← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

في اللفظ فَيَظْهَرُ ذلك المقدَّرُ المستثنى منه، فيقال:» ما أخذ أحدٌ شيئاً إلا زيدٌ درهماً «فيكونُ المرفوعُ بدلاً من المرفوعِ، والمنصوبُ بدلاً من المنصوب وكذلك: ما ضَرَبَ القومُ أحداً إلا بعضُهم بعضاً. وقال أبو بكر بن السراج: تقول:» أعطيت الناسَ درهماً إلا عُمَراً «جائز. ولو قلت:» أعطيتُ الناسَ درهماً إلا عمراً الدنانيرَ «لم يَجُزْ، لأنَّ الحرفَ لا يُسْتَثْنَى به إلا واحدٌ. فإنْ قُلْتَ:» ما أَعْطَيْتُ الناسَ درهماً إلا عَمْراً دانقاً «على الاستثناءِ لم يَجُزْ، أو على البدلِ [جاز] فَتُبْدِلُ» عمراً «من الناس، و» دانقاً «من» درهماً «. كأنك قلتَ:» ما أعطيت إلا عمراً دانقاً «يعني أنَّ الحصرَ واقعٌ في المفعولين. قال بعض المحققين:» وما أجازَه ابن السراج من البدل في هذه المسألة ضعيفٌ، وذلك أنَّ البدلَ في الاستثناء لا بُدَّ من مُقارَنَتِهِ ب «إلاَّ» ، فَأَشْبَهَ العطفَ، فكما أنه لا يَقَعُ بعدَ حرفِ العطفِ معطوفان لا يَقَعُ بعدَ «إلاَّ» بدلان «. فإذا عُرِفَ هذا الأصلُ وما قال الناسُ فيه كان إعرابُ أبي البقاء في هذه الآيةِ الكريمةِ من هذا البابِ، وذلك أنه استثناءٌ مفرَّغٌ، وقد وَقَعَ بعدَ» إلاَّ «الفاعلُ وهو» الذين «، والجارُّ والمجرورُ وهو» مِنْ بعد «، والمفعولُ من أجلِهِ وهو» بغياً «فيكونُ كلٌّ منهما محصوراً. والمعنى: وما اختلفَ فيه إلا الذين أُوتوه إلاَّ من بعدِ ما جَاءَتْهُم البيناتُ إلا بغياً. وإذا كان التقدير كذلك فقد اسْتُثْنِيَ ب» إلاَّ «شيئان دونَ الأولِ الذي هو فاعلٌ من غيرِ عطفِ ولا بدليةٍ. وإنما استوفيتُ الكلام في هذه المسألة لكثرةِ دُوْرِها. قوله: ﴿بَغْياً﴾ في نصبِهِ وجهان، أظهرُهما: أنه مفعولٌ من أجلِهِ لاستكمالِ الشروطِ، هو علةٌ باعثةٌ. والعامِلُ فيه مضمرٌ على ما اخترناه،

стр. 1052

وهو الذي تُعَلِّقُ به» فيه «و» اختلف «المفلوظُ به عند مَنْ يرى أنَّ» إلاَّ «يُسْتثنى بها شيئان. والثاني: أنه مصدرٌ في محلِّ حالٍ أي: باغين، والعامِلُ فيها ما تقدَّم. و «بينهم» متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ ل «بغياً» . أي: بَغْياً كائناً بينهم. قوله: ﴿لِمَا اختلفوا فِيهِ﴾ «لِما» متعلِّقٌ ب «هَدَى» وما موصولةٌ، والضمِيرُ في «اختلفوا» عائدٌ على «الذين أوتوه» ، وفي «فيه» عائدٌ على «ما» وهو متعلِّقٌ ب «اختلف» . و ﴿مِنَ الحق﴾ متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه في موضعِ الحالِ من «ما» في «لِما» . و «مَنْ» يجوزُ أن تكونَ للتبعيضِ وأن تكونَ للبيانِ عند مَنْ يرى ذلك تقديرُهُ: الذي هو الحق. وأجاز أبو البقاء أن يكونَ «مِنَ الحق» حالاً من الضميرِ في «فيه» والعامِلُ فيها «اختلفوا» . وزعم الفراء أنَّ في الكلامِ قَلْباً والأصلُ: «فَهَدى الله الذينَ آمنوا للحقِّ ممَّا اختلفوا» واختاره الطبري. وقال ابن عطية: «ودعَاه إلى هذا التقديرِ خَوْفُ أن يحتملَ اللفظُ أنهم اختلفوا في الحقِّ، فهدى الله المؤمنين لبعضِ ما اختلفوا فيه، وعَسَاهُ أن يكونَ غيرَ حقٍ في نفسِهِ» قال: «والقلبُ في كتابِ اللَّهِ دونَ ضرورةٍ تدفعُ إليه عجزٌ وسوءُ فهمٍ» انتهى. قلت: وهذا الاحتمالُ الذي جَعَلَه ابنُ عطية حاملاً للفراء على ادعاءِ القلبِ لا يُتَوَهَّمُ أصلاً. قوله: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من «الذين آمنوا» أي: مأذوناً لهم. والثاني: أن يكونَ متعلقاً بهدى مفعولاً به، أي: هداهم بأمرهِ.

стр. 1053

قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾ : «أم» هذه فيها أربعةُ أقوالٍ: أنْ تكونَ منقطعةً فتتقدَّر ب «بل» والهمزةِ. ف «بل» لإِضرابِ انتقالٍ من إخبارٍ إلى إخبارٍ، والهمزةُ للتقريرِ. والتقديرُ/: بل أحَسِبْتُم. والثاني: أنها لمجردِ الإِضرابِ من غير تقديرِ همزةٍ بعدها، وهو قولُ الزجاج وأنشد: ٩٢٢ - بَدَتْ مثل قَرْنِ الشمسِ في رَوْنَقِ الضحى ... وصورتِها أم أنتَ في العينِ أَمْلَحُ أي: بل أنت. والثالث: وهو قولُ بعض الكوفيين أنها بمعنى الهمزةِ فعلى هذا يُبْتَدَأُ بها في أولِ الكلامِ. ولا تحتاجُ إلى الجملةِ قبلَها يُضْرَبُ عنها. والرابع: أنها متصلةٌ، ولا يَسْتَقِيمُ ذلك إلا بتقديرِ جملةٍ محذوفةٍ قبلَها، فقدَّرَهُ بعضُهم: فَهَدَى اللَّهُ الذين آمنوا، فصَبَروا على استهزاءِ قومهم، أفتسلُكون سبيلَهم أم تحسَبون أن تدخلوا الجنة من غير سلوكِ سبيلهِم. و «حَسِبْتُم» هنا من أخوات «ظنَّ» ، تنصبُ مفعولَيْن أصلُهما المبتدأ والخبرُ، و «أَنْ» وما بعدَها سادَّةٌ مَسَدَّ المفعولَيْنِ عند سيبويهِ، ومسدَّ الأولِ والثاني محذوفٌ عند أبي الأخفش، كما تقرَّر ذلك. ومضارِعُها فيه الوجهان: الفتحُ - وهو القياسُ - والكسرُ. ولها من الأفعالِ نظائِرُ، سيأتي ذلك في آخرِ السورةِ، ومعناها الظنُّ، وقد تُسْتَعْمَلُ في اليقين قال: ٩٢٣ - حَسِبْتُ التقى والجودَ خيرَ تجارةٍ ... رَباحاً إذا ما المرءُ أصبحَ ثاقِلا

стр. 1054

ومصدرُها: الحُسْبان. وتكون غيرَ متعديةٍ إذا كان معناها الشقرة، تقول: حَسِبَ زيدٌ، أي اشْقَرَّ، فهو أَحْسَبُ أي: أَشْقَرُ. قوله: ﴿وَلَمَّا يَأْتِكُم﴾ الواوُ للحالِ، والجملةُ بعدَها في محلِّ نصبٍ عليها، أي: غيرَ آتيكم مثلُهم. و «لَمَّا» حرفُ جزمٍ معناهُ النفي ك «لم» ، وهو أبلغُ من النفي ب «لم» ، لأنها لا تنفي إلا الزمانَ المتصلَ بزمانِ الحالِ. والفرقُ بينها وبين «لم» من وجوهٍ، أحدُها: أنه قد يُحْذَفُ الفعلُ بعدها في فصيحِ الكلام إذا دَلَّ عليه دليلٌ كقولِهِ: ٩٢٤ - فَجِئْتُ قبورَهم بَدْءاً وَلَمَّا ... فنادَيْتُ القبورَ فلم تُجِبْنَهْ أي: ولمَّا أكن بدءاً أي: مبتدئاً، بخلافِ «لم» فإنه لا يجوزُ ذلك فيها إلا ضرورةً. ومنها: أنَّها لنفيِ الماضي المتصلِ بزمانِ الحال و «لم» لنفِيهِ مطلقاً أو منقطعاً على ما مَرَّ. ومنها: أنَّ «لَمَّا» لاَ تَدْخُل على فعلِ شرطٍ ولا جزاءٍ بخلافِ «لم» . واختُلِفَ في «لمَّا» فقيل: بسيطةٌ، وقيل: مركبةٌ مِنْ لم و «ما» زيدَتْ عليها. وفي قولِه ﴿مَّثَلُ الذين﴾ حَذْفُ مضافٍ وحَذْفُ موصوفٍ تقديرُهُ: ولَمَّا يأتِكُمْ مَثَلُ محنةِ المؤمنينِ الذين خَلَوْا. و «مِنْ قبلِكم» متعلِّقٌ ب «خَلَوا» وهو كالتأكيدِ، فإنَّ الصلةَ مفهومةٌ من قولِهِ: «خَلَوا» . قوله: ﴿مَّسَّتْهُمُ البأسآء﴾ في هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أن تكونَ لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها تفسيريةٌ أي: فَسَّرَتِ المَثَلَ وَشَرَحَتْهُ كأنه قيل:

