← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 10606–10645 · переход к 10611.

стр. 10606

قوله: ﴿اقرأ﴾ : العامَّةُ على سكونِ الهمزةِ أمراً مِنْ القراءةِ. وقرأ عاصم في روايةِ الأعشى براءٍ مفتوحةٍ، وكأنه قَلَبَ الهمزةَ ألفاً كقولِهم: قرا يَقْرا نحو: سعَى يَسْعى، فلمَّا أَمَرَ منه حَذَفَ الألفَ على حَدِّ حَذْفِها مِنْ اسْعَ، وهذا كقولِ زهير: ٤٦٠٣ -. . . . . . . . . . . . . . . . . ... وإلاَّ يُبْدَ بالظُّلْمِ يُظْلَمِ وقد تقدَّمَ تحريرُه. قوله: ﴿باسم رَبِّكَ﴾ : يجوزُ فيه أوجهٌ، أحدُها: أَنْ تكونَ الباءُ للحال، أي: اقرأ مُفْتِتحاً باسمِ ربِّك، قل باسم الله، ثم اقرَأْ، قاله

стр. 10607

الزمخشري. الثاني: انَّ الباءَ مزيدةٌ والتقدير: اقرأ اسمَ ربِّك، كقولِه: ٤٦٠٤ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... سُوْدُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بالسُّوَرِ وقيل: الاسمُ صلةٌ، أي: اذكُرْ ربَّك، قالهما ابو عبيدة. الثالث: أنَّ الباءَ للاستعانةِ والمفعولُ محذوفٌ تقديرُه: اقرَأْ ما يوحى إليك مُسْتعيناً باسمِ ربِّك. الرابع: أنها بمعنى «على» ، أي: اقرأْ على اسمِ ربِّك كما في قولِه: ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله﴾ [هود: ٤١] قاله الأخفش، وقد تَقَدَّم أولَ هذا الموضوع: كيف قَدَّمَ هذا الفعلَ على الجارِّ وقُدِّرَ متأخراً في بسم الله الرحمن الرحيم وتخريجُ الناسِ له، فأغنى عن إعادَتِه. قوله: ﴿الذي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ «خَلَقَ» الثاني تفسيراً ل «خَلَقَ» الأول يعني انه أَبْهمه أولاً، ثم فَسَّره ثانياً بخَلْقِ الإِنسانِ تفخيماً لخَلْقِ الإِنسانِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ حَذَفَ المفعولَ مِنْ الأولِ، تقديرُه: خَلَقَ كلَّ شيءٍ لأنَّه مُطْلَقٌ فيتناوَلُ كلَّ مخلوق.

стр. 10608

وقوله: ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ : تخصيصٌ له بالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ ما يتناوَلُه الخَلْقُ؛ لأنَّ التنزيلَ إليه. ويجوزُ اَنْ يكونَ تأكيداً لفظياً،

стр. 10609

فيكونُ قد أكَّد الصلةَ وحدَها، كقولك: «الذي قام قام زيدٌ» والمرادُ بالإِنسانِ الجنسُ ولذلك قال: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ جمعَ عَلَقة؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ مخلوقٌ مِنْ عَلَقَةٍ كما في الآية الآخرى.

стр. 10610

وقوله: ﴿الذى عَلَّمَ بالقلم عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ : قريبٌ مِنْ قولِه: «خَلَق، خلَق الإِنسانَ» فلكَ أَنْ تُعيدَ فيه ما تقدَّم.

стр. 10611

قوله: ﴿أَن رَّآهُ﴾ : «أنْ» مفعولٌ له، أي: لرؤيتِه نفسَه مُسْتَغْنياً. وتعدى الفعلُ هنا إلى ضميرَيْه المتصلَيْن؛ لأنَّ هذا مِنْ خواصِّ هذا البابِ. قال الزمخشري: «ومعنى الرؤيةِ العِلْمُ لو كانَتْ بمعنى الإِبصارِ لامتنعَ في فِعْلِها الجمعُ بين الضميرَيْن، و» استغنى «هو المفعول الثاني» . قلت: والمسألةُ فيها خلافٌ: ذهب جماعةٌ إلى أنَّ «رأى» البَصَرية تُعْطي حُكْمَ العِلْمَّية، وجَعَل مِنْ ذلك قولَ عائشةَ ﵂ «لقد رَأَيْتُنا مع رسولِ الله ﷺ وما لنا طعامٌ إلاَّ الأسْوَدان» وأنشد: ٤٦٠٥ - ولقد أَراني للرِّماح دَرِيْئَةً ... مِنْ عَنْ يمين تارةً وأمامي

стр. 10612

وتقدَّم تحقيقُه. وقرأ قنبل بخلافٍ عنه «رَأَه» دونَ ألفٍ بعد الهمزة وهو مقصورٌ مِنْ «رآه» في قراءةِ العامَّةِ، ولا شكَّ أنَّ الحَذْفَ في مثلِه جاء قليلاً كقولِهم: «اصابَ الناسَ جَهْدٌ، ولو تَرَ أهلَ مكةَ» بحَذْفِ لامِ «ترى» وقولِ الآخرِ: ٤٦٠٦ - وَصَّانِيَ العَجَّاجُ فيما وَصَّني ... يريد: وصَّاني ولَمَّا روى ابن مجاهد هذه القراءةَ عن قنبل وقال: «قرأتُ بها عليه» نَسَبه فيها إلى الغلظ. ولا يَنْبغي ذلك لأنه إذا ثبتَتْ قراءةً ولها وجهٌ وإنْ كان غيرُه أشهرَ منه فلا يَنْبغي أَنْ يُقْدِمَ على تَغْليِطِه.

