← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 10186–10225 · переход к 10191.

стр. 10186

قوله: ﴿فَقَدَرْنَا﴾ : قرأ نافعٌ والكسائيُّ بالتشديد من التقدير، وهو موافِقٌ لقولِه: ﴿مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس: ١٩] والباقون بالتخفيف من القُدْرة. ويَدُلُّ عليه قولُه: «فنِعْمَ القادِرون» . ويجوز أَنْ يكونَ المعنى على القراءة الأولى: فنِعْمَ القادِرون على تقديرِه، وإن جُعِلت «القادِرون» بمعنى «المُقَدِّرُون» كان جَمْعاً بين اللفظَيْنِ، ومعناهما واحدٌ، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧] وقولُ الأعشى: ٤٤٥٦ - وأَنْكَرَتْني وما كان الذي نَكِرَتْ ... من الحوادِث إلاَّ الشَّيْبَ والصَّلعَا

стр. 10187

قوله: ﴿كِفَاتاً﴾ : الكِفاتُ: اسمٌ للوِعاءِ الذي يُكْفَتُ فيه أي: يُجْمَعُ، قاله أبو عبيدة. يقال: كَفَتَه يَكْفِتُه أي: جَمَعَه وضَمَّه. وفي الحديث «اكْفِتُوا صِبْيانَكم» وقال الصمصامة بن الطِّرِمَّاح: ٤٤٥٧ - وأنتَ اليوم فوقَ الأرضِ حَيّاً ... وأنتَ غداً تَضُمُّك في كِفاتِ وقيل: الكِفاتُ اسمٌ لِمَا يَكْفِتُ كالضِّمام والجِماع. يقال: هذا البابُ جِماعُ الأبوابِ. وفي انتصابِه وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ ثانٍ ل «نَجْعَلْ» لأنَّها للتصيير. والثاني: أنَّه منصوبٌ على الحالِ من «الأرضَ» ، والمفعولُ الثاني «أحياءً وأمواتاً» بمعنى: ألم نُصَيِّرْها/ أحياءً بالنَّبات وأمواتاً بغير نباتٍ أي: بعضُها كذا، وبعضُها كذا. وقيل: كِفاتٌ جمعُ كافِتٍ كصِيامٍ وقِيامٍ في جمعِ صائمٍ وقائمٍ. وقيل: بل هو مصدرٌ كالكتابِ والحسابِ.

стр. 10188

قوله: ﴿أَحْيَآءً﴾ : فيه أوجهٌ، أحدها: أنَّه منصوبٌ ب كِفات، قاله مكي، والزمخشريُّ وبدأ به، بعد أن جَعلَ «كِفاتاً» اسمَ ما يَكْفِتُ كقولِهم: الضِّمام والجِماع، هذا يمنعُ أَنْ يكونَ «كِفاتاً» ناصباً ل «أحياءً» لأنه ليس من الأسماءِ العاملةِ، وكذلك إذا جَعَلْناه بمعنى

стр. 10189

الوِعاء، على قول أبي عبيدةَ، فإنه لا يعملُ أيضاً، وقد نصَّ النحاةُ على أنَّ أسماءَ الأمكنةِ والأزمنةِ والآلات، وإنْ كانَتْ مشتقةً جاريةً على الأفعالِ لا تعملُ، نحو: مَرْمى ومِنْجل، وفي اسم المصدرِ خلافٌ مشهورٌ، ولكنْ إنما يتمشَّى نصبُهما بكِفات على قولِ أبي البقاء، فإنَّه لم يُجَوِّزْ إلاَّ أَنْ يكونَ جمعاً لاسمِ فاعلٍ، أو مصدراً، وكلاهما من الأسماءِ العاملة. الوجه الثاني: أَنْ ينتصِبَ بفعلٍ مقدرٍ يَدُلُّ عليه «كِفات» أي: يَكْفِتُهم أحياءً على ظهرِها، وأمواتاً في بَطْنِها، وبه ثنَّى الزمخشري. الثالث: أن يَنْتَصِبا على الحالِ من «الأرضَ» على حَذْفِ مضافٍ أي: ذاتَ أحياءٍ وأموات. الرابع: أَنْ يَنْتَصِبا على الحالِ مِنْ محذوفٍ أي: تَكْفِتُكم أحياءً وأمواتاً؛ لأنَّه قد عُلِمَ أنَّها كِفاتٌ للإِنسِ، قاله الزمخشريُّ، وإليه نحا مكيٌّ؛ إلاَّ أنَّه قَدَّره غائباً أي: تَجْمعهم الأرضُ في هاتَيْن الحالتَيْن. الخامس: أَنْ ينتصِبا مفعولاً ثانياً ل «نَجْعل» وكِفاتاً حالٌ كما تقدَّم تقريرُه: وتنكيرُ «أحياءً وأمواتاً» : إمَّا للتَّفْخيمِ أي: تَجْمَعُ أحياءً لا يُقَدَّرُوْن وأمواتاً لا يُحْصَوْن، وإمَّا للتبعيضِ؛ لأنَّ أَحياءَ الإِنس وأمواتَهم ليسوا بجميع الأحياءِ ولا الأمواتِ، وكذلك التنكيرُ في «ماءً فُراتاً» يحتمل المعنَيْيْنِ أيضاً: أمَّا التفخيم فواضِحٌ لعِظَمِ المِنَّةِ به عليهم، وأمَّا التبعيضُ

