Полный текст (1 630 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
العجيب، روي أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن يأخذ معه حوتاً فيجعله في مِكْتل فحيثما فقد الحوت فهناك الرجل الصالح ﴿فاتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر سَرَباً﴾ أي اتخذ الحوت سبيله في البحر مسلكاً قال المفسرون: كان الحوت مشوياً فخرج من المِكْتل ودخل في البحر وأمسك الله جرية الماء فصار كالطاق عليه وجمد الماء حوله وكان ذلك آيةً من آيات الباهرة لموسى ﵇ ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا﴾ أي فلما قطعا ذلك المكان وهو مجمع البحرين الذي جُعل موعداً للملاقاة قال موسى لفتاه أعطنا طعام الغذاء ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً﴾ لقينا في هذا السفر العناء والتعب، وكان قد سار ليلة وجزءاً من النهار بعد أن جاوز الصخرة ﴿قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة فَإِنِّي نَسِيتُ الحوت﴾ أي قال الفتى «يوشع بن نون» حين طلب موسى منه الحوت للغذاء أرأيت حين التجأنا إلى الصخرة التي نمت عندها ماذا حدث من الأمر العجيب؟ لقد خرج الحوتُ من المكتل ودخل البحر وأصبح عليه مثل الكوة وقد نسيتُ أن أذكر لك ذلك حين استيقظت ﴿وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ أي وقد أنساني الشيطان أن أخبرك عن قصته الغريبة ﴿واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر عَجَباً﴾ أي واتخذ الحوتُ طريقة في البحر وكان أمره عجباً، يتعجب الفتى من أمره لأنه كان حوتاً مشوياً فدبَّت فيه الحياة ودخل البحر ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي قال موسى هذا الذي نطلبه ونريده لأنه علامة على غرضنا وهو لُقْيا الرجل الصالح ﴿فارتدا على آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ أي رجعا في طريقهما الذي جاءا منه يتتبعان أثرهما الأول لئلا يخرجا عن الطريق ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ﴾ وجدا الخضر ﵇ عند الصخرة التي فقد عندها الحوت، وفي الحديث أن موسى وجد الخضر مسجَّى بثوبه مستلقياً على الأرض فقال له: السلام عليك فرفع رأسه وقال: وأنّى بأرضك السلام؟ ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ أي وهبناه نعمة عظيمة وفضلاً كبيراً وهي الكرامات التي أظهرها الله على يديه ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾ أي علماً خاصاً بنا لا يُعلم إلا بتوفيقنا وهو علم الغيوب قال العلماء: هذا العلم الرباني ثمرة الإخلاص والتقوى ويسمى «العلم اللدُنِّي» يورثه الله لم أخلص العبودية له، ولا ينال بالكسب والمشقة وإِنما هو هبة الرحمن لمن خصَّه الله بالقرب والولاية والكرامة ﴿قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ أي هل تأذن لي في مرافقتك لأقتبس من علمك ما يرشدني في حياتي؟ قال المفسرون: هذه مخاطبة فيها ملاطفة وتواضع من نبي الله الكريم وكذلك ينبغي أن يكون الإنسان مع من يريد أن يتعلم منه ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي قال الخضر: إِنك لا تستطيع الصبر على ما ترى قال ابن عباس: لن تصبر على صنعي لأني علمتُ من غيب علم ربي ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً﴾ أي كيف تصبر على أمرٍ ظاهرة منكرٌ وأنت لا تعلم باطنه؟ ﴿قَالَ ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ أي قال موسى ستراني صابراً ولا أعصي أمرك إن شاء الله ﴿قَالَ فَإِنِ اتبعتني فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ شرط عليه قبل بدء الرحلة ألا يسأله ولا يستفسر عن شيء من تصرفاته حتى يكشف له
стр. 737
سرها، فقبل موسى شرطه رعايةً لأدب المتعلم مع العالم، والمعنى لا تسألني عن شيء مما أفعله حتى أبيّنه لك بنفسي ﴿فانطلقا حتى إِذَا رَكِبَا فِي السفينة خَرَقَهَا﴾ أي انطلق موسى والخضر يمشيان على ساحل البحر حتى مرت بهما سفينة فعرفوا الخضر فحملوهما بدون أجر فلما ركبا السفينة عمد الخضر إلى فأس فقلع لوحاً من ألواح السفينة بعد أن أصبحت في لجة البحر ﴿قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ أي قال له موسى مستنكراً: أخرقت السفينة لتغرق الركاب؟ ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ أي فعلت شيئاً عظيماً هائلاً، يروى أن موسى لما رأى ذلك أخذ ثوبه فجعله مكان الخرق ثم قال للخضر: قومٌ حملونا بغير أجرٍ عمدتَ إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهل السفينة لقد فعلت أمراً منكراً عظيماً!! ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي ألم أخبرك من أول الأمر أنك لا تصبر على ما ترى من صنيعي؟ ذكَّره بلطفٍ في مخالفته الشرط ﴿قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ أي لا تؤاخذني بمخالفتي الشرط ونسياني العهد ﴿وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ أي لا تكلفني مشقةً في صحبتي إياك وعاملني باليُسر لا بالعُسر ﴿فانطلقا حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ﴾ أي فقبل عذره وانطلقا بعد نزولهما من السفينة يمشيان فمرَّا بغلمانٍ يلعبون وفيهم غلام وضيء الوجه جميل الصورة فأمسكه الخضر واقتلع رأسه بيده ثم رماه في الأرض ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي قال موسى: أقتلت نفساً طاهرةً لم ترتكب جرماً ولم تقتل نفساً حتى تقتل به ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ أي فعلت شيئاً منكراً عظيماً لا يمكن السكوت عنه.
. لم يكن موسى ناسياً في هذه المرة ولا غافلاً ولكنه قاصدٌ أن يُنكر المنكر الذي لا يصبر على وقوعه بالرغم من تذكره لوعده، وقال هنا ﴿نُّكْراً﴾ أي منكراً فظيعاً وهو أبلغ من قوله ﴿أمْراً﴾ في الآية السابقة، ذكر القرطبي أن موسى ﵇ لما قال للخضر ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً﴾ غضب واقتلع كتف الصبي الأيسر وقشر اللحم عنه فإذا مكتوب في عظم كتفه كافرٌ لا يؤمن بالله أبداً ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي ألم أقل لك أنتَ على التعيين والتحديد لن تستطيع الصبر على ما ترى مني؟ قال المفسرون: وقَّره في الأول فلم يواجهه بكاف الخطاب فلما خالف في الثاني واجهه بقوله ﴿لَّكَ﴾ لعدم العذر هنا، ويعود موسى لنفسه ويجد أنه خالف وعده مرتين، فيندفع ويقطع على نفسه الطريق ويجعلها آخر فرصةٍ أمامه ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ أي إن أنكرت عليك بعد هذه المرة واعترضتُ على ما يصدر منك فلا تصحبني معك ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾ أي قد أعذرت إليَّ في ترك مصاحبتي فأنت معذورٌ عندي لمخالفتي لك ثلاث مرات ﴿فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾ أي مشيا حتى وصلا إلى قرية قال ابن عباس: هي انطاكية فطلبا طعاماً وكان أهلها لئاماً لا يطعمون جائعاً، ولا يتسضيفون ضيفاً، فامتنعوا عن إضافتهما أو إطعامهما ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ أي وجدا في القرية حائطاً مائلاً يوشك أن يسقط ويقع ﴿فَأَقَامَهُ﴾ أي مسحه الخضر بيده فاستقام، وقيل إنه هدمه ثم بناه وكلاهما مرويٌ عن ابن عباس ﴿قَالَ لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ أي قال له موسى لو أخذت منهم أجراً نستعين به على شراء الطعام! ﴿أنكر عليه موسى صنيع المعروف مع غير أهله، روي أن
стр. 738
موسى قال للخضر: قومٌ استطعمناهم فلم يطعمونا، وضِفناهم فلم يضيّفونا ثم قعدت تبني لهم الجدار لو شئتَ لاتخذت عليه أجراً﴾ ﴿قَالَ هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ أي قال الخضر: هذا وقت الفراق بيننا حسب قولك ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ أي سأخبرك بحكمة هذه المسائل الثلاث التي أنكرتها عليَّ ولم تستطع عليها وفي الحديث
«رحم الله أخي موسى لوددت أنه صبر حتى يقص الله علينا من أمرهما ولو لبث مع صاحبه لأبصر العجب» ﴿أَمَّا السفينة فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البحر﴾ هذا بيانٌ وتفصيل للأحداث العجيبة التي رآها موسى ولم يطق لها صبراً والمعنى أما السفينة التي خرقتها فكانت لأناس ضعفاء لا يقدرون على مدافعة الظَّلمة يشتغلون بها في البحر بقصد التكسب ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أي أردتُ بخرقها أن أجعلها معيبة لئلا يغتصبها الملك الظالم ﴿وَكَانَ وَرَآءَهُم مَّلِكٌ﴾ أي كان أمامهم ملك كافر ظالمٌ ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ أي يغتصب كل سفينة صالحة لا عيب فيها ﴿وَأَمَّا الغلام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ أي وأما الغلام الذي قتلتُه فكان كافراً فاجراً وكان أبواه مؤمنين وفي الحديث «إِن الغلام الذي قتله الخضر طُبع كافراً، ولو عاش لأرهق أبويه طغياناً وكفراً» ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ أي فخفنا أن يحملهما حبُّه على اتّباعه في الكفر والضلال ﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ أي فأردنا بقتله أن يرزقهما الله ولداً صالحاً خيراً من ذلك الكافر وأقربَ براً ورحمة بوالديه ﴿وَأَمَّا الجدار فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي المدينة وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا﴾ أي وأما الجدار الذي بنيتُه دون أجر والذي كان يوشك أن يسقط فقد خبئ تحته كنزٌ من ذهب وفضة لغلامين يتيمين ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً﴾ أي وكان والدهما صالحاً تقياً فحفظ الله لهما الكنز لصلاح الوالد قال المفسرون: إن صلاح الأباء ينفع الأبناء، وتقوى الأصول تنفع الفروع ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا﴾ أي فأراد الله بهذا الصنيع أن يكبرا ويشتد عودهما ويستخرجا كنزهما من تحت الجدار ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾ أي رحمةً من الله بهما لصلاح أبيهما ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي ما فعلتُ ما رأيتَ من خرْقِ السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدارعن رأيي واجتهادي، بل فعلته بأمر الله وإلهامه ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ أي ذلك تفسير التي لم تستطع الصبر عليها وعارضت فيها قبل أن أخبرك عنها.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
١ - الطباق بين ﴿مُبَشِّرِينَ.
. وَمُنذِرِينَ﴾ وبين ﴿نَسِيتُ. . وَأَذْكُرَ﴾ .
٢ - اللف والنشر المرتَّب ﴿أَمَّا السفينة﴾ ﴿وَأَمَّا الغلام﴾ ﴿وَأَمَّا الجدار﴾ فقد جاء بها مرتبة بعد ذكر ركوب السفينة وقتل الغلام وبناء الجدار بطريق اللف والنشر المرتب وهو من المحسنات البديعية.
٣ - الحذف بالإيجاز ﴿كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ أي صالحةٍ خذف لدلالة لفظ «أعيبها» وكذلك حذف لفظ كافر من ﴿وَأَمَّا الغلام﴾ لدلالة قوله تعالى ﴿فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ .
٤ - التغليب ﴿أَبَوَاهُ﴾ المراد باللفظ أبوه وأمه.
стр. 739
٥ - الاستعارة ﴿يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ لأن الإرادة من صفات العقلاء وإسنادها إلى الجدار من لطيف الاستعارة وبليغ المجاز كقول الشاعر:
يريد الرمحُ صدر أبي براءٍ ويرغب عن دماء بني عقيل
٦ - التنكير للتفخيم والإضافة للتشريف ﴿عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ﴾ .
٧ - السجع مراعاة لرءوس الآيات مثل ﴿نَصَباً. . سَرَباً. . عَجَباً﴾ .
٨ - تعليم الأدب ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ وهناك قال ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ حيث أسند ما ظاهره شر لنفسه وأسند الخير إلى الله تعالى، وذلك لتعليم العباد الأدب مع الله جل وعلا.
«قصة موسى والخضر كما في الصحيحين»
عن أبيّ كعب عن رسول الله ﷺ َ أنه قال: (إن موسى قام خطيباً في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فعتب الله عليه إذْ لم يرُدَّ العلم إليه، فأوحى الله إليه أنَّ لي عبداً بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى يا رب فكيف لي به؟ قال: تأخذ حوتاً فتجعله في مِكْتل فحيثما فقدتَ الحوت فهو ثمَّ، فانطلق موسى: ومعه فتاه «يوشع بن نون» حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رؤوسهما فناما واضطرب الحوت في المِكْتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيه في البحر سرَباَ، وأمسك الله عن الحوت جريه الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً - قال ولم يجد موسى النَّصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به - فقال فتاه ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة فَإِنِّي نَسِيتُ الحوت وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر عَجَباً﴾ قال فكان للحوت سَرَباً ولموسى وفتاه عجَباً فقال موسى ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فارتدا على آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ قال رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى الصخرة، فإذا هو مسجَّى بثوب فسلَّم عليه موسى فقال الخضر: وأنَّى بأرضك السلام! من أنت؟ قال: أنا موسى، قال موسى بني إسرائيل؟ قال نعم أتيتك لتعلمني مما عُلمت رُشداً ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ . . يا موسى إني على علم من علم الله لا تعلمه علَّمنيه، وأنت على علم من علم الله علّّمكه لا أعلمه، فقال موسى ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ فقال الخضر ﴿فَإِنِ اتبعتني فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ فانطلقا يمشيان على الساحل فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نوْل - أي بدون أجر - فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحاً من ألواح السفينة بالقدوم، فقال له موسى: قومٌ قد حملونا بغير نوْل عمدت إلى سفينتهم فخرقتها ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ وقال رسول الله ﷺ َ: وكانت الأولى من موسى نسياناً، وجاء عصفورٌ فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر: ما علمي وعلمكَ من علم الله
стр. 740
تعالى إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر، ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذْ أبصر الخضر غلاماً يلعب مع الغلمان، فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه فقتله، فقال له موسى ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً قال سُفيان: وهذه أشدُ من الأولى ﴿قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾ فانطلقا ﴿حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا فَأَبَوْاْ أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ فقال الخضر بيده هكذا - أي أشار بيده - فأقامه فقال موسى: قوم أتيناهم فلم يطعمونا، ولم يضيفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ قال الخضر: ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾ قال رسول الله ﷺ َ:
«يرحم الله موسى لوددت أنه كان صبر حتى يقص الله علينا من أخبارهما» !! أخرجه الشيخان.
تنبيه: قال العلامة القرطبي: «كرامات الأنبياء ثابتة على ما دلت عليه الأخبار والآيات المتواترة، ولا ينكرها إلا المبتدع الجاحد أو الفاسق الحائد، فالآيات ما أخبر الله تعالى في حق مريم من ظهور الفواكه الشتوية في الصيف، والصيفية في الشتاء، وما ظهر على يدها حيث هزَّت النخلة وكانت يابسة فأثمرت، وهي ليست بنبية، ويدل أيضاً ما ظهر على يد الخضر من خرق السفينة، وقتل الغلام، وإقامة الجدار» أهـ. القرطبي ١١/٢٨
стр. 741
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى قصة الخضر أعقبها بقصة ذي القرنين ورحلاته الثلاث إلى المغرب، والشرق، وإلى السَّدين، وبناؤه للسدّ في وجه «يأجوج ومأجوج» وهي القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة، وجميعها ترتبط بالعقيدة والإيمان، وهو الهدف الأصيل للسورة الكريمة.
