← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9047

بحث في إجابة الدعوة

إبراهيم العبيد

Полный текст (59 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بحث في إجابة الدعوة إعداد: د. إبراهيم بن علي بن عبيد العبيد أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية الجامعة الإسلامية - المدينة النبوية ال مقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٣. أما بعد: فإن الدعوات في هذا العصر قد كثرت وأصبح الكثير لا يدري ما يأتي منها وما يذر سواء كانت لعرس أو إملاك أو عقيقة أو حضور ضيف أو غير ذلك. وأصبح البعض الآخر في حرج من عدم الإجابة فأحببت أن أدلي بدلوي في هذا الباب ببحث هذه المسألة بجمع أدلتها مع تخريجها والحكم عليها وبيان

стр. 2

أقوال أهل العلم فيها ومناقشتها وبيان الراجح منها حسب مايظهر لي١ وسميته: (إجابة الدعوة) وجعلته في مقدمة ومبحثين: المبحث الأول: حكم إجابة الدعوة. المبحث الثاني: الأكل لمن دعي إذا حضر. وخاتمة تشتمل على أهم النتائج في هذا البحث. هذا وقد بذلت جهدي في إخراج هذا البحث فما كان فيه من صواب فمن توفيق الله وما كان فيه من خطأ فأسأل الله العفو والتوفيق للصواب. والله أسأل أن ينفع به وأن يعظم به الأجر إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. -كتبه -إبراهيم بن علي عبيد العبيد -المدينة النبوية -في ١/١/١٤١٧?

стр. 3

المبحث الأول: حكم إجابة الدعوة عند تأمل الأحاديث الواردة في هذه المسألة نجد أن هدي النبي ﷺ إجابة الدعوة إذا دعي إليها حتى لو دعي إلى كراع كما ثبت ذلك عنه ﷺ وقد تعددت الأحاديث القولية والفعلية في ذلك واختلفت دلالتها فبعضها ظاهر في الوجوب مطلقاً، وبعضها ظاهر في الوجوب في وليمة العرس، وبعضها ظاهر في السنية ولهذا اختلفت مذاهب أهل العلم في ذلك على أقوال هي: القول الأول: وجوب إجابة الدعوة مطلقاً سواء كانت عرساً أو غيره وممن قال بهذا: بعض الشافعية وأهل الظاهر وعبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة والشوكاني وابن حزم، وقال: إن هذا قول جمهور الصحابة والتابعين١. لكن تعقبه العراقي٢ فقال: وادعى ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين وفي ذلك نظر. وقال الحافظ ابن حجر٣: وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين ويعكر عليه مانقلناه عن عثمان بن أبي العاص وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان: "لم يكن يدعى لها" لكن يمكن الانفصال عنه بأن ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دعوا ...

стр. 4

أدلة هذا القول: ١- حديث أبي هريرة ﵁ قال: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله ﷺ ". أخرجه البخاري١، ومسلم٢، وأبو داود٣، والنسائي٤، وابن ماجه٥، وفي لفظ لمسلم مرفوعاً جميعه٦.

стр. 5

وفي الباب عن ابن عمر١، وابن عباس٢ ﵃. ووجه الدلالة منه أن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب والوليمة تشمل العرس وغيره٣. ٢- حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها". أخرجه البخاري٤، ومسلم٥، وأبو داود٦، والنسائي٧. وفي لفظ متفق عليه "أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها". قال: وكان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغير العرس ويأتيها وهو صائم". وفي لفظ لمسلم وأبي داود "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه".

стр. 6

وله ألفاظ أخر١. ووجه الدلالة منه أن النبي ﷺ أمر بإجابة الوليمة والدعوة والأصل في الأمر الوجوب إلا أن يصرفه صارف، وقالوا إن الوليمة والدعوة تشمل العرس وغيره ويؤيد هذا رواية مسلم وغيره "عرساً كان أو نحوه" وأن عبد الله بن عمر وهو راوي الحديث كان يأتي الدعوة في العرس وهو صائم٢. وفي لفظ لأبي داود٣، وابن عدي٤، والبيهقي٥ قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 7

"من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله ومن دخل على غير دعوة دخل سارقاً وخرج مغيراً". وفي هذا اللفظ قال: "من دعي فلم يجب" ولم يخصها بالوليمة. وفي لفظ لأبي يعلي١ "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله". ووجه الدلالة أنه سمى من لم يجب الدعوة عاصياً لله ولرسوله. قال ابن حزم٢: فإن قيل قد جاء في بعض الآثار "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" قلنا نعم لكن الآثار التي أوردنا فيها زيادة غير العرس مع العرس وزيادة العدل لايحل تركها. ٣- حديث البراء بن عازب ﵁ قال: "أمرنا النبي ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بإتباع الجنائز، وعيادة المريض، وإجابة الداعي، ونصرة المظلوم، وإبرار القسم، ورد السلام، وتشميت العاطس، ونهانا عن آنية الفضة، وخاتم الذهب، والحرير، والديباح، والقسى، والإستبرق".

стр. 8

أخرجه البخاري١، ومسلم٢، والترمذي٣، والنسائي٤. وفي الباب عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فكوا العاني، وأجيبوا الداعي وعودوا المريض" أخرجه البخاري٥. ووجه الدلالة منهما أن النبي ﷺ أمر بإجابة الداعي مطلقاً والأصل في الأمر الوجوب. ٤- عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس". أخرجه البخاري٦، ومسلم٧، وأبو داود٨، وابن ماجه٩. وفي لفظ لمسلم أيضاً، ولفظ أبي داود "خمس تجب للمسلم على أخيه".