стр. 1055

ما كانَ مَثَلُهم؟ فقيل: مَسَّتهم البأساءُ. والثاني: أن تكونَ حالاً على إضمارِ «قد» جَوَّزَ ذلك أبو البقاء، وهي حالٌ من فاعلِ «خَلَوا» . وفي جَعْلِهَا حالاً بُعْدٌ. قوله: ﴿حتى يَقُولَ﴾ قرأ الجمهورُ: «يقولُ» نصباً، وله وجهان، أحدُهما: أنَّ «حتى» بمعنى «إلى» ، أي: إلى أن يقولَ، فهو غايةٌ لما تقدَّم من المسِّ والزلزالِ، و «حتى» إنما يُنْصَبُ بعدها المضارعُ المستقبلُ، وهذا قد وقع ومَضَى. فالجوابُ: أنه على حكايةِ الحالِ، حكى تلك الحالَ. والثاني: أنَّ «حتى» بمعنى «كي» ، فتفيدُ العِلَّةَ، وهذا ضَعيفٌ؛ لأنَّ قولَ الرسول والمؤمنين ليس علةً للمسِّ والزلزالِ، وإن كان ظاهرُ كلامِ أبي البقاء على ذلك فإنه قال: «ويُقْرَأ بالرفعِ على أن يكونَ التقديرُ: زُلْزِلُوا فقالوا: فالزَّلْزَلَةُ سببُ القولِ» و «أَنْ» بعد «حتى» مضمرةٌ على كِلا التقديرين. وقرأ نافع برفِعِهِ على أنَّه حالٌ، والحالُ لا يُنْصَبُ بعد «حتى» ولا غيرِها، لأنَّ الناصبَ يُخَلِّصُ للاستقبالِ فتَنَافيا. واعلم أنَّ «حتى» إذا وَقَعَ بعدها فعلٌ: فإمَّا أن يكونَ حالاً أو مستقبلاً أو ماضياً، فإنْ كان حالاً رُفِعَ نحو: «مَرِض حتى لا يَرْجونه» أي في الحال. وإن كان مستقبلاً نُصِبَ، تقول: سِرْتُ حتى أدخلَ البلدَ وأنت لم تدخُلْ بعدُ. وإن كان ماضياً فتحكيه، ثم حكايتُك له: إمَّا أَنْ تَكونَ بحسَب كونِهِ مستقبلاً، فتنصبَه على حكايةِ هذه الحالِ، وإمَّا أن يكونَ بحسَبِ كونِهِ حالاً، فترفَعَهُ على حكايةِ هذه الحالِ، فيصدُقُ أن تقولَ في قراءةِ الجماعةِ: حكايةُ حالٍ، وفي قراءةِ نافع أيضاً: حكايةُ حالٍ. وإنَّما نَبَّهْتُ على ذلك لأنَّ عبارةَ بعضِهم

стр. 1056

تَخُصُّ حكايةً الحالِ بقراءةِ الجمهورِ، وعبارَةَ آخرين تَخُصُّها بقراءةِ نافع. قال أبو البقاء في قراءةِ الجمهور: «والفعلُ هنا مستقبلٌ حُكِيت به حالُهم والمعنى على المُضِيِّ» وكان قد تقدَّم أنه وجَّه الرفعَ بأنَّ «حتى» للتعليلِ. قوله: «معه» هذا الظرفُ يجوزُ أن يكونَ منصوباً بيقول، أي: إنهم صاحبوه في هذا القولِ وجامَعُوه فيه، وأن يكونَ منصوباً بآمنوا، أي: صاحبوه في الإِيمانِ. قوله: ﴿متى نَصْرُ الله﴾ «متى» منصوبٌ على الظرفِ فموضعُهُ رفعٌ خبراً مقدماً، و «نصرٌ» مبتدأٌ مؤخرٌ. وقال أبو البقاء: «وعلى قولِ الأخفش موضعُه نصبٌ على الظرفِ و» نصرُ «مرفوعٌ به» . و «متى» ظرفُ زمانٍ لا يَتَصَرَّفُ إلا بجرِّه بحرفٍ. وهو مبنيٌّ لِتَضَمُّنِهِ: إما لِمَعْنَى همزة الاستفهام وإمَّا معنى «مَنْ» الشرطية، فإنه يكونُ اسمَ استفهامٍ، ويكونُ اسمَ شرطٍ فيجزمُ فعلين شرطاً وجزاءً. والظاهرُ أنَّ جملةَ ﴿متى نَصْرُ الله﴾ من قولِ المؤمنينَ، وجملةَ ﴿ألا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ﴾ من قولِ الرسولِ، فَنُسِبَ القولُ إلى الجميعِ إجمالاً، ودلالةُ الحالِ مبيِّنَةٌ للتفصيلِ المذكور. وهذا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ زَعَم أَن في الكلامِ تقديماً وتأخيراً، والتقديرُ: حتى يقولَ الذين آمنوا ﴿متى نَصْرُ الله﴾ فيقولُ الرسولُ «إلا إنَّ» ، فَقُدِّمَ الرسولُ لمكانَتِهِ، وقُدِّم المؤمنون لتقدُّمِهِم في الزمان. قال ابن عطية: «هذا تَحَكُّمٌ وحَمْلُ الكلامِ على غير وجهِهِ»

стр. 1057

وهو كما قال. وقيل: الجملتانِ من قولِ الرسولِ والمؤمنين معاً، يعني أن الرسولَ قالَهما معاً، وكذلك أتباعُهُ قالوهما معاً، وقولُ الرسول ﴿متى نَصْرُ الله﴾ ليس على سبيلِ الشَّكِّ، إنما هو على سبيلِ الدعاء باستِعْجَال النصر. وقيل: إنَّ الجملةَ الأولى من كلام الرسولِ وأتباعه، والجملة الأخيرةَ من كلامِ اللَّهِ تعالى، أجابهُم بما سألوه الرسُلُ واستبطَأَهُ الأتباع. فالحاصل أن الجملتين في محل نصب بالقول.

стр. 1058

قوله تعالى: ﴿مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ : قد تقدَّم أنَّ «ماذا» له ستة استعمالات/ وتحقيقُ القولِ فيه عند قولِه ﴿مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا﴾ [البقرة: ٢٦] . وهنا يجوزُ أَنْ تكونَ «ماذا» بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ بمعنى الاستفهام فتكونَ مفعولاً مقدَّماً، ويجوزُ أن تكونَ «ما» و «ذا» خبرَه، وهو موصولٌ. و «ينفقون» صلتُه والعائدُ محذوفٌ، و «ماذا» معلِّقٌ للسؤال فهو في موضعِ المفعولِ الثاني، وقد تقدَّم تحقيقُه في قوله: ﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم﴾ [البقرة: ٢١١] ، وجاء «ينفقون» بلفظ الغيبة؛ لأنَّ فاعلٌ الفعلِ قبلَه ضميرُ غَيْبَةٍ في «يسألونك» ، ويجوزُ في الكلامِ «ماذا ننفقُ» كما يجوزُ: أَقْسَمَ زيدٌ ليَضْرِبَنَّ ولأضْرِبَنَّ، وسيأتي لهذا مزيدٌ بيانٍ في قولِه تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٤] في المائدةِ. [قوله] : ﴿قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ﴾ يجوزُ في «ما» وجهان، أحدُهما: أن تكونَ شرطيةً، وهو الظاهرُ لتوافق ما بعدها، ف «ما» في محلِّ نصبٍ مفعولٌ مقدَّمٌ واجبُ التقديمِ، لأنَّ له صدرَ الكلامِ. و «أنفقْتُمْ» في محلِّ جزمٍ بالشرطِ، و «مِنْ خيرٍ» تقدَّم إعرابُه في قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾ [البقرة: ١٠٦] .

стр. 1059

وقوله: ﴿فَلِلْوَالِدَيْنِ﴾ جوابُ الشرطِ، وهذا الجارُ خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ أي: فمَصْرِفُه للوالدَيْن، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ: إمَّا مفردٌ وإمَّا جملةٌ على حَسَبِ ما ذُكِر من الخلافِ فيما مَضَى. وتكونُ الجملةُ في محلِّ جزمٍ بجوابِ الشرطِ. والثاني: أن تكونَ «ما» موصولةً، و «أنفقتم» صلتُها، والعائدُ محذوفٌ لاستكمالِ الشروطِ، أي: الذي أنفقتموه. والفاءُ زائدةٌ في الخبرِ الذي هو الجارُّ والمجرورُ. قال أبو البقاء في هذا الوجهِ: «ومِنْ خيرٍ يكونُ حالاً من العائدِ المحذوفِ» . وهم إنما سألوا عن المُنْفَقِ، فكيف أُجيبوا ببيانِ المَصْرِفِ للمُنْفِقِ عليه؟ فيه أجوبةٌ منها: أنَّ في الآيةِ حَذْفاً وهو المُنْفَقُ عليه فَحُذف، تقديره: ماذا ينفقون ولِمَنْ يُعْطونه، فجاء الجوابُ عنهما، فأجابَ عن المُنْفَقِ بقوله: «مِنْ خيرٍ» وعن المُنْفقِ عليه بقوله: «فللوالدَيْن» وما بعده. ومنها: أن يكون «ماذا» سؤالاً عن المَصْرِفِ على حَذْفِ مضافٍ، تقديرُه: مَصْرِفُ ماذا يُنْفقون؟ ومنها: أن يكونَ حَذَفَ من الأولِ ذِكْرَ المَصْرِفِ ومن الثاني ذِكْرَ المُنْفَقِ، وكلاهما مرادٌ، وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك في قولِه تعالى: ﴿وَمَثَلُ الذين كَفَرُواْ كَمَثَلِ﴾ [البقرة: ١٧١] . وقال الزمخشري: قد تضمَّن قولُه: ﴿مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ﴾ بيانَ ما يُنفقونه. وهو كلُّ خيرٍ؛ وبُني الكلامُ على ما هو أَهَمُّ وهو بيانُ المَصْرِفِ، لأنَّ النفقة لا يُعْتَدُّ بها أَنْ تقعَ موقِعَها. [قال] : ٩٢٥ - إنَّ الصنيعة لا تكونُ صنيعةً ... حتى يُصابَ بها طريقُ المَصْنَعِ «

стр. 1060

وأمَّا قولُه: ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ﴾ ف» ما «شرطيةٌ فقط لظهورِ عملها الجزمَ بخلافِ الأولى. وقرأ علي ﵁:» وما يفعلوا «بالياء على الغَيْبَة، فيُحْتمل أن يكونَ من بابِ الالتفات من الخطابِ، وأن يكونَ مِنْ الإِضمارِ لدلالةِ السياقِ عليه، أي: وما يفعلِ الناسُ.

