← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 8989

الورقات فيما يختلف فيه الرجال والنساء

أحمد بن عبد الله العمري

Полный текст (63 стр.). Показаны 36–63 · переход к 41.

стр. 36

٣- أن أقوى ما استدل به أهل القول الثاني حديث أبي أُمامة وفي سنده ما فيه ومع تسليم حسنه فقد عارض عدة أحاديث ثابتة ثبوتاً لا مراء فيه والصحيح إذا عارض ما هو أصح منه قُدِّم الأصح فكيف بالحسن وعلى هذا يتبين أن بين الزوج والزوجة فرقاً في هذا فالزوج لا يصح له أن يتصدق من مال زوجته إلا برضاها بخلاف الزوجة فإن لها أن تتصدق من بيت زوجها باليسير غير مفسدة.

стр. 37

المبحث الخامس: حكم ولاية الأب والأم على مال الصبي من المعلوم شرعاً أن الصبي ممنوع من التصرف في ماله حتى يبلغ الحلم ويُؤنس منه الرشد وعند ذلك يدفع إليه ماله وأن التصرف في ماله حال سفهه يكون إلى وليه وقد يكون الولي هو الأب وقد يكون غيره من الأولياء أو الأوصياء وقد يكون الحاكم. والأصل في ثبوت الحجر على الصبي الكتاب والإجماع من ذلك. ١- قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ ١. قال الشافعي: فلما علّق الله تعالى دفع المال إلى اليتيم بالبلوغ وإيناس الرشد عُلم أنه قبل البلوغ ممنوع من ماله محجور عليه فيه ٢. ٢- قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْل﴾ ٣. والسفيه يجمع المبذر لماله لصغر ولغيره وقد أخبر الله تعالى أنه ينوب عنهم أولياؤهم فيما لهم وعليهم فدل على ثبوت الحجر عليهم٤. ٣- قال ابن حزم: اتفقوا على وجوب الحجر على من لم يبلغ٥.

стр. 38

وقد مر في المبحث الثاني من هذا الفصل حكم دفع المال للصبي بعد بلوغه والذي أريد بيانه هنا هو حكم الولاية على مال الصبي في حق أبيه وأمه فقط ليتضح الفرق بينهما في ذلك. فأما بالنسبة للأب فإن أهل العلم لم يختلفوا في أنه أولى الأولياء بالنظر في مال ابنه المحجور عليه صبياً أو غيره إذا كان موجوداً ولم يمنع من ولايته مانع من جنون أو سفه ونحوه١. وقد دلت الأدلة السابقة على ثبوت الولاية على الصبي وأن تصرفه غير نافذ وأولى الناس بهذه الولاية الأب "لأن ذلك مبني على الشفقة وشفقة الأب فوق شفقة الكل" ٢. ولم يختلف العلماء في تقديم الأب على غيره كما مر في المصادر. وأما بالنسبة للأم ففي حكم ولايتها على مال الصبي خلاف بين أهل العلم على قولين: القول الأول: لجماهير العلماء من الأحناف والمالكية والشافعية والحنابلة يرون أن الأم ليس لها ولاية على مال الصبي إلا بالإيصاء عند بعضهم وعند البعض الآخر ليس لها ولاية حتى وإن أُوصي إليها بل تُنقل الولاية إلى رجل من قومه٣. القول الثاني: يقول أصحابه إن للأم ولاية على مال الصبي، على خلافٍ

стр. 39

في ترتيبها بين الأولياء، هذا ما ذهب إليه الاصطخري من الشافعية وبعض الحنابلة١. الأدلة: أدلة القول الأول: ١- قالوا لا ولاية للأم على مال صبيها قياساً على ولاية النكاح ٢. ٢- أنه ليس لها كمال الرأي لقصور عقل النساء عادة فلا تثبت لهن ولاية التصرف في المال ٣. ٣- ولأن قرابة الأم لا تتضمن تعصيباً، فلم تتضمن ولاية كقرابة الخال٤. أدلة القول الثاني: ١- ما روى البيهقي في سننه أن عمر ﵁ أوصى بالنظر في الوقف الذي أوقفه بخيبر إلى ابنته حفصة ثم إلى الأكابر من آل عمر ٥. قال الألباني: إسناده صحيح ٦. قلت: ذكر صاحب تكملة المجموع أن الإمام أحمد استدل بهذا الأثر٧ ووجه الاستشهاد فيما يبدو لي يكمن في كون المرأة صالحة للولاية على المال