стр. 9

وفي الباب عن علي١، وأبي مسعود٢، وأبي

стр. 10

أيوب١ ﵃. ووجه الدلالة أن المراد بالحق الوجوب بدليل رواية مسلم وأبي داود. قال الحافظ٢: "وقد تبين أن معنى الحق هنا الوجوب خلافاً لقول ابن بطال المراد حق الحرمة والصحبة والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية".ا? وحديث أبي أيوب نص في الوجوب لو صح لكنه ضعيف. ٥- حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "من دعاكم فأجيبوه". أخرجه الطبراني في الكبير٣. ووجه الدلالة ظاهرة كالدليل الثاني. ٦- حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين".

стр. 11

أخرجه أحمد١، وابن أبي شيبة٢، والبخاري في الأدب المفرد٣، والبزار٤، والطحاوي٥، وابن حبان٦، والطبراني٧. ووجه الدلالة منه ظاهرة كالدليل الثاني. ٧- حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك". أخرجه مسلم٨، وأبو داود٩، والنسائي١٠.

стр. 12

وأخرجه ابن ماجه١ وزاد "وهو صائم" وفي الباب عن أبي هريرة٢، وابن مسعود٣. ووجه الدلالة أن هذا أمر والأصل في الأمر الوجوب.

стр. 13

٨- عن عكرمة بن عمار سمعت أبا غادية اليمامي قال: "أتيت المدينة فجاء رسول كثير بن الصلت فدعاهم فما قام إلا أبو هريرة وخمسة منهم أنا فذهبوا فأكلوا ثم جاء أبو هريرة ثم قال: والله يا أهل المسجد إنكم لعصاة لأبي القاسم ﷺ ". أخرجه أحمد١. ووجه الدلالة ظاهرة حيث سمى من لم يجب عاصياً. ٩- حديث عياض بن أشرس السلمي قال: رأيت يعلي بن مرة دعوته إلى مأدبة فقعد صائماً فجعل الناس يأكلون ولا يطعم فقلت له: والله لو علمنا أنك صائم ما عتبناك قال: لا تقولوا ذلك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أجب أخاك فإنك منه على اثنتين إما خير فأحق ما شهدته، وإما غيره فتنهاه عنه وتأمره بالخير". أخرجه الطبراني في الكبير٢. ووجه الدلالة منه أن النبي ﷺ أمر بإجابة الدعوة. قال الشوكاني٣: "والظاهر الوجوب للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها من الوجوب ولجعل الذي لم يجب عاصياً وهذا في وليمة النكاح في غاية الظهور وأما في غيرها من الولائم الآتية فإن صدق عليها اسم الوليمة شرعاً كما سلف في أول الباب كانت الإجابة إليها واجبة ... ". وقال أيضاً: ولكن الحق ما ذهب إليه الأولون يعني القول بالوجوب.

стр. 14

القول الثاني: أن إجابة الدعوة سنة مطلقاً في العرس وغيره وممن قال بهذا القول: بعض الشافعية والحنابلة وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب١ وابن عبد البر٢. أدلة هذا القول: استدل أصحاب هذا القول بعموم أدلة أصحاب القول الأول وأنها تدل على السنية واستدلوا أيضاً بأن النبي ﷺ كان هدْيُهُ إجابة الدعوة كما ورد في أحاديث كثيرة منها: ١- حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لو دعيت إلى كُراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ كراع لقبلت". أخرجه البخاري٣، والنسائي٤، ولفظه "لو دعيت إلى كراع أو إلى ذراع ولو أهدي إلىَّ ذراع أو كراع لقبلت " وفي الباب عن أنس٥

стр. 15

وابن عباس١ ﵃. ٢- حديث سهل بن سعد ﵁ قال: "دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله ﷺ في عرسه وكانت امرأته يومئذ خادمهم، وهى العروس، قال سهل: تدرون ما سقت رسول الله ﷺ أنقعت له تمرات من الليل فلما أكل سقته إياه". أخرجه البخاري٢، ومسلم٣، وفي الباب عن أنس٤، وأبي

стр. 16

طلحة١ ﵄. ٣- حديث أنس ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ يعود المريض ويشهد الجنازة ويركب الحمار ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف٢ ليف". أخرجه الترمذي٣، وابن ماجه٤، وابن سعد٥، وابن أبي شيبة٦، وابن أبي الدنيا٧، وأبو الشيخ٨، والبيهقي٩.

стр. 17

٤- حديث أنس ﵁ قال: "كان النبي ﷺ يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب ولقد كان له درع عند يهودي فما وجد ما يفكها حتى مات". أخرجه الترمذي في الشمائل١، وأبو يعلي٢، وأبو الشيخ٣. وفي الباب عن ابن عباس٤ ﵄. ووجه الدلالة من هذه الأحاديث أن هدي النبي ﷺ هو إجابة الدعوة وهذا فعل وهو يدل على السنية. القول الثالث: التفصيل وهو أن إجابة الدعوة تجب في العرس دون غيره. وممن قال بهذا: مالك والثوري والشافعي والخطابي والعنبري والحنفية

стр. 18

وجمهور الحنابلة وجمهور الشافعية وهو المشهور عنهم وبالغ السرخسي منهم فنقل الإجماع١ وهو قول الجمهور. ونقل القاضي عياض وغيره الاتفاق على وجوب الإجابة في وليمة العرس٢. لكن اعترض على هذا النقل الحافظ ابن حجر٣ فقال: "وقد نقل ابن عبد البر ثم عياض ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة إلى وليمة العرس وفيه نظر نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب وصرح جمهور الشافعية والحنابلة أنها فرض عين ونص عليه مالك وعن بعض الشافعية والحنابلة أنها مستحبة وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب ... ". أدلة هذا القول: ١- عموم أحاديث الباب وأنها تدل على السنية إلا ما نص عليه وهو وليمة العرس. ٢- حديث أبي هريرة ﵁ قال: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله"٤. ووجه الدلالة منه أن هذا الحديث يدل على وجوب إجابة وليمة العرس دون غيرها لأن الوليمة المراد بها وليمة العرس إذا أطلقت دون غيرها وهذا الدليل هو الذي خصص دعوة وليمة العرس بالوجوب دون غيرها من الدعوات فتبقى على السنية٥.