стр. 10613

قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي﴾ : قد تقدَّم لك الكلامُ على هذا الحرفِ مُسْتوفى، وللزمخشريِّ هنا كلامٌ رَأَيْتُ ذِكْرَه لخصوصيَّةٍ تَتَعلَّقُ به قال: «فإن قلتَ: ما متعلَّقُ» أَرَأَيْت «؟ قلت:» الذي يَنْهى «مع الجملةِ الشرطيةِ وهما في موضعِ المفعولَيْنِ. فإن قلت: فأين جوابُ الشرط؟ قلت: هو محذوفٌ تقديرُه: إنْ كان على الهدى أو أمرَ بالتقوى ألم يعلَمْ بأنَّ اللَّهَ يرى، وإنما حُذِفَ لدلالةِ ذِكْرِه في جوابِ الشرطِ الثاني. فإنْ قلتَ: كيف صََحَّ أَنْ يكونَ» ألم يعلَمْ «جواباً للشرِط؟ قلت: كما صَحَّ في قولِك: إنْ أَكْرَمْتُك أتكرِمُني، وإن أَحْسَنَ إليك زيدٌ هل تُحْسِنُ إليه؟ فإنْ قلتَ: فما أَرَأَيْتَ الثانيةُ وتوسُّطُها بين معفولَيْ» أَرَأَيْتَ «؟

стр. 10614

قلت: هي زائدةٌ مكررةٌ للتوكيد» قلت: وإذ قد تَعَرَّض للكلامِ في هذه الآية فَلْنَجْرِ معه: أعلَمْ أَنَّ «ارَأَيْتَ» – كما عَلِمْتَ – لا يكونُ مفعولُها الثاني إلاَّ جملةً استفهاميةً كقولِه: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ﴾ [يونس: ٥٠] إلى آخرِها. ومثلُه كثيرٌ، وهنا «أرَأَيْتَ» ثلاثَ مراتٍ، وقد صَرَّحَ بعد الثالثةِ منها بجملةٍ استفهاميةٍ فتكونُ في موضعِ المفعولِ الثاني لها، ومعفولُها الأولُ محذوفٌ، وهو ضميرٌ يعودُ على «الذي ينهى» الواقعِ مفعولاً أولَ ل «أَرَأَيْتَ» الأولى، ومفعولُ «أَرَأيْتَ» الأولى الذي هو الثاني محذوفٌ، وهو جملةٌ استفهاميةٌ، كالجملةِ الواقعةِ بعد «أَرَأَيْتَ» الثالثةِ وأمَّا «أرأَيْتَ» الثانية فلم يُذْكَرْ لها مفعولٌ لا أولُ ولا ثانٍ، حُذِف الأولُ لدلالة المفعولِ مِنْ «أَرَأَيْتَ» الأولى عليه، وحُذف الثاني لدلالة مفعولِ «أَرَأَيْتَ» الثالثةِ عليه، فقد حُذِف الثاني مِنْ الأولى، والأولُ من الثالثةِ، والاثنان مِنْ الثانيةِ. وليس طَلَبُ كلٍ مِنْ «أَرَأَيْتَ» للجملةِ الاسميةِ على سبيلِ التنازع لأنه يَسْتدعي إضماراً، والجملُ لا تُضْمَرُ، إنما تُضْمَرُ المفردات، وإنما ذلك مِنْ بابِ الحَذْفِ للدلالةِ. وأمَّا الكلامُ على الشرطِ مع «أَرَأَيْتَ» هذه فقد عَرَفْتَه ممَّا في الأنعام في نُطيل الكلامَ بإعادتِه. وتجويزُ الزمخشريِّ وقوعَ جوابِ الشرط استفهاماً بنفسِه لا يجوزُ، بل نَصُّوا على وجوبِ ذِكْرِ الفاءِ في مثله، وإن وَرَدَ شيءٌ فهو ضرورةٌ.