стр. 1061

وقرىء: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال﴾ : ببناءِ «كَتَب» للفاعل وهو ضميرُ اللهِ تعالى ونَصْبِ «القتال» . قوله: ﴿وَهُوَ كُرْهٌ﴾ هذه واوُ الحالِ، والجملةُ بعدها في محلِّ نصبٍ عليها والظاهرُ أنَّ «هو» عائدٌ على القتالِ. وقيل: يعودُ على المصدرِ المفهومِ من كَتَب، أي: وكَتْبُه وفَرْضُه. وقرأ الجمهورُ «كُرْهٌ» بضمِّ الكافِ، وقرأ السلميُّ بفتحِها. فقيل: هما بمعنىً واحدٍ، أي: مصدران كالضَّعْف والضُّعْف، قاله الزجاج وتبعه الزمشخري. وقيل: المضمومُ اسمُ مفعولٍ والمفتوحُ المصدرُ. وقيل: المفتوحُ بمعنى الإِكراه، قالَه الزمخشري في توجيهِ قراءةِ السُّلَمي، إلا أنَّ هذا من بابِ مجيءِ المصدرِ على حَذْفِ الزوائدِ وهو لا ينقاسُ. وقيل: المفتوحُ ما أُكْرِهَ عليه المرءُ، والمضمومُ ما كَرِهَهُ هو. فإن كان «الكَرْهُ» و «الكُرْه» مصدراً فلا بُدَّ من تأويلٍ يجوزُ معه الإِخبار به عن «هو» ، وذلك التأويلُ: إمَّا على حَذْفِ مضاف، أي: والقتالُ ذو كُرْهٍ، أو على المبالَغَةِ، أو على وقوعِه موقعَ اسمِ المفعول. وإنْ قُلْنا: إنَّ «كُرْهاً»

стр. 1062

بالضمِّ اسمُ مفعولٍ فلا يُحْتاجُ إلى شيءٍ من ذلك. و «لكم» في محلِّ رفعٍ، لأنه صفةٌ لكُره، فيتعلَّقُ بمحذوفِ أي: كرهٌ كائِنٌ. قوله: ﴿وعسى أَن تَكْرَهُواْ﴾ «عسى» فعلٌ ماضٍ نُقِل إلى إنشاءِ الترجِّي والإِشفاق. وهو يرفعُ الاسمَ ويَنْصِبُ الخَبَر، ولا يكونُ خبرُها إلا فعلاً مضارعاً مقروناً ب «أَنْ» . وقد يجيءُ اسماً صريحاً كقوله: ٩٢٦ - أَكْثَرْتَ في العَذْلِ مُلِحَّاً دائماً ... لا تُكْثِرَنْ إني عَسَيْتُ صائِماً وقالَتِ الزبَّاء: «عسى الغُوَيْرُ أَبُؤسا» وقد يَتَجَرَّدُ خبرُها من «أَنْ» كقوله: ٩٢٧ - عسى فَرَجٌ يأتي به اللهُ إنه ... له كلَّ يومٍ في خَلِقَتِهِ أَمْرُ وقال آخر: ٩٢٨ - عَسَى الكربُ الذي أَمْسَيْتَ فيه ... يكونُ وراءَه فرجٌ قَرِيبُ وقال آخر: ٩٢٩ - فأمَّا كَيِّسٌ فَنَجا ولكِنْ ... عَسَى يَغْتَرُّ بي حَمِقٌ لَئيمُ

стр. 1063

وتكونُ تامة إذا أُسْنِدَتْ إلى «أَنْ» أو «أنَّ» ، لأنهما يَسُدَّان مَسَدَّ اسمها وخبرها، والأصحُّ أنها فعلٌ لا حرفٌ، لاتصالِ الضمائرِ البارزةِ المرفوعةِ بها، ووزنُها «فَعَل» بفتح العين، ويجوزُ كَسْرُ عينِها إذا أُسْنِدَتْ لضمير متكلمٍ أو مخاطبٍ أو نونِ إناثٍ، وهي قراءةُ نافعٍ، وستأتي: ولا تتصرَّفُ بل تلزم المضيَّ. والفرقُ بين الإِشفاقِ والترجِّي بها في المعنى: أنَّ الترجِّي في المحبوباتِ والإِشفاقَ في المكروهاتِ. و «عسى» من الله تعالى واجبةٌ؛ لأنَّ الترجِّي والإِشفاق مُحالان في حقَّه. وقيل: كلُّ «عسى» في القرآن للتحقيقِ، يَعْنُون الوقوعَ، إلا قولَه تعالى: ﴿عسى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] الآية، وهي في هذه الآيةِ ليسَتْ ناقصةً فتحتاجُ إلى خبرٍ بل تامةٌ، لأنها أُسْنِدَتْ إلى «أَنْ» ، وقد تقدَّم أنها تَسُدُّ مسدَّ الخبرين بعدها. وزعم الحوفي أن «أَن تكرهوا» في محلِّ نصب، ولا يمكن ذلك إلا بتكلُّفٍ بعيد. قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ في هذه الجملةِ وجهان، أظهرُهما: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال/ وإنْ كانَتْ الحالُ من النكرةِ بغيرِ شرطٍ من الشروطِ المعروفةِ قليلةً. والثاني: أن تكونَ في محلِّ نصبٍ على أنها صفةٌ لشيئاً. وإنما دخلتِ الواوُ على الجملةِ الواقعةِ لأنَّ صورتَها صورةُ الحالِ. فكما تدخل الواوُ عليها حاليةً تدخلُ عليها صفةً، قاله أبو البقاء. ومثلُ ذلك ما أجازه الزمخشري في قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾

стр. 1064

فَجَعل: «ولها كتابٌ» صفةً لقرية، قال: «وكان القياسُ ألاَّ تتوسَّطَ هذه الواوُ بينهما كقولِه: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ وإنما توسَّطَتْ لتأكيدِ لصوقِ الصفةِ بالموصوفِ، وما يُقال في الحالِ:» جاءني زيدٌ عليه ثوبٌ، وعليه ثوبٌ «. وهذا الذي أجازه أبو البقاء هنا والزمخشري هناك هو رأيُ ابنِ جني، وسائرُ النَّحْويين يُخالِفونه.

стр. 1065

قوله تعالى: ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾ : قراءةُ الجمهور: «قتالٍ» بالجر، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ أحدها: أنه خفضٌ على البدلِ من «الشهر» بدلِ الاشتمال؛ إذ القتالُ واقعٌ فيه فهو مشتملٌ عليه. والثاني: أنه خفضٌ على التكرير، قال أبو البقاء: «يريد أنَّ التقديرَ:» عن قتالٍ فيه «. وهو معنى قول الفراء، لأنه قال:» وهو مخفوضٌ ب «عَنْ» مضمرةً. وهذا ضعيفٌ جداً، لأنَّ حرفَ الجر لا يبقى عملُه بعد حذفِه في الاختيار «. وهذا لا ينبغي أن يُعَدَّ خلافاً بين البصريين والكسائي والفراء، لأنَّ البدلَ عند جمهور البصريين على نِيَّةِ تكرار العامل، وهذا هو بعينه قولُ الكسائي. وقوله: لأنَّ حرفَ الجرِّ لا يَبْقَى عملُه بعد حَذْفِه» إن أراد في غيرِ البدل فَمُسَلَّم، وإن أرادَ في البدلِ فممنوعٌ، وهذا هو الذي عناه الكسائي. الثالث: قاله أبو عبيدة: «أنه خفضٌ على الجِوار» . قال أبو البقاء: «وهو أَبْعَدُ من قولِهما - يعني الكسائيَّ والفراء - لأن الجِوار من مواضعِ الضرورةِ أو الشذوذِ فلا يُحْمَلُ عليه

стр. 1066

ما وُجِدَتْ عنه مَنْدُوحة» . وقال ابن عطية: «هو خطأ» . قال الشيخ: «إن كان أبو عبيدة عَنَى بالجِوار المصطلحَ عليه فهو خطأ. وجهةٌ الخطأِ أنَّ الخفض على الجوار عبارةٌ عن أن يكونَ الشيءُّ تابعاً لمرفوعٍ أو منصوبٍ من حيثُ اللفظُ والمعنى فَيُعْدَلَ به عن تَبَعيِّتِه لمتبوعِه لفظاً، ويُخْفَضَ لمجاوَرَتِه لمخفوضٍ. كقولِهم:» هذا جُحْر ضَبًّ خَرِبٍ «بجرِّ» خرب «، وكان من حقِّه الرفعُ؛ لأنه من صفاتِ الجحر لا من صفاتِ الضبِّ، ولهذه المسألةِ مزيدُ بيانٍ يأتي في موضِعه إن شاء الله تعالى، و» قتالٍ «هنا ليس تابعاً لمرفوعٍ أو منصوب وجاور مخفوضاً فَخُفِض. وإن كان عَنَى أنه تابعٌ لمخفوضٍ فَخَفْضُه بكونه جاور مخفوضاً، أي صار تابعاً له، لم يكنْ خطأً، إلا أنه أغْمَضَ في عبارته فالتبس بالمصطلحِ عليه. وقرأ ابن عباس والأعمش:» عن قتالٍ «بإظهارِ» عن «وهي في مصحفِ عبد الله كذلك،، وقرأ عكرمة:» قَتْلٍ فيه، قل قتلٌ فيه «بغير ألف. وقُرىء شاذاً:» قتالٌ فيه «بالرفع، وفيه وجهان، أحدهما: أنه مبتدأٌ والجارُّ والمجرورُ بعده خبرٌ، وسَوَّغ الابتداء به وهو نكرةٌ أنه على نيةِ همزةِ الاستفهامِ، تقديرُه: أقتالٌ فيه. والثاني: أنه مرفوعٌ باسم فاعل تقديرُه: أجائزٌ قتالٌ فيه، فهو فاعلٌ به. وعَبَّر أبو البقاء في هذا الوجهِ بان يكونَ خبر مبتدأٍ محذوفٍ، فجاء رفعُه من ثلاثةِ أوجهٍ: إمَّا مبتدأٌ وإمَّا فاعلٌ وإمَّا خبرُ مبتدأٍِ. قالوا: ويَظْهَرُ هذا من حيث إنَّ سؤالهم لم يكن عن كينونةِ القتالِ في الشهرِ