اللغَة: (ذو القرنين) هو الاسكندر المقدوني وهو ملِكٌ صالح أعطي العلم والحكمة، سمي بذي القرنين لأنه ملك مشارق الأرض ومغاربها وكان مسلماً عادلاً قال الشاعر:
قد كان دو القرنين قبلي مسلماً ... ملكاً علا في الأرض غير مفنَّد
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب مُلكٍ من كريم سيد
﴿حَمِئَةٍ﴾ كثيرة الحمأة وهي الطينة السوداء ﴿سَدّاً﴾ السدُّ: الحاجز والحائل بين الشيئين ﴿رَدْماً﴾ الردَّم. السدُّ المنيع وهو أكبر من السدّ لأن الرَّدم ما جعل بعضه على بعض حتى يصبح كالحجاب المنيع قال الحاجز الحصين المتين ﴿زُبَرَ الحديد﴾ قطع الحديد مفردة زُبرة وهي القطعة ﴿الصدفين﴾ جانبا الجبل قال أبو عبيدة: الصَّدف كل بناء عظيم مرتفع ﴿قِطْراً﴾ القِطر: النحاس المذاب ﴿نَقْباً﴾ خرقاً وثقباً ﴿دَكَّآءَ﴾ مدكوكاً مسوَّى بالأرض قال الأزهري: دككته أي دققته ﴿يَمُوجُ﴾ يختلط ويضطرب ﴿الفردوس﴾ قال الفراء: البستان الذي فيه العنب وقال ثعلب: كل بستان يحوَّط عليه فهو فردوس.
سَبَبُ النّزول: أ - قال قتادة: إن اليهود سألوا النبي ﷺ َ عن ذي القرنين فأنزل الله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين. .﴾ الآية.
ب - قال مجاهد: جاء رجل إلى النبي ﷺ َ فقال يا رسول الله: إني أتصدق، وأصلُ الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى، فيُذكر ذلك مني وأحمد عليه فيسرني ذلك وأُعجب به، فسكت رسول الله ﷺ َ ولم يقل شيئاً فأنزل الله ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً﴾ .
التفسِير: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين﴾ أي يسألك اليهود يا محمد عن ذي القرنين ما شأنه؟ وما قصته؟ ﴿قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً﴾ أي قل لهم سأقص عليكم من نبأه وخبره قرآناً ووحياً ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً﴾ أي يسرنا له أسباب الملك والسلطان والفتح والعمران،
стр. 742
وأعطيناه كل ما يحتاج إليه للوصول إلى غرضه من أسباب العلم والقدرة والتصرف قال المفسرون: ذو القرنين هو «الاسكندر اليوناني» ملكَ المشرق والمغرب فسمي ذا القرنين، وكان ملكاً مؤمناً مكَّن الله له في الأرض فعدل في حكمه وأصلح، وكان في الفترة بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما روي أن الذين ملكوا الأرض أربعة: مؤمنان وكافران، أما المؤمنان فسليمان وذو القرنين، وأما الكافران فنمرود وبختنصر ﴿فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾ أي سلك طريقه الذي يسره الله له وسار جهة المغرب ﴿حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس﴾ أي وصل المغرب ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي وجد الشمس تغرب ما ماء وطين - حسب ما شاهد لا حسب الحقيقة - فإن الشمس أعظم من أن تدخل في عين من عيون الأرض قال الرازي: إن ذا القرنين لما بلغ أقصى المغرب ولم يبق بعدة شيء من العمارات وجد الشمس كأنها تغرب في عين وهذه مظلمة وإن لم تكن كذلك في الحقيقة كما أن راكب البحر يرى الشمس كأنها تغيب في البحر إذا لم ير الشطَّ وهي في الحقيقة تغيب وراء البحر ﴿وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً﴾ أي وجد عند تلك العين الحارة ذات الطين قوماً من الأقوام ﴿قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً﴾ أي قلنا له بطريق الإلهام: إما أن تقتلهم أو تدعوهم بالحسنى إلى الهداية والإيمان قال المفسرون: كانوا كفاراً فخيَّره الله بين أن يعذبهم بالقتل، أو يدعوهم إلى الإسلام فيُحسن إليهم ﴿قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ أي من أصرَّ على الكفر فسوف نقتله ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً﴾ أي ثم يرجع إلى ربه فيعذبه عذاباً منكراً فظيعاً في نار جهنم ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى﴾ أي وأمّا من آمن بالله وأحسن العمل في الدنيا وقدَّم الصالحات فجزاءه الجنة يتنعَّم فيها ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً﴾ أي نيسر عليه في الدنيا فلا نكلفه بما هو شاق بل بالسهل الميسَّر.
اختار الملك العدل دعوتهم بالحسنى فمن آمن فله الجنة، والمعاملة الطيبة، والمعونة والتيسير، ومن بقي على الكفر فله العذاب والنكال في الدنيا والآخرة ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ أي سلك طريقاً بجنده نحو المشرق ﴿حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس﴾ أي حتى وصل أقصى المعمورة من جهة الشرق حيث مطلع الشمس في عين الرائي ﴿وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً﴾ أي وجد الشمس تشرقُ على أقوامٍ ليس لهم من اللباس والبناء ما يسترهم من حر الشمس فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب تحت الأرض، وإذا غربتْ خرجوا لمكاسبهم قال قتادة: مضى ذو القرنين يفتح المدائن ويجمع الكنوز ويقتل الرجال إلاّ من آمن حتى أتى مطلع الشمس فأصاب قوماً في أسراب عراة، ليس لهم طعام إلا ما أنضجته الشمس إذا طلعت، حتى إذا زالت عنهم الشمس خرجوا من أسرابهم في طلب معايشهم، وذُكر لنا أنهم كانوا في مكان لا يثبت عليه بنيان ويقال إنهم الزنج ﴿كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً﴾ أي كذلك فعل بأهل المشرق من آمن تركه ومن كفر قتله كما فعل بأهل المغرب وقد أحطنا علماً بأحواله وأخباره، وعتاده وجنوده، فأمرُه من العظمة وكثرة المال بحيث لا يحيط به إلا علم اللطيف الخبير ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً﴾ أي سلك
стр. 743
طريقاً ثالثاً بين المشرق والمغرب يوصله جهة الشمال حيث الجبال الشاهقة ﴿حتى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ أي حتى إذا وصل إلى منطقة بين حاجزين عظيمين، بمنقطع أرض بلاد الترك مما يلي أرمينية وأذربيجان قال الطبري: والسَّدُ: الحاجز بين الشيئين وهما هنا جبلان سُدَّ ما بينهما، فردَم ذو القرنين حاجزاً بين يأجوج ومأجوج من ورائهم ليقطع مادة غوائلهم وشرهم عنهم ﴿وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً﴾ أي وجد من وراء السدين قوماً متخلفين لا يكادون يعرفون لساناً غيرلسانهم إلا بمشقة وعُسر قال المفسرون: إنما كانوا لا يفقهون القول لغرابة لغتهم، وبطء فهمهم، وبعدهم عن مخالطة غيرهم، وما فهم كلامهم إلا بواسطة ترجمان ﴿قَالُواْ ياذا القرنين إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرض﴾ أي قال القوم لذي القرنين: إن يأجوج ومأجوج - قبيلتان من بني آدم في خلقهم تشويهٌ، منهم مفرطٌ في الطول، ومنهم مفرطٌ في القِصر - قوم مفسدون بالقتل والسلب والنهب وسائر وجوه الشر قال المفسرون: كانوا من آكلة لحوم البشر، يخرجون في الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه، ولا يابساً إلا احتملوه ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً﴾ أي هل نفرض لك جزءاً من أموالنا كضريبة وخراج ﴿على أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً﴾ أي لتجعل سدا يحمينا من شر يأجوج ومأجوج قال في البحر: هذا استدعاءٌ منهم لقبول ما بيذلونه على جهة حسن الأدب ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ أي ما بسطه الله عليَّ من القُدرة والمُلك خيرٌ مما تبذلونه لي من المال ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ أي لا حاجة لي إلى المال فأعينوني بالأيدي والرجال ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً﴾ أي أجعل بينكم وبينهم سدا منيعاً، وحاجزاً حصيناً، وهذه شهامة منه حيث رفض قبول المال وتطوَّع ببناء السد واكتفى بعون الرجال ﴿آتُونِي زُبَرَ الحديد﴾ أي أعطوني قطع الحديد واجعلوها لي في ذلك المكان ﴿حتى إِذَا ساوى بَيْنَ الصدفين﴾ أي حتى إذا ساوى البناء بين جانبي الجبلين ﴿قَالَ انفخوا﴾ أي انفخوا بالمنافيخ عليه ﴿حتى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً﴾ أي جعل ذلك الحديد المتراكم كالنار بشدة الإحماء ﴿قَالَ آتوني أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ أي أعطوني أصبُّ عليه النحاس المذاب قال الرازي: لما أتوه بقطع الحديد وضع بعضها على بعض حتى صارت بحيث تسدُّ ما بين الجبلين إلى أعلاهما ثم وضع المنافخ عليها حتى إذا صارت كالنار صبَّ النحاس المذاب على الحديد المحمي فالتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً ﴿فَمَا اسطاعوا أَن يَظْهَرُوهُ﴾ أي فما استطاع المفسدون أن يعلوه ويتسوروه لعلوه وملاسته ﴿وَمَا استطاعوا لَهُ نَقْباً﴾ أي وما استطاعوا نقبه من أسفل لصلابته وثخانته، وبهذا السد المنيع أغلق ذو القرنين الطريق على يأجوج ومأجوج ﴿قَالَ هذا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي﴾ أي قال ذو القرنين: هذا السدُّ نعمةٌ من الله ورحمة على عباده ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ أي فإذا جاء وعد الله بخروج ياجوج ومأجوج وذلك قرب قيام الساعة ﴿جَعَلَهُ دَكَّآءَ﴾ أي جعله الله مستوياً بالأرض وعاد متهدماً كأن لم يكن بالأمس ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً﴾ أي كان وعده تعالى بخراب السدِّ وقيام الساعة كائناً لا محالة.
. وهاهنا تنتهي قصة ذي القرنين ثم يأتي الحديث عن أهوال الساعة وشدائد القيامة قال تعالى ﴿
стр. 744
وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ أي تركنا الناس يوم قيام الساعة يضطرب بعضهم ببعض - لكثرتهم - كاضطراب موج البحر ﴿وَنُفِخَ فِي الصور فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعاً﴾ أي ونفخ في الصور النفخة الثانية فجمعناهم للحساب والجزاء في صعيد واحدٍ جمعاً لم يتخلف منهم أحد ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِّلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ أي أبرزنا جهنم وأظهرناها للكافرين يوم جمع الخلائق حتى شاهدوها بأهوالها عرضاً مخيفاً مفزعاً ﴿الذين كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾ أي هم الذين كانوا في الدنيا عُمياً عن دلائل قدرة الله ووحدانيته فلا ينظرون ولا يتفكرون ﴿وَكَانُواْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ أي لا يطيقون أن يسمعوا كلام الله تعالى لظلمة قلوبهم قال أبو السعود: وهذا تمثيلٌ لإعراضهم عن الأدلة السمعية، وتعاميهم عن الآيات المشاهدة بالأبصار فكأنهم عمْيٌ صم ﴿أَفَحَسِبَ الذين كفروا أَن يَتَّخِذُواْ عِبَادِي مِن دوني أَوْلِيَآءَ﴾ الهمزة للإنكار والتوبيخ أي أفظنَّ الكافرون أن يتخذوا بعض عبادي آلهة يعبدونهم دوني كالملائكة وعزير والمسيح ابن مريم، وأن ذلك ينفعهم أو يدفع عنهم عذابي؟ قال القرطبي: جواب الاستفهام محذوف تقديره أفحسبوا أن ذلك ينفعهم، أولا أعاقبهم ﴿إِنَّآ أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلاً﴾ أي هيأنا جهنم وجعلناها ضيافةً لهم كالنُزُل المعد للضيف قال البيضاوي: وفيه تهكمٌ بهم وتنبيهٌ على أن لهم وراءها من العذاب ما تستتحق جهنم دونه ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بالأخسرين أَعْمَالاً﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء الكافرين هل نخبركم بأخسر الناس عند الله؟ ﴿الذين ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الحياة الدنيا﴾ أي بطل عملهم وضاع في هذه الحياة الدنيا لأن الكفر لا تنفع معه طاعة قال الضحاك: هم القسيّسون والرهبان يتعبدون ويظنون أن عبادتهم تنفعهم وهي لا تقبل منهم ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ أي يظنون أنهم محسنون بأفعالهم ﴿أولئك الذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ أي كفروا بالقرآن وبالبعث والنشور فبطلت أعمالهم ﴿فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ القيامة وَزْناً﴾ أي لهم عند الله قيمةٌ ولا وزن، ولا قدرٌ ولا منزلة وفي الحديث «يُؤتى بالرجل الطويل الأكول الشروب فلا يزن جناح بعوضة» ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُواْ واتخذوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً﴾ أي ذلك جزاؤهم وعقوبتهم نارُ جهنم بسبب كفرهم واستهزائهم بآيات الله ورسله ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي آمنوا بالله وعملوا بما يرضيه ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الفردوس نُزُلاً﴾ أي لهم أعلى درجات الفردوس منزلا ً ومستقراً ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾ أي ماكثين فيها أبداً لا يطلبون عنها تحولاً قال ابن رواحة: في جنان الفردوس ليسَ يخافون: خُروجاً عنها ولا تحويلاً ﴿قُل لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لِّكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ هذا تمثيلٌ لسعة علم الله والمعنى لو كانت بحار الدنيا حبراً ومداداً وكتبت به كلمات الله وحكمه وعجائبه ﴿لَنَفِدَ البحر قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ أي لفني ماء البحر على كثرته وانتهى، وكلامُ الله لا ينفد لأنه غير متناهٍ كعلمه جل وعلا ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً﴾ أي ولو أتينا بمثل ماء البحر وزدناه به حتى يكثر فإن كلام الله لا يتناهى ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ﴾ أي قل لهم يا محمد إنما أنا إنسان
стр. 745
مثلكم أكرمني الله بالوحي، وأمرني أن أخبركم أنه واحدٌ أحد لا شريك له ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ﴾ أي فمن كان يرجو ثواب الله ويخاف عقابه ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾ أي فليخلص له العبادة ﴿وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدَاً﴾ أي لا يرائي بعمله ولا يبتغي بما يعمل غير وجه الله، فإن الله لا يقبل إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم.
البَلاغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الطباق بين ﴿مَطْلِعَ. . مَغْرِبَ﴾ .
٢ - التشبيه البليغ ﴿جَعَلَهُ نَاراً﴾ أي كالنار في الحرارة وشدة الإحمرار حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغاً.
٣ - الاستعارة ﴿يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ شبّههم لكثرتهم وتداخل بعضهم في بعضٍ بموج البحر المتلاطم واستعار لفظ يموج لذلك ففيه استعارة تبعية.
٤ - الاستعارة أيضاً ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَآءٍ عَن ذِكْرِي﴾ أي كانوا ينظرون فلا يعتبرون وتُعرض عليهم الآيات الكونية فلا يؤمنون، ولم تكن أعينهم حقيقةً في غطاء وحجاب وإنما هو تطريق التمثيل.
٥ - الجناس الناقص ﴿يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ﴾ لتغير الشكل وبعض الحروف، ويسمى أيضاً جناس التصحيف.
٦ - الاستفهام الذي يراد به التوبيخ والتقريع ﴿أَفَحَسِبَ الذين كفروا﴾ ؟
٧ - المقابلة اللطيفة ﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الحسنى﴾ مقابل ﴿أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾ الآية.
لطيفَة: كثيراً ما يرد في القرآن لفظ «حبط» وأصل الحبوط هو انتفاخ بطن الدابة حين تأكل نوعاً ساماً من الكلأ ثم تَلْقى حتفها، وهذا اللفظ أنسب شيء لوصف الأعمال فإنها تنتفخ وأصحابها يظنونها صالحة ناجحة رابحة ثم تنتهي إلى البوار.
