← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وزعم الزمخشري «أن أبا جعفر إنما اختلس الضمة فتَوَهَّم الراوي أنه سَكَّنَ، وليس كذلك» انتهى. وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك عند ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ [البقرة: ٦٧] ونحوه. ثم قراءةُ تسكينِ الراء تحتملُ أَنْ تكونَ مِنْ رفعٍ فتكونَ كقراءةِ ابن كثير وأبي عمرو، وأن تكونَ من فَتْح فتكونَ كقراءةِ الباقين، والأولُ أَوْلى، إِذ التسكينُ من الضمةِ أكثرُ من التسكينِ من الفتحةِ لخفتها. وقرأ ابن عباس بكسر الراءِ الأولى والفكِّ، ورُوي عن عمر ابن الخطاب: «لا تضارَرْ» بفتح الراء الأولى والفك، وهذه لغةُ الحجاز أعني [فكَّ] المِثْلين فيما سَكَنَ ثانيهما للجزمِ أو للوقفِ نحو: لم تَمْرُرْ، وامرُرْ، وبنو تميم يُدْغِمون، والتنزيلُ جاء باللغتين نحو: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ﴾ [المائدة: ٥٤] في المائدةِ، قُرىء في السبعِ بالوجهين وسيأتي بيانُه واضحاً. ثم قراءةُ مَنْ شَدَّد الراءَ مضمومةً أو مفتوحةً أو مكسورةً أو مُسْكَّنةُ أو خَفَّفها تحتملُ أن تكونَ الراءُ الأولى مفتوحةً، فيكونُ الفعلُ مبنياً للمفعول، وتكونُ «والدةٌ» مفعولاً لم يُسَمَّ فاعله، وحُذِفَ الفاعلُ للعِلْمِ به، ويؤيده قراءةُ عمرَ ﵁. وأَنْ تكونَ مكسورةً فيكونُ الفعلُ مبنياً للفاعلِ، وتكونُ «والدةٌ» حينئذ فاعلاً به، ويؤيده قراءةُ ابنِ عباس. وفي المفعولِ على هذا الاحتمالِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدهما - وهو الظاهر - أنه محذوفٌ تقديرُه: «لا تُضَارِرْ والدةٌ زوجَها بسسبِ ولدِها بما لا يَقْدِرُ عليه من رزقٍ وكِسْوةٍ ونحو ذلك، ولا يضارِرْ مولودٌ له زوجتَه بسبب ولدِه

стр. 1157

بما وَجَبَ لها من رزقٍ وكسوةٍ، فالباءُ للسببيةِ. والثاني: - قاله الزمخشري - أن يكونَ» تُضارَّ «بمعنى تَضُرُّ، وأن تكونَ الباءُ من صلتِه أي: لا تضرُّ والدةٌ بولِدها فلا تسيءُ غذاءه وتعهُّدَه ولا يَضُرُّ الوالدُ به بأن ينزِعه منها بعدما ألِفَها.» انتهى. ويعني بقولِه «الباءُ من صلته» أي: تكونَ متعلقةً به ومُعَدِّيةً له إلى المفعول، كهي في «ذهبت بزيدٍ» ويكونُ ضارَّ بمعنى أضرَّ فاعَلَ بمعنى أَفْعَل، ومثلُه: ضاعفْتُ الحِسابَ وأَضْعَفْتُه، وباعَدْته وأبعدْتُه، وقد تقدَّم أن «فاعَلَ» يأتي بمعنى أَفْعَل فيما تقدَّم، فعلى هذا نفسُ المجرور بهذه الباءِ هو المفعول به في المعنى، والباءُ على هذا للتعديةِ، كما ذكرْتُ في التنظيرِ بذَهَبْتُ بزيدٍ، فإنه بمعنى أَذْهبته. والثالث: أن الباءَ مزيدةٌ، وأنَّ «ضارَّ» بمعنى ضَرَّ، فيكون «فاعَلَ» بمعنى «فعَلَ» المجردِ، والتقديرُ: لا تَضُرُّ والدةٌ ولدَها بسوءِ غذائِه وعَدَم تعهُّدِه، ولا يَضُرُّ والدٌ ولدَه بانتزاعِه من أمه بعدما أَلِفهَا ونحوِ ذلك. وقد جاء «فاعَل» بمعنى فَعَل المجرد نحو: واعَدْته ووعَدْتُه، وجاوَزْته وجُزْته، إلا أنَّ الكثيرَ في فاعَل الدلالةُ على المشاركةِ بين مرفوعِه ومنصوبِه، ولذلك كان مرفوعهُ منصوباً في التقدير، ومنصوبُه مرفوعاً في التقدير، فمن ثَمَّ كانَ التوجيهُ الأولُ أرجحَ مِنْ توجيهِ الزمخشري وما بعدَه، وتوجيهُ الزمخشري أَوْجَهَ مِمَّا بعدَه. و «له» في محلِّ رفعٍ لقيامِه مَقامَ الفاعلِ. وقوله: ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ﴾ فيه دلالةٌ على ما يقولُه النحويون، وهو أنه إذا اجتمع مذكرٌ ومؤنثٌ، معطوفاً أحدُهما على الآخرِ كان حكمُ الفعلِ السابِق عليهما للسابِق منهما، تقول: قامَ زيدٌ وهندٌ، فلا تُلْحِقُ علامةَ تأنيثٍ، وقامَتْ هندٌ وزيدٌ، فتلحقُ العلامةَ، والآيةُ الكريمة من هذا القبيل، ولا يُستثنى من ذلك

стр. 1158

إلاَّ أَنْ يكونَ المؤنثُ مجازياً، فَيَحْسُنُ الاَّ يراعي المؤنثُ وإنْ تقدَّم كقوله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشمس والقمر﴾ [القيامة: ٩] . ولا يَخْفى ما في هذه الجملِ من علمِ البيان، فمنه: الفصلُ والوصلُ/ أمَّا الفصلُ وهو عدمُ العطفِ بين قولِه: ﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ﴾ وبين قوله: «لا تضارَّ» لأنَّ قوله: «لا تُضارَّ» كالشرحِ للجملةِ قبَلها، لأنه إذا لَمْ تُكَلَّفِ النفسُ إلا طاقَتَها لم يقع ضررٌ، لا للوالدة ولا للمولود له. وكذلك أيضاً لم يَعْطِف ﴿لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ﴾ على ما قبلَها، لأنها مع ما بعدَها تفسيرٌ لقوله «بالمعروفِ» . وأمَّا الوصلُ وهو العطفُ بين قوله: «والوالداتُ يُرْضِعْنَ» وبين قولِه: «وعلى المولودِ له رزقُهن» فلأنَّهما جملتان متغايرتان في كلٍّ منهما حكمٌ ليس في الأخرى. ومنه إبراز الجملةِ الأولى مبتدأ وخبراً، وجَعْلُ الخبرِ فعلاً، لأنَّ الإِرضاع إنما يتجدَّدُ دائماً. وأُضيفت الوالداتُ للأولاد تنبيهاً على شفقتهنَّ وحَثَّاً لهنَّ على الارضاع. وجيء بالوالدات بلفظِ العموم وإنْ كان جمعَ قلة، لأنَّ جمعَ القلةِ متى حُلِّي بأَل عمَّ، وكذلك «أولادَهُنَّ» عامٌّ، لإِضافته إلى ضمير العامِّ، وإنْ كان أيضاً جمع قلةٍ. ومنه إبرازُ الجملةِ الثانيةِ مبتدأً وخبراً، والخبرُ جارٌّ ومجرورٌ بحرفِ «على» الدالِّ على الاستعلاء المجازي في الوجوبِ وقُدِّم الخبرُ اعتناءً به. وقُدِّم الرزْقُ على الكسوةِ لأنه الأهمُّ في بقاءِ الحياةِ ولتكرره كلَّ يومٍ. وأُبرزت الثالثة فعلاً ومرفوعَه، وجُعِل مرفوعُه نكرةً في سياقِ النفي ليعمَّ ويتناولَ ما سبقَ لأجله من حكم الوالدات في الإِرضاع والمولود له في الرزق والكِسْوة الواجبَتَيْنِ عليه للوالدةِ، وأُبْرِزَت الرابعةُ كذلك لأنها كالإِيضاح لما قبلها والتفصيلِ بعد الإِجمال، ولذلك لم يُعْطَفْ عليها كما ذَكَرْتُه لك. ولَمَّا كان تكليفُ النفسِ فوق الطاقة ومُضَارَّةُ أحدِ الزوجينِ للآخر

стр. 1159

مِمّ يتكرَّر ويتجدَّدُ أتى بهاتين الجملتين فعليتين وأَدْخَلَ عليهما حرف النفي وهو «لا» لأنه موضوعٌ للاستقبال غالباً. وأمَّا في قراءة مَنْ جَزَمَ فإنَّها ناهيةٌ، وهي للاستقبالِ فقط، وأضافَ الولدَ إلى الوالدة والمولودِ له تنبيهاً على الشفقةِ والاستعطافِ، وقدَّمَ ذِكْرَ عدم مُضَارَّةِ الوالد مراعاةً لِمَا تقدَّم من الجملتين، إذ قد بدأ بحكمِ الوالداتِ وثَنَّى بحكمِ الوالدِ. ولولا خوفُ السآمةِ وأنَّ الكتابَ غيرُ موضوعٍ لهذا الفنِّ لذكرْتُ ما تَحتمِلُه هذه الآية الكريمةُ من ذلك. قولُه: ﴿وَعَلَى الوارث مِثْلُ ذلك﴾ هذه جملةٌ من مبتدأٍ وخبرٍ، قَدَّم الخبرَ اهتماماً، ولا يَخْفَى ما فيها، وهي معطوفةٌ على قولِه: ﴿وَعلَى المولود لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ وما بينهما اعتراضٌ؛ لأنه كالتفسيرِ لقوله «بالمعروف» كما تقدَّم التنبيهُ عليه. والألفُ واللامُ في «الوارث» بدلٌ من الضميرِ عندَ مَنْ يَرى ذلك، ثم اختلفوا في ذلك الضمير: هل يعودُ على المولود له وهو الأبُ، فكأنه قيل: وعلى وارِثِه، أي: وارِثِ المولدِ له، أو يعودُ على الولدِ نفسه، أي: وارثِ الولد؟ وهذا على حَسَبِ اختلافِهم في الوارثِ. وقرأ يحيى بن يعمر: «الوَرَثَة» بلفظ الجمعِ، والمشارُ إليه بقوله «مثلُ ذلك» إلى الواجبِ من الرزق والكسوة، وهذا أحسنُ مِنْ قول مَنْ يقول: أُشير به إلى الرزق والكسوة. وأشير بما للواحدِ للاثنين كقوله: ﴿عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ [البقرة: ٦٨] . وإنما كان أحسنَ لأنه لا يُحْوِج إلى تأويل، وقيل: المشارُ إليه

