← Тафсир

Тафсир · id 8967

صفوة التفاسير

محمد علي الصابوني

Полный текст (1 630 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المنَاسَبَة: في هذه الآيات الكريمة بيان آخر لأباطيل أهل الكتاب، حيث ادعى كل من الفريقين اليهود والنصارى أن الجنة خاصة به وطعن في دين الآخر، فاليهود يعتقدون بكفر النصارى وضلالهم، ويكفرون بعيسى وبالإِنجيل، والنصارى يعتقدون بكفر اليهود لعدم إِيمانهم بالمسيح وقد جاء لإتمام شريعتهم، ونشأ عن هذا النزاع عداوة اشتدت بها الأهواء حتى صار كل فريق يطعن في

стр. 72

دين الآخر ويزعم أن الجنة وقفٌ عليه، فأكذب الله الفريقين، وبيّن أن الجنة إنما يفوز بها المؤمن التقي الذي عمل الصالحات. اللغَة: ﴿هُوداً﴾ أي يهوداً جمع هائد، والهائد: التائب الراجع مشتق من هاد إذا تاب ﴿إنَّا هدنا إليك﴾ ، ﴿أَمَانِيُّهُمْ﴾ جمع أمنية وهي ما يتمناه الإِنسان ويشتهيه، ﴿بُرْهَانَكُمْ﴾ البرهان: الدليل والحجة الموصلان إلى اليقين، ﴿أَسْلَمَ﴾ استسلم وخضع، ﴿خَرَابِهَآ﴾ الخراب: الهدم والتدمير وهو حسّيٌ كتخريب بيوت الله، ومعنوي كتعطيل إقامة الشعائر فيها، ﴿خِزْيٌ﴾ هوانٌ وذلة، ﴿ثَمَّ﴾ بفتح الثاء أي هناك ظرفٌ للمكان ﴿وَجْهُ الله﴾ الوجه: الجهة والمراد بوجه الله: الجهة التي ارتضاها وأمربالتوطه إليها. سَبَبُ النّزول: عن ابن عباس قال: لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ َ أتتهم أحبار اليهود فتنازعوا عند رسول الله ﷺ َ فقال رافع بن حرملة: ما أنتم على شيء وكفر بعيسى وبالإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء وجحد نبوة موسى وكفر بالتوراة فأنزل الله ﴿وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ﴾ الآية. التفِسير: ﴿وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى﴾ أي قال اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، وقال النصارى لن يدخل الجنة إِلا من كان نصرانياً ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ أي تلك خيالاتهم وأحلامهم ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي قل لهم يا محمد أئتوني بالحجة الساطعة على ما تزعمون إِن كنتم صادقين في دعواكم ﴿بلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ﴾ أي بلى يدخل الجنة من استسلم وخضع وأخلص نفسه لله ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي وهو مؤمن مصدّقٌ متبعٌ لرسول الله ﷺ َ ﴿فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ أي فله ثواب عمله ولا خوف عليهم في الآخرة ولا يعتريهم حزنٌ أو كدر بل هم في نعيم مقيم ﴿وَقَالَتِ اليهود لَيْسَتِ النصارى على شَيْءٍ﴾ أي كفر اليهود بعيسى وقالوا ليس النصارى على دين صحيح معتدٍّ به فدينهم باطل ﴿وَقَالَتِ النصارى لَيْسَتِ اليهود على شَيْءٍ﴾ أي وقال النصارى في اليهود مثل ذلك وكفروا بموسى ﴿وَهُمْ يَتْلُونَ الكتاب﴾ أي والحال أن اليهود يقرءون التوراة والنصارى يقرءون الإِنجيل فقد كفروا عن علمٍ ﴿كَذَلِكَ قَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أي كذلك قال مشركو العرب مثل قول أهل الكتاب قالوا: ليس محمد على شيء ﴿فالله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أي يحكم بين اليهود والنصارى ويفصل بينهم بقضائه العادل فيما اختلفوا فيه من أمر الدين ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَّنَعَ مَسَاجِدَ الله أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسمه﴾ استنكار واستبعاد لأن يكون أحد أظلم ممن فعل ذلك أي لا أحد أظلم ممن منع الناس من عبادة الله في بيوت الله، وعمل لخرابها بالهدم كما فعل الرومان ببيت المقدس، أو بتعطيلها من العبادة كما فعل كفار قريش ﴿أولئك مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلاَّ خَآئِفِينَ﴾ أي ما ينبغي لأولئك أن يدخلوها إِلا وهم في خشية وخضوع فضلاً عن التجرؤ على تخريبها أو تعطليها ﴿لَّهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ﴾ أي لأولئك المذكورين هوانّ وذلة في الدنيا ﴿وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ

стр. 73

عَظِيمٌ﴾ وهو عذاب النار. ﴿وَللَّهِ المشرق والمغرب﴾ أي لله مكان شروق الشمس ومكان غروبها والمراد جميع الأرض ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ أي إلى أي جهة توجهتم بأمره فهناك قبلته التي رضيها لكم، وقد نزلت الآية فيمن أضاع جهة القبلة ﴿إِنَّ الله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ أي يسع الخلق بالجود والإِفضال، عليم بتدبير شئونهم، لا تخفى عليه خافية من أحوالهم. البَلاَغَة: ١ - ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ الجملة اعتراضية وفائدتها بيان بطلان الدعوى وأنها دعوة كاذبة. ٢ - ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ الأمر هنا للتبكيت والتقريع. ٣ - ﴿مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّهِ﴾ خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء والوجه هاهنا (استعارة) أي من أقبل على عبادة الله وجعل توجهه إِليه بجملته. ٤ - ﴿عِندَ رَبِّهِ﴾ العندية للتشريف ووضع اسم الرب مضافاً إِلى ضمير من أسلم موضع ضمير الجلالة لإِظهار مزيد اللطف به. ٥ - ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾ فيه توبيخ عظيم لأهل الكتاب لأنهم نظموا أنفسهم - مع علمهم - في سلك من لا يعلم أصلاً. ٦ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ الاستفهام بمعنى النفي أي لا أحد أظلم منه. ٧ - ﴿فِي الدنيا خِزْيٌ﴾ التنكير للتهويل أي خزي هائل فظيع لا يكاد يوصف لهوله. ٨ - ﴿عَلِيمٌ﴾ صيغة فعيل للمبالغة. أي واسع العلم. فَائِدَة: قال الإِمام الفخر: إِسلام الوجه لله يعني إِسلام النفس لطاعة الله وقد يكنى بالوجه عن النفس كما قال تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وقال زيد بن نفيل. وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ له الأرضُ تحمل صخراً ثقالاً ... وأسلمتُ وجهي لمن أسلمتْ له المُزْنُ تحمل عذباً زلالاً ...

стр. 74

المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى افتراء اليهود والنصارى أن الجنة خاصة بهم لا يشاركهم فيها أحد أعقبه بذكر بعض قبائحهم وقبائح المشركين في ادعائهم أنَّ لله ولدا حيث زعم اليهود أن عزيراً ابن الله، وزعم النصارى أن المسيح ابن الله، وزعم المشركون أن الملائكة بنات الله فأكذبهم الله وردّ دعواهم بالحجة الدامغة والبرهان القاطع. اللغَة: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ سبحان مصدر سبّح بمعنى نزّه ومعناه التبرئة والتنزيه عما لا يليق بجلاله تعالى ﴿قَانِتُونَ﴾ مطيعون خاضعون من القنوت وهو الطاعة والخضوع ﴿بَدِيعُ﴾ البديع: المبدع من الإِبداع، والإِبداع: اختراع الشيء على غير مثال سبق ﴿قضى﴾ أراد وقدّر ﴿بَشِيراً﴾ البشير: المبشّر وهو المخبر بالأمر الصادق السار ﴿نَذِيراً﴾ النذير: المنذر وهو المخبر بالأمر المخوف ليحذر منه ﴿الجحيم﴾ المتأجج من النار ﴿مِلَّتَهُمْ﴾ أي دينهم وجمعها ملل وأصل الملّة: الطريقة المسلوكة ثم جعلت اسماً للشريعة التي أنزلها الله ﴿عَدْلٌ﴾ فداء. التفِسير: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً﴾ هو قول اليهود والنصارى والمشركين فاليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله فأكذب الله الجميع في دعواهم فقال ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تقدس وتنزّه عما زعموا تنزهاً بليغاً ﴿بَل لَّهُ مَا فِي السماوات والأرض﴾ بل للإِضراب أي ليس الأمر كما زعموا بل هو خالق جميع الموجودات التي من جملتها عزير والمسيح والملائكة ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ أي الكل منقادون له لا يستعصي شيء منهم على تكوينه وتقديره ومشيئته ﴿بَدِيعُ السماوات والأرض﴾ أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق ﴿وَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي إِذا إيجاد شيء حصل من غير امتناع ولا مهلة فمتى أراد شيئاً وجد بلمح البصر، فمراده نافذ وأمره لا يتخلف ﴿وَمَآ أَمْرُنَآ إِلاَّ وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بالبصر﴾ [القمر: ٥٠] ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾ المراد بهم جهلة المشركين وهم كفار قريش ﴿لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا الله﴾ أي هلأ يكلمنا الله مشافهة أو بإِنزال الوحي علينا بأنك رسوله ﴿أَوْ تَأْتِينَآ آيَةٌ﴾ أي تكون برهاناً وحجة على صدق نبوتك، قالوا ذلك استكباراً وعناداً ﴿كَذَلِكَ قَالَ الذين مِن قَبْلِهِمْ مِّثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ أي مثل هذا الباطل الشنيع قال المكذبون من أسلافهم لرسلهم ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي قلوب هؤلاء ومن قبلهم في العمى والعناد والتكذيب للأنبياء وفي هذا تسلية له ﷺ َ ﴿قَدْ بَيَّنَّا الآيات لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أي قد وضحنا الأدلة وأقمنا البراهين لقومٍ يطلبون الحق واليقين، وكلها ناطقة بصدق ما جئت به ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بالحق بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ أي أرسلناك يا محمد بالشريعة النيّرة والدين القويم بشيراً للمؤمنين بجنات النعيم، ونذيراً للكافرين من عذاب الجحيم ﴿وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم﴾ أي أنت لست مسئولاً عمن لم يؤمن منهم بعد أن بذلت الجهد في دعوتهم ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب﴾ [الرعد: ٤٠] ﴿وَلَنْ ترضى عَنكَ اليهود وَلاَ النصارى حتى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ أي لن ترضى عنك الطائفتان «اليهود والنصارى» حتى تترك الإِسلام