стр. 40

الذي يحتاج إلى نظر وحفظ خاصة أن عمر ﵁ جعل وقفه للفقراء وفي القربى والرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضعيف فإذا صلحت المرأة للنظر في مثل هذا المال فإنها صالحة للنظر في مال صبيها المحجور عليه من باب أولى: ٢- أن لها الولاية على مال الابن الصغير لأنها أحد الأبوين فتثبت لها الولاية في المال كالأب ١. قلت: وهذا قياس مع الفارق لأن النظر في المال يحتاج إلى خروج من البيت ومخالطة للرجال والمرأة ليست كالرجل في ذلك؛ ولأن الأب له تعصيب بخلاف الأم. الترجيح: الذي يظهر لي أنه لا ولاية للأم على مال ابنها الصغير إلا أن يوصي إليها ولي الصغير بذلك كما فعل أمير المؤمنين عمر ﵁ أو يحكم بولايتها حاكم فلها أن تليه كالأجنبي والسبب فيما قلت أن المرأة ليست من العصبة والولاية على المال خاصة بالعصبة كالعقل فإن الأم لا تدخل في العاقلة وإنما يؤدي الدية عن صبيها عاقلته وهم العصبة ٢ فكما أن أداء المال عنه يكون إلى العاقلة فليكن النظر في ماله وإصلاحه إلى العاقلة وبهذا يتضح الفرق بين الأب والأم في الولاية على مال الصبي فالولاية ثابتة للأب بلا خلاف دون الأم والله أعلم ٠

стр. 41

الغصب والهبة والوصية المبحث الأول: حكم قبول الوالد والولدة الهبة للصبي ... المبحث الأول: حكم قبول الوالد والوالدة الهبة للصبي. الهبة من العقود التي تحتاج إلى إيجاب وقبول لاسيما أنه قد يكون في قبول الهبة مِنّة للواهب على المتّهِب وإذا كانت الهبة لصبيٍ فالصبي لا تعتبر تصرفاته نافذة شرعاً لا قبولاً ولارفضاً ومن هنا كان القبول والرفض عائداً إلى وليه، وقد يكون الولي هو الأب أو الجد أو وصي الأب أو وصي الجد أو غيرهم وغرضي هنا أن يتضح الفرق بين الوالد والوالدة في قبول الهبة للولد فأقول: لم يختلف أهل العلم في أن ولي الطفل أبوه إن كان حياً أميناً ولم يمنع من ولايته مانع من جنون ونحوه لأنه أشفق عليه وأقرب إليه من كل أحد. قال ابن قدامة: لا أعلم فيه خلافاً لأن القبض إنما يكون من المُتَّهِب أو نائبه والولي نائب بالشرع فصح قبضه له أما غيره فلا نيابة له ١. وعلى هذا فلا حق للأم في قبول الهبة للولد مع وجود أبيه وعليه المذاهب الأربعة ٢. أما مع عدم وجود الأب والجد أو غيرهما من الأولياء أو الأوصياء ففي حكم قبول الأم قولان: القول الأول: أنه لا بأس أن تقبل الأم الهبة لطفلها وهو رأي الحنفية وبعض المالكية والشافعية في وجه وبعض الحنابلة على خلاف بينهم في ذلك وإليك بعض عباراتهم. قالت الحنفية: يقبض له أبوه ثم وصي أبيه بعده ثم جده أبو أبيه بعد أبيه