стр. 746
اللغَة: ﴿وَهَنَ﴾ ضعف يقال وَهَن يهنُ فهو وَاهِنٌ والوهنُ ضعفُ القوة ﴿اشتعل﴾ الاشتعال انتشار شعاع النار ﴿عَاقِراً﴾ العاقر: التي لا تلد لكبر سنها ﴿عِتِيّاً﴾ العِتيُّ: النهاية في الكبر واليبس
стр. 747
والجفاف يقال: عتا الشيخ كبر وولّى قال الشاعر:
إنما يُعذر الوليدُ ولا يُعذر ... من كان في الزَّمان عِتّياً
﴿حَنَاناً﴾ الحنان: الشفقة والرحمةُ والمحبةُ، وأصله من حنين الناقة على ولدها وحنانْيك تريد رحمتك قال طرفة:
أبَا منذر أفنيت فاسْبتق بعضّنا ... حنانَيْك بعضُ الشر أهونُ من بعض
﴿انتبذت﴾ ابتعدت وتنحَّت ﴿سَوِيّاً﴾ مستوي الخلقة ﴿المخاض﴾ اشتداد وجع الولادة والطلق ﴿سَرِيّاً﴾ السريُّ: النهر والجدول لأن الماء يسري فيه ﴿فَرِيّاً﴾ الفريُّ: العظيم من الأمر.
التفسِير: ﴿كهيعص﴾ حروفٌ مقطعة للتنبيه على إعجاز القرآن وتقرأ: «كافْ، هَا، يَا، عَيْنْ، صَادْ» ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ أي هذا ذكرُ رحمةِ ربِّك لعبدِهِ زكريا نقصُّه عليك يا محمد ﴿إِذْ نادى رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّاً﴾ أي حين ناجى ربه ودعاه بصوتٍ خفي لا يكاد يسمع قال المفسرون: لأن الإخفاء في الدعاء أدخلُ في الإخلاص وأبعدُ من الرياء ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي﴾ أي دعا في ضراعة فقال يا رب: لقد ضعف عظمي، وذهبتْ قوتي من الكِبر ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ أي انتشر الشيب في رأسي انتشار النار في الهشيم ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ أي لم تخيّب دعائي في وقت من الأوقات بل عودتني الإحسان والجميل فاستجب دعائي الآن كما كنت تستجيبه فيما مضى قال البيضاوي: هذا توسلٌ بما سلف له من الاستجابة، وأنه تعالى عوَّده بالإجابة وأطعمه فيها، ومن حقّ الكريم أن لا يخيَّب من أطمعه ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآئِي﴾ أي خفت بني العم والعشيرة من بعد موتي أن يضيّعوا الدين ولا يُحسنوا وراثة العلم والنبوة ﴿وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً﴾ أي لا تلد لكبر سنها أو لم تلدْ قطُّ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾ أي فارزقني من محض فضلك ولداً صالحاً يتولاني ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ أي يرثني ويرث أجداده في العلم والنبوة قال البيضاوي: المراد وراثة الشرع والعلم فإن الأنبياء لا يورّثون المال ﴿واجعله رَبِّ رَضِيّاً﴾ أي أجعله يا رب مرضياً عندك قال الرازي: قدًَّم زكريا ﵇ على طلب الولد أموراً ثلاثة: أحدها: كونه ضعيفاً، والثاني: أن الله ما ردَّ دعاءه البتة، والثالث: كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين ثم صرَّح بسؤال الولد وذلك مما يزيد الدعاء توكيداً لما فيه من الاعتماد على حول الله وقوته والتبري عن الأسباب الظاهرة ﴿يازكريآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسمه يحيى﴾ أي نبشرك بواسطة الملائكة بغلامٍ يسمى يحيى كما في آل عمران ﴿فَنَادَتْهُ الملائكة وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي المحراب أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بيحيى﴾
[آل عمران: ٣٩] ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾ أي لم يسمَّ أحدٌ قبله بيحيى فهو اسم فذٌّ غير مسبوق سمّاه تعالى به ولم يترك تسميته لوالديه وقال مجاهد: ليس له شبيه في الفضل والكمال ﴿قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ أي كيف يكون لي غلام؟ وهو استفهام تعجب وسرور بالأمر العجيب ﴿وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً﴾ أي والحال أن أمرأتي كبيرة السن لم تلد في شبابها فكيف وهو الآن عجوز!! ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً﴾ أي
стр. 748
بلغتُ في الكبر والشيخوخة نهاية العمر قال المفسرون: كان قد بلغ مائةً وعشرين سنة، وامرأتهُ ثمانٍ وتسعين سنة، فأراد أن يطمئنَّ ويعرف الوسيلة التي يرزقه بها هذا الغلام ﴿قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي قال الله لزكريا: هكذا الأمر أخلقه من شيخين كبيرين، وخلقه وإيجادُه سهلٌ يسيرٌ عليَّ ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ أي كما خلقتُك من العدم ولم تكُ شيئاً مذكوراً فأنا قادر على خلق يحيى منكما قال المفسرون: ليس في الخلق هينٌ وصعبٌ على الله، فوسيلة الخلق للصغير والكبير، والجليل والحقير واحدةٌ ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ وإنما هو أهونُ في اعتبار الناس، فإن القادر على الخلق من العدم قادرٌ على الخلق من شيخين هرمين ﴿قَالَ رَبِّ اجعل لي آيَةً﴾ أي اجعل لي علامة تدل على حمل امرأتي ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾ أي علامتك ألا تستطيع تكليم الناس ثلاثة أيام بلياليهن وأنت سويُّ الخلق ليس بك خرسٌ ولا علة قال ابن عباس: اعتُقِل لسانه من غير مرض وقال ابن زيد: حُبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحداً وهو مع ذلك يسبح ويقرأ التوراة لم يكن الإنجيل ظهر بعد لأن هذا قبل ولادة عيسى ﵇ فإذا أراد الناس لم يستطع أن يكلمهم ﴿فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب﴾ أي أشرف عليهم من المصلّى وهو بتلك الصفة ﴿فأوحى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ أي أشار إلى قومه بأن سبّحوا الله في أوائل النهار وأواخره، وكان كلامه مع الناس بالإِشارة لقوله تعالى في آل عمران ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً﴾ [آل عمران: ٤١] ﴿يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ﴾ في الكلام حذفٌ والتقدير فلما ولد يحيى وكبر وبلغ السن الذي يؤمر فيه قال الله له: يا يحيى خذ التوراة بجدٍ واجتهاد ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً﴾ أي أعطيناه الحكمة ورجاحة العقل منذ الصغر، روي أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعبُ فقال لهم: ما للَّعب خُلقت، وقيل: أعطي النبوة منذ الصغر والأول أظهر قال الطبري: المعنى أعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه قبل بلوغه سن الرجال ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا وَزَكَاةً﴾ أي فعلنا ذلك رحمة منا بأبوية وعطفاً عليه وتزكيةً له من الخصال الذميمة ﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ أي عبداً صالحاً متقياً لله، لم يهمَّ بمعصيةٍ قط قال ابن عباس: طاهراً لم يعلم بذنب ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً﴾ أي جعلناه باراً بأبيه وأمه محسناً إليهما ولم يكن متكبراً عاصياً لربه ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾ أي سلام عليه من الله من حين مولده إلى حين مبعثه، في يوم ولادته وفي يوم موته ويوم يُبعث من قبره قال ابن عطية: حيَّاه في المواطن التي يكون الإنسان فيها في غاية الضعف، والحاجة، والافتقار إلى الله ﴿واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ﴾ هذه هي القصة الثانية في هذه السورة وهي أعجب من قصة «ميلاد يحيى» لأنها ولادة عذراء من غير بعل، وهي أغرب من ولادة عاقرٍ من بعلها الكبير في السن والمعنى اذكر يا محمد قصة مريم العجيبة الغريبة الدالة على كمال قدرة الله ﴿إِذِ انتبذت مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً﴾ أي حين تنحَّتْ واعتزلت أهلها في مكان شرقيَّ بيت المقدس لتتفرع لعبادة الله ﴿فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً﴾ أي جعلت بينها وبين قومها
стр. 749
ستراً وحاجزاً ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ أي أرسلنا إليها جبريل ﵇ ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً﴾ أي تصوَّر لها في صورة البشر التام الخلقة قال ابن عباس: جاءها في صورة شاب أبيض الوجه جعْدَ الشعر مستوى الخلقة قال المفسرون: إنما تمثل لها في صورة الإنسان لتسأنس بكلامه ولا تنفر عنه، ولو بدا لها في الصورة الملكية لنفرتْ ولم تقدر على السماع لكلامه، ودلَّ على عفافها وورعها أنها تعوذت بالله من تلك الصورة الجميلة الفائقة في الحسن ﴿قَالَتْ إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ أي فلما رأته فزعت وخشيتْ أن يكون إنما أرادها بسوء فقالت: إني أحتمي وألتجئ إلى الله منك، وجواب الشرط محذوفٌ تقديره إن كنت تقياً فاتركني ولا تؤذني ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً﴾ أي قال لها جبريل مزيلاً لما حصل عندها من الخوف: ما أنا إلا ملَكٌ مرسلٌ من عند الله إليك ليهبَ لك غلاماً طاهراً من الذنوب ﴿قَالَتْ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ﴾ أي كيف يكون لي غلام؟ وعلى أيّ صفةٍ يوجد هذا الغلام مني؟ ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾ أي ولستُ بذاتِ زوج حتى يأتيني ولد ولستُ بزانية ﴿قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي كذلك الأمر حكم ربُّك بمجيء الغلام منك وإن لم يكن لك زوج، فإنَّ ذلك على الله سهل يسير ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾ أي وليكون مجيئه دلالةّ للناس على قدرتنا العجيبة ورحمة لهم ببعثته نبياً يهتدون بإرشاده ﴿وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً﴾ أي وكان وجوده أمراً مفروغاً منه لا يتغّير ولا يتبدل لأنه في سابق علم الله الأزلي ﴿فَحَمَلَتْهُ فانتبذت بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾ انتهى الحوار بين الروح الأمين ومريم العذراء قال المفسرون: إن جبريل نفخ في جيب درعها فدخلت النفخة في جوفها فحملت به وتنحت إلى مكان بعيد ومعنى الآية أنها حملت بالجنين فاعتزلت - وهو في بطنها - مكاناً بعيداً عن أهلها خشية أن يعيرّوها بالولادة من غير زوج ﴿فَأَجَآءَهَا المخاض إلى جِذْعِ النخلة﴾ أي فألجأها ألم الطَّلق وشدة الولادة إلى ساق نخلةٍ يابسة لتعتمد عليه عند الولادة ﴿قَالَتْ ياليتني مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾ أي قالت يا ليتني كنت قد مِتُّ قبل هذا اليوم وكنت شيئاً تافهاً لا يُعرف ولا يُذكر قال ابن كثير: عرفت أنها ستُبتلى وتُمتحن بهذا المولود فتمنت الموت لأنها عرفت أن الناس لا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عاهرة زانية ولذلك قالت ما قالت ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي﴾ أي فناداها الملك من تحت النخلة قائلاً لها: لا تحزني لهذا الأمر ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ أي جعل لك جدولاً صغيراً يجري أمامك قال ابن عباس: ضرب جبريل برجله الأرض فظهرت عين ماءٍ عذب فجرى جدولاً ﴿وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة﴾ أي حركي جذع النخلة اليابسة ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾ أي يتساقط عليك الرُّطب الشهيُّ الطريُّ قال المفسرون: أمرها بهز الجذع اليابس لترى آية أخرى في إحياء موات الجذع بعد رؤيتها عين الماء العذب الذي جرى جدولاً، وذلك ليسكن ألمها وتعلم أن ذلك كرامة من الله لها ﴿فَكُلِي واشربي﴾ أي كلي من هذا الرطب الشهي، واشربي من هذا الماء العذب السلسبيل ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ أي طيبي نفساً بهذا المولود
стр. 750
ولا تحزني ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً﴾ أي فإن رأيتِ أحداً من الناس وسألك عن شأن المولود ﴿فقولي إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً﴾ أي نذرت السكوت والصمت لله تعالى ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً﴾ أي لن أكلّم أحداً من الناس.
. أُمِرت بالكفّ عن الكلام ليكفيها ولدها ذلك فتكون آية باهرة ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ أي أتتْ قومها بعد أن طهرت من النفاس تحمل ولدها عيسى على يديها ﴿قَالُواْ يامريم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾ أي فلما وابنها أعظموا أمرها واستنكروه وقالوا لها: لقد جئتِ شيئاً عظيماً مُنكراً ﴿ياأخت هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ﴾ أي يا شبيهة هارون في الصلاح والعبادة ما كان أبوك رجلاً فاجراً ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾ أي وما كانت أمكِ زانية فكيف صدر هذا منك وأنت من بيت طاهر معرفٍ بالصلاح والعبادة؟ قال قتادة: كان هارون رجلاً صالحاً في بني إسرائيل مشهوراً بالصلاح فشبهوها به، وليس بهارون أخي موسى لأن بينهما ما يزيد على ألف عام وقال السهيلي: هارون رجل من عُباد بني إسرائيل المجتهدين كانت مريم تُشبّه به في اجتهادها وليس بهارون أخي موسى بن عمران فإن بينهما دهراً طويلاً ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ أي لم تجبهم وأشارت إلى عيسى ليكلموه ويسألوه ﴿قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً﴾ أي قالوا متعجبين: كيف نكلم طفلاً رضيعاً لا يزال في السرير يغتذي بلبان أمه؟ قال الرازي: روي أنه كان يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وكلمهم، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله﴾ أي قال عيسى في كلامه حين كلمهم: أنا عبدٌ لله خلقني بقدرته من دون أب، قدم ذكر العبودية، ليُبطل قول من ادّعى في الربوبية ﴿آتَانِيَ الكتاب وَجَعَلَنِي نَبِيّاً﴾ أي قضى ربي أن يؤتيني الإنجيل ويجعلني نبياً، وإنما جاء بلفظ الماضي لإفادته تحققه فإن ما حكم به الله أزلاً لا بدَّ إلا أن يقع ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ﴾ أي جعل فيَّ البركة والخير والنفع للعباد حيثما كنت وأينما حللت ﴿وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ أي أوصاني بالمحافظة على الصلاة والزكاة مدة حياتي ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي﴾ أي وجعلني باراً بوالدتي محسناً لها ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾ أي ولم يجعلني متعظماً متكبراً على أحد شقياً في حياتي ﴿والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً﴾ أي سلام الله عليَّ في يوم ولادتي، وفي يوم مماتي، وفي يوم خروجي حياً من قبري، هذا ما نطق به المسيح ﵇ وهو طفل رضيع في المهد.