стр. 1160

هو عَدَمُ المُضَارَّة، وقيل: أجرةُ المثلِ، وغيرُ ذلك. قوله: ﴿عَن تَرَاضٍ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: - وهو الظاهر - أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ إذ هو صفةٌ ل «فِصالاً» ، فهو في محلِّ نصبٍ أي: فصالاً كائناً عن تراضٍ، وقدَّره الزمخشري: صادراً عن تراضٍ، وفيه نظرٌ من حيث كونُه كوناً مقيَّداً. والثني: أنه متعلَّقٌ بأراد، قاله أبو البقاء، ولا معنى له إلاَّ بتكلفٍ. و «عن» للمجاوزة مجازاً لأنَّ التراضيَ معنىً لا عينٌ. و «تراض» مصدرُ تفاعَل، فعينُه مضمومةٌ وأصله: تفاعُل تراضُوٌ، فَفُعِل فيه ما فُعِل ب «أَدْلٍ» جمعَ دَلْوٍ، مِنْ قلبِ الواو ياءً والضمةِ قلبِها كسرةً، إذ لا يوجَدُ في الأسماءِ المعربةِ واوٌ قبلَها ضمةٌ لغير الجمع إلا ويُفْعَلُ بها ذلك تخفيفاً. قوله ﴿مِّنْهُمَا﴾ في محلِّ جرٍّ صفةً ل «تَراضٍ» ، فيتعلَّق بمحذوفٍ، أي تراضٍ كائنٍ أو صادرٍ منهما. و «مِنْ لابتداء الغايةِ. وقوله: ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾ حُذِفَتْ لدلالةِ ما قبلَها عليها والتقدير: وتشاورٍ منهما، ويُحْتَمَل أَنْ يكونَ التشاوُرُ من أحدِهما مع غيرِ الآخر لتتفق الآراءُ منهما ومِنْ غيرِهما على المصلحةِ. قوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ﴾ الفاءُ جوابُ الشرطِ، وقد تقدَّم نظيرُ هذه الجملة، ولا بُدَّ قبلَ هذا الجواب من جملةٍ قد حُذِفَت ليصحَّ المعنى بذلك تقديرُه: فَفَصَلاه أو فَعَلا ما تراضيا عليه فلا جُناحَ عليهما في الفِصال أو في الفَصْلِ.

стр. 1161

قوله: ﴿أَن تسترضعوا﴾ أنْ وما في حَيِّزها في محلِّ نصبٍ مفعولاً ب «أراد» وفي «استرضع» قولان للنحْويين، أحدُهما: أنه يتعدَّى لاثنين ثانيهما بحرف الجرِّ، والتقديرُ: أَنْ تسترضعوا المراضعَ لأولادِكم، فَحُذِف المفعولُ الأول وحرفُ الجر من الثاني، فهو نظيرُ «أمرتُ الخيرَ» ، ذكرْتَ المأمورَ به لوم تَذْكُرِ المأمورَ، لأنَّ الثاني منهما غيرُ الأول، وكلُّ مفعولين كانا كذلك فأنتَ فيهما بالخيار بين ذِكْرِهما وحَذْفِهما، وذِكْرِ الأولِ، دونَ الثاني والعكس. والثاني: أنه متعدٍّ إليهما بنفسِه، ولكنه حُذِفَ المفعولُ الأولُ وهذا رأيُ الزمخشري، ونَظَّر الآية الكريمة بقولك: «أنجح الحاجة» واستَنْجَحَتْه الحاجة «وهذا يكون نقلاً بعد نقلٍ، لأنَّ الأصلَ/» رَضِعَ الولدُ «، ثم تقول:» أَرْضَعَت المرأةُ الولدَ «، ثم تقول:» استرضَعْتُها الولد «هكذا قال الشيخ. وفيه نظرٌ، لأنَّ قولَه» رضِع الولدُ «يُعتقدُ أنَّ هذا لازمٌ ثمَ عَدَّيْتَه بهمزةِ النقلِ، ثمَ عَدَّيْتَه ثانياً بسينِ الاستفعال، وليس كذلك لأنَّ» رَضِع الولدُ «متعدٍّ، غاية ما فيه أنَّ مفعولَه غيرُ مذكورٍ تقديرُه: رَضِع الولدُ أمَّه، لأنَّ المادةَ تقتضي مفعولاً به كضَربَ، وأيضاً فالتعديةُ بالسين قولٌ مرغوب عنه. والسينُ للطلبِ على بابها نحو: استسقيتُ زيداً ماءً واستطْعَمْته خبزاً، فكما أنَّ ماءٌ وخبزاً منصوبان لا على إسقاط الخافضِ كذلك» أولادكم «. وقد [جاء] استفعل للطلب وهو مُعَدَّى إلى الثاني بحرف جر، وإن كان» أَفْعَل «الذي هو أصلُه متعدِّياً لاثنين نحو:» أفهمني زيدٌ المسألةَ «واستفهمتُه عنها، ويجوز حَذْفُ» عن «، فلم يَجِىءْ مجيء» استَسْقَيْت «و» استطعمت «من كونِ ثانيهما منصوباً على لا على إسقاطِ الخافض.

стр. 1162

وفي هذا الكلام التفاتٌ وتكوينٌ: أمَّا الالتفاتُ فإنه خروجٌ من ضميرِ الغَيْبةِ في قوله» فإنْ أرادوا «إلى الخطابِ في قولِه:» وإنْ أردْتُم «إذا المخَاطَبُ الباءُ والأمهاتُ. وأمَّا التكوينُ في الضمائِر فإنَّ الأول ضميرُ تثنيةٍ وهذا ضميرُ جمعٍ، والمرادُ بهما الآباءُ والأمهاتُ أيضاً، وكأنه رَجَعَ بهذا الضمير المجموع إلى الوالدات والمولودِ له، ولكنه غَلَّب المذكَّرَ وهو المولودُ له، وإنْ كان مفرداً لفظاً. و» فلا جُناحَ «جوابُ الشرط. قوله: ﴿إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم﴾ » إذا «شرطٌ حُذِفَ جوابُه لدلالةِ الشرطِ الأولِ وجوابِه عليه، قال أبو البقاء:» وذلك المعنى هو العاملُ في «إذا» وهو متعلقٌ بما تَعَلَّق به «عليكم» . وهذا خطأٌ في الظاهرِ، لأنه جَعَلَ العاملَ فيها أولاً ذلك المعنى المدولَ عليه بالشرطِ الأولِ. وجوابِه، فقولُه ثانياً «وهو متعلقٌ بما تعلَّقَ به عليكم» تناقضٌ، اللهم إلا أن يُقالَ: قد يكونُ سقطت من الكاتب ألفٌ، وكان الأصلُ «أو هو متعلقٌ» فَيَصِحُّ، إلا أنه إذا كان كذلك تمحَّضَتْ «إذا» للظرفية، ولم تكنْ للشرطِ، وكلامُ هذا القائِل يُشْعر بأنها شرطيةٌ في الوجهينِ على تقدير الاعتذارِ عنه. وقرأ الجمهور: «آتيتم» بالمدِّ هنا وفي الروم: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً﴾ [الروم: ٣٩] ، وقَصَرَهما ابنُ كثير. ورُوي عن عاصم «أوتيتم» مبنياً للمفعول، أي: ما أَقْدَرَكم الله عليه. فأمَّا قراءةُ الجمهورِ فواضحةٌ لأنَّ آتى بمعنى أعطى فهي تتعدَّى لاثنين أحدُهما ضميرٌ يعودُ على «ما» الموصولةِ، والآخر ضميرٌ يعودُ على المراضعِ، والتقديرُ: ما آتيتموهنَّ إياه، ف «هُنَّ» هو المفعولُ الأول، لأنه فاعلٌ في المعنى، والعائدُ هو الثاني، لأنه هو المفعولُ في المعنى. والكلامُ على

стр. 1163

حذفِ هذا الضمير وهو منفصلٌ قد تقدَّم ما عليه من الإِشكال والجوابُ عند قوله: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] فَلْيُلْتفتْ إليه. وأمَّا قراءةُ القصرِ فمعناها جِئْتم وفَعَلْتُم كقولِ زهير: ٩٩٤ - وما كان مِن خيرٍ أَتَوْه فإنَّما ... توارَثَهُ آباءُ آبائِهم قَبْلُ أي: فعلوه، والمعنى إذا سَلَّمتم ما جِئْتُمُ وفَعَلْتُم، قال أبو علي: «تقديرُ: ما أتيتم نَقْدَه أو إعطاءه، فَحُذِفَ المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقامَه، وهو عائدُ الموصول، فصار: آتيتموه أي جئتموه، ثم حُذِفَ عائدُ الموصولِ» . وأجاز أبو البقاء أن يكونَ التقديرُ: ما جِئْتُم به فَحُذِفَ، يعني حُذِف على التدريج، بأنَّ حُذِفَ حرف الجر أولاً فاتصل الضمير منصوباً بفعلٍ فَحُذِفَ. و «ما» فيها وجهان، أظهرهُما: أنها بمعنى الذي، وأجاز أبو عليّ فيها أن تكون موصولةً حرفيةً، ولكنْ ذَكَر ذلك مع قراءةِ القصرِ خاصة، والتقدير: إذا سَلَّمتم الإِتيان، وحينئذٍ يُسْتَغْنَى عن ذلك الضمير المحذوف. ولا يختصُّ ذلك بقراءة القصرِ، بل يجوزُ أن تكونَ مصدريةً مع المدِّ أيضاً على أَن المصدرَ واقعٌ موقع المفعولِ، تقديرُه: إذا سلَّمتم الإِعطاء، أي المُعْطَى والظاهرُ في «ما» أن يكونَ المرادُ بها الأجرةَ التي تُعْطاها المرضعُ، والخطابُ على هذا في قولِه: «سَلَّمتم» و «آتيتم» للآباء خاصةً، وأجازوا أن يكونَ المرادُ