стр. 10615

قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ : الوقفُ على هذه النونِ بالألفِ، تشبيهاً لها بالتنوين، وكذلك يُحْذَفُ بعد الضمة والكسرة وقفاً. وتكتب ههنا ألفاً إتباعاً للوقف. ورُوِي عن أبي عمروٍ «لَنَسْفَعَنَّ» بالنونِ الثقيلةِ. والسَّفْعُ: الأَخْذُ والقَبْضُ على الشيءِ بشدةٍ وجَذْبه. وقال عمرو بن معد يكرب: ٤٦٠٧ - قومٌ إذا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأَيْتَهُمْ ... ما بين مُلْجمِ مُهْرِه أو سافعِ وقيل: هو الأَخْذُ بلغةِ قريشٍ. وقال الراغب: «السَّفْعُ: الأخْذُ بسُفْعِه الفَرَس، أي: بسَوادِ ناصيتِه، وباعتبار السوادِ قيل للأثافيّ:» سُفْعٌ «وبه سُفْعَةُ غَضَبٍ، اعتباراً بما يَعْلُو من اللون الدُّخاني وَجْهَ مَنْ اشتدَّ به الغضبُ، وقيل: للصَّقْر:» أسْفَعُ «لِما فيه مِنْ لَمْعِ السَّوادِ، وامرأةٌ سَفْعاءُ اللونِ» انتهى. وفي الحديث: «فقامَتِ امرأةٌ سَفْعاءُ الخَدَّيْن» .

стр. 10616

قوله: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ﴾ : بدلٌ من الناصية بدلُ نكرةٍ من معرفةٍ. قال الزمخشري: «وجاز بَدَلُها عن المعرفةِ وهي نكرةٌ لأنَّها وُصِفَتْ فاسْتَقَلَّتْ بفائدةٍ» قلت: هذا مذهبُ الكوفيين لا يُجيزون إبدال نكرةٍ مِنْ غيرها إلاَّ بشرط وَصْفِها أو كونِها بلفظِ الأولِ، ومذهبُ البصريين لا يَشْتَرِطُ شيئاً، وأنشدوا:

стр. 10617

٤٦٠٨ - فلا وأبيك خيرٍ منك إنِّي ... لَيُوْذِيْنيْ التَّحَمْحُمُ والصَّهيلُ وقرأ أبو حيوة وابنُ أبي عبلةَ وزيدُ بن علي بنصبِ «ناصيةً كاذبةً خاطئةً» على الشتم. وقرأ الكسائي في روايةٍ بالرفع على إضمارِ: هي ناصية: ونَسَبَ الكَذِبَ والخَطَأَ إليها مجازاً. والألفُ واللامُ في الناصية قيل: عِوَضٌ من الإِضافةِ، أي: بناصيتِه. وقيل: الضميرُ محذوفٌ، أي: الناصية منه.

стр. 10618

قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ : إمَّا أَنْ يكون حَذْفِ مضاف، أي: أهلَ نادِيه أو على التجوُّز في نداءِ النادي لاشتمالِه على الناس كقوله: ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢] . والنادي والنَّدِيُّ: المَجْلِسُ المُتَّخَذُ للحديث. قال زهير: ٤٦٠٩ - وفيهم مَقاماتٌ حِسانٌ وجوهُهُمْ ... وأَنْدِيَةٌ يَنْتابُها القولُ والفِعْلُ وقالت أعرابية: «هو سَيِّدُ ناديه وثمالُ عافية» .

стр. 10619

قوله: ﴿الزبانية﴾ : قال الزمخشري: «الزَّبانية في كلامِ العربِ: الشُّرَطُ، الواحد زِبْنِيَة كعِفْرِية، مِنْ الزَّبْن وهو الدفعُ. وقيل: زِبْنيّ وكأنه نُسِبَ إلى الزَّبْن، ثم غُيِّر للنَّسَبِ، كقولهم: إمْسيّ

стр. 10620

وأصلُه زَبانيّ فقيل: زبانِيَة على التعويض» وقال عيسى بن عمر والأخفش: «واحدُهم زابِن: وقيل: لا واحدَ له مِنْ لفظِه كعَباديد وشماطيط» والحاصلُ أنَّ المادةَ تَدُلُّ على الدَّفْعِ قال: ٤٦١٠ - مطاعيمُ في القُصْوى مطاعينُ في الوغَى ... زبانيَةٌ غُلْبٌ عِظامٌ حُلُومُها وقال آخر: ٤٦١١ - ومُسْتَعْجِبٍ مِمَّا يرى مِنْ أناتِنا ... ولو زَبَنَتْه الحَرْبُ لم يَتَرَمْرَمِ وقال عتبة: «وقد زبَنَتْنا الحربُ وزبَنَّاها» ومنه الزُّبون لأنَّه يُدْفع مِنْ بائعٍ إلى آخر. وقرأ العامَّة «سَنَدْعُ» بنونِ العظمة ولم تُرْسَمْ بالواو، وقد تقدَّم نظيرُه نحو: «يَدْعُ الداعِ» . وقرأ ابنُ أبي عبلة «سيدعى الزبانيةُ» مبنياً للمعفولِ ورَفْعُ الزَّبانية لقيامِها مقامَ الفاعل.

стр. 10621

قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ﴾ : أي: القرآن، أُضْمِرَ للِعْلمِ به. و «في ليلةِ القَدْر» يجوزُ أَنْ يكونَ ظرفاً للإِنزالِ. وفي التفسير: أنه أَنْزَلَه إلى السماءِ الدنيا في هذه الليلةِ. ثم نَزَلَ مُنَجَّماً إلى الأرض في عشرينَ سنة. وقيل: المعنى: أَنْزَلَ في شأنها وفَضْلِها. فليسَتْ ظرفاً، وإنما هو كقولِ عُمَرَ: «خَشِيْتُ أَنْ يَنْزِلَ فيَّ قرأنٌ» وقولِ عائشة: «لأَنا أَحْقُر في نفسي أَنْ يَنْزِل فيَّ قرآنٌ» وسُمِّيَتْ ليلةَ القَدْرِ: إمَّا لتقديرِ الأمور فيها، وإمَّا لضِيقِها بالملائكةِ.