стр. 1067

أم لا، وإنما كان سؤالُهم: هل يجوزُ القتالُ فيه أولا؟ وعلى كِلا هذين الوجهين فهذه الجملةُ المُسْتَفْهَمُ عنها في محلِّ جرٍ بدلاً من الشهرِ الحرامِ، لأن «سأل» قد أخَذَ مفعولَيْه فلا تكونُ هي المفعولَ وإن كانت مَحَطَّ السؤالِ. وقوله: ﴿فِيهِ﴾ على قراءةِ خفضٍ «قتالٍ» فيه وجهان، أحدُهما: أنه في محلِّ خفضٍ لأنه صفةٌ ل «قتال» . والثاني: أنه في محلِّ نصبٍ لتعلُّقه بقتال لكونه مصدراً. وقال أبو البقاء: «كما يتعلَّقُ بقاتل» . ولا حاجة إلى هذا التشبيه، فإنَّ المصدر عاملٌ بالحَمْلِ على الفعلِ. والضميرُ في «يسألونك» قيل للمشركين، وقيل للمؤمنين. والألفُ واللامُ في «الشهر» قيل: للعهدِ وهو رجب، وقيل: للجنسِ فَيَعُمُّ جميعَ الأشهرِ الحُرُمِ. قوله: ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ، مَحلُّها النصبُ بقُلْ، وجازَ الابتداءُ بالنكرةِ لأحدِ وجهينِ: إمَّا الوصفُ، إذا جَعَلْنَا قولَه «فيه» صفةً له وإمَّا التخصيصُ بالعملِ إذا جَعَلْناه متعلقاً بقتال، كما تقدَّم في نظيرِه. فإنْ قيل: قد تقدَّم لفظُ نكرة وأُعيدت من غيرِ دخول ألفٍ ولامٍ عليها وكان حقُّها ذلك، كقوله تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: ١٥-١٦] فقال أبو البقاء: «ليس المرادُ تعظيمُ أيِّ قتالٍ كان، فعلى هذا» قتالٌ «الثاني غيرُ الأول» ، وهذا غيرُ واضحٍ؛ لأنَّ الألف واللامَ في الاسمِ المُعادِ أولاً لا تفيدُ

стр. 1068

تعظيماً، بل إنما تفيدُ العهد في الاسمِ السابقِ. وأَحْسَنُ منه قَولُ بعضِهم: «إنَّ الثاني غيرُ الأولِ، وذلك أنَّ سؤالهم عن قتالِ عبدِ الله بن جحش، وكان لنصرةِ الإِسلامِ. وخُذْلانِ الكفرِ فليس من الكبائرِ، بل الذي من الكبائرِ قتالٌ غيرُ هذا، وهو ما كانَ فيه إذلالُ الإِسلامِ ونصرةُ الكفرِ، فاختير التنكيرُ في هذين اللفظين لهذه الدقيقةِ، ولو جِيء بهما معرفتين أو بأَحدِهما مُعَرَّفاً لَبَطَلَتْ هذه الفائدةُ» . قوله: ﴿وَصَدٌّ﴾ فيه وجهان، أحدُهما مبتدأٌ وما بعده عطفٌ عليه، و «أكبرُ» خبرٌ عن الجميعِ. وجاز الابتداءُ بصدّ لأحدِ ثلاثةِ أوجهٍ: إمَّا لتخصيصِه بالوصفِ بقولِه: ﴿عَن سَبِيلِ الله﴾ وإمَّا لتعلُّقِه به، وإمَّا لكونِه معطوفاً، والعطفُ من المسوِّغات. والثاني: أنه عطفٌ على «كبيرٌ» أي: قتالٌ فيه كبيرٌ وصَدٌّ، قاله الفراء. قال ابن عطية: «وهو خطأٌ لأنَّ المعنى يسوقُ إلى أنَّ قوله:» وكفرٌ به «عَطْفٌ أيضاً على» كبيرٌ «، ويَجِيءُ من ذلك أنَّ إخراجَ أهلِ المسجدِ منه أكبرُ من الكفرِ، وهو بَيِّنٌ فسادُه» . وهذا الذي رَدَّ به قولَ الفراء غيرُ لازم له؛ إذ له أن يقول: إنَّ قولَه «وكفرٌ به» مبتدأٌ، وما بعده عطفٌ عليه، و «أكبرُ» خبرٌ عنهما، أي: مجموعُ الأمرين أكبرُ من القتال والصدِّ، ولا يلزَمُ من ذلك أن يكونَ إخراجُ أهلِ المسجدِ أكبرَ من الكفر، بل يلزمُ منه أنه أكبرُ من القتالِ. في الشهرِ الحرامِ. وهو مصدرٌ حُذِفَ فاعلُه ومفعولُه؛ إذ التقديرُ: وصَدُّكم - يا كفارُ - المسلمين عن سبيلِ الله وهو الإِسلامُ. و «كفرٌ» فيه وجهان، أحدُهما: أنه عطفٌ على «صَدّ» على قولنا بأن «

стр. 1069

صداً» مبتدأٌ لا على قولنا بأنه خبرٌ ثان عن «قتال» ، لأنه يلزَمُ منه أن يكونَ القتالُ في الشهرِ الحرامِ كفراً وليس كذلك، إلا أَنْ يرادَ بقتالِ الثاني ما فيه هَدْمُ الإِسلامِ وتقويةُ الكفرِ كما تقدَّم ذلك عن بعضِهم، فيكونُ كفراً، فَيَصِحُّ عطفُه عليه مطلقاً، وهو أيضاً مصدرٌ لكنه لازمٌ، فيكونُ قد حُذِفَ فاعلُه فقط: أي: وكُفْرُكم. والثاني: أن يكونَ مبتدأً كما يأتي تفصيلُ القولِ فيه. والضميرُ في «به» فيه وجهان، أحدُهما: / أنه يعودُ على «سبيل» لأنه المحدَّثُ عنه. والثاني أنه يعودُ على الله، والأولُ أظهرُ. و «به» فيه الوجهان، أعني كونَه صفةً لكفر، أو متعلقاً به، كما تقدَّم في «فيه» . قوله: ﴿والمسجد الحرام﴾ الجمهورُ على قراءته مجروراً. وقرىء شاذاً مرفوعاً. فأمَّا جرُّه فاختلف فيه النحويون على أربعةِ أوجهٍ، أحدها: - وهو قولُ المبرد وتبعه في ذلك الزمخشري وابنُ عطية، قال ابن عطية: «وهو الصحيحُ - أنه عطفٌ على» سبيلِ الله «أي: وصَدٌّ عن سبيلِ الله وعن المسجد» . وهذا مردودٌ بأنه يؤدِّي إلى الفصلِ بين أبعاضِ الصلةِ بأجنبي تقريرُه أنَّ «صداً» مصدرٌ مقدَّرٌ بأَنْ والفعلِ و «أَنْ» موصولٌ، وقد جعلتم «والمسجدِ» عطفاً على «سبيلِ» فهو من تمام صلته، وفُصِل بينهما بأجنبي وهو «وكفرٌ به» . ومعنى كونِه أجنبياً أنه لا تعلُّق له بالصلةِ. فإن قيل: يُتَوَسَّعُ في الظرفِ وحرفِ الجر ما لم يُتَّسَعْ في غيرِهما. قيل: إنما قيل بذلك في التقديمِ لا في الفصلِ.

стр. 1070

الثاني: أنه عطفٌ على الهاءِ في «به» أي: وكفرٌ به وبالمسجِد، وهذا يتخرَّج على قول الكوفيين. وأمَّا البصريون فيشترطون في العطفِ على الضميرِ المجرورِ إعادةَ الخافض إلا في ضرورة، فهذا التخريجُ عندهم فاسدٌ. ولا بد من التعرُّض لهذه المسألة وما هو الصحيحُ فيها. فأقولُ وبالله العون: اختلف النحاةُ في العطفِ على الضمير المجرورِ على ثلاثةِ مذاهبَ: أحدُها - وهو مذهبُ الجمهور من البصريين -: وجوبُ إعادةِ الجار إلا في ضرورةٍ. الثاني: أنه يجوزُ ذلك في السَّعَةِ مطلقاً، وهو مذهبُ الكوفيين، وتَبِعهم أبو الحسن ويونس والشلوبيين. والثالث: التفصيلُ، وهو إنْ أُكِّد الضميرُ جاز العطفُ من غيرِ إعادةِ الخافِض نحو: «مررت بك نفسِك وزيدٍ» ، وإلا فلا يجوزُ إلا ضرورةً، وهو قولُ الجَرْميّ. والذي ينبغي أنه يجوزُ مطلقاً لكثرةِ السماعِ الوارد به، وضَعْفِ دليل المانعين واعتضاده بالقياس. أما السَّماعُ: ففي النثرِ كقولِهم: «ما فيها غيرُه وفرسه» بجرِّ «فرسه» عطفاً على الهاء في «غيره» . وقوله: ﴿تَسَآءَلُونَ بِهِ والأرحام﴾ في قراءة جماعةٍ كثيرة، منهم حمزةُ، وستأتي هذه الآيةُ إن شاء الله، ومنه: ﴿وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: ٢٠] ف «مَنْ» عطف على «لكم» في قولِه تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾ وقولُه: ﴿مَا يتلى عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٢٧] عطف على «فيهِنّ» وفيما يُتْلى عليكم «. وفي النظم وهو كثيرٌ جداً، فمنه قولُ العباس بن مرداس: ٩٣٠ - أَكُرُّ على الكتيبةِ لا أُبالي ... أفيها كان حَتْفي أم سواها