стр. 1164

بها الأولادَ، قاله قتادة والزهري. وفيه نظرٌ من حيث وقوعُها على العقلاء، وعلى هذا فالخطابُ في «سَلَّمتم» للآباء والأمهاتِ. وقرأ عاصم في رواية شيبان: «أُوتيتم» على البناء للمجهول ومعناه: ما آتاكم الله وأَقْدركم عليه من الأجرة، وهو في معنى قولِه تعالى: ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ [الحديد: ٧] قوله: ﴿بالمعروف﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يتعلَّق ب «سَلَّمْتم» أي: بالقولِ الجميلِ. والثاني: أنْ يتعلَّق ب «آتيتم» ، والثالثُ: أن يكونَ حالاً من فاعل «سَلَّمْتم» أو «آتيتم» ، فالعاملُ فيه حينئذٍ محذوفٌ أي: ملتبسين بالمعروفِ.

стр. 1165

قولُه تعالى: ﴿والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ﴾ الآية: فيه أوجهٌ: الأولُ: أَنَّ «الذين» مبتدأٌ لا خبرَ له، بل أَخْبر عن الزوجات المتصلِ ذِكْرُهُنَّ به، لأنَّ الحديثَ معهنَّ في الاعتدادِ، فجاء الخبرُ عن المقصود، إذ المعنى: مَنْ مات عنها زوجُها تربَّصت. وإليه ذهب الكسائي والفراء، وأنشد الفراء: ٩٩٥ - لعَلِّيَ إنْ مَالَتْ بِيَ الريحُ مَيْلَةً ... على ابن أبي ذِبَّانَ أَنْ يتندَّما فقال: «لعلي» ثم قال: «أن يتندم» فأخبر عن ابن أبي ذبَّان، فترك

стр. 1166

المتكلم، إذا التقديرُ: لعل ابن أبي ذبان أن يتندَّمَ إنْ مالت بي الريحُ ميلةً. وقال آخر: ٩٩٦ - بني أسدٍ إنَّ ابن قَيسٍ وقَتْلَه ... بغيرِ دَمٍ دارُ المَذَلَّةِ حُلَّتِ فأخبرَ عن قتلِه بأنه دارُ مذلَّة، وتَرَكَ الإِخبار عن ابن قيس. وتحريرُ مذهبِ الكسائي والفراء أنه إذا ذُكِر اسمٌ، وذُكِر اسمٌ مضافٌ إليه فيه معنى الإِخبارِ تُرِك عن الأولِ وأُخْبِر عن الثاني/ نحو: «إنَّ زيداً وأخته منطلقةٌ» ، المعنى: أنَّ أخت زيد منطلقة، لكنَّ الآية الكريمة والبيتَ الأول ليسا من هذا الضربِ، وإنما الذي أورده تشبيهاً بهذا الضرب قوله: ٩٩٧ - فَمَنْ يكُ سائِلاً عني فإني ... وجِرْوَةَ لا تَرُودُ ولا تُعارُ ولتحرير هذا المذهب والردِّ عليه وتأويلِ دلائِله كتابٌ غيرُ هذا. الثاني: أَنَّ له خبراً وهو «يتربَّصْن» ولا بُدَّ من حذفٍ يصحِّحُ وقوعَ هذه الجملةِ خبراً عن الأول لخلوِّها من الرابط، والتقديرُ: وأزواجُ الذين يُتَوفَّوْن يتربَّصْنَ. ويدلُّ على هذا المحذوفِ قولُه: «ويَذَرون أزواجاً» فَحُذِفَ المضافُ وأقيم المضافُ إليهُ مُقامَه لتلك الدلالةِ. الثالث أن الخبرَ أيضاً «يتربَّصْن» ولكن حُذِفَ العائدُ من الكلامِ لدلالةِ عليه، والتقدير: يتربصن بعدهم أو بعد موتِهم، قاله الأخفش. الرابع: أنَّ «يتربَّصْنَ» خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، التقديرُ: أزواجُهم يتربَّصْنَ، وهذه الجملةُ خبرٌ عن الأول، قاله المبردُ. الخامس: أنَّ

стр. 1167

الخبرَ محذوفٌ بجملتِه قبلَ المبتدأ، تقديرُه: فيما يُتْلى عليكم حكمُ الذين يُتَوَفَّوْن، ويكون قولُه «يتربَّصْنَ» جملةً مبيِّنَةً للحكم ومفسِّرة له، فلا موضع لها من الإِعرابِ، ويُعْزى هذا لسيبويه. قال ابن عطية: «وحكى المهدويُّ عن سيبويه أنَّ المعنى:» وفيما يُتْلَى عليكم الذين يُتَوَفَّون، ولا أعرفُ هذا الذي حكاه، لأنَّ ذلك إنما يتَّجهُ إذا كان في الكلام لفظُ أمرٍ بعد المبتدأ نحو قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾ [المائدة: ٣٨] ، ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾ [النور: ٢] ، وهذه الآيةُ فيها معنى الأمر لا لفظُه، فتحتاجُ مع هذا التقديرِ إلى تقديرِ آخر يُسْتغنى عنه إذا حَضَرَ لفظُ الأمرِ «. السادس: أنّ بعضَ الجملةِ قَام مَقام شَيءً مضافٍ إلى عائدِ المبتدأ، والتقديرُ:» والذين يُتَوفَّون منكم ويذرون أزواجاً يتربصُ أزواجُهم «فَحُذِف» أزواجهُم «بجملته، وقامَتِ النون التي هي ضميرُ الأزواج مَقامَهُنَّ بقيدِ إضافتهنَّ إلى ضميرِ المبتدأ. وقراءةُ الجمهورِ «يُتَوَفَّوْنَ» مبنياً لِما لم يُسَمَّ فاعلُه، وقرأ مير المؤمنين - ورواها المفضل عن عاصم - بفتح الياء على بنائه للفاعل، ومعناها يَسْتوفون آجالَهم، قاله أبو القاسم الزمخشري. والذي يُحكى أن أبا الأسود كان خلفَ جنازةٍ فقال له رجل: مَن المتوفِّي؟ بكسر الفاء، فقال: اللهُ، وكان أحدَ الأسباب الباعثة لعلي ﵁ على أَنْ أمرَه بوضعِ كتابٍ في النحو. [وهذا] تُناقِضُه هذه القراءة. وقد تقدَّم احتمالات في قوله: «يَتَرَبَّصْنَ بأنفسِهن ثلاثةَ قُروء» وهل «

стр. 1168

بأنفسهن» تأكيدٌ أو لا؟ وهل نصبُ «قروء» على الظرفِ أو المفعوليةِ؟ وهي جاريةٌ ههنا. قوله: ﴿مِنكُمْ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من مرفوعِ «يَتَوَفَّوْن» والعاملُ فيه محذوفٌ تقديره: حالَ كونِهم منكم. و «مِنْ» تحتمل التبعيض وبيانَ الجنسِ. قوله: ﴿وَعَشْراً﴾ إنما قال «عشراً» من غير تأنيثٍ في العدد لأحد أوجهٍ، الأولُ: أنَّ المراد «عَشْر ليال» . مع أيامِها، وإنما أوثرت الليالي على الأيام في التاريخ لسَبْقها. قال الزمخشري: «وقيل» عَشْراً «ذهاباً إلى الليالي، والأيامُ داخلةٌ فيها، ولا تراهم قطُّ يستعملون التذكيرَ ذاهبين فيه إلى الأيام، تقول:» صُمْت عشراً «، ولو ذكَّرْت خَرَجْتَ من كلامِهم، ومن البيِّن قولُه تعالى: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً﴾ [طه: ١٠٣] ، ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ يَوْماً﴾ [طه: ١٠٤] . والثاني - وهو قولُ المبرد -: أَنَّ حَذْف التاء لأجلِ أنَّ التقديرَ عشرُ مُدَدٍ كلُّ مدة منها يومٌ وليلةٌ، تقول العرب:» سِرْنا خمساً «أي: بين يوم وليلة قال: ٩٩٨ - فطافَتْ ثلاثاً بين يومٍ وليلةٍ ... وكان النكيرُ أَنْ تُضِيفَ وتَجْأرا والثالث: أنَّ المعدودَ مذكرٌ وهو الأيام، وإنما حُذِفَت التاء لأنَّ المعدودَ

