلال إلى نور العلم والإِيمان ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ أي بأمره وتوفيقه ﴿إلى صِرَاطِ العزيز الحميد﴾ أي لتهديهم إلى طريق الله العزيز الذي لا يُغالب، المحمود بكل لسان، الممجَّد في كل مكان ﴿الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي المالك لما في السماوات والأرض، الغني عن الناس، المسيطر على الكون وما فيه ﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ قال الزجاج: ﴿وَيْلٌ﴾ كلمة تُقال للعذاب والهلكة، أي هلاك ودمارٌ للكافرين ويا ويلهم من عذاب الله الأليم، ثم وضّح صفات أولئك الكفار بقوله ﴿الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا عَلَى الآخرة﴾ أي يفضّلون ويؤثرون الحياة الفانية على الحياة الآخرة الباقية ﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي يصرفون الناس ويمنعونهم عن دين الإسلام ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾ أي يطلبون أن تكون دين الله معوجَّة لتوافق أهواءهم ﴿أولئك فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾ أي أولئك المتصفون بتلك الصفات الذميمة في ضلالٍ عن الحق مبين، لا يُرجى لهم صلاح ولا نجاح ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ أي وما أرسلنا في الأمم الخالية رسولاً من الرسل إلا بلغة قومه ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ أي ليبيّن لهم شريعة الله ويفهمهم مراده، لتتمَّ الغاية من الرسالة ﴿فَيُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾ أي وليست وظيفة الرسل إلا التبليغ وأما أمر الهداية والإِيمان فذلك بيد الله يضلُّ من يشاء إضلاله، ويهدي من يشاء هدايته على ما سبق به قضاؤه المحكم ﴿وَهُوَ العزيز الحكيم﴾ أي وهو العزيز في ملكه، الحكيم في صنعه ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَآ﴾ أي أرسلنا موسى بالمعجزات الباهرات الدالة على صدقه ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ أن تفسيرية بمعنى أيْ والمعنى أي أخرج بني إِسرائيل من ظلمات الجهل والكفر إلى نور الإيمان والتوحيد قال أبو حيان: وفي قوله ﴿قَوْمَكَ﴾ خصوصٌ لرسالة موسى إلى قومه بخلاف قوله لمحمد ﴿لِتُخْرِجَ الناس﴾ مما يدل على عموم الرسالة ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله﴾ أي ذكّرهم بأياديه ونعمه عليهم ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ أي في التذكير بأيام الله لعبراً ودلالات لكل عبد منيب صابر على البلاء، شاكر للنعماء ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ﴾ أي اذكروا نعم الله الجليلة عليكم ﴿إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي حين نجاكم من الذل والاستعباد من فرعون وزبانيته ﴿يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب﴾ أي يذيقونكم أسوأ أنواع العذاب ﴿وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ﴾ أي يذبحون الذكور ويستبقون الإناث على قيد الحياة مع الذل والصغار ﴿وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ﴾ أي وفي تلك المحنة ابتلاءٌ واختبار لكم من ربكم عظيم قال المفسرون: وكان سبب قتل الذكور أن الكهنة قالوا لفرعون إنّ مولوداً يولد في بني إسرائيل يكون ذهاب ملكك على يديه، فأمر بقتل كل مولود ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ هذا من تتمة كلام موسى أي واذكروا أيضاً حين أعلم ربكم إعلاماً لا شبهة فيه لئن شكرتم إنعامي لأزيدنكم من فضلي ﴿وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ أي ولئن جحدتم نعمتي بالكفر والعصيان فإن عذابي شديد، وعدَ بالعذاب
стр. 643
على الكفر، كما وعَدَ بالزيادة على الشكر ﴿وَقَالَ موسى إِن تكفروا أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً﴾ أي وقال موسى لبني إِسرائيل بعد أن أيس من إيمانهم لئن كفرتم أنتم وجميع الخلائق فلن تضروا الله شيئاً ﴿فَإِنَّ الله لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ أي هو غنيٌّ عن شكر عباده، مستحق للحمد في ذاته وهو المحمود وإن كفره من كفره ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ أي ألم يأتكم أخبار من قبلكم من الأمم المكذبة كقوم نوح وعاد وثمود ماذا حلَّ بهم لما كذبوا بآيات الله ﴿والذين مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي والأمم الذين جاءوا بعدهم ﴿لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله﴾ أي لا يحصي عددهم إلا الله ﴿جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات﴾ أي بالحجج الواضحات، والدلائل الباهرات ﴿فردوا أَيْدِيَهُمْ في أَفْوَاهِهِمْ﴾ أي وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيباً لهم وقال ابن مسعود: عضوا أصابعهم غيظاً ﴿وقالوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾ أي كفرنا بما زعمتم أن الله أرسلكم به ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ أي في شك عظيم من دعوتكم، وقلق واضطراب من دينكم ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي الله شَكٌّ﴾ أي أجابهم الرسل بقولهم: أفي وجود الله ووحدانيته شك؟ والاستفهام للإنكار والتوبيخ لأنه لا يحتمل الشك لظهور الأدلة ولهذا لفتوا الانتباه إلى براهين وجوده بقولهم ﴿فَاطِرِ السماوات والأرض﴾ أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾ أي يدعوكم إلى الإِيمان ليغفر لكم ذنوبكم ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي إن آمنتم أمدَّ في أعماركم إلى منتهى آجالكم ولم يعاقبكم في العاجل فيهلككم ﴿قالوا إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ أي ما أنتم إلا بشر مثلنا لا فضل لكم علينا ﴿تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُنَا﴾ أي تريدون أن تصرفونا عن عبادة الأوثان التي كان عليها آباؤنا ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي فأتونا بحجة ظاهرة على صدقكم ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ أي قالت الرسل: نحن كما قلتم بشر مثلكم ﴿ولكن الله يَمُنُّ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي يتفضل على من يشاء بالنبوة والرسالة قال الزمخشري: لم يذكروا فضلهم تواضعاً منهم وسلّموا لقولهم وأنهم بشرٌ مثلُهم في البشرية وحدها، فأمّا ما وراء ذلك فما كانوا مثلهم ﴿وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾ أي وما ينبغي لنا أن نأتيكم بحجة وآية مما اقترحتموه علينا إلا بمشئية الله وإذنه ﴿وَعلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ أي على الله وحده فليعتمد المؤمنون في جميع أمورهم ﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله﴾ أي قالت الرسل: أيُّ شيء يمنعنا من التوكل على الله؟ ﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ أي والحال أنه قد بصّرنا طريق النجاة من عذابه ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ على مَآ آذَيْتُمُونَا﴾ أي ولنصبرنَّ على أذاكم قال ابن الجوزوي: وإنما قُصَّ هذا وأمثاله على نبينا ﷺ َ ليقتدي بمن قبله في الصبر وليعلم ما جرى لهم ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾ ليس هذا تكراراً وإنما معناه الثبات على التوكل أي فليدوموا وليثبتوا على التوكل عليه وحده، وهنا يسفر الطغيان عن وجهه متبجحاً بالقوة المادية التي يملكها المتجبرون ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي
стр. 644
مِلَّتِنَا﴾ أي قال الكفار للرسل الأطهار والله لنطردنكم من ديارنا أو لترجعنَّ إلى ديننا ﴿فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين﴾ أي أوحى الله إلى الرسل لأهلكنَّ أعداءكم الكافرين المتجبرين ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ﴾ أي ولأمنحنكم سكنى أرضهم بعد هلاكهم ﴿ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ أي ذلك النصر للرسل وإهلاك الظالمين لمن خاف مقامه بين يديَّ وخاف عذابي ووعيدي قال في البحر: ولما أقسموا على إِخراج الرسل أو العودة في ملتهم أقسم تعالى على إهلاكهم، وأي إِخراجٍ أعظم من الإِهلاك بحيث لا يكون لهم عودة إليها أبداً ﴿واستفتحوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ أي واستنصر الرسل بالله على قومهم وخسر وهلك كل متجبر معاند للحق ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾ أي من وراء ذلك الكافر جهنم ويسقى فيها من ماءٍ صديد هو من قيح ودمٍ ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي يبتلعه مرة بعد مرة لمرارته، ولا يكاد يستسيغه لقبحه وكراهته ﴿وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ أي يأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان، ولكنَّه لا يموت ليستكمل عذابه ﴿وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ أي ومن بين يديه عذابٌ أشدُّ مما قبله وأغلظ.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة أنواعاً من البلاغة والبيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الاستعارة في ﴿لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور﴾ حيث استعار الظلمات للكفر والضلال، والنور للهدى والإيمان، وكذلك ﴿وَيَأْتِيهِ الموت﴾ استعارة عن غواشي الكروب وشدائد الأمور، فقد يوصف المغموم بأنه في غمرات الموت مبالغة في عظيم ما يغشاه وأليم ما يلقاه.
٢ - الطباق بين ﴿يُضِلُّ ويَهْدِي﴾ وبين ﴿شَكَرْتُمْ وكَفَرْتُمْ﴾ وبين ﴿نُخْرِجَنَّ وتَعُودُنَّ﴾ .
٣ - صيغة المبالغة في ﴿صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ وفي ﴿جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ .
٤ - جناس الاشتقاق في ﴿أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ﴾ وفي ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾ .
٥ - السجع في ﴿شَدِيدٍ، بَعِيدٍ، عَنِيدٍ﴾ الخ.
فَائِدَة: ذكر تعالى في البقرة ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] بغير واوٍ وهنا ﴿وَيُذَبِّحُونَ﴾ بالواو، والسرُّ في ذلك أنه في سورة البقرة جاء اللفظ تفسيراً لما سبق من قوله ﴿سواء العذاب﴾ [البقرة: ٤٩] فكأنه قال يسومونكم سوء العذاب ثم فسره بقوله ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٩] أما في هذه السورة فهو غير تفسير لأن المعنى أنهم يعذبونهم بأنواع من العذاب وبالتذبيح أيضاً فهو نوع آخر من العذاب غير الأول والله أعلم.
стр. 645
المنَاسَبَة: لما حكى تعالى استهزاء الكفار بالرسل، وما أعدَّ لهم من العذاب والنكال في الآخرة، ضرب مثلاً لأعمالهم، ثم ذكر المناظرة بين الرؤساء والأتباع، وعقّبها بالتذكير بنعم الله على العباد ليعبدوه ويشكروه.
اللغَة: ﴿عَاصِفٍ﴾ شديد الريح ﴿بَرَزُواْ﴾ البروز: الظهور بعد الخفاء، والبَراز المكان الواسع لظهوره، وامرأةٌ برْزة أي تظهر للناس ﴿مَّحِيصٍ﴾ منجى ومهرب يقال: حاصَ عن كذا أي فرَّ وأراد الهرب منه ﴿جَزِعْنَآ﴾ الجزع: عدم احتمال الشدة وهو نقيض الصبر ﴿مُصْرِخِكُمْ﴾ مُغيثكم الصارخ المستغيث، والمُصرخ المغيث قال أمية:
فلا تَجْزعوا إِني لكم غيرُ مُصْرخٍ ... وليس لكم عندي غناءٌ ولا نصْر
﴿اجتثت﴾ اقتلعت من أصلها ﴿البوار﴾ الهلاك ﴿خِلاَلٌ﴾ جمع خُلَّة وهي الصحبة والصَّداقة قال امرؤ القيس:
صرفتُ الهَوى عنهنَّ من خشيةِ الرَّدى ... فلستُ بمقْليِّ الخِلال ولا قالي
﴿دَآئِبَينَ﴾ الدؤب في اللغة: مرورُ الشيء في العمل على عادة مطردة يقال دأب دؤباً.