. وهكذا يعلن عيسى عبوديته لله، فليس هو إلهاً، ولا ابن إله، ولا ثالث ثلاثة كما يزعم النصارى، إنما عبدٌ ورسول، يحيا ويموت كسائر البشر، خلقه الله من أم دون أب ليكون آية على قدرة الله الباهرة، ولهذا جاء التعقيب المباشر ﴿ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَوْلَ الحق الذي فِيهِ يَمْتُرُونَ﴾ أي ذلك هو القول الحقُّ في عيسى بن مريم لا ما يصفه النصارى من أنه ابن الله، أو اليهود من أنه ابن زنى ويشكّون في أمره ويمترون ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾ أي ما ينبغي لله ولا يجوز له أن يتخذ ولداً ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزَّه الله عن الولد والشريك ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ أي إذا أراد شيئاً وحكم به قال له كنْ فكان، ولا يحتاج إلى
стр. 751
معاناةٍ أو تعب، ومن كان هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد؟ قال المفسرون: وهذا كالدليل لما سبق كأنه قال: إن اتخاذ الولد شأن العاجز الضعيف المحتاج الذي لا يقدر على شيء، وأما القادر الغني الذي يقول للشيء ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ فلا يحتاج في اتخاذ الولد إلى إحبال الأنثى وحيث أوجده بقوله ﴿كُن﴾ لا يسمى ابناً له بل هو عبده، فهو تبكيتٌ وإلزام لهم بالحجج الباهرة ﴿وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي وممّا أمرَ به عيسى قومَه وهو في المهد أن أخبرهم أن الله ربه وربهم فليفردوه بالعبادة هذا هو الدين القويم الذي لا اعوجاج فيه ﴿فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ﴾ أي اختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى وصاروا أحزاباً متفرقين، فمنهم من يزعم أنه ابن الله، ومنهم من يزعم أنه ابن زنى ﴿فَوْيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي ويلٌ لهم من المشهد الهائل ومن شهود هول الحساب والجزاء ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ أي ما أسمعهم وأبصرهم في ذلك اليوم الرهيب ﴿لكن الظالمون اليوم فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي لكنْ الظالمون في هذه الدنيا في بعدٍ وغفلة عن الحق واضح جلي ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة﴾ أي أنذر الخلائق وخوّفهم يوم القيامة يوم يتحسر المسيء إذ لم يُحسن، والمقصر إذ لم يزدد من الخير ﴿إِذْ قُضِيَ الأمر﴾ أي قُضي أمرُ الله في الناس، فريقٌ في الجنة وفريق في السعير ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي وهم اليوم في غفلةٍ سادرون ﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي لا يصدقون بالبعث والنشور ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ أي نحن الوارثون للأرض وما عليها من الكنوز والبشر ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ أي مرجع الخلائق ومصيرهم إلينا للحساب والجزاء.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
١ - الكناية ﴿وَهَنَ العظم مِنِّي﴾ كناية عن ذهاب القوة وضعف الجسم.
٢ - الاستعارة ﴿اشتعل الرأس شَيْباً﴾ شبّه انتشار الشيب وكثرته باشتعال النار في الحطب واستعير الاشتعال للانتشار واشتق منه اشتعل بمعنى انتشر ففيه استعارة تبعية.
٣ - الطباق بين ﴿وُلِدَ. . ويَمُوتُ﴾ .
٤ - جناس الاشتقاق ﴿نادى. . نِدَآءً﴾ .
٥ - الكناية اللطيفة ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ كناية عن المعاشرة الزوجية بالجماع.
٦ - صيغة التعجب ﴿أَسْمِعْ. . وَأَبْصِرْ﴾ .
٧ - السجع ﴿سَرِيّاً، بَغِيّاً، صَبِيّاً، نَبِيّاً﴾ وهو من المحسنات البديعة.
تنبيه: في يوم القيامة تشتد الحسرات حتى لكأن اليوم ممحض للحسرة لا شيء فيه سواها، وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد الخدري أن الرسول ﷺ َ قال: «» إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال يا أهل الجنة: هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون - أي يمدون أعناقهم - وينظرون ويقولون نعم هذا الموت، ثم يقال يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت، فيؤمر به فيذبح ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت ثم قرأ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة. .﴾ الآية «.
стр. 752
المنَاسَبَة: لم ذكر تعالى «قصة مريم» واختلاف النصارى في شأن عيسى حتى عبدوه من دون الله، أعقبها بذكر «قصة إبراهيم» وتحطيمه الأصنام لتذكير الناس بما كان عليه خليل الرحمن من توحيد الربّ الديّان، وسواء في الضلال من عبد بشراً أو عبد حجراً، فالنصارى عبدوا المسيح، ومشركوا العرب عبدوا الأوثان.
اللغَة: ﴿صِدِّيقاً﴾ من أبنية المبالغة ومعناه كثير الصدق ﴿مَلِيّاً﴾ دهراً طويلاً من قولهم أمليتُ لفلان في الأمر إذا أطلت له قال الشاعر:
فتصدَّعت شُمُّ الجبال لموته ... وَبكتْ عليه المُرْملاتُ مليّاً
﴿حَفِيّاً﴾ الحفيُّ: المبالغ في البر واللطف به ﴿خَلْفٌ﴾ الخلف: بسكون اللام الذي يخلف سلفه بالشر وبفتحها الذي يخلفه بالخير يقال جعلك الله خير خلفٍ لخير سلف وقال الشاعر:
стр. 753
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم ... وبقيتُ في خَلْف كجلد الأجرب
﴿غَيّاً﴾ : شراً وضلالاً قال أهل اللغة: كل شر عند العرب فهو غي، وكل خير فهو رشاد.
سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ َ: «يا جبريل ما يمنعك أن تزورنا أكثر ممّا تزورنا؟ فنزلت الآية ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ. .﴾ الآية» .
التفسِير: ﴿واذكر فِي الكتاب إِبْرَاهِيمَ﴾ أي اذكر يا محمد في الكتاب العزيز خليل الرحمن إبراهيم ﵇ ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ أي ملازماً للصدق مبالغاً فيه، جامعاً بين الصّديقية والنبوة والغرضُ تنبيه العرب إلى فضل إبراهيم الذي يزعمون الانتساب إليه ثم يعبدون الأوثان مع أنه إمام الحنفاء وقد جاء بالتوحيد الصافي الذي دعاهم إليه خاتم المرسلين ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ ياأبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً﴾ أي ناداه متلطفاً بخطابه، مستميلاً له نحو الهداية والإيمان، يا أبتِ لم تعبد حجراً لا يسمع ولا يبصر، ولا يجلب لك نفعاً أو يدفع عنك ضراً؟ ﴿ياأبت إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ العلم مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ كرَّر النصح باللطف ولم يصف أباه بالجهل الشنيع في عبادته للأصنام وإنما ترفق وتلطف في كلامه أي جاءني من العلم بالله ومعرفة صفاته القدسية ما لا تعلمه أنت ﴿فاتبعني أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ أي اقبل نصيحتي وأطعني أرشدك إلى طريق مستقيم فيه النجاة من المهالك وهو دين الله الذي لا عوج فيه ﴿ياأبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان﴾ أي لا تطع أمر الشيطان في الكفر وعبادة الأوثان ﴿إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً﴾ أي إن الشيطان عاصٍ للرحمن، مستكبر على عبادة ربه، فمن أطاعه أغواه، قال القرطبي: وإنما عبّر بالعبادة عن الطاعة لأن من أطاع شيئاً في معصية الله فقد عبده ﴿ياأبت إني أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرحمن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾ تحذيرٌ من سوء العاقبة والمعنى أخاف أن تموت على كفرك فيحل بك عذاب الله الأليم وتكون قريناً للشيطان بالخلود في النيران قال الإمام الفخر: وإيراد الكلام بلفظ ﴿ياأبت﴾ في كل خطاب دليل على شدة الحب والرغبة في صونه عن العقاب، وإرشاده إلى الصواب، وقد رتَّب إبراهيم الكلام في غاية الحسن، لأنه نبَّهه أولاً إلى بطلان عبادة الأوثان، ثم أمره باتباعه في الاستدلال وترك التقليد الأعمى، ثم ذكَّره بأن طاعة الشيطان غير جائزة في العقول، ثم ختم الكلام بالوعيد الزاجر عن الإقدام مع رعاية الأدب والرفق، وقوله ﴿إني أَخَافُ﴾ دليلٌ على شدة تعلق قلبه بمصالحه قضاءً لحق الأبوَّة ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبراهيم﴾ أي قال له أبوه آزر: أتارك يا إبراهيم عبادة آلهتي ومنصرفٌ عنها؟ استفهامٌ فيه معنى التعجب والإنكار لإعراضه عن عبادة الأوثان كأن ترك عبادتها لا يصدر عن عاقل قال البيضاوي: قابل أبوه استعطافه ولطفه في الإرشاد بالفظاظه وغلظة العناد، فناداه باسمه ولم يقابل قوله ﴿ياأبت﴾ ب «يا ابني» وقدَّم الخبر وصدَّره بالهمزة لإنكار نفس الرغبة كأنها مما لا يرغب عنها عاقل، ثم هدَّده بقوله ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ﴾ أي لئن لم تترك شتم وعيب آلهتي لأرجمنك بالحجارة ﴿واهجرني مَلِيّاً﴾ أي اهجرني دهراً طويلاً قال السديُّ: أبداً.
. بهذه الجهالة تلقى «آزر»
стр. 754
الدعوة إلى الهدى، وبهذه القسوة قابل القول المؤدَّب المهذَّب، وكذلك شأن الكفر مع الإيمان، وشأن القلب الذي هذَّبه الإيمان، والقلب الذي أفسده الطغيان ﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي﴾ أي قال إبراهيم في جوابه: أمَّا أنا فلا ينالك مني أذى ولا مكروه، ولا أقول لك بعدُ ما يؤذيك لحرمة الأبوَّة، وسأسأل الله أن يهديك ويغفر لك ذنبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ أي مبالغاً في اللطف بي والاعتناء بشأني ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾ أي أترككم وما تعبدون من الأوثان وأرتحل عن دياركم ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أي وأعبد ربي وحده مخلصاً له العبادة ﴿عسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ أي راجياً بسبب إخلاصي العبادة له ألاَّ يجعلني شقياً، وفيه تعريضٌ بشقاوتهم بدعاء آلهتم. . وهكذا اعتزل إبراهيم أباه وقومه وعبادتهم للأوثان، وهجر الأهل والأوطان، فلم يتركه الله وحيداً بل وهب له ذريةً وعوَّضه خيراً ﴿فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ قال المفسرون: لما هاجر إبراهيم إلى أرض الشام، واعتزل أباه وقومه في الله، أبدله الله من هو خيرٌ منهم، فوهب له إسحاق ويعقوبُ أولاداً أنبياء، فآنس الله بهما وحشته عن فراق قومه بأولئك الأولاد الأطهار، ويعقوب ابن اسحاق، وهما شجرتا الأنبياء فقد جاء من نسلهما أنبياء بني إسرائيل قال ابن كثير: المعنى جعلنا له نسلاً وعقباً أنبياء، أقر الله بهم عينه في حياته بالنبوة ولهذا قال ﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾ أي كل واحدٍ منهما جعلناه نبياً ﴿وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا﴾ أي أعطينا الجميعَ - إبراهيم وإسحاق ويعقوب - كل الخير الديني والدنيوي، من المال والولد والعلم والعمل ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ أي جعلنا لهم ذكراً حسناً في الناس، لأن جميع أهل الملل والأديان يثنون عليهم لما لهم من الخصال المرضية، ويُصلون على إبراهيم وعلى آله إلى قيام الساعة، قال الطبري: أي رزقناهم الثناء الحسن، والذكر الجميل في الناس ﴿واذكر فِي الكتاب موسى﴾ أي اذكر يا محمد لقومك في القرآن العظيم خبر موسى الكليم ﴿إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً﴾ أي استخلصه الله لنفسه، واصطفاه من بين الخلق لكلامه ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ أي من الرسل الكبار، والأنبياء الأطهار، جمع الله له بين الوصفين الجليلين، وإنما أعاد لفظ «كان» لتفخيم شأن النبي المذكور ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطور الأيمن﴾ أي نادينا موسى من جهة جبل الطور من ناحية اليمين حين كلمناه بلا واسطة ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ أي أدنْيناه للمناجاة حين كلمناه قال ابن عباس: أُدني موسى من الملكوت ورُفعت له الحُجب حتى سمع صريف الأقلام قال الزمخشري: شبّهه بمن قرَّبه بعض العظماء للمناجاة حيث كلَّمه بغير واسطة ملك ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾ أي وهبنا له من نعمتنا عليه أخاه هارون فجعلناه نبياً إجابة لدعائه حين قال
﴿واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي﴾ [طه: ٢٩ - ٣٠] جعلناه له عضداً وناصراً ومعيناً ﴿واذكر فِي الكتاب إِسْمَاعِيلَ﴾ أي اذكر يا محمد في القرآن العظيم خبر جدّك «إسماعيل» الذبيح ابن إبراهيم، وهو أبو العرب جميعاً ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الوعد﴾ أي كان صادقاً في وعده، لا يعد بوعدٍ إلا وفى به قال المفسرون: وذُكر بصدق الوعد وإن كان موجوداً في غيره من الأنبياء تشريفاً وإكراماً،
стр. 755
ولأنه عانى في الوفاء بالوعد ما لم يعانه غيره من الأنبياء، فمن مواعيده الصبر وتسليم نفسه للذبح فلذلك أثنى الله عليه ﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ أي جمع الله له بين الرسالة والنبوة قال ابن كثير: وفي الآية دليل على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق لأنه إنما وُصف بالنبوة فقط، وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة، ومن إسماعيل جاء خاتم المرسلين محمد ﷺ َ ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة﴾ أي كان يحث أهله على طاعة الله، وبخاصة الصلاة التي هي عماد الدين، والزكاة التي بها تتحقق سعادة المجتمع ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ أي نال رضى الله قال الرازي: وهذا نهاية المدح لأن المرضيَّ عند الله هو الفائز في كل طاعاته بأعلى الدرجات ﴿واذكر فِي الكتاب إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾ أي اذكر يا محمد في الكتاب الجليل خبر إدريس إنه كان ملازماً للصدق في جميع أحواله، موحىً إلأيه من الله قال المفسرون: إدريس هو جدُّ نوح، وأول مرسل بعد بعد آدم، وأول من خط بالقلم ولبس المخيط، وكانوا من قبل يلبسون الجلود، وقد أنزل الله عليه ثلاثين صحيفة ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ أي رفعنا ذكره وأعلينا قدره، بشرف النبوة والزلفى عند الله ﴿أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين﴾ أي أولئك المذكورون هم أنبياء الله ورسله الكرام، الذين قصصنا عليك خبرهم في هذه السورة - وهم عشرة أولهم زكريا وآخرهم إدريس - وهم الذين أنعم الله عليهم بشرف النبوة ﴿مِن ذُرِّيَّةِءَادَمَ﴾ أي من نسل آدم كإِدريس ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ كإِبراهيم فإِنه من ذرية سام بن نوح ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ كإِسماعيل وإِسحاق ويعقوب ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾ أي ومن ذرية إسرائيل وهو «يعقوب» كموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا واجتبينآ﴾ أي وممن هديناهم للإيمان واصطفيناهم لرسالتنا ووحينا ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرحمن خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ أي إذا سمعوا كلام الله سجدوا وبكوا من خشية الله مع ما لهم من علو الرتبة، وسموِّ النفس، والزلفى من الله تعالى، قال القرطبي: وفي الآية دلالة على أن لآيات الرحمن تأثيراً في القلوب ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات﴾ أي جاء من بعد هؤلاء الأتقياء قومٌ أشقياء، تركوا الصلوات وسلكوا طريق الشهوات ﴿فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً﴾ أي سوف يلقون كل شرٍّ وخسارٍ ودمار، قال ابن عباس: عيٌّ وادٍ في جهنم، وإِن أودية جهنم لتستعيذ بالله من حره ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ أي إلا من تاب وأناب وأصلح عمله ﴿فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾ أي فأولئك يُسعدون في الجنة ولا يُنقصون من جزاء أعمالهم شيئاً ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب﴾ أي هي جنات إقامة التي وعدهم بها ربهم فآمنوا بها بالغيب قبل أن يروها تصديقاً بوعده تعالى ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾ أي إن وعده تعالى بالجنة آتٍ وحاصلٌ لا يُخلف ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلاَّ سَلاَماً﴾ أي لا يسمعون في الجنة شيئاً من فضول الكلام، لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم على وجه التحية والإكرام، والاستثناء منقطع ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ أي ولهم ما يشتهون في الجنة من أنواع المطاعم والمشارب بدون كدٍّ ولا تعب، ولا نتغصٍ ولا انقطاع ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ
стр. 756
عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾ أي هذه الجنة التي وصفنا أحوال أهلها هي التي نورثها لعبادنا المتقين ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ هذا من كلام جبريل لرسول الله ﷺ َ حين احتبس عنه فترةً من الزمن والمعنى: ما نتنزَّل إلى الدنيا إلا بأمر الله وإِذنه ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك﴾ أي لله جل وعلا جميع الأمر، أمر الدنيا والآخرة، وهو المحيط بكل شيء لا يخفى عليه خافية، ولا يعزب عنه مثقال ذرة، فكيف نقدم على فعل شيء إلا بأمره وإِذنه؟ ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي لا ينسى شيئاً من أعمال العباد ﴿رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فاعبده﴾ أي هو ربُّ العوالم علويها وسفليها فاعبده وحده ﴿واصطبر لِعِبَادَتِهِ﴾ أي اصبر على تكاليف العبادة ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ أي هل تعلم له شبيهاً ونظيراً؟
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الكناية اللطيفة ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ كنَّى عن الذكر الحسن والثناء الجميل باللسان لأن الثناء يكون باللسان فلذلك قال ﴿لِسَانَ صِدْقٍ﴾ كما يكنى عن العطاء باليد.