стр. 10190

فكقولِه تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ﴾ [النور: ٤٣] فهذا مُفْهِمٌ للتبعيضِ، والقرآنُ يُفَسِّرُ بعضُه بعضاً. والشَّامخاتُ: جمعُ «شامِخ» ، وهو المرتفعُ جداً ومنه: «شَمَخَ بأَنْفِه» إذا تكبَّر، جُعِل كِنايةً عن ذلك كثَنْي العِطْفِ وصَعْر الخَدِّ، وإنْ لم يَحْصُلْ شيءٌ من ذلك.

стр. 10191

قوله: ﴿انطلقوا﴾ : أي: يُقال لهم ذلك. وقرأ العامَّةُ «انطَلِقوا» الثاني كالأول بصيغةِ الأمرِ على التأكيد. ورُوَيْسٌ عن يعقوب «انطلَقوا» بفتح اللام فعلاً ماضياً على الخبرِ أي: لَمَّا أُمِرُوا امْتَثَلوا ذلك. وهذا موضعُ الفاءِ فكان يَنْبعي أَنْ يكونَ التركيبُ: فانطَلَقوا نحو قولِك: قلت اذهب فذهب، وعَدَمُ الفاءِ هنا ليس بالواضحِ.

стр. 10192

قوله: ﴿لاَّ ظَلِيلٍ﴾ : صفةٌ ل «ظلٍّ» و «لا» تتوسَّطُ بين الصفةِ والموصوفِ لإِفادةِ النفي، وجيْءَ بالصفةِ الأولى اسماً، وبالثانية فعلاً، دلالةً على نَفْيِ ثبوتِ هذه الصفةِ واستقرارِها للظلِّ، ونَفْيِ التجدُّدِ والحدوثِ للإِغْناءِ عن اللهب.

стр. 10193

قوله: ﴿إِنَّهَا﴾ : أي: إنَّ جهنَّم؛ لأنَّ السياقَ كلَّه لأجلها. وقرأ العامَّةُ: «بَشرَرٍ» بفتح الشينِ وعَدَمِ الألفِ بين الراءَيْن. وورش يُرَقِّقُ الراءَ الأولى لكسرِ التي بعدها. وقرأ ابن عباس وابن مقسم

стр. 10194

بكسرِ الشين وألفٍ بين الراءَيْنِ. وعيسى كذلك، إلاَّ أنَّه فتح الشين. فقراءةُ ابنِ عباس يجوزُ أَنْ تكونَ جمعاً لشَرَرَة، وفَعَلة تُجْمَعُ على فِعال نحو: رَقَبة ورِقاب ورَحَبة ورِحاب، وأَنْ تكونَ جمعاً لشَرِّ، لا يُراد به أَفْعَلُ التفضيلِ. يقال: رجلٌ شَرٌّ ورجالٌ شِرارٌ، ورجلٌ خيرٌ ورجالٌ خِيار، ويؤنثان فيقال: امرأة شَرَّةٌ، وامرأةٌ خَيْرةٌ. فإن أُريد بهما التفضيلُ امتنعَ ذلك فيهما، واختصَّا بأحكامٍ مذكورةٍ في كتبِ النحْويين أي: تَرمي بشِرارٍ من العذابِ أو بشِرار من الخَلْق. وأمَّا قراءةُ عيسى/ فهي جمعُ شَرارَةٍ بالألفِ وهي لغةُ تميمٍ. والشَّرَرَةُ والشَّرارَة: ما تطايَرَ من النارِ متفرِّقاً. قوله: ﴿كالقصر﴾ العامَّةُ على فتح القافِ وسكونِ الصادِ، وهو القَصْرُ المعروف، شُبِّهَتْ به في كِبَرِه وعِظَمِه. وابن عباس وتلميذاه ابن جُبَيْر وابنُ جَبْر، والحسن، بفتحِ القافِ والصادِ، وهي جمعُ قَصَرة بالفتح والقَصَرَةُ: أَعْناقُ الإِبلِ والنخلِ، وأصولُ الشجرِ. وقرأ ابن جبير والحسن أيضاً بكسرِ القافِ وفتحِ الصاد جمع «قَصَرة» يعني بفتح القافِ. قال الزمخشريُّ: «كحاجةٍ وحِوَج» وقال الشيخ: «كحَلَقة من الحديدِ