стр. 75

المنير وتتبع دينهم الأعوج ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى الله هُوَ الهدى﴾ أي قل لهم يا محمد إِن الإِسلام هو الدين الحق وما عداه فهو ضلال ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ الذي جَآءَكَ مِنَ العلم﴾ أي ولئن سايرتهم على آرائهم الزائفة وأهوائهم الفاسدة بعدما ظهر لك الحق بالبراهين الساطعة والحجج القاطعة ﴿مَا لَكَ مِنَ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ أي ليس لك من يحفظك أو يدفع عنك عقابة الأليم ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ مبتدأ وهم طائفة من اليهود والنصارى أسلموا ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ﴾ أي يقرءونه قراءة حقة كما أنزل ﴿أولئك يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ هذا خبر المبتدأ أي فأولئك هم المؤمنون حقاً دون المعاندين المحرفين لكلام الله ﴿وَمن يَكْفُرْ بِهِ فأولئك هُمُ الخاسرون﴾ أي ومن كفر بالقرآن فقد خسر دنياه وآخرته ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أي اذكروا نعمي الكثيرة عليكم وعلى آبائكم ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين﴾ أي واذكروا تفضيلي لكم على سائر الأمم في زمانكم ﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ أي خافوا ذلك اليوم الرهيب الذي لا تغني فيه نفس عن نفس ولا تدفع عنها من عذاب الله شيئاً، لأن كل نفس بما كسبت رهينة ﴿وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ أي لا يقبل منها فداء ﴿وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ أي لا تفيدها شفاعة أحد لأنها كفرت بالله ﴿فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشافعين﴾ [المدثر: ٤٨] ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي لا يدفع عنهم أحد عذاب الله ولا يجيرهم من سطوة عقابه. البَلاَغَة: ١ - ﴿سُبْحَانَهُ﴾ جملة اعتراضية وفائدتها بيان بطلان دعوى الظالمين الذين زعموا لله الولد قال أبو السعود: وفيه من التنزيه البليغ من حيث الاشتقاق من «السَّبح» ومن جهة النقل إلى التفعيل «التسبيح» ومن جهة العدول إلى المصدر ما لا يخفى والمراد أنزهه تنزيهاً لائقاً به. ٢ - ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ صيغة جمع العقلاء في ﴿قَانِتُونَ﴾ للتغليب أي تغليب العقلاء على غير العقلاء، والتغليب من الفنون المعدودة في محاسن البيان. ٣ - التعبير عن الكافرين والمكذبين بكلمة ﴿أَصْحَابِ الجحيم﴾ إِيذانٌ بأن أولئك المعاندين من المطبوع على قلوبهم فلا يرجى منهم الرجعو عن الكفر والضلال إِلى الإِيمان والإِذعان. ٤ - إِيراد الهدى معرفاً بأل في قوله ﴿هُوَ الهدى﴾ مع اقترانه بضمير الفصل «هو» يفيد قصر الهداية على دين الله فهو من باب قصر الصفة على الموصوف فالإِسلام هو الهدى كله وما عداه فهو هوى وعمى. ٥ - ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَآءَهُمْ﴾ هذا من باب التهييج والإِلهاب. تنبيه: قال القرطبي: ﴿بَدِيعُ السماوات والأرض﴾ أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حدّ ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إِليه قيل له مبدع، ومنه أصحاب البدع، وسميت البدعة بدعة لأن قائلها ابتدعها من غير فعل أو مقال إِمام وفي البخاري «نعمت البدعة هذه» يعني قيام رمضان. . ثم قال: وكل بدعة صدرت من مخلوق فلا يخلو أَن يكون لها أصل في الشرع أولا؟ فإِن كان لها أصل فهي في حيز المدح ويعضده قول عمر «نعمت البدعة هذه» وإِلاّ فهي في حيز الذم

стр. 76

والإِنكار وقد بيّن هذا الحديث الشريف «من سنَّ في الإِسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها. . ومن سنَّ في الإِسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها. .» .

стр. 77

المنَاسَبَة: بعد أن ذكر الله تعالى في الآيات السابقة نعمه على بني إِسرائيل، وبيّن كيف كانوا يقابلون النعم بالكفر والعناد، ويأتون منكرات في الأقوال والأعمال، وصل حديثهم بقصة إِبراهيم أبي الأنبياء الذي يزعم اليهود والنصارى انتماءهم إِليه ويقرون بفضله، ولو كانوا صادقين لوجب عليهم اتباع هذا النبي الكريم «محمد» ﷺ َ ودخولهم في دينه القويم لأنه أثر دعوة إبراهيم الخليل حين دعا لأهل الحرم، ثم هو من ولد إسماعيل ﵇ فكان أولى الاتباع والتمسك بشريعته الحنيفية السمحة التي هي شريعة الخليل ﵇. اللغَة: ﴿ابتلى﴾ امتحن والابتلاء: الاختبار ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أتى بهن على التمام والكمال ﴿إِمَاماً﴾ الإِمام: القدوة الذي يؤتم به في الأقوال والأفعال ﴿مَثَابَةً﴾ مرجعاً من ثاب يثوب إذا رجع أي أنهم يترددون إِليه لا يقضون منه وطرهم قال الشاعر: جُعلَ البيتُ مثاباً لهُمُ ... ليس منه الدهرَ يقضون الوطر ﴿وَأَمْناً﴾ الأمن: السلامة من الخوف والطمأنينة في النفس والأهل ﴿وَعَهِدْنَآ﴾ أمرنا وأوحينا ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ جمع طائف من الطواف وهو الدوران حول الشيء ﴿والعاكفين﴾ جمع عاكف من العكوف وهي الإِقامة على الشيء والملازمة له والمراد المقيمون في الحرم بقصد العبادة ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ من التمتيع وهو إِعطاء الإنسان ما ينتفع به ﴿قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار﴾ [إبراهيم: ٣٠] ﴿القواعد﴾ جمع قاعدة وهي الأساس ﴿مَنَاسِكَنَا﴾ جمع مَنْسك وهي العبادة والطاعة ﴿والحكمة﴾ العلم النافع المصحوب بالعمل والمراد بها السنة النبوية المطهرة ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ من التزكية وهي في الأصل التنمية

стр. 78

يقال: زكى الزرع إِذا نما ثم استعملت في معنى الطهارة النفسية قال تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] . التفِسير: ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ أي اذكر يا محمد حين اختبر الله عبده إِبراهيم الخليل، وكلّفه بجملة من التكاليف الشرعية «أوامر ونواهٍ» فقام بهن خير قيام ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً﴾ أي قال له ربه إِني جاعلك قدوة للناس ومناراً يهتدي بك الخلق ﴿قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ أي قال إِبراهيم واجعل يا ربّ أيضاً أئمة من ذريتي ﴿قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ أي لا ينال هذا الفضل العظيم أحدٌ من الكافرين ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لِّلنَّاسِ﴾ أي واذكر حين جعلنا الكعبة المعظمة مرجعاً للناس يقبلون عليه من كل جانب ﴿وَأَمْناً﴾ أي مكان أمن يأمن من لجأ إليه، وذلك لما أودع الله في قلوب العرب من تعظيمه وإِجلاله ﴿واتخذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ أي وقلنا للناس اتخذوا من المقام - وهو الحجر الذي كان يقوم عليه إِبراهيم لبناء الكعبة مصلّى أي صلوا عنده ﴿وَعَهِدْنَآ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ أي أوصينا وأمرنا إِبراهيم وولده إِسماعيل ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ والعاكفين والركع السجود﴾ أي أمرناهما بأن يصونا البيت من الأرجاس والأوثان ليكون معقلاً للطائفين حوله والمعتكفين الملازمين له والمصلين فيه، فالآية جمعت أصناف العابدين في البيت الحرام: الطائفين، والمعتكفين، والمصلين. . ثم أخبر تعالى عن دعوة الخليل إِبراهيم فقال ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجعل هذا بَلَداً آمِناً﴾ أي اجعل هذا المكان - والمراد مكة المكرمة - بلداً ذا أمن يكون أهله في أمنٍ واستقرار ﴿وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بالله واليوم الآخر﴾ أي وارزق يا رب المؤمنين من أهله وسكانه من أنواع الثمرات، ليقبلوا على طاعتك ويتفرغوا لعبادتك وخصَّ بدعوته المؤمنين فقط قال تعالى جواباً له ﴿قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً﴾ أي قال الله وأرزق من كفر أيضاً كما أرزق المؤمن، أأخلق خلقاً ثم لا أرزقهم؟ أما الكافر فأمتعه في الدنيا متاعاً قليلاً وذلك مدة حياته فيها ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار﴾ أي ثم أُلجئه في الآخرة وأسوقه إِلى عذاب النار فلا يجد عنها محيصاً ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ أي وبئس المال والمرجع للكافر أن يكون مأواه نار جهنم. قاس الخليل الرزق على الإِمامة فنبهه تعالى على أن الرزق رحمة دنيوية شاملة للبرّ والفاجر بخلاف الإِمامة فإِنها خاصة بالخواص من المؤمنين، ثم قال تعالى حكاية عن قصة بناء البيت العتيق ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القواعد مِنَ البيت وَإِسْمَاعِيلُ﴾ أي واذكر يا محمد ذلك الأمر الغريب وهو رفع الرسولين العظيمين «إِبراهيم وإِسماعيل» قواعد البيت وقيامهما بوضع أساسه ورفع بنائه وهما يقولان بخضوع وإِجلال ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم﴾ أي يبنيان ويدعوان بهذه الدعوات الكريمة قائلين يا ربنا تقبل منا أي أقبل منا عملنا هذا واجعله خالصاً لوجهك الكريم فإِنك أنت السميع لدعائنا العليم بنياتنا ﴿رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أي اجعلنا خاضعين لك منقادين لحكمك ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ أي واجعل من ذريتنا من يسلم وجهه لك ويخضع لعظمتك ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ أي وعلمنا شرائع عبادتنا ومناسك حجنا ﴿وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم﴾ أي تب علينا وارحمنا فإنك عظيم المغفرة واسع الرحمة ﴿رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ أي ابعث في الأمة المسلمة رسولاً من أنفسهم وهذا من جملة دعواتهما المباركة فاستجاب الله الدعاء ببعثة السراج المنير محمد ﷺ َ ﴿يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ أي يقرأ آيات القرآن ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة﴾ أي يعلمهم القرآن العظيم والسنة المطهرة ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ أي

стр. 79

يطهرهم من رجس الشرك ﴿إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾ العزيز الذي لا يُقهر ولا يُغلب، الحكيم الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة. البَلاَغَة: ١ - التعرض لعنوان الربوبية ﴿ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ تشريف له ﵇ وإِيذان بأن ذلك الابتلاء تربية له وترشيح لأمر خطير، والمعنى عامله سبحانه معاملة المختبر حيث كلفه بأوامر ونواهي يظهر بها استحقاقه للإِمامة العظمى. ٢ - إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل في قوله ﴿آمِناً﴾ للمبالغة والإِسناد مجازيٌ أي آمناً من دخله كقوله تعالى ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً﴾ [آل عمران: ٩٨] وخيرُ ما فسرته بالوارد. ٣ - إِضافة البيت إِلى ضمير الجلالة ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ [الحج: ٢٦] للتشريف والتعظيم. ٤ - قوله تعالى ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ﴾ ورد التعبير بصيغة المضارع حكاية عن الماضي ولذلك وجه معروف في محاسن البيان وهو استحضار الصورة الماضية وكأنها مشاهدة بالعيان فكأنَّ السامع ينظر ويرى إِلى البنيان وهو يرتفع والبنّاء هو إِبراهيم وإِسماعيل ﵉ قال أبو السعود: وصيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية لاستحضار صورتها العجيبة المنبئة عن المعجزة الباهرة. ٥ - ﴿التواب الرحيم﴾ صيغتان من صيغ المبالغة لأن فعال وفعيل من صيغ المبالغة. الفوَائِد: الفائدة الأولى: تقديم المفعول في قوله ﴿وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ واجب لاتصال الفاعل بضمير يعود على المفعول، فلو قُدّم الفاعل لزم عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبةً قال ابن مالك: وشاعَ نحو خاف ربَّه عمر وشضّ نحو زان نورهُ الشجر الثانية: الاختبار في الأصل الامتحان بالشيء ليعلم صدق ذلك الشخص أو كذبه وهو مستحيل على الله لأنه عالم بذلك قبل الاختبار، فالمراد أنه عامله معاملة المختبر ليظهر ذلك للخلق. الثالثة: اختلف المفسرون في الكلمات التي اختبر الله بها إِبراهيم ﵇ وأصح هذه الأقوال ما روي عن ابن عباس أنه قال: «الكلمات التي ابتلى الله بهن إِبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجة نمرود في الله، وصبره على قذفهم إِياه في النار ليحرفوه، والهجرة من وطنه حين أمر بالخروج عنهم، وما ابتلى به من ذبح ابنه حين أمر بذبحه» . الرابعة: المراد من الإِمامة في الآية الكريمة «الإِمامة في الدين» وهي النبوة التي حرمها الظالمون، ولو كانت الإِمامة الدنيوية لخالف ذلك الواقع إِذ نالها كثير من الظالمين، فظهر أن المراد الإِمامة في الدين خاصة. الخامسة: ذكر العلامة ابن القيم أن السرَّ في تفضيل البيت العتيق ظاهر في انجذاب الأفئدة، وهوى القلوب ومحبتها له، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد، فهم يثوبون إِليه من جميع الأقطار ولا يقضون منه وطراً، بل كلما ازدادوا له زيارة، ازدادوا له اشتياقاً.