стр. 1169

المذكَّر متى ذُكِرَ وَجَبَ لَحاقُ التاء في عدده، وإذا حُذِفَ لفظاً جاز في العددِ الوجهان: ذِكْرُ التاءِ وعدمُها. حكى الكسائي:» صُمْنَا من الشهرِ خمساً «، ومنه الحديث:» وأتبعَه بستٍّ من شوال «، وقال آخر: ٩٩٩ - وإلاَّ فسيري مثلَ ما سار راكبٌ ... تيمَّمَ خَمْساً ليس في سيره أَمَمْ نَصَّ النحويون على ذلك. قال الشيخ:» فلا يُحْتَاج إلى تأويلها بالليالي ولا بالمُدَد كما قدَّره الزمخشري والمبرد على هذا «قال:» وإذا تقرر هذا فجاء قولُهُ: «وعشراً» على أحدِ الجائزين، وإنما حَسُنَ حذفُ التاءِ هنا لأنه مقطعُ كلامٍ فهو شبيهٌ بالفواصِلِ، كما حَسَّنَ قولَه: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلاَّ عَشْراً﴾ [طه: ١٠٣] كونُه فاصلةً، فقوله: «ولو ذَكَّرْتَ لخرَجْتَ من كلامهم» ليس كما ذكر، بل هو الأفصحُ. وفائدةُ ذكره «إن لبثتم إلاَّ يوماً» بعد قولِهِ «إلا عَشْراً» أنه على زعمِهِ أرادَ الليالي والأيامُ داخلةٌ معها، فقولُهُ «إلا يوماً» دليلٌ على إرادةِ الأيام «، قال الشيخ:» وهذا عندنا يَدُلُّ على أنَّ المرادَ بالعشر الأيامُ، لأنهم اختلفوا في مُدَّة اللَّبْث، فقال بعضُهم: «عشراً» وقال بعضُهم: «يوما» فدلَّ على أنَّ المقابَلَ باليومِ إنما هو أيام، إذ لا يَحْسُنُ في المقابَلَةِ أن يقولَ بعضُهم: عشرُ ليال، فيقول البعضُ: يومٌ «. قوله: ﴿بالمعروف﴾ فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ حالاً من فاعل «فَعَلْنَ» أي: فَعَلْنَ ملتبساتٍ بالمعروفِ ومصاحباتٍ له. والثاني: أنه مفعولٌ به أي: تكونُ الباءُ باءَ التعدية. والثالثُ: أن يكونَ نعتَ مصدر محذوفٍ أي:

стр. 1170

فَعَلْنَ فِعْلاً بالمعروف، أي: كائناً، ويجيءُ فيه مذهب/ سيبويه: أنه حالٌ من ضميرِ المصدرِ المعرفةِ أي: فَعَلْنَه - أي الفعلَ - ملتبساً بالمعروفِ وهو الوجهُ الرابعُ. و «بما تعملون» متعلق ب «خبيرٌ» . وقُدِّمَ لأجلِ الفاصلةِ. و «ما» يجوزُ أن تكونَ مصدريةً وأن تكونَ بمعنى الذي أو نكرةً موصوفة، وهو ضعيفٌ. وعلى هذين القولين فلا بدَّ من عائدٍ محذوفٍ، وعلى الأولِ لا يُحتاج إليه إلا على رأيٍ ضعيفٍ.

стр. 1171

قوله تعالى: ﴿مِنْ خِطْبَةِ النسآء﴾ : في محل نصبٍ على الحالِ وفي صاحبها وجهان، أحدُهما: الهاءُ المجرورةُ في «به» ، والثاني: «ما» المجرورُة ب «في» ، والعاملُ على كِلا التقديرين محذوفٌ، وقال أبو البقاء: «حالٌ من الهاءِ المجرورةِ، فيكونُ العاملُ فيه» عَرَّضْتم «. ويجوزُ أن يكونَ حالاً من» ما «فيكونُ العاملُ فيه الاستقرارَ» . وهذا على ظاهره ليس بجيد، لأنَّ العاملَ فيه محذوفٌ على ما تقرَّر، إلا أَنْ تريدَ من حيث المعنى لا الصناعةُ فقد يجوزُ له ذلك. والخِطْبَةُ مصدرٌ مضافٍ للمفعول أي: من خِطْبَتِكم النساء، فَحُذِفَ الفاعلُ للعلم به. والخِطْبَةُ مصدرٌ في الأصل بمعنى الخَطْب، والخَطْب: الحاجة، ثم خُصَّت بالتماس النكاح لأنه بعضُ الحاجات، يقال: ما خطبُكَ؟ أي: ما حاجتُك. وقال الفراء: «الخِطْبَةُ مصدرٌ بمعنى الخَطْب وهي من قولك: إنه لَحَسَنُ الجِلْسَةِ والقِعْدَةِ أي: الجلوس والقعود، والخُطْبَةُ -

стр. 1172

بالضم - الكلامُ المشتملُ على الوعظِ والزجرِ، وكلاهما من الخَطْب الذي هو الكلام، وكانت سَجاحُ يُقال لها خِطْبٌ فتقول: نِكْحٌ. قوله: ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ﴾ » أو «هنا للإِباحةِ أو التخيير أو التفصيلِ أو الإِبهامِ على المخاطب، وأَكَنَّ في نفسِهِ شيئاً أي: أَخْفاه، وَكَنَّ الشيء بثوبٍ ونحوهِ: أي سَتَرَهُ به، فالهمزةُ في» أكنَّ «للتفرقة بين الاستعمالَيْنِ كأشرَقَتْ وشَرَقَتْ. ومفعول» أكنَّ «محذوفٌ يعودُ على» ما «الموصولةِ في قوله:» فيما عَرَّضْتم «أي: أو أكننتموه. ف» في أنفسكم «متعلِّقٌ ب» أَكْنَنتم «، ويَضْعُفُ جَعْلُهُ حالاً من المفعولِ المقدَّرِ. قوله: ﴿ولكن﴾ هذا الاستدراكُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه استدراكٌ من الجملةِ قبلَه، وهي قولُهُ:» ستذكرونَهُنَّ «، فإنَّ الذِّكْرَ يقع على أنحاءٍ كثيرةٍ ووجوهٍ متعددةٍ، فاسْتُدْرِكَ منه وجهٌ نُهِيَ فيه عن ذِكْرٍ مخصوص، ولو لم يُسْتَدْرَك لكانَ من الجائز، لاندراجِهِ تحت مطلقِ الذِّكْرِ. وهو نظيرُ:» زيدٌ سيلقى خالداً ولكنْ لا يواجهُهُ بِشَرٍّ «. لمَّا كانت أَحوالُ اللقاءِ كثيرةً، من جملتها مواجهتُه بالشرِّ، استُدْرِكَت هذه الحالةُ من بينِها. والثاني - قاله أبو البقاء - قاله الزمخشري - أنَّ المُسْتَدْرَكَ منه جملةٌ محذوفةٌ قبل» لكنْ «تقديرُهُ:» فاذكروهُنَّ، ولكن لا تواعِدُوهُنَّ سراً «وقد تقدَّم أنَّ المعنى على

стр. 1173

الاستدراكِ من الجملةِ قبلَه فلا حاجَةَ إلى حذفِ. . .، وإنما الذي يَحْتاجه ما بعدَ» لكن «وقوعُ ما قبلَها من حيثُ المعنى لا من حيثُ اللفظُ، لأنَّ نَفْيَ المواجهةِ بالشرِّ يستدعي وقوعَ اللقاءِ. قوله: ﴿سِرّاً﴾ فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ مفعولاً ثانياً لتواعِدُوهُنَّ. والثاني أنه حالٌ من فاعلِ «تواعدوهُنَّ» أي: لا تواعدوهُنَّ مُسْتَخْفين بذلك. والثالث: أنه نعت مصدرٍ محذوفٍ أي: مواعدةً سراً. والرابعُ: أنه حالٌ من ذلكَ المصدرِ المُعَرَّفِ، أي: المواعدةَ مستخفيةً والخامس: أَنْ ينتصِبَ على الظرفِ مجازاً أي: في سِرٍّ. وعلى الأقوالِ الأربعةِ فلا بُدَّ من حَذْفِ مفعولٍ تقديرُهُ: لا تواعدوهُنَّ نكاحاً. والسِّرُّ: ضدُّ الجَهْرِ، وقيل: يُطْلَقُ على الوَطْءِ وعلى الزِّنا بخصوصيةٍ، وأنشدوا للحُطَيئة: ١٠٠٠ - ويَحْرُم سِرُّ جارتِهم عليهم ... ويأكلُ جارُهُمْ أُنُفَ القِصاعِ وقولَ الآخر - هو الأعشى -: ١٠٠١ - ولا تَقْرَبَنَّ جارةً إنَّ سِرَّها ... حَرامٌ عليكَ فانكِحَنْ أو تَأَبَّدا قوله: ﴿إِلاَّ أَن تَقُولُواْ﴾ في هذا الاستثناءِ قولان، أحدُهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ لأنه لا يندرجُ تحت «سِرّ» على أيِّ تفسيرٍ فَسَّرْتَه، به، كأنه [قال] : لكنْ قولوا قولاً معروفاً. والثاني: أنه متصلٌ وفيه تأويلان ذكَرهما الزمخشري