التفسِير: ﴿مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح﴾ أي مثلُ أعمالِ الكفار
стр. 646
التي عملوها في الدنيا يبتغون بها الأجر من صدقةٍ وصلة رحم وغيرها مثلُ رمادٍ عصفت به الريح فجعلته هباءً منثوراً ﴿فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ أي في يومٍ شديد هبوب الريح قال القرطبي: ضرب الله هذه الآية مثلاً الكفار في أنه يمحقها كما تمحق الريح الشديدة الرماد في يوم عاصف لأنهم أشركوا فيها غير الله تعالى ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ﴾ أي لا يقدر الكفار على تحصيل ثواب ما عملوا من البرِّ في الدنيا لإِحباطه بالكفر، كما لا يستطيع أن يحصل الإِنسان على شيء من الرماد الذي طيَّرته الريح ﴿ذلك هُوَ الضلال البعيد﴾ أي الخسران الكبير ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ السماوات والأرض بالحق﴾ أي ألم تر أيها المخاطب بعين قلبك وتتأمل ببصيرتك أن اللهَ العظيم الجليل أنفرد بالخلق والإيجاد، وأنه خلق السماوات والأرض ليُستدلَّ بهما على قدرته؟ قال المفسرون: أي لم يخلقهن عبثاً وإنما خلقهنَّ لأمرٍ عظيم ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أي هو قادرٌ على الإفناء كما قادر على الإِيجاد والإِحياء قال ابن عباس يريد: يميتكم يا معشر الكفار ويخلق قوماً غيركم خيراً منكم وأطوع ﴿وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ﴾ أي ليس ذلك بصعبٍ أو متعذرٍ على الله، فإنَّ القويَّ القادر لا يصعبُ عليه شيء ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ أي خرجوا من قبورهم يوم البعث، وظهروا للحساب لا يسترهم عن الله ساتر قال الإِمام الفخر: ورد بلفظ الماضي ﴿وَبَرَزُواْ﴾ وإن كان معناه الاستقبال لأن كل ما أخبر الله تعالى عنه فهو صدقٌ وحقٌ، فصار كأنه قد حصل ودخل في الوجود ونظيره ﴿ونادى أَصْحَابُ الجنة أَصْحَابَ النار﴾ [الأعراف: ٤٤] ﴿فَقَالَ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا﴾ أي قال الأتباع والعوام للسادة الكبراء والقادة الذين أضلوهم في الدنيا ﴿إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ أي كنا أتباعاً لكم نأتمر بأمركم ﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ﴾ أي هل أنتم دافعون عنا شيئاً من عذاب الله؟ والاستفهام للتوبيخ والتقريع ﴿قَالُواْ لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ﴾ أي قال القادة معتذرين: لو هدانا الله للإيمان لهديناكم إِليه، ولكن حصل لنا الضلال فأضللناكم فلا ينفعنا العتاب ولا الجزع ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا﴾ أي يستوي علينا الجزع والصبر قال الطبري: إن أهل النار يجتمعون فيقول بعضهم لبعض: إنما أدركَ أهلُ الجنةِ ببكائهم وتضرعهم إلى الله فتعالواْ نبكي ونتضرع إلى الله، فبكوا فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم قالوا: تعالوا نصبر فصبروا صبراً لم يُر مثلُه، فلما رأوا أنه لا ينفعهم قالوا ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا﴾ وقال مقاتل: جزعوا خمسمائة عام، وصبروا خمسمائة عام ﴿مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ أي ليس لنا من مهرب أو ملجأ ﴿وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر﴾ هذه هي الخطبة البتراء التي يخطب بها إبليس في محفل الأشقياء في جهنم أي لمّا فُرغ من الحساب ودخل أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النارِ النارَ ﴿إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق﴾ أي وعدكم وعداً حقاً بإثابة المطيع وعقاب العاصي فوفَّى لكم وعده ﴿وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ أي وعدتكم ألاّ بعث ولا ثواب ولا عقاب فكذبتكم وأخلفتكم الوعد ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ أي لم يكن لي قدرة وتسلط وقهر عليكم فأقهركم على الكفر والمعاصي ﴿إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي﴾ أي إلا دعائي إياكم إلى الضلالة بالوسوسة
стр. 647
والتزيين فاستجبتم لي باختياركم ﴿فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ﴾ أي لا ترجعوا باللوم عليَّ اليوم ولكن لوموا أنفسكم فإن الذنب ذنبكم ﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أي ما أنا بمغيثكم ولا أنتم بمغيثيَّ من عذاب الله ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ أي كفرت بإشراككم لي مع الله في الطاعة ﴿إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي إن المشركين لهم عذاب مؤلم قال المفسرون: هذه الخطبة إنما تكون إذا استقر أهل الجنةِ في الجنة، وأهلُ النار في النار، فيأخذ أهل النار في لوم إبليس وتقريعه فيقوم فيما بينهم خطيباً بما أخبر عنه القرآن وقال الحسن: يقف إبلس يوم القيامة خطيباً في جهنم على منبرٍ من نار يسمعه الخلائق جميعاً ﴿وَأُدْخِلَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ لمّا ذكر تعالى أحوال الأشقياء، ذكر بعده أحوال السعداء، ليبقى العبد بين الرغبة والرهبة، وبين الخوف والرجاء أي أدخلهم الله تعالى جناتٍ تجري من تحت قصورها أنهار الجنة ماكثين فيها أبداً بأمره تعالى وتوفيقه وهدايته ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ﴾ أي تُحييِّهم الملائكة بالسلام مع الإِجلال والإِكرام ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ﴾ هذا مثلٌ ضربه الله لكلمة الإِيمان وكلمة الإِشراك، فمثَّل لكلمة الإِيمان بالشجرة الطيبة، ولكلمة الإِشراك بالشجرة الخبيثة قال ابن عباس: الكلمة الطيبة «لا إله إلا الله» والشجرة الطيبة «المؤمن» ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السمآء﴾ أي أصلها راسخ في الأرض وأغصانها ممتدة نحو السماء ﴿تؤتي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ أي تعطي ثمرها كلَّ وقت بتيسير الخالق وتكوينه، كذلك كلمة الإِيمان ثابتة في قلب المؤمن، وعملُه يصعد إلى السماء ويناله بركته وثوابه في كل وقت ﴿وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي يبيّن لهم الأمثال لعلهم يتعظون فيؤمنون ﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ أي ومثل كلمة الكفر الخبيثة كشجرة الحَنْظل الخبيثة ﴿اجتثت مِن فَوْقِ الأرض﴾ أي استؤصلت من جذورها واقتعلت من الأرض لعدم ثبات أصلها ﴿مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ أي ليس لها استقرارٌ وثبات، كذلك كلمة الكفر لا ثبات لها ولا فرع ولا بركة قال ابن الجوزي: شُبه ما يكسبه المؤمن من بركة الإيمان وثوابه في كل وقت بثمرتها المجتناة في كل حين، فالمؤمن كلما قال «لا إله إلا الله» صعدت إِلى السماء ثم جاء خيرُها ومنفعتها، والكافر لا يُقبل عمله ولا يصعد إلى الله تعالى، لأنه ليس له أصل في الأرض ثابت، ولا فرع في السماء ﴿يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ بالقول الثابت فِي الحياة الدنيا﴾ أي يثبتهم على كلمة التوحيد «لا إله إلا الله» وعلى الإيمان في هذه الحياة فلا يزيغون ولا يُفْتنون ﴿وَفِي الآخرة﴾ أي عند سؤال الملكين في القبر كما في الحديث الشريف
«المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فذلك قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ الله الذين آمَنُواْ﴾ ... » الآية « ﴿وَيُضِلُّ الله الظالمين﴾ أي لا يهديهم في الحياة ولا عند سؤال الملكين وقت الممات ﴿وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَآءُ﴾ أي من هداية المؤمن وإضلال الكافر لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً﴾ استفهام للتعجيب أي ألا تعجب أيها السامع من أولئك الذين
стр. 648
غيَّروا نعمة الله بالكفر والتكذيب؟ قال المفسرون: هم كفار مكة فقد أسكنهم الله حرمه الآمن، وجعل عيشهم في السِّعة، وبعث فيهم محمداً ﷺ َ فلم يعرفوا قدر هذه النعمة، وكفروا به وكذبوه، فابتلاهم الله بالقحط والجدب ﴿وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار﴾ أي أنزلوا قومهم دار الهلاك بكفرهم وطغيانهم ثم فسَّرها بقوله ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار﴾ أي أحلوهم في جهنم يذوقون سعيرها وبئست جهنم مستقراً ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي جعلوا لله شركاء مماثلين عبدوهم كعبادته ليُضلوا الناس عن دين الله ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار﴾ أي استمتعوا بنعيم الدنيا فإن مردَّكم ومرجعكم إلى عذاب جهنم، وهو وعيد وتهديد ﴿قُل لِّعِبَادِيَ الذين آمَنُواْ يُقِيمُواْ الصلاة﴾ أي قل يا محمد لعبادي الذين آمنوا فلْيقيموا الصلاة المفروضة عليهم ويؤدوها على الوجه الأكمل ﴿وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً﴾ أي ولينفقوا مما أنعمنا عليهم به من الرزق خفيةً وجهراً ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خِلاَلٌ﴾ أي من قبل أن يأتي يوم القيامة الذي لا انتفاع فيه بمبايعة ولا صداقة، ولا فداء ولا شفاعة، ولما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء والأشقياء ختم ذلك بذكر الدلائل الدالة على وجود الخالق الحكيم فقال ﴿الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض﴾ أي أبدعهما واخترعهما على غير مثال سبق ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ أي أنزل من السحاب الممطر ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقاً لَّكُمْ﴾ أي أخرج بالمطر من أنواع الزروع والثمار رزقاً للعباد يأكلونه ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك لِتَجْرِيَ فِي البحر بِأَمْرِهِ﴾ أي ذلَّل السفن الكبيرة لتسير بمشيئته، تركبونها وتحملون فيها أمتعتكم من بلد إلى بلد ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنهار﴾ أي الأنهار العذبة لتشربوا منها وتسقوا وتزرعوا ﴿وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَآئِبَينَ﴾ أي وذلَّل لكم الشمس والقمر يجريان بانتظام لا يفتران، لصلاح أنفسكم ومعاشكم ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل والنهار﴾ أي لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله بالنهار، هذا لمنامكم وذاك لمعاشكم ﴿وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ أي أعطاكم كل ما تحتاجون إليه، وما يصلح أحوالكم ومعاشكم، مما سألتموه بلسان الحال أو المقال ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ أي وإِن تعدُّوا نِعَم اللهِ عليكم لا تطيقوا حصرها وعدَّها، فهي أكبر وأكثر من أن يحصيها عدد ﴿إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ الإِنسان اسم جنس أي إن الإنسان لمبالغٌ في الظلم والجحود، ظالمٌ لنفسه بتعديه حدود الله، جحودٌ لنعم الله، وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع،
стр. 649
كفَّار في النعمة يجمع ويمنع.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
١ - التشبيه التمثيلي ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتدت بِهِ الريح﴾ لأن وجه الشبه منتزع من متعدد.