стр. 1071

ف» سواها «عطفٌ على» فيها «، وقولُ الآخر: ٩٣١ - تُعَلَّقُ في مثلِ السَّوارِي سيوفُنا ... وما بينها والأرضِ غَوْطٌ نَفانِفٌ وقول الآخر: ٩٣٢ - هَلاَّ سَأَلْتَ بذي الجماجم عنهمُ ... وأبي نُعَيْم ذي اللِّواء المُحْرِقِ وقول الآخر: ٩٣٣ - بنا أبداً لا غيرِنا تُدْرَكُ المُنَى ... وتُكْشَفُ غَمَّاءُ الخطوبِ الفَوادِحِ وقول الآخر: ٩٣٤ - لو كانَ لي وزهيرٍ ثالثٌ وَرَدَتْ ... من الحِمامِ عِدانا شَرَّ مَوْرودِ وقال آخر: ٩٣٥ - إذا أَوْقدوا ناراً لحربِ عَدُوِّهمْ ... فَقَدْ خابَ مَنْ يَصْلَى بها وسعيرِها وقال آخر: ٩٣٦ - إذا بنا بل أُنَيْسانَ اتَّقَتْ فِئَةٌ ... ظَلَّتْ مُؤَمَنَّةً مِمَّنْ يُعادِيها

стр. 1072

وقال آخر: ٩٣٧ - آبَكَ أيِّهْ بيَ أو مُصَدَّرِ ... من حُمُرِ الجِلَّةِ جَأْبٍ حَشُوَرِ وأنشد سيبويه: ٩٣٨ - فاليومَ قَرَّبْتَ تهجُونا وَتشْتِمُنا ... فاذهبْ فما بك والأيام مِنْ عَجَبِ فكثرةُ ورودِ هذا وتصرُّفُهم في حروفِ العطفِ، فجاؤوا تارة بالواو، وأخرى ب» لا «، وأخرى ب» أم «، وأخرى ب» بل «دليلٌ على جوازِه. وأمّا ضَعْفُ الدليل: فهو أنهم منعوا ذلك لأنَّ الضميرَ كالتنوين، فكما لا يُعْطف على التنوين لا يُعْطَفُ عليه إلا بإعادة الجار. ووجهُ ضعفه أنه كان بمقتضى هذه العلةِ ألاَّ يُعْطَفَ على الضمير مطلقاً، أعنى سواءً كان مرفوعَ الموضعِ أو منصوبَه أو مجرورَه، وسواءً أُعيد معه الخافِضُ أم لا كالتنوين. وأمَّا القياسُ فلأنه تابعٌ من التوابعِ الخمسةِ فكما يُؤَكَّدُ الضميرُ المجرورُ ويُبْدَلُ منه فكذلك يُعْطَفُ عليه. الثالث: أن يكونَ معطوفاً على» الشهر الحرام «أي: يسألونَك عن الشهرِ الحرامِ وعن المسجدِ الحرام. قال أبو البقاء:» وضَعُفَ هذا بأنَّ القومَ لم يَسْأَلوا عن المسجدِ الحرام إذ لم يَشُكُّوا في تعظيمِه، وإنما سَأَلوا عن

стр. 1073

القتالِ في الشهرِ الحرامِ لأنه وَقَعَ منهم، ولم يَشْعُروا بدخولِه فخافُوا من الإِثمِ، وكانَ المشركونَ عيَّروهم بذلك «ولا يَظْهَرُ ضَعْفُه بذلكَ لأنه على هذا التخريجِ يكونُ سؤالُهم عن شيئين، أحدُهما القتالُ في الشهر الحرامِ. والثاني: القتالُ في المسجد الحرام، لأنهم لم يَسْأَلوا عن ذات الشهر ولا عن ذاتِ المسجدِ، إنما سألوا عن القتالِ فيهما كما ذَكَرْتُم، فَأُجيبوا بأنَّ القتالَ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ وصَدُّ عن سبيلَ الله تعالى، يكون «قتال» أَخْبر عنه بأنه كبيرٌ، وبأنه صَدٌّ عن سبيل الله، وأُجيبوا بأنَّ القتالَ في المسجد الحرامِ وإخراجَ أهلِه أكبرُ من القتالِ فيه. وفي الجملةِ فَعَطْفُه على الشهرِ الحرامِ متكلَّفٌ جداً يَبْعُدُ عنه نَظمُ القرآنِ والتركيبُ الفصيحُ. الرابع: أَنْ يتعلَّقَ بفعلٍ محذوفٍ دَلَّ عليه المصدرُ تقديرُه: ويَصُدُّون عن المسجدِ، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام﴾ [الفتح: ٢٥] قاله أبو البقاء، وجَعَله جيداً. وهذا غيرُ جيد لأنه يَلْزَمُ منه حذفُ حرفِ الجرِ وإبقاءُ عملهِ، ولا يجوزُ ذلك إلا في صورٍ ليس هذا منها، على خلافٍ في بعضها، ونصَّ النحويون على أنَّه ضرورةٌ كقوله: ٩٣٩ - إذا قيل: أيُّ الناسِ شَرُّ قبيلةٍ ... أشارَتْ كليبٍ بالأكفِّ الأصابعُ أي: إلى كليب فهذه أربعة أوجه، أجودها الثاني. وأمَّا رفعُه فوجهُه أنَه عَطْفٌ على «وكفرٌ به» على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه «وكفرٌّ بالمسجدِ» فَحُذِفَتْ الباءُ وأُضيف «كفرٌ» إلى المسجدِ، ثم حُذِفَ المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامه، ولا يَخْفَى ما فيه من التكلُّفِ، إلا أنه لا تُخَرَّجُ هذه القراءةُ الشاذةُ بأكثرُ مِنْ ذلك.

стр. 1074

قوله: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾ عَطْفٌ على «كفرٌ» أو «صدٌ» على حَسَبِ الخلافِ المتقدَّمِ، وهو مصدرٌ حُذِفَ فاعلُه، وأُضيف إلى مفعولُه، تقديرُه: «وإخراجُكم أهلَه» . والضميرُ في «أهله» و «مِنه» عائدٌ على المسجدِ وقيل: الضميرُ في «منه» عائدٌ على سبيلِ الله، والأول أظهرُ و «منه» متعلِّقٌ بالمصدرِ. قوله: ﴿أَكْبَرُ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه خبرٌ عن الثلاثةِ، أعني: صداً وكفراً وإخراجاً كما تقدَّم، وفيه حينئذٍ احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ خبراً عن المجموعِ، والاحتمالُ الآخرُ أن يكونَ خبراً عنها باعتبارِ كلِّ واحدٍ، كما تقول: «زيدٌ وبكرٌ وعمرٌ أفضلُ من خالدٍ» أي: كلُّ واحِدٍ منهم على انفرادِه أفضلُ من خالدٍ. وهذا هو الظاهرُ. وإنما أُفْرِد الخبرُ لأنه أفضلُ من تقديرِه: أكبر من القتال في الشهرِ الحرامِ. وإنِّما حُذِفَ لدلالةِ المعنى. الثاني من الوجهين في «أكبر» : أن يكونَ خبراً عن الأخير، ويكون خبر «وصد» و «كفر» محذوفاً لدلالة خبر الثالث عليه تقديرُه: وصد وكفر أكبر. قال أبو البقاء/ في هذا الوجه: «ويجب أن يكونَ المحذوفُ على هذا» أكبر «لا» «كبير» كما قدَّره بعضهم؛ لأن ذلك يوجب أن يكون إخراج أهل المسجد منه حُذِفَ خبر «وصد» و «كفر» لدلالة خبر «قتال» عليه أي: القتال في الشهر الحرام كبير، والصد والكفر كبيران أيضاً، وإخراجُ أهل المسجد أكبرُ من القتالِ في الشهر الحرام. ولا يلزم من ذلك أن يكونَ أكبرَ من مجموعِ ما تقدَّم حتى يلزمَ ما قاله من المحذور. قوله: ﴿عِندَ الله﴾ متعلِّق ب «أكبر» ، والعنديةُ هنا مجازٌ لِما عُرف. وصرح هنا بالمفضول في قوله: ﴿والفتنة أَكْبَرُ مِنَ القتل﴾ ؛ لأنه لا دلالة عليه لو حُذِفَ،

стр. 1075

بخلاف الذي قبله حيث حُذِفَ. قوله: «حتى يَرُدُّوكم» حتى حرف جر، ومعناها يَحتمل وجهين: أحدهما: الغاية، والثاني: التعليل بمعنى كي، والتعليلُ أحسنُ لأن فيه ذِكْرَ الحامل لهم على الفعل، والغاية ليس فيها ذلك، ولذلك لم يَذْكر الزمخشري غيرَ كونِها للتعليل قال: «وحتى» معناها التعليل كقولك: فلان يعبد الله حتى يدخل الجنة «أي:» يقاتلونكم كي يردُّكم «ولم يذكر ابن عطية غير كونها غايةً قال:» ويردُّوكم «نصب ب» حتى «لأنها غاية مجردة» وظاهر قوله: «منصوب بحتى» أنه لا يُضْمِر «أَنْ» لكنه لا يريدُ ذلك وإن كان بعضهم يقول بذلك. الفعلُ بعدها منصوبٌ بإضمار أن وجوباً. و «يزالون» مضارع زال الناقصة التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، ولا تعمل إلا بشرطِ أَنْ يتقدَّمها نفيٌ أو نهي أو دعاء، وقد يُحْذف النافي بإطِّراد إذا كان الفعل مضارعاً في جوابِ قسم وإلاَّ فسماعاً، وأحكامُها في كتب النحو، ووزنُها فَعِل بكسر العين، وهي من ذوات الياء بدليل ما حكى الكسائي في مضارعها: يَزيل، وإن كان الأكثر يَزال، فأمَّا زال التامة فوزنها فَعَل بالفتح، وهي من ذوات الواو لقولِهم في مضارعها يَزُول، ومعناها التحول. و «عن دينكم» متعلق «بيردوكم» وقوله: «إن استطاعوا» شرط جوابه محذوف للدلالة عليه أي: إن استطاعوا ذلك فلا يزالون يقاتلونكم، ومَنْ رأى جوازَ تقديمِ الجواب جعل «لا يزالون» جواباً مقدماً، وقد تقدَّم الردُّ عليه بأنه كان ينبغي أَنْ تَجِبَ الفاَءُ في قولِهم: «أنت ظالم إنْ فعلت» .