٢ - الاستعارة ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ شبَّه المكانة العظيمة والمنزلة السامية بالمكان العالي بطريق الاستعارة.
٣ - المبالغة ﴿صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾ أي مبالغاً في الصدق.
٤ - الإشارة بالبعيد لعلو المرتبة ﴿أولئك الذين أَنْعَمَ﴾ فما فيه من معنى البعد للإشادة بعلو رتبهم وبُعد منزلتهم في الفضل.
٥ - الجناس الناقص ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ لتغير الحركات والشكل.
٦ - الطباق ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا﴾ وبين ﴿بُكْرَةً. . وَعَشِيّاً﴾ .
٧ - السجع الحسن الرصين ﴿عَلِيّاً، حَفِيّاً، نَّبِيَّاً﴾ .
فائِدَة: في قول إبراهيم ﵇ «يا أبتٍ» تلطفٌ واستدعاء، والتاء عوضٌ عن ياء الإضافة لأن أصله «يا أبي» ولهذا لا يُجمع بينهما.
تنبيه: ذكر السيوطي في التحبير أن إبراهيم ﵇ عاش من العمر مائة وخمساً وسبعين سنة، وبينه وبين آدم ألفا سنة، وبينه وبين نوح ألف سنة، ومنه تفرعت شجرة الأنبياء.
стр. 757
المناسَبَة: لما ذكر تعالى طائفةً من قصص الأنبياء للعظة والاعتبار، وكان الغرضُ الأساسي للسورة الكريمة إثبات قدرة الله على الإحياء والإفناء، وإثباتُ يوم المعاد، ذكر تعالى هنا بعض شبهات المكذبين للبعث والنشور وردَّ عليها بالحجج القاطعة، والبراهين الساطعة، وختم السورة الكريمة ببيان مآل السعداء والأشقياء.
اللغَة: ﴿جِثِيّاً﴾ جمع جاثٍ يقال: جثا إذا قعد على ركبتيه من شدة الهول وهي قعدة الخائف الذليل قال الكُميت:
هُمُو تركوا سراتُهم جثّياً ... وهم دُونَ السَّراة مقرَّنينا
﴿عِتِيّاً﴾ عصياناً وتمرداً عن الحق ﴿نَدِيّاً﴾ النديُّ والنادي: الذي يجتمع فيه القوم للتحدث والمشورة قال الجوهري: النديُّ مجلس القوم ومتحدثهم وكذلك الندوة والنادي فإن تفرقوا فليس بندي ﴿أَثَاثاً﴾ الأثاث: متاع البيت ﴿رِءْياً﴾ منظراً حسناً ﴿تَؤُزُّهُمْ﴾ الأزُّ: التهييجُ والإِغراء، قال أهل اللغة: الأزُ والهزُّ والاستفزاز متقاربة ومعناها التهييج وشدة الإزعاج ومنه أزيز المِرجل وهو غليانه وحركته ﴿وَفْداً﴾ جمع وافد وهو الذي يقدم على سبيل التكرمة معزَّزاً مكرَّماً ﴿وِرْداً﴾ مشاةً عطاشاً قال الرازي: والورد اسم للعطاش لأن من يرد الماء لا يرده إلا للعطش ﴿إِدّاً﴾ منكراً
стр. 758
عظيماً قال الجوهري: الإدُّ: الداهية والأمر الفظيع ﴿رِكْزاً﴾ الركز: الصوت الخفي.
سَبَبُ النّزول: عن خباب بن الأرت قال: كنتُ رجلاً قيناً - أي حداداً - وكان لي على العاص بن وائل دينٌ فأتيتُه أتقاضاه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث - أي تموت الآن وتبعث أمامي وهذا من باب المستحيل - قال: فإني إذا متُّ ثم بُعثتُ جئتني ولي ثمَّ مالٌ فأعطيتك فأنزل الله ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ .
التفسِير: ﴿وَيَقُولُ الإنسان أَءِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً﴾ أي يقول الكافر الذي لا يصدق بالبعث بعد الموت على وجه الإِنكار والاستبعاد: أئذا متُّ وأصبحتُ تراباً ورفاتاً فسوف أخرج من القبر حياً؟ قال ابن كثير: يتعجب ويستبعد إِعادته بعد موته، واللام «لسوف» للمبالغة في الإنكار، وهو إنكار منشؤه غفلة الإنسان عن نشأته الأولى، أين كان؟ وكيف كان؟ ولو تذكّر لعلم أن الأمر أيسر مما يتصور ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ أي أولاً يتذكر هذا المكذّب الجاحد أول خلقه فيستدل بالبداءة على الإعادة؟ ويعلم أن الله الذي خلقه من العدم قادرٌ على أن يعيده بعد الفناء وتشتت الأجزاء؟ قال بعضُ العلماء: لو اجتمع كل الخلائق على إيراد حجةٍ في البعث على هذا الاختصار لما قدروا عليها، إذْ لا شكَّ أنَّ الإعادة ثانياً أهونُ من الإيجاد أولاً، ونظيره قوله ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشياطين﴾ أي فوربك يا محمد لنحشرنَّ هؤلاء المكذبين بالبعث مع الشياطين الذين أغووهم قال المفسرون: يُحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً﴾ أي محضر هؤلاء المجرمين حول جهنم قعوداً على الركب من شدة الهول والفزع، لا يطيقون القيام على أرجلهم لما يدهمهم من شدة الأمر ﴿ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي لنأخذنَّ ولننتزعنَّ من كل فرقةٍ وجماعة ارتبطت بمذهب ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً﴾ أي من منهم أعصى لله وأشد تمرداً، والمراد أنه يؤخذ من هؤلاء المجرمين ليقذف في جهنم الأعتى فالأعتى قال ابن مسعود: يُبدأ بالأكابر جرماً ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بالذين هُمْ أولى بِهَا صِلِيّاً﴾ أي نحن أعلم بمن هم أحق بدخول النار والاصطلاء بحرها وبمن يستحق تضعيف العذاب فنبدأ بهم ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ أي ما منكم أحدٌ من برٍ أو فاجر ألاً وسيرد على النار، المؤمن للعبور والكافر للقرار ﴿كَانَ على رَبِّكَ حَتْماً مَّقْضِيّاً﴾ أي كان ذلك الورود قضاءً لازماً لا يمكن خُلفه ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الذين اتقوا﴾ أي ننجّي من جهنم المتقين بعد مرور الجميع عليها ﴿وَّنَذَرُ الظالمين فِيهَا جِثِيّاً﴾ أي ونترك الظالمين في جهنم قعوداً على الركب قال البيضاوي: والآية دليلٌ على أن المراد بالورود
стр. 759
والجثوُّ حواليها، وأن المؤمنين يفارقون الفجرة إلى جنة بعد نجاتهم، ويبقى الفجرة فيها على هيئاتهم ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بينات﴾ أي وإذا قرئت على المشركين آيات القرآن المبين، واضحات الإعجاز، بينات المعاني ﴿قَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمنوا أَيُّ الفريقين خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ أي قال الكفرة المترفون لفقراء المؤمنين أيُّ الفريقين: - نحن أو أنتم - أحسنُ مسكناً، وأطيب عيشاً، وأكرم منتدى ومجلساً؟ قال البيضاوي: إن المشركين لما سمعوا الآيات الواضحات وعجزوا عن معارضتها، أخذوا في الافتخار بما لهم من حظوظ الدنيا، والاستدلال بزيادة حظهم فيها على فضلهم وحسن حالهم لقصور نظرهم، فردَّ الله عليهم بقوله ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً﴾ أي وكثير من الأمم المكذبين بآياتنا أهلكناهم بكفرهم كانوا أكثر من هؤلاء متاعاً، وأجمل صورةً ومنظراً، فكما أهلكنا السابقين نهلك اللاحقين، فلا يغترُّ هؤلاء بما لديهم من النعيم والمتاع ﴿قُلْ مَن كَانَ فِي الضلالة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرحمن مَدّاً﴾ أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الزاعمين أنهم على حق: من كان في الضلالة منا ومنكم فليمهله الرحمن فيما هو فيه، وليدعْه في طغيانه، حتى يلقى ربه وينقضي أجله قال القرطبي: وهذا غايةٌ في التهديد والوعيد ﴿حتى إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ﴾ أي حتى يروا ما يحلُّ بهم من وعد الله ﴿إِمَّا العذاب وَإِمَّا الساعة﴾ أي إمَّا عذاب الدنيا بالقتل والأسر، أو عذاب الآخرة بما ينالهم يوم القيامة من الشدائد والأهوال ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً﴾ أي فسيعلمون عندئذ حين تنكشف الحقائق أي الفريقين شرٌّ منزلة عند الله، وأقل فئة وأنصاراً، هل هم الكفار أم المؤمنون؟ وهذا في مقابلة قولهم ﴿خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ ﴿وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى﴾ أي ويزيد الله المؤمنين المهتدين، بصيرةً وإيماناً وهداية ﴿والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً﴾ أي والأعمال الصالحة التي تبقى لصاحبها ذخراً في الآخرة خير عند الله من كل ما يتباهى به أهل الأرض من حيث الأجر والثواب ﴿وَخَيْرٌ مَّرَدّاً﴾ أي وخير رجوعاً وعاقبة، فإن نعيم الدنيا زائل ونعيم الآخرة باقٍ دائم ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً﴾ نزلت في العاص بن وائل، والاستفهام للتعجب أي تعجَّب يا محمد من قصة هذا الكافر الذي جحد بآيات الله وزعم أن الله سيعطيه في الآخرة المال والبنين ﴿أَطَّلَعَ الغيب﴾ أي هل اطَّلع على الغيب الذي تفرَّد به علاّم الغيوب؟ ﴿أَمِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً﴾ أي أم أعطاه الله عهداً بذلك فهو يتكلم عن ثقةٍ ويقين؟ ﴿كَلاَّ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ ردٌّ عليه، ولفظةُ «كلا» للردع والزجر أي ليرتدع ذلك الفاجر عن تلك المقالة الشنيعة فسنكتب ما يقول عليه ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً﴾ أي سنزيد له في العذاب ونطيله عليه جزاء طغيانه واستهزائه، ونضاعف له مدد العذاب مكان الإمداد بالمال والولد ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً﴾ أي ونرثه وما يخلفه من المال والولد بعد إهلاكه، ويأتينا وحيداً لا مال معه ولا ولد، ولا نصير له ولا سند ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً لِّيَكُونُواْ لَهُمْ عِزّاً﴾ أي واتخذ المشركون أصناماً عبدوها من دون الله لينالوا بها العزَّ والشرف ﴿كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ
стр. 760
عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾ أي ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا فإن الآلهة التي عبدوها ستبرأ من عبادتهم ويكونون له أعداء يوم القيامة ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّآ أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ أي ألم تر يا محمد أنَّا سلَّطنا الشياطين على الكافرين تُغريهم إغراءٌ بالشر، وتهيّجُهم تهييجاً حتى يركبوا المعاصي قال الرازي: أي تغريهم على المعاصي وتحثُّهم وتهيّجهم لها بالوساوس والتسويلات ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ أي لا تتعجل يا محمد في طلب هلاكهم فإِنه لم يبق لهم أيام وأنفاس نعدُّها عليهم عدّاً ثم يصيرون إلى عذاب شديد قال ابن عباس: نعدُّ أنفاسهم في الدنيا كما نعدُّ عليهم سنيَّهم ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً﴾ أي يوم نحشر المتقين إلى ربهم معزَّزين مكرَّمين، راكبين على النوق كما يفد الوفود على الملوك منتظرين لكرامتهم وإِنعامهم ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ أي ونسوق المجرمين كما تُساق البهائم مشاةً عطاشاً كأنهم إبلٌ عطاش تُساق إلى الماء وفي الحديث
«يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق: راغبين، وراهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، واربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتُجرُّ بقيتهم إلى النار، تقبل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا»
﴿لاَّ يَمْلِكُونَ الشفاعة﴾ أي لا يشفعون ولا يُشفع لهم ﴿إِلاَّ مَنِ اتخذ عِندَ الرحمن عَهْداً﴾ الاستثناء منقطع أي لكنْ من تحلَّى بالإيمان والعمل الصالح فإنه يملك الشفاعة قال ابن عباس: العهدُ «شهادة أن لا إله إلا الله» ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً﴾ أي اليهود والنصارى ومن زعم أن الملائكة بنات الله ﴿لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً﴾ أي لقد أتيتم أيها المشركون بقولٍ منكر عظيم تناهى في القبح والشناعة ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ أي تكاد السماوات تتشقَّق من هول هذا القول ﴿وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً﴾ أي وتنشقُّ كذلك الأرض وتندكُّ الجبال وتُهدُّ هداً استعظاماً للكلمة الشنيعة ﴿أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً﴾ أي ما يليق به سبحانه اتخاذ الولد، لأن الولد يقتضي المجانسة ويكون عن حاجة، وهو المنزَّه عن الشبيه والنظير، والغني عن المعين والنصير ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً﴾ أي ما من مخلوقٍ في هذا العالم العلوي والسفلي إلا وهو عبدٌ لله، ذليلٌ خاضعٌ بين يديه، منقادٌ مطيع له كما يفعل العبيد ﴿لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً﴾ أي علم عددهم وأحاط علمه بهم فلا يخفى عليه شيء من أمورهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً﴾ أي وكل فردٍ يأتي يوم القيامة وحيداً فريداً، بلا مالٍ ولا نصير، ولا معين ولا خفير ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً﴾ لما ذكر أحوال المجرمين ذكر أحوال المؤمنين والمعنى سيحدث لهم في قلوب عباده الصالحين محبةً ومودة قال الربيع: يحبُّهم ويحببهم إلى الناس ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ المتقين وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً﴾ أي فإِنما يسرنا يا محمد هذا القرآن بلسانك العربي تقرأه، وجعلناه سهلاً يسيراً لمن تدبره، لتبشّر به المؤمنين المتقين، وتخوّف به قوماً معاندين شديدي الخصومة والجدال ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ﴾ أي كم من الأمم الماضية أهلكناهم بتكذيبهم الرسل، و «كم» للتكثير ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾ أي هل ترى منهم أحداً؟ ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً﴾ أي
стр. 761
أو تسمع صوتاً خفياً؟ والمعنى أنهم بادوا وهلكوا وخلت منهم الديار، وأوحشت منهم المنازل، فكما أهلكنا أولئك نهلك هؤلاء.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة من وجوه البيان والبديع ما يلي:
١ - ذكر العام وإرادة الخاص ﴿وَيَقُولُ الإنسان﴾ المراد به الكافر لأنه هو المنكر للبعث.
٢ - الطباق بين ﴿مِتُّ. . حَيّاً﴾ وبين ﴿تُبَشِّرَ. . وَتُنْذِرَ﴾ .
٣ - الاستفهام للإِنكار والتوبيخ ﴿أَوَلاَ يَذْكُرُ الإنسان﴾ .
٤ - المقابلة اللطيفة بين المتقين والمجرمين وبين حال الأبرار والأشرار ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً﴾ ﴿وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً﴾ .
٥ - الجناس غير التام ﴿وَفْداً.