стр. 1174

فإنه قال: «فإنْ قلتَ بِمَ يَتَعَلَّقُ حرفُ الاستثناءِ؟ قلت: ب» لا تواعِدُوهُنَّ «، أي: لا تواعِدُوهُنَّ مواعَدةً قط إلا مواعدةً معروفة غيرَ مُنْكَرةٍ، أو لا تواعِدُوهُنَّ إلا بِأَنْ تقولوا، أي: لا تواعدوهُنَّ إلاَّ بالتعريض، ولا يكونُ استثناءً منقطعاً من» سراً «لأدائِهِ إلى قولِكَ: لا تواعِدوهُنَّ إلا التعريضَ» انتهى. فَجَعَلَهُ استثناءً متصلاً مفرغاً على أحدِ تأويلين، الأولُ: أنه مستثنى من المصدرِ، ولذلك قَدَّره: لا تواعِدُوهُنَّ مواعدةً قط إلاَّ مواعدةً معروفةً. والثاني: أنه من مجرورٍ محذوفٍ، ولذلك قَدَّره ب «إلاَّ بأَنْ تقولوا» ، لأنَّ التقديرَ عنده: لا تواعِدُوهُنَّ بشيء إلا بِأَنْ تقولوا، ثم أَوْضَحَ قولَه بأنْ تقولوا بالتعريضِ، فلمَّا حُذِفَتْ الباءُ من «أَنْ» وهي باءُ السببيةِ بقي في «أَنْ» الخلافُ المشهورُ بعدَ حَذْفِ حرفِ الجرِّ، هل هي في محلِّ نصبٍ أم جر؟ وقولُهُ: «لأدائِهِ إلى قولِكَ إلى آخره» يعني أنه لا يَصِحُّ تسلُّط العاملِ عليه فإنَّ القولَ المعروفَ عندَهُ المرادُ به التعريضُ، وأنت لو قلت: «لا تواعِدُوهُنَّ/ إلاَّ التعريض» لم يَصِحَّ لأنَّ التعريضَ ليس مواعداً. ورَدَّ عليه الشيخ بأنَّ الاستثناءَ المنقطعَ ليس مِنْ شرطِهِ صِحَّةُ تسلُّطِ العاملِ عليه بل هو على قسمين: قسمٍ يَصِحُّ فيه ذلك، وفيه لغتان: لغةُ الحجازِ وجوبُ النصب مطلقاً نحو: «ما جاء أحدُ ألا حماراً» ، ولغةُ تميم إجراؤه مُجْرى المتصلِ فيُجْرون فيه النصبَ والبدلية بشرطه، وقسم لا يَصِحُّ فيه ذلك نحو: «ما زادَ إلا ما نَقَصَ» ، و «ما نفَعَ إلا ما ضَرَّ» . وحكمُ هذا النصبُ عند العربِ قاطبةً، فالقسمان يشتركان في التقديرِ بلكن عند البصريين، إلاَّ أنَّ أحدَهما يَصِحُّ تسلُّط العاملِ عليه في قولك: «ما جاء أَحدٌ إلا حمار» لو قلت: «ما جاءَ إلا حمارٌ» صَحَّ بخلافِ القسمِ الثاني، فإنَّه

стр. 1175

لا يتوجَّه عليه العاملُ «ولتحقيقِ هذا موضعٌ هو أليقُ به، وقد تقدَّمَ منه طرفٌ صالحٌ. قوله: ﴿عُقْدَةَ﴾ في نصبهِ ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه مفعولٌ به على أنه ضَمَّنَ «عَزَم» معنى ما يتعدَّى بنفِسِه وهو: تَنْووا أو تباشِروا ونحوُ ذلك. والثاني: أنه منصوبٌ على إسقاطِ حرفِ الجر وهو «على» ، فإنَّ «عَزَم» يتعدَّى بها، قال: ١٠٠٢ - عَزَمَتُ على إقامةِ ذي صباحٍ ... لأمرٍ ما يُسَوَّدُ مَنْ يَسُودُ وحذفها جائز كقول عنترة: ١٠٠٣ - ولقد أبيتُ على الطَّوى وأظلُّه ... حتى أنالَ به كريمَ المَطْعَمِ أي: وأظلُّ عليه. الثالثُ: أنه منصوبٌ على المصدرِ، فإنَّ المعنى: ولا تَعْقِدُوا عقدةَ، فكأنه مصدرٌ على غير الصدرِ، نحو: قَعَدْتُ جلوساً، والعُقْدَةُ مصدرٌ مضافٍ للمفعولِ والفاعلُ محذوفٌ، أي: عُقْدَتَكم النكاحَ. قوله: ﴿فاحذروه﴾ الهاءُ في «فاحذَرُوه» تعودُ على اللَّهِ تعالى، ولا بُدَّ من حذفِ مضافٍ أي: فاحذَرُوا عقابَه. ويَحْتَمِلُ أَنْ تعودَ على «ما» في قوله ﴿مَا في أَنْفُسِكُمْ﴾ بمعنى ما في أنفسكم من العَزْمِ على ما لا يجوزُ، قاله الزمخشري.

стр. 1176

قوله تعالى: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ : في «ما» هذه ثلاثةُ

стр. 1177

أقوالٍ، أظهرُها: أن تكونُ مصدريةً ظرفيةً، تقديرُهُ: مدةَ عدمِ المَسيس كقوله: ١٠٠٤ - إني بحبلِكَ واصلٌ حَبْلِي ... وبريش نَبْلِكَ رائِشٌ نَبْلي ما لم أَجِدْكَ على هُدَى أَثَرٍ ... يَقْرُو مِقَصَّكَ قائِفٌ قَبْلي والثاني: أن تكونَ شرطيةً بمعنى إنْ، نقله أبو البقاء. وليس بظاهرٍ، لأنه يكونُ حينئذٍ من بابِ اعتراضِ الشرطِ على الشرطِ، فيكونُ الثاني قيداً في الأول نحو: «إنْ تأتِ إنُ تُحْسِنْ إليَّ أكرمْك» أي: إنْ أتيتَ مُحْسِناً، وكذا في الآيةِ الكريمة: إنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ غيرَ ماسِّين لَهُنَّ، بل الظاهرُ أنَّ هذا القائل إنما أرادَ تفسير المعنى، لأنَّ «ما» الظرفيةَ مُشَبَّهةُ بالشرطيةِ، ولذلك تقتضي التعميم. والثالث: أن تكونَ موصولة بمعنى الذي، وتكونُ للنساءِ؛ كأنه قيلَ: إنْ طَلَّقْتُمْ النساءَ اللائي لم تَمَسُّوهُنَّ، وهو ضعيفٌ، لأنَّ «ما» الموصولةَ لا يُوصَفُ بها، وإنْ كان يوصفُ بالذي والتي وفروعِهِا. وقرأ الجمهورُ: «تَمَسُّوهُنَّ» ثلاثياً وهي واضحةٌ. وقرأ حمزة والكسائي: «تماسُّوهُنَّ» من المفاعلَةِ، فيُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ فاعَلَ بمعنى فَعَل كسافر، فتوافِقَ الأولى، ويُحْتَمل أَنْ تكونَ على بابِها من المشاركَةِ، فإنَّ الفعلَ مِن الرجلِ والتمكينَ من المرأةِ، ولذلك قيلَ لها زانيةٌ. ورجَّح الفارسي

стр. 1178

قراءة الجمهورِ بأنَّ أفعالَ هذا البابِ كلَّها ثلاثيةٌ نحو: نكح فرع سفد وضربَ الفحلُ. قوله: ﴿أَوْ تَفْرِضُواْ﴾ فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مجزومٌ عطفاً على «تَمَسُّوهُنَّ» ، و «أَو» على بابها من كونِها لأحدِ الشيئين، قاله ابن عطية. والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار أَنْ عطفاً على مصدرٍ متوهمٍ، و «أو» بمعنى إلاَّ التقدير: ما لم تَمَسُّوهُنَّ إلا أَنْ تَفْرِضُوا، كقولِهِم: لألزَمَنَّكَ أو تقضيَني حقي، قاله الزمخشري. والثالث: أنه معطوفٌ على جملةٍ محذوفةٍ تقديره: «فَرَضْتُم أو لم تَفْرِضُوا» فيكونُ هذا من بابِ حذفِ الجزمِ وإبقاءِ عمله، وهو ضعيفٌ جداً، وكأنَّ الذي حَسَّنَ هذا كونُ لفظِ «لم» موجوداً قبل ذلك. والرابع: أن تكونَ «أو» بمعنى الواو، و «تَفْرِضُوا» عطفاً على «تَمَسُّوهُنَّ» فهو مجزومٌ أيضاً. قوله: ﴿فَرِيضَةً﴾ فيها وجهان، أظهرُهما: أنها مفعولٌ به وهي بمعنى مفعولة، أي: إلاَّ أَنْ تَفْرِضُوا لهنَّ شيئاً مفروضاً. والثاني: أن تكونَ منصوبةً على المصدرِ بمعنى فَرْضاً. واستجود أبو البقاء الوجهَ الأولَ، قال: «وأَنْ يكونَ مفعولاً به وهو الجيدُ» والموصوفُ محذوفٌ تقديرُهُ: متعةً مفروضةً. قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ قال أبو البقاء: «وَمَتِّعُوهُنَّ معطوفٌ على فعلٍ محذوف تقديرُهُ: فَطَلِّقُوهُنَّ ومَتِّعُوهُنَّ» . وهذا لا حاجَةَ إليه، فإنَّ الضميرَ

стр. 1179

المنصوبَ في «مَتِّعوهن» عائدٌ على المطلقاتِ قبل المسيسِ وقبلَ الفَرْضِ، المذكورَيْن في قولِه: ﴿إِن طَلَّقْتُمُ النسآء﴾ إلى آخرها. قوله: ﴿عَلَى الموسع قَدَرُهُ﴾ ، جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ، وفيها قولان، أحدُهما: أنها لا محلَّ لها من الإِعراب، بل هي استئنافيَّةٌ بَيَّنَتْ حالَ المُطَلِّقِ بالنسبةِ إلى إيسارِهِ وإقتارِهِ. والثاني: أنها في موضعِ نصبٍ على الحالِ، وذو الحال/ فاعل «متِّعوهن» . قال أبو البقاء: «تقديرُهُ: بقَدر الوُسْع» ، وهذا تفسير معنىً. وعلى جَعْلِهَا حاليةً فلا بُدَّ من رابطٍ بينها وبين صاحبها، وهو محذوفٌ تقديرهُ: على الموسِع منكم. ويجوزُ على مذهبِ الكوفيين ومَنْ تابعهم أن تكونَ الألفُ واللامُ قامَتْ مقامَ الضميرِ المضافِ إليه تقديرُهُ: «على مُوْسِعِكُم قَدَرُه» . وقرأ الجمهورُ: «المُوسِعِ» بسكونِ الواو وكسرِ السينِ اسمَ فاعِلٍ من أَوْسع يُوسع. وقرأ أبو حيوة بفتح الواو والسين مشددة، اسمَ مفعولٍ من «وسَّعَ» . وقرأ حمزة والكسائي وابن ذكوان وحفص: «قَدَرَه» بفتحِ الدالِ في الموضعين، والباقون بسكونِها. واختلفوا: هل هما بمعنىً واحدٍ أو مختلفان؟ فذهب أبو زيد والأخفش وأكبرُ أئمةِ العربيةِ إلى أنهما بمعنىً واحدٍ، حكى أبو زيد: «خُذْ قَدَر كذا وقَدْر كذا» ، بمعنى واحدٍ، قال: «ويُقْرَأُ في كتابِ اللَّهِ:» فسالتْ