стр. 10195

وحِلَق» . وقُرىء «كالقَصِرِ» بفتح القاف وكسرِ الصادِ، ولم أَرَ لها توجيهاً. ويظهرُ أنَّ ذلك مِنْ بابِ الإِتباعِ، والأصلُ: كالقَصْرِ بسكونِ الصادِ، ثم أتبعَ الصادَ حركةَ الراءِ فكسَرها، وإذا كانوا قد فَعَلُوا ذلك في المشغولِ بحركة نحو: كَتِف وكَبِد، فلأَنْ يَفْعلوه في الخالي منها أَوْلَى. ويجوزُ أَنْ يكون ذلك للنقل بمعنى: أنه وَقَفَ على الكلمةِ فَنَقَل كسرةَ الراءِ إلى الساكنِ قبلَها. ثم أَجْرَى الوَصْلَ مُجْرَى الوقفِ، وهو بابٌ شائِعٌ عند القُرَّاءِ والنحاة. وقرأ عبدُ الله بضمِّهما. وفيها وجهان، أحدُهما: أنَّه جمعُ قَصْرٍ كرَهْن وَرُهُن، قاله الزمخشريُّ. والثاني: أنَّه مقصورٌ من قُصور كقولِه: ٤٤٥٨ - فيها عيايِيْلُ أُسودٍ ونُمُرْ ... يريد: ونُمور. فقصَر وكقوله: «النُّجُم» يريد النجوم. وتخريجُ الزمخشريِّ أَوْلَى؛ لأنَّ محلَّ الثاني: إمَّا الضرورةُ، وإمَّا النُّدُور.

стр. 10196

قوله: ﴿جِمَالَةٌ﴾ : قرأ الأخَوان وحَفْصٌ «جِمالَةٌ» . والباقون «جِمالات» . فالجِمالَةُ فيها وجهان، أحدُهما: أنَّها جمعٌ صريحٌ، والتاءُ لتأنيثِ الجمعِ. يُقال: جَمَلٌ وجِمال وجِمالَة نحو: ذَكَر وذِكار وذِكارة، وحَجَر وحِجارة. والثاني: أنه اسمُ جمعٍ كالذِّكارة والحِجارة،

стр. 10197

قاله أبو البقاء، والأولُ قولُ النُّحاةِ. وأمَّا جِمالات فيجوزُ أَنْ يكونَ جمعاً ل «جِمالة» هذه، وأَنْ يكونَ جمعاً ل جِمال، فيكون جمعَ الجمعِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ جمعاً ل جَمَل المفردِ كقولهم: «رجِالات قريش» كذا قالوه. وفيه نظرٌ؛ لأنَّهم نَصُّوا على أنَّ الأسماءَ الجامدةَ غيرَ العاقلةِ لا تُجْمَعُ بالألفِ والتاءِ، إلاَّ إذا لم تُكَسَّرْ. فإنْ كُسِّرَْتْ لَم تُجْمَعْ. قالوا: ولذلك لُحِّن المتنبيُّ في قولِه: ٤٤٥٩ - إذا كان بعضُ الناسِ سَيْفاً لدولةٍ ... ففي الناسِ بُوْقاتٌ لها وطُبولُ فجمع «بُوقاً» على «بُوقات» مع قولِهم: «أَبْواق» ، فكذلك جِمالات مع قولهم: جَمَل وجِمال. على أنَّ بعضَهم لا يُجيزُ ذلك، ويَجْعَلُ نحو «: حَمَّامات وسِجلاَّت شاذَّاً، وإنْ لم يُكَسَّرْ. وقرأ ابنُ عباس والحسنُ وابن جبير وقتادةُ وأبو رجاء، بخلافٍ عنهم، كذلك، إلاَّ أنَّهم ضَمُّوا الجيمَ وهي حِبالُ السفنِ. وقيل: قُلوس الجسورِ، الواحدةِ» جُمْلة «لاشتمالِها على طاقاتِ الحِبال. وفيها وجهان، أحدهما: أَنْ تكونَ» جُمالات «جمعَ جُمال، وجُمال جَمْعَ جُمْلة، كذا قال الشيخ، ويَحْتاجُ في إثباتِ أنَّ جُمالاً بالضمِّ جمعُ جُمْلة بالضمِّ إلى نَقْلٍ. والثاني: أنَّ» جُمالات «جمعُ جُمالة قاله الزمخشري،

стр. 10198

وهو ظاهرٌ. وقرأ ابنُ عباس والسُّلَمِيُّ وأبو حيوةَ» جُمالة «بضمِّ الجيم، وهي دالَّةٌ لِما قاله الزمخشريُّ آنِفاً. قوله: ﴿صُفْرٌ﴾ صفةٌ لجِمالات أو لِجمالة؛ لأنَّه: إمَّا جمعٌ أو اسمُ جمعٍ. والعامَّة على سكونِ الفاءِ جمعَ صفْراء. والحسنُ بضمِّها، وكأنَّه إتْباعٌ. وَوَقَعَ التشبيهُ هنا في غايةِ الفصاحةِ. قال الزمخشريُّ:» وقيل: صُفْرٌ سُوْدٌ تَضْرِبُ إلى الصُّفرة. وفي شعرِ عمرانَ بنِ حِطَّانَ الخارجيِّ: ٤٤٦٠ - دَعَتْهُمْ بأعلَى صوتِها ورَمَتْهُمُ ... بمثل الجِمال الصفر نَزَّاعةِ الشَّوى وقال أبو العلاء المعري: ٤٤٦١ - حمراءُ ساطِعَةُ الذوائب في الدُّجَى ... تَرْمي بكل شَرارةٍ كطِرافٍ فشبَّهها/ بالطِّراف، وهو بيت الأُدَم في العِظَمِ والحُمْرَةِ، وكأنه قَصَدَ بخُبْثِه أَنْ يزيدَ على تشبيهِ القرآن. ولتبجُّحه بما سُوِّل له مِنْ تَوَهُّم الزيادة جاءَ في صَدْرِ بيتِه بقولِه: «حمراءُ» توطئةً لها ومناداةً عليها، وتَنْبيهاً للسامِعين على مكانِها. ولقد عَمِيَ جمع الله له عَمى الدَّارَيْن عن قولِه : «كأنه جِمالةٌ صُفْرٌ» فإنه بمنزلةِ قولِه كبيتٍ أحمر. وعلى أنَّ في