стр. 19

٣- حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها". وفي لفظ "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله"١. ووجه الدلالة أن المراد بالوليمة هي وليمة العرس كما تقدم وما ورد في بعض ألفاظه "الدعوة" فالألف واللام للعهد والمراد بها وليمة العرس٢. ٤- حديث أبي هريرة ﵁ قال: "الوليمة حق وسنة فمن دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله والخُرس والإعذار والتوكير أنت فيه بالخيار". قال قلت: إني والله لا أدري ما الخرس والإعذار والتوكير؟ قال: الخرس الولادة والإعذار الختان، والتوكير الرجل يبني الدار وينزل في القوم فيجعل الطعام فيدعوهم فهم بالخيار إن شاؤا جاؤا، وإن شاؤا قعدوا". أخرجه الطبراني في الأوسط٣. ووجه الدلالة منه أنه فرق بين دعوة الوليمة وغيرها وسمى من لم يجب في الوليمة عاصياً أما غيرها فهو بالخيار.

стр. 20

القول الرابع: أن إجابة وليمة العرس فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين. وممن قال بهذا: بعض الشافعية والحنابلة١. أدلة هذا القول: عموم الأدلة السابقة وقالوا إن الإجابة إكرام وموالاة فهي كرد السلام٢. القول الخامس: أن إجابة الدعوة تسن في العرس وتباح في غيره، حكاه العراقي عن بعض الحنابلة٣. المناقشة: بعد استعراض الأقوال في هذه المسألة اتضح أن الأقوال فيها خمسة المشهور منها ثلاثة: الوجوب والسنية والتفصيل وإن كان كل قول منها لا يسلم من اعتراض لكن قد يكون الاعتراض له حظ من النظر وقد لا يكون له حظ من النظر وفي هذا المبحث أود أن أورد فيه الاعتراضات الواردة على أدلة كل قول ومناقشتها قدر الإمكان مع ذكر أقوال أهل العلم في ذلك فأقول: مناقشة أدلة أصحاب القول الأول: نوقشت أدلة أصحاب القول الأول.

стр. 21

أما الدليل الأول وهو حديث أبي هريرة فاعترض عليه من وجهين: الأول: بأن المراد به وليمة العرس وذلك لأن الوليمة إذا أطلقت فالمراد بها وليمة العرس. قال الحافظ ابن حجر١: عقب تبويب البخاري "باب حق إجابة الوليمة والدعوة": كذا عطف الدعوة على الوليمة فأشار بذلك إلى أن الوليمة مختصة بطعام العرس ويكون عطف الدعوة عليها من العام بعد الخاص وقد تقدم بيان الاختلاف في وقته. وأما اختصاص اسم الوليمة به فهو قول أهل اللغة فيما نقله عنهم ابن عبد البر٢ وهو المنقول عن الخليل بن أحمد وثعلب وغيرهما وجزم به الجوهري٣ وابن الأثير٤ وقال صاحب المحكم: الوليمة طعام العرس والإملاك، وقيل كل طعام صنع لعرس وغيره. وقال عياض في المشارق: الوليمة طعام النكاح وقيل: الإملاك وقيل: طعام العرس خاصة. وقال الشافعي وأصحابه: تقع الوليمة على كل دعوة تتخذ لسرور حادث من نكاح أو ختان أو غيرهما، لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق في النكاح وتقيد في غيره فيقال: وليمة الختان ونحو ذلك. وقال الأزهري٥: الوليمة مأخوذة من الوَلم الجمع وزناً ومعنى لأن الزوجين يجتمعان. وقال ابن الأعرابي: أصلها من تتم الشيء واجتماعه.

стр. 22

وجزم الماوردي ثم القرطبي بأنها لا تطلق في غير طعام العرس إلا بقرينة وأما الدعوة فهي أعم من الوليمة ... ا?. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية١: الوليمة تختص بطعام العرس في مقتضى كلام أحمد في رواية المروذي. وقيل: تطلق على كل طعام لسرور حادث وقاله القاضي في الجامع وقيل: تطلق على ذلك إلا أنه في العرس أظهر. وقال العراقي٢: اختلف العلماء وأهل اللغة في الوليمة والمشهور اختصاصها بطعام العرس ... ثم ساق نحو كلام الحافظ السابق. وقال في القاموس٣: الوليمة طعام العرس أو كل طعام صنع لدعوة وغيرها وأَوْلَم صنعها. قال ابن رسلان٤: وقول أهل اللغة أقوى لأنهم أهل اللسان وهم أعرف بموضوعات اللغة وأعلم بلسان العرب. وقال الشوكاني٥: عقب دلالة هذا الحديث: "والظاهر الوجوب للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها عن الوجوب ولجعل الذي لم يجب عاصياً وهذا في النكاح في غاية الظهور وأما في غيرها من الولائم الآتية فإن صدق عليها اسم الوليمة شرعاً كما سلف في أول الباب كانت الإجابة إليها واجبة". وقال أيضاً٦: ويمكن أن يقال: الوليمة في اللغة وليمة العرس فقط وفي الشرع للولائم المشروعة. ا?.