стр. 1180

أوديةٌ بقدَرها «و» قَدْرها «، وقال: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الرعد: ١٧] ولو حُرِّكَت الدالُ لكان جائزاً. وذهبَ جماعةٌ إلى أنهما مختلفانِ، فالساكنُ مصدرٌ والمتحركُ اسمٌ كالعَدِّ والعَدَدِ والمَدِّ والمَدَد، وكأنَّ القَدْر بالتسكين الوُسْعُ، يقال:» هو يُنفق على قَدْرِهِ «أي وُسْعِهِ. وقيل: بالتسكين الطاقةُ، وبالتحريك المقدارُ. قال أبو جعفر:» وأكثرُ ما يُسْتَعْمَل بالتحريكِ إذا كان مساوياً للشيءِ، يُقال: «هذا على قدَر هذا» . وقرأ بعضهم بفتحِ الراء، وفي نصبِه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ منصوباً على المعنى، قال أبو البقاء: «وهو مفعولٌ على المعنى، لأنَّ معنى» مَتِّعوهن «لِيُؤَدِّ كلٌّ منكم قدَرَ وُسْعِهِ» وشَرْحُ ما قاله أن يكونَ من باب التضمين، ضَمَّنَ «مَتِّعوهنَّ» معنى «أدُّوا» . والثاني: أن يكونَ منصوباً بإضمارِ فعلٍ تقديرُهُ: فَأَوْجِبوا على الموسِعِ قَدَره. وجعله أبو البقاء أجودَ من الأول. وفي السجاوندي: «وقال ابن أبي عبلة:» قَدَرَه أي قَدَرَه الله «انتهى. وظاهِرُ هذا أنه قرأ بفتحِ الدالِ والراءِ، فيكونُ» قَدَرَه «فعلاً ماضياً، وجَعَلَ فيه ضميراً فاعلاً يعودُ على اللِّهِ تعالى، والضميرُ المنصوبُ يعود على المصدرِ المفهومِ من» مَتِّعوهن «. والمعنى: أنَّ الله قَدَرَ وكَتَبَ الإِمتاعَ على المُوسِعِ وعلى المُقْتِرِ.

стр. 1181

قوله: ﴿مَتَاعاً﴾ في نصبِهِ وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ على المصدرِ، وتحريرُه أنه اسمُ مصدرٍ، لأنَّ المصدرَ الجاريَ على صَدْرِهِ إنَّما هو التمتيعُ، فهو من بابِ: ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] . وقال الشيخ: «قالوا: انتصَبَ على المصدرِ، وتحريرُهُ أن المتاعَ هو ما يُمَتَّع به، فهو اسمٌ له، ثم أُطْلِقَ على المصدرِ على سبيلِ المجازِ، والعامِلُ فيه:» وَمَتِّعوهُنَّ «وفيه نظرٌ، لأنَّ المعهود أنْ يُطلَق المصدرُ على أسماءِ الأعيان كضَرْب بمعنى مَضْروب، وإمَّا إطلاقُ الأعيان على المصدرِ فلا يجوزُ، وإنْ كانَ بعضُهم جَوَّزه على قلةٍ نحو قولهم:» تِرْبَاً وَجَنْدلاً «و» أقائماً وقد قَعَدَ الناسُ «. والصحيح أن» تِرْباً «ونحوَه مفعولٌ به، و» قائماً «نصبٌ على الحالِ. والثاني من وَجْهَي» متاعاً «أن يَنْتَصِبَ على الحالِ. والعاملُ فيه ما تضمَّنه الجارُّ والمجرورُ من معنى الفعلِ، وصاحبُ الحالِ ذلك الضميرُ المستكنُّ في ذلك العاملِ، والتقديرُ: قَدَرُ الموسِعِ يستقرُّ عليه في حالِ كونِهِ متاعاً. قوله: ﴿بالمعروف﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يتعلَّقَ بمتِّعوهن فتكون الباءُ للتعديةِ. والثاني: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لمتاعا، فيكونَ في محلِّ نصبٍ، والباءُ للمصاحبةِ، أي: متاعاً ملتبساً بالمعروفِ. وجَوَّز الحوفي وجهاً ثالثاً وهو أنْ يتعلَّقَ بنفسِ» متاعاً «. قوله: ﴿حَقّاً﴾ في نصبِه أربعةُ أوجهٍ، أحدُهما: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ لمعنى الجملةِ قبله كقولِك:» هذا ابني حقاً «وهذا المصدرُ يَجبُ إضمارُ عامِله

стр. 1182

تقديرُه: حَقَّ ذلك حقاً. ولا يجوزُ تقديمُ هذا المصدر على الجملةِ قبلَه. والثاني: أَنْ يكونَ صفةً لمتاعاً، أي: متاعاً واجباً على المحسنين. والثالث: أنه حالٌ مِمَّا كان حالاً منه» متاعاً «، وهذا على رأي مَنْ يجيز تعدُّد الحالِ. والرابعُ: أن يكونَ حالاً من» المعروف «، أي بالذي عُرِف في حالِ وجوبِه على المحسنين. و» على المحسنين «يجوزُ أن يتعلَّقَ بحقاً، لأنه بمعنى الواجبِ، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ له.

стр. 1183

قولُه تعالى: ﴿وَقَدْ فَرَضْتُمْ﴾ : هذه الجملةُ في موضع نصبٍ على الحالِ، وذو الحالِ يجوزُ أن يكونَ ضميرَ الفاعلِ، وأَنْ يكونَ ضميرَ المفعولِ لأنَّ الرابطَ موجودٌ فيهما. والتقديرُ: وإنْ طَلَّقتموهنَّ فارِضين لهن أو مفروضاً لهن، و «فريضة» فيهما الوجهان المتقدمان. والفاءُ في «فنصفُ» جوابُ الشرطِ، فالجملةُ في محلِّ جزمِ جواباً للشرطِ، وارتفاعُ «نصفُ» على أحدِ وجهين: إمَّا الابتداءُ والخبر حينئذ محذوفٌ، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتُه قبله، أي: فعليكم أو فَلَهُنَّ نصفُ، وإنْ شِئْتَ بعدَه أي: فنصفُ ما فرضتُم عليكم - أو لَهُنَّ - وإمَّا على خبرِ مبتدأٍ محذوفٍ تقديرُه: فالواجبُ نصفُ. وقرأ فرقة: «فنصفَ» بالنصبِ على تقدير: «فادْفَعُوا أو أَدُّوا» . وقال أبو البقاء: ولو قُرِىء بالنصبِ لكان وجهُه «فأَدُّوا نصفَ» فكأنه لم يَطَّلِعْ عليها قراءةً مرويَّةً. والجمهورُ على كسر نونِ «نِصْف» . وقرأ زيد وعلي، ورواها

стр. 1184

الأصمعي قراءةً عن أبي عمرو: «فَنُصف» بضمِّ النون هنا وفي جميع القرآن، وهما لغتان. وفيه لغةٌ ثالثة: «نَصيف» بزيادةِ ياءٍ، ومنه الحديث: «ما بَلَغ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفه» و «ما» في «ما فرضتم» بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ لاستكمالِ الشروطِ، ويَضْعُفُ جَعْلُها نكرةً موصوفةً/. قوله: ﴿إَلاَّ أَن يَعْفُونَ﴾ في هذا الاستثناءِ وجهان، أحدُهما: أن يكونَ استثناءً منقطعاً، قال ابن عطية وغيرُه: «لأنَّ عفوهُنَّ عن النصف ليس من جنسِ أَخْذِهِنَّ» . والثاني: أنه متصلٌ، لكنه من الأحوال، لأنَّ قولَه: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ معناه: فالواجبُ عليكم نصفُ ما فَرَضْتُم في كلِّ حال إلا في حالِ عَفْوِهِنَّ، فإنه لا يَجِبُ، وإليه نحا أبو البقاء، وهذا ظاهرٌ، ونظيرُه: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦] . قال الشيخ: «إلاَّ أَنْ مَنْ مَنَعَ أَنْ تَقع أَنْ وصلتُها حالاً كسيبويه فإنه يمنعُ ذلك، ويكونُ حينئذٍ منقطعاً» . وقرأ الحسن «يَعْفُونَه» بهاء مضمومةٍ، وفيها وجهان، أحدهما: أنها ضميرٌ يعودُ على النصفِ. والأصلُ: إلاَّ أَنْ يَعْفُونَ عنه، فَحُذِف حرفُ الجرِّ، فاتصل الضميرُ بالفعلِ. والثاني: أنها هاءُ السكتِ والاستراحةِ، وإنما ضَمَّها تشبيهاً بهاءِ الضميرِ كقول الآخر:

стр. 1185

١٠٠٥ - هم الفاعلونَ الخيرَ والآمرونَه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . على أحدِ التأويلين في البيت أيضاً. وقرأ ابن أبي إسحاق: «تَعْفُون» بتاءِ الخطابِ، ووجهُها الالتفاتُ من ضميرِ الغَيْبة إلى الخطابِ، وفائدةُ هذا الالتفاتِ التحضيضُ على عَفْوِهِنَّ وأنه مندوبٌ. و «يَعْفُون» منصوبٌ بأَنْ تقديراً فإنَّه مبنيٌّ لاتصالِه بنونِ الإِناثِ. هذا رأيُ الجمهور. وأمَّا ابن درستويه والسهيلي فإنه عندهما معربٌ. وقد فَرَّق الزمخشري وأبو البقاء بين قولك: «الرجالَ يَعْفُون» و «النساءُ يَعْفُون» وإنْ كان هذا من واضحاتِ النحو: بأنَّ قولك «الرجالُ يَعْفُون» : الواو فيه ضميرُ جماعة الذكورِ وحُذِفت قبلها واوٌ أخرى هي لام الكلمة، فإن الأصل: يَعْفُوُون فاستُثْقلت الضمةُ على الواوِ الأولى فحُذِفَتْ فبقيت ساكنة، وبعدها واو الضمير أيضاً ساكنةً، فحُذِفت الواو الأولى لئلاَّ يتلقى ساكنان، فوزنُه يَفْعُون والنونُ علامة الرفعِ فإنه من الأمثلةِ الخمسةِ. وأنَّ قولك: «النساء يَعْفُون» الواوُ لامُ الكلمةِ والنونُ ضميرُ جماعةِ الإِناثِ، والفعلُ معها مبنيٌّ لا يَظْهَرُ للعامِل فيه أثرٌ. وقد ناقش الشيخُ الزمخشريَّ بأنَّ هذا من الواضحات التي بأدنى قراءة في هذا العلمِ تُعْرَفُ، وبأنه لم يبيِّن حَذْفَ الواو من قولك «الرجال يعفون» وأنه لم يذكر خلافاً في بناء المضارع المتصل بنون الإِناث، وكلُّ هذا سهلٌ لا ينبغي أن يُنَاقَشَ بمثلِه. قوله: ﴿أَوْ يَعْفُوَاْ الذي﴾ «أو» هنا فيها وجهان، أحدُهما: هي للتنويع. والثاني: أنها للتخييرِ. والمشهورُ فتحُ الواوِ عطفاً على المنصوبِ قبله. وقرأ

стр. 1186

الحسن بسكونِها، استثقل الفتحةَ على الواوِ فقدَّرها كما يقدِّرُها في الألف، وسائرُ العرب على استخفافها، ولا يجوزُ تقديرُها إلا في ضرورةٍ كقوله - هو عامر بن الطفيل -: ١٠٠٦ - فما سَوَّدَتْني عامِرٌ عن وراثةٍ ... أبى اللَّهُ أَنْ أَسْمو بأمٍّ ولا أَبِ ولَمَّا سَكَّن الواوَ حُذِفَتْ للساكن بعدَها وهو اللامُ من «الذي» . وقال ابنُ عطية: «والذي عندي أنه استثقل الفتحةَ على واو متطرفةٍ قبلها متحركٌ لقلَّةِ مجيئِها في كلامِهم، وقال الخليلُ:» لم يَجِيء في الكلامِ واوٌ مفتوحةٌ متطرفةٌ قبلَها فتحةٌ إلا قولُهم: «عَفَوة» جمع عَفْو، وهو ولدُ الحِمار، وكذلك الحركةُ - ما كانت - قبلَ الواو المفتوحةِ فإنَّها ثقيلةٌ «انتهى. قالَ الشيخ:» فقوله: لقلَّةِ مجيئها يعني مفتوحةً مفتوحاً ما قبلَها، وهذا الذي ذكره فيه تفصيلٌ، وذلكَ أنَّ الحركةَ قبلَهَا: إمَّا أَنْ تكونَ ضمةً أو كسرةً أو فتحةً. فإنْ كانَتْ ضمةً: فإمَّا أَنْ يكونَ ذلك في اسم أو فعلٍ، فإنْ كان في فعلٍ فهو كثيرٌ، وذلك جميعُ أمثلةِ المضارعِ الداخلِ عليها حرفُ نصبٍ نحو: «لَنْ يغزُوَ» ، والذي لحِقَه نونُ التوكيد منها نحو: «هلَ يَغْزُوَنَّ» ، وكذا الأمرُ نحو: «اغزُوَنَّ» ، وكذا الماضي على فَعُل في التعجِب نحو: سَرُوَ الرجل، حتى إن ذوات الياء تُرَدُّ إلى الواو في التعجب فيقولون: «لَقَضُوَ الرجلُ» ، على ما أُحْكِم في بابِ التصريف. وإنْ كان ذلك في اسم: فإمَّا أن يكونَ مبنياً

стр. 1187

على هاءِ التأنيث فيكثرُ أيضاً نحو: عَرْقُوة وتَرْقُوة وقَمَحْدُوَة. وإنْ كان قبلها فتحة فهو قليل كما ذكر الخليل، وإن كان قبلها كسرةٌ قُلِبت الواوُ ياءً نحو: الغازي والغازية، وشَذَّ من ذلك «أَفْرِوَة» جمع فَرِوَة وهي مَيْلَغَةُ الكلب، و «سواسِوَة» وهم: المستوون في الشر، و «مقاتِوَة» جمعُ مُقْتَوٍ وهو السائسُ الخادِمُ. وتلخَّص من هذا أنَّ المرادَ بالقليلِ واوٌ مفتوحةٌ متطرفةً ما قبلها في اسم غيرٍ ملتبسٍ بتاءِ التأنيثِ، فليس قولُ ابنِ عطية «والذي عندي إلى آخره» بظاهر. والمرادُ بقولِه: ﴿الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح﴾ قيل: الزوجُ: وقيلَ: الوليُّ، وأل في النكاحِ للعهدِ، وقيد بدلٌ من الإِضافةِ، أي: نكاحُه كقوله: ١٠٠٧ - لهمْ شَيمَةٌ لم يُعْطِها اللهُ غيرَهم ... من الجودِ، والأحلامُ غيرُ عَوازِبِ أي أحلامُهم، وهذا رأيُ الكوفيين. وقال بعضُهم: في الكلامِ حذفٌ تقديره: بيده حلُّ عقدةِ النكاحِ، كما قيل ذلك في قوله: ﴿وَلاَ تعزموا عُقْدَةَ النكاح﴾ [البقرة: ٢٣٥] أي عَقْدَ عقدة النكاح وهذا يؤيِّد أنَّ المرادَ الزوجُ/. قوله: ﴿وَأَن تعفوا أَقْرَبُ﴾ «أن تَعْفُوا» في محل رفع بالابتداء لأنه في تأويل «عَفْوُكم» ، و «أقربُ» خبره. وقرأ الجمهور «تَعْفُوا» بالخطاب، والمرادُ الرجالُ والنساءُ، فَغَلَّبَ المذكَّرَ، والظاهرُ أنه للأزواجِ خاصةً، لأنهم المخاطَبون في صدرِ الآيةِ، وعلى هذا فيكونُ التفاتاً من غائبٍ، وهو قولُه: ﴿الذي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح﴾ - على قولنا أنَّ المرادَ به الزوجُ وهو المختارُ - إلى الخطابِ الأولِ في صدرِ الآيةِ. وقرأ

стр. 1188

الشعبي وأبو نهيك: «يَعْفوا» بياء من تحت. قال الشيخ: «جعله غائباً، وجُمِع على معنى:» الذي بيدِه عقدةُ النكاح «لأنه للجنس لا يُراد به واحد» يعني أنَّ قولَه: «وأن يَعْفوا» أصله «يَعْفُوُون» فلمَّا دَخَل الناصبُ حُذِفَتْ نونُ الرفعِ ثم حُذِفَتِ الواوُ التي هي لامُ الكلمةِ، وهذه الياءُ فيه هي ضميرُ الجماعةِ، جُمِعَ على معنى الموصولِ، لأنه وإنْ كان مفرداً لفظاً فهو مجموعٌ في المعنى لأنه جنسٌ. ويظهر فيه وجهٌ آخرُ، وهو أن تكونَ الواوُ لامَ الكلمةِ، وفي هذا الفصلِ ضميرٌ مفردٌ يعودُ على الذي بيده عقدةُ النكاحِ، إلا أنه قَدَّر الفتحة في الواوِ استثقالاً كما تقدَّم في قراءةِ الحسن، تقديرُه: وأَنْ يعفو الذي بيده عقدةُ. قوله: ﴿للتقوى﴾ متعلِّقٌ بأقرب، وهي هنا للتعديةِ، وقيل: بل هي للتعليلِ. و «أقربُ» تتعدَّى تارةً باللام كهذه الآيةِ، وتارةً بإلى كقولِه تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد﴾ [ق: ١٦] . وليست «إلى» بمعنى اللام، وقيل: بل هي بمعناها، وهذا مذهبُ الكوفيين، أعني التجوُّزَ في الحروفِ. ومعنى اللامِ و «إلى» في هذا الموضعِ يتقارَبُ. وقال أبو البقاء: «ويجوزُ في غيرِ القرآن:» أقربُ من التقوى وإلى التقوى «إلاَّ أنَّ اللامَ هنا تَدُلُّ على معنىً غير معنى» إلى «وغير معنى» مِنْ «، فمعنى اللامِ: العفو أقربُ من أجل التقوى، واللام تدلُّ على علة قرب العفو، وإذا قلت: أقربُ إلى التقوى كان المعنى: يقارب التقوى، كما تقول:

стр. 1189

أنت أقربُ إليَّ، و» أقرب من التقوى «يقتضي أن يكونَ العفوُ والتقوى قريبَيْن، ولكنَّ العفوَ أشدُّ قُرباً من التقوى، وليس معنى الآية على هذا» انتهى. فَجَعَلَ اللامَ للعلة لا التعديةِ، و «إلى» للتعديةِ. واعلمْ أنَّ فِعْلَ التعجب وأفعلَ التفضيلِ يتعدَّيان بالحرفِ الذي يتعدَّى به فعلُهما قبل أن يكونَ تعجباً وتفضيلاً نحو: «ما أزهدني فيه وهو أزهدُ فيه» ، وإنْ كان من متعدٍّ في الأصلِ: فإن كان الفعلُ يُفْهِمُ علماً أو جَهْلاً تعدَّيا بالباءِ نحو: «هو أعلمُ بالفقه» ، وإنْ كان لا يُفْهِمُ ذلك تعدَّيا باللامِ نحو: «ما أضربَكَ لزيدٍ» ، و «أنت أضربُ لعمروٍ» إلاَّ في بابِ الحُبِّ والبغضِ فإنهما يتعدَّيان إلى المفعولِ ب «في» نحو: «ما أحبَّ زيداً في عمروٍ وأبغضه في خالدٍ، وهو أحبُّ في بكر وأبغض في خالد» وإلى الفاعل المعنوي ب «إلى» نحو: «زيدٌ أحبُّ إلى عمروٍ من خالد، وما أحبَّ زيداً إلى عمرو» ، أي: إنَّ عمراً يحبُ زيداً. وهذه قاعدةٌ جليلةٌ قَلَّ مَنْ يَضْبِطُها. والمُفَضَّلُ عليه في الآيةِ الكريمةِ محذوفٌ، تقديرُه: أقربُ للتقوى من تَرْكِ العفوِ. والياءُ في التقوى بدلٌ من واو، وواوُها بدلٌ من ياءٍ لأنها من وَقَيْتُ أقِي وقايةً، وقد تقدَّم ذلك أول السورةِ. قوله: ﴿وَلاَ تَنسَوُاْ الفضل﴾ الجمهورُ على ضَمِّ الواو مِنْ «تَنْسَوا» لأنها واوُ ضميرٍ. وقرأ ابن يعمر بكسرِها تشبيهاً بواو «لو» كما ضَمُّوا الواو من «لو» تشبيهاً بواوِ الضميرِ. وقال أبو البقاء «في واو» تَنْسَوا «من القراءات ووجوهها ما ذكرناه في ﴿اشتروا الضلالة﴾ [البقرة: ١٦] . وكان قد قَدَّم فيها خمسَ قراءاتٍ، فظاهرُ كلامِه عَوْدُها كلِّها إلى هنا، إلاَّ أنه لم يُنْقَلْ هنا إلا الوجهان اللذان ذَكَرْتُهما.

стр. 1190

وقرأ عليٌّ ﵁:» ولا تناسَوا «قال ابن عطية:» وهي قراءةُ متمكِّنةٌ في المعنى، لأنه موضعُ تناسٍ لا نسيانٍ، إلاَّ على التشبيه «. وقال أبو البقاء: على بابِ المفاعلة، وهي بمعنى المتاركةِ لا بمعنى السهو، وهو قريبٌ من قولِ ابنِ عطية. قوله: ﴿بَيْنَكُمْ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه منصوبٌ ب» تَنْسَوُا «. والثاني: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من الفضلِ أي: كائناً بينكم. والأولُ أَوْلى لأنَّ النهيَ عن فِعْلٍ يكونُ بينَهم أبلغَ من فعلٍ لا يكونُ بينهم.

стр. 1191

قوله تعالى: ﴿حَافِظُواْ﴾ : في «فاعَل» هنا قولان، أحدُهما: أنه بمعنى فَعِل كطارَقْتُ النعل وعاقَبْتُ اللصَّ. ولمَّا ضَمَّن المحافظةَ معنى المواظبةِ عَدَّاها ب «على» الثاني: أنَّ «فاعَل» على بابِها من كونِها بين اثنين، فقيل: بين العبدِ وربِّه، كأنه قيل: احفَظْ هذه الصلاةَ يحفظْكَ اللهُ. وقيل: بين العبدِ والصلاةِ أي: احفَظْها تحفَظْك. وقال أبو البقاء: «ويكون وجوبُ تكريرِ الحفظِ جارياً مَجْرى الفاعِلين، إذ كان الوجوبُ حاثَّاً على الفعلِ، فكأنه شريكُ الفاعلِ للحفظ، كما قالوا في ﴿وَاعَدْنَا موسى﴾ [البقرة: ٥١] فالوعدُ من اللهِ والقَبولُ من موسى بمنزلةِ الوعد. وفي» حافِظوا «معنىً لا يوجَدُ في» احفظوا «وهو تكريرُ الحفظ» وفيه نظر؛ إذ المفاعلةُ لا تَدُلُّ على تكريرِ فعلٍ البتةِ.

стр. 1192

قوله: ﴿والصلاة الوسطى﴾ ذَكَر الخاصَّ بعد العامَّ، وقد تقدَّم فائدُته عند قولِه: ﴿مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ﴾ [البقرة: ٩٨] ، والوُسْطى: فُعْلَى معناها التفضيلُ، فإنها مؤنثةٌ للأوسط، كقولِه - يمدح الرسول ﵇: ١٠٠٨ - يا أوسطَ الناسِ طُرَّاً في مفاخِرهمْ ... وأكرمَ الناسِ أمَّا بَرَّةً وأَبَا وهي [من] الوسطِ الذي هو الخِيارُ/ وليست من الوَسَطِ الذي معناه: متوسطٌ بين شيئين، لأنَّ فُعْلى معناها التفضيلُ؛ ولا يُبْنى للتفضيل إلا ما يَقْبل الزيادةَ والنقصَ، والوَسَطُ بمعنى العَدْل والخيارِ يقبلُهما بخلافِ المتوسطِ بين الشيئين فإنه لا يَقْبَلُهما فلا يُبْنى منه أفعلُ التفضيل. وقرأ علي: «وعلى الصلاة» بإعادةِ حرفِ الجَرِّ توكيداً، وقَرَأَتْ عائشةُ ﵂ «والصلاةَ» بالنصبِ، وفيها وجهان، أحدُهما على الاختصاصِ، ذكرَه الزمخشري، والثاني على موضعِ المجرورِ، مثلُه نحو: مررتُ بزيدٍ وعَمْراً، وسيأتي بيانُه في المائدة. قوله: ﴿قَانِتِينَ﴾ حالٌ من فاعلِ «قوموا» . و «لله» يجوزُ أَنْ تتعلَّقَ اللامُ بقوموا، ويجوزُ أنَ تتعلَّق بقانتين، ويدلُّ للثاني قولُه تعالى: ﴿كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦] . ومعنى اللامِ التعليلُ.

стр. 1193

قوله تعالى: ﴿فَرِجَالاً﴾ : منصوبٌ على الحالِ، والعاملُ فيه محذوفٌ تقديرُه: «فَصَلُّوا رجالاً، أو فحافِظُوا عليها رِجالاً وهذا أَوْلَى لأنه

стр. 1194

و» رجال «جَمْعُ راجِل كقائِم وقيام، وصاحِب وصِحاب، يُقال منه: رَجِل يَرْجَلُ رَجْلاً، فهو راجِلٌ ورَجُلٌ بوزن عَضُد، وهي لغةُ الحجازِ، يقولونَ: رَجِل فلانٌ فهو رَجُلٌ ويقال: رَجْلان ورَجِيل قال الشاعر: ١٠٠٩ - عليَّ إذا لاقَيْتُ ليلى بخُفْيَةٍ ... أَنَ أزدارَ بيتَ اللهِ رَجْلانَ حافِيا كلُّ هذا بمعنى مَشَى على قدميه لعدمِ المركوبِ. ولهذا اللفظ جموعٌ كثيرة: رِجال كما تقدَّم، وقال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وعلى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] ، وقال ١٠١٠ - وبنو غُدانَةَ شاخِصٌ أبصارُهُمْ ... يَمْشُون تحتَ بُطونِهِنَّ رِجَالا ورَجِيل ورُجالى، وتُروى قراءةً عن عكرمة، ورَجالى ورَجَّالة ورُجَّال وبها قرأ عكرمةُ وابن مَخْلد، ورُجَّالى ورُجلان ورِجْلة ورَجْلَة بسكونِ الجيمِ وفتحِها وأَرْجِلَة وأراجِل وأراجِيل ورُجَّلاً بضم الراءِ وتشديد الجيمِ من غير ألفٍ، وبها قُرِىء شاذَاً. ورُكْبَان جمع راكِب، قيل: ولا يُقال إلاَّ لِمَنْ رَكِبَ جَمَلاً، فأمَّا راكبُ الفرسِ ففارسٌ، وراكبُ الحمار والبغل حَمَّار وبَغَّال، والأَجْوَدُ صاحبُ حمارٍ وبَغْلٍ. و» أو «هنا للتقسيمِ وقيلَ: للإِباحةِ، وقيل: للتخييرِ.

стр. 1195

قوله: ﴿كَمَا عَلَّمَكُم﴾ الكافُ في محلِّ نصبٍ: إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، أو حالاً من ضميرِ المصدر المحذوفِ، ويجوزُ فيها أن تكونَ للتعليلِ أي: فاذكروه لأجلِ تعليمِهِ إياكم. و» ما «يجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً وهو الظاهرُ، ويجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي، والمعنى: فصَلُّوا الصلاةَ كالصلاةِ التي عَلَّمكم، وعَبَّر بالذكر عن الصلاةِ، ويكونُ التشبيهُ بين هيئتي الصلاتين الواقعةِ قبلَ الخوفِ وبعدَه في حالةِ الأمنِ. قال ابنُ عطية:» وعلى هذا التأويلِ يكونُ قولُه: ﴿مَّا لَمْ تَكُونُواْ﴾ بدلاً من «ما» في «كما» وإلاَّ لَم يَتَّسِقْ لفظُ الآية «قال الشيخ:» وهو تخريجٌ ممكِنٌ، وأحسنُ منه أن يكونَ «ما لم تكونوا» بدلاً من الضمير المحذوفِ في «عَلَّمكم» العائدِ على الموصول، إذ التقديرُ: عَلَّمكموه، ونَصَّ النحويون على أنه يجوزُ: ضَرَبْتُ الذي رأيتُ أخاك «أي: رأيته أخاك، فأخاك بدلٌ من العائدِ المحذوف» .
следующие страницы →