. وِرْداً﴾ لتغير الحرف الثاني.
٦ - اللف والنشر المرتب في ﴿شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً﴾ حيث رجع الأول إلى ﴿خَيْرٌ مَّقَاماً﴾ والثاني إلى ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ كما يوجد بين ﴿خَيْرٌ. . وشَرٌّ﴾ طباق.
٧ - المجاز العقلي ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ أي نأمر الملائكة بالكتابة فهو من إسناد الشيء إلى سببه.
٨ - السجع الرصين مثل ﴿عَبْداً، عَدّاً، فَرْداً، وُدّاً﴾ وهو من المحسنات البديعية.
فَائِدَة: أخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ َ قال: «إن الله تعالى إذا أحبَّ عبداً دعا جبريل فقال: إني أحبُ فلاناً فأحبَّه فيحبُّه جبريل، ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء. .» الحديث وهو مصداق قوله تعالى ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرحمن وُدّاً﴾ .
لطيفَة: روي أن المأمون قرأ هذه الآية ﴿فَلاَ تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً﴾ وعنده جماعة من الفقهاء فيهم ابن السماك فأشار إليه المأمون أن يعظه فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد قال الشاعر:
حياتكَ أنفاسٌ تُعدُّ فكلما ... مضى نفس منك انتقصت به جزءاً
стр. 762
اللغَة: ﴿بِقَبَسٍ﴾ القَبسُ: شعلةٌ من نار ﴿المقدس﴾ الم طهَّ ر والمبارك ﴿طُوًى﴾ اسم للوادي ﴿فتردى﴾ تهلك والردى: الهلاك ﴿أَهُشُّ﴾ أخبط بها الشجر ليسقط الورق ﴿مَآرِبُ﴾ جمع مأْربه وهي الحاجة ﴿جَنَاحِكَ﴾ الجناح: الجَنب وجناحا الإنسان جنباه لأن يدي الإنسان يشبهان جناحي الطائر ﴿أَزْرِي﴾ الأزر: القوة يقال: آزره أي قوّاه ومنه ﴿فَآزَرَهُ فاستغلظ﴾ [الفتح: ٢٩] قال الشاعر:
أليس أبونا هاشمٌ شدَّ أَزْره ... وأوصى بَنيه بالطِّعان وبالضرب
﴿اليم﴾ البحر ﴿تَقَرَّ عَيْنُها﴾ تُسرَّ بلقائك.
التفسِير: ﴿طه مَآ أَنَزَلْنَا عَلَيْكَ القرآن لتشقى﴾ الحروف المقطعة للتنبيه إلى إعجاز القرآن وقال ابن عباس: معناها يا رجل، ومعنى الآية: ما أنزلنا عليك يا محمد القرآن لتشقى به إنما أنزلناه رحمة وسعادة، رُوي أن رسول الله ﷺ َ لما نزل عليه القرآن صلّى هو وأصحابه فأطال القيام فقالت
стр. 763
قريش: ما أنزل الله هذا القرآن على محمد إلا ليشقى فنزلت هذه الآية ﴿إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يخشى﴾ أي ما أنزلناه إلا عظة وتذكيراً لمن يخشى الله ويخاف عقابه، وهو المؤمنُ المستنير بنور القرآن ﴿تَنزِيلاً مِّمَّنْ خَلَقَ الأرض والسماوات العلى﴾ أي أنزله خالقُ الأرض، ومبدعُ الكون، ورافع السماوات الواسعة العالية، والآية إخبارٌ عن عظمته وجبروته وجلاله قال في البحر: ووصفُ السماوات بالعُلى دليلٌ على عظمة قدرة من اخترعها إذ لا يمكن وجود مثلها في علُوِّها من غيره تعالى ﴿الرحمن عَلَى العرش استوى﴾ أي ذلك الربُّ الموصوف بصفات الكمال والجمال هو الرحمن الذي استوى على عرشه استواءً يليق بجلاله من غير تجسيمٍ، ولا تشبيه، ولا تعطيل، ولا تمثيل كما هو مذهب السلف ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثرى﴾ أي له سبحانه ما في الوجود كلِّه: السماواتُ السبعُ، والأرضون وما بينهما من المخلوقات وما تحت التراب من معادن ومكنونات، الكلُّ ملكُه وتحت تصرفه وقهره وسلطانه أي وإن تجهزْ يا محمد بالقول أو ﴿وَإِن تَجْهَرْ بالقول فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السر وَأَخْفَى﴾ تخفه في نفسك فسواءٌ عند ربك، فإنه يعلم السرَّ وما هو أخفى منه كالوسوسه والهاجس والخاطر. . والغرضُ من الآية طمأنينه قلبه ﵇ بأن ربه معه يسمعه، ولن يتركه وحيداً يواجه الكافرين بلا والغرضُ من الآية طمأنينة قلبه ﵇ بأن ربه معه يسمعه، ولن يتركه وحيداً يواجه الكافرين بلا سند فإذا كان يدعوه جهراً فإنه يعلم السرَّ وما هو أخفى، والقلب حين يستشعر قرب الله منه، وعلمه بسرَّه ونجواه يطمئن ويرضى ويأنس بهذا القرب الكريم ﴿الله لا إله إِلاَّ هُوَ لَهُ الأسمآء الحسنى﴾ أي ربكم هو الله المتفرد بالوحدانية، لا معبود بحق سواه، ذو الأسماء الحسنة التي هي في غاية الحسن وفي الحديث
«إن للهِ تسعةٌ وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة» ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى﴾ الاستفهام للتقرير وغرضه التشويق لما يُلقى إليه أي هل بلغك يا محمد خبر موسى وقصته العجيبة الغريبة؟ ﴿إِذْ رَأَى نَاراً فَقَالَ لأَهْلِهِ امكثوا إني آنَسْتُ نَاراً﴾ أي حين رأى ناراً فقال لامرأته أقيمي مكانك فإني أبصرتُ ناراً قال ابن عباس: هذا حين قضى الأجل وسار بأهله من مدين يريد مصر، وكان قد أخطأ الطريق وكانت ليلة مظلمة شاتية فجعل يقدح بالزناد فلا يخرج منها شَررٌ فبينما هو كذلك إذْ بصر بنارٍ من على يسار الطريق، فلما رآها ظنها ناراً وكانت من نور الله ﴿لعلي آتِيكُمْ مِّنْهَا بِقَبَسٍ﴾ أي لعلي آتيكم بشعلة من النار تستدفئون بها ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النار هُدًى﴾ أي أجد هادياً يدلني على الطريق ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ ياموسى إني أَنَاْ رَبُّكَ فاخلع نَعْلَيْكَ﴾ أي فلما أتى النار وجدها ناراً بيضاء تتّقد في شجرة خضراء وناداه ربُّه يا موسى: إني أنا
стр. 764
ربُّك الذي أكلمك فاخلع النعلين من قدميك رعايةً للأدب وأَقْبل ﴿إِنَّكَ بالواد المقدس طُوًى﴾ أي فإنك بالوادي المطهَّر المبارك المسمّى طوى ﴿وَأَنَا اخترتك فاستمع لِمَا يوحى﴾ أي اصطفيتك للنبوة فاستمع لما أُوحيه إليك قال الرازي: فيه نهايةُ الهيبة والجلالة فكأنه قال: لقد جاءك أمر عظيم هائل فتأهبْ له واجعل كل عقلك وخاطرك مصروفاً إليه ﴿إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ فاعبدني﴾ أي أنا الله المستحق للعبادة لا إله غيري فأفردني بالعبادة والتوحيد ﴿وَأَقِمِ الصلاة لذكري﴾ أي أقم الصلاة لتذكرني فيها قال مجاهد: إذا صلّى ذكر ربه لاشتمالها على الأذكار وقال الصاوي: خصَّ الصلاة بالذكر وإن كانت داخلةً في جملة العبادات لعظم شأنها، واحتوائها على الذكر، وشغل القلب واللسان والجوارح، فهي أفضل أركان الدين بعد التوحيد ﴿إِنَّ الساعة آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ أي إن الساعة قادمة وحاصلةٌ لا محالة أكاد أخفيها عن نفسي فكيف أطلعكم عليها؟ قال المبرَّد: وهذا على عادة العرب فإنهم يقولون إذا بالغوا في كتمان الشيء: كتمته حتى من نفسي أي لم أطلع عليه أحداً ﴿لتجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تسعى﴾ أي لتنال كلُّ نفس جزاء ما عملت من خير أو شر قال المفسرون: والحكمة من إخفائها وإخفاء وقت الموت أن الله تعالى حكم بعدم قبول التوبة عند قيام الساعة وعند الاحتضار، فلو عرف الناس وقت الساعة أو وقت الموت، لاشتغلوا بالمعاصي ثم تابوا قبل ذلك، فيتخلصون من العقاب، ولكنَّ الله عمَّى الأمر، ليظلَّ الناس على حذر دائم، وعلى استعداد دائم، من أن تبغتهم الساعة أو يفاجئهم الموت ﴿فَلاَ يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لاَّ يُؤْمِنُ بِهَا﴾ أي لا يصرفنَّك يا موسى عن التأهب للساعة والتصديق بها من لا يوقن بها ﴿واتبع هَوَاهُ﴾ أي مالَ مع الهوى وأقبل على اللذائذ والشهوات ولم يحسب حساباً لآخرته ﴿فتردى﴾ أي فتهلك فإن الغفلة عن الآخرة مستلزمة للهلاك ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى﴾ أي وما هذه التي بيمينك يا موسى؟ أليست عصا؟ والغرضُ من الاستفهام التقريرُ والإِيقاظُ والتنبيهُ إلى ما سيبدوا من عجائب صنع الله في الخشبة اليابسة بانقلابها إلى حية، لتظهر لموسى القدرة الباهرة، والمعجزة القاهرة قال ابن كثير: إنما قال له ذلك على وجه التقرير، أي أمَا هذه التي في يمينك عصاك التي تعرفها؟ فسترى ما نصنع بها الآن؟ ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ أي أعتمد عليها في حال المشي ﴿وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي﴾ أي أهزُّ بها الشجرة وأضرب بها على الأغصان ليتساقط ورقها فترعاه غنمي ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى﴾ أي ولي فيها مصالح ومنافع وحاجات أُخَر غير ذلك قال المفسرون: كان يكفي أن يقول هي عصاي ولكنه زاد في الجواب لأن المقام مباسطة وقد كان ربه يكلمه بلا واسطة، فأراد أن يزيد في الجواب ليزداد تلذذاً بالخطاب، وكلام الحبيب مريحٌ للنفس ومُذْهبٌ للعَناء ﴿قَالَ أَلْقِهَا ياموسى﴾ أي اطرح هذه العصا التي بيدك يا موسى لترى من شأنها ما ترى! ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى﴾ أي فلما ألقاها
стр. 765
صارت في الحال حية عظيمة تنتقل وتتحرك في غاية السرعة قال ابن عباس: انقلبت ثعباناً ذكراً يبتلع الصخر والشجر، فلما رآه يبتلع كل شيء خافه ونفر منه وولّى هارباً قال المفسرون: لما رأى هذا الأمر العجيب الهائل، لحقه ما يلحق البشر عند رؤية الأهوال والمخاوف، لا سيما هذا الأمر الذي يذهب بالعقول، وإنما أظهر له هذه الآية وقت المناجاة تأنيساً له بهذه المعجزة الهائلة حتى لا يفزع إذا ألقاها عند فرعون لأنه يكون قد تدرَّب وتعوَّد ﴿قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ﴾ أي قال له ربه: خذْها يا موسى ولا تخفْ منه ﴿سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى﴾ أي سنعيدها إلى حالتها الأولى كما كانت عصا لا حيَّة، فأمسكها فعادت عصا ﴿واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء﴾ أي أدخل يدك تحت إِبطك صم أخرجاها تخرج نيِّرة مضيئة كضوء الشمس والقمر من غير عيب ولا برص قال ابن كثير: كان إذا أدخل يده في جيبه ثم أخرجها تخرج تتلألأ كأنها فلقة القمر من غير برصٍ ولا أذى ﴿آيَةً أخرى﴾ أي معجزة ثانية غير العصا ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الكبرى﴾ أي لنريك بذلك بعض آياتنا العظيمة.
. أراه الله معجزتين «العصا، واليد» وهي ما أيَّده الله به من المعجزات الباهرة، ثم أمره أن يتوجه إلى فرعون رأس الكفر والطغيان ﴿اذهب إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾ أي إذهب بما معك من الآيات إلى فرعون إِنه تكبَّر وتجبَّر وجاوز الحدِّ في الطغيان حتى ادَّعى الألوهية ﴿قَالَ رَبِّ اشرح لِي صَدْرِي﴾ أي وسِّعه ونوِّره بالإيمان والنُبوّة ﴿وَيَسِّرْ لي أَمْرِي﴾ أي سهّلْ عليَّ القيام بما كلفتني من أعباء الرسالة والدعوة ﴿واحلل عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُواْ قَوْلِي﴾ أي حلَّ هذه اللُّكنة الحاصلة في لساني حتى يفهموا كلامي قال المفسرون: عاش موسى في بيت فرعون فوضعه فرعون مرة في حِجْرهِ وهو صغير فجرَّ لحية فرعون بيده فهمَّ بقتله، فقالت له آسية: إنه لا يعقل وسأريك بيان ذلك، قدّمْ إليه جمرتين ولؤلؤتين، فإن أخذ اللؤلؤة عرفت أنه يعقل، وإن أخذ الجمرة عرفت أنه طفل لا يعقل، فقدَّم إليه فأخذ الجمرة فجعلها في فيه فكان في لسانه حَبْسة ﴿واجعل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي﴾ أي اجعل لي معيناً يساعدني ويكون من أهلي وهو أخي هارون ﴿اشدد بِهِ أَزْرِي﴾ أي لتقوِّي به يا رب ظهري ﴿وَأَشْرِكْهُ في أَمْرِي﴾ أي أجعله شريكاً لي في النبوة وتبليغ الرسالة ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً﴾ أي كي نتعاون على تنزيهك عما لا يليق بك ونذكرك بالدعاء والثناء عليك ﴿إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً﴾ أي عالماً بأحوالنا لا يخفى عليك شيء من أفعالنا، طلب موسى من ربه أن يعينه بأخيه يشدُّ به أزره، لما يعلم منه من فصاحة اللسان، وثبات الجنَان، وأن يشركه معه في المهمة لما يعلم من طغيان فرعون وتكبره وجبروته ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ ياموسى﴾ أي أُعطيت ما سألتَ وما طلبتَ، ثم ذكّر تعالى بالمنن العظام عليه ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أخرى﴾ أي أنعمنا عليك يا موسى بمنَّة أخرى غير هذه المنة ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ مَا يوحى﴾ أي ألهمنا ما يُلهم ممّا كان سبباص في نجاتك ﴿أَنِ اقذفيه فِي التابوت فاقذفيه فِي اليم﴾ أي ألهمناها أن ألْقِ هذا لاطفل في الصندوق ثم اطرحيه في نهر النيل، ثم ماذا؟ ومن يتسلمه؟ ﴿فَلْيُلْقِهِ اليم بالساحل يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾ أي
стр. 766
يلقيه النهر على شاطئه ويأخذه فرعون عدوي وعدوُّه قال في البحر: ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمرٌ معناه الخبر جاء بصيغة الأمر مبالغة إِذْ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ أي زرعتُ في القلوب محبتك بحيث لا يكاد يصبر عنك من رآك حتى أحبَّك فرعون قال ابن عباس: أحبَّه الله وحبَّبه إلى خلقه ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ أي ولتُربى بعين الله بحفظي ورعايتي ﴿إِذْ تمشي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ على مَن يَكْفُلُهُ﴾ أي حين تمشي أختك وتتَّبع أثرك فتقول لآل فرعون حين طلبوا لك المراض: هل أدلكم على من يضمن لكم حضانته ورضاعته؟ قال المفسرون: لمّا التقطه آل فرعون جعل لا يقبل ثدي امرأة لأن الله حرَّم عليه المراضع وبقيت أمه بعد قذفه في اليم مغمومة فأمرت أخته أن تتَّبع خبره، فلما وصلت إلى بيت فرعون ورأته قالت: هل أدلكم على امرأة أمينة فاضلة تتعهد لكم رضاعٍ هذا الطفل؟ فطلبوا منها إحضارها فأتت بأم موسى فلما أخرجت ثديها التقمه ففرحت زوجة فرعون فرحاً شديداً وقالت لها: كوني معي القصر فقالت: لا أستطيع أن أترك بيتي وأولادي ولكنْ آخذه معي وآتي لك به كل حين فقالت نعم وأحسنت إليها غاية الإحسان فذلك قوله تعالى ﴿فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلاَ تَحْزَنَ﴾ أي رددناك إلى أمك لكي تُسرَّ بلقائك وتطمئن بسلامتك ونجاتك، ولكيلا تحزن على فراقك ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الغم﴾ أي قتلت القبطي حين أصبحت شاباً فنجيناك من غمّ القتل وصرفنا عنك شرَّ فرعون وزبانيته، وفي صحيح مسلم: وكان قتله خطأ ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ أي ابتليناك ابتلاءً عظيماً بأنواعٍ من المِحن ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ أي مكثت سنين عديدة عند شعيب في أرض مدين ﴿ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى﴾ أي جئت على موعدٍ ووقت مقدر للرسالة والنبوة.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - التشويق والحث على الإصغاء ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ موسى﴾ .