стр. 23

وبعد إيراد هذه النقول يظهر لنا أن المشهور عند أهل اللغة وغيرهم أن الوليمة لا تطلق إلا على وليمة العرس فقط وعلى هذا لا يكون في الحديث دلالة على الوجوب إلا في وليمة العرس فقط. قال الطحاوي١: فتأملنا هذا الحديث - يعني حديث أبي هريرة - لنقف على معناه الذي أريد به إن شاء الله فوجدنا الطعام المقصود بما ذكر إليه فيه هو الوليمة وكانت صنفاً من الأطعمة لأن في الأطعمة أصنافاً سواها نحن ذاكروها في هذا الباب إن شاء الله وهو ما سمعت أحمد بن أبي عمران يقول: كانت العرب تسمى الطعام الذي يطعمه الرجل إذا ولد له مولود طعام الخرس وتسمى طعام الختان طعام الأعذار. يقولون: قد أعذر على ولده. وإذا بنى الرجل داراً أو اشتراها فأطعم قيل طعام الوكيرة أي من الوكر. وإذا قدم من سفر فأطعم قيل طعام النقيعة. قال: وأنشد أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي: إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ... ضرب القدار نقيعة القدام قال: والقدار الجزار والقدام القادمون يقال قادم وقدّام كما يقال كاتب وكتاب. وطعام المأتم يقال له طعام الهضيمة قال لنا ابن أبي عمران: وأنشدني الحسن بن عمرو الوائلي لأم حكيم بنت عبد المطلب لأبيها: كفى قومه نائبات الخطوب ... في آخر الدهر والأول طعام الهضائم والمأدبات ... وحمل عن الغارم المثقل وطعام الدعوة: طعام المأدبة قال لي ابن أبي عمران: وما سمعت طعام الهضيمة من أصحابنا البغداديين وإنما سمعته بالبصرة من أهل اللغة بها. قال أبو جعفر: وطعام الوليمة خلاف هذه الأطعمة وفي قصد رسول الله

стр. 24

صلى الله عليه وسلم بالكلام الذي قصد به إليه فيه ما قد دل أنه حكمه في الدعاء إليه خلاف غيره من الأطعمة المدعى إليها ولولا ذلك لاكتفى بذكر الطعام ولم يقصد إلى اسم من أسمائه فيذكره به ويدع ما سواه من أسمائه فلا يذكرها. فنظرنا في المعنى الذي به حكم ذلك الطعام من حكم ما سواه من الأطعمة فوجدنا أبا أمية وإبراهيم بن أبي داود قد حدثانا قالا: ... ثم ذكر حديث "لابد للعرس من وليمة" وقال: فكان في هذا الحديث إخبار رسول الله ﷺ أنه لابد للعرس من وليمة ثم ذكر حديث عبد الرحمن بن عوف "أولم ولو بشاة" وقال: فكان هذا الحديث أيضاً أمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف لما تزوج أن يولم ثم ذكر حديث "الوليمة حق والثاني معروف والثالث رياء وسمعة". وقال: فكان في هذا الحديث إخبار رسول الله ﷺ أن الوليمة حق وفرّق بين حكمها في الأيام الثلاثة فجعلها في أول يوم محموداً عليها أهلها لأنهم فعلوا حقاً. وجعلها في اليوم الثاني معروفاً لأنه قد يصل إليها في اليوم الثاني من عسى أن لا يكون وصل إليها في اليوم الأول ممن في وصله إليها من الثواب لأهلها مالهم في ذلك. وجعلها في اليوم الثالث بخلاف ذلك لأنه جعلها رياء وسمعة وكان معلوماً أن من دعي إلى الحق فعليه أن يجيب إليه وأن من دعي إلى معروف فله أن يجيب إليه وليس عليه أن يجيب إليه وأن من دعي إلى الرياء والسمعة فعليه أن لا يجيب إليه. وفي ذلك ما قد دل على أن من الأطعمة التي يدعى إليها ما للمدعو إليه أن لا يأتيه وأن منها ما على المدعو إليه أن يأتيه. ا?. وأما قوله في آخر الحديث: "ومن ترك الدعوة" فقال الحافظ ابن حجر١: والذي يظهر أن اللام في الدعوة للعهد من الوليمة المذكورة أولاً. وقد تقدم أن الوليمة إذا أطلقت حملت على طعام العرس بخلاف سائر الولائم فإنها تقيد. ا?.

стр. 25

الوجه الثاني: ما حكاه ابن عبد البر١ بعد قوله ﷺ : "ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله" قال على أنه يحتمل والله أعلم من لم ير إتيان الدعوة فقد عصى الله ورسوله وهذا أحسن وجه حمل عليه هذا الحديث إن شاء الله. ا?. وفي هذا نظر لأن النبي ﷺ علق العصيان على عدم الإتيان لا على الاعتقاد والأصل حمل اللفظ على حقيقته إلا بقرينة تدل على أن هذا الظاهر غير مراد٢.

стр. 26

وأما الدليل الثاني وهو حديث ابن عمر ﵄، فإنه نوقش من وجهين هما: الأول: أن يقال إن قوله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" المراد به وليمة العرس كما تقدم بيان ذلك في الجواب عن حديث أبي هريرة. وأما رواية "أجيبوا هذه الدعوة" فقال الحافظ ابن حجر١: وهذه اللام يحتمل أن تكون للعهد والمراد وليمة العرس ويؤيده رواية ابن عمر الأخرى "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" وقد تقرر أن الحديث الواحد إذا تعددت ألفاظه وأمكن حمل بعضها على بعض تعين ذلك، ويحتمل أن تكون اللام للعموم وهو الذي فهمه راوي الحديث فكان يأتي الدعوة للعرس ولغيره"ا?. وأما رواية أبي داود وابن عدي والبيهقي "من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله ... " فإنها تدل على العموم وعدم التخصيص بالعرس لكنها ضعيفة كما تقدم بيان ذلك٢. لكنه ورد عند أبي يعلي وصححه الحافظ٣ بلفظ "إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله". فجعل العصيان مقيداً بمن لم يجب دعوة الوليمة لا كل دعوة. وأما رواية "عرساً كان أو نحوه" فإنها تدل على عدم التخصيص بوليمة العرس لأنه قال أو نحوه لكن يمكن أن يجاب عنه: بأن يقال هذه الرواية تدل على أنه لا يجب إجابة كل دعوة وذلك لأن الحديث أمر بإجابة دعوة العرس ونحوه فما المراد بهذا النحو؟ فهل المراد به نحوه من حيث الكبر أو غير ذلك؟ إلا أن يقال بينه فهم ابن عمر وأنه كان يأتي في