стр. 10199

التشبيهِ بالقَصْر وهو الحِصْنُ تشبيهاً مِنْ جهتَين: مِنْ جهةِ العِظَمِ، ومن جهةِ الطولِ في الهواءِ، وفي التشبيه بالجِمالات وهي القُلُوسُ تشبيهٌ مِنْ ثلاثِ جهاتٍ: الطُّولِ والعِظَمِ والصُّفْرةِ «انتهى. وكان قد قال قبلَ ذلك بقليلٍ:» شُبِّهَتْ بالقُصورِ ثم بالجِمال لبيانِ التشبيهِ، ألا ترى أنَّهم يُشَبِّهون الإِبلَ بالأَفْدان «قلت: الأَفْدانُ: القصورُ، وكأنه يُشيرُ إلى قولِ عنترة: ٤٤٦٢ - فوقَفْتُ فيها ناقتي وكأنَّها ... فَدَنٌ لأَقْضِيَ حاجةَ المُتَلَوِّمِ

стр. 10200

قوله: ﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ : العامَّةُ على رفعٍ «يومُ» خبراً ل «هذا» . وزيد بنُ عليّ والأعرجُ والأعمشُ وأبو حيوةً وعاصمٌ في بعضِ طرقِه بالفتح. وفيه وجهان، أحدُهما: أنَّ الفتحةِ فتحةُ بناءٍ وهو خبرٌ ل «هذا» كما تقدَّم. والثاني: أنَّه منصوبٌ على الظرفِ واقعاً خبراً ل «هذا» على أَنْ يُشارَ به لِما تقدَّم من الوعيدِ كأنه قيل: هذا العذابُ المذكورُ كائنٌ يومَ لا يَنْطِقون. وقد تقدَّم آخِرَ المائدة ما يُشْبه هذا في قوله: ﴿هذا يَوْمُ يَنفَعُ﴾ إلاَّ أنَّ النصبَ هناك متواترٌ.

стр. 10201

قوله: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ﴾ : العامَّةُ على عَدَمِ تَسْمِيَةِ الفاعِل. وحكى الأهوازِيُّ عن زيدِ بن علي «ولا يَأْذَنُ» سَمَّى الفاعلِ، وهو اللَّهُ تعالى. «فيعتذرون» في رفعِه وجهان، أحدُهما: أنه مستأنفٌ

стр. 10202

أي: فهم يَعْتَذِرون. قال أبو البقاء: «ويكون المعنى: أنَّهم لا يَنْطِقُون نُطْقاً ينفَعُهم، أو يَنْطقون في بعضِ المواقفِ ولا يَنْطِقُون في بعضها» . والثاني: أنه معطوفٌ على «يُؤْذن» فيكون مَنْفِيّاً. ولو نُصِبَ لكان مُتَسَبَّباً عنه «. وقال ابن عطية:» ولم يُنْصَبْ في جوابِ النفيِ لتشابُهِ رؤوسِ الآي، والوجهان جائزان «. انتهى فقد جَعَلَ امتناعَ النصبِ مجردَ المناسبةِ اللفظيةِ، وظاهرُ هذا مع قولِه:» والوجهان جائزان «أنهما بمعنىً واحدٍ، وليس كذلك، بل المرفوعُ له معنىً غيرُ معنى المنصوبِ. وإلى مثلِ هذا ذهبَ الأعلمُ فيُرفع الفعلُ، ويكونُ معناه النصبَ، ورَدَ عليه ابنُ عصفور.

стр. 10203

قوله: ﴿فِي ظِلاَلٍ﴾ : هذه قراءةُ العامَّةِ، جمعُ ظِلّ. والأعمش «ظُلَلٍ» جمعُ ظُلَّة. وتقدَّم في يس مثلُه، إلاَّ أنهما متواتران.