стр. 42

ووصيه ثم وصي جده بعده سواء كان الصبي في عيال هؤلاء أم لم يكن فيجوز قبضهم على هذا الترتيب حال حضرتهم لأن لهؤلاء ولاية عليه فيجوز قبضهم له ولا يجوز قبض غير هؤلاء الأربعة مع وجود واحد منهم سواء كان الصبي في عيال القابض أو لم يكن وسواء كان ذا رحم محرم منه كالأخ والعم والأم ونحوهم أو أجنبياً لأنه ليس لغير هؤلاء ولاية التصرف في مال الصبي فقيام ولاية التصرف لهم تمنع ثبوت حق القبض لغيرهم فإن لم يكن أحد من هؤلاء الأربعة جاز قبض من كان الصبي في حجره وعياله استحساناً، والقياس أنه لا يجوز لعدم الولاية ١. وقال في شرح العناية: وإن كان اليتيم في حجر أمه فقبضها له جائز٢ وهذا التجويز على سبيل الاستحسان بشرط انعدام الأولياء كما مر. وقالت المالكية: لا يجوز أن يحوز للصغير والسفيه ما وُهِبَه إلا الأب أو الوصي أو السلطان أو من يليه فأما غير هؤلاء من أم أو أخ أو جد أو غيرهم فلا يحوز له ما وُهِبَه يتيماً كان أو ذا أبٍ رواه أشهب عن مالك وبه قال ابن القاسم وروى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون حَوز الأم على اليتيم الصغير ... ما وهبته له أو وهبه له أجنبي ٣. وقالت الشافعية: ولا تلي الأم في الأصح ٤ وأومأ ابن قدامة إلى احتمال صحة قبض الأم لطفلها عند عدم الأولياء ٥. القول الثاني: لا يصح أن تلي الأم طفلها هذا هو الأصح عند الشافعية

стр. 43

والمذهب عند الحنابلة ورواية أشهب عن مالك كما تقدم ١ وعلى هذا فلا يحق للأم أن تقبل الهبة له. الأدلة: أدلة القول الأول: ١- أن الأم تلي بعد الأب والجد لكمال شفقتها ٢. ٢- أنه قد لا يكون له ولي ولا يوجد حاكم وهو محتاج إلى الصدقة فإن لم يصح قبض الأم هلك ومراعاة حفظه عن الهلاك أولى من مراعاة الولاية ٣. ٣- استدل الحنفية على وجه الخصوص بالاستحسان فجوزوا قبض الأم لطفلها استحساناً مع اعترافهم أنه على خلاف القياس وأنه لا ولاية للأم على طفلها ٤ وهذا أصل خاص بهم كما هو معلوم. أدلة القول الثاني: ١- استدلوا بعموم قوله ﷺ في حديث عائشة الوارد عند الترمذي وغيره "السلطان ولي من لا ولي له" ٥.

стр. 44

قال أبو عيسى: حديث حسن، وصححه ابن حبان بإيراده في صحيحه كما صححه الحاكم. ووجه الاستشهاد أن الولي بعد الأولياء من النسب السلطان، فلم يجعل النبي ﷺ للأم ولاية وإنما جعلها إلى السلطان. ٢- تمنع الأم من ولاية مال طفلها قياساً على ولاية النكاح ١ فعلى هذا لا تقبض له الهبة. ٣- أن القبض إنما يكون من المتهب أو نائبه والولي نائب بالشرع فصح قبضه أما غيره فلا نيابة له ٢. الترجيح: الذي يظهر لي والله أعلم أنه ليس للأم أن تقبض لطفلها هبة ولا غيرها ولا يكون ذلك إلا لوليه من النسب أو لمن نصبه السلطان ولياً عليه في حال عدم وجود الولي من النسب أو عدم صلاحيته للولاية، لكن لو أن يتيماً أهمله السلطان ولم يجعله في ولاية رجل من المسلمين أو كان في بلد لا يحكم بالشريعة الإسلامية وبقي الطفل مع أمه وهو محتاج للمال فإنه لا مانع من أن تقبل له الأم الهبة لعدم من يقوم بذلك، وهذا ما رجحه الإمام ابن قدامة ٣ لأن هذا من الضرورات التي تباح معها المحظورات. وبهذا يتضح أن هنا فرقاً بين الأب والأم في قبول الهبة لطفلهما الصغير فالأب له أن يقبلها ما لم يكن غير صالح للولاية أما الأم فليس لها ذلك إلا عند عدم الولي أو عند عدم السلطان أو إهماله لشؤن اليتيم وعند حاجة الطفل إلى تلك الهبة والله أعلم.