стр. 10622

قوله: ﴿والروح فِيهَا﴾ : يجوزُ أَنْ يرتفعَ «الرُّوحُ» بالابتداءِ، والجارُّ بعدَه الخبرُ، وأن يرتفعَ بالفاعليةِ عطفاً على الملائكةِ، و «فيها» متعلِّقٌ ب «تَنَزَّلُ» قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ : يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ ب «تَنَزَّلُ» وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من المرفوع ب «تَنَزَّلُ» أي ملتبساً بإذن ربِّهم. قوله: ﴿مِّن كُلِّ أَمْرٍ﴾ يجوزُ في «مِنْ» وجهان، أحدهما: أنها

стр. 10623

بمعنى اللام. ويتعلَّقُ ب «تَنَزَّلُ» ، أي: تَنَزَّلُ مِنْ أجلِ كلِّ أمرٍ قُضي إلى العامِ القابل: والثاني: أنَّها بمعنى الباء، أي: تتنزَّلُ بكلِّ أمرٍ، فهي للتعدية، قاله أبو حاتم. وقرأ العامَّةُ «أَمْرٍ» واحدُ الأمور. وابن عباس وعكرمة والكلبي «امْرِئٍ» مُذكَّرُ امرأة، أي: مِنْ أجلِ كلِّ إنسانٍ. وقيل: مِنْ أجل كلِّ مَلَكٍ، وهو بعيدٌ. وقيل: «مِنْ كلِّ أَمْرٍ» ليس متعلقاً ب «تَنَزَّلُ» إنما هو متعلِّقٌ بما بعده، أي: هي سلامٌ مِنْ كلِّ أمرٍ مَخُوفٍ، وهذا لا يتمُّ على ظاهرِه لأنَّ «سَلامٌ» مصدرٌ لا يتقدَّم عليه معمولُه، وإنما المرادُ أنَّه متعلِّقٌ بمحذوفٍ يَدُلُّ عليه هذا المصدرُ.

стр. 10624

قوله تعالى: ﴿سَلاَمٌ هِيَ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ «هي» ضمير الملائكة، و «سلام» بمعنى التسليم، أي: الملائكة ذاتُ تَسْليمٍ على المؤمنين. وفي التفسير: أنهم يُسَلِّمون تلك الليلةَ على كلِّ مؤمنِ ومؤمنة بالتحية. والثاني: أنها ضميرُ ليلةِ القَدْرِ، وسلامٌ بمعنى سَلامة، أي: ليلةُ القَدْرِ ذاتُ سلامةٍ مَنْ شيءٍ مَخْوفٍ. ويجوزُ على كلٍ من التقديرَيْن أَنْ يرتفعَ «سلامٌ» على أنه خبرٌ مقدمٌ، و «هي» مبتدأٌ مؤخرٌ، وهذا هو المشهورُ، وأنْ يرتفع بالابتداء و «هي» فاعلٌ به عند الأخفشِ، لأنه لا يَشْتَرِطُ الاعتمادَ في عَمَلِ الوصفِ. وقد تقدَّم أَنْ بعضَهم يجعلُ الكلامُ تامَّاً على قولِه ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ ويُعَلِّقُ «مِنْ كلِّ أمرٍ» بما بعدَه، وتقدَّم تأويلُه. وقال أبو الفضل: «وقيل: معناه: هي سلامٌ مِنْ كلِّ أمرٍ

стр. 10625

أو امرئٍ، أي: سالمةٌ أو مُسَلَّمةٌ منه. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ» سلامٌ «- هذه اللفظةُ الظاهرةُ التي هي المصدر - عاملاً فيما قبله لامتناع تقدُّمِ معمولِ المصدرِ على المصدرِ، كما أنَّ الصلةَ كذلك، لا يجوزُ تقديمُها على الموصول» انتهى. وقد تقدَّم أنَّ معنى ذلك عند هذا القائلِ أَنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ مَدْلولٍ عليه ب «سَلام» فهو تفسيرُ معنىً لا تفسيرُ إعرابٍ. وما يروى عن ابنِ عباس أنَّ الكلامَ تَمَّ على قولِه تعالى ﴿سلامٌ﴾ ويُبْتدأ ب «هي» على أنَّها خبرُ مبتدأ، والإِشارةُ ب «ذلك» إلى أنها ليلةُ السابعِ والعشرين، لأن لفظةَ «هي» سابعةٌ وعشرون مِنْ كَلِمِ هذه السورةِ، وكأنَّه قيل: ليلةُ القدر الموافقةُ في العددِ لفظةَ «هي» مِنْ كِلَمِ هذه السورةِ، فلا ينبغي أن يُعْتَقَدَ صحتُه لأنه إلغازٌ وتبتيرٌ لنَظْم فصيحِ الكلامِ. قوله: ﴿هِيَ حتى مَطْلَعِ﴾ متعلِّقٌ ب «تَنَزَّلُ» أو ب «سَلامٌ» وفيه إشكالٌ للفَصْلِ بين المصدرِ ومعمولِه بالمبتدأ، إلاَّ يُتَوَسَّعَ في الجارِّ. وفي التفسير: أنهم لا يَزالون يُحَيُّون الناس المؤمنين حتى يَطْلُعَ الفجرُ. وقرأ الكسائي «مَطْلِعِ» بكسر اللام، والباقون بفتحها، والفتح هو القِياسُ والكسرُ سماعٌ، وله أخوات يُحْفَظُ فيها الكسرُ ممَّا ضُمَّ مضارعُه أو فُتح نحو: المَشْرِق والمَجْزِر. وهل هما مصدران أو المفتوحُ مصدرٌ والمكسور مكانٌ؟ خِلافٌ. وعلى كلِّ تقديرٍ فالقياسُ في المَفْعِل مطلقاً مِمَّا ضُمَّتْ