стр. 80

لا يرجع الطرف عنها حين يبصرها ... حتى يعود إليها الطرف مشتاقاً

стр. 81

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى مآثر الخليل إِبراهيم ﵇، وقصة بنائه للبيت العتيق منار التوحيد، أعقبه بالتوبيخ الشديد للمخالفين لملة الخليل من اليهود والنصارى والمشركين، وأكّد أنه لا يرغب عن ملته إِلا كل شقي سفيه الرأي، خفيف العقل، متبع لخطوات الشيطان. اللغَة: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ امتهنها واستخفّ بها وأصل السفه: الخفة ومنه زمام سفيه أي خفيف ﴿اصطفيناه﴾ أي جعلناه صافياً من الأدناس مشتق من الصفوة ومعناه تخير الأصفى والمراد اصطفاؤه بالرسالة والخلَّة والإِمامة العظمى ﴿وصى﴾ التوصية: إِرشاد الغير إِلى ما فيه صلاح وقربة ﴿شُهَدَآءَ﴾ جمع شاهد أي حاضر ﴿خَلَتْ﴾ مضت وانقرضت. التفِسير: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أي لا يرغب عن دين إِبراهيم وملته الواضحة الغراء إِلا من استخفّ نفسه وامتهنها ﴿وَلَقَدِ اصطفيناه فِي الدنيا﴾ أي اخترناه من بين سائر الخلق بالرسالة والنبوة والإِمامة ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ أي من المقربين الذين لهم الدرجات العلى ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ أي استسلم لأمر ربك وأخلصْ نفسك له ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين﴾ أي استسلمت لأمر الله وخضعتُ لحكمه ﴿ووصى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ أي وصّى الخليل أبناءه باتباع ملته وكذلك يعقوب أوصى بملة إِبراهيم ﴿يَابَنِيَّ إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين﴾ أي اختار لكم دين الإِسلام ديناً وهذا حكاية لما قال إبراهيم ويعقوب لأبنائهما ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ أي اثبتوا على الإِسلام حتى يدرككم الموت وأنتم متمسكون به ﴿أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الموت﴾ أي بل أكنتم شهداء حين احتضر يعقوب وأشرف على الموت وأوصى بنيه باتباع ملة إبراهيم ﴿إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي﴾ ؟ أي أيَّ شيء تعبدونه بعدي؟ ﴿قَالُواْ نَعْبُدُ إلهك وإله آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إلها وَاحِداً﴾ أي لا نعبد إِلا إِلهاً واحداً هو الله رب العالمين إِله آبائك وأجدادك السابقين ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي نحن له وحده مطيعون خاضعون، والغرض تحقيق البراءة من الشرك، قال تعالى مشيراً إِلى تلك الذرية الطيبة ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ والإِشارة إِلى إِبراهيم

стр. 82

وبنيه أي تلك جماعة وجيل قد سلف ومضى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ﴾ أي لها ثواب ما كسبت ولكم ثواب ما كسبتم ﴿وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أي لا تسألون يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا بل كل نفسٍ تتحمل وحدها تبعة ما اكتسبت من سوء. البَلاَغَة: ١ - ﴿وَمَن يَرْغَبُ﴾ استفهام يراد به الإِنكار والتقريع، وقع فيه معنى النفي أي لا يرغب عن ملة إبراهيم إِلا السفيه والجملة واردة مورد التوبيخ للكافرين. ٢ - التأكيد ب «إِنَّ» و «اللام» ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ لأنه لما كان إِخباراً عن حالة مغيبة في الآخرة احتاجت إِلى تأكيد بخلاف حال الدنيا فإِنه معلوم ومشاهد. ٣ - ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ هو من باب الالتفات إِذ السياق ﴿إِذْ قَالَ﴾ والالتفات من محاسن البيان، والتعرض بعنوان الربوبية ﴿رَبُّهُ﴾ لإِظهار مزيد اللطف والإعتناء بتربيته كما أن جواب إِبراهيم جاء على هذا المنوال ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين﴾ ولم يقل: أسلمت لك للإِيدان بكمال قوة إِسلامه وللإِشارة إِلى أن من كان رباً للعالمين لا يليق إِلا أن يُتلقّى أمرُه بالخضوع وحسن الطاعة. ٤ - قوله ﴿آبَائِكَ﴾ شمل العم والأب والجد، فالجد إبراهيم والعم إِسماعيل والأب إِسحاق وهو من باب «التغليب» وهو من المجازات المعهودة في فصيح الكلام. فَائِدَة: قال أبو حيان: «كنّى بالموت عن مقدماته لأنه إِذا حضر الموت نفسُه لا يقول المحتضر شيئاً، وفي قوله ﴿حَضَرَ الموتُ﴾ كناية غريبة وهو أنه غائب ولا بدّ أن يقدم ولذلك يقال في الدعاء: واجعل الموت خير غائب ننتظره» . تنبيه: ظاهر قوله تعالى ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ النهي عن الموت إِلا على هذه الحالة من الإِسلام، والمقصود الأمر بالثبات على الإِسلام إِلى حين الموت، أي فاثبتوا على الإِسلام ولا تفارقوه أبداً واستقيموا على محجته البيضاء حتى يدرككم الموت وأنتم على الإِسلام الكامل كقولك لا تصلّ إِلا وأنت خاشع.

стр. 83

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى أن ملة إِبراهيم هي ملة الحنيفية السمحة، وأن من لم يؤمن بها ورغب عنها فقد بلغ الذروة العليا في الجهالة والسفاهة، ذكر تعالى ما عليه أهل الكتاب من الدعاوى الباطلة من زعمهم أن الهداية في اتباع اليهودية والنصرانية، وبيّن أن تلك الدعوى لم تكن عن دليل أو شبهة بل هي مجرد جحود وعناد، ثم عقب ذلك بأن الدين الحق هو في التمسك بالإِسلام، دين جميع الأنبياء والمرسلين. اللغة: ﴿حَنِيفاً﴾ الحنيف: المائل عن الدين الباطل إلى الدين الحق، والحنفُ الميل وبه سمي الأحنف لميلٍ في إِحدى قدميه قال الشاعر: ولكنّا خُلقنا إِذ خُلقنا ... حنيفاً دينُنا عن كل دين ﴿وَالأَسْبَاطَ﴾ جمع سِبْط وهم حفدةُ يعقوب أي ذريات أبنائه وكانوا اثني عشر سبطاً وهم في بني إِسرائيل كالقبائل في العرب ﴿شِقَاقٍ﴾ الشقاق: المخالفة والعداوة وأصله من الشق وهو الجانب أي صار هذا في شق وهذا في شق ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ من الكفاية بمعنى الوقاية ﴿صِبْغَةَ الله﴾ الصبغة مأخوذة من الصَّبْغ وهو تغيير الشيء بلونٍ من الألوان والمراد بها الدِّينُ ﴿أَتُحَآجُّونَنَا﴾ أتجادلوننا من المحاجّة وهي المجادلة ﴿مُخْلِصُونَ﴾ الإِخلاص أن يقصد بالعمل وجه الله وحده. التفِسير: ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى تَهْتَدُواْ﴾ أي قال اليهود كانوا على ملتنا يهوداً تهتدوا وقال النصارى كونوا نصارى تهتدوا فكلٌ من الفريقين يدعو إِلى دينه المعوج ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾ أي قل لهم يا محمد بل نتّبع ملة الحنيفية السمحة وهي ملة إِبراهيم حال كونه مائلاً عن الأديان كلها إِلى الدين القيم وما كان إِبراهيم من المشركين بل كان مؤمناً موحّداً وفيه تعريض بأهل الكتاب وإِيذان بأنَّ ما هم عليه إِنما هو شرك وضلال. ﴿قولوا آمَنَّا بالله وَمَآ أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ أي قولوا أيها المؤمنون آمنا بالله وما أنزل إِلينا من القرآن العظيم ﴿وَمَآ أُنزِلَ إلى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ والأسباط﴾ أي وآمنا بما أنزل إِلى إِبراهيم من الصحف والأحكام التي كان الأنبياء متعبديون بها وكذلك حفدة إِبراهيم وإِسحاق وهم الأسباط حيث كانت النبوة فيهم ﴿وَمَآ أُوتِيَ موسى وعيسى﴾ أي من التوراة والإِنجيل ﴿وَمَا أُوتِيَ النبيون مِن رَّبِّهِمْ﴾ أي ونؤمن بما أنزل على غيرهم من الأنبياء جميعاً ونصدّق بما جاءوا به من عند الله من الآيات البينات والمعجزات الباهرات ﴿لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ﴾ أي لا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعلت اليهود والنصارى ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ أي منقادون لأمر الله خاضعون لحكمه ﴿فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهتدوا﴾ أي إِن آمن أهل الكتاب بنفس ما آمنم به معشر المؤمنين فقد اهتدوا إِلى الحق كما اهتديتم ﴿وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ

стр. 84

فِي شِقَاقٍ﴾ أي وإِن أعرضوا عن الإِيمان بما دعوتهم إِليه فاعلم أنهم إِنما يريدون عداوتك وخلافك، وليسوا من طلب الحق في شيء ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله﴾ أي سيكفيك يا محمد شرهم وأذاهم ويعصمك منهم ﴿وَهُوَ السميع العليم﴾ أي هو تعالى يسمع ما ينطقون به ويعلم ما يضمرونه في قلوبهم من المكر والشر ﴿صِبْغَةَ الله وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ الله صِبْغَةً﴾ أي ما نحن عليه من الإِيمان هو دين الله الذي صبغنا به وفطرنا عليه فظهر أثره علينا كما يظهر الصبغ في الثوب، ولا أحد أحسن من الله صبغةً أي ديناً ﴿وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ﴾ أي ونحن نعبده جلّ وعلا ولا نعبد أحداً سواه ﴿قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ﴾ أي أتجادلوننا في شأن الله زاعمين أنكم أبناء الله وأحباؤه، وأن الأنبياء منكم دون غيركم؟ ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ أي ربُّ الجميع على السواء وكلُّنا عبيدة ﴿وَلَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي لنا جزاء أعمالنا ولكم جزاء أعمالكم لا يتحمل أحد وزر غيره ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي قد أخلصنا الدين والعمل لله ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطَ كَانُواْ هُوداً أَوْ نصارى﴾ ؟ أي أم تدّعون يا معشر أهل الكتاب أن هؤلاء الرسل وأحفادهم كانوا يهوداً أو نصارى ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ الله﴾ أي هل أنتم أعلم بديانتهم أم الله؟ وقد شهد الله لهم بملة الإسلام وبرأهم من اليهودية والنصرانية ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً﴾ [آل عمران: ٦٧] فكيف تزعمون أنهم على دينكم؟ ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ الله﴾ أي لا أحد أظلم ممن أخفى وكتم ما اشتملت عليه آيات التوراة والإِنجيل من البشارة برسول الله، أو لا أحد أظلم ممن كتم ما أخبر الباري عنه من أن الأنبياء الكرام كانوا على الإِسلام ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا

стр. 85

تَعْمَلُونَ﴾ أي مطلع على أعمالهم ومجازيهم عليها وفيه وعيد شديد ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ كرّرها لأنها تضمنت معنى التهديد والتخويف، أي إِذا كان أولئك الأنبياء على فضلهم وجلاله قدرهم يجازون بكسبهم فأنتم أحرى، وقد تقدم تفسيرها فأغنى عن الإِعادة. البَلاَغَة: ١ - ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نصارى﴾ فيه إِيجاز بالحذف أي قال اليهود كونوا يهوداً وقال النصارى كونوا نصارى، وليس المعنى أن الفريقين قالوا ذلك لأن كل فريق يعدُّ دين الآخر باطلاً. ٢ - ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾ فيه إيجاز ظاهر أن يكفيك الله شرهم، وتصدير الفعل بالسين دون سوف مشعر بأن ظهوره عليهم واقع في زمن قريب. ٣ - ﴿السميع العليم﴾ من صيغ المبالغة ومعناه الذي أحاط سمعه وعلمه بجميع الأشياء. ٤ - ﴿صِبْغَةَ الله﴾ سمي الدين صبغةً بطريق الاستعارة حيث تظهر سمته على المؤمن كما يظهر أثر الصبغ في الثوب. ٥ - ﴿اتجادلوننا في الله﴾ الاستفهام وارد على جهة التوبيخ والتقريع. الفوَائِد: الفائدة الأولى: تكرر ورود هذه الآية في مواطن من القرآن ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قال أبو حيان: ولا تأتي الجملة إِلا عقب ارتكاب معصية فتجيء متضمنة وعيداً ومعلمة أن الله لا يترك أمرهم سدى. الثانية: قال ابن عباس: إِن النصارى كان إِذا ولد لأحدهم ولد فأتى عليه سبعة أيام صبغوه في ماءٍ لهم يقال له: المعمودي ليطهروه بذلك، ويقولون هذا طهور مكان الختان فإِذا فعلوا ذلك صار نصرانياً حقاً فأنزل الله هذه الآية. الثالثة: كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسّرونها بالعربية لأهل الشام فقال رسول الله ﷺ َ: «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا: آمنا بالله وما أُنزل إِلينا» رواه البخاري.

