← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

قوله تعالى: ﴿فَصَلَ﴾ : أي: انفصلَ، فلذلك كان قاصراً. وقيل: إنَّ أصلَه التَّعدِّي إلى مفعولٍ ولكنه حُذِفَ، والتقديرُ: فَصَلَ نفسَه ثم كَثُرَ حَذْفُ هذا المفعولِ حتى صار الفعلُ كالقاصِرِ. و «بالجنودِ» متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من «طالوت» أي: مصاحباً لهم. وبين جملةِ قولِهِ «فلمَّا فَصَلَ» وبين ما قبلَها من الجملِ جملةٌ محذوفةٌ يَدُلُّ

стр. 1227

عليها فحوى الكلامِ وقوتُه، تقديرُهُ: فجاءَهم التابوت، فَمَلَكُوا طالوتَ وتأهَّبوا للخروجِ وهي كقولِهِ: ﴿فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق﴾ [يوسف: ٤٥-٤٦] . والجمهورُ على قراءةِ «بنهَر» بفتح الهاء وهي اللغةُ الفصيحةُ، وفيه لغةً أخرى: تسكينُ الهاء، وبها قرأ مجاهد وأبو السَّمَّال في جميع القرآنِ، وقد تقدَّم ذلك واشتقاقُ هذه/ اللفظة عند قولِهِ تعالى: ﴿مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ [البقرة: ٢٥] . وأصلُ الياء في «مُبْتَلِيكُمْ» واوٌ لأنه من بَلاَ يَبْلُوا أي: اختبَرَ، وإنَّما قُلِبَتْ لانكسارِ ما قبلَها. وقوله: ﴿فَلَيْسَ مِنِّي﴾ أي: من أشياعي وأصحابي، و «من» للتبعيضِ، كأنه يجعلُ أصحابَه بعضَه، ومثلُه قولُ النابغة: ١٠٢٣ - إذا حاوَلْتَ في أسدٍ فُجوراً ... فإني لَسْتُ منكَ ولَسْتَ مِنِّي ومعنى يَطْعَمْهُ: يَذُقْهُ، تقولُ العربُ: «طَعِمْتُ الشيءَ» أي: ذُقْتُ طَعْمَهُ قال: ١٠٢٤ - فإنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النساءَ سِواكُمُ ... وإنْ شئتِ لم أَطْعَمْ نُقاخاً ولا بَرْدا قوله: ﴿إِلاَّ مَنِ اغترف﴾ منصوبٌ على الاستثناء، وفي المستثنى منه وجهان، الصحيحُ أنه الجملة الأولى وهي: «فَمَنْ شَرِبَ منه فليس مني» ، والجملة الثانيةُ معترِضَةٌ بين المستثنى والمستثنَى منه، وأصلُها التأخيرُ، وإنَّما

стр. 1228

قُدِّمَتْ لأنها تَدُلُّ عليها الأولى بطريقِ المفهومِ، فإنَّه لَمَّا قال تعالى: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي﴾ فُهِمَ منه أنَّ مَنْ لم يَشربْ فإنَّه منه، فلمَّا كانَتْ مدلولاً عليها بالمفهومِ صارَ الفصلُ بها كَلا فصل. وقال الزمخشري: «والجملةُ الثانية في حكم المتأخرةِ، إلاَّ أنها قُدِّمَتْ للعنايةِ، كما قُدِّمَ» والصابئون «في قولِهِ: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ والذين هَادُواْ والصابئون﴾ [المائدة: ٦٩] . والثاني: أنه مستثنى من الجملةِ الثانيةِ، وإليه ذهب أبو البقاء. وهذا غيرُ سديدٍ لأنه يؤدِّي إلى أن المعنى: ومَنْ لم يَطْعَمْه فإنه مني إلاَّ مَنِ اغتَرَف بيدِهِ فإنه ليس مني، لأنَّ الاستثناءَ من النفي إثباتٌ، ومن الإِثباتِ نفيٌ، كما هو الصحيحُ، ولكن هذا فاسدٌ في المعنى لأنهم مفسوحٌ لهم في الاغترافِ غَرفةً واحدةً. والاستثناء إذا تعقَّبَ الجملَ وصَلَحَ عَوْدُهُ على كلٍّ منها هل يختصُّ بالأخيرة أم لا؟ خلافٌ مشهورٌ، فإنْ دَلَّ دليلٌ على اختصاصِهِ بإحدى الجملِ عمِلَ به، والآيةُ من هذا القبيلِ، فإنَّ المعْنى يعود إلى عَوْدِه إلى الجملَةِ الأولى لا الثانيةِ لِمَا ذكرْتُ لك. وقرأ الحَرَمِيَّان وأبو عمرو:» غَرفة «بفتحِ الغين والباقون بضمها. فقيل: هما بمعنى المصدرِ، إلاَّ أنهما جاءا على غيرِ الصدر كنبات من أَنْبَتَ،