٢ - الإطناب ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي﴾ وكان يكفي أن يقول: هي عصاي ولكنه توسّع في الجواب تلذذاً بالخطاب.
٣ - الاستعارة التصريحية ﴿واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ﴾ أصل الجناح للطائر ثم استعير لجنب الإنسان لأن كل جنب في موضع الجناح للطائر فسميت الجهتان جناحين بطريق الاستعارة.
٤ - الاحتراس وهو عند علماء البيان أن يؤتى بشيء يرفع توهم غير المراد مثل قوله ﴿بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سواء﴾ فلو اقتصر على قوله ﴿بَيْضَآءَ﴾ لأوهم أن ذكل من بَرص أو بهَق ولذلك احترس بقوله ﴿مِنْ غَيْرِ سواء﴾ .
٥ - الاستعارة التمثيلية ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ تمثيل لشدة الرعاية وفرط الحفظ والكلاءة بمن يصنع بمرأى من الناظر لأن الحافظ للشيء في الغالب يديم النظر إليه فمثَّل لذلك على عين الآخر.
стр. 767
٦ - السجع الحسن الذي يزيد الكلام جمالاً وبهاءً في أواخر الآيات (فتشقى، يخشى، أخفى، تسعى) الخ.
فَائِدَة: قال العلماء: ما نفع أخ أخاه كما نفع موسى هارون فقد طلب له من ربه أن يجعله وزيراً له ويكرمه بالرسالة فاستجاب الله دعاءه وجعله نبياً مرسلاً.
تنبيه: ذكر تعالى بعض المنن على موسى وعدَّد منها ستاً:
المنة الأولى: إلهام أُمه صنع الصندوق وإلقاءه في النيل ليربّى في بيت فرعون ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إلى أُمِّكَ مَا يوحى أَنِ اقذفيه فِي التابوت﴾ .
الثانية: إلقاء المحبة عليه من الله تعالى بحيث لا يراه أحد إلا أحبه ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ .
الثالثة: حفظ الله ورعايته له بالكلاءة والعناية ﴿وَلِتُصْنَعَ على عيني﴾ .
الرابعة: ردُّه إلى أمه مع الإنعام والإكرام ﴿فَرَجَعْنَاكَ إلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ .
الخامسة: إنجاء موسى من القتل بعد قتله القبطي و ﴿نَجَّيْنَاكَ مِنَ الغم﴾ .
السادسة: تكليم الله له بعد عودته من أرض مدين وتكليفه بالرسالة ﴿ثُمَّ جِئْتَ على قَدَرٍ ياموسى﴾ .
стр. 768
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى نعمته على موسى باستجابة دعائه وإعطائه سُؤْله، ذكر هنا ما خصَّه به من الاصطفاء والاجتباء، وأمره بالذهاب إلى فرعون مع أخيه هارون لتبليغه دعوة الله، ثم ذكر ما دار من الحوار بين موسى وفرعون وما كان من أمر السحرة وسجودهم لله ربْ العالمين.
اللغَة: ﴿اصطنعتك﴾ اصطفيتك واخترتك، وأصل الاصطناع: اتخاذ الصَّنيعة وهو الخير تُسْديه إلى إنسان ﴿تَنِيَا﴾ الونى: الضَّعف والفتور قال العجَّاج:
فما وَنى محمدٌ مُذْ أن غَفرْ ... له الإلهُ ما مضَى وما غَبَر
﴿يَفْرُطَ﴾ يتعجل ويبادر إلى عقوبتنا، ومنه الفارط الذي يتقدم القوم إلى الماء ﴿يُسْحِتَكُم﴾ يستأصلكم ويبيدكم وأصله استقصاء الحلق للشَّعْر قال الفرزدق:
وعضُّ زمانٍ يا ابن مروانَ لم يَدعْ ... من المال إلا مُسْحتٌ أو مجُلَّف
ثم استعمل في الإهلاك والإذهاب، والسُّحت: المال الحرام لأنه يهلك الإنسان ويدمّره ﴿النجوى﴾ التناجي وهو الإسرار بالكلام ﴿أَوْجَسَ﴾ أضمر واستشعر الخوف في نفسه.
التفسِير: ﴿واصطنعتك لِنَفْسِي﴾ أي اخترتك لرسالتي ووحيي ﴿اذهب أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ أي اذهب مع هارون بحججي وبارهيني ومعجزاتي قال المفسرون: المراد بالآيات هنا اليد والعصا التي أيّد الله بها موسى ﴿وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ أي لا تفترا وتقصِّرا في ذكر الله وتسبيحه قال ابن كثير: والمراد ألاّ يفترا عن ذكر الله بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر الله عوناً لهما عليه، وقوة لهما وسلطاناً كاسراً له ﴿اذهبآ إلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طغى﴾ أي تجبَّر وتكبَّر وبلغ النهاية في العتُو والطغيان ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾ أي قولا لفرعون قولاً لطيفاً رفيقاً ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى﴾ أي لعله يتذكر عظمة الله أو يخاف عقابه فيرتدع عن طغيانه ﴿قَالاَ رَبَّنَآ إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَآ أَوْ أَن
стр. 769
يطغى﴾ أي قال موسى وهارون: يا ربنا إننا نخاف إن دعوناه إلى الإيمان أن يعجِّل علينا العقوبة، أو يجاوز الحدَّ في الإِساءة إلينا ﴿قَالَ لاَ تَخَافَآ إِنَّنِي مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وأرى﴾ أي لا تخافا من سطوته إنني معكما بالنصرة والعون أسمع جوابه لكما، وأرى ما يفعل بكما ﴿فَأْتِيَاهُ فقولا إِنَّا رَسُولاَ رَبِّكَ﴾ أي إنا رسولان من عند ربك أرسلنا إِليك، وتخصيصُ الذكر بلفظ ﴿رَبِّكَ﴾ لإعلامه أنه مربوبٌ وعبدٌ مملوك لله إذْ كان يدَّعي الربوبية ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ أي أطلقْ سراح بين إسرائيل ولا تعذبهم بتكليفهم بالأعمال الشاقة ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ﴾ أي قد جئناك بمعجزة تدل على صدقنا ﴿والسلام على مَنِ اتبع الهدى﴾ أي والسلامة من عذاب الله لمن اهتدى وآمن قال المفسرون: لم يقصد به التحية لأنه ليس بابتداء الخطاب وإنما قصد به السلام من عذاب الله وسخطه ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَآ أَنَّ العذاب على مَن كَذَّبَ وتولى﴾ أي قد أخبرنا الله فيما أوحاه إلينا أن العذاب الأليم على من كذَّب أنبياء الله وأعرض عن الإيمان ﴿قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا ياموسى﴾ أي قال فرعون: ومنْ هذا الربُّ الذي تدعوني إليه يا موسى؟ فإني لا أعرفه؟ ولم يقل: من ربّي لغاية عتوّه ونهاية طغيانه بل أضافه إلى موسى وهارون ﴿مَن رَّبُّكُمَا﴾ ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ أي ربُّنا هو الذي أبدع كل شيءٍ خَلقه ثم هداه لمنافعه ومصالحه، وهذا جوابٌ في غاية البلاغة والبيان لاختصاره ودلالته على جميع الموجودات بأسرها، فقد أعطى العين الهيئة التي تطابق الإِبصار، والأُذُن الشكل الذي يوافق الاستماع، وكذلك اليد والرجل والأنف واللسان قال الزمخشري: ولله درُّ هذا الجواب ما أخصره وأجمعه وأبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإِنصاف ﴿قَالَ فَمَا بَالُ القرون الأولى﴾ أي ما حال من هلك من القرون الماضية؟ لِم لَمْ يُبعثوا ولم يُحاسبوا إن كان ما تقول حقاً؟ قال ابن كثير: لما أخبر موسى بأن ربه الذي أرسله هو الذي خلق ورزق، وقدَّر فهدى، شرع فرعون يحتج بالقرون الأولى كأنه يقول: ما بالهم إذْ كان الأمر كذلك لم يعبدوا ربَّك بل عبدوا غيره؟ ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ أي قال موسى: علم أحوالها وأعمالها عند ربي مسطرٌ في اللوح المحفوظ ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلاَ يَنسَى﴾ أي لا يخطئ ربي ولا يغيب عن علمه شيء منها.
. ثم شرع موسى يبيّن له الدلائل على وجود الله وآثار قدرته الباهرة فقال ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً﴾ أي جعل الأرض كالمهد تمتهدونها وتستقرون عليها رحمة بكم ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾ أي جعل لكم طُرقاً تسلكونها فها لقضاء مصالحكم ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ أي أنزل لكم السحاب المطرَ عذباً فراتاً ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّن نَّبَاتٍ شتى﴾ أي فأخرج بذلك الماء أنواعاً من النباتات المختلفة الطعم والشكل والرائحة كلُّ صنف منها زوج، وفيه التفاتٌ من الغيبة إلى المتكلم تنبيهاً على عظمة الله ﴿كُلُواْ وارعوا أَنْعَامَكُمْ﴾ أي كلوا من هذه النباتات والثمار واتركوا أنعامكم تسرح وترعى من الكلأ الذي أخرجه الله، والأمر للإباحة تذكيراً لهم بالنِّعم ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لأُوْلِي النهى﴾ أي إنَّ فيما ذُكر لعلامات واضحة لأصحاب العقول السليمة على وجود الله ووحدانيته ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ أي من الأرض خلقناكم أيها الناس وإليها تعودون بعد مماتكم فتصيرون تراباً ﴿وَمِنْهَا
стр. 770
نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى﴾ أي ومن الأرض نخرجكم مرة أخرى للبعث والحساب. . ثم أخبر تعالى عن عتوٍّ فرعون وعناده فقال ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ أي والله لقد بصَّرنْا فرعون بالمعجزات الدالة على نبوّة موسى من العصا، واليد، والطوفان، والجرائد، وسائر الآيات التسع ﴿فَكَذَّبَ وأبى﴾ أي كذَّب بها مع وضوحها وزعم أنها سحر، وأبى الإيمان والطاعة لعتوِّه واستكباره ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ ياموسى﴾ أي قال فرعون: أجئتنا يا موسى بهذا السحر لتخرجنا من أرض مصر؟ ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ﴾ فلنعارضنَّك بسحرٍ مثل الذي جئت به ليظهر للناس أنك ساحر ولستَ برسول ﴿فاجعل بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً﴾ أي عيِّنْ لنا وقت اجتماع ﴿لاَّ نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنتَ مَكَاناً سُوًى﴾ أي لا نخلف ذلك الوعد لا من جهتنا ولا من جهتك ويكون بمكان معيَّن ووقت معَّين ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة وَأَن يُحْشَرَ الناس ضُحًى﴾ أي قال موسى: موعدنا للاجتماع يوم العيد - يومٌ من أيام أعيادهم - وأن يجتمع الناس في ضحى ذلك النهار قال المفسرون: وإنما عيَّن ذلك اليوم للمبارزة ليظهر الحق ويزهق الباطل على رؤوس الأشهاد، ويشيع ذلك في الأقطار بظهور معجزته للناس ﴿فتولى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أتى﴾ أي انصرف فرعون فجمع السَّحرة ثم أتى الموعد ومعه السَّحرة وأدواتهم وما جمعه من كيد ليطفئ نور الله قال ابن عباس: كانوا اثنين وسبعين ساحراً مع كل ساحر منهم حبال وعصيّ ﴿قَالَ لَهُمْ موسى وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ أي قال موسى للسحرة لما جاء بهم فرعون: ويلكم لا تختلقوا على الله الكذب فيهلككم ويستأصلكم بعذاب هائل ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افترى﴾ أي خسر وهلك من كذب على الله.