стр. 10626

عينُ مضارعِه أو فُتِحَتْ فَتْحُ العينِ، وإنما يقعُ الفرقُ في المكسور العينِ الصحيح نحو: يَضْرِب.

стр. 10627

قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الكتاب﴾ : متعلِّقٌ بمحذوفٍ، لأنه حالٌ مِنْ فاعل «كفروا» . قوله: ﴿والمشركين﴾ : العامَّةُ على قراءةِ «المشركين» بالياء عطفاً على «أهل» قَسَّمَ الكافرين إلى صِنْفَيْن: أهلِ كتابٍ ومشركين. وقرئ «والمشركون» بالواو نَسَقاً على «الذين كفروا» . قوله: ﴿مُنفَكِّينَ﴾ خبرُ يكون. ومُنْفَكِّينَ اسمُ فاعلٍ مِنْ انْفَكَّ. وهي هنا التامَّةُ، فلذلك لم يَحْتَجْ إلى خبرٍ. وزعم بعضُهم أنها هنا ناقصةٌ وأنَّ الخبرَ مقدرٌ تقديره: منفكِّين عارفين أَمْرَ محمدٍ ﷺ . قال الشيخ: «وحَذْفُ خبرِ كان [وأخواتِها] لا يجوزُ اقتصاراً ولا اختصاراً، وجعلوا قولَه: ٤٦ ١ - ٢-. . . . . . . . . . . . . . . . . . ...

стр. 10628

يَبْغي جِوارَكِ حينَ ليسَ مُجِيرُ أي: في الدنيا ضرورةً» قلت: وَجْهُ مَنْ منع ذلك أنه قال: صار الخبرُ مطلوباً من جهتَيْن: مِنْ جهة كونِه مُخْبَراً به فهو أحدُ جُزْأي الإِسناد، ومِنْ حيث كونُه منصوباً بالفعلِ. وهذا مُنْتَقَضٌ بمعفولَيْ «ظنَّ» فإنَّ كلاًّ منهما فيه المعنيان المذكوران، ومع ذلك يُحْذَفان - أو أحدُهما - اختصاراً، وأمَّا الاقْتصارُ ففيه خِلافٌ وتفصيلٌ مرَّ تفصيلُه في غضونِ هذا التصنيفِ. قوله: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ﴾ : متعلقةٌ ب «لم يكنْ» أو ب «مُنْفَكِّين» .

стр. 10629

قوله: ﴿رَسُولٌ﴾ : العامَّةُ على رفعِه بدلاً من «البيِّنة» : إمَّا بدلَ اشتمالٍ، وإمَّا كلٍ مِنْ كل على سبيلِ المبالغة، جَعَلَ الرسولَ نفسَ البيِّنة، أو على حَذْفِ مضافٍ، أي: بَيِّنَةُ رسولٍ. ويجوزُ رَفْعُه على خبرِ ابتداء مضمرٍ، أي: هي رسولٌ. وقرأ عبد الله وأُبَيّ «رسولاً» على الحالِ من البيِّنة. والكلامُ فيها على ما تقدَّم من المبالغة أو حذف المضافِ. قوله: ﴿مِّنَ الله﴾ يجوزُ تعلُّقُه بنفس «رسولٌ» أو بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل «رسول» وجَوَّز أبو البقاء وجهاً ثالثاً وهو: أَنْ يكونَ حالاً مِنْ «صُحُفاً» والتقدير: يتلُو صُحُفاً مطهَّرة منزَّلةً مِنْ الله، يعني كانت في الأصل صفةً للنكرة فلَّما تقدَّمَتْ عليها نُصِبَتْ حالاً.

стр. 10630

قوله: ﴿يَتْلُو﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ صفةً ل «رسول» ، وأَنْ يكونَ حالاً مِنْ الضمير في الجارِّ قبلَه إذا جَعَلْتَه صفةً ل «رسول» .