стр. 1076

قوله: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ﴾ «مَنْ» شرطيةٌ في محلِّ رفع بالابتداءِ، ولم يَقْرأ هنا أحدٌ بالإِدغام، وفي المائدة اختلفوا فيه، فنُؤَخِّر الكلامَ على هذه المسألةِ إلى هناك إن شاءَ اللهُ تعالى. وَيَرْتَدِدُ يَفْتَعِلُ من الردِّ وهو الرجوعُ كقولِه: ﴿فارتدا على آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ [الكهف: ٦٤] : قال الشيخ: «وقد عَدَّها بعضُهم فيما يتعدَّى إلى اثنين إذا كانت عنده بمعنى صَيَّر، وَجَعَلَ من ذلك قولَه: ﴿فارتد بَصِيراً﴾ [يوسف: ٩٦] أي: رَجَع «وهذا منه [سهو] ؛ لأنَّ الخلافَ إنما هو بالنسبةِ إلى كونِها بمعنى صار أم لا، ولذلك مثَّلوا بقوله:» فارتدَّ بصيراً «فمنهم مَنْ جَعَلها بمعنى» صار «، ومنهم مَنْ جَعَل المنصوبَ بعدَها حالاً، وإلا فأينَ المفعولان هنا؟ وأمَّا الذي عَدُّوه يتعدَّى لاثنين بمعنى» صَيَّر «فهو رَدَّ لا ارتدَّ، فاشتبه عليه ردَّ ب» ارتَدَّ «. وصيَّر ب» صارَ «. و» منكم «متعلِّقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه حالٌ من الضميرِ المستكنِّ في» يَرْتَدِدْ «، و» من «للتبعيض، تقديرُه: ومَنْ يَرْتَدِدْ في حالِ كونِه كائناً منكم، أي: بعضكم. و» عن دينه «متعلِّقٌ بيرتددْ. و» فَيَمُتْ «عطفٌ على الشرط والفاءُ مُؤْذِنَةٌ بالتعقيب. ﴿وَهُوَ كَافِرٌ﴾ جملةٌ حاليةٌ من ضميرِ» يَمُتْ «، وكأنها حالٌ مؤكِّدَةٌ لأنها لو حُذِفَتْ لفُهِم معناها، لأنَّ ما قبلَها يُشْعِرُ بالتعقيبِ للارتداد، وجيء بالحالِ هنا

стр. 1077

جملةً، مبالغةً في التأكيدِ من حيث تكرُّرُ الضميرِ بخلافِ ما لو جِيء بها اسماً مفرداً. وقوله: ﴿فأولائك﴾ جوابُ الشرطِ. قالَ أبو البقاء: و» مَنْ في موضعِ مبتدأ، والخبرُ هو الجملةُ التي هي قولُه: «فأولئك حَبِطَتْ» ، وكان قد سَلَفَ له عند قوله: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ﴾ [البقرة: ٣٨] أنَّ خبرَ اسم الشرطِ هو فعلُ الشرطِ لا جوابُه ورَدَّ على مَنْ يَدَّعي ذلك بما حَكَيْتُه عنه ثَمَّةَ، ويَبْعُدُ منه تَوَهُّمُ كونِها موصولةً لظهورِ الجزمِ في الفعلِ بعدها، ومثلُه لا يقعُ في ذلك. و «حَبِط» فيه لغتان: كسرُ العينِ - وهي المشهورةُ - وفَتْحُها، وبها قرأ أبو السَّمَّال في جميعِ القرآنِ، ورويتْ عن الحسنِ أيضاً. والحُبوط: أصلُه الفسادُ ومنه: «حَبِطَ بطنُه» أي: انتفخ، ومنه «رَجلٌ حَبَنْطَى» أي: منتفخُ البطنِ. وحُمِل أولاً على لفظِ «مَنْ» فَأَفْرَدَ في قوله: «يَرْتَدِدْ، فيمتْ وهو كافرٌ» وعلى معناها ثانياً في قولِه: «فأولئك» إلى آخره، فَجَمَع، وقد تقدَّم أن مثلَ هذا التركيبِ أحسنُ الاستعمالَيْنِ: أعني الحَمْلَ أولاً على اللفظِ ثم على المعنى. وقولُه «في الدنيا» متعلِّقٌ ب «حَبِطَتْ» . وقوله: ﴿وأولائك أَصْحَابُ النار﴾ إلى آخرِهِ تقدَّم إعرابُ نظيرتِها. واختلفوا في هذه الجملةِ: هل هي استئنافيةٌ، أي: لمجرَّدِ الإخبارِ بأنهم أصحابُ النارِ، فلا تكونُ داخلةٍ في جزاء الشرطِ، بل تكونُ معطوفةً على جملةِ الشرطِ، أو هيَ معطوفةً على الجوابِ فيكونُ محلُّها الجزم؟ قولان،

стр. 1078

رُجِّع الأولُ بالاستقلالِ وعدمِ التقييدِ، والثاني بأنَّ عطفَها على الجزاءِ أقربُ من عطفِها على جملةِ الشرطِ، والقربُ مُرَجِّحٌ.

стр. 1079

قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ﴾ : إنَّ واسمُها، و «أولئك» مبتدأ، و «يَرْجُون» خبرُه، والجملةُ خبرُ «إنَّ» ، وهو أحسنُ من كونِ «أولئك» بدلاً من «الذين» و «يرجُون خبرٌ» إنَّ «. وجيء بهذه الأوصافِ الثلاثةِ مترتبةً على حَسَبِ الواقعِ، إذ الإيمانُ أولُ ثم المهاجَرةُ ثم الجهادُ. وأَفْرَدَ الإِيمانَ بموصولٍ وحدَه لأنه أصلُ الهجرةِ والجهادِ، وجَمَعَ الهجرةَ والجهادَ في موصولٍ واحدٍ لأنَّهما فَرْعانِ عنه، وأتى بخبرِ» إنَّ «اسمَ إشارة لأنه متضمِّنٌ للأوصافِ السابقةِ. وتكريرُ الموصولِ بالنسبةِ إلى الصفاتِ لا الذواتِ، فإنَّ الذوات متحدةٌ موصوفةٌ بالأوصافِ الثلاثةِ، فهو من بابِ عَطْفِ بعضِ الصفاتِ على بعض والموصوفُ واحدُ. ولا تقولُ: إنَّ تكريرَ الموصولِ يَدُلُّ على تَغايرِ الذواتِ والموصوفةِ لأنَّ الواقعَ كان كذلك. وأتى ب» يَرْجُون «لِيَدُلَّ على التجدُّدِ وأنهم في كلِّ وقتٍ يُحْدِثُون رجاءً. والمهاجَرةُ مُفاعَلَةٌ من الهَجْرِ، وهي الانتقالُ من أرضِ إلى أرضٍ، وأصلُ الهجرِ التركُ. والمجاهدةُ مفاعلةٌ من الجُهْدِ. وهو استخراجُ الوُسْع وبَذْلُ المجهود، والإِجهادُ: بَذْلُ المجهودِ في طَلَبِ المقصودِ، والرجاءُ: الطمعُ، وقال الراغب: وهو ظَنُّ يقتضي حصولَ ما فيه مَسَرَّةٌ، وقد يُطْلَقُ على الخوفِ، وأنشد: ٩٤٠ - إذا لَسَعَتْه النحلُ لَم يَرْجُ لَسْعَها ... وخالَفَها في بَيْتِ نُوبٍ عَواسلِ

стр. 1080

أي: لم يخف/، وقال تعالى: ﴿لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ [يونس: ٧] أي: لا يَخافون، وهل إطلاقُه عليه بطريقِ الحقيقةِ أو المجازِ؟ فزعم قومٌ أنَّه حقيقةٌ، ويكونُ من الاشتراك اللفظي، وزعم قومٌ أنه من الأضدادِ، فهو اشتراكٌ لفظي أيضاً. قال ابنُ عطية:» وليس هذا بجيدٍ «. يعني أن الرجاء والخوفَ ليسا بضدين إذ يمكنُ اجتماعُهما، ولذلك قال الراغب: - بعد إنشادِه البيتَ المتقدم -» ووجْهُ [ذلك] أن الرجاءَ والخوفَ يتلازمان «، وقال ابن عطية:» والرجاءُ أبداً معه خوفٌ، كما أن الخوفَ معه رجاءٌ «. وزعم قومٌ أنه مجازٌ للتلازمِ الذي ذكرناه عن الراغب وابنِ عطية. وأجاب الجاحظُ عن البيتِ بأنَّ معناه لَم يَرْجُ بُرْءَ لَسْعِها وزواله فالرجاءُ على بابه» . وأمَّا قولُه: ﴿لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا﴾ أي لا يَرْجُون ثوابَ لقائِنا، فالرجاءُ أيضاً على بابِه، قاله ابنُ عطية. وقال الأصمعي: «إذا اقترن الرجاءُ بحرفِ النفي كان بمعنى الخوفِ كهذا البيتِ والآيةِ. وفيه نظرٌ إذ النفيُ لا يُغَيِّر مدلولاتِ الألفاظِ. وكُتبت» رحمة «هنا بالتاءِ: إمَّا جرياً على لغةِ مَنْ يَقِفُ على تاءِ التأنيث بالتاءِ، وإمَّا اعتباراً بحالِها في الوصلِ، وهي في القرآن في سبعةِ مواضعَ كُتبت في الجميع تاءً، هنا وفي الأعراف: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ الله﴾ [الأعراف: ٥٦] ، وفي هود: ﴿رَحْمَةُ الله

стр. 1081

وَبَرَكَاتُهُ﴾ [هود: ٧٣] ، وفي مريم: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ [مريم: ٢] ، وفي الروم: ﴿فانظر إلى آثَارِ رَحْمَتِ الله﴾ [الروم: ٥٠] ، وفي الزخرف: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ. . . وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ﴾ [الزخرف: ٣٢] .