стр. 27

العرس وغير العرس لكن هذا لا يدل على الوجوب أيضاً لأن تطبيق ابن عمر للإتيان إنما هو لكونه مأموراً بهذا ولو كان على سبيل الاستحباب، لما عُرف عنه من شدة تحريه للسنة وقد يكون أخذ إتيان وليمة العرس من هذا الحديث وغير وليمة العرس من أحاديث أُخر كحديث البراء وغيره ففعله لا يدل على وجوب الجميع والله أعلم. وقال الطحاوي١: قد يحتمل أن يكون ذلك من كلام النبي ﷺ وقد يحتمل أن يكون من كلام رواة هذين الخبرين. وقد روى حديث ابن عمر هذا جماعة عن نافع بغير ذكر هذا المعنى الذي هو خلاف العرس ثم ساقه من طريق عمر بن محمد العمري عن نافع بلفظ "إذا دعيتم فأجيبوا". ومن طريق موسي بن عقبة عن نافع بلفظ "أجيبوا الدعوة إذا دعيتم لها". ومن طريق أيوب السختياني عن نافع بلفظ "ائتوا الدعوة إذا دعيتم". ثم قال: فاحتمل أن تكون تلك الدعوة المرادة في هذه الآثار هي الدعوة المذكورة في الآثار الأول فتتفق هذه الآثار ولا تختلف فنظرنا هل رُوي شيء يدل على أنها تلك الدعوة كما ذكرنا؟ فوجدنا يونس قد حدثنا قال أنبأنا ابن وهب أن مالكاً أخبره عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها" فبين هذا الحديث أن الذي يجب إتيانه من الأطعمة التي يدعى إليها في أحاديث ابن عمر هى هذه الوليمة ... "ا?. تنبيه: قال ابن عبد البر٢: قد رواه معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر فقال فيه "عرساً كان أو غيره" ذكره عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أيوب عن

стр. 28

نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "إذا دعا أحدكم أخاه فليجبه عرساً كان أو غيره" وذكر أبو داود قال: حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا عبد الرزاق بإسناده مثله وقال: "عرساً كان أو دعوة" قال أبو داود: وكذلك رواه الزبيدي عن نافع مثل حديث معمر عن أيوب ومعناه سواء ... "ا?. ففي هذه الرواية التي ذكرها ابن عبد البر وعزاها لأبي داود وكذا لعبد الرزاق يبطل التأويل السابق لقوله ﷺ : "عرساً كان أو نحوه" فإن رواية أبي داود وعبد الرزاق تدل على العموم في العرس وغيره إلا أن هذه الرواية التي ذكرها ابن عبد البر وعزاها لأبي داود وعبد الرزاق لم أجدها عندهما بهذا اللفظ بل عندهما١ بلفظ "عرساً كان أو نحوه" من نفس الطريق التي ذكرها ابن عبد البر فليتأمل ذلك لعله في نسخ أخرى غير هذه أو تكون تصحيفاً، إلا أن يقال لو صحت حملت على حديث البراء وغيره لأنه لم يرتب العصيان على من لم يجب في هذه الرواية والله أعلم. الوجه الثاني: حمل المطلق على المقيد وذلك أنه ورد في بعض روايات هذا الحديث إطلاق الوليمة وفي بعضها قال "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجيب" كما عند مسلم وغيره. قال النووي٢ عقب هذه الرواية: قد يحتج به من يخصص وجوب الإجابة بوليمة العرس ويتعلق الآخرون بالروايات المطلقة ولقوله ﷺ في الرواية التي بعد هذه "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه" ويحملون هذا على الغالب أو نحوه من التأويل.

стр. 29

وقال العراقي١: ويدل على عدم الوجوب في غير وليمة العرس التقييد في بعض الروايات بقوله "وليمة عرس" وقد تقدم ذكرها فيحمل المطلق على المقيد. وقد تعقب الشوكاني٢ هذا الوجه فقال: لا يقال ينبغي حمل مطلق الوليمة على الوليمة المقيدة بالعرس كما وقع في رواية حديث ابن عمر المذكورة بلفظ "إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب" لأنا نقول ذلك غير ناتج للتقييد لما وقع في الرواية المتعقبة لهذه الرواية بلفظ "من دعي إلى عرس أو نحوه" وأيضاً قوله: "من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" يدل على وجوب الإجابة إلى غير وليمة العرس. ا?. لكن تقدم أن رواية "من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله" هذه مقيد بالوليمة كما في الصحيحين. أما رواية أبي داود المطلقة فإنها ضعيفة. وأما رواية "إلى عرس أو نحوه" فتقدم الجواب عنها وأنها لا تدل على وجوب كل دعوة، والله أعلم. وأما الدليل الثالث حديث البراء: فقال ابن عبد البر٣: قال البراء: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع فذكر منها إجابة الداعي وذكر منها أشياء منها ما هو فرض على الكفاية ومنها ما هو واجب وجوب سنة فكذلك إجابة الدعوة والله نسأل العصمة. وأما الدليل الرابع حديث أبي هريرة: هذا الحديث لفظ الصحيحين "حق" لكن عند مسلم في لفظ "خمس