стр. 10631

قوله: ﴿فِيهَا كُتُبٌ﴾ : يجوزُ أَنْ تكونَ جملةً صفةً ل «صُحُفاً» ، أو حالاً مِنْ ضمير «مُطَهَّرَة» وأَنْ يكونَ الوصفُ أو الحالُ الجارَّ والمجرورَ فقط، و «كُتُبٌ» فاعلٌ به، وهو الأحسنُ.

стр. 10632

قوله: ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ : العامَّةُ على كَسْرِ اللامِ اسمَ فاعلٍ، وانتصب به «الدّينَ» والحسن بفتحِها على معنى: أنهم يُخْلِصون هم أنفسهم في نياتهم، وانتصب «الدينَ» على أحدِ وجهَيْن: إمَّا إسقاطِ الخافضِ، أي: في الدين، وإمَّا على المصدر من معنى: ليَعْبُدوا، كأنه قيل: ليَدينوا الدينَ، أو ليعبدوا العبادةَ، فالتجوُّز: إمَّا من الفعلِ، وإمَّا في المصدر، وانتصابُ «مُخْلِصِين» على الحال مِنْ فاعل «يعبدون» . قوله: ﴿حُنَفَآءَ﴾ حالٌ ثانيةٌ أو حال من الحالِ قبلَها، أي: من الضمير المستكنِّ فيها. وقوله: ﴿وَمَآ أمروا﴾ ، أي: وما أُمِروا بما أُمِروا به إلاَّ لكذا وقرأ عبد الله «وما أُمِروا إلاَّ أَنْ يَعْبُدوا» أي: بأَنْ يَعْبدوا. وتحريرُ مثلِها في قوله ﴿وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالمين﴾ [الآية: ٧١] في الأنعام. وقوله: ﴿وَذَلِكَ دِينُ القيمة﴾ أي: الأمَّةُ أو المِلَّةُ القيمةُ، أي: المستقيمة. وقيل: الكتبُ القَيِّمة؛ لأنها قد تقدَّمَتْ في الذِّكْرِ، قال

стр. 10633

تعالى: ﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة: ٣] ، فلَّما أعادها أعادَها مع أل العهديةِ كقوله: ﴿فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: ١٦] وهو حسنٌ، قاله محمد بن الأشعت الطالقاني وقرأ عبد الله: «وذلك الدِّين القيمةِ» ، والتأنيثُ حينئذٍ: إمَّا على تأويلِ الدٍّين بالمِلة كقوله: ٤٦١٣ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... سائِلْ بني أسدٍ ما هذه الصَوْتُ بتأويل الصيحة، وإمَّا على أنها تاءُ المبالغةِ كعَلاَّمة.

стр. 10634

قوله: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ﴾ : كما مَرَّ في أول السورة. وقولُه: «في نارِ» هذا هو الخبرُ، و «خالدين» حالٌ من الضمير المستكنِّ في الخبر.

стр. 10635

قوله: ﴿البرية﴾ : قرأ نافعٌ وابن ذَكْوان «البَريئة» بالهمزِ في الحرفَيْن، والباقون بياءٍ مشدَّدةٍ. واخْتُلِف في ذلك الهمز، فقيل: هو الأصلُ، مِنْ بَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ ابتدأه واخترعَه فيه فعليةٌ بمعنى

стр. 10636

مَفْعولةٌ، وإنما خُفِّفَتْ، والتُزِمَ تحفيفُها عند عامَّةِ العربِ. وقد ذَكَرْتُ أنَّ العربَ التزمَتْ غالباً تخفيفَ ألفاظٍ منها: النبيُّ والخابِيةَ والذُّرِّيَّة والبَرِيَّة. وقيل: بل البَرِيَّةُ دونَ همزةِ مشتقةٌ مِنْ البَرا، وهو الترابُ، فهي أصلٌ بنفسِها، فالقراءتان مختلفتا الأصلِ متفقتا المعنى. إلاَّ أنَّ ابنَ عطيةَ غَضَّ مِنْ هذا فقال: «وهذا الاشتقاقُ يَجْعَلُ الهمزةَ خطأً وهو اشتقاقٌ غيرُ مَرْضِيّ» انتهى. يعني أنَّه إذا قيل بأنَّها مشتقةٌ من البَرا وهو الترابُ فمَنْ أين يجيْءُ في القراءةِ الأخرى؟ وهذا غيرُ لازم لأنهما قراءتان مُسْتقلَّتان، لكلٍ منهما أصلٌ مستقلٌ، فقيل: مِنْ بَرَأَ، أي: خَلَق، وهذه مِنْ البَرا؛ لأنَّهم خُلِقوا مِنْه، والمعنى بالقراءتين شيءٌ واحدٌ، وهو جميعُ الخَلْقِ. ولا يُلْتَفَتُ إلى مَنْ ضَعَّف الهمزَ من النحاةِ والقُرَّاءِ لثبوتِه متواتِراً. وقرأ العامَّةُ «خيرُ البَرِيَّة» مقابلاً لشَرّ. وعامر بن عبد الواحد «خِيارُ» وهو جمع خَيِّر نحو: جِياد وطِياب في جمع جَيِّد وطَيِّب، قاله الزمخشري.