стр. 45

المبحث الثاني: حكم رجوع الوالد في هبته لولده ورجوع الوالدة المطلب الأول: حكم رجوع الوالد في هبته لولده ... المبحث الثاني: حكم رجوع الوالد في هبته لولده ورجوع الوالدة وفيه مطلبان: المطلب الأول: حكم رجوع الوالد في هبته لولده اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: يجوز للأب أن يرجع فيما وهب لولده وعليه جمهور العلماء من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم ١. القول الثاني: لا يجوز للأب أن يرجع فيما وهب لولده قال به الأحناف وأحمد في رواية مرجوحة والثوري وغيرهم ٢. الأدلة: أدلة القول الأول: استدلوا بأدلة من المنقول والمعقول أذكر أهمها: ١- ما روى الشيخان من حديث النعمان بن بشير "أن أباه أتى به إلى رسول الله ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً قال: "أكل ولدك نحلت مثله"؟

стр. 46

قال: لا. قال: "فأرجعه" ولمسلم "فرد تلك العطية" ١. قال ابن قدامة: أمره بالرجوع في هبته وأقل أحوال الأمر الجواز وقد امتثل بشير بن سعد ذلك فرجع في هبته لولده ألا تراه قال في الحديث فرجع أبي فرد تلك الصدقة ٢. ٢- ما روى أصحاب السنن وابن حبان والحاكم وغيرهم من حديث ابن عمر وابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده.." ٣. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه ابن حبان بإيراده في صحيحه، وصححه الألباني٤ وهذا الحديث نص في محل النزاع يخصص الحديث الدال على النهي عن الرجوع في الهبة مطلقاً ٥. ٣-أن الأب لا يتهم في رجوعه لأنه لا يرجع إلا لضرورة أو لإصلاح الولد٦.

стр. 47

أدلة القول الثاني: استدلوا لقولهم بالسنة والأثر من ذلك: ١ - ما روى الشيخان من حديث ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "العائد في هبته كالعائد في قيئه" ١: فالحديث يدل بعمومه على عدم جواز الرجوع في الهبة مطلقاً ويدخل فيه الوالد إذا وهب ولده، ولكن قد تقدم أنه عارضه ما هو أخص منه فيقدم عليه ويخصصه. ٢- ما روى الدارقطني والحاكم والبيهقي من حديث الحسن عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها" ٢. قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري وسكت عنه الذهبي. وقال الدارقطني: انفرد به عبد الله بن جعفر. وقال البيهقي: لم نكتبه إلا بهذا الإسناد وليس بالقوي. وقال الزيلعي نقلاً عن ابن عبد الهادي: حديث منكر وهو من أنكر ما روي عن الحسن عن سمرة ٣. وقال الألباني: منكر ٤. ٣- ما روى مالك في الموطأ أن عمر بن الخطاب ﵁ قال من وهب هبة لصلة رحم أو على وجه صدقة فإنه لا يرجع فيها ومن وهب هبة يرى أنه إنما أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إذا لم يُرض منها ٥.

стр. 48

الترجيح: الذي يظهر لي بعد ما تقدم من الأدلة أن قول الجمهور بجواز رجوع الوالد في هبته لولده أصح لأن حديث أهل القول الثاني المتفق عليه عام قد خُصِص، والحديث الثاني من طريق الحسن منكر، والأثر عن عمر ﵁ يعارض الحديث؛ فيقدم الحديث عليه والله أعلم.

стр. 49

المطلب الثاني: حكم رجوع الوالدة في هبتها لولدها اختلف أهل العلم في حكم رجوع الوالدة في هبتها لولدها على أقوال ثلاثة: القول الأول: يجوز للأم أن ترجع في هبتها لولدها، هذا ما ذهب إليه الشافعية في المشهور وعدد من الحنابلة ١. القول الثاني: ليس للأم أن ترجع في هبتها لولدها، هذا ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة في المذهب وبعض الشافعية ٢. القول الثالث: يجوز للأم أن ترجع في هبتها لولدها بشرط أن يكون الولد كبيراً خرج عن حد اليتم أو صغيراً له أب وأن لا تريد بهبتها ثواب الآخرة هذا ما ذهب إليه المالكية ٣.