стр. 1082

قوله تعالى: ﴿عَنِ الخمر والميسر﴾ : الخمرُ: المُعْتَصَرُ من العِنَبِ إذا غَلى وقَذَفَ بالزَّبَدِ، ويُطْلَقُ على ما غلى وقَذَف بالزَّبَد من غيرِ ماءِ العنب مجازاً. وفي تسميِتها «خمراً» أربعةُ أقوال، أحدُها: - وهو المشهورُ - أنها سُمِّيتْ بذلك لأنهَا تَخْمُر العقلَ أي تستُرُه، ومنه: خِمارُ المرأة لسَتْرِهِ وَجْهَها، و: «خامِري حَضاجِرُ، أتَاك ما تُحَاذِرُ» يُضْرَبُ للأحمقِ، وحضاجرُ عَلَمٌ للضبُع، أي: استتر عن الناس. ودخَل في خِمار الناس وغِمارهم. وفي الحديث: «خَمِّروا آنيتَكم» ، وقال: ٩٤١ - ألا يا زيدُ والضحاكَ سِيرا ... فَقَدْ جاوَزْتُما خَمَرَ الطرِيقِ أي: ما يَسُْرُكما من شجرٍ وغيرِه. وقال العَّجاج يصف مسير جيشٍ ظاهر:

стр. 1083

٩٤٢ - في لامعِ العِقْبَانِ لا يَمْشِي الخَمَرْ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والثاني: لأنها تُغَطَّى حتى تُدْرَكَ وتشتدَّ، ومنه «خَمِّروا آنيتَكم» والثالث: - قال ابنُ الأنباري - لأنها تخامِرُ العقلَ أي: تخالِطُه، يقال: خامره الداءُ أي: خالَطَه. والرابع: لأنها تُتْرَكُ حتى تُدْرَكَ، ومنه: «اختمر العجينُ» أي: بَلَغَ إدراكُه، وخَمَّر الرأيَ أي: تركَه حتى ظهرَ له فيه وجهُ الصوابِ، وهذه أقوالٌ متقاربةٌ. وعلى هذه الأقوال كلِّها تكونُ الخمرُ في الأصل مصدراً مراداً به اسمُ الفاعلِ أو اسمُ المفعولِ. والمَيْسِرُ: القِمار، مَفْعِل من اليُسْر، يقال: يَسَرَ يَيْسِر. قال علقمة: ٩٤٣ - لو يَيْسِرون بخيلٍ قد يَسَرْتُ بها ... وكلُّ ما يَسَرَ الأقَوامُ مَغْرومُ وقال آخر: ٩٤٤ - أقولُ لهم بالشِّعْبِ إذ يَيْسِرونَني ... ألم تَيْئَسوا أني ابنُ فارسِ زَهْدَمِ وفي اشتقاقِه أربعةُ أقوال، أحدُها: من اليُسْر وهو السهولةُ، لأنَّ أَخْذَه سهل. الثاني: من اليَسار وهو الغنى، لأنه يَسْلُبه يساره، الثالثة: مِنْ يَسَر لي كذا أي: وَجَب، حكَاه الطبري عن مجاهد. وردَّ ابنُ عطية عليه. الرابع: من يَسَر إذا جَزَر، والياسرُ الجازرُ، وهو الذي يُجَزِّىء الجَزُور أجزاءً. قال ابن عطية: «وسُمِّيت الجَزُور التي يُسْتَهَمُ عليها مَيْسِراً لأنَّها موضعُ

стр. 1084

اليُسْرِ، ثم سُمِّيت السهامُ مَيْسِراً للمجاورة» واليَسَرُ: الذي يَدْخُل في الضربِ بالقِدَاح، ويُجْمع على أَيْسار، وقيل، بل «يُسَّر» جمع ياسِر كحارِس وحُرَّس وأَحْراس. وللميسر كيفيةٌ، ولسهامه - وتُسَمَّى القِداحَ والأزلامَ أيضاً - أسماءٌ لا بُدَّ من ذِكْرها لتوقَّفِ المعنى عليها. فالكيفيةُ أنَّ لهم عشرةَ أقداح وقيل أحدَ عشرَ، لسبعةٍ منها حظوظٌ، وعلى كل منها خطوطٌ، فالخطُّ يقدِّرُ الحَظَّ، وتلك القداحُ هي: الفَذُّ وله سهمٌ واحد، والتَّوْءَمُ وله اثنان، والرقيبُ وله ثلاثةُ، والحِلْسُ وله أربعةٌ، والنافِسُ وله خمسةٌ، والمُسْبِلُ وله ستةٌ، والمُعَلَّى وله سبعةٌ، وثلاثةٌ أغفالٌ لا خطوطَ عليها وهي المَنِيح والسَّفِيح والوَغْدُ، ومَنْ زاد رابعاً سمَّاه المُضَعَّفُ. وإنما كَثُروا بهذه الأغفالِ ليختلطَ على الحُرْضَة وهو الضاربُ، فلا يميلُ مع أحدٍ، وهو رجلٌ عَدْلٌ عندهم، فيجثوا ويلتحِفُ بثوبٍ، ويُخْرِج رأسه، فيجعلُ تلك القداحَ في الرِّبابة وهي الخَريطةُ، ثم يُخَلْخِلُها ويُدْخِلُ يده فيها، ويُخْرِجُ باسم رجلٍ رجلٍ قَدَحاً فَمَنْ خَرَجَ على اسمه قدحٌ: فإنْ كانَ من ذوات السهام فاز بذلك النصيبِ وأخذَه، وإنْ كان من الأغفال غرِّم من الجَزور، وكانوا يفعلون هذا في الشَّتْوة وضيقِ العيش، ويُقَسِّمونه على الفقراء ولا يأكلون منه شيئاً، ويفتخرون بذلك، ويسمون مَنْ لم يَدْخُل معهم فيه: البَرَم، والجَزورُ تُقْسَمُ عند الجمهور على عددِ القداحِ فتقسَمُ عشرةَ أجزاء، وعند الأصمعي على عددِ خطوط القداحِ، فتقسم على ثمانيةٍ وعشرين جزءاً. وخَطَّأ ابنُ عطية الأصمعيَّ في ذلك، وهذا عجيبٌ منه، لأنه يُحْتَمل أنَّ العربَ كانت تقسِّمُها مرةً على عشرةٍ ومرةً على ثمانية وعشرين/. وقولُه ﴿عَنِ الخمر﴾ لا بد من حذفِ مضافٍ، إذ السؤالُ عن ذَاتَيْ الخمرِ

стр. 1085

والميسرِ غيرُ مُرادٍ. والتقدير. عن حكمِ الخمرِ والميسرِ حِلاًّ، وحُرْمَةً، ولذلك جاء الجوابُ مناسباً لهذا المُقَدَّرِ. قوله: ﴿فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الجارُّ خبرٌ مقدمٌ، و «إثمٌ» مبتدأٌ مؤخر، وتقديمُ الخبرِ هنا ليس بواجبٍ وإن كان المبتدأُ نكرةً، لأنَّ هنا مسوغاً آخر، وهو الوصفُ أو العطفُ، ولا بد من حَذْفِ مضافٍ أيضاً، أي: في تعاطِيهما إثمٌ، لأنَّ الإِثمَ ليس في ذاتِهما. وقرأ حمزةُ الكسائي: «كثيرٌ» بالثاء المثلثة، والباقونَ بالباء ثانيةِ الحروفِ. ووجهُ قراءةِ الجمهور واضح، وهو أن الإِثمَ يُوصف بالكِبرَ، ومنه آية ﴿حُوباً كَبِيراً﴾ [النساء: ٢] . وسُمِّيت الموبِقات: «الكبائر» ، ومنه قولُه تعالى: ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم﴾ [الشورى: ٣٧] ، وشربُ الخمرِ والقمارُ من الكبائرِ، فناسب وصفُ إثمهما بالكِبَر، وقد أجمعَتِ السبعةُ على قوله: «وإثْمهما أكبرُ» بالباء الموحَّدة، وهذه توافقها لفظاً. وأمَّا وجهُ قراءة الأَخَوَين: فإمَّا باعتبارِ الآثمين من الشاربين والمقامرين فلكلِّ واحدٍ إثمٌ، وإما باعتبارِ ما يترتب على تعاطيهما من توالي العقابِ وتضعيفه، وإمّا باعتبارِ ما يترتَّبُ على شُرْبها مِمَّا يصدُر من شاربها من الأقوال السيئة والأفعال القبيحةِ، وإمَّا باعتبار مَنْ يزاولها من لَدُنْ كانت عِنباً إلى أن شُربَتْ، فقد لَعن رسول الله ﷺ الخمر، ولعن معها عشرةً: بائِعَها ومُبتاعَها، فناسَب ذلك أن يُوصَف إثمُها بالكثرةِ. وأيضاً

стр. 1086

فإن قوله: «إثم» مقابلٌ ل «منافع» و «منافع» جمعٌ، فناسَبَ أن تُوصفَ مقابلةً بمعنى الجمعية وهو الكَثْرَةُ. وهذا الذي ينبغي أن يفعله الإِنسانُ في القرآن، وهو أن يَذْكر لكلِّ قراءةٍ توجيهاً من غير تعرُّضٍ لتضعيفِ القراءة الأخرى كما فعل بعضهُم، وقد تقدَّم فصلٌ صالحٌ من ذلك في قراءَتَيْ: «مَلِكَ» و «مالِك» . وقال أبو البقاء: «الأحسنُ القراءةُ بالباء لأنه يُقال: إثمٌ كبير وصغير، ويُقال في الفواحش العظامِ» الكَبائرُ «، وفيما دونَ ذلك» الصغائرُ «وقد قُرىء بالثاءِ وهو جَيدٌ في المعنى، لأن الكثرةَ كِبر، والكثيرَ كبيرٌ، كما أنَّ الصغيرَ حقيرٌ ويَسيرٌ.