стр. 86

المنَاسَبَة: زعم اليهود والنصارى أن إِبراهيم والأنبياء معه كانوا يهوداً ونصارى وقد كانت قبلة الأنبياء بيت المقدس وكان صلوات الله عليه وهو بمكة يستقبل بيت المقدس فلما أُمر ﷺ َ بالتوجه إِلى الكعبة المشرّفة طعن اليهود في رسالته واتخذوا ذلك ذريعة للنيل من الإِسلام وقالوا: لقد اشتاق محمد إِلى مولده وعن قريب يرجع إِلى دين قومه، فأخبر الله رسوله الكريم بما سيقوله السفهاء ولقّنه الحجة الدامغة ليردّ عليهم، ويوطّن نفسه على تحمل الأذى منهم عند مفاجأة المكروه، وكان هذا الإخبار قبل تحويل القبلة معجزة له ﵇. اللغَة: ﴿السفهآء﴾ جمع سفيه وهو الجاهل ضعيف الرأي، قليل المعرفة بالمنافع والمضار، وأصل السفه الخفة والرقة من قولهم ثوب سفيه إذا كان خفيف النسيج ﴿وَلاَّهُمْ﴾ صرفهم يقال: ولّى عن الشيء وتولّى عنه أي انصرف ﴿وَسَطاً﴾ قال الطبري: الوسط في كلام العرب: الخيار وقيل: العدل، وأصل هذا أن خير الأشياء أوساطها وأن الغلو والتقصير مذمومان ﴿عَقِبَيْهِ﴾ تثنية عقب وهو مؤخر القدم ﴿كَبِيرَةً﴾ شاقة وثقيلة ﴿شَطْرَ﴾ الشطر في اللغة يأتي بمعنى الجهة كقول الشاعر: تعدو بنا شطر نجد وهي عاقدة، ويأتي بمعى النصف ومنه الحديث «الطهور شطر الإِيمان» .

стр. 87

سَبَبُ النّزول: عن البراء قال: لما قدم رسول الله ﷺ َ المدينة صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان رسول الله ﷺ َ يحب أن يتوجه نحو الكعبة فأنزل الله تعالى ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء﴾ الآية فقال السفهاء من الناس - وهم اليهود - ما ولاّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ قال تعالى ﴿قُل للَّهِ المشرق والمغرب﴾ إِلى آخر الآية، أخرجه البخاري. التفسِير: ﴿سَيَقُولُ السفهآء مِنَ الناس﴾ أي سيقول ضعفاء العقول من الناس ﴿مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا﴾ أي ما صرفهم وحوّلهم عن القبلة التي كانوا يصلون إِليها وهي بيت المقدس، قبلة المرسلين من قبلهم؟ ﴿قُل للَّهِ المشرق والمغرب﴾ أي قل لهم يا محمد الجهات كلها لله له المشرق والمغرب فأينما ولينا وجوهنا فهناك وجه الله ﴿يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي يهدي عباده المؤمنين إِلى الطريق القويم الموصل لسعادة الدارين ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ أي كما هديناكم إِلى الإِسلام كذلك جعلناكم يا معشر المؤمنين أمة عدولاً خياراً ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ أي لتشهدوا على الأمم يوم القامة أن رسلهم بلّغتهم، ويشهد عليكم الرسول أنه بلغكم ﴿وَمَا جَعَلْنَا القبلة التي كُنتَ عَلَيْهَآ﴾ أي وما أمرناك بالتوجه إِلى بيت المقدس ثم صرفناك عنها إِلى الكعبة ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ﴾ أي إِِلا لنختبر إِيمان الناس فنعلم من يصدّق الرسول، ممن يشكّك في الدين ويرجع إِلى الكفر لضعف يقينه ﴿وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الذين هَدَى الله﴾ أي وإِن كان هذا التحويل لشاقاً وصعباً إِلاّ على الذين هداهم الله ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي ما صحَّ ولا استقام أن يضيع الله صلاتكم إِلى بيت المقدس بل يثيبكم عليها، وذلك حين سألوه ﷺ َ عمن مات وهو يصلي إِلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة فنزلت، وقوله تعالى ﴿إِنَّ الله بالناس لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ تعليل للحكم أي أنه تعالى عظيم الرحمة بعباده لا يضيع أعمالهم الصالحة التي فعلوها ﴿قَدْ نرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السمآء﴾ لأنه كثيراً ما رأينا تردّد بصرك يا محمد جهة السماء تشوقاً لتحويل القبلة ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ أي فلنوجهنك إِلى قبلةٍ تحبها، - وهي الكعبة - قبلة أبيك إِبراهيم ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾ أي توجه في صلاتك نحو الكعبة المعظمة ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي وحيثما كنتم أيها المؤمنون فتوجهوا في صلاتكم نحو الكعبة أيضاً ﴿وَإِنَّ الذين أُوتُواْ الكتاب لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ﴾ أي إِن اليهود والنصارى ليعلمون أن هذا التحويل للقبلة حقٌ من عند الله ولكنهم يفتنون الناس بإِلقاء الشبهات ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ أي لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وسيجازيهم عليها، وفيه وعيد وتهديد لهم. البَلاَغة: ١ - في قوله ﴿يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ﴾ استعارة تمثيلية حيث مثَّل لمن يرتد عن دينه بمن ينقلب على عقبيه أفاده الإِمام الفخر. ٢ - ﴿لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ الرأفة: شدة الرحمة وقدّم الأبلغ مراعاة للفاصلة وهي الميم في قوله ﴿صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ وقوله ﴿رَءُوفٌ رَّحِيم﴾ وكلاهما من صيغ المبالغة.

стр. 88

٣ - ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ أطلق الوجه وأراد به الذات كقوله ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وهذا النوع يسمى «المجاز المرسل» من باب إِطلاق الجزء وإِرادة الكل. الفوَائِد: الأولى: أخرج البخاري في صحيحه أن رسول الله ﷺ َ قال: «يُدعى نوح ﵇ يوم القيامة فيقول: لبيك وسعديك يا رب فيقول: هل بلغت؟ فيقول نعم فيقال لأمته هل بلغكم؟ فيقولون ما جاءنا من نذير فيقول من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فيشهدون أنه قد بلّغ» فذلك قوله ﴿لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ . الثانية: سمى الله تعالى الصلاة «إيماناً» في قوله ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي صلاتكم لأن الإِيمان لا يتمُّ إِلا بها، ولأنها تشتمل على نيةٍ وقولٍ وعمل. الثالثة: في التعبير عن الكعبة بالمسجد الحرام إِشارة إِلى أن الواجب مراعاة الجهة دون العين، لأن في إِصابة عين الكعبة من البعيد حرجاً عظيماً على الناس.

стр. 89

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى ما قاله السفهاء من اليهود عند تحويل القبلة من بيت المقدس إِلى الكعبة المعظمة، وأمر رسوله بأن يتوجه في صلاته نحو البيت العتيق، ذكر في هذه الآيات أن أهل الكتاب قد انتهوا في العناد والمكابرة إِلى درجة اليأس من إِسلامهم، فإِنهم ما تركوا قبلتك لشبهة عارضة تزيلها الحجة، وإنما خالفوك عناداً واستكباراً، وفي ذلك تسلية له ﷺ َ من جحود وتكذيب أهل الكتاب. اللغَة: ﴿آيَةٍ﴾ الآية: الحجة والعلامة ﴿أَهْوَاءَهُم﴾ جمع هوى مقصور، وهوى النفس: ما تحبه وتميل إليه ﴿الممترين﴾ الامتراء: الشك، امترى في الشيء شك فيه ومنه المراء والمرْية ﴿وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾ [الحج: ٥٥] أي شك ﴿وِجْهَةٌ﴾ قال الفراء: وجهة وجِهَة ووجه بمعنى واحد والمراد بها

стр. 90

القِبلة ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ أي هو مولّيها وجهه فاستغنى عن ذكر الوجه قال الفراء: أي مستقبلها ﴿فاستبقوا﴾ أي بادروا وسارعوا ﴿الخيرات﴾ الأعمال الصالحة جمع خيْرة ﴿تَخْشَوْهُمْ﴾ تخافوهم والخشية: الخوف. التفسِير: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الذين أُوتُواْ الكتاب بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾ أي والله لئن جئت اليهود والنصارى بكل معجزة على صدقك في أمر القبلة ما اتبعوك يا محمد ولا صلّوا إلى قبلتك ﴿وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ أي وليست أنت بمتبع قبلتهم بعد أن حوّلك الله عنها، وهذا لقطع أطماعهم الفارغة حيث قالت اليهود: لو ثبتَّ على قبلتنا لكنا نرجو أن تكون صاحبنا الذي ننتظره تغريراً له ﵇ ﴿وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ أي إِن النصارى لا يتبعون قبلة اليهود، كما أن اليهود لا يتبعون قبلة النصارى، لما بينهم من العداوة والخلاف الشديد مع أن الكل من بني إسرائيل ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَكَ مِنَ العلم﴾ أي ولئن فرض وقدّر أنك سايرتهم على أهوائهم، واتبعت ما يهوونه ويحبونه بعد وضوح البرهان الذي جاءك بطريق الوحي ﴿إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظالمين﴾ أي تكون ممن ارتكب أفحش الظلم، والكلام وارد على سبيل الفرض والتقدير وإِلا فحاشاه ﷺ َ من أتباع أهواء الكفرة المجرمين، وهو من باب التهييج للثبات على الحق. ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ أي اليهود والنصارى ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ أي يعرفونه محمداً معرفة لا امتراء فيها كما يعرف الواحد منهم ولده معرفة يقين ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحق وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي وإن جماعة منهم - وهم رؤساؤهم وأحبارهم - ليخفون الحق ولا يعلنونه ويخفون صفة النبي مع أنه منعوت لديهم بأظهر النعوت ﴿الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل﴾ [الأعراف: ١٥٧] فهم يكتمون أوصافه عن علم وعرفان ﴿الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين﴾ أي ما أوحاه الله إِليك يا محمد من أمر القبلة والدين هو الحق فلا تكوننَّ من الشاكّين، والخطاب للرسول والمراد أمته ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فاستبقوا الخيرات﴾ أي لكل أمة من الأمم قبلةٌ هو مولّيها وجهه أي مائل إِليها بوجهه فبادروا وسارعوا أيها المؤمنون إِلى فعل الخيرات ﴿أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعاً﴾ أي في أي موضع تكونوا من أعماق الأرض أو قمم الجبال يجمعكم الله للحساب فيفصل يبن المحق والمبطل ﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي هو قادر على جمعكم من الأرض وإن تفرقت أجسامكم وأبدانكم ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام﴾ أي من أيّ مكان خرجت إِليه للسفر فتوجه بوجهك في صلاتك جهة الكعبة ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ تقدم تفسيره وكرّره لبيان تساوي حكم السفر والحضر ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ هذا أمر ثالث باستقبال الكعبة المشرفة، وفائدة هذا التكرار أن القبلة كان أول ما نسخ من الأحكام الشرعية، فدعت الحاجة إِلى التكرار لأجل والتقرير وإِزالة الشبهة قال تعالى ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي عرّفكم أمر القبلة لئلا يحتج عليكم اليهود فيقولوا: يجحد ديننا ويتبع قبلتنا فتكون لها حجة عليكم أو كقول المشركين: يدعى محمد ملة إِبراهيم ويخالف قبلته ﴿إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشوني﴾ أي إِلا الظلمة المعاندين الذين لا يقبلون أيّ تعليل فلا تخافوهم وخافوني ﴿وَلأُتِمَّ