стр. 50

الأدلة: استدل أهل القول الأول بما يلي: ١- ما ورد في حديث النعمان بن بشير السابق من قوله ﷺ : "سووا بين أولادكم" قال ابن قدامة: ينبغي أن تتمكن من التسوية، والرجوع في الهبة طريق في التسوية وربما تعين طريقاً فيها إذا لم يمكن إعطاء الآخر مثل عطية الأول ولأنها لما ساوت الأب في تحريم تفضيل بعض ولدها ينبغي أن تساويه في التمكن من الرجوع. تخليصاً لها من الإثم وإزالة للتفضيل المحرم ١. ٢-عموم ما تقدم من قوله ﷺ "لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده" وقوله: "الوالد" يشمل الأب والأم. أدلة القول الثاني: ١- قال الإمام أحمد لما سئل عن حكم رجوع المرأة في هبتها لولدها: ليس هي عندي في هذا كالرجل لأن للأب أن يأخذ من مال ولده والأم لا تأخذ وذكر حديث عائشة "أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه" ٢. ٢- ما تقدم من قوله ﷺ "لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد ..." على أن المراد بالوالد هو الأب فقط ٣ فعلى هذا ليس للأم رجوع في هبتها لولدها.

стр. 51

٣- وللحنفية على وجه الخصوص ما تقدم من استدلالهم بالحديث الشاذ من طريق الحسن عن سمرة "إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها". أدلة القول الثالث: قول المالكية هذا مبني على أنه لا يجوز العود للمتصدق في صدقة التطوع فإذا وهبت الأم ولدها وكان لا أب له فإن كان صغيراً لم يخرج عن حد اليتم فتعد تلك الهبة كالصدقة فلا رجوع لها، وأما إن كان كبيراً خرج عن حد اليتم أو صغيراً له أب، فإن نوت بهبتها ثواب الآخرة فهي صدقة فلا رجوع لها، وإن لم تنو ثواب الآخرة فلها الرجوع لمشاركتها الأب في قرب الولادة ومباشرتها١. الترجيح: الذي يظهر لي والله أعلم أنه يجوز أن ترجع الأم في هبتها لولدها مطلقاً سواء كان صغيراً أو كبيراً كالأب لقوة أدلة القائلين بذلك. وعلى هذا يتضح أنه لا فرق بين الوالد والوالدة في جواز الرجوع في الهبة للولد والله أعلم.

стр. 52

المبحث الثالث: كيفية التسوية في العطايا والهبات بين البنين والبنات لا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية بين الأولاد في العطايا والهبات بل ذهب بعضهم إلى الوجوب كطاوس والثوري وأحمد وإسحاق، وجمهور أهل العلم على أن التسوية مستحبة لا واجبة ١. وليس المقصود هنا معرفة الراجح من هذين القولين؛ لأنه لا ينبني على ذلك فرق بين الذكور والإناث إذ أن من قال بوجوب التسوية قال: تجب بين الذكور، وتجب بين الإناث، وتجب بين الذكور والإناث، وكذا من قال بالاستحباب. لكن المقصود هنا هو بيان كيفية التسوية بين الأبناء والبنات خصوصاً، بغض النظر عن حكمها وجوباً أو استحباباً فأقول: اختلف أهل العلم في ذلك على قولين: القول الأول: التسوية بين الأبناء والبنات في الهبات تكون بأن لا يُفَضَّل ذكرٌ على أنثى بل تُعطى الأُنثى. مثل: ما يعطي الذكر، هذا ما ذهب إليه سفيان الثوري وابن المبارك وأبو يوسف من الحنفية والشافعي وأحمد في رواية أختارها ابن عقيل وأهل الظاهر وأصحاب مالك ٢. القوال الثاني: التسوية بين الأبناء والبنات تكون بالقسمة بينهم على حسب قسمة الله تعالى الميراث فَيُجْعل للذكر مثل حظ الأُنثيين؛ وبهذا قال عطاء وشريح