стр. 1229

ولو جاءَ على الصدرِ لقيل: اغترافاً. وقيل: هما بمعنى المُغْتَرَفِ كالأكل بمعنى المأكول. وقيل: المفتوحُ مصدرٌ قُصِدَ به الدلالة على الوَحْدَةِ فإنَّ «فَعْلَة» يدلُّ على المَرَّة، والمضِمُومُ بمعنى المفعول، فحيث جعلتهما مصدراً فالمفعولُ محذوفٌ، تقديرُهُ: إلاَّ من اغترف ماءً، وحيث جعلَتهما بمعنى المفعولِ كانا مفعولاً به، فلا يُحتاج إلى تقديرِ مفعولٍ. ونُقِلَ عن أبي عليّ أنه كان يُرَجِّح قراءة الضم لأنه في قراءةِ الفتح يَجْعلها مصدراً، والمصدرُ لا يوافق الفعلَ في بنائِهِ، إنما جاء على حَذْفِ الزوائد وجَعْلُها بمعنى المفعول لا يُحْوِج إلى ذلك فكانَ أرجَح. قوله: ﴿بِيَدِهِ﴾ يجوزُ أن يتعلَّق ب «اغَتَرف» وهو الظاهِرُ. ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه نعتٌ ل «غُرْفة» ، وهذا على قولِنا بأن «غُرفة» ، بمعنى المفعولِ أظهرُ منه على قولِنَا بأنها مصدرٌ، فإنَّ الظاهرَ من الباءِ على هذا أَنْ تكونَ ظرفيةً، أي غُرفةً كائنةً في يدهِ. قوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ هذه القراءةُ المشهورةُ، وقرأ عبدُ الله وأُبَيّ «إلا قليلٌ» ، وتأويلُهُ أنَّ هذا الكلامَ وإن كان موجباً لفظاً فهو منفيٌّ معنىً، فإنه في قوةِ: لم يُطيعوه إلا قليلٌ منهم، فلذلك جَعَلَهُ تابعاً لِمَا قبله في الإِعراب. قال الزمخشري: «وهذا مِنْ مَيْلِهم مع المعنى والإِعراضِ عن اللفظِ جانباً، وهو بابٌ جليلٌ من علمِ العربيةِ، فلمَّا كان معنى» فَشَرِبُوا منه «في معنى»