стр. 91

نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي أتمّ فضلي عليكم بالهداية إِلى قبلة أبيكم إبراهيم والتوفيق لسعادة الدارين. البَلاَغَة: ١ - وضع اسم الموصول موضع الضمير في قوله ﴿أُوتُواْ الكتاب﴾ للإِيذان بكمال سوء حالهم من العناد. ٢ - ﴿وَلَئِنِ اتبعت أَهْوَاءَهُم﴾ هذا من باب التهييج والإِلهاب للثبات على الحق. ٣ - ﴿وَمَآ أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ هذه الجملة أبلغ في النفي من قوله ﴿مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ﴾ لأنها جملة اسمية أولاً ولتأكيد نفيها بالباء ثانياً ذكره صاحب الفتوحات الإِلهية. ٤ - ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ فيه تشبيه «مرسل مفصل» أي يعرفون محمداً معرفةً واضحة كمعرفة أبنائهم الذين من أصلابهم. الفوَائِد: الأولى: روي أن عمر بن الخطاب قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمداً كما تعرف ولدك؟ قال وأكثر، نزل الأمين من السماء على الأمين في الأرض بنعته فعرفته ولست أشك فيه أنه نبيٌّ، وأما ولدي فلا أدري ما كان من أمه فلعلها خانت، فقبّل عمر رأسه. الثانية: توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم، ولهذا زاد الله في ذم أهل الكتاب بقوله ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ فإِنه ليس المرتكب ذنباً عن جهلٍ كمن يرتكبه عن علم. الثالثة: تكرر الأمر باستقبال الكعبة ثلاث مرات قال القرطبي: والحكمة في هذا التكرار أن الأول لمن هو بمكة، والثاني لمن هو ببقية الأمصار، والثالث لمن خرج في الأسفار.

стр. 92

المنَاسَبَة: بدأت الآيات الكريمة بمخاطبة المؤمنين، وتذكيرهم بنعمة الله العظمى عليهم، ببعثة خاتم المرسلين ﷺ َ، بعد أن تحدثت الآيات السابقة عن بني إِسرائيل، وذكرت بالتفصيل

стр. 93

نعم الله عليهم التي قابلوها بالجحود والكفران فيما يزيد على ثلث السورة الكريمة، وقد عدّد القرآن الكريم جرائمهم ليعتبر ويتعظ بها المؤمنون، ولما انتهى الحديث عن اليهود بعد ذلك البيان الواضح جاء دون التذكير للمؤمنين بالنعم الجليلة والتشريعات الحكيمة التي بها سعادتهم في الدارين. اللغَة: ﴿الكتاب﴾ القرآن العظيم ﴿الحكمة﴾ السنّة النبوية ﴿فاذكروني﴾ أصل الذكر التنبه بالقلب للمذكور، وسُمّي الذكر باللسان ذكراً لأنه علامة على الذكر القلبي ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ أصل البلاء المحنة، ثم قد يكون بالخير أو بالشر ﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير﴾ [الأنبياء: ٣٥] ﴿مُّصِيبَةٌ﴾ المصيبة: كل ما يؤذي المؤمن ويصيبه في نفسه أو ماله أو ولده ﴿صَلَوَاتٌ﴾ الأصل في الصلاة الدعاء وهي من الله بمعنى الرحمة ومن الملائكة بمعنى الاستغفار. التفسير: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾ الكلام متعلق بما سبق في قوله ﴿وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي﴾ [البقرة: ١٥٠] والمعنى كما اتممت عليكم نعمتي كذلك أرسلت فيكم رسولاً منكم ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ أي يقرأ عليكم القرآن ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ أي يطهركم من الشرك وقبيح الفعال ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الكتاب والحكمة﴾ أي يعلمكم أحكام الكتاب المجيد، والسنة النبوية المطهرة ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ أي يعلمكم من أمور الدنيا والدين الشيء الكثير الذي لم تكونوا تعلمونه ﴿فاذكروني أَذْكُرْكُمْ﴾ أي اذكروني بالعبادة والطاعة أذكركم بالثواب والمغفرة ﴿واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ أي اشكروا نعمتي عليكم ولا تكفروها بالجحود والعصيان، روي أن موسى ﵇ قال: يا رب كيف أشكرك؟ قال له ربه: «تذكرني ولا تنساني، فإِذا ذكرتني فقد شكرتني، وإِذا نسيتني فقد كفرتني» ثم نادى ﵎ عباده المؤمنين بلفظ الإِيمان ليستنهض هممهم إِلى امتثال الأوامر الإِلهية، وهو النداء الثاني الذي جاء في هذه السورة الكريمة فقال ﴿يَآأَيُّهَا الذين آمَنُواْ استعينوا بالصبر والصلاة﴾ أي استعينوا على أمور دنياكم وآخرتكم بالصبر والصلاة فالبصبر تنالون كل فضيلة، وبالصلاة تنتهون عن كل رذيلة ﴿إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ أي معهم بالنصر والمعونة والحفظ والتأييد ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ﴾ أي لا تقولوا للشهداء إنهم أموات ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ﴾ أي بل هم أحياءً عند ربهم يرزقون ولكن لا تشعرون بذلك لأنهم في حياةٍ برزخية أسمي من هذه الحياة ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال والأنفس والثمرات﴾ أي ولنختبرنكم بشيءٍ يسير من ألوان البلاء مثل الخوف والجوع، وذهاب بعض الأموال، وموت بعض الأحباب، وضياع بعض الزروع والثمار ﴿وَبَشِّرِ الصابرين﴾ أي بشر الصابرين على المصائب والبلايا بجنات النعيم ثم بيّن تعالى تعريف الصابرين بقوله ﴿الذين إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ أي نزل بهم كرب أو بلاء أو مكروه ﴿قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أي استرجعوا وأقروا بأنهم عبيد الله يفعل بهم ما يشاء ﴿أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون﴾ أي أولئك الموصوفون بما ذكر لهم ثناء وتمجيد ورحمة من الله، وهم المهتدون إِلى طريق السعادة. البَلاَغَة: ١ - بين كلمتي ﴿أَرْسَلْنَا﴾ و ﴿رَسُولاً﴾ جناس الاشتقاق وهو من المحسنات البديعية.

стр. 94

٢ - ﴿وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾ بعد قوله ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الكتاب والحكمة﴾ هو من باب ذكر العام بعد الخاص لإِفادة الشمول ويسمى هذا في البلاغة ب (الإِطناب) . ٣ - ﴿أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ فيه إيجاز بالحذف أي لا تقولوا هم أموات بل هم أحياء (وبينهما طباق) . ٤ - التنكير في قوله ﴿بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف﴾ للتقليل أي بشيء قليل. ٥ - ﴿صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ التنوين فيهما للتفخيم، والتعرض بعنوان الربوبية مع الإِضافة إِلى ضميرهم ﴿رَّبِّهِمْ﴾ لإِظهار مزيد العناية بهم. ٦ - ﴿هُمُ المهتدون﴾ صيغة قصر وهو من نوع قصر الصفة على الموصوف. وائِد: الأولى: روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: «ما أصابتني مصيبة إِلا وجدتُ فيها ثلاث نعم: الأولى: أنها لم تكن في ديني، الثانية: أنها لم تكن أعظم مما كانت، الثالثة: أن الله يجازي عليها الجزاء الكبير ثم تلا قوله تعالى: ﴿أولئك عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون﴾ » . الثانية: قال ﷺ َ «إِذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون حَمِدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمُّوه بيتَ الحمد» .

стр. 95

المنَاسَبَة: لما أمر تعالى بذكره وشكره ودعا المؤمنين إِلى الاستعانة بالصبر والصلاة، أعقب ذلك ببيان أهمية الحج وأنه من شعائر دين الله، ثم نبّه تعالى على وجوب نشر العلم وعدم كتمانه، وذكر خطر كتمان ما أنزل الله من البيّنات والهدى، كما فعل اليهود والنصارى في كتبهم فاستحقوا اللعنة والغضب والدمار. اللغَة: ﴿شَعَآئِرِ الله﴾ جمع شعيرة وهي في اللغة: العلامة ومنه الشِّعار، وأشعر الهَدْي جعل له علامة ليعرف بها، والشعائر: كلُّ ما تعبّدنا الله به من أمور الدين كالطواف والسعي والأذان ونحوه. ﴿

стр. 96

حَجَّ﴾ الحجُّ في اللغة: القصد، وفي الشرع: قصد البيت العتيق لأداء المناسك من الطواف والسعي ﴿اعتمر﴾ العمرة في اللغة: الزيارة ثم صار علماً لزيارة البيت للنُّسك ﴿جُنَاحَ﴾ الجُناح: الميل إِلى الإِثم وقيل: هو الإِثم نفسه سمي به لأنه ميل إِلى الباطل يقال: جنح إِلى كذا إِذا مال قال ابن الأَثير وأينما ورد فمعناه الإِثم والميل ﴿يَكْتُمُونَ﴾ الكتمان: الإِخفاء والستر ﴿يُنْظَرُونَ﴾ يُمهلون. التفِسير: ﴿إِنَّ الصفا والمروة﴾ اسم الجبلين بمقربة من البيت الحرام ﴿مِن شَعَآئِرِ الله﴾ أي من أعلام دينه ومناسكه التي تعبَدنا الله بها ﴿فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر﴾ أي من قصد بيت الله للحج أو قصده للزيارة بأحد النسكين «الحج» أو «العمرة» ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ أي لا حرج ولا إِثم عليه أن يسعى بينهما، فإِذا كان المشركون يسعون بينهما ويتمسحون بالأصنام، فاسعوا أنتم لله رب العالمين، ولا تتركوا الطواف بينهما خشية التشبه بالمشركين ﴿وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً﴾ أي من تطوّع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته المفروضة عليه، أو فعل خيراً فرضاً كان أو نقلاً ﴿فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي إِنه سبحانه شاكرٌ له طاعته ومجازيه عليها خير الجزاء، لأنه عليم بكل ما يصدر من عباده من الأعمال فلا يضيع عنده أجر المحسنين ﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى﴾ أي يخفون ما أنزلناه من الآيات البينات، والدلائل الواضحات التي تدل على صدق محمد ﷺ َ ﴿مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكتاب﴾ أي من بعد توضيحه لهم في التوراة أو في الكتب السماوية كقوله تعالى ﴿الذي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التوراة والإنجيل﴾ [الأعراف: ١٥٧] ﴿أولئك يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون﴾ أي أولئك الموصوفون بقبيح الأعمال، الكاتمون لأوصاف الرسول، المحرّفون لأحكام التوراة يلعنهم الله فيبعدهم من رحمته، وتلعنهم الملائكة والمؤمنون ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أي إِلا الذين ندموا على ما صنعوا، وأصلحوا ما أفسدوه بالكتمان، وبينوا للناس حقيقة ما أنزل الله فأولئك يقبل الله توبتهم ويشملهم برحمته ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ أي كثير التوبة على عبادي، واسع الرحمة بهم، أصفح عما فرط منهم من السيئات ﴿إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ أي كفروا بالله واستمرّوا على الكفر حتى داهمهم الموت وهم على تلك الحالة ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ أي يلعنهم الله وملائكته وأهل الأرض جميعاً، حتى الكفار فإنهم يوم القيامة يلعن بعضهم بعضاً ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي خالدين في النار - وفي إِضمارها تفخيم لشأنها - ﴿لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العذاب﴾ أي إن عذابهم في جهنم دائم لا ينقطع لا يخف عنهم طرفة عين ﴿لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف: ٧٥] ﴿وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي ولا يمهلون أو يؤجلون بل يلاقيهم العذاب حال مفارقة الحياة الدنيا. سَبَبُ النّزول: عن أنسٍ ﵁ أنه سئل عن الصفا والمروة فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإِسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله ﴿إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَآئِرِ الله﴾ . البَلاَغَة: ١ - ﴿مِن شَعَآئِرِ الله﴾ أي من شعائر دين الله ففيه إِيجاز بالحذف.