стр. 30

تجب" وهذا اللفظ ظاهره الوجوب إلا أن الحافظ حمله١ على وجوب الكفاية فقال: وقد تبين أن معنى الحق هنا الوجوب خلافاً لقول ابن بطال: المراد حق الحرمة والصحبة والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية. ا?. ولعله أخذ هذا مما قرن معه من عيادة المريض واتباع الجنائز ورد السلام وتشميت العاطس مع ما في دلالة الاقتران من الكلام عند الأصوليين. وقال الطحاوي٢: عقب هذا الحديث: فقد تحتمل أيضاً أن يكون الحق الواجب في إجابة الدعوة يراد به الدعوة التي هي وليمة لا ما سواها فلم يبين لنا في شيء مما روينا وجوب إتيانه من الطعام المدعى إليه غير طعام الوليمة التي هي الأعراس والله سبحانه نسأله التوفيق. وقال أيضاً٣ في الجواب عن حديث أبي أيوب: فقال قائل ففي هذا الحديث من كلام أبي أيوب ما قد دل على أن الدعوة التي من حق المسلم على أخيه إجابته إليها هو مثل ما دعا إليه فأجاب إليه. فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنه قد يحتمل أن يكون ذلك كما قد ذكر ويكون الأحسن بالناس إذا دعوا إلى مثله أن لا يتخلفوا عنه ويكون حضور بعضهم إياه مسقطاً لما على غيرهم منه ويكون من الأشياء التي يحملها العامة على الخاصة كحضور الجنائز وكدفن الموتى. ويحتمل أن يكون ذلك على ما يجب أن يكون الناس عليه في أسفارهم مع إخوانهم من الزيادة في مواصلتهم والانبساط إليهم والجود عليهم أكثر مما يكونون لهم عليه في خلاف السفر فيكون ما كان من أبي أيوب لذلك والذي كان منه فلم يذكره عن النبي ﷺ وإنما ذكر عن النبي ﷺ ما سوى ذلك مما في هذا الحديث.

стр. 31

وقد يحتمل أن يكون النبي ﷺ أراد بما في هذا الحديث من إجابة الدعوة الوليمة التي ذكرنا لا ما سواها. ا?. وأما الدليل الخامس حديث أبي أمامة والدليل الثامن حديث أبي هريرة والدليل التاسع حديث يعلي بن مرة فإنها ضعيفة وتقدم بيان ضعفها. أما الدليل السادس حديث ابن مسعود فيجاب عنه بمثل ما أجيب عن الدليل الثالث والرابع حديث البراء وأبي هريرة ﵄. وقال الطحاوي١: في الجواب عن حديث ابن مسعود: ففي هذا الحديث الأمر بإجابة الداعي وبقبول الهدية والمنع من ردها فقد يحتمل أن تكون هذه الإجابة وهذا الممنوع من رده من جنس واحد ويكون المدعى إليه هو خلاف الوليمة وقد يحتمل أن يكون كل واحد منهما جنساً غير الجنس الآخر فيكون المدعى إليه هو الوليمة الواجب إتيانها والهدية بخلافها. ا?. وأما الدليل السابع حديث جابر فيجاب عنه بمثل ما أجيب عن الدليل الثالث والرابع حديث البراء وأبي هريرة. وقال الطحاوي٢ أيضاً في الجواب عن هذا الحديث: فكان ذلك محتملاً أن يكون أريد به الطعام المذكور في الآثار الأول٣ لا ما سواه منها. وقد يجاب عن هذه الأدلة كلها عدا الدليل الأول والثاني بأن المراد بها إما وليمة العرس كما أشار إليه الطحاوي، وإما أنها محمولة على الاستحباب والصارف لها عن الوجوب هو حديث أبي هريرة وابن عمر في رواية أبي يعلي حيث رتب العصيان على من لم يجب الوليمة فهذا يدل على أن غير الوليمة لها حكم آخر غير الوجوب وهو الندب وسيأتي مزيد بحث في ذلك عند مناقشة أصحاب القول الثالث إن شاء الله تعالى.

стр. 32

مناقشة أدلة أصحاب القول الثاني: أدلة أصحاب هذا القول لا تخلو عن ثلاثة أحوال: الأول: بعضها ظاهر الدلالة على السنية مثل الدليل الأول والثاني والثالث والرابع مع ضعف في الثالث والرابع. والثاني: بعضها ظاهر الدلالة على الوجوب وذلك في مثل حديث أبي هريرة وابن عمر حيث أطلق العصيان على من لم يجب الدعوة والعصيان يكون بترك الواجب أو فعل المحرم وهذا ظاهر في وليمة العرس محتمل في غيرها. الثالث: بعضها محتملة للوجوب والسنية وذلك بحسب القرائن وهذا في مثل الأحاديث التي فيها الأمر بإجابة الدعوة كحديث البراء وغيره. فعلى هذا هذه الأدلة لا تسلم دلالتها على السنية مطلقاً لأن فيها أدلة تدل على الوجوب كما تقدم. مناقشة أصحاب القول الثالث: هذا القول وسط بين القولين السابقين الوجوب مطلقاً والسنية مطلقاً والأدلة التي استدلوا بها ظاهرة الدلالة على هذا القول بالجملة إلا أنه قد ينازع في بعضها وهي التي فيها الأمر بإجابة الدعوة مطلقاً من غير تقييد بالوليمة إذ الأصل في الأمر الوجوب إلا أن يصرفه صارف إلا أن يقال إن الصارف لهذه الأدلة عن الوجوب - غير وليمة العرس - هو: ١- ما أخرجه مسلم١ والنسائي٢ من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ﵁ أن جاراً لرسول الله ﷺ فارسياً كان طيب المرق فصنع لرسول الله ﷺ ثم جاء يدعوه فقال: "وهذه؟ " لعائشة، فقال: "لا"، فقال رسول الله ﷺ : "لا" فعاد