٢ - التشبيه المرسل المجمل ﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ ومثلها ﴿مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾ .
٣ - الطباق في ﴿أَصْلُهَا ... وَفَرْعُهَا﴾ وفي ﴿طَيِّبَةً ... وخَبِيثَةٍ﴾ وفي ﴿يُذْهِب ... ويَأْتِيَ﴾ وفي ﴿سِرّاً ... وَعَلانِيَةً﴾ وفي ﴿أَجَزِعْنَآ ... وصَبَرْنَا﴾ .
٤ - طباق السلب في ﴿فَلاَ تَلُومُونِي ولوموا أَنفُسَكُمْ﴾ .
٥ - التعجيب ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً﴾ .
٦ - التهديد والوعيد ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ﴾ .
٧ - صيغة المبالغة ﴿ظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ لأن فعول وفعّال من صيغ المبالغة.
٨ - السجع المرصَّع دون تكلف مثل ﴿البوار ... القرار ... النار﴾ الخ.
стр. 650
المنَاسَبة: لمّا ذكر تعالى بالدلائل الحسية والسمعية انفراده بالألوهية وأن لا معبود إِلا الله، ذكر هنا أبا الأنبياء «إِبراهيم» ﵇ حصن التوحيد، ومبالغته في هدم الشرك والأوثان، ثم ذكر موقف الظالمين يوم الدين، وما يعتريهم من الذل والهوان في يوم الحشر الأكبر.
اللغَة: ﴿واجنبني﴾ أبعدني ونحّني يقال: جَنب وجنَّب وأصله جعل الشيء في جانب آخر ﴿تَشْخَصُ﴾ شخَص البصر: إِذا بقيت العين مفتوحة لا تغمض من هول ما ترى ﴿مُهْطِعِينَ﴾ مسرعين يقال أهطع إهطاعاً إذا أسرع قال الشاعر:
بدجلةَ دارهُم ولقد أَراهم ... بدجلةَ مُهْطعينَ إِلى السَّماع
﴿مُقْنِعِي﴾ المقنعُ: الرافع رأسه المقبل ببصره على ما بين يديه ﴿هَوَآءٌ﴾ خالية ﴿مُّقَرَّنِينَ﴾ مشدودين ﴿الأصفاد﴾ الأغلال والقيود واحدها صفد ﴿سَرَابِيلُهُم﴾ جمع سربال وهو القميص والثوب ﴿تغشى﴾ تجلّل وتغطّي.
التفسِير: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا البلد آمِناً﴾ أي اجعل مكة بلد آمنٍ يأمن أهله وساكنوه ﴿واجنبني وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصنام﴾ أي احمني يا رب وجنبني وأولادي عبادة الأصنام، والغرضُ تثبيتُه على ملة التوحيد والإِسلام ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ الناس﴾ أي يا ربّ إنَّ هذه الأصنام أضلَّت كثيراً من الخلق عن الهداية والإِيمان ﴿فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ أي فمن أطاعني وتبعني على التوحيد فإِنه من أهل ديني ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي ومن خالف أمري فإِنك يا رب غفار الذنوب رحيمٌ بالعباد ﴿رَّبَّنَآ إني أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي﴾ كرّر النداء رغبةً في الإِجابة وإِظهاراً للتذلل والإلتجاء إلى الله تعالى أي يا ربنا إني أسكنت من أهلي - ولدي إسماعيل وزوجي هاجر - ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم﴾ أي بوادٍ ليس فيه زرع في جوار بيتك المحرم، وهو وادي مكة شرفها الله تعالى ﴿رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصلاة فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ﴾ أي ربنا لكي يعبدوك ويقيموا الصلاة أسكنتهم بهذا الوادي فاجعل قلوبَ الناسِ تحنُّ وتسرع إِليهم شوقاً قال ابن عباس: لو قال: (أفئدة الناس) لازدحمت عليه فارس والروم والناسُ كلهم، ولكنْ قال ﴿مِّنَ الناس﴾ فهم المسلمون ﴿وارزقهم مِّنَ الثمرات لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ أي وارزقهم في ذلك الوادي القفر من أنواع الثمار ليشكروك على جزيل نِعمك، وقد استجاب الله دعاءه فجعل مكة حرماً آمناً يجبى إليها ثمرات كل شيء رِزقاً من عند الله ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ﴾ أي يا ربنا إنك العالم لما في القلوب تعلم ما نسرُّ وما نظهر ﴿وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَيْءٍ فَي الأرض وَلاَ فِي السمآء﴾ أي لا يغيب عليه تعالى شيء في الكائنات، سواء منها ما كان في الأرض أو في السماء، فكيف تخفى عليه وهو خالقها وموجدها؟ ﴿الحمد للَّهِ الذي وَهَبَ لِي عَلَى الكبر إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ أي الحمد لله الذي رزقني على كبر سني وشيخوختي إسماعيل وإسحاق قال ابن عباس: ولد له إِسماعيل وهو ابن تسعٍ
стр. 651
وتسعين، وولد له إِسحاق وهو ابن مائة واثنتي عشرة سنة ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدعآء﴾ أي مجيبٌ لدعاء من دعاه ﴿رَبِّ اجعلني مُقِيمَ الصلاة وَمِن ذُرِّيَتِي﴾ هذه هي الدعوة السادسة من دعوات الخليل ﵇ أي يا رب اجعلني ممن حافظ على الصلاة واجعل من ذريتي من يقيمها أيضاً، وهذه خير دعوةٍ يدعوها المؤمن لأولاده فلا أحبَّ له من أن يكون مقيماً للصلاة هو وذريته لأنهما عماد الدين ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ﴾ أي تقبَّلْ واستجبْ دعائي فيما دعوتك به ﴿رَبَّنَا اغفر لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الحساب﴾ هذه هي الدعوة السابعة وبها ختم إِبراهيم دعاءه الضارع الخاشع بالاستغفار له ولوالديه ولجميع المؤمنين، يوم يقوم الناس لرب العالمين قال المفسرون: استغفر لوالديه قبل أن يتبيَّن له أنَّ أباه عدوٌ لله قال القشيري: ولا يبعد أن تكون أمه مسلمة لأن الله ذكر عذره في استغفاره لأبيه دون أمه.
. وينتقل السياق إلى مشاهد القيامة وما فيها من الأهوال حين تزلزل القلوب والأقدام ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون﴾ أي لا تظننَّ يا محمد أنَّ الله ساهٍ عن أفعال الظلمة، فإن سنة الله إمهال العصاة ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، قال ميمون بن مِهْران: هذا وعيدٌ للظالم، وتعزيةٌ للمظلوم ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار﴾ أي إِنما يؤخرهم ليومٍ رهيب عصيب، تَشْخص فيه الأبصار من الفزع والهَلع، فتظلُّ مفتوحة مبهوتة لا تطرف ولا تتحرك قال أبو السعود: تبقى أبصارهم مفتوحة لا تتحرك أجفانهم من هول ما يرونه ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أي مسرعين لا يلتفتون إلى شيء رافعين رءوسهم مع إدامة النظر قال الحسن: وجوه الناس يومئذٍ إِلى السماء لا ينظر أحدٌ إلى أحد ﴿لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ أي لا يطرفون بعيونهم من الخوف والجزع ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ أي قلوبهم خالية من العقل لشدة الفزع ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ أي خوّف يا محمد الكفار من هول يوم القيامة حين يأتيهم العذاب الشديد ﴿فَيَقُولُ الذين ظلموا رَبَّنَآ أَخِّرْنَآ إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي فيتوجه الظالمون يومئذٍ إلى الله بالرجاء يقولون يا ربنا أمهلنا إلى زمنٍ قريب لنستدرك ما فات ﴿نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل﴾ أي نجب دعوتك لنا إِلى الإِيمان ونتّبع رسلك فيما جاءونا به ﴿أَوَلَمْ تكونوا أَقْسَمْتُمْ مِّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مِّن زَوَالٍ﴾ أي يقال لهم توبيخاً وتبكيتاً: ألم تحلفوا أنكم باقون في الدنيا لا تنتقلون إلى دار أخرى؟ والمراد إِنكارهم للبعث والنشور ﴿وَسَكَنتُمْ فِي مساكن الذين ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾ أي سكنتم في ديار الظالمين بعد أن أهلكناهم، فهلاَّ اعتبرتم بمساكنهم؟ ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ أي تبيَّن لكم بالإِخبار والمشاهدة كيف أهلكناهم، وانتقمنا منهم ﴿وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأمثال﴾ أي بينا لكم الأمثال في الدنيا فلم تعتبروا ﴿وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ أي مكر المشركون بالرسول وبالمؤمنين حين أرادوا قتله ﴿وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ﴾ أي وعند الله جزاء هذا المكر فإنه محيط بهم وبمكرهم ﴿وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال﴾ أي وإن كان مكرهم من القوة والتأثير حتى ليؤدي إلى زوال الجبال ولكنَّ الله عصَم ووقى منه ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ أي لا تظننَّ أيها المخاطب أن الله يخلف رسله ما وعدهم به من النصر وأخذ الظالمين المكذبين ﴿إِنَّ الله
стр. 652
عَزِيزٌ ذُو انتقام﴾ أي إنه تعالى غالبٌ لا يعجزه شيء منتقم ممن عصاه ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ أي ينتقم من أعدائه يوم الجزاء، يوم تتبدل هذه الأرض أرضاً أخرى، وتتبدل السماوات سماوات أخرى قال ابن مسعود: تُبدَّل الأرضُ بأرضٍ كالفضة نقية، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل عليها خطيئة ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ﴾ أي خرجت الخلائق جميعها من قبورهم، وإنما هم في أرض المحشر أمام الواحد القهار ﴿وَتَرَى المجرمين يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأصفاد﴾ أي وفي ذلك اليوم الرهيب تبصر المجرمين مشدودين مع شياطينهم بالقيود والأغلال قال الطبري: أي مقرَّنة أيديهم وأرجُلهم إِلى رقابهم بالأصفاد وهي الأغلال والسلاسل ﴿سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ﴾ أي ثيابهم التي يلبسونها من قطران وهي مادة يسرع فيها اشتعال النار، تُطلى بها الإِبل الجربى فيحرق الجربَ بحرّه وحدته، وهو أسود اللون منتنُ الريح ﴿وتغشى وُجُوهَهُمُ النار﴾ أي تعلوها وتحيط بها النار، جزاء المكر والاستكبار ﴿لِيَجْزِيَ الله كُلَّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ﴾ أي برزوا يوم القيامة لأحكم الحاكمين ليجازيهم الله على أعمالهم، المحسنَ بإِحسانه، والمسيءَ بإِساءته ﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾ أي لا يشغله شأن عن شأن، يحاسب جميع الخلق في أعجل ما يكون من الزمان، في مقدار نصف نهار من أيام الدنيا كما ورد به الأثر ﴿هذا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ﴾ أي هذا القرآن بلاغٌ لجميع الخلق من إِنس وجان، أنزل لتبليغهم بما فيه من فنون العبر والعظات ﴿وَلِيُنذَرُواْ بِهِ﴾ أي لكي يُنصحوا به ويخوّفوا من عقاب الله ﴿وليعلموا أَنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ أي ولكي يتحققوا بما فيه من الدلائل الواضحة والبراهين القاطعة، على أنه تعالى واحد أحدٌ، فردٌ صمد ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب﴾ أي وليتعظ بهذا القرآن أصحاب العقول السليمة، وهم السعداء أهل النهي والصلاح.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
١ - التشبيه البليغ ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَآءٌ﴾ حذف منه أداة التشبيه ووجه الشبه أي قلوبهم كالهواء لفراغها من جميع الأشياء فأصبح التشبيه بليغاً.