стр. 97

٢ - ﴿شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي يثيب على الطاعة قال أبو السعود: عبّر عن ذلك بالشكر مبالغة في الإِحسان على العباد فأطلق الشكر وأراد به الجزاء بطريق المجاز. ٣ - ﴿يَلعَنُهُمُ الله﴾ فيه التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة إذ الأصل «نلعنهم» ولكن في إظهار الاسم الجليل ﴿يَلعَنُهُمُ الله﴾ إِلقاء الروعة والمهابة في القلب. ٤ - ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون﴾ فيه جناس الاشتقاق. وهو من المحسنات البديعية. ٥ - ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي في اللعنة أو في النار وأضمرت النار تفخيماً لشأنها وتهويلاً لأمرها. ٦ - ﴿وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ إيثار الجملة الإِسمية لإِفادة دوام النفي واستمراره. الفوَائِد: الأولى: كان على الصفا صنم يقال له «إِساف» وعلى المروة صنم يقال له «نائلة» فكان المشركون إِذا طافوا تمسحوا بهما فخشي المسلمون أن يتشبهوا بأهل الجاهلية ولذلك تخرجوا من الطواف لهذا السبب فنزلة الآية تبّين أنهما من شعائر الله وأنه لا حرج عليهم في السعي بينهما فالمسلمون يسعون لله لا للأصنام. الثانية: الشكر معناه مقابلة النعمة والإِحسان بالثناء والعرفان، وهذا المعنى محالٌ على الله إِذ ليس لأحد عنده يدٌ ونعمة حتى يشكره عليها ولهذا حملة العلماء على الثواب والجزاء أي أنه تعالى يثيبه ولا يضيع أجر العاملين أقول: والصحيح ما عليه السلف من إثبات الصفات كما وردت، فهو شكر يليق بجلاله وكماله.

стр. 98

المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى حال الكافرين الجاحجين لآيات الله وما لهم من العذاب والنكال في الآخرة، ذكر هنا أدلة القدرة والوحدانية، وأتى بالبراهين على وجود الخالق الحكيم، فبدأ بذكر العالم العلوي ثم العالم السفلي، ثم بتعاقب الليل والنهار، ثم بالسفن التي تمخر عباب البحار، ثم بالأمطار التي فيها حياة الزروع والنفوس، ثم بما بث في الأرض من أنواع الحيوانات العجيبة، ثم بالرياح والسحب التي سخرها الله لفائدة الإِنسان وختم ذلك بالأمر بالتفكر في بدائع صنع الله،

стр. 99

وإعمال العقل في جمل خلقه، ليستدل العاقل بالأثر على وجود المؤثر، وبالصنعة على عظمة الخالق المدبّر الحكيم. اللغَة: ﴿وإلهكم﴾ الإِله: المعبود بحقٍ أو باطل والمراد به هنا المعبود بحق وهو الله رب العالمين ﴿الفلك﴾ ما عظم من السفن وهو اسم يطلق على المفرد والجمع ﴿وَبَثَّ﴾ فرَّق ونشر ومنه ﴿كالفراش المبثوث﴾ [القارعة: ٤] ﴿دَآبَّةٍ﴾ الدابة في اللغة: كل ما يدب على الأرض من إِنسانٍ ويحوان مأخوذ من الدبيب وهو المشي رويداً وقد خصّه العرف بالحيوان، ويدل على المعنى اللغوي قوله تعالى ﴿والله خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على بَطْنِهِ وَمِنهُمْ مَّن يَمْشِي على رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي على أَرْبَعٍ﴾ [النور: ٤٥] فجمع بين الزواحف والإِنسان والحيوان ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ الريّاح: جمع ريح وهي نسيم الهواء، وتصريفُها تقليبها في الجهات ونقلها من حال إِلى حال، فتهب حارة وباردة، وعاصفة ولينة، وملقحة للنبات وعقيماً ﴿المسخر﴾ من التسخير وهو التذليل والتيسير ﴿أَندَاداً﴾ جمع نِدّ وهو المماثل والمراد بها الأوثان والأصنام ﴿الأسباب﴾ جمع سبب وأصله الحبل والمراد به ما يكون بين الناس من روابط كالنسب والصداقة ﴿كَرَّةً﴾ الكرَّة: الرَّجعة والعودة إِلى الحالة التي كان فيها ﴿حَسَرَاتٍ﴾ جمع حسْرة وهي أشد الندم على شيء فائت وفي التنزيل ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله﴾ [الزمر: ٥٦] . سَبَبُ النّزول: عن عطاء قال: أنزلة بالمدينة على النبي ﷺ َ ﴿وإلهكم﴾ فقالت كفار قريش بمكة كيف يسعُ الناس إِلهٌ واحد؟ فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض ... إِلى قوله لآيات لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ التفسِير: ﴿وإلهكم إله وَاحِدٌ أي إِلهكم المستحق للعبادة إِلهٌ واحد، لا نظير له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ﴿لاَّ إله إِلاَّ هُوَ الرحمن الرحيم﴾ أي لا معبود بحق إِلا هو جلّ وعلا مُولي النعم ومصدر الإِحسان ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض﴾ أي إِن في إِبداع السماوات والأرض بما فيهما ن عجائب الصنعة ودلائل القدرة ﴿واختلاف الليل والنهار﴾ أي تعاقبهما بنظام محكم، يأتي الليل فيعقبه النهار، وينسلخ النهار فيعقبه الليل، ويطول النهار ويقصر الليل والعكس ﴿والفلك التي تَجْرِي فِي البحر﴾ أي السفن الضخمة الكبيرة التي تسير في البحر على وجه الماء وهي موقرةٌ بالأثقال ﴿بِمَا يَنفَعُ الناس﴾ أي بما فيه مصالح الناس من أنواع المتاجر والبضائع ﴿وَمَآ أَنزَلَ الله مِنَ السمآء مِن مَّآءٍ﴾ أي وما أنزل الله من السحاب من المطر الذي جاء به حياة البلاد والعباد ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أي أحيا بهذا الماء الزروع والأشجار، بعد أن كانت يابسة مجدبة ليس فيها حبوب ولا ثمار ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ أي نشر وفرّق في الأرض ن كل ما يدب عليها من أنواع الدواب، المختلفة في أحجامها وأشكالها وألوانها وأصواتها ﴿وَتَصْرِيفِ الرياح﴾ أي تقليب الرياح في هبوبها جنوباً وشمالاً، حارة وباردة، وليّنة وعاصفة ﴿والسحاب المسخر بَيْنَ السمآء والأرض﴾ أي السحاب المذلّل بقدرة الله، يسير حيث شاء الله وهو يحمل الماء الغزير ثم يصبُّه على الأرض قطرات

стр. 100

قطرات، قال كعب الأحبار: السحاب غربال المطر ولولا السحاب لأفسد المطر ما يقع عليه من الأرض ﴿لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ أي لدلائل وبراهين عظيمة دالة على القدرة القاهرة، والحكمة الباهرة، والرحمة الواسعة لقوم لهم عقول تعي وأبصار تدرك، وتتدبر بأن هذه الأمور من صنع إِله قادر حكيم، ثم أخبر تعالى عن سوء عاقبة المشركين الذين عبدوا غير الله فقال ﴿وَمِنَ الناس مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَاداً﴾ أي ومن الناس من تبلغ بهم الجهالة أن يتخذ من غير الله أنداداً أي رؤساء وأَصناماً ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله﴾ أي يعظمونهم ويخضعون لهم كحب المؤمنين لله ﴿والذين آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ﴾ أي حب المؤمنين لله أشدُّ من حب المشركين للأنداد ﴿وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا إِذْ يَرَوْنَ العذاب أَنَّ القوة للَّهِ جَمِيعاً﴾ أي لو رأى الظالمون حين يشاهدون العذاب المعدّ لهم يوم القيامة أَن القدرة كلها لله وحده ﴿وَأَنَّ الله شَدِيدُ العذاب﴾ أي وأنَّ عذاب الله شديد أليم وجواب «لو» محذوف أي لرأوا ما لا يوصف من الهول والفظاعة ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الذين اتبعوا مِنَ الذين اتبعوا﴾ أي تبرأ الرؤساء من الأتباع ﴿وَرَأَوُاْ العذاب وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب﴾ أي حين عاينوا العذاب وتقطعت بينهم الروابط وزالت المودّات ﴿وَقَالَ الذين اتبعوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ أي تمنّى الأتباع لو أنّ لهم رجعة إِلى الدنيا ليتبرءوا من هؤلاء الذين أضلوهم السبيل ﴿كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا﴾ أي كما تبرأ الرؤساء من الأتباع في ذلك اليوم العصيب. . قال تعالى ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي أنه تعالى كما أراهم شدة عذابه كذلك ربهم أعمالهم القبيحة ندامات شديدة وحسرات تتردد في صدورهم كأنها شرر الجحيم ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النار﴾ أي ليس لهم سبيل إِلى الخروج من النار، بل هم في عذاب سرمدي وشقاء أبدي. البَلاَغَة: ١ - ﴿وإلهكم إله وَاحِدٌ﴾ ورد الخبر حالياً من التأكيد تنزيلاً للمنكر منزلة غير المنكر، وذلك لأن بين أيديهم من البراهين الساطعة والحجج القاطعة ما لو تأملوه لوجدوا فيه غاية الإِقناع. ٢ - ﴿لآيَاتٍ﴾ التنكير في آيات للتفخيم أي آيات عظيمة دالة على قدرة قاهرة وحكمة باهرة. ٣ - ﴿كَحُبِّ الله﴾ فيه تشبيه (مرسل مجمل) حيث ذكرت الأداة وحذف وجه التشبيه. ٤ - ﴿أَشَدُّ حُبّاً للَّهِ﴾ التصريح بالأشدّية أبلغ من أن يقال «أحبُّ لله» كقوله ﴿فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: ٧٤] مع صحة أن يقال: أو أقسى. ٥ - ﴿وَلَوْ يَرَى الذين ظلموا﴾ وضع الظاهر موضع الضمير ﴿ولو يرون﴾ لإِحضار الصورة في ذهن السامع وتسجيل السبب في العذاب الشديد وهو الظلم الفادح. ٦ - في قوله ﴿وَرَأَوُاْ العذاب﴾ و ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسباب﴾ من علم البديع ما يسمى ب «الترصيع» وهو أن يكون الكلام مسجوعاً. ٧ - ﴿بِخَارِجِينَ مِنَ النار﴾ الجملة إِسمية وإِيرادها بهذه الصيغة لإِفادة دوام الخلود.

стр. 101

الفوَائِد: الأولى: ذكر تعالى في الآية من عجائب مخلوقاته ثمانية أنواع تنبيهاً على ما فيها من العبر واستدلالاً على الوحدانية من الأثر، الأول: خلق السماوات وما فيها من الكواكب والشمس والقمر، الثاني: الأرض وما فيها من جبال وبحار وأشجار وأنهار ومعادن وجواهر، الثاث: اختلاف الليل والنهار بالطول والقصر والنور والظلمة والزيادة والنقصان، الرابع: السفن العظيمة كأنها الراسيات من الجبال وهي موقرة بالأثقال والرجال تجري بها الريح مقبلة ومدبرة، الخامس: المطر الذي جعله الله سبباً لحياة الموجودات من حيوان ونبات وإِنزاله بمقدار، السادس: ما بثّ في الأرض من إِنسان وحيوان مع اختلاف الصور والأشكال والألوان، السابع: تصريف الرياح والهواءُ جسم لطيفٌ وهو مع ذلك في غاية القوة بحيث يقلع الصخر والشجر ويخرب البنيان العظيمة وهو مع ذلك حياة الوجود فلو أمسك طرفة عين لمات كل ذي روح وأنتن ما على وجه الأرض، الثامن: السحاب مع ما فيه من المياه العظيمة التي تسيل منها الأودية الكبيرة يبقى معلقاً بين السماء والأرض بلا علاقة تمسكه ولا دعامة تسنده فسبحان الواحد القهار. الثانية: ورد لفظ الرياح مفردة ومجموعة، فجاءت مجموعة مع الرحمة مفردة مع العذاب كقوله ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦] وقوله ﴿وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرَى بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الفرقان: ٤٨] وقوله ﴿الريح العقيم﴾ [الذاريات: ٤١] وروى أن رسول الله ﷺ َ كان يقول إِذا هبت الريح «اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً» .