стр. 10637

قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ : حالٌ عاملُه محذوفٌ، أي: دَخَلوها أو أُعْطُوها. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً مِنْ «هم» في «جزاؤهم»

стр. 10638

لئلا يلزَمَ الفصلُ بين المصدرِ ومعموله بأجنبي. على أنَّ بعضَهم أجازه منهم، واعتذروا: بأن المصدرَ هنا غيرُ مقدَّرٍ بحرفٍ مصدري. قال أبو البقاء: «وهو بعيد» وأمَّا «عند» فيجوز أَنْ يكونَ حالاً مِنْ «جزاؤهم» ، وأَنْ يكونَ ظرفاً له. و «أبداً» ظرفُ زمانٍ منصوبٌ بخالدين. قوله ﴿رِّضِىَ الله عَنْهُمْ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ دعاءً مستأنفاً، وأَنْ يكونَ خبراً ثانياً، وأَنْ يكونَ حالاً بإضمار «قد» عند مَنْ يلتزمُ ذلك. قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ﴾ : أي: ذلك المذكورُ مِنْ استقرارِ الجنةِ مع الخلودِ ورِضا الله عنه لِمَنْ خَشِيَ به.

стр. 10639

قوله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ : «إذا» شرطٌ، وجوابُها «تُحَدِّثُ» وهو الناصبُ لها عند الجُمهورِ. وجَوَّز أبو البقاء أَنْ يكونَ العاملُ فيها «يَصْدُرُ» وغيرُهم يجعلُ العاملَ فيها ما بعدَها ويَليها، وإنْ كان معمولاً لها بالإِضافةِ تقديراً، واختاره مكي، وجَعَلَ ذلك نظيرَ «مَنْ» و «ما» يعني أنَّهما يَعْملان فيما بعدَهما الجزمَ، وما بعدَهما يعملُ فيهما النصبَ، ولو مثَّل بأَيّ لكان أوضحَ. وقيل: العاملُ فيها مقدَّرٌ، أي: يُحْشَرون. وقيل: اذكُرْ، وحينئذٍ تَخْرُج عن الظرفية والشرط. قوله: ﴿زِلْزَالَهَا﴾ مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه. والمعنى: زِلْزالَها الذي تَسْتَحقه ويَقْتضيه جِرْمُها وعِظَمُها. قال الزمخشري: «ونحُوه: أكرِمِ التقيَّ إكرامَه، وأَهِنِ الفاسِقَ إهانتَه، أو زِلْزالَها كلَّه» والعامَّةُ بكسر الزايِ.

стр. 10640

والجحدريُّ وعيسى بفتحِها. فقيل: هما مصدران بمعنى. وقيل: المكسورُ مصدرٌ، والمفتوحُ اسمٌ. قال الزمخشري: «وليس في الأبنية فَعْلال بالفتح إلاَّ في المضاعَفِ» قلت: وقد جَعَلَ بعضُهم المفتوحَ بمعنى اسمِ الفاعل نحو: صَلْصَال بمعنى مُصَلْصِل، وقد تقدَّم ذلك. وقوله: «ليس في الأبنية فَعْلال» يعني غالباً، وإلاَّ فقد وَرَدَ: «ناقةٌ خَزْعال» .

стр. 10641

قوله: ﴿مَا لَهَا﴾ : ابتداءٌ وخبرٌ، وهذا يَرُدُّ قول مَنْ قال: إنَّ الحالَ في نحو ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] لازِمَةٌ لئلا يصيرَ الكلامُ غير مفيدٍ، فإنه لا حالَ هنا.

стр. 10642

قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ : أي: يومَ إذ زُلْزِلَتْ. والعاملُ في «يومئذٍ» «تُحَدِّثُ» إنْ جَعَلَتْ «إذا» منصوبةٌ بما بعدها أو بمحذوفٍ، وإن جَعَلْتَ العاملَ فيها «تُحَدِّثُ» كان «يومئذٍ» بدلاً منها، فالعاملُ فيه العاملُ فيها، أو شيءٌ آخرُ لأنه على نيةِ تكرارِ العاملِ. خلافٌ مشهورٌ.

стр. 10643

قوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ﴾ : متعلِّقٌ ب «تُحَدِّثُ» أي: تُحَدِّثُ. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ «أخبارَها» وقيل: الباءُ زائدةٌ، وأنَّ وما في حَيِّزها بدلٌ من «أخبارَها» وقيل: الباءُ سببيةٌ، أي: بسبب إيحاءِ اللَّهِ تعالى إليها. وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: أين مفعولاً»