. قدَّم لهم النصح والإنذار لعلَّهم يثوبون إلى الهُدى، ولما سمع السَّحرة منه هذه المقالة هالهم ذلك ووقعتْ في نفوسهم مهابته ولذلك تنازعوا في أمره ﴿فتنازعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ النجوى﴾ أي أختلفوا في أمر موسى فقال بعضهم: ما هذا بقول ساحر وأخفوا ذلك عن الناس وأخذوا يتناجون سراً ﴿قالوا إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا﴾ أي قالوا بعد التناظر والتشاور ما هذان إلاّ ساحران يريدان الاستيلاء على أرض مصر وإخراجكم منها بهذا السحر ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ المثلى﴾ أي غرضُهما إفسادُ دينكم الذي أنتم عليه والذي هو أفضل المذاهب والأديان قال الزمخشري: والظاهر أنهم تشاوروا في السرِّ وتجاذبوا أهداب القول ثم قالوا ﴿إِنْ هذان لَسَاحِرَانِ﴾ فكانت نجواهم في تلفيق هذا الكلام وتزويره خوفاً من غلبة موسى وهارون لهما وتثبيطاً للناس من اتباعهما ﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائتوا صَفّاً﴾ أي أحْكموا أمركم وأعزموا عليه ولا تتنازعوا وارموا عن قوسٍ واحدة، ثم ائتوا إلى الميدان مصطفين ليكون أهيب في صدور الناظرين ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ اليوم مَنِ استعلى﴾ أي فاز اليوم من علا وغلب قال المفسرون: أرادوا بالفلاح ما وعدهم به فرعون من الإنعامات العظيمة والهدايا الجزيلة مع التقريب والتكريم كما قال تعالى ﴿قالوا إِنَّ لَنَا لأَجْراً إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين﴾ [الأعراف: ١١٣ - ١١٤] ﴿قَالُواْ ياموسى إِمَّآ أَن تُلْقِيَ وَإِمَّآ أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ ألقى﴾ أي
стр. 771
قال السحرة لموسى: إمَّا أن تبدأ أنتَ بالإلقاء أو نبدأ نحنُ؟ خيَّروه ثقةً منهم بالغلبة لموسى لأنهم كانوا يعتقدون أنَّ أحداً لا يقاومهم في هذا الميدان ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُواْ﴾ أي قال لهم موسى: بل ادءوا أنتم بالإلقاء قال أبو السعود: قال ذلك مقابلةً للأدب بأحسنَ من أدبهم حيث بتَّ القول بإلقائهم أولاً، وإظهاراً لعدم المبالاة بسحرهم ليُبرزوا ما معهم، ويستفرغوا أقصى جهدهم وقصارى وسعهم، ثم يُظهر الله سلطانه فيقذف بالحق على الباطل فيدمغه ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تسعى﴾ في الكلام حذفٌ دلَّ عليه المعنى أي فألقوا فإذا تلك الحبال والعصيُّ التي ألقوها يتخيلها موسى ونظنُّها - من عظمة السحر - أنها حياتٍ تتحرك وتسعى على بطونها، والتعبيرُ يوحي بعظمة السحر حتى إن موسى فزع منها واضطرب ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى﴾ أي أحسَّ موسى الخوف في نفسه بمقتضى الطبيعة البشرية لأنه رأى شيئاً هائلاً ﴿قُلْنَا لاَ تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الأعلى﴾ أي قلنا لموسى لا تخفْ ممّا توهمت فإنك أنت الغالب المنتصر ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صنعوا﴾ أي ألقِ عصاك التي بيمينك تبتلعْ فمها ما صنعوه من السحر ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ أي إنَّ الذي اخترعوه وافتعلوه هو من باب الشعوذة والسحر ﴿وَلاَ يُفْلِحُ الساحر حَيْثُ أتى﴾ أي لا يسعد الساحر حيث كان ولا يفوز بمطلوبه لأنه كاذب مضلِّل ﴿فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً قالوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وموسى﴾ أي فألقى موسى عصاه فابتلعت ما صنعوا فخرَّ السحرة حينئذٍ سجداً لله ربّ العالمين لما رأوا من الآية الباهرة قال ابن كثير: لما ألقى موسى العصا صارت ثعباناً عظيماً هائلاً، ذا قوائم وعُنق ورأس وأضراس، فجعلت تتَّبع تلك الحبال والعصي حتى لم تبق شيئاً إلا ابتلعته، والناس ينظرون إلى ذلك عياناً نهاراً، فلما عاين السحرة ذلك وشاهدوا علموا علم اليقين أن هذا ليس من قبيل السحر والحيل وأنه حقٌّ لا مرية فيه، فعند ذلك وقعوا سجداً لله، فقامت المعجزة واتضح البرهان، ووقع الحق ولطل السحر، قال ابن عباس: كانوا أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بررة ﴿قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْءَاذَنَ لَكُمْ﴾ أي قال فرعون للسحرة: آمنتم بموسى وصدقتموه بما جاء به قبل أن أسمح لكم بذلك وقبل أن تستأذنوني؟ ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الذي عَلَّمَكُمُ السحر﴾ أي إنه رئيسكم الذي علَّمكم السحر فاتفقتم معه لتذهبوا بملكي قال القرطبي: وإنما أراد فرعون بقوله أن يُلبِّس على الناس حتى لا يتبعوهم فيؤمنوا كإيمانهم، ثم توعَّدهم وهدَّدهم بالقتل والتعذيب فقال ﴿فَلأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِّنْ خِلاَفٍ﴾ أي فوالله لأقطعنَّ الأيدي والأرجل منكم مختلفات بقطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى أو بالعكس ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النخل﴾ أي لأعلقنكم على جذوع النخل وأقتلنكم شرَّ قِتْلة ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى﴾ أي ولتعلمُنَّ أيها السحرة من هو أشدُّ منا عذاباًَ وأدوم، هل أنا أم ربُّ موسى الذي صدقتم به وآمنتم ﴿قَالُواْ لَن نُّؤْثِرَكَ على مَا جَآءَنَا مِنَ البينات﴾ أي قال السحرة: لن نختارك ونفضّلك على الهدى والإيمان الذي جاءنا من الله على يد موسى ولو كان في ذلك هلاكنا ﴿والذي فَطَرَنَا﴾ قسمْ بالله أي مقسمين بالله الِذي خلقنا ﴿فاقض مَآ
стр. 772
أَنتَ قَاضٍ﴾ أي فاصنع ما أنت صانع ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هذه الحياة الدنيآ﴾ أي إنما ينفذ أمرك في هذه الحياة الدنيا وهي فانية زائلة ورغبتنا في النعيم الخالد قال عكرمة: لما سجدوا أراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة فلذلك قالوا ما قالوا ﴿إِنَّآ آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ أي آمنا بالله ليغفر لنا الذنوب التي اقترفناها وما صدر منا من الكفر والمعاصي ﴿وَمَآ أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السحر﴾ أي ويغفر لنا السحر الذي عملناه لإِطفاء نور الله ﴿والله خَيْرٌ وأبقى﴾ أي والله خيرٌ منك ثواباً وأبقى عذاباً، وهذا جوابُ قوله ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَآ أَشَدُّ عَذَاباً وأبقى﴾ ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ هذا من تتمة كلام السحرة عظةً لفرعون أي من يلقى ربه يوم القيامة وهو مجرمٌ باقترافه المعاصي وموته على الكفر، فإن له نار جهنم ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى﴾ أي لا يموت في جهنم فينقضي عذابه، ولا يحيا حياة طيبة هنيئة ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات﴾ أي ومن يلقى ربه مؤمناً موحّداً وقد عمل الطاعات وترك المنهيات ﴿فأولئك لَهُمُ الدرجات العلى﴾ أي فأولئك المؤمنون العاملون للصالحات لهم المنازل الرفيعة عند الله ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ بيانٌ للدرجات العُلى أي جناتُ إقامة ذات الدرجات العاليات، والغُرف الآمنات، والمساكن الطيبات ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي تجري من تحت غرفها وسُرُرها أنهار الجنة من الخمر والعسل، واللَّبن، والماء
﴿خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً﴾ [النساء: ٥٧] أي ماكثين في الجنة دوماً لا يخرجون منها أبداً ﴿وذلك جَزَآءُ مَن تزكى﴾ أي وذلك ثواب من تطهَّر من دنسْ الكفر والمعاصي، وفي الحديث «الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، والفردوس أعلاها درجة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس»
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - الاستعارة ﴿واصطنعتك لِنَفْسِي﴾ شبَّه ما خوَّله به من القرب والاصطفاء بحال من يراه الملك أهلاً للكرامة وقرب المنزلة لما فيه من الخلال الحميدة فيصطنعه لنفسه، ويختاره لخلَّته، ويصطفيه لأموره الجليلة واستعار لفظ اصطنع لذلك، ففيه استعارةً تبعية.
٢ - المقابلة اللطيفة ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ حيث قابل بين ﴿مِنْهَا﴾ و ﴿وَفِيهَا﴾ وبين الخلق والإعادة وهذا من المحسنات البديعية.
٣ - إيجاز حذف ﴿بَلْ أَلْقُواْ فَإِذَا حِبَالُهُمْ﴾ أي فألقوا فإذا حبالهم حذف لدلالة المعنى عله ومثله ﴿فَأُلْقِيَ السحرة سُجَّداً﴾ بعد قوله ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ حذف منه كلام طويل وهو فألقى موسى عصاه فتلقفت ما صنعوا من السحر فاُلقي السحرة سجداً، وإنما حسن الحذف لدلالة المعنى عليه ويسمى إيجاز حذف.
٤ - الطباق بين ﴿يَمُوتُ. . يحيى﴾ وبين ﴿نُعِيدُ. . ونُخْرِجُ﴾ .
٥ -
стр. 773
المقابلة بين ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ وبين ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات﴾ الخ والمقابلة هي أن يؤتى بمعنيين أو أكثر ثم يؤتى بما يقابل ذلك.
٦ - السجع الحسن غير المتكلف في مثل ﴿سُوًى، ضُحًى، افترى، يحيى، تزكى﴾ الخ.
٧ - المؤكدات ﴿إِنَّكَ أَنتَ الأعلى﴾ أكّد الخبر بعدة مؤكدات وهي ﴿إِنَّ﴾ المفيدة للتأكيد، وتكرير الضمير ﴿أَنتَ﴾ وتعريف الخبر ﴿الأعلى﴾ ولفظ العلو الدال على الغلبة، وصيغة التفضيل ﴿الأعلى﴾ ولله در التنزيل ما أبلغه وأروعه، وهذا من خصائص علم المعاني.
تنبيه: لم تذكر الآيات الكريمة أن فرعون فعل بالسحرة ما هدَّدهم به، وقد ذكر المفسرون أنه أنفذ فيهم وعيده فقطع أيديهم وأرجلهم وصلبهم فماتوا على الإيمان ولهذا قال ابن عباس: كانوا في أول النهار سحرة، وفي آخر النهار شهداء بَرَرة.
стр. 774
المنَاسَبَة: لا تزال الآيات الكريمة تتحدث عن قصة موسى وفرعون، وتشير الآيات هنا إلى عناية الله تعالى بموسى وقومه، وإنجائهم وإهلاك عدوهم، وتذكّرهم بنعم الله العظمى ومنته الكبرى على بني إسرائيل، وما وصّاهم به من المحافظة على شكرها وتحذيرهم من التعرض لغضب الله بكفرها، ثم تذكر الآيات انتكاس بين إسرائيل بعبادتهم العجل، وقد طوى هنا ما فصَّل في آيات أخر.
اللغَة: ﴿دَرَكاً﴾ لَحاقاً مصدر أدركه إذا لحقه ﴿تَطْغَوْاْ﴾ الطغيان: مجاوزة الحدِّ إلى ما لا ينبغي ﴿هوى﴾ صار إلى الهاوية وهي قعر النار من هوى يهوي إذا سقط من علوِ إلى سفل ﴿بِمَلْكِنَا﴾ الملك: بفتح الميم وسكون اللام: الطاقةُ والقدرة ومعناه بأمرٍ كنا نملكه من جهتنا ﴿أَوْزَاراً﴾ أثقالاً ومنه سمي الذنب وزراً لأنه يثقل الإنسان ﴿خُوَارٌ﴾ الخُوار: صوت البقر ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ أي يا ابن أمي واللفظة تدل على الاستعطاف ﴿سَوَّلَتْ﴾ حسَّنت وزيَّنت.
التفسِير: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ أي أوحينا إلى موسى بعد أن تمادى فرعون في الطغيان أنْ سرْ ببني إسرائيل ليلاً من أرض مصر ﴿فاضرب لَهُمْ طَرِيقاً فِي البحر يَبَساً﴾ أي اضرب البحر بعصاك ليصبح لهم طريقاً يابساً يمرون عليه ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تخشى﴾ أي لا تخاف لحافاً من فرعون وجنوده، ولا تخشى الغرق في البحر ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ﴾ أي فلحقهم فرعون مع جنوده ليقتلهم فأصابهم من البحر ما أصابهم، وغشيهم من الأهوال ما لا يعلم كُنهه إلا الله، والتعبير يفيد التهويل لما دهاهم عند الغَرق ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هدى﴾ أي أضلهم عن الرشد وما هداهم إلى خيرٍ ولا نجاة، وفيه تهكم بفرعون في قوله ﴿وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد﴾ [غافر: ٢٩] ﴿يابني إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ﴾ خطابٌ لبين إسرائيل بعد خروجهم من البحر وإغراق فرعون وجنوده والمعنى اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي العظيمة عليكم حين نجيتكم من فرعون وقومه الذين كانوا يسومونكم سوء العذاب ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن﴾ أي وعدنا موسى للمناجاة وإنزال التوراة عليه جانب طور سيناء الأيمن، وإنما نسبت المواعدة إليهم لكون منفعتها راجعة إليهم إذْ في نزول التوراة صلاحُ دينهم ودنياهم ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى﴾ أي رزقناكم وأنتم في أرض التيه بالمنِّ وهو يشبه العسل، والسلوى وهو من أجود الطيور لحماً تفضلاً منا عليكم. . وفي هذا الترتيب غايةُ الحسن حيث بدأ بتذكيرهم بنعمة الإنجاء، ثم بالنعمة الدينية، ثم بالنعمة الدنيوية ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي وقلنا لكم كلوا من الحلال اللذيذ الذي أنعمتُ به عليكم ﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ أي لا تحملنكم السعة والعافية على العصيان لأمري فينزل بكم عذابي ﴿وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هوى﴾ أي ومن ينزل عليه غضبي وعقابي فقد هلك وشقي ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى﴾ أي وإني لعظيم المغفرة لمن تاب من الشرك وحيُن إيمانه وعمله، ثم استقام على الهدى والإيمان، وفي الآية ترغيب لمن وقع في وهدة العصيان ببيان المخرج كيلا ييأس ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ ياموسى﴾ أيْ أيُّ شيء عجَّل بك عن قومك يا موسى؟ قال الزمخشري: كان موسى قد مضى مع النقباء الذين اختارهم من قومه إلى الطور
стр. 775
على الموعد المضروب ثم تقدمهم شوقاً إلى كلام ربه ﴿قَالَ هُمْ أولاء على أَثَرِي﴾ أي قومي قريبون مني لم أتقدمهم إلا بشيء يسير وهم يأتون بعدي ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لترضى﴾ أي وعجلتُ إلى الموضع الذي أمرتني بالمجيء إلأيه لتزداد رضىً عني.
. أعتذر موسى أولاً ثم بينَّ السبب في إ سراعه قبل قومه وهو الشوق إلى مناجاة الله ابتغاءً لرضى الله ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ أي ابتليناهم بعبادة العجل من بعد ذهابك من بينهم ﴿وَأَضَلَّهُمُ السامري﴾ أي وأوقعهم السامريُّ في الضلالة بسبب تزيينه لهم عبادة العجل، وكان السامري ساحراً منافقاً من قومٍ يعبدون البقر قال المفسرون: كان موسى حين جاء لمناجاة ربه قد استخلف على بني إسرائيل أخاه هارون، وأمره أن يتعهدهم بالإقامة على طاعة الله، وفي أثناء غيبة موسى جمع السامريُّ الحليَّ ثم صنع منها عجلاً ودعاهم إلى عبادته فعكفوا عليه وكانت تلك الفتنة وقعت لهم بعد خروج موسى من عندهم بعشرين يوماً ﴿فَرَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً﴾ أي رجع موسى من الطور بعدما استوفى الأربعين وأخذ التوراة عضبان شديد الحزن على ما صنع قومه من عبادة العجل ﴿قَالَ ياقوم أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾ أي ألم يعدْكم بإنزال التوراة فيها الهدى والنور؟ والاستفهام للتوبيخ ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ العهد أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي﴾ أي هل طال عليكم الزمن حتى نسيتم العهد أم أردتم بصنيعكم هذا أن ينزل عليكم سخط الله وفضبه فأخلفتم وعدي؟ قال أبو حيان: وكانوا وعدوه بأن يتمسكوا بدين الله وسنّة موسى ﵇، ولا يخالفوا أمر الله أبداً، فأخلفوا موعده بعبادتهم العجل ﴿قَالُواْ مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ أي ما أخلفنا العهد بطاقتنا وإرادتنا واختيارنا بل كنا مكرهين ﴿ولكنا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ القوم فَقَذَفْنَاهَا﴾ أي حملنا أثقالاً وأحمالاً من حُليِّ آل فرعون فطرحناها في النار بأمر السامري قال مجاهد: أوزاراً: أثقالاً وهي الحلي التي استعاروها من آل فرعون ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السامري﴾ أي كذلك فعل السامري ألقى ما كان معه من حلي القوم في النار قال المفسرون: كان بنو إسرائيل قد استعاروا من القبط الحُليّ قبل خروجهم من مصر، فلما أبطأ موسى في العودة إليهم قال لهم السامري: إنما احتُبس عليكم لأجل ما عندكم من الحلي فجمعوه ودفعوه إلى السامري، فرمى به في النار وصاغ لهم منه عجلاً، ثم ألفى عليه قبضةً من أثر فرس جبريل ﵇ فجعل يخور فذلك قوله تعالى ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ﴾ أي صاغ لهم السامري من تلك الحليّ المذابة عجلاً جسداً بلا روح له خوارٌ وهو صوت البقر ﴿فَقَالُواْ هاذآ إلهكم وإله موسى فَنَسِيَ﴾ أي هذا العجل إلأهكم وإله موسى فنسي موسى إلهه هنا وذهب يطلبه في الطور، قال قتادة: نسي موسى ربه عندكم، فعكفوا عليه يعبدونه، قال تعالى رداً عليهم وبياناً لسخافة عقولهم في عبادة العجل ﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً﴾ أي
следующие страницы →