стр. 102

المنَاسَبَة: لمّا بيّن تعالى التوحيد ودلائله، وما للمؤمنين المتقين والكفرة العاصين، أتبع ذلك بذكر إِنعامه على الكافر والمؤمن، ليدل على أن الكفر لا يؤثر في قطع الإِنعام، لأنه تعالى رب

стр. 103

العالمين، فإِحسانه عام لجميع الأنام دون تمييز بين مؤمن وكافر وبرٍّ وفاجر، ثم دعا المؤمنين إِلى شكر المنعم جلٍّ وعلا والأكل من الطيبات التي أباحها الله، واجتناب ما حرّمه الله من أنواع الخبائث. اللغَة: ﴿خُطُوَاتِ الشيطان﴾ جمع خُطوة وهي في الأصل ما بين القدمين عند المشي وتستعمل مجازاً في تتبع الآثار ﴿السواء﴾ أصل السُّوء ما يسوء الإِنسان أي يحزنه ويطلق على المعصية قولاً أو فعلاً أو اعتقاداً لأنها تسوء صاحبها أي تحزنه في الحال أو المآل ﴿الفحشآء﴾ ما يستعظم ويستفحش من المعاصي فهي أقبح أنواع المعاصي ﴿أَلْفَيْنَا﴾ وجدنا ومنه ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ [يوسف: ٢٥] ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ﴾ [الصافات: ٦٩] أي وجدوا ﴿يَنْعِقُ﴾ يصيح يقال: نعق الراعي بغنمه ينعِق نعيقاً إِذا صاح بها وزجرها قال الأخطل: فانعِقْ بضأنك يا جريرُ فإِنما مَنَّتك نفسُك في الخلاء ضلالاً ﴿أُهِلَّ﴾ الإِهلال: رفع الصوت يقال: أهلَّ المحرم إِذا رفع صوته بالتلبية ومنه إِهلال الصبي وهو صياحه عند الولادة، وكان المشركون إِذا ذبحوا ذكروا اللات والعزَّى ورفعوا بذلك أصواتهم ﴿اضطر﴾ أُلجئ أي ألجأته الضرورة إلى الأكل من المحرمات ﴿بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ الباغي من البغي والعادي من العدوان، وهما بمعنى الظلم وتجاوز الحدّ ﴿يُزَكِّيهِمْ﴾ يطهرهم من التزكية وهي التطهير ﴿شِقَاقٍ﴾ الشقاق: الخلاف والعداوة. التفسِير: ﴿ياأيها الناس كُلُواْ مِمَّا فِي الأرض حَلاَلاً طَيِّباً﴾ الخطاب عام لجميع البشر أي كلوا ممّا أحله الله لكم من الطيبات حال كونه مستطاباً في نفسه غير ضار بالأبدان والعقول ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾ أي لا تقتدوا بآثار الشيطان فيما يزينه لكم من المعاصي والفواحش ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي إِنه عظيم العداوة لكم وعداوته ظاهرة لا تخفى على عاقل ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بالسواء والفحشآء﴾ أي لا يأمركم الشيطان بما فيه خير إِنما يأمركم بالمعاصي والمنكرات وما تناهي في القبح من الرذائل ﴿وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ أي وأن تفتروا على الله بتحريم ما أحل لكم وتحليل ما حرّم عليكم فتحلوا وتحرّموا من تلقاء أنفسكم ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله﴾ أي وإِذا قيل للمشركين اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من الوحي والقرآن واتركوا ما أنتم عليه من الضلال والجهل ﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ﴾ أي بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، قال تعالى في الردّ عليهم ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ أي أيتبّعون آباءهم ولو كانوا سفهاء أغبياء ليس لهم عقل يردعهم عن الشر ولا بصيرة تنير لهم الطريق؟ والاستفهام للإِنكار والتوبيخ والتعجيب من حالهم في تقليدهم الأعمى للآباء، ثم ضرب تعالى مثلاً للكافرين في غاية الوضوح والجلاء فقال تعالى ﴿وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً﴾ أي ومثل الكفار في عدم انتفاعهم بالقرآن وحججه الساطعة ومثل من يدعوهم إِلى الهدى كمثل الراعي الذي يصيح بغنمه ويزجرها فهي تسمع الصوت والنداء دون أن تفهم الكلام والمراد، أو تدرك المعنى الذي يقال لها، فهؤلاء الكفار كالدواب السارحة لا يفهمون ما تدعوهم إِليه ولا يفقهون، يسمعون القرآن ويصمّون عنه الآذان ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٤] ولهذا قال تعالى ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ أي صمٌّ عن

стр. 104

سماع الحق، بكم أي خرسٌ عن النطق به عميٌ عن رؤيته فهم لا يفقهون ما يقال لهم لأنهم أصبحوا كالدواب فهم في ضلالهم يتخبطون. وخلاصة المثل - والله أعلم - مثل الذين كفروا كالبهائم التي لا تفقه ما يقول الراعي أكثر من سماع الصوت دون أن تفهم المعنى وهو خلاصة قول ابن عباس ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ خاطب المؤمنين لأنهم الذين ينتفعون بالتوجيهات الربانية والمعنى كلوا يا أيها المؤمنون من المستلذات وما طاب من الرزق الحلال الذي رزقكم الله إِياه ﴿واشكروا للَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي واشكروا الله على نعمه التي لا تحصى إِن كنتم تخصونه بالعبادة ولا تعبدون أحداً سواه ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير﴾ أي ما حرّم عليكم إلا الخبائث كالميتة والدم ولحم الخنزير ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله﴾ أي وما ذبح للأصنام فذكر عليه اسم غير الله كقولهم باسم اللات والعزّى ﴿فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ أي فمن ألجأته ضرورة إلى أكل شيء من المحرمات بشرط ألا يكون ساعياً في فساد، ولا متجاوزاً مقدار الحاجة ﴿فلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي فلا عقوبة عليه في الأكل ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي يغفر الذنوب ويرحم العباد ومن رحمته أن أباح المحرمات وقت الضرورة ﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب﴾ أي يخفون صفة النبي ﵇ المذكورة في التوراة وهم اليهود قال ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود حين كتموا نعت النبي ﷺ َ ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أي يأخذون بدله عوضاً حقيراً من حطام الدنيا ﴿أولئك مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار﴾ أي إِنما يأكلون ناراً تأجّج في بطونهم يوم القيامة لأن أكل ذلك المال الحرام يفضي بهم إِلى النار ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القيامة﴾ أي لا يكلمهم كلام رضىً كما يكلم المؤمنين بل يكلمهم كلام غضب كقوله ﴿اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ﴿وَلاَ يُزَكِّيهِمْ﴾ أي يطهرهم من دنس الذنوب ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي عذاب مؤلم وهو عذاب جهنم ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾ أي أخذوا الضلالة بدل الهدى والكفر بدل الإِيمان ﴿والعذاب بالمغفرة﴾ أي واستبدلوا الجحيم بالجنة ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾ أي ما أشدَّ صبرهم على نار جهنم؟ وهو تعجيب للمؤمنين من جراءة أولئك الكفار على اقتراف أنواع المعاصي ثم قال تعالى مبيناً سبب النكال والعذاب ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب بالحق﴾ أي ذلك العذاب الأليم بسبب أن الله أنزل كتابه ﴿التوراة﴾ [آل عمران: ٣] ببيان الحق فكتموا وحرّفوا ما فيه ﴿وَإِنَّ الذين اختلفوا فِي الكتاب﴾ أي اختلفوا في تأويله وتحريفه ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ أي في خلاف بعيد عن الحق والصواب، مستوجب لأشدّ العذاب. سَبَبُ النّزول: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وحيي بن أخطب كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا، فلما بعث محمد ﵇ خافوا انقطاع تلك المنافع فكتموا أمر محمد وأمر شرائعه فنزلت ﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب﴾ الآية. البَلاَغَة: ١ - ﴿خُطُوَاتِ الشيطان﴾ استعارة عن الاقتداء به واتباع آثاره قال في تلخيص البيان: وهي أبلغ عبارة عن التحذير من طاعته فيما يأمر به وقبول قوله فيما يدعو إِلى فعله.

стр. 105

٢ - ﴿بالسواء والفحشآء﴾ هو من باب «عطف الخاص على العام» لأن السوء يتناول جميع المعاصي، والفحساء وأفحش المعاصي. ٣ - ﴿وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ﴾ فيه تشبيه (مرسل ومجمل) مرسل لذكر الأداة ومجمل لحذف وجه الشبه فقد شبه الكفار بالبهائم التي تسمع صوت المنادي دون أن تفقه كلامه وتعرف مراده. ٤ - ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ حذفت أداة الشبه ووجه الشبه فهو «تشبيه بليغ» أي هم كالصم في عدم سماع الحق وكالعمي وكالبكم في عدم الانتفاع بنور القرآن. ٥ - ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار﴾ مجاز مرسل باعتبار ما يؤول إِليه أي إِنما يأكلون المال الحرام الذي يفضي بهم إِلى النار وقوله ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ زيادة تشنيع وتقبيح لحالهم وتصويرهم بمن يتناول رضف جهنم، وذلك أفظع سماعاً وأشد إيجاعاً. ٦ - ﴿اشتروا الضلالة بالهدى﴾ استعارة والمراد استبدلوا الكفر بالإِيمان وقد تقدّم في أول السورة إِجراء هذه الاستعارة. الفوَائِد: الأولى: عن ابن عباس قال: تليت هذه الآية عند النبي ﷺ َ ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ﴾ فقام سعد بن أبي وقاص فقال يا رسول الله: أدع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة! فقال يا سعد: أطبْ مطعمَك تكنْ مستجابَ الدعوة، والذي نفس محمد بيده إِن الرجل ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبَّلُ منه أربعين يوماً، وأيمّا عبدٍ نبت لحمة من السُّحتِ والربا فالنارُ أولى به. الثانية: قال بعض السلف: «يدخل في اتباع خطواتٍ الشيطان كلُّ معصية لله، وكل نذرٍ في المعاصي قال الشعبي: نذر رجلٌ أن ينحر ابنه فأقناه مسروقٌ بذبح كبش وقال: هذا من خطوات الشيطان» . الثالثة: قال ابن القيم في أعلام الموقعين عن قوله تعالى ﴿وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً﴾ قال: لك أن تجعل هذا من التشبيه المركب، وأن تجعله من التشبيه المفرّق، فإِن جعلته من المركب كان تشبيهاً للكفار - في عدم فقههم وانتفاعهم - بالغنم التي ينعق بها الراعي فلا تفقه من قوله شيئاً غير الصوت المجرّد الذي هو الدعاء والنداء، وإِن جعلته من التشبيه المفرّق: فالذين كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء داعيهم إِلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها، ودعاؤهم إِلى الهدى بمنزلة النعق، وإِدراكهم مجرد الدعاء والنداء كإِدراك البهائم مجرد صوت الناعق والله أعلم.