٢ - الإيجاز بالحذف ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض والسماوات﴾ حذف منه والسماوات تبدل غير السماوات لدلالة ما سبق.
٣ - الطباق في ﴿تَبِعَنِي ... عَصَانِي﴾ وفي ﴿نُخْفِي ... نُعْلِنُ﴾ وفي ﴿الأرض ... السمآء﴾ .
٤ - جناس الاشتقاق في ﴿مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ﴾ .
٥ - العدول عن المضارع إلى الماضي ﴿وَبَرَزُواْ﴾ بدل ﴿ويبرزون﴾ للدلالة على تحقق الوقوع مثل ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ [النحل: ١] فكأنه حدث ووقع فأخبر عنه بصيغة الماضي.
٦ - الاستعارة في ﴿لصَّلاَةَ فاجعل أَفْئِدَةً مِّنَ الناس تهوي إِلَيْهِمْ﴾ قال الشريف الرضي: وهذه من
стр. 653
محاسن الاستعارة وحقيقةُ الهُوي النزول من علوٍ إلى انخفاض كالهبوط والمراد تسرع إليهم شوقاً وتطير إليهم حباً، ولو قال «تحنُّ إليهم» لم يكن فيه من الفائدة ما في التعبير ب ﴿تهوي إِلَيْهِمْ﴾ لأن الحنين قد يكون من المقيم بالمكان.
لطيفَة: حكمة تعريف البلد هنا ﴿اجعل هذا البلد آمِناً﴾ وتنكيره في البقرة ﴿اجعل هذا بَلَداً آمِناً﴾ [البقرة: ١٢٦] أنه تكرر الدعاء من الخليل، ففي البقرة كان قبل بنائها فطلب من الله أن تجعل بلداً، وأن تكون آمناً، وهنا كان بعد بنائها فطلب من الله أن تكون آمناً أي بلد أمنٍ واستقرار، وهذا هو السرُّ في التفريق في الآيتين، اللهم ارزقنا فهم أسرار كتابك العظيم.
стр. 654
اللغَة: ﴿رُّبَمَا﴾ ربَّ للتقليل و ﴿مَآ﴾ نكره موصوفة أي رب شيء ﴿لَّوْمَا﴾ للتحضيض كلولا وهلاّ ﴿شِيَعِ﴾ جمع شيعة وهي الفرقة والطائفة من الناس ﴿نَسْلُكُهُ﴾ ندخله، والسَّلْك: إدخال الشيء في الشيء ﴿يَعْرُجُونَ﴾ عَرَج: صعد، والمعارج المصاعد ﴿سُكِّرَتْ﴾ سُدَّت ومنعت ﴿بُرُوجاً﴾ البروج: منازل الكواكب السيارة وأصله الظهور ومنه تبرج المرأة وهو إظهار زينتها ﴿لَوَاقِحَ﴾ جمع لاقح وهي الريح التي تحمل المطر، والتي لا تأتي بخير تسمى الريح العقيم، أو ملقّحة للشجر أي تحمل اللّقاح له ﴿صَلْصَالٍ﴾ طين يابس يسمع له صلصلة إذا يبس ﴿حَمَإٍ﴾ الحمأ: الطين الأسود ﴿مَّسْنُونٍ﴾ منتن متغير قال الفراء: هو المتغيّر وأصله من سننتُ الحجر إذا حككته به ﴿السموم﴾ الريح الحارة القاتلة.
سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: كانت امرأة تصلي خلف رسول الله ﷺ َ حسناء من أحسن الناس، فكان بعض القوم يتقدم حتى يكون في الصف الأول لئلا يراها، ويتأخر بعضهم حتى يكون في الصف المؤخر فإذا ركع نظر من تحت إبطه فأنزل الله ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستأخرين﴾ .
التفسِير: ﴿
الار﴾ إشارة إلى إعجاز القرآن أي هذا الكتاب العجيب المعجز كلام الله تعالى وهو منظوم من أمثال هذه الحروف الهجائية الألف واللام والراء ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب﴾ أي هذه آيات الكتاب، الكامل في الفصاحة والبيان، المتعالي عن الطاقة البشرية، ﴿وَقُرْآنٍ مُّبِينٍ﴾ أي قرآنٍ عظيم الشأن، واضحٍ بيّن، لا خلل فيه ولا اضطراب ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ﴾ أي ربما تمنى الكفار ﴿لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ أي لو كانوا في الدنيا مسلمين، وذلك عند معاينة أهوال الآخرة ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ أي دَعْهم يا محمد يأكلوا كما تأكل البهائم، ويستمتعوا بدنياهم الفانية ﴿وَيُلْهِهِمُ الأمل﴾ أي يشغلهم الأمل بطول الأجل، عن التفكر فيما ينجيهم من عذاب الله ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ أي عاقبة أمرهم إذا رأوا القيامة وذاقوا وبال ما صنعوا، وهو ويعد وتهديد ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ أي وما أهلكنا أهل قرية من القرى الظالمة التي كذبت رسل الله ﴿إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ أي إلا لها أجل محدود لإهلاكها ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا﴾ أي لا يتقدم هلاك أمةٍ قبل مجيء أوانه ﴿وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أي ولا يتأخر عنهم قال ابن كثير: وهذا تنبيهٌ لأهل مكة وإِرشاد لهم غلى الإِقلاع عما هم عليه من العِناد والإِلحاد الذي يستحقون به الهلاك ﴿وَقَالُواْ ياأيها الذي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذكر﴾ قال كفار قريش لمحمد ﷺ َ على جهة الاستهزاء والتهكم: يا من تزعم وتدعي أن القرآن نزل عليك ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ أي إنك حقاً لمجنون، أكّدوا الخبر بإنَّ واللام مبالغة في الاستخفاف والاستهزاء بمقامه الشريف ﵇ ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بالملائكة إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ أي هلاّ جئتنا بالملائكة لتشهد لك بالرسالة إن كنت صادقاً في دعواك أنك رسول الله!! قال تعالى رداً عليهم ﴿مَا نُنَزِّلُ الملائكة إِلاَّ بالحق﴾ أي ما ننزّل ملائكتنا إلا بالعذاب لمن أردنا إهلاكه ﴿وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ﴾ أي وفي هذه الحالة وعندئذٍ لا إمهال ولا تأجيل، والغرض أن عادة الله تعالى قد جرت في خلقه أنه لا ينزل الملائكة إلا لمن يريد
стр. 655
إهلاكهم بعذاب الاستئصال، وهو لا يريد ذلك مع أمته ﷺ َ لعلمه تعالى أنه يخرج من أصلابهم من يعبد الله، ففيه ردٌ عليهم فيما اقترحوا ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر﴾ أي نحن بعظمة شأننا نزلنا عليك القرآن يا محمد ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ أي ونحن الحافظون لهذا القرآن، نصونه عن الزيادة والنقصان، والتبديل والتغيير، قال المفسرون: تكفَّل الله بحفظ هذا القرآن، فلم يقدر أحد على الزيادة فيه ولا النقصان، ولا على التبديل والتغيير كما جرى في غيره من الكتب فإن حفظها موكولٌ إلى أهلها لقوله تعالى
﴿بِمَا استحفظوا مِن كِتَابِ الله﴾ [المائدة: ٤٤] وانظر الفرق بين هذه الآية ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ حيث ضمن حفظه وبين الآية السابقة حيث وكل حفظه إليهم فبدَّلوا وغيَّروا ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الأولين﴾ أي ولقد أرسلنا من قبلك يا محمد رسلاً في طوائف وفرق الأمم الأولين ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي وما جاءهم رسولٌ إلاّ سخروا منه واستهزءوا به، وهذا تسلية للنبي ﷺ َ والمعنى كما فعل بك هؤلاء المشركون فكذلك فُعل بمن قبلك من الرسل فلا تحزن ﴿كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ المجرمين﴾ أي كذلك نسلك الباطل والضلال والاستهزاء بأنبياء الله في قلوب المجرمين، كما سلكناه وأدخلناه في قلوب أولئك المستهزئين ﴿لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين﴾ أي لا يؤمنون بهذا القرآن وقد مضت سنة الله بإهلاك الكفار، فما أقرب هؤلاء من الهلاك والدمار؟ ثم بيَّن تعالى أن كفار مكة لا ينقصهم توافر براهين الإيمان فهم معاندون مكابرون، وفي ضلالهم وعنادهم سائرون فقال ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَاباً مِّنَ السماء فَظَلُّواْ فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ أي لو فرض أننا أصعدناهم إلى السماء، وفتحنا لهم باباً من أبوابها، فظلوا يصعدون فيه حتى شاهدوا الملائكة والملكوت ﴿لَقَالُواْ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ أي لقالوا - لفرط مكابرتهم وعنادهم - إنما سُدَّت أبصارنا وخُدعت بهذا الارتقاء والصعود ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ﴾ أي سحرنا محمد وخيَّل إلينا ذلك وما هو إلا سحر مبين قال الرازي: لو ظل المشركون يصعدون في تلك المعارج، وينظرون إلى ملكوت الله تعالى وقدرته وسلكانه، وإلى عبادة الملائكة الذين هم من خشيته مشفقون لشكّوا في تلك الرؤية، وبقوا مصرين على لاكفر والعناد كما جحدوا سائر المعجزات من انشقاق القمر، والقرآن المعجز الذي لا يستطيع الجن والإِنس أن يأتوا بمثله، ثم ذكر تعالى البراهين الدالة على وحدانيته وقدرته فقال ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السماء بُرُوجاً﴾ أي جعلنا في السماء منازل تسير فيها الأفلاك والكواكب ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾ أي زيناها بالنجوم ليُسرَّ الناظر إليها ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ﴾ أي حفظنا السماء الدنيا من كل شيطان لعين مطرود من رحمة الله ﴿إِلاَّ مَنِ استرق السمع فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ﴾ أي إلا من اختلس شيئاً من أخبار السماء فأدركه ولحقه شهاب ثاقب فأحرقه ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ أي بسطناها ووسعناها وجعلنا فيها جبالاً ثوابت ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ أي أنبتنا في الأرض من الزروع والثمار من كل شيءٍ موزون بميزان
стр. 656
الحكمة، بدقةٍ وإحكام وتقدير ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ أي ما تعيشون به من المطاعم والمشارب ﴿وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ أي وجعلنا لكم من العيال والمماليك والأنعام من لستم له برازقين، لأننا نخلق طعامهم وشرابهم لا أنتم ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ أي ما من شيء من أزراق الخلق والعباد ومنافعهم إلا عندنا خزائنه ومستودعاته ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ﴾ أي ولكن لا ننزله إلا على حسب حاجة الخلق إليه، وعلى حسب المصالح، كما نشاء ونريد ﴿وَأَرْسَلْنَا الرياح لَوَاقِحَ﴾ أي تلقِّح السحاب فيدر ماءً، وتلقّح الشجر فيتفتَّح عن أوراقه وأكمامه، فالريح كالفحل للسحاب والشجر ﴿فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ أي فأنزلنا من السحاب ماءً عذباً، جعلناه لسقياكم ولشرب أرضكم ومواشيكم ﴿وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾ أي لستم بقادرين على خزنه بل نحن بقدرتنا نحفظه لكم في العيون والآبار والأنهار، ولو شئنا لجعلناه غائراً في الأرض فهلكتم عطشاً كقوله