стр. 33

يدعوه فقال رسول الله ﷺ : "وهذه؟ " فقال: "لا" قال رسول الله ﷺ : "لا" ثم عاد يدعوه فقال رسول الله ﷺ : "وهذه؟ " قال: نعم في الثالثة فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله". ووجه الدلالة هو أن النبي ﷺ لما دعاه قال: "لا" لما لم يوافق على مجيء عائشة ﵂ معه ولو كان الأمر في الدعوة للوجوب لما قال لا وهذه الدعوة ظاهرها أنها ليست دعوة عرس فهذا قد يستأنس به على أنه مخصص لدعوة غير العرس فتحمل على الاستحباب. ٢- حديث أبي هريرة ﵁: "شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله". وحديث ابن عمر ﵄ رواية أبي يعلي "إذا دعا أحدكم إلى وليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله". ووجه ذلك هو أنه أطلق العصيان على من لم يجب الدعوة إلى الوليمة ولم يرد هذا الحكم في غير الوليمة إلا في رواية عن أبي داود وغيره من حديث ابن عمر "من دُعِيَ فلم يجب فقد عصى الله ورسوله" لكنها ضعيفة كما تقدم. فهذا يفهم منه أن العصيان يختص بعدم إتيان الوليمة فقط دون غيرها من الدعوات فتحمل على الاستحباب وتقدم أن الوليمة المراد بها وليمة العرس عند الإطلاق كما هو قول أكثر أهل اللغة وغيرهم. ٣- ما أخرجه الطبراني في الكبير١ من حديث صهيب ﵁ قال: صنعت لرسول الله ﷺ طعاماً فأتيته وهو في نفر جالس فقمت حياله فأومأت إليه فقال: "وهؤلاء؟ " فقلت: لا فسكت فقمت مكاني فلما نظر إليَّ أومأت إليه فقال: "وهؤلاء؟ " فقلت: لا مرتين فعل ذلك أو ثلاثاً فقلت: "نعم" وهؤلاء وإنما كان شيئاً يسيراً صنعته له فجاء وجاؤا معه فأكلوا وأحسبه قال وفضل منه".

стр. 34

ووجه الدلالة منه أنه لم يجب الدعوة حتى أذن لمن معه. لكن قال الهيثمي١ فيه: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح إلا أن ضريب بن نفير لم يسمع من صهيب. ٤- حديث أبي هريرة ﵁ الدليل الرابع من أدلة القول الثالث وهو نص في محل النزاع لكنه ضعيف. مناقشة أدلة أصحاب القول الرابع: أدلة أصحاب هذا القول هي عموم أدلة الأقوال السابقة وسبق مناقشتها إلا أن جعل الأدلة تدل على أنه فرض كفاية محل نظر لأمور هي: الأول: قلة القائلين به ولا يعرف أحد من الأئمة المشهورين قال به بل حكى عن بعض الشافعية والحنابلة وإن كان هذا لا يكفي في رد القول لكن يستأنس به. الثاني: أن فرض الكفاية إذا قام به من يكفي سقط عن الباقين فالمقصود في فروض الكفاية قيام هذا الفعل فليس معلقاً بالجميع بل بالبعض مثل الآذان المهم أن يقوم هذا العمل بخلاف إجابة الدعوة فإن الخطاب متوجه لكل من دعي وغالباً يكون مقصوداً في الدعوة فإذا لم يحضر فإنه يؤثر على الداعي ولو حضر غيره. الثالث: أن في حديث أبي هريرة قال: من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله، وفي حديث ابن عمر قال: " ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله". الخطاب هنا ظاهره متوجه إلى كل من دعي فإذا لم يجب يكون عاصياً إلا ما قام الدليل على تخصيصه بخلاف فرض الكفاية فإن الخطاب موجه إلى البعض

стр. 35

وإنما يأثم الجميع إذا لم يمتثل الكل نعم لو كان لفظ الحديث "من دَعا فلم يُجَبْ ... " لكان يدل على هذا القول والله أعلم. الرابع: قال ابن دقيق العيد في شرح الإلمام١: محل ذلك - أي فرض الكفاية - إذا عمت الدعوة أما لو خص كل واحد بالدعوة فإن الإجابة تتعين. مناقشة أصحاب القول الخامس: هذا القول لا أعلم لهم دليلاً فيه على هذا التفصيل إلا أن كان القائل به لم يبلغه إلا حديث أبي هريرة "شر الطعام ... " فحمله على الندب وما عداه على الإباحة وهذا القول أضعف الأقوال في هذه المسألة بل هو خلاف الأدلة الواردة وليس على هذا التفريق دليل يعتمد عليه، والله أعلم. الترجيح: من خلال تأمل الأحاديث الواردة في هذه المسألة نجدها ظاهرة الدلالة على القول الأول وهو القول بالوجوب مطلقاً والقول الثالث وهو التفصيل وأن الدعوة تجب إجابتها في العرس وتسن فيما عداه وهو قول جمهور أهل العلم وهذا القول أقوى في نظري لقوة أدلته ولأن فيه توسطاً بين القول الأول والثاني ولأن حمل حديث أبي هريرة وابن عمر والذي فيهما إطلاق العصيان على من لم يجب الدعوة على وليمة العرس فيه قوة ويكون كافياً في تخصيص وليمة العرس بالوجوب دون غيرها وذلك لأن حمل الوليمة على وليمة العرس هو قول أكثر أهل العلم وهو قول أكثر أهل اللغة فهذا يدل على أن هذا هو الغالب في استعمال هذا اللفظ والأحكام إنما تعلق بالغالب لا بالنادر الذي لا يقع إلا قليلاً، والله أعلم.