стр. 1230

فلم يُطيعوه «حَمَل عليه، ونحوُه قولُ الفرزدق:» لم يَدَعْ من المالِ إلا مُسْحَتاً أو مُجَلَّفُ «يشير إلى قولِهِ: ١٠٢٥ - وَعَضُّ زمانٍ يابنَ مروانَ لم يَدَعْ ... من المالِ إلا مُسْحَتاً أو مُجَلَّفُ فإنَّ معنى» لم يَدَعْ من المالِ إلا مُسْحَتاً «لم يَبْقَ من المال إلا مُسْحَتٌ، فلذلك عَطَفَ عليه» مُجَلَّفُ «بالرفعِ مراعاةً للمعنى الذي ذكرْتُهُ لك. وفي البيت وجهان آخران، أحدُهما. . . . ولا بُدَّ من التعرُّضِ لهذه المسألةِ لعمومِ فائدِتهَا فأقولُ: إذا وَقَع في كلامِهِم استثناءٌ موجَبٌ نحو:» قام القومُ إلا زيداً «فالمشهورُ وجوبُ النصبِ على الاستثناءِ. وقال بعضُهم: يجوزُ أن يَتْبَعَ ما بعدَ» إلا «ما قبلَها في الإِعراب فتقول:» مررت بالقومِ إلا زيدٍ «بجرّ» زيد «، واختلفوا في تابِعِيَّةِ هذا، فعبارةُ بعضِهم أنه نعتٌ لما قبلَه، ويقولُ: إنه يُنْعَتُ بإلاَّ وما بعدَها مطلقاً سواءً كان متبوعُها معرفةً أم نكرةً مضمراً أم ظاهراً، وهذا خارجٌ عن قياس باب النعتِ لِما قَد عَرَفْتَ فيما تقدَّم. ومنهم مَنْ قال: لا يُنْعَتُ بها إلا نكرةً أو معرفةً بأل الجنسيةِ لقربِها من النكرةِ. ومنهم مَنْ قال: قَوْلُ النَّحْوِيين هنا نعتٌ إنما يَعْنُون به عطفَ البيانِ. ومن مجيءِ الإِتباعِ بما بعد «إلاَّ» قولُهُ: ١٠٢٦ - وكلُّ أَخٍ مفارقُه أخوه ... لَعَمْرُ أبيكَ إلا الفرقدانِ قولُهُ: ﴿جَاوَزَهُ هُوَ والذين آمَنُواْ﴾ «هو» ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ مؤكِّدٌ للضميرِ المستكنِّ في «جاوَزَ» .

стр. 1231

وقوله: ﴿والذين﴾ يَحْتَمِلُ وجهين، أظهرُهُما: أنه عطفٌ على الضميرِ المستكنِّ في «جاوَزَ» لوجودِ الشرطِ، وهو توكيدُ المعطوفِ عليه بالضمير المنفصلِ. والثاني: أن تكونَ الواوُ للحالِ، قالوا: ويَلْزَمُ من الحالِ أن يكونوا جاوزوا معه، وهذا القائلُ يجعلُ «الذين» مبتدأ والخبرَ «قالوا: لا طاقة» فصارَ المعنى: «فلمَّا جاوزه والحالُ أنَّ الذين آمنوا قالوا هذه المقالة» والمعنى ليس عليه. ويجوز إدغامُ هاء «جاوزه» في هاء «هو» ، ولا يُعْتَدُّ بفصلِ صلةِ الهاءِ لأنها ضعيفةٌ، وإنْ كان بعضُهم استضعَفَ/ الإِدغامَ، قال: إلا أَنْ تُخْتَلَس الهاءُ «يعني فلا يبقى فاصلٌ. وهي قراءةُ أبي عمرو. وأَدْغَمَ أيضاً واوَ» هو «في واو العطف بخلافٍ عنه، فوجهُ الإِدغام ظاهرٌ لالتقاء مِثْلين بشروطِهِما. ومَنْ أظهر وهو ابنُ مجاهد وأصحابُهُ قال:» لأنَّ الواو إذا أُدْغِمَت سَكَنَتْ، وإذا سَكَنَت صَدَقَ عليها أنها واوٌ ساكنة قبلَها ضمة، فصارَتْ نظيرَ: «آمنوا وكانوا» فكما لا يُدْغم ذاك لا يدغم هذا «. وهذه العلةُ فاسدةٌ لوجهين، أحدُهما: أنها [ما] صارَتْ مثلَ» آمنوا وكانوا «إلا بعد الإِدغام، فكيف يُقال ذلك؟ وأيضاً فإنهم أدغموا: ﴿يَأْتِيَ يَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٤] وهو نظيرُ: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] و ﴿الذى يُوَسْوِسُ﴾ [الناس: ٤] بعينِ ما عَلَّلوا به.