стр. 106

المنَاسَبَة: من هنا بداية النصف الثاني من السورة الكريمة على وجه التقريب، ونصف السورة السابق كان متعلقاً بأصول الدين وبقبائح بني إِسرائيل، وهذا النصف غالبه متعلق بالأحكام التشريعية الفرعية، ووجه المناسبة أنه تعالى ذكر في الآية السابقة أنّ أهل الكتاب اختلفوا في دينهم اختلافاً كبيراً صاروا بسببه في شقاق بعيد، ومن أسباب شقاقهم أمر القبلة إِذ كثروا الخوض فيه وأنكروا على المسلمين التحول إِلى استقبال الكعبة، وادّعى كلٌ من الفريقين - اليهود والنصارى - أن الهدى مقصور على قبلته، فردّ الله عليهم بين أن العبادة الحقة وعمل البرّ ليس بتوجه الإِنسان جهة المشرق والمغرب، ولكن بطاعة الله وامتثال أوامره وبالإِيمان الصادق الراسخ. اللغَة: ﴿البر﴾ اسم جامع للطاعت واعمال الخير ﴿الرقاب﴾ جمع رقبة وهي في الأصل العُنقُ، وتطلق على البدن كله كما تطل العين على الجاسوس والمراد في الآية الأسرى والأرقاء ﴿البأسآء﴾ الفقر ﴿الضراء﴾ السقُّم والوجع ﴿البأس﴾ القتال وأصل البأس في اللغة: الشدّة ﴿كُتِبَ﴾ فرض ﴿القصاص﴾ العقوبة بالمثل من قتل أو جرح مأخوذ من القصّ وهو تتبع الأثر ﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١] اتبعى أثره ﴿القتلى﴾ جمع قتيل يستوي فيه المذكر والمؤنث يقال: رجل قتيل وامرأة قتيل ﴿الألباب﴾ العقول جمع لب مأخوذ من لبّ النخلة ﴿إِثْماً﴾ الإِثم: الذنب ﴿جَنَفاً﴾ الجنف: العدول عن الحق على وجه الخطأ. سَبَبُ النّزول: عن قتادة أن أهل الجاهلية كان فيهم بغيٌ وطاعةٌ للشيطان، وكان الحيُّ منهم إِذا كان فيهم منعة فقتل عبدُهم عبد آخرين قالوا لن نقتل به إِلا حراً، وإِذا قتلت امرأةٌ منهم امرأةً من آخرين قالوا لن نقتل بها إِلا رجلاً فأنزل الله ﴿الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ . التفِسير: ﴿لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب﴾ أي ليس فعلُ الخير وعملُ الصالح محصوراً في أن يتوجه الإِنسان في صلاته جهة المشرق والمغرب ﴿ولكن البر مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر﴾ أي ولكنَّ البِرَّ الصحيح هو الإِيمان بالله واليوم الآخر ﴿والملائكة والكتاب والنبيين﴾

стр. 107

أي وأن يؤمن بالملائكة والكتب والرسل ﴿وَآتَى المال على حُبِّهِ ذَوِي القربى﴾ أي أعطى المال على محبته له ذوي قرابته فهم أولى بالمعروف ﴿واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ أي وأعطى المال أيضاً لليتامى الذين فقدوا آباءهم والمساكين الذين لا مال لهم، وابن السبيل المسافر المنقطع عن ماله ﴿والسآئلين وَفِي الرقاب﴾ أي الذين يسألون المعونة بدافع الحاجة وفي تخليص الأسرى والأرقاء بالفداء ﴿وَأَقَامَ الصلاة وَآتَى الزكاة﴾ أي وأتى بأهم أركان الإِسلام وهما الصلاة والزكاة ﴿والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾ أي ومن يوفون بالعهود ولا يخلفون الوعود ﴿والصابرين فِي البأسآء والضراء وَحِينَ البأس﴾ أي الصابرين على الشدائد وحين القتال في سبيل الله وهو منصوب على المدح ﴿أولئك الذين صَدَقُواْ وأولئك هُمُ المتقون﴾ أي أهل هذه الأوصاف هم الذين صدقوا في إِيمانهم وأولئك هم الكاملون في التقوى، وفي الآية ثناء على الأبرار وإِيحاء إِلى ما لا يلاقونه من اطمئنان وخيراتٍ حسان. ﴿ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾ أي فرض عليكم أن تقتصوا للمقتول من قاتله بالمساواة دون بغي أو عدوان ﴿الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ أي اقتصوا من الجاني فقط فإِذا قتل الحرُّ الحرَّ فاقتلوه به، وإِذا قتل العبد العبد فاقتلوه به، وكذلك الأنثى إِذا قتلت الأنثى، مثلاً بمثلٍ ولا تعتدوا فتقتلوا غير الجاني، فإِن أخذ غير الجاني ليس بقصاص بل هو ظلم واعتداء ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أي فمن تُرك له من دم أخيه المقتول شيء، بأن ترك وليُّه القود وأسقط القصاص راضياً بقبول الدية ﴿فاتباع بالمعروف وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ أي فعلى العافي اتباعٌ للقاتل بالمعروف بأن يطالبه بالدية بلا عنفٍ ولا إِرهاق، وعلى القاتل أداءٌ للدية إِلى العافي - ولي المقتول - بلا مطل ولا بخس ﴿ذلك تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ أي ما شرعته لكم من العفو إِلى الدية تخفيف من ربكم عليكم ورحمة منه بكم، ففي الدية تخفيف على القاتل ونفع لأولياء القتيل، وقد جمع الإِسلام في عقوبة القتل بين العدل والرحمة، فجعل القصاص حقاً لأولياء المقتول إِذا طالبوا به وذلك عدل، وشرع لديه إِذا أسقطوا القصاص غير القاتل وذلك رحمة ﴿فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي فمن اعتدى على القاتل بعد قبول الدية فله عذاب أليم في الآخرة ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حياوة ياأولي الألباب﴾ أي ولكم - يا أولي العقول - فيما شرعت من القصاص حياةٌ وأيُّ حياة لأنه من علم أنه إِذا قتل نفساً قُتل بها يرتدع وينزجر عن القتل، فيحفظ حياته وحياة من أراد قتله وبذلك تُصان الدماء وتحفُظ حياة الناس ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ أي لعلكم تنزجرون وتتقون محارم الله ومآثمه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ أي فرض عليكم إِذا أشرف أحدكم على الموت وقد ترك مالاً كثيراً ﴿الوصية لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين﴾ أي وجب عليه الإِيصاء للوالدين والأقربين ﴿بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين﴾ أي بالعدل بأن لا يزيد على الثلث وألا يوصي للأغنياء ويترك الفقراء، حقاً لازماً على المتقين لله وقد كان هذا واجباً قبل نزول آية المواريث ثم نسخ بآية المواريث ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ أي من غيَّر هذه الوصية بعد ما علمها من وصيّ أو شاهد ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الذين يُبَدِّلُونَهُ﴾ أي إِثم هذا التبديل على الذين بدّلوه لأنهم خانوا وخالفوا حكم الشرع ﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فيه وعيد شديد للمبدِّلين ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً﴾ أي فمن علم أو ظنَّ من الموصي ميلاً عن الحق بالخطأ ﴿أَوْ إِثْماً﴾ أي ميلاً عن الحق عمداً ﴿فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أي أصلح بين الموصي والموصَى

стр. 108

له فلا ذنب عليه بهذا التبديل ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي واسع المغفرة والرحمة لمن قصد بعمله الإِصلاح. البَلاَغَة: ١ - ﴿ولكن البر مَنْ آمَنَ﴾ جعل البرُّ نفس من آمن على طريق المبالغة وهذا معهود في كلام البلغاء إِذ تجدهم يقولون: السخاء حاتم، والشعر زهيرٌ أي أن السخاء سخاء حاتم، والشعر شعر زهير، وعلى هذا خرّجه سيبويه حيث قال في كتابه قال جلّ وعزّ: ﴿ولكن البر مَنْ آمَنَ﴾ وإِنما هو ولكنَّ البر برُّ من آمن بالله انتهى ونظير ذلك أن تقول: ليس الكرم أن تبذل درهماً ولكنَّ الكرم بذل الآلاف فلا يناسب ولكنَّ الكريم من يبذل الآلاف. ٢ - ﴿وَفِي الرقاب﴾ إِيجاز بالحذف أي وفي فك الرقاب يعني فداء الأسرى، وفي لفظ الرقاب «مجاز مرسل» حيث أطلق الرقبة وأراد به النفس وهو من إِطلاق الجزء وإِرادة الكل. ٣ - ﴿والصابرين فِي البأسآء﴾ الأصل أن يأتي مرفوعاً كقوله ﴿والموفون بِعَهْدِهِمْ﴾ وإِنما نصب على الاختصاص أي وأخصُّ بالذكر الصابرين وهذا الأسلوب معروف بين البلغاء فإِذا ذُكرت صفاتٌ للمدح أو الذم وخولف الإِعراب في بعضها فذلك تفننٌ ويسمى قطعاً لأن تغيير المألوف يدل على مزيد اهتمام بشأنه وتشويق لسماعه. ٥ - ﴿أولئك الذين صَدَقُواْ﴾ الجملة جاء الخبر فيها فعلاً ماضياً «صدقوا» لإِفادة التحقيق وأن ذلك وقع منهم واستقر، وأتى بخبر الثانية في جملة اسمية ﴿وأولئك هُمُ المتقون﴾ ليدل على الثبوت وأنه ليس متجدداً بل صار كالسجية لهم ومراعاة للفاصلة أيضاً. ٦ - ﴿حَقّاً عَلَى المتقين﴾ ذكر المتقين من باب الإِلهاب والتهييج. ٧ - الطباق بين ﴿اتباع﴾ و ﴿وَأَدَآءٌ﴾ وبين ﴿الحر﴾ و ﴿العبد﴾ . الفوَائِد: الأولى: في ذكر الأخوة تعطفُ داع إِلى العفو فقد سمّى الله القاتل أخاً لولي المقتول ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ تذكيراً بالأخوَّة الدينية والبشرية حتى يهزّ عطف كل واحد منهما إِلى الآخر فيقع بينهم الفعو والاتباع بالمعروف والأداء بالإِحسان. الثانية: كان في بني إِسرائيل القصاص ولم يكن فيهم الدية، وكان في النصارى الدية ولم يكن فيهم القصاص، فأكرم الله هذه الأمة المحمدية وخيرّها بين القصاص والدية والعفو، وهذا من يسر الشريعة الغراء التي جاء بها سيَّد الأنبياء ﷺ َ. الثالثة: اتفق علماء البيان على أن هذه الآية ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حياوة﴾ بالغة أعلى درجات البلاغة، ونقل عن العرب في هذا المعنى قولهم: القتل أنفى للقتل، ولكنْ لورود الحكمة في القرآن فضلٌ من ناحية حسن البيان، وإِذا شئتَ أن تزداد خبرة بفضل بلاغة القرآن وسمو مرتبته على مرتبة ما نطق به بلغاء البشر فانظر إِلى العبارتين فإِنك تجد من نفحات الإِعجاز ما ينبهك لأن تشهد الفرق بين كلام الخالق وكلام المخلوق، أما الحكمة القرآنية فقد جعلت سبب الحياة القصاصُ وهو القتل عقوبةً

стр. 109

على وجه التماثل، والمثل العربي جعل سبب الحياة القتلُ، ومن القتل ما يكون ظلماً فيكون سبباً للفناء وتصحيحُ العبارة أن يقال: القتل قصاصاً أنفى للقتل ظلماً، والآية جاء خالية من التكرار اللفظي والمثل كرر فيه لفظ القتل فسمَّه بهذا التكرار من الثقل ما سلمت منه الآية، ومن الفروق الدقيقة بينهما أن الآية جعلت القصاص سبباً للحياة والمثل جعل القتل سبباً لنفي القتل وهو لا يستلزم الحياة الخ وقد عدّ العلماء عشرين وجهاً من وجوه الفريق بين الآية القرآنية واللفظة العربية وقد ذكرها السيوطي في الإِتقان فارجع إليه تجد فيه شفاء الغليل.

стр. 110

المنَاسَبَة: ذكر تعالى في الآيات السابقة حكم القصاص ثم عقبه بحكم الوصية للوالدين والأقربين، ثم بأحكام الصيام على وجه التفصيل لأن هذا الجزء من السورة الكريمة يتناول جانب الأحكام التشريعية ولما كان الصوم من أهم الأركان ذكره الله تعالى هنا ليهيء عباده إِلى منازل القدس ومعارج المتقين الأبرار. اللغَة: ﴿الصيام﴾ في اللغة: الإِمساك عن الشيء قال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم قال الشاعر: خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غير صائمةٍ ... تحت العَجاج وأخرى تعلك اللُّجما وفي الشرع: الإِمساك عن الطعام والشراب والجماع في النهار مع النيّة ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ أي يصمومونه بعسر ومشقه قال الراغب: الطاقة اسمٌ لمقدار ما يمكن للإِنسان أن يفعله مع المشقة وشبِّه
следующие страницы →