стр. 53

وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن، وبعض المالكية وبعض الشافعية ١. الأدلة: أدلة القول الأول: استدلوا لقولهم بالسنة والمعقول من ذلك: ١- ما تقدم من قوله ﷺ لبشير بن سعد عندما فضل بعض ولده: "أكل ولدك نحلت مثله" قال: لا. قال: "فارجعه". وفي رواية في الصحيحين قال ﷺ : "فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" ٢. ولمسلم قال ﷺ : "أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواءً؟ " قال: بلى. قال: "فلا إذاً" ٣. فأمره ﷺ بالعدل يقتضي التسوية ٤. وكذا تعليله ذلك بالبر فإن الذي يطلب من البنت من البر كالذي يطلب من الابن. فلما كان النبي ﷺ أراد من الأب لولده ما يريد من ولده له، وكان ما يريد من الأنثى من البر مثل ما يريد من الذكر كان ما أراد منه لهم من العطية للأنثى مثل ما أراد للذكر ٥. وأجيب عن الاستدلال بهذا الحديث بأنه قضية عين وحكاية حال لا عموم لها ولا يُعْلَم حال أولاد بشير هل كان فيهم أنثى أو لا؟. ولعل النبي

стр. 54

صلى الله عليه وسلم قد علم أنه ليس له إلا ولدٌ ذكر، ثم تُحمل التسوية على القسمة على كتاب الله١. قلت: أما قوله: "إنه قضية عين" فهذه دعوى ينفيها المخالف وليس قوله بأولى من قولهم. وقوله: "لا يعلم حال أولاد بشير هل كان فيهم أنثى؟ " ليس بقوى؛ لأنه لو كان الأمر يختلف بين الذكور والإناث لسأل النبي ﷺ عن ذلك كما سأله هل له ولد؟ بل إن سؤاله عن الولد يدل على أنه لا فرق بين الذكور والإناث ٢؛ لأن الولد يطلق على الذكر والأنثى. وقوله تحمل التسوية على قسمة الميراث فيه نظر؛ لأن معنى التسوية عدم التفضيل. ٢- ما روى البيهقي وغيره من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "سووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلاً أحداً لفضلت النساء" ٣. قال الحافظ ابن حجر: إسناده حسن ٤. وتعقبه الشيخ الألباني فحكم عليه بالضعف؛ لأن في سنده سعيد بن يوسف، قال عنه: متفق على ضعفه ٥. قلت: وممن صرح بتضعيفه ابن معين ومحمد بن عون والنسائي. وقال

стр. 55

أحمد ليس بشيء وقال أبو حاتم ليس بالمشهور ولم يوثقه إلا ابن حبان ١. وعلى هذا فالحديث لا يصلح للاستدلال: ٣- ولأنها عطية في الحياة فاستوى فيها الذكر والأنثى كالنفقة والكسوة٢. ٤- ولئلا يفضي بهم الأمر إلى العقوق والتحاسد ٣. أدلة القول الثاني: ١- القياس على قسمة الميراث "لأن العطية في الحياة أحدُ حالي العطية فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين كحالة الموت. يحققه أن العطية استعجال لما يكون بعد الموت فينبغي أن تكون على حسبه" ٤. ويمكن مناقشته من وجهين: أ- قياس الهبة على النفقة والكسوة أصح من قياسها على الميراث؛ لأن قياس ما قبل الموت على ما قبل الموت أولى من قياسه على ما بعد الموت وإلا لزم إذا كان له زوجات أن يسوي بينهن في الهبة ولا شك في عدم وجوبه. ب - أن الأخذ بظاهر الحديث أولى من مصادمته بقياس ضعيف. ٢- أن الذكر أحوج من الأُنثى من قبل أنهما إذا تزوجا جمعياً فالصداق والنفقة على الذكر ... فكان أولى بالتفضيل ٥. قلت: علل النبي ﷺ أمره بالتسوية بالبر، والبر لا يختلف فيه الذكر عن

стр. 56

الأُنثى فيجب التعليل بما علل به لا بما يلزم الذكر من المهر والنفقة، ثم لقائل أن يقول الأُنثى أضعف جسداً وأقل قدرة على جلب المال فتكون أولى بالتفضيل. الترجيح: مما تقدم يظهر أن قول الجمهور أقوى فتكون التسوية بين الأولاد ذكوراً وإناثاً متعينة بأن لا يُفضّل أحدٌ على أحد لما يلي: ١- لقوة ما استدلوا به. ٢- أنه ليس مع المخالفين إلا القياس على الإرث وهو قياس بعيد في مقابل النص، والله أعلم.