стр. 36

قال الشافعي١ ﵀: إتيان دعوة الوليمة حق والوليمة التي تعرف وليمة العرس وكل دعوة دعا إليها رجل وليمة فلا أرخص لأحد في تركها ولو تركها لم يتبين لي أنه عاص في تركها كما تبين لي في وليمة العرس. ورجح الطحاوي٢ هذا القول وأطال في الجواب عن الأحاديث كما تقدم نقل غالب كلامه والله أعلم.

стр. 37

مسألة: إجابة الدعوة لمن كان صائماً ظاهر الأحاديث الواردة تدل على أن الصوم ليس بعذر يمنع من إجابة الدعوة كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم١. ومن هذه الأحاديث: ١- حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصل وإن كان مفطراً فليطعم" وفي لفظ "إذا دعي أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم". أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وتقدم٢ وله شاهد من حديث جابر عند ابن ماجه ومن حديث ابن مسعود عند النسائي والطبراني ومن حديث ابن عمر عند أبي داود والبيهقي وتقدمت٣. ٢- عموم الأحاديث الواردة في إجابة الدعوة لم تستثن الصائم. ٣- أن هذا فعل ابن عمر٤ ﵄ يجيب الدعوة وهو صائم وكذا ورد عن يعلي بن مرة٥ وأبي أيوب رضي الله عنهما٦. قال النووي٧ عقب حديث ابن عمر "ويأتيها وهو صائم": فيه أن الصوم ليس بعذر في الإجابة وكذا قاله أصحابنا قالوا: إذا دعي وهو صائم لزمه الإجابة كما يلزم المفطر ويحصل المقصود بحضوره وإن لم يأكل ... ".

стр. 38

وقال في الروضة١: والصوم ليس عذراً في ترك إجابة الدعوة. وقال العراقي٢: إن الصوم ليس عذراً في ترك الإجابة. وقال الحافظ ابن حجر٣: ويؤخذ من فعل ابن عمر أن الصوم ليس عذراً في ترك الإجابة ولاسيما مع ورود الأمر للصائم بالحضور والدعاء، نعم لو اعتذر به المدعو فقبل الداعي عذره لكونه يشق عليه أن لا يأكل إذا حضر أو لغير ذلك كان ذلك عذراً له في التأخر. وقال الشوكاني٤ في حديث ابن عمر: وفي الحديث دليل على أنه يجب الحضور على الصائم ولا يجب عليه الأكل لكن هذا بعد أن يقول للداعي إني صائم كما في الرواية الأخرى فإن عذره في الحضور بذلك وإلا حضر. وقال الصنعاني٥ في حديث أبي هريرة: فيه دليل على أنه يجب على من كان صائماً أن لا يتعذر بالصوم. وقال الحسيني٦ بعد قوله "وإن كان صائما فليدع" أي فليدع أخذ به الشافعي فأسقط الإجابة على الصائم وإنما يطلب منه أن يدعو لأهل البيت بالمغفرة والبركة. وقال أصبغ: ليست إجابة الصائم بالوكيد وإنه لخفيف. وقال مالك في كتاب محمد: أرى أن يجيب. قال الباجي: فقول مالك على أن الأكل ليس بواجب، وقول أصبغ على أنه واجب، فإذا أسقط الصوم فقد سقط وسيلته وهو الإجابة. ا?. والحاصل أن الصوم لا يعتبر عذراً مسقطاً للإجابة.

стр. 39

المبحث الثاني: الأكل لمن دعي إذا حضر من دعي إلى وليمة أو غيرها فحضر هل يلزمه الأكل أم لا؟ المدعو في هذه الحالة لا يخلو من أمرين: الأول: أن يكون المدعو مفطراً. الثاني: أن يكون المدعو صائماً. فأما الأمر الأول: وهو أن يكون المدعو مفطراً: فاختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: ذهب طائفة من أهل العلم إلى أنه يجب الأكل. قال العراقي١: والوجه الثاني لأصحابنا أنه يجب الأكل واختاره النووي في تصحيح التنبيه وصححه في شرح مسلم في الصيام وبه قال أهل الظاهر ومنهم ابن حزم وتوقف المالكية في ذلك وعبارة ابن الحاجب في مختصره: ووجوب أكل المفطر محتمل. ا?. واستدلوا على ذلك: ١- حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان صائماً فليصل وإن كان مفطراً فليطعم" وفي حديث ابن عمر "وإن كان مفطراً فليطعم" وفي حديث ابن مسعود قال "فإن كان مفطراً فليأكل ... " وتقدمت٢. ووجه الدلالة أن هذا أمر لمن كان مفطراً أن يأكل والأصل في الأمر الوجوب. القول الثاني: أنه لا يجب على المفطر الأكل.

стр. 40

قال العراقي١: وهو أصح الوجهين عند الشافعية وبه قال الحنابلة. وقال النووي٢: وأما المفطر ففي أكله وجهان أحدهما يجب وأقله لقمة وأصحها: أنه مستحب. وقال ابن قدامة٣: وأما الأكل فغير واجب صائماً كان أو مفطراً نص عليه أحمد. وقال الحافظ ابن حجر٤: ويؤخذ منه - يعني حديث جابر - أن المفطر لو حضر لا يجب عليه الأكل وهو أصح الوجهين عند الشافعية، وذكر نحو هذا الشوكاني٥. واستدلوا على ذلك: ١- حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم وإن شاء ترك". أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وتقدم٦. قال ابن قدامة٧ بعد حكاية القولين: ولنا قول النبي ﷺ "إذا دعي أحدكم فليجب فإن شاء أكل وإن شاء ترك" حديث صحيح ولأنه لو وجب الأكل لوجب على المتطوع بالصوم فلما لم يلزمه الأكل لم يلزمه إذا كان مفطراً وقولهم المقصود الأكل قلنا بل المقصود الإجابة ولذلك وجبت على الصائم الذي لا يأكل. ا?.
следующие страницы →