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مَّعِينٍ﴾ [الملك: ٣٠] ؟ ﴿وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الوارثون﴾ أي الحياة والموت بيدنا ونحن الباقون بعد فناء الخلق، نرث الأرض الأرض ومن عليها وإلينا يُرجعون ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستأخرين﴾ أي أحطنا علماً بالخلق أجمعين، الأموات منهم والأحياء قال ابن عباس: المستقدمون كل من هلك من لدن آدم ﵇ والمستأخرون من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة وقال مجاهد: المستقدمون: الأمم السابقة، والمستأخرون أمة محمد ﷺ َ، والغرضُ أنه تعالى محيطٌ علمه بمن تقدم وبمن تأخر، لا يخفى عليه شيء من أحوال العباد، وهو بيان لكمال علمه بعد الاحتجاج على كمال قدرته ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أي وإن ربك يا محمد هو يجمعهم للحساب والجزاء ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ أي حكيمٌ في صنعه عليمٌ بخلقه، ولما ذكر تعالى الموت والفناء، والبعث والجزاء، نبّههم إلى مبدأ أصلهم وتكوينهم من نفسٍ واحدة، ليشير إلى أن القادر على الإِحياء قادر على الإِفناء والإِعادة، وذكّرهم بعداوة إبليس لأبيهم آدم ليحذروه فقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن صَلْصَالٍ﴾ أي خلقنا آدم من طين يابسٍ يسمع له صَلْصلة أي صوت إذا نُقر ﴿مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ أي من طين أسود متغيّر ﴿والجآن خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السموم﴾ أي ومن قبل آدم خلقنا الجانَّ - أي الشياطين ورئيسهم إبليس - من نار السموم وهي النار الحارة الشديدة التي تنفذ في المسامّ فتقتل بِحرها قال المفسرون: عني بالجانِّ هنا «إبليس» أبا الجنِّ لأن منه تناسلت الجن فهو أصل لها كما أن آدم أصل للإِنس ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ أي اذكر يا محمد وقت قول ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين يابسٍ، أسود متغيّر قال ابن كثير: فيه تنويهٌ بذكر آدم في الملائكة قبل خلقه له، وتشريفه إيّاه بأمر الملائكة بالسجود له، وامتناع إبليس عدوه عن السجود له حسداً وكفراً ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾ أي سويت خَلْقه وصورته، وجعلته إنساناً كاملاً معتدل الأعضاء ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ أي أفضتُ عليه من الروح التي هي خلقٌ من خلقي فصار بشراً حياً ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾ أي خرو له ساجدين، سجود تحيةٍ
стр. 657
وتكريم لا سجود عبادة، قال المفسرون: وإنما أضاف الروح إليه تعالى على سبيل التشريف والتكريم كقوله «بيت الله، ناقة الله! شهر الله» وهي من إضافة الملك إلى المالك، والصنعة إلى الصانع ﴿فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ أي سجد لآدم جميع الملائكة لم يمتنع منهم أحد ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ الاستثناء منقطع لأن إبليس خلقٌ آخر غير الملائكة، فهو من نار وهم من نور، وهم لا يعصون الله ما أمرهم وهو أبى وعصى، فليس هو من الملائكة بيقين، ولكنه كان بين صفوفهم فتوجه إليه الخطاب والمعنى: سجد جميع الملائكة لكنْ إبليس امتنع من السجود بعد أن صدر له الأمر الإِلهي ﴿قَالَ ياإبليس مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين﴾ أي ما المانع لك من السجود؟ وأيُّ داعٍ دعا بك إلى الإِباء والامتناع؟ وهو استفهام تبكيتٍ وتوبيخ ﴿قَالَ لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ﴾ أي قال إبليس: لا ينبغي ولا يليق لمثلي أن يسجد لآدم وهو مخلوق من طينٍ يابسٍ متغير، فهو من طينٍ وأنا من نار فكيف يسجد العظيم للحقير، والفاضل للمفضول؟ رأى عدوُّ الله نفسه أكبر من أن يسجد لآدم، ومنعه كبره وحسده عن امتثال أمر الله ﴿قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ أي اخرجْ من السماوات فإنك مطرودٌ من رحمتي ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة إلى يَوْمِ الدين﴾ أي وإن عليك لعنتي إلى يوم الجزاء والعقوبة ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ أي قال اللعين: أمهلني وأخرني إلى يوم البعث ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾ أي قال له الله: إنك من المؤجلين إلى حين موت الخلائق قال القرطبي: أراد بسؤاله الإنظار - إلى يوم يبعثون - ألا يموت، لأن البعث لا موتَ بعده، فأجابه المولى بالإِنظار إلى يوم الوقت المعلوم وهو يوم موت الخلائق، فيموت إبليس ثم يُبعث ﴿قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ أي بسبب إغوائك وإضلالك لي ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأرض﴾ أي لأزيننَّ لذرية آدم المعاصي والآثام ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي ولأظلَّنهم عن طريق الهدى أجمعين ﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ أي إلا من استخلصته من عبادك لطاعتك ومرضاتك فلا قدرة لي على إِغوائه ﴿قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي قال تعالى: هذا طريق مستقيم واضح، وسنة أزليةٌ لا تتخلف وهي ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ أي إن عبادي المؤمنين لا قوة على إضلالهم ﴿إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين﴾ استثناء منقطع لأن الغاوين ليسوا من عباد الله المخلصين والمعنى لكنْ من غوى وضل من الكافرين فلك عليهم تسلط، لأن الشيطان إنما يتسلط على الشاردين عن الله، كما يتسلط الذئب على الشاردة من القطيع ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي موعد إبليس وأتباعه جميعاً ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ أي لجهنم سبعة أبواب يدخلون منها لكثرتهم وروي عن عليّ أنها أطباقٌ، طبقٌ فوق طبق وأنها دركاتٌ بعضها أشد من بعض ﴿لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ أي لكل جماعة من أتباع إبليس بابٌ معينٌ معلوم، قال ابن كثير: كلٌ يدخل من بابٍ بحسب عمله، ويستقر في دَرَكٍ بقدر عمله.
стр. 658
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
١ - المجاز المرسل في ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ المراد أهلها وهو من باب إطلاق المحل وإرادة الحالّ.
٢ - الاستعارة التخيليَّة في ﴿عِندَنَا خَزَائِنُهُ﴾ فهو تمثيل لكمال قدرته، شبَّه قدرته على كل شيء بالخزائن المودوعة فيها الأشياء، وإخراج كل شيء بحسب ما اقتضته حكمته على طريق الاستعارة.
٣ - الطباق بين ﴿نُحْيِي ... وَنُمِيتُ﴾ وبين ﴿المستقدمين ... المستأخرين﴾ .
٤ - جناس الاشتقاق في ﴿خَزَائِنُهُ ... وخَازِنِينَ﴾ .
٥ - السجع الذي له وقع على السمع مثل ﴿المجرمين، الأولين، المنظرين﴾ الخ.
لطيفَة: ذكر أن رجلاً أراد أن يمتحن الأديان أيها أصح وأحسن؟ فعمد إلى التوراة والإِنجيل والقرآن - وكان خطاطاً - فنسخ من كل كتاب نسخة بخط جميل وزاد فيها ونقص، ثم عرض التوراة على علماء اليهود فقبلوها وتصفحوها وأكرموه بالمال، ثم عرض الإِنجيل الذي نسخه بيده على القسس فاشتروه بثمن كبير وأكرموه، ثم عرض نسخة القرآن على شيوخ المسلمين فنظروا فيه فلما رأوا فيه بعض الزيادة والنقص أمسكوا به فضربوه ثم رفعوا أمره إلى السلطان فحكم بقتله، فلما أراد قتله أشهر إسلامه وأخبرهم بقصته وأنه امتحن الأديان فعرف أن الإسلام دين حق. انظر تفسير القرطبي ١٠/٦.
стр. 659
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حال الأشقياء من أهل الجحيم، أعقبهم بذكر حال السعداء من أهل النعيم، ثم ذكر قصص بعض الرسل مع أقوامهم «لوط، وشعيب، وصالح» تسلية لرسول الله ﷺ َ ليتأسى بهم في الصبر، ثم ذكر الأدلة والبراهين على وحدانية رب العالمين، وختم السورة ببشارته ﵇ بإهلاك أعدائه المستهزئين.
اللغَة: ﴿نَصَبٌ﴾ تعب وإعياء ﴿وَجِلُونَ﴾ خائفون فزعون ﴿الغابرين﴾ الباقين في العذاب ﴿القانطين﴾ القنوط: كمالُ اليأس ﴿تَفْضَحُونِ﴾ الفضيحةُ: أن يُظهر من أمره ما يلزمه به العارُ، يقال: فضحه الصبح إذا أظهره للناس قال الشاعر:
ولاح ضوءُ هلالٍ كاد يفضحنا ... مثلُ القلامةِ قد قُصَّت من الظُّفُر
﴿لَعَمْرُكَ﴾ قسمٌ بحياة محمد ﷺ َ أي وحياتك ﴿سَكْرَتِهِمْ﴾ السكرة: الغواية والضلالة ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون تحيراً أو يعمون عن الرشد. والعَمه للقلب مثل العمى للبصر ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ التوسُّم من الوَسم وهي العلامة التي يستدل بها على المطلوب يقال: توسَّم فيه الخير إذا رأى فيه أثراً منه قال ابن رواحة في رسول الله ﷺ َ:
إني توسَّمتُ فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أني ثابتُ البصر
وأصله التثبتُ والتفكر مثل التفرس وفي الحديث «اتقوا فِراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله» ﴿
стр. 660
الأيكة﴾ الشجرة الملتفَّة وجمعها أيْك ﴿الحجر﴾ اسم واد كانت تسكنه ثمود ﴿عِضِينَ﴾ أجزاءٌ متفرقة من التعضية وهي التجزئة والتفريق ﴿اليقين﴾ الموت لأنه أمر متيقن.