стр. 10204

قوله: ﴿كُلُواْ﴾ : معمولاً لقولٍ، ذلك القولُ منصوبٌ على الحالِ من الضميرِ المستكنِّ في الظرفِ أي: كائِنْين في ظلال، مَقُولاً لهم ذلك، وكذلك ﴿كُلُواْ وَتَمَتَّعُواْ قَلِيلاً﴾ فإنْ كان ذلك مقولاً لهم في الدنيا فواضحٌ، وإن كان مَقولاً في الآخرة فيكون تذكيراً بحالِهم أي: هم أحِقَّاءُ بأَنْ يُقال لهم في دنياهم كذا. ومثله:

стр. 10205

٤٤٦٣ - إخْوَتي لا تَبْعَدُوا أبداً ... وبَلَى واللَّهِ قد بَعِدُوا أي: هم أهلٌ أَنْ يَدَّعَى لهم بذلك.

стр. 10206

قوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ﴾ : متعلقٌ بقولِه: «يُؤمنون» أي: إنْ لم يُؤمنوا بهذا القرآنِ فبأيِّ شيءٍ يُؤْمنون؟ والعامَّةُ على الغَيْبة. وقرأ ابن عامر في روايةٍ ويعقوبُ بالخطاب على الالتفات أو على الانتقال.

стр. 10207

قوله: ﴿عَمَّ﴾ : قد تقدَّم أن البزيَّ يُدخل هاءَ السكتِ عوضاً من ألف «ما» الاستفهاميةِ في الوقف. ونُقِلَ عن ابن كثير أنه يَقرأ «عَمَّه» بالهاء وَصْلاً، أجرى الوصل مُجرى الوقف. وقرأ عبد الله وأُبَيّ وعكرمة «عَمَّا» بإثبات الألفِ. وقد تقدَّم أنه يجوزُ ضرورةً أو في قليلٍ من الكلام. ومنه: ٤٤٦٤ - على ما قامَ يَشْتِمُني لَئيمٌ ... كخِنْزيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ / وتقدم أنَّ الزمخشريَّ جَعَلَ منه ﴿بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ في يس [الآية: ٢٧] . و «عَمَّ» فيه قولان، أحدُهما: وهو الظاهرُ أنَّه متعلِّقٌ ب «يتساءلون» هذا الظاهرِ. قال أبو إسحاق: «الكلامُ تامٌّ في قوله:» عَمَّ يتساءلون «،

стр. 10208

ثم كان مقتضى القول أن يُجيبَ مُجيبٌ، فيقولَ: يتساءلون عن النبأ العظيم، فاقتضى إيجازُ القرآنِ وبلاغتُه أَنْ يبادِرَ المحتَجُّ بالجوابِ التذي تقتضيه الحالُ والمحاورةُ اقتضاباً للحُجَّة، وإسراعاً إلى مَوْضِعِ قَطْعِهم» . والثاني: أنَّه متعلِّقٌ بفعلٍ مقدرٍ ويتعلَّقُ ﴿عَنِ النبإ العظيم﴾ بهذا الفعلِ الظاهرِ. قال الزمخشري: «وعن ابن كثيرٍ أنه قرأ» عَمَّهْ «بهاءِ السَّكْتِ. ولا يَخْلو: إمَّا أَنْ يجريَ الوصلُ مَجْرى الوقفِ، وإمَّا أَنْ يقفَ ويَبْتَدِىءَ ﴿يَتَسَآءَلُونَ عَنِ النبإ العظيم﴾ على أَنْ يُضْمَرَ» يتساءلون «؛ لأنَّ ما بعده يُفَسِّرُه كشيءٍ يُبْهَمُ ثم يُفَسَّرُ» .

стр. 10209

قوله: ﴿عَنِ النبإ﴾ : يجوزُ فيه ما جازَ في قولِه ﴿لأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ [المرسلات: ١٣] في البدليةِ والتعلُّقِ بفعلٍ مقدَّرٍ. ويَزيد عليه هنا أنَّه يتعلَّقُ بالفعل الظاهرِ، ويتعلَّقُ ما قبلَه بمضمرٍ، كما تقدَّم عن الزمخشريِّ. وقال ابن عطية: «قال أكثرُ النحاة: قوله: ﴿عَنِ النبإ العظيم﴾ متعلِّقٌ ب» يتساءلون «الظاهرِ، كأنَّه قال: لِمَ يتساءلون عن النبأ» ؟ وقوله: «عَمَّ» هو استفهامُ تفخيمٍ وتعظيمٍ.

стр. 10210

قوله: ﴿الذي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ : «مُخْتلفون» خبرُ «هم» والجارُّ متعلِّقٌ به. والموصولُ يحتملُ الحركاتِ الثلاثَ إتْباعاً وقَطْعاً رفعاً ونصباً.

стр. 10211

قوله: ﴿كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ، ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ﴾ : التكرارُ للتوكيد. وقد زَعَمَ الشيخُ جمالُ الدين ابنُ مالك أنَّه مِنْ بابِ التوكيدِ اللفظيِّ. ولا يَضُرُّ توسُّطُ حرفِ العطفِ. والنَّحْوِيُّون يَأَبَوْن هذا. ولا يُسَمُّونه إلاَّ عَطْفاً. وإنْ أفادَ التأكيدَ. والعامَّةُ على الغَيْبة في الفعلَيْن. والحسنُ وابنُ دينار وابن عامر بخلافٍ عنه بتاءِ الخطاب فيهما. والضحاك: الأولُ كالحسن، والثاني كالعامَّةِ. والغَيْبَةُ والخطابُ واضحان.