стр. 10644

تُحَدِّثُ «؟ قلت: حُذِفَ أَوَّلُهما، والثاني:» أخبارَها «، وأصله: تُحَدِّث الخلقَ أخبارَها. إلاَّ أنَّ المقصودَ ذِكْرٌ تَحْديثِها الأخبارَ لا ذِكْرُ الخَلْقِ تعظيماً لليوم. فإنْ قلت: بمَ تَعَلَّقَتِ الباءُ في قولِه» بأنَّ ربَّك «؟ قلت: بتُحَدِّثُ؛ لأنَّ معناه: تُحَدِّثُ أخبارَها بسببِ إيحاءِ رَبِّك. ويجوزُ أَنْ يكونَ المعنى: تُحَدِّثُ ربَّك بتحديثِ أنَّ ربَّك أوحى لها أخبارَها، على أنَّ تَحْديثَها بأنَّ ربَّك أوحى لها تَحْديثٌ بأخبارِها، كما تقول: نَصَحْتَني كلَّ نصيحة بأَنْ نَصَحْتَني في الدين» قال الشيخ: «وهو كلامٌ فيه عَفْشٌ يُنَزَّه القرآنُ عنه» . قلت: وأيُّ عَفْشٍ فيه مع صِحَّته وفصاحتِه؟ ولكنْ لَمَّا طالَ تقديرُه مِنْ جهةِ إفادتِه هذا المعنى الحسنَ جَعَله عَفْشاً وحاشاه. ثم قال الزمخشريُّ: «ويجوزُ أَنْ يكونَ» بأنَّ ربَّك «بدلاً مِنْ» أخبارَها «كأنه قيل: يومئذٍ تُحَدِّثُ بأخبارِها بأنَّ ربَّك أوحى لها؛ لأنَّك تقول: حَدَّثْتُه كذا، وحَدَّثْتُه بكذا» قال الشيخ: «وإذا كان الفعلُ يتعدَّى تارةً بحرفِ جرٍّ، وتارةً يتعدى بنفسِه، وحرفُ الجرِّ ليس بزائدٍ، فلا يجوزُ في تابِعه إلاَّ الموافقةُ في الإِعرابِ فلا يجوز:» استغفَرْتُ الذنبَ العظيمِ «بنصبِ» الذنبَ «وجَرِّ» العظيم «لجواز أنَّك تقولُ» من الذنب «، ولا» اخْتَرْتُ زيداً الرجالَ الكرامِ «بنصبِ الرجالَ» وخَفْضِ الكرامِ «، وكذلك لا يجوزُ اَنْ تقولَ:» استغفرتُ من الذنبِ العظيمَ «بنصبِ» العظيمَ «وكذلك في» اخْتَرْتُ «فلو كان حرفُ الجر زائداً جاز الإِتباعُ

стр. 10645

على موضعِ الاسمِ بشروطهِ المحررةِ في علمِ النحوِ تقول:» ما رأيتُ مِنْ رجلٍ عاقلاً «لأنَّ» مِنْ «زائدةٌ،» ومِنْ رجل عاقلٍ «على اللفظِ، ولا يجوز نَصْبُ» رجل «وجَرُّ» عاقل «على جوازِ مراعاةِ دخولِ» مِنْ «، وإنْ وَرَدَ شيءٌ مِنْ ذلك فبابُه الشِّعْرُ» انتهى. ولا أَدْري كيف يُلْزِمُ الزمخشريَّ ما أَلْزَمَه به من جميعِ ِالمسائلِ التي ذكَرَها، فإنَّ الزمخشريِّ يقول: إنَّ هذا بدلٌ مِمَّا قبلَه، ثم ذَكَرَ مُسَوِّغَ دخولِ الباءِ في البدلِ: وهو أنَّ المُبْدَلَ منه يجوزُ دخولُ الباءِ عليه، فلو حَلَّ البدلُ مَحَلَّ المبدلِ منه ومعه الباءُ، لكان جائزاً؛ لأنَّ العاملَ يتعَدَّى به، وذَكَرَ مُسَوِّغاً لخُلُوِّ المبدلِ منه من الباءِ فقال: «لأنَّك تقول: حَدَّثْتُه كذا وحَدَّثْتُه بكذا» وأمَّا كَوْنُه يَمْتنعُ أَنْ تقولَ: «استغفَرتُ الذنبَ العظيمِ» بنَصْبِ «الذنبَ» وجرِّ «العظيمِ» إلى آخرِه، فليس في كلامِ الزمخشريِّ شيءٌ منه البتةَ. ونظيرُ ما قاله الزمخشريُّ في بابِ «استغفر» أَنْ تقولَ «استغفرْتُ اللَّهَ ذنباً مِنْ شَتْمي زيداً» فقولك: «مِنْ شَتْمي» بدلٌ مِنْ «الذنب» وهذا جائزٌ لا مَحالةَ. قوله: ﴿أوحى لَهَا﴾ في هذه اللامِ أوجهٌ، أحدُها: أنها بمعنى إلى، وإنما أُوْثِرَتْ على «إلى» لموافقةِ الفواصلِ. وقال العجَّاج في وَصْف الأرض: ٤٦١٤ - أَوْحَى لها القرارَ فاستقرَّتِ ... وشَدَّها بالرَّاسياتِ الثُّبَّتِ الثاني: أنَّها على أصلِها، و «أوحى» يتعدَّى باللامِ تارةً وب «إلى» أخرى، ومنه البيتُ المتقدمُ، الثالث: أنَّ اللامَ على بابها من العلةِ،
следующие страницы →