стр. 1087

قوله تعالى: ﴿فِي الدنيا﴾ : فيه خمسةُ أوجهٍ، أظهرُها: أن يتعلَّقَ بيتفكرون على معنى يتفكرون في أمرهما، فيأخذونَ ما هو الأصلحُ، ويُؤْثِرُون ما هو أبقى نفعاً. والثاني: أن يتعلَّقَ ب «يبيِّن» ويُرْوَى معناه عن الحسن، وحينئذٍ يُحْتَمَلُ أن يُقَدَّر مضافٍ، أي: في أمرِ الدنيا والآخرة، ويُحْتَمل ألاَّ يقدَّرَ، لأنَّ بيانَ الآيات وهي العلاماتُ يظهرُ فيها. وجعل بعضُهم قولَ الحسن من التقديم والتأخير، ثم قال: «ولا حاجة لذلك، لحَمْلِ الكلام على ظاهره، يعني مِنْ تعلق في الدنيا ب» تتفكرون «. وهذا ليس من التقديم والتأخير في شيء، لأنَّ جملةَ الترجِّي جاريةٌ مَجْرى العلةِ فهي متعلقةٌ بالفعل معنى، وتقديمُ أحدِ المعمولاتِ على الآخرِ لا يقال فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، ويُحْتَمل أن تكونَ اعتراضيةً فلا تقديمَ ولا تأخيرَ. والثالث: ان تتعلَّق بنفسِ» الآيات «لِما فيها من معنى الفعل وهو ظاهرُ قول مكي فيما فهمه عنه ابنُ عطية. قال مكي:» معنى الآيةِ أنه يبيِّن للمؤمنين آياتٍ في الدنيا والآخرةِ يَدُلُّ عليها وعلى منزِلَتِها لعلهم يتفكرون في تلك الآيات «قال ابن عطية:» فقولُه: «في الدنيا» يتعلَّقُ على هذا التأويلِ بالآيات «وما قاله عنه ليس بظاهرٍ، لأنَّ شرحَهُ الآيةُ لا يقتضي تَعَلُّقَ الجار بالآيات. ثم إن عنى ابنُ عطية بالتعلُّق التعلُّق/ الاصطلاحي، فقال الشيخ:»

стр. 1088

فهو فاسدٌ، لأنَّ «الآيات» لا تعملُ شيئاً البتة، ولا يتعلَّقُ بها ظرفٌ ولا مجرورٌ «وهذا من الشيخ فيه نظرٌ، فإن الظروفَ تتعلَّقُ بروائح الأفعال، ولا شك أن معنى الآياتِ العلاماتُ الظاهرةُ فيتعلَّق بها الظرفُ على هذا. وإن عنى التعلقَ المعنويَّ وهو كونُ الجارِّ من تمام معنى» الآيات «فذلك لا يكون إلا إذا جَعَلْنا الجارَّ حالاً من» الآيات «ولذلك قَدَّرَها مكي نكرةً فقال:» يبيِّن لهم آياتٍ في الدنيا «لِيُعْلِمَ أنها واقعةً موقعَ الصفةِ لآيات، ولا فرقَ في المعنى بين الصفةِ والحالِ فيما نحن بصدده، فعلى هذا تتعلق بمحذوفٍ لوقوعِها صفةً. الرابع: أن تكونَ حالاً من» الآيات «كما تقدَّم تقريرُه الآن. الخامسُ: أن تكون صلةً للآيات فتتعلَّق بمحذوفٍ أيضاً، وذلك مذهبُ الكوفيين فإنهم يَجْعَلُون من الموصولات الاسمَ المعرَّفَ بأَل وأنشدوا: ٩٤٦ - لَعَمْرِي لأنت البيتُ أُكْرِمُ أَهْلَهُ ... وَأَقْعُدُ في أَفْيَائِهِ بالأصائِلِ ف» البيت «عندهم موصول، ولتقرير مذهبِهم والردِّ عليه موضعٌ هو أليقُ به. والتَّفكُّر: تَفَعُّل من الفِكْر، والفِكْر: الذهنُ، فمعنى تفكَّر في كذا: أجال ذهنَه فيه وردَّده. قوله: ﴿إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ﴾ » إصلاحٌ «مبتدأ، وسَوَّغَ الابتداءَ به أحدُ شيئين: إمَّا وصفُه بقوله» لهم «، وإمَّا تخصيصُه بعملِه فيه، و» خيرٌ «خبرُه. و «إصلاحٌ» مصدرٌ حُذِفَ فاعلُهُ، تقديره: إصلاحُكم له، فالخيريَّةُ للجانبين أعني جانبَ المُصْلِحِ والمُصْلَح له، وهذا أَوْلى من تخصيصِ أحدِ الجانبين

стр. 1089

بالإصلاح كما فَعَلَ بعضُهم. قال أبو البقاء: «فيجوزُ أن يكونَ التقديرُ:» خيرٌ لكم «، ويجوز أن يكونَ:» خيرٌ لهم «أي إصلاحُهم نافعٌ لكم» . و «لهم» : إمَّا في محلِّ رفعٍ على أنه صفةً ل «خير» ، أو نصبٍ على أنه متعلق به معمول له كما تقدم. وأجاز أبو البقاء فيه أن يكونَ حالاً من «خير» قُدِّم عليه، وكان أصلُه صفةً فلما قُدِّم انتصَبَ حالاً عنه، واعتذَرَ عن الابتداءِ بالنكرةِ حينئذٍ بأحد وجهينِ: إمَّا لأنَّ النكرةَ في معنى الفعلِ تقديرُه: أَصْلِحُوهم، وإمَّا بأنَّ النكرةَ والمعرفة هنا سواءٌ لأنَّه جنسٌ. قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ﴾ الفاء جوابُ الشرط، و «إخوانُكم» خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: فهم إخوانُكم. والجملةُ ي محلِّ جزمٍ على جوابِ الشرط. والجمهورُ على الرفع، وقرأ أبو مُجْلز: «فإخوانَكم» نصباً بفعل مقدر، أي: فقد خالَطْتُم إخوانَكم. والجملةُ الفعلية أيضاً في محلِّ جزمٍ، وكأن هذه القراءة لم يَطَّلِعْ عليها أبو البقاء، فإنه قال: «ويجوزُ النصبُ في الكلام، أي: فقد خالطْتُم إخوانَكم» . وقوله: ﴿يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح﴾ تقدَّم الكلام عليه في قوله: ﴿إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ﴾ [البقرة: ١٤٣] ، والمُفْسِدُ والمُصْلِحُ جنسان هنا،

стр. 1090

وليس الألف واللام لتعريفِ المعهود، وهذا هو الظاهرُ. وقد يجوز أن تكونَ للعهدِ أيضاً. وفي قوله: ﴿تُخَالِطُوهُمْ﴾ التفاتٌ من ضميرِ الغيبةِ في قولِهِ: «ويسألونك» إلى الخطابِ لينبِّه السامعَ إلى ما يُلْقَى إليه. ووقََع جوابُ السؤالِ بجملتين: إحداهما من مبتدأٍ وخبرٍ، وأُبْرِزَتْ ثبوتيةً مُنَكَّرَة المبتدإِ لتدلَّ على تناولِهِ كلَّ إصلاح على طريقِ البدليةِ، ولو أُضيفَ لَعَمَّ أو لكانَ معهوداً في إصلاحٍ خاص، وكلاهُما غيرُ مرادٍ، إمَّا العمومُ فلا يُمْكِنُ، وأمَّا المعهودُ فلا يتناولُ غيره؛ فلذلك أُوثر التنكيرُ الدالُّ على عمومِ البدل، وأُخْبِرَ عنه ب «خير» الدالِّ على تحصيل الثواب، ليتبادَرَ المسلمُ إليه. والآخرُ من شرطٍ وجزاءٍ، دالّ على جوازِ الوقوعِ لا على طلبه وندبيَّتِهِ. قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله﴾ مفعولُ «شاءَ» محذوفٌ، أي: إعناتَكم. وجوابُ لو: «لأعنَتَكم» ، وهو الكثيرُ أعني ثبوتَ اللامِ في الفعلِ المُثْبَتِ. والمشهورُ قطعُ همزةِ «لأعنتكم» لأنها همزةُ قطعٍ. وقرأ البزي عن ابن كثير في المشهور بتخفيفِها بينَ بينَ، وليس من أصلِهِ ذلك، ورُوِيَ سقوطُها البتة، وهي كقراءة: ﴿فلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] شذوذاً وتوجيهاً. ونسبَ بعضُهم هذه القراءة إلى وَهْم الراوي، باعتبارِ أنه اعتقدَ في سماعِهِ التخفيفَ إسقاطاً، لكنَّ الصحيحَ ثبوتُها شاذةً. والمخالطةُ: الممازَجَةُ. والعَنَتُ: المشقةُ، ومنه «عَقَبَةٌ عَنَوُتٌ» ، أي: شاقةُ المَصْعَدِ.
следующие страницы →