стр. 10212

قوله: ﴿مِهَاداً﴾ : مفعولٌ ثانٍ لأنَّ الجَعْلَ بمعنى التصييرِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ بمعنى الخَلْق، فيكونَ «مِهادا» حالاً مقدرة، و «أوتاداً» كذلك ولا بُدَّ مِنْ تأويلِها بمشتق أيضاً، أي: مُثَبَّتاتٍ. وأمَّا «سُباتاً» فالظاهر كونُه مفعولاً ثانياً. و «لباساً» فيه استعارةٌ حسنةٌ وعليه قولُه: ٤٤ ٦ ٥ - وكم لِظَلامِ الليلِ عندك مِنْ يدٍ ... تُخَبِّرُ أنَّ المانَوِيَّةَ تَكْذِبُ وقرأ العامَّةُ «مِهاداً» ، ومجاهد وعيسى وبعضُ الكوفيين «مَهْداً»

стр. 10213

وقد تقدَّم هاتان القراءتان في سورة طه، وأنَّ الكوفيين قَرؤوا «مَهْداً» في طه والزخرف فقط. وتقدَّم الفرقُ بينهما ثَمَّةَ.

стр. 10214

قوله: ﴿وَهَّاجاً﴾ : الوَهَّاجُ: المُضِيءُ المُتلألىءُ، مِنْ قولِهم: وَهَجَ الجَوْهَرُ، أي: تلألأ. ويُقال: وَهِجَ يَوْهَجُ كوَجِلَ يَوْجَلُ، ووَهَجَ يَهِجُ كوَعَدَ يَعِدُ.

стр. 10215

قوله: ﴿مِنَ المعصرات﴾ : يجوزُ في «مِنْ» أَنْ تكونَ على بابِها من ابتداءِ الغاية، وأَنْ تكونَ للسببية. ويَدُلُّ قراءةُ عبدِ الله بنِ يزيد وعكرمة وقتادة «بالمُعْصِرات» بالباءِ بدلَ «مِنْ» وهذا على خلافٍ في «المُعْصِرات» ما المرادُ بها؟ فقيل: السحاب. يقال: أَعْصَرَتْ السَّحائِبُ، أي: شارَفَتْ أَنْ تُعْصِرَها الرياحُ فتُمْطِرَ كقولك: «أجَزَّ الزرعُ» إذا حان له أن يُجَزَّ. ومنه «أَعْصَرَتِ الجارِيَةُ» إذا حان لها أَنْ تحيضَ. قاله الزمخشريُّ. وأنشد ابنُ قتيبة لأبي النجم: ٤٤٦٦ - تَمْشي الهُوَيْنَى ساقِطاً خِمارُها ... قد أَعْصَرَتْ أو قَدْ دَنَا إعْصارُها

стр. 10216

قلت: ولولا تأويلُ «أَعْصَرَتْ» بذلك لكان ينبغي أَنْ تكونَ المُعْصَرات بفتح الصادِ اسمَ مفعول؛ لأنَّ الرياحَ تُعْصِرُها. وقال الزمخشري: «وقرأ عكرمةُ» بالمُعْصِرات «. وفيه وجهان: أَنْ يُراد الرياحُ التي حانَ لها أَنْ تُعْصِرَ السحابَ، وأَنْ يُرادَ السحائبُ؛ لأنَّه إذا كان الإِنزالُ منها فهو بها/ كما تقول: أَعْطى مِنْ يدِه درهماً، وأَعْطى بيدِه. وعن مجاهد: المُعْصِرات: الرياحُ ذواتُ الأعاصيرِ. وعن الحسن وقتادة: هي السماواتُ. وتأويلُه: أنَّ الماءَ يَنْزِلَ من السماءِ إلى السحاب فكأنَّ السماواتِ يَعْصِرْنَ، أي: يَحْمِلْنَ على العَصْر ويُمَكِّنَّ منه. فإنْ قلتَ: فما وَجْهُ مَنْ قرأ» من المُعْصِرات «وفسَّرها بالرياح ذواتِ الأعاصيرِ، والمطرُ لا يَنْزِلُ من الرياح؟ قلت: الرياحُ هي التي تُنْشِىءُ السحابَ وتَدِرُّ أخلافَه، فيَصِحُّ أَنْ تُجْعَلَ مَبْدأً للإِنزال. وقد جاء: إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الرياحَ فتحملُ الماءَ من السماء، فإنْ صَحَّ ذلك فالإِنْزالُ منها ظاهرٌ. فإنْ قلت: ذكر ابن كَيْسانَ: أنه جَعَلَ المُعْصِرات بمعنى المُغِيثات، والعاصِرُ هو المُغيث لا المُعْصِر. يقال: عَصَرَهُ فاعْتَصَرَ. قلت: وَجْهُه أَنْ يُرادَ: اللاتي أَعْصَرْن، أي: حان لها أَنْ تُعْصِرَ، أي: تُغيث» . قلت: يعني أنَّ «عَصَرَ» بمعنى الإِغاثةِ ثلاثيٌّ، فكيف قيل هنا: مُعْصِرات بهذا المعنى، وهو من الرُّباعي؟ فأجاب عنه بما تقدَّم، يعني أنَّ الهمزةَ بمعنى الدُّخولِ في الشيء. قوله: ﴿ثَجَّاجاً﴾ الثَّجُّ: الانصِبابُ بكثرةٍ وشِدَّةٍ. وفي الحديث: «