سَبَبُ النّزول: روي «أن النبي ﷺ َ خرج على الصحابة وهم يضحكون فقال: أتضحكون وبين أيديكم الجنةُ والنار؟ فشقَّ ذلك عليهم فنزلت ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم﴾ » .
التفسِير: ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ أي إن الذين اتقوا الفواحش والشرك لهم في الآخرة البساتين الناضرة، والعيون المتفجرة بالماء والسلسبيل والخمر والعسل ﴿ادخلوها بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ أي يقال لهم: أُدخلوا الجنة سالمين من كل الآفات، آمنين من الموت ومن زوال هذا النعيم ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ أي أزلنا ما في قلوب أهل الجنة من الحقد والبغضاء والشحناء ﴿إِخْوَاناً على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ أي حال كونهم إخوةً متحابين لا يكدّر صفوهم شيء، على سررٍ متقابلين وجهاً لوجه قال مجاهد: لا ينظر بعضُهم إلى قفا بعض زيادةً في الانس والإِكرام، وقال ابن عباس: على سررٍ من ذهب مكلَّلة بالدر والياقوت والزبرجد ﴿لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ أي لا يصيبهم في الجنة إعياءٌ وتعب ﴿وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ أي لا يُخرجون منها ولا يُطردون، نعيمهم خالد، وبقاؤهم دائم، لأنها دار الصفاء والسرور ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم﴾ أي أخبر يا محمد عبادي المؤمنين بأني واسع المغفرة والرحمة لمن تاب وأناب ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم﴾ أي وأخبرهم أنَّ عذابي شديد لمن أصرَّ على المعاصي والذنوب قال أبو حيان: وجاء قوله ﴿وَأَنَّ عَذَابِي﴾ في غاية اللطف إذ لم يقل على وجه المقابلة (وأني المعذّب المؤلم) وكل ذلك ترجيح لجهة العفو والرحمة ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾ أي وأخبرهم عن قصة ضيوف إبراهيم، وهم الملائكة الذين أرسلهم الله لإِهلاك قوم لوط، وكانوا عشرة على صورة غلمانٍ حسانٍ معهم جبريل ﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ فَقَالُواْ سَلاماً﴾ أي حين دخلوا على إبراهيم فسلَّموا عليه ﴿قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ﴾ أي قال إبراهيم إنّا خائفون منكم، وذلك حين عرض عليهم الأكل فلم يأكلوا ﴿قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ أي قالت الملائكة لا تخف فإنا نبشرك بغلام واسع العلم، عظيم الذكاء، هو إسحاق ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي على أَن مَّسَّنِيَ الكبر فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ أي قال إبراهيم أبشرتموني بالولد على حالة الكبر والهرم، فبأي شيء تبشروني؟ قال ذلك على وجه التعجب والاستبعاد ﴿قَالُواْ بَشَّرْنَاكَ بالحق فَلاَ تَكُن مِّنَ القانطين﴾ أي بشرناك باليقين الثابت فلا تستبعدْه ولا تيأس من رحمة الله ﴿قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضآلون﴾ استفهام إنكاري أي لا يقنط من رحمة الله إلا المخطئون طريق المعرفة والصواب، الجاهلون برب الأرباب، أما القلب العامر بالإِيمان، المتصل بالرحمن، فلا ييأس ولا يقنط قال البيضاوي: وكان تعجب إبراهيم ﵇ با.
. . العادة دون القدرة فإنَّ الله تعالى قادرٌ على أن
стр. 661
يخلق بشراً من غير أبوين، فكيف من شيخ فانٍ وعجوزٍ عاقر؟ ولذلك أجابهم بذلك الجواب ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون﴾ أي قال إبراهيم ما شأنكم وما أمركم الذي جئتم من أجله أيها الملائكة الكرامُ؟ ﴿قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ﴾ أي أرسلنا ربنا إلى قومٍ مشركين ضالين لإِهلاكهم يعنون قوم لوط ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي إلا أتباعَ لوط وأهلَه المؤمنين، فسننجيهم من ذلك العذاب أجمعين ﴿إِلاَّ امرأته قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ أي إلا امرأة لوط فقد قدَّر الله بقاءها في العذاب مع الكفرة الهالكين قال القرطبي: استثنى من آل لوطٍ امرأته وكانت كافرة فالتحقت بالمجرمين في الهلاك ﴿فَلَمَّا جَآءَ آلَ لُوطٍ المرسلون﴾ أي فلما أتى رسلُ الله لوطاً ﵇ ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ﴾ أي قال لهم إنكم قوم لا أعرفكم فماذا تريدون؟ ﴿قَالُواْ بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي قالوا له بل نحن رسل الله، جئناك بما كان فيه قومك يشكُّون فيه وهو نزول العذاب الذي وعدتهم به ﴿وَآتَيْنَاكَ بالحق وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ أي أتيناك بالحق اليقين من عذابهم وإنا لصادقون فيما نقول ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اليل﴾ أي سرْ بأهلك في طائفةٍ من الليل ﴿واتبع أَدْبَارَهُمْ﴾ أي كنْ من ورائهم وسرْ خلفهم لتطمئنَّ عليهم ﴿وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ﴾ أي لا يتلفتْ أحد منكم وراءه لئلا يرى عظيم ما ينزل بهم فيرتاع ﴿وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ أي سيروا حيث يأمركم الله قال ابن عباس: يعني الشام ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ﴾ أي أوحينا إلى لوط ذلك الأمر العظيم أن أولئك المجرمين سيُستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحدٌ ﴿مُّصْبِحِينَ﴾ أي إذا دخل الصباح تمَّ هلاكهم واستئصالهم ﴿وَجَآءَ أَهْلُ المدينة يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي جاء أهل مدينة سدوم - وهم قوم لوطٍ - مسرعين يستبشرون بأضيافه، طمعاً في ارتكاب الفاحشة بهم، ظناً منهم أنهم أناسٌ أمثالهم قال المفسرون: أُخبر أولئك السفهاء أن في بيت لوطٍ شباناً مرداً حساناً فأسرعوا فرحين يبشّر بعضهم بعضاً بأضياف لوط ﴿قَالَ إِنَّ هَؤُلآءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ﴾ أي هؤلاء ضيوفي فلا تقصدوهم بسوء فتُلحقوا بي العار وتفضحوني أمامهم ﴿واتقوا الله وَلاَ تُخْزُونِ﴾ أي خافوا الله أن يحلَّ بكم عقابه، ولا تهينوني بالتعرض لهم بالمكروه ﴿قَالُواْ أَوَ لَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين﴾ أي قالوا ألم نمنعك عن ضيافة أحد؟ قال الرازي: المعنى ألسنا قد نهيناك أن تكلمنا في أحدٍ من الناس إذا قصدناه بالفاحشة؟ ﴿قَالَ هَؤُلآءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ أي هؤلاء النساء فتزوجوهنَّ ولا تركنوا إلى الحرام
стр. 662
إن كنتم تريدون قضاء الشهوة قال المفسرون: المراد بقوله ﴿بَنَاتِي﴾ بناتُ أمته لأن كل نبيٍّ يعتبر أباً لقومه ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ أي وحياتك يا محمد إن قوم لوط لفي ضلالهم وجهلهم يتخبطون ويترددون، وهذه جملة اعتراضية جاءت ضمن قصة لوط قسماً بحياة الرسول ﷺ َ تكريماً له وتشريفاً قال ابن عباس: «ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفساً أكرمَ على الله من محمد ﷺ َ وما سمعتُ اللهَ أقسم بحياة أحدٍ غيره» ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة مُشْرِقِينَ﴾ أي أخذتهم صيحةُ العذاب المهلكة المدمرة وقت شروق الشمس ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ أي قلبناها بهم فجعلنا أعالي المنازل أسافلها قال المفسرون: حمل جبريل ﵇ قريتهم واقتعلها من جذورها، حتى رأوا الأفلاك وسمعوا تسبيح الأملاك ثم قلبها بهم ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ﴾ أي أنزلنا عليهم حجارة كالمطر من طين طبخ بنار جهنم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ أي فيما حلَّ بهم من الدمار والعذاب للدلالات وعلامات للمعتبرين، المتأملين بعين البصر والبصيرة ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ﴾ أي وإن هذه القرى المهلكة، وما ظهر فيها من آثار قهر الله وغضبه، لبطريقٍ ثابتٍ لم يندرس، يراها المجتازون في أسفارهم أفلا يعتبرون؟ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لعبرةً للمصدّقين ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَابُ الأيكة لَظَالِمِينَ﴾ أي وإنه الحال والشأن كان قوم شعيب - وهم أصحاب الأيكة أي الشجر الكثير المتلف - لظالمين بتكذيبهم شعيباً، وقطعهم الطريق، ونقصهم المكيال والميزان ﴿فانتقمنا مِنْهُمْ﴾ أي أهلكناهم بالرجفة وعذاب يوم الظُلَّة قال المفسرون: اشتد الحر عليهم سبعة أيام حتى قربوا من الهلاك، فبعث الله عليهم سحابة كالظلة، فالتجئوا إليها واجتمعوا تحتها للتظلل بها، فبعث الله عليهم منها ناراً فأحرقتهم جميعاً ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ أي وإن قرى قوم لوط وشعيب لطريق واضح أفلا تعتبرون بهم يا أهل مكة؟ ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الحجر المرسلين﴾ هذه هي القصة الرابعة وهي قصة صالح ﵇ أي كذبت ثمود نبيَّهم صالحاً - والحجرُ وادٍ بين المدينة والشام وآثاره باقية يمرُّ عليها المسافرون - قال البيضاوي: ومن كذَّب واحداً من الرسل فكأنما كذب الجميع ولذا قال ﴿المرسلين﴾ ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ أي وأريناهم معجزاتنا الدالة على قدرتنا مثل الناقة وما فيها من العجائب فكانوا لا يعتبرون بها ولا يتَّعظون قال ابن عباس: كان في الناقة آيات: خروجُها من الصخرة، ودنوُّ ولادتها عند خروجها، وعظمُ خَلْقها فلم تشبهها ناقة، وكثرةُ لبنها حتى كان يكفيهم جميعاً فلم يتفكروا فيها ولم يستدلوا بها ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ أي كانوا ينقبون الجبال فيبنون فيها بيوتاً آمنين يحسبون أنها تحميهم من عذاب الله ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة مُصْبِحِينَ﴾ أي أخذتهم صيحة الهلاك حين أصبحوا ﴿فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي ما دفع عنهم عذابَ الله ما كانوا يشيدونه من القلاع والحصون ﴿وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بالحق﴾ أي وما خلقنا الخلائق كلَّها سماءها وأرضها وما بينهما إلا خلقاً ملتبساً بالحق، فلذلك اقتضت الحكمة إهلاك أمثال هؤلاء المكذبين لئلا يعم الفساد ﴿وَإِنَّ
стр. 663
الساعة لآتِيَةٌ فاصفح الصفح الجميل﴾ أي وإن القيامة لآتيةٌ لا محالة فيُجازى المحسنُ بإحسانه، والمسيء بإساءته، فأعرضْ يا محمد عن هؤلاء السفهاء وعاملهم معاملة الحليم ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الخلاق العليم﴾ أي الخالق لكل شيء، العليمُ بأحوال العباد ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مِّنَ المثاني﴾ أي ولقد أعطيناك يا محمد سبع آيات هي الفاتحة لأنها تثنّى أي تكرر قراءتها في الصلاة وفي الحديث