стр. 57

المبحث الرابع: حكم رجوع الزوج في هبته لزوجته ورجوعها في هبتها له إذا وهب الرجل زوجته هبة فإنه لا يجوز له أن يرجع في هبته لها هذا ما اتفق عليه أهل العلم، وعليه المذاهب الأربعة ١. ودليل هذا الاتفاق ثابت في السنة من ذلك: ١- ما تقدم من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: "لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده..." فالحديث نص على حرمة الرجوع في الهبة ولم يستثن إلا الوالد. ٢- ما تقدم من حديث ابن عمر وابن عباس ﵃ قال: قال رسول الله ﷺ : "العائد في هبته كالعائد في قيئه". وهذا التشبيه يدل على تحريم الرجوع في الهبة؛ لأن القيء حرام، فالمشبه به مثله ٢ وهو ذم عام يدخل فيه الزوج إذا وهب لزوجته ٣. أما حكم رجوع الزوجة في الهبة إذا وهبت زوجها ففيه خلافٌ لأهل العلم على أقوال ثلاثة: القول الأول: لا رجوع للزوجة إذا وهبت زوجها كما إذا وهبها، وعليه

стр. 58

الأحناف والمالكية والشافعية وأحمد في رواية. وقال به عمر بن عبد العزيز والنخعي وربيعة والثوري وأبو ثور وعطاء وقتادة ١. القول الثاني: يجوز للزوجة إذا وهبت زوجها شيئاً أن ترجع فيه مطلقاً، هذا القول رواية عن أحمد ٢. القول الثالث: إذا لم تطب نفسها بالهبة فلها الرجوع، هذا القول رواية عن أحمد مأخوذة من قوله: "إذا كان الزوج سألها الهبة فلها الرجوع رضيت، أو كرهت" قال ابن قدامة: فظاهر هذه الرواية أنه متى كانت مع الهبة قرينة من مسألته لها أو غضبه عليها أو ما يدل على خوفها منه فلها الرجوع؛ لأن شاهد الحال يدل على أنها لم تطب بها نفسها، وهو قول شريح وابن شبرمة والزهري، وكذا قال الزهري: لها الرجوع فيما إذا خدعها ٣. الأدلة: أدلة القول الأول: ١- قول الله ﵎: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ ٤. قال القرطبي: الخطاب يدل بعمومه على أن هبة المرأة صداقها لزوجها بكراً كانت أو ثيباً جائزة، وبه قال جمهور الفقهاء ٥.

стр. 59

٢- قوله تعالى: ﴿ِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ ١ أي: إلا أن تعفو المطلقة قبل الدخول عن النصف الذي يجب لها من صداقها، وهذا من قبيل الهبة ٢. ٣- عموم حديث ابن عمر وابن عباس السابق الذي شبه فيه العائد في هبته بالكلب وحديث ابن عباس المصرح بالنهي عن الرجوع في الهبة ٣. ٤- ما روى البخاري ومسلم من حديث عائشة ﵂ "أنه لما ثقل النبي ﷺ استأذن أزواجه أن يمرض في بيتها ٤". ساقه البخاري في باب هبة الرجل لامرأته والمرأة لزوجها. وقال ابن حجر: ووجه دخوله في الترجمة أن أزواج النبي ﷺ وهبن لها ما استحققن من الأيام ولم يكن لهن في ذلك رجوع أي فيما مضى وإن كان لهن الرجوع في المستقبل ٥. أدلة القول الثاني: ١- ما روى عبد الرزاق بإسناده عن عمر ﵁ قال: "كتب عمر بن الخطاب أن النساء يعطين رغبة ورهبة فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت" ٦. قال ابن حجر: إسناده منقطع ٧.