стр. 10217

أحَبُّ العملِ إلى اللَّهِ العَجُّ والثَّجُّ» فالعَجُّ: رَفْعُ الصوتِ بالتلبيةِ، والثَّجُّ: إراقةُ دماءِ الهَدْيِ. يقال: ثَجَّ الماءُ بنفسِه، أي: انصَبَّ وثَجَجْتُه أنا، أي: صَبَبْتُه ثَجّاً وثُجوجاً، فيكونُ لازماً ومتعدياً. وقال الشاعر: ٤٤٦٧ - إذا رَجَفَتْ فيها رَحَىً مُرْجَحِنَّةٌ ... تَبَعَّجَّ ثَجَّاجاً غَزيرَ الحوافِلِ وقرأ الأعرج «ثجَّاحاً» بالحاءِ المهملةِ أخيراً. وقال الزمخشري: «ومَثاجِحُ الماءِ مَصابُّه، والماءُ يَنْثَجِحُ في الوادي» .

стр. 10218

قوله: ﴿أَلْفَافاً﴾ : فيه أوجهٌ: أحدُها: أنَّه لا واحدَ له. قال الزمخشري: «ألفافاً» : ملتفَّةٌ لا واحدَ له كالأوْزَاعِ والأَخْيافِ «. والثاني: أنه جمعُ» لِفّ «بكسرِ اللام، فيكونُ نحو: سِرّ وأَسْرار. وأنشد أبو علي الطوسي: ٤٤٦٨ - جَنَّةٌ لِفٌّ وعَيْشٌ مُغْدِقُ ... ونَدامى كلُّهم بِيْضٌ زُهُرْ وهذا قولُ أكثرِ أهلِ اللغة. الثالث: أنه جمعُ لفيف، قاله الكسائي.

стр. 10219

ومثلُه: شريف وأَشْراف، وشهيد وأشهاد. وقال الشاعر: ٤٤٦٩ - أحابِيْشُ أَلفْافٌ تبايَنَ فَرْعُهُمْ ... وجِذْمُهُمُ عن نسبةِ المتعرّفِ الرابع: أنه جمعُ الجمعِ؛ وذلك أنَّ الأصلَ» ألَفُّ «في المذكر، و» لَفَّاءُ «في المؤنث كَأْحمر وحمراء، ثم جُمِعا على لُفّ كحُمْر، ثم جُمع لُفّ على أَلْفاف، إذا صار لُفٌّ بزنة قُفْلٍ فجُمع جَمْعَه، قاله ابن قتيبة. إلا أن الزمخشري، قال:» وما أظنُّه واجداً له نظيراً مِن نحو: خُضْر وأَخْضار، وحُمْر وأَحْمار «. قلت كأنّه يَسْتَبْعِدُ هذا القولَ من حيث إن نَظَائِرَه لا تُجْمَعُ على أَفْعال؛ إذ لا يُقال: خُضْر وأخْضار، ولا حُمْر وأَحْمار، وإن كانا جمعَيْنِ لأَخْضَر وخَضْراء، وأَحْمر وحَمْراء، وهذا غيرُ لازمٍ؛ لأنَّ جمعَ الجمعِ لا يَنْقاسُ، ويكفي أَنْ يكونَ له نظيرٌ في المفردات كما رأيتَ مِنْ أنَّ لُفّاً صارَ يضارِعُ قُفْلاً؛ ولهذا امتنعوا مِنْ تكسيرِ مَفاعل ومَفاعيل لعدمِ نظيرٍ في المفرداتِ يُحْمَلان عليه. الخامس: قال الزمخشري:» ولو قيل: هو جمعُ مُلْتَفَّة بتقدير حَذْفِ الزوائد لكان قولاً وجيهاً «. قلت: وفيه تكلُّفُ لا حاجةَ إليه، وأيضاً فغالبُ عباراتِ النحاة

стр. 10220

في حَذْف الزوائِد إنما هو في التصغير. تقول: تصغيرُ الترخيم بحذفِ الزوائد، وفي المصادر يقولون: هذا المصدرُ على حَذْفِ الزوائِد.

стр. 10221

قوله: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ «يومَ الفَصْل» أو عطفَ بيانٍ له، أو منصوباً بإضمار «أعني» و «أفْواجاً» حالٌ مِنْ فاعل «تأْتون» . وتقدَّمَ «فُرَاتاً» [الفرقان: ٥٣] . و «فُتِحَتْ» بالتخفيف والتشديد في الزُّمَر.