«الحمدُ للهِ رب العالمين هي السبعُ المثاني والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُه» وقيل: هي السور السبع الطوال، والأول أرجح ﴿والقرآن العظيم﴾ أي وآتيناك القرآن العظيم الجامع لكمالات الكتب السماوية ﴿لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى ﷺ َ ﷺ َ mp;
١٦٤٨ - ; مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾ أي لا تنظر إلى ما متعنا به بعض هؤلاء الكفار، فإن الذي أعطيناك أعظم منها وأشرف وأكرم، وكفى بإِنزال القرآن عليك نعمة ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي لا تحزن لعدم إيمانهم ﴿واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي تواضعْ لمن آمن بك من المؤمنين وضعفائهم ﴿وَقُلْ إني أَنَا النذير المبين﴾ أي قل لهم يا محمد أنا المنذر من عذاب الله، الواضح البيِّن في الإِنذار لمن عصى أمر الجبار ﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين﴾ الكاف للتشبيه والمعنى أنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا على أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى الذين آمنوا ببعض كتابهم وكفروا ببعضه، فانقسموا إلى قسمين ﴿الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ﴾ أي جعلوا القرآن أجزاءٌ متفرقة وقالوا فيه أقوالاً مختلفة قال ابن عباس: آمنوا ببعضٍ وكفروا ببعض، وهذه تسلية لرسول الله ﷺ َ عن صنيع قومه بالقرآن وتكذيبهم له بقولهم سحر، وشعر، وأساطير، بأن غيرهم من الكفرة فعلوا بغيره من الكتب مثل فعل كفار مكة ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي فأقسمُ بربك يا محمد لنسألنَّ الخلائق أجميعن عما كانوا يعملون في الدنيا ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾ أي فاجهر بتبليغ أمر ربك، ولا تلتفت إلى ما يقول المشركون ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ المستهزئين﴾ أي كفيناك شرَّ أعدائك المستهزئين بإهلاكنا إياهم وكانوا خمسة من صناديد قريش ﴿الذين يَجْعَلُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ أي الذين أشركوا مع الله غيره من الأوثان والأصنام ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ وعيدٌ وتهديد أي سوف يعلمون عاقبة أمرهم في الدارين ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي يضيق صدرك بالاستهزاء والتكذيب ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِّنَ الساجدين﴾ أي فافزع فيما نالك من مكروه إلى التسبيح والصلاة والإِكثار من ذكر الله ﴿واعبد رَبَّكَ حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ أي اعبد ربك يا محمد حتى يأتيك الموت، سمي يقيناً لأنه متيقن الوقوع والنزول.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
١ - الإِيجاز بالحذف في ﴿ادخلوها بِسَلامٍ﴾ أي يقال لهم أدخلوها.
٢ - المقابلة اللطيفة في ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم﴾ مع الآية بعدها ﴿وَأَنَّ عَذَابِي﴾ فقد قابل بين العذاب والمغفرة وبين الرحمة الواسعة والعذاب الأليم، وهذا من المحسنات البديعية.
٣ - الكناية في ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ﴾ كنَّى به عن عذاب الاستئصال.
٤ - المجاز في ﴿قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين﴾ أسند الملائكة فعل التقدير إلى أنفسهم مجازاً
стр. 664
وهو لله وحده وذلك لما لهم من القرب والاختصاص لأنهم رسل الله أُرسلوا بأمره تعالى.
٥ - الجناس الناقص في ﴿الصيحة مُصْبِحِينَ﴾ وجناس الاشتقاق في ﴿فاصفح الصفح﴾ .
٦ - صيغة المبالغة في ﴿الغفور الرحيم﴾ وفي ﴿الخلاق العليم﴾ .
٧ - الطباق في ﴿عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ .
٨ - السجع بلا تكلف في مواطن عديدة مثل ﴿آمِنِينَ، مُّصْبِحِينَ، مُعْرِضِينَ﴾ .
٩ - عطف العام على الخاص في ﴿سَبْعاً مِّنَ المثاني والقرآن العظيم﴾ .
١٠ - الاستعارة التبعية في ﴿واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ حيث شبّه إلانة الجانب بخفض الجناح بجامع العطف والرقة في كلٍ واستعير اسم المشبَّه به للمشبَّه، وهذا من بليغ الاستعارات لأن الطائر إذا كف عن الطيران خفض جناحيه.
تنبيه: الجمع بين هذه الآية ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وبين قوله ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: ٧٨] وقوله ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ [الرحمن: ٣٩] أن القيامة مواطن، فموطنٌ يكون فيه سؤال وكلام، وموطنٌ لا يكون ذلك فيه، هذا قول عكرمة، وقال ابن عباس: لا يسألهم سؤال استخبار واستعلام هل عملتم كذا وكذا، لأن الله عالم بكل شيء، ولكن يسألهم سؤال تقريع وتوبيخ فيقول لهم: لم عصيتم القرآن وما حجتكم فيه؟
стр. 665
اللغَة: ﴿نُّطْفَةٍ﴾ النطفة الماء المهين الذي يتكون منه الإِنسان، مِن نطَف إذا قطر ﴿دِفْءٌ﴾ الدفء: ما يستدفئ به الإِنسان من البرد ﴿تُرِيحُونَ﴾ الرَّواح: رجوع المواشي بالعشي من المرعى ﴿تَسْرَحُونَ﴾ السَّراح: الخروج بها صباحاً إلى المرعى ﴿أَثْقَالَكُمْ﴾ الأثقال: الأمتعة جمع ثقل سميت أثقالاً لأنها ثقيلة الحمل ﴿جَآئِرٌ﴾ مائل عن الحق ﴿تُسِيمُونَ﴾ أسام الماشية تركها ترعى، وسامت هي إذا رعت حيث شاءت فهي سائمة ﴿ذَرَأَ﴾ خلق وأبدع ﴿مَوَاخِرَ﴾ أصل المخْر شقُّ الماء عن يمين وشمال يقال: مخرت السفينةُ إِذا جرت تشق الماء مع صوت ﴿تَمِيدَ﴾ تضطرب.
стр. 666
سَبَبُ النّزول: قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى ﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: ١] قال الكفار بعضهم لبعض: إنَّ محمداً يزعم أن القيامة قد اقتربت فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر، فلما امتدت الأيام قالوا يا محمد: ما نرى شيئاً مما تُخَوِّفنا به فأنزل الله تعالى ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ... ﴾ الآية.
التفسِير: ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي قرب قيام الساعة فلا تستعجلوا العذاب الذي أوعدكم به محمد، وإنما أتى بصيغة الماضي لتحقق وقوع الأمر وقربه، قال الرازي: لما كان واجب الوقوع لا محالة عبّر عنه بالماضي كما يقال للمستغيث: جاءك الغوثُ فلا تجزع ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تنزَّه الله عما يصفه به الظالمون، وتقدس عن إشراكهم به غيره من الأنداد والأوثان ﴿يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ﴾ أي يُنزّل الملائكة بالوحي والنبوة بإِرادته وأمره ﴿على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي على الأنبياء والمرسلين، وسمَّى الوحي روحاً لأنه تحيا به القلوب كما تحيا بالأرواح الأبدان ﴿أَنْ أنذروا أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ أَنَاْ فاتقون﴾ أي بأن أنذروا أهل الكفر أنه لا معبود إلا الله فخافوا عذابي وانتقامي، ثم ذكر تعالى البراهين الدالة على وحدانيته وقدرته فقال ﴿خَلَقَ السماوات والأرض بالحق﴾ أي خلقهما بالحق الثابت، والحكمة الفائقة، لا عبثاً ولا جُزافاً ﴿تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي تمجَّد وتقدَّس عن الشريك والنظير ﴿خَلَقَ الإنسان مِن نُّطْفَةٍ﴾ أي خلق هذا الجنس البشري من نطفةٍ مهينة ضعيفة هي المنيُّ ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ أي فإِذا به بعد تكامله بشراً مخاصمٌ لخالقه، واضح الخصومة، يكابر ويعاند، وقد خُلق ليكون عبداً لا ضداً قال ابن الجوزي: لقد خُلق من نطفة وهو مع ذلك يخاصم وينكر البعث، أفلا يستدل بأوله على آخره، وبأن من قدر على إيجاده أولاً قادرٌ على إِعادته ثانياً؟ ﴿والأنعام خَلَقَهَا﴾ أي وخلق الأنعام لمصالحكم وهي الإِبل والبقر والغنم ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ أي لكم فيها ما تستدفئون به من البرد مما تلبسون وتفترشون من الأصواف والأوبار ﴿وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ أي ولكم فيها منافع عديدة من النسل والدر وركوب الظهر، ومن لحومها تأكلون وهو من أعظم المنافع لكم ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أي ولكم في هذه الأنعام والمواشي زينةٌ وجمالٌ حين رجوعها عشياً من المرعى، وحين غُدوّها صباحاً لترعى، جمال الاستمتاع بمنظرها صحيحةً سمينةً فارهة ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس﴾ أي وتحمل أحمالكم الثقيلة وأمتعتكم التي تعجزون عن حملها إلى بلدٍ بعيد لم تكونوا لتصلوا إليه إلا بجهدٍ ومشقة ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ أي إنَّ ربكم أيها الناس الذي سخَّر لكم هذه الأنعام لعظيمُ الرأفة والرحمة بكم ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ أي وخلق الخيل والبغال والحمير للحمل والركوب وهي كذلك زينة وجمال ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي ويخلق في المستقبل ما لا تعلمونه الآن كوسائل النقل الحديث: القاطرات، والسيارات، والطائرات النفاثة وغيرها مما يجدُّ به الزمان وهو من تعليم الله
стр. 667
للإِنسان ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل﴾ أي وعلى الله جل وعلا بيانُ الطريق المستقيم، الموصل لمن يسلكه إلى جنات النعيم ﴿وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ أي ومن هذه السبيل طريقٌ مائلٌ عن الحق منحرفٌ عنه، لا يوصل سالكه إلى الله وهو طريق الضلال، كاليهودية والنصرانية والمجوسية ﴿وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي لو شاء أن يهديكم إلى الإيمان لهداكم جميعاً ولكنه تعالى اقتضت حكمته أن يدع للإِنسان حرية الاختيار
﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ليترتب عليه الثواب والعقاب، ولما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم من الأنعام، شرع في ذكر سائر النعم العظام وآياته المنبثة في الكائنات فقال ﴿هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآءً﴾ أي أنزل المطر بقدرته القاهرة من السحاب ﴿لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ﴾ أي أنزله عذباً فراتاً لتشربوه فتسكن حرارة العطش ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي وأخرج لكم منه شجراً ترعون فيه أنعامكم ﴿يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزرع والزيتون والنخيل والأعناب﴾ أي يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها ﴿وَمِن كُلِّ الثمرات﴾ أي ومن كل الفواكه والثمار يخرج لكم أطايب الطعام ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي إن في إنزال الماء وإخراج الثمار لدلالة واضحة على قدرة الله ووحدانيته لقومٍ يتدبرون في صنعه فيؤمنون قال أبو حيان: ختم الآية بقوله: ﴿يَتَفَكَّرُونَ﴾ لأن النظر في ذلك يحتاج إلى فضل تأمل، واستعمال فكر، ألا ترى أن الحبة الواحدة إذا وُضعت في الأرض ومرَّ عليها زمن معيَّن لحقها من نداوة الأرض ما تنتفخ به فيُشق أعلاها فتصعد منه شجرة إلى الهواء، وأسفلها يغوص منه في عمق الأرض شجرةٌ أخرى وهي العروق، ثم ينمو الأعلى ويقوى وتخرج الأوراق والأزهار، والأكمام والثمار، المشتملة على أجسامٍ مختلفة الطبائع والألوان والأشكال والمنافع وذلك بتقدير قادرٍ مختار وهو الله تعالى ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل والنهار والشمس والقمر﴾ أي ذلّل الليل والنهار يتعاقبان لمنامكم ومعاشكم، والشمس والقمر يدوران لمصالحكم ومنافعكم ﴿والنجوم مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾ أي والنجومُ تجري في فلكها بأمره تعالى لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي إن في ذلك الخلق والتسخير لدلائل باهرة عظيمة، لأصحاب العقول السليمة ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرض مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ﴾ أي وما خلق لكم في الأرض من الأمور العجيبة، من الحيوانات والنباتات، والمعادن والجمادات، على اختلاف ألوانها وأشكالها، وخواصها ومنافعها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي لعبرةً لقومٍ يتعظون ﴿وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر﴾ أي وهو تعالى - بقدرته ورحمته - ذلّل لكم البحر المتلاطم الأمواج للركوب فيه والغوص في أعماقه ﴿لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً﴾ أي لتأكلوا من البحر السمك الطريَّ الذي تصطادونه ﴿وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ أي وتستخرجوا منه الجواهر النفيسة كاللؤلؤ والمرجان ﴿وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ أي وترى السفن
стр. 668
العظيمة تشق عُباب البحر جاريةً فيه وهي تحمل الأمتعة والأقوات ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي سخر لكم البحر لتنتفعوا بما ذُكر ولتطلبوا من فضل الله ورزقه سبل معايشكم بالتجارة ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي ولتشكروا ربكم على عظيم إنعامه وجليل إفضاله ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي نصب فيها جبالاً ثوابت راسيات لئلا تضطرب بكم وتميل قال أبو السعود: إن الأرض كانت كرةً خفيفة قبل أن تُخلق فيها الجبال، وكان من حقها أن تتحرك كالأفلاك بأدنى سبب فلما خُلقت الجبال توجهت بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد لها ﴿وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي وجعل فيها أنهاراً وطرقاً ومسالك لكي تهتدوا إلى مقاصدكم ﴿وَعَلامَاتٍ وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ أي وعلامات يستدلون بها على الطرق كالجبال والأنهار، وبالنجوم يهتدون ليلاً في البراري والبحار قال ابن عباس: العلامات معالمُ الطرق بالنهار وبالنجم هم يهتدون بالليل ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ الاستفهام إنكاري أي أتسوّون بين الخالق لتلك الأشياء العظيمة والنعم الجليلة، وبين من لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً فضلاً عن غيره؟ أتشركون هذا الصنم الحقير مع الخالق الجليل؟ وهو تبكيت للكفرة وإِبطالٌ لعبادتهم الأصنام ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أي أفلا تتذكرون فتعرفون خطأ ما أنتم فيه من عبادة غير الله؟ وهو توبيخٌ آخر ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَآ﴾ أي إن تعدوا نعم الله الفائضة عليكم لا تضبطوا عددها فضلاً عن أن تطيقوا شكرها ﴿إِنَّ الله لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي غفور لما صدر منكم من تقصير رحيم بالعباد حيث ينعم عليهم مع تقصيرهم وعصيانهم ﴿والله يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ أي يعلم ما تخفونه وما تظهرونه من النوايا والأعمال وسيجازيكم عليها ﴿والذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي والذين يعبدونهم من دون الله كالأوثان والأصنام لا يقدرون على خلق كل شيء أصلاً والحال أنهم مخلوقون صنعهم البشر بأيديهم، فكيف يكونون آلهة تعبد من دون الله؟ ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ﴾ أي وتلك الأصنام أمواتٌ لا أرواح فيها، لا تسمع ولا تبصر لأنها جمادات لا حياة فيها، فكيف تعبدونها وأنتم أفضل منها لما فيكم من الحياة؟ ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ أي ما تشعر هذه الأصنام متى يبعث عابدوها، وفيه تهكم بالمشركين لأنهم عبدوا جماداً لا يحس ولا يشعر ﴿إلهكم إله وَاحِدٌ﴾ أي إلهكم المستحق للعبادة إله واحدٌ لا شريك له ﴿فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ﴾ أي فالذين لا يصدّقون بالبعث والجزاء قلوبهم تنكر وحدانية الله ﴿وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾ أي متكبرون متعظمون عن قبول الحق بعدما سطعت دلائله ﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ أي حقاً إن الله تعالى لا تخفى عليه خافية من أحوالهم يعلم ما يخفون وما يظهرون ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين﴾ أي المتكبرين عن التوحيد والإِيمان ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَّاذَآ أَنْزَلَ رَبُّكُمْ﴾ أي وإِذا سئل هؤلاء الجاحدون أيَّ شيء أنزل ربكم على رسوله ﷺ َ؟ ﴿قَالُواْ أَسَاطِيرُ الأولين﴾ أي قالوا على سبيل الاستهزاء: ما أنزله ليس إلا خرافات وأباطيل الأمم السابقين ليس بكلام رب العالمين قال المفسرون: كان المشركون يجلسون على مداخل مكة يُنفّرون عن رسول الله ﷺ َ إذا
стр. 669
سألهم وفود الحاج ماذا أُنزل على محمد؟ قالوا أباطيل وأحاديث الأولين ﴿لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة﴾ أي قالوا ذلك البهتان ليحملوا ذنوبهم كاملةً من غير أن يُكفَّر منها شيء ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي وليحملوا ذنوب الأتباع الذين أضلوهم بغير دليلٍ أو برهان، فقد كانوا رؤساء يُقتدى بهم في الضلالة ولذلك حملوا أوزارهم وأوزار من أضلوهم ﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ألاَ للتنبيه أي فانتبهوا أيها القوم بئس الحمل الذي حملوه على ظهورهم، والمقصودُ المبالغة في الزجر ﴿قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي مكر المجرمون بأنبيائهم وأرادوا إطفاء نور الله من قبل كفار مكة، وهذا تسلية له ﷺ َ ﴿فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد﴾ أي قلع بنيانهم من قواعده وأسسه، وهذا تمثيلٌ لإِفساد ما أبرموه من المكر بالرسل ﴿فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ﴾ أي فسقط عليهم سقف بنيانهم فتهدّم البناء وماتوا ﴿وَأَتَاهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ أي جاءهم الهلاك والدمار من حيث لا يخطر على بالهم، والآية مشهد كاملٌ للدمار والهلاك، وللسخرية من مكر الماكرين، وتدبير المدبرين، الذين يقفون لدعوة الله ويحسبون مكرهم لا يُردّ، وتدبيرهم لا يخيب، والله من ورائهم محيط ﴿ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ﴾ أي يفضحهم بالعذاب ويذلهم ويهينهم ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِيَ ¤لَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ أي يقول تعالى لهم على سبيل التقريع والتوبيخ: أين هؤلاء الشركاء الذين كنتم تخاصمون وتعادون من أجلهم الأنبياء؟ أحضروهم ليشفعوا لكم، والأسلوب استهزاءٌ وتهكم ﴿قَالَ الذين أُوتُواْ العلم إِنَّ الخزي اليوم والسواء عَلَى الكافرين﴾ أي يقول الدعاة والعلماء شماتةً بأولئك الأشقياء إن الذلَّ والهوان والعذاب محيط اليوم بمن كفر بالله ﴿الذين تَتَوَفَّاهُمُ الملائكة ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي تقبض الملائكة أرواحهم الخبيثة حال كونهم ظالمي أنفسهم بالكفر والإِشراك بالله ﴿فَأَلْقَوُاْ السلم مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سواء﴾ أي استسلموا وانقادوا عند الموت على خلاف عادتهم في الدنيا من العناد والمكابرة، وقالوا ما أشركنا ولا عصينا كما يقولون يوم المعاد
﴿والله رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣] ﴿بلى إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي يكذبهم الله ويقول: بلى قد كذبتم وعصيتم وكنتم مجرمين ﴿فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي أدخلوا جهنم ماكثين فيها أبداً ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين﴾ أي بئست جهنم مقراً ومقاماً للمتكبرين عن طاعة الله.
البَلاَغة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
١ - الالتفات في ﴿فاتقون﴾ فهو خطاب للمستعجلين بطريق الالتفات.
٢ - أسلوب الإِطناب في ﴿أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَآءٍ﴾ تأكيداً لسفاهة من عبد الأصنام ومثله ﴿لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ .
٣ - الطباق بين ﴿يُسِرُّونَ وَيُعْلِنُونَ﴾ وبين ﴿تُرِيحُونَ وتَسْرَحُونَ﴾ .
٤ - صيغة المبالغة في ﴿خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ وفي ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ .
٥ - طباق السلب في ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ .
٦ -
стр. 670
الجناس الناقص في ﴿لاَ يَخْلُقُونَ ... وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ .
٧ - الاستعارة التمثيلية في ﴿قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ ... فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ﴾ شبهت حال أولئك الماكرين بحال قومٍ بنوا بنياناً شديد الدعائم فانهدم ذلك البنيان وسقط عليهم فأهلكهم بطريق الاستعارة التمثيلية، ووجه الشبه أن ما عدوه سبباً لبقائهم، عاد سبباً لفنائهم كقولهم «من حفر حفرة لأخيه سقط فيها» .
فَائِدَة: قال القرطبي: تسمى سورة النحل سورة النِّعم لكثرة ما عدَّد الله فيها من نعمه على عباده.
следующие страницы →