стр. 60

٢- ما روى عبد الرزاق في مصنفه عن الزهري قال: ما رأيت القضاة إلا يقيلون المرأة فيما وهبت لزوجها ولا يقيلون الزوج فيما وهب لامرأته ١. أدلة القول الثالث: ١- قوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ ٢. فإذا خدعها أو أجبرها فإنها لم تطب بها نفسها وإنما أباحه الله تعالى عند طيب نفسها ٣. ٢- ما روى الإمام أحمد وغيره من حديث أبي مرة الرقاشي عن عمه أن رسول الله ﷺ قال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه" ٤. صححه الألباني بالشواهد ٥. الترجيح: الذي يظهر لي والله أعلم أن القول الثالث أرجح الأقوال، فمتى وهبت المرأة زوجها هبة عن طيب نفس فلا رجوع. أما إذا لم تطب نفسها فلها الرجوع، ولعله لا فرق بين هذا القول وبين القول الأول، قول جمهور العلماء؛ لأنه وإن كان ينص القول الأول على أنه لا رجوع للزوجة في هبتها لزوجها إلا أني لم أجد من نصّ منهم على أنه لا رجوع لها حتى مع عدم طيب نفسها فلعل

стр. 61

قولهم مقيد بكون هبتها عن طيب نفس، وهذا عندي كالمتعين ومن أسباب ترجيح هذا القول ما يلي: ١- أن هذا القول يجمع بين الأدلة. ٢- أن القول بمنعها من الرجوع مطلقاً فيه ضرر عليها؛ لأنه من المعلوم أنها تعطي زوجها رغبة ورهبة، والآية نصت على طيب النفس. ٣- أن القول بأن لها الرجوع مع طيب نفسها يصادم النصوص أيضاً ويشق على الزوج فقد يكون تصرف في الهبة وذهبت من يده. وبهذا يتضح أنه لا يجوز للزوج أن يرجع في هبته لزوجته بخلاف الزوجة ففي رجوعها تفصيل والله أعلم.

стр. 62

المبحث الخامس: حكم الوصية إلى الرجل والمرأة لم يختلف أهل العلم في مشروعية الوصية وأنها تصح من الرجل والمرأة على حدٍ سواء بشروط سطّروها في مصنفاتهم. أما عن حكم الوصية إلى الرجل والمرأة فقد فرق بعض أهل العلم بينهما في ذلك. فأما بالنسبة للرجل فإن أحداً من أهل العلم لم يخالف في جواز الوصية إليه، بل أجمعوا على صحتها متى كان عاقلاً مسلماً حراً عدلاً. ودليله الإجماع كما حكاه صاحب المغني وغيره ١. وأما الوصية إلى المرأة: فذهب جماهير أهل العلم إلى صحتها وعليه الأئمة الأربعة وأتباعهم، وروي عن شريح والثوري والأوزاعي والحسن بن صالح وإسحاق وأبي ثور ٢. وذهب عطاء إلى عدم صحة الوصية إليها ٣. الأدلة: استدل أهل القول الأول بما يلي: ١- ما تقدم عند البيهقي في سننه أن عمر ﵁ "أوصى بالنظر في الوقف

стр. 63

الذي أوقف بخيبر إلى ابنته حفصة ثم إلى الأكابر من آل عمر" وإسناده صحيح. وهذا فعل من أمير المؤمنين ﵁ لم يعارض آية ولا حديثاً فيكون، سنة خاصة وأنه لم ينقل خلافه عن أحد من الصحابة. ٢- أن المرأة من أهل الشهادة فأشبهت الرجل ١. واستدل عطاء لما ذهب إليه بأن المرأة لا تكون قاضية فلا تكون وصية كالمجنون٢. وأجاب ابن قدامة عن هذا الاستدلال بأن القضاء يعتبر له الكمال في الخلقة والاجتهاد بخلاف الوصية ٣. الترجيح: وبناءً على ما تقدم يظهر لي أن الراجح قول الجمهور، وبهذا يتضح أنه لا فرق بين الرجل والمرأة في جواز الوصية إلى كل منهما إذا تحققت فيه باقي الشروط اللازمة للموصى إليه، والله أعلم.