стр. 10222

قوله: ﴿لِّلطَّاغِينَ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً لِمْرصاداً، وأنْ يكونَ حالاً مِنْ «مآباً» كان صفتَه فلَّما تقدَّم نُصِب على الحال. وعلى هذَيْن الوجهَيْنِ فيتعلَّق بمحذوفٍ. ويجوزُ أَنْ يكونَ متعلقاً بنفسِ «مِرْصاداً» أو بنفسِ «مآباً» لأنه بمعنى مَرْجِع. وقرأ ابن يَعمر وأبو عمرو المنقري «أنَّ جهنمَ» بفتح «أنَّ» . قال الزمخشري: «على تعليل قيامِ السَّاعةِ بأنَّ جهنمَ كانت مِرْصاداً للطاغين، كأنه قيل: كان ذلك لإِقامةِ الجزاءِ» . قلت: يعني أنَّه علةٌ لقولِه «يومَ يُنْفَخُ» إلى آخره. وقرأ أبو عياض «في الصُّوَر» بفتحِ الواو. وتقدَّمَ مثلُه.

стр. 10223

قوله: ﴿لاَّبِثِينَ﴾ : منصوبٌ على الحالِ من الضميرِ المستترِ في «للطَّاغِين» وهي حالٌ مقدرةٌ. وقرأ حمزةُ «لَبِثِيْنَ» دونَ ألفٍ، والباقون «لابِثين» بها. وضَعَّفَ مكيٌّ قراءةَ حمزةَ، قال: «ومَنْ قرأ» لبِثين «، شَبَّهه بما هو خِلْقَةٌ في الإِنسان نحو: حَذِر وفَرِق، وهو بعيدٌ؛ لأنَّ اللُّبْثَ ليس مِمَّا يكونُ خِلْقَةً في الإِنسان، وبابُ فَعِل إنما هو لِما يكونُ خِلْقَةً في الإِنسانِ، وليس اللُّبْثُ بخِلْقةٍ» . ورَجَّح الزمخشريُّ قراءةَ حمزةَ فقال: «قُرِىءَ: لابِثين ولَبِثين. والَّلبِثُ أَقْوى» ؛ لأنَّ اللابِثَ يُقال لِمَنْ وجِدَ منه الُّلبْثُ، ولا يُقال: لِبثٌ إلاَّ لمَنْ شأنُه الُّلبْثُ كالذي يَجْثُمُ بالمكانِ، لا يكاد يَنْفَكُّ منه «. قلت: وما قاله الزمخشريُّ أَصْوَبُ. وأمَّا قولُ مكيّ: الُّلبْثُ ليس خِلْقَةً فمُسَلَّمٌ؛ لكنه بُوْلِغَ في ذلك فجُعِلَ بمنزلةِ الأشياءِ الخِلْقيَّة. قوله: ﴿أَحْقَاباً﴾ منصوبٌ على الظرفِ، وناصبهُ» لا بثين «، هذا هو المشهورُ. وقيل: هو منصوبٌ بقولِه» لا يَذُوقون «وهذا عند مَنْ يرى تقديمَ معمولِ ما بعد» لا «عليها، وهو أحدُ الأوجه، وقد تقدَّم هذا مستوفىً في أواخر الفاتحة. وجَوَّز الزمخشريُّ أَنْ ينتصِبَ على الحالِ، قال:» وفيه وجهٌ آخر: وهو أَنْ يكونَ مِنْ حَقِبَ عامُنا: إذا قَلَّ

стр. 10224

مطرُه وخيرُه، وحَقِبَ فلانٌ: إذا أَخْطَأَهُ الرِّزْقُ فهو حَقِبٌ، وجمعهُ أَحْقاب، فينتصِبُ حالاً عنهم بمعنى: لابثين فيها حَقِبين جَحِدين «. وقد تقدَّم الكلامُ على» الحُقُب «، وما قيل فيه في سورة الكهف.

стр. 10225

قوله: ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه متسأنفٌ أخبر عنهم بذلك. الثاني: أنه حالٌ من الضمير في «لابثين» أي: لابِثين غيرَ ذائقين، فهي حالٌ متداخلةٌ. الثالث: أنه صفةٌ لأَحْقاب. قال مكي: «واحتمل الضميرَ لأنه فِعْلٌ، فلم يجبْ إظهارُه، وإن كان قد جَرَى صفةً على غير مَنْ هُوَ له، وإنما جاز أَنْ يكونَ نعتاً ل» أحقاب «لأجْل الضميرِ العائدِ على الأَحْقاب في» فيها «ولو كان في موضع» يَذُوْقون «اسمُ فاعلٍ لكان لا بُدَّ مِنْ إظهارِ الضميرِ إذا جَعَلْتَه وصفاً لأَحْقاب» . الرابع: أنه تفسيرٌ لقولِه «أحقاباً» إذا جَعَلْتَه منصوباً على الحالِ بالتأويلِ الذي تقدَّم ذِكْرُه عن الزمخشريِّ فإنه قال: «وقولُه: لا يَذوقون فيها بَرْداً ولا شَراباً تفسيرٌ له. الخامس: أنه حالٌ أخرى مِنْ» للطَّاغين «ك» لابِثين «.
следующие страницы →