стр. 1232

وشرطُ هذا الإِدغام في هذا الحرفِ عند أبي عمرو ضمُّ الهاءِ كهذه الآيةِ، ومثله ﴿هُوَ والملائكة﴾ [آل عمران: ١٨] ﴿هُوَ وَجُنُودُهُ﴾ [القصص: ٣٩] ، فلو سَكَنَتِ الهاءُ امتنع الإِدغامُ نحو: ﴿وهو وليُّهم﴾ [الأنعام: ١٢٧] ولو جرى فيه الخلاف أيضاً لم يكن بعيداً، فله أُسوة بقوله: ﴿خُذِ العفو وَأْمُرْ﴾ [الأعراف: ١٩٩] بل أَوْلى لأن سكونَ هذا عارضٌ بخلافِ: ﴿العفو وَأْمُرْ﴾ . قوله: ﴿لاَ طَاقَةَ لَنَا﴾ » لنا «هو خبرٌ» لا «فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. ولا يجوز أن يتعلَّقَ بطاقة، وكذلك ما بعدَه من قولِهِ» اليوم «و» بجالوت «لأنه حينئذٍ يَصير مُطَوَّلاً، والمُطوَّلُ ينصبُ منوناً، وهذا كما تراه مبنياً على الفتح، بل» اليوم «و» بجالوت «متعلِّقان بالاستقرارِ الذي تعلَّق به» لنا «. وأجاز أبو البقاء أن يكونَ» بجالوت «هو خبرَ» لا «، و» لنا «حينئذٍ: إما تبيينٌ أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لطاقة. والطاقَةُ: القدرةُ وعينُها واو، لأنها من الطَّوْق وهو القدرةُ، وهي مصدرٌ على حذفِ الزوائِد، فإنَّها من» أَطَاق «ونظيرُها: أجاب جابةً، وأغار غارةً، وأطاع طاعةً.

стр. 1233

و «جالوت» اسمٌ أعجميٌّ ممنوعُ الصرفِ، لا اشتقاقَ له، وليس هو فَعَلوتا من جال يَجُول كما تقدَّم في طالوت، ومثلُهما داود. قوله: ﴿كَم مِّن فِئَةٍ﴾ «كم» خبريةٌ فإنَّ معناها التكثيرُ، ويدل على ذلك قراءة أُبَيّ: «وكائن» وهي للتكثير ومحلُّها الرفعُ بالابتداء و «من فئةٍ» تمييزُها، و «مِنْ» زائدةٌ فيه. وأكثرُ ما يجيء مميِّزها ومميِّز «كائن» مجروراً بمِنْ، ولهذا جاء التنزيلُ على ذلك، وقد تُحْذَفُ «مِنْ» فَيُجَرُّ مميِّزها بالإِضافة لا بمِنْ مقدرةً على الصحيح، وقد يُنْصَبُ حَمْلاً على مميِّز «كم» . الاستفهامية، كما أنه قد يُجَرُّ الاستفهاميةِ حمْلاً عليها وذلك بشروط مذكورةٍ في النحو. ومِنْ مجيءِ مميِّز «كائن» منصوباً قولُ الشاعر: ١٠٢٧ - اطرُدِ اليأسَ بالرجاءِ فكائِنْ ... آلماً حُمَّ يُسْرُهُ بعدَ عُسْرِ وأجازوا أن يكون «من فئةٍ» في محلِّ رفعٍ صفةً ل «كم» فيتعلَّقَ بمحذوفٍ. و «غَلَبَت» هذه الجملةُ هي خبرُ «كم» والتقديرُ: كثيرٌ من الفئاتِ القليلةِ غالبةٌ الفئاتِ الكثيرةَ. وفي «فئة» قولان أحدُهما: أنها من فاء يَفِيء أي: رَجَعَ فَحُذِفَتْ عينُها ووزنُها فِلَة. والثاني: أنها من فَأْوَتُّ رأسَه ي: كسرتُه، فحُذِفَت لامُها ووزنُها فِعَة كمئة، إلاَّ أنَّ لامَ مئة ياءٌ ولامَ هذه واوٌ، ومعناها على كلٍّ من الاشتقاقين صحيحٌ، فإنَّ الجماعَةَ من الناس يَرْجِعُ بعضُهم إلى بعضٍ، وهم أيضاً قطعةٌ من الناسِ كقِطَعِ الرأسِ الكسَّرة. قوله: ﴿بِإِذْنِ الله﴾ فيه وجهان، أظهرُهما: أنه حالٌ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ،

стр. 1234

والتقدير: ملتبسين بتيسيرِ الله لهم. والثاني: أنَّ الباءَ للتعدية ومجرورُها مفعولٌ به في المعنى، ولهذا قال أبو البقاء: «وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها مفعولاً به» . وقوله: ﴿والله مَعَ الصابرين﴾ مبتدأٌ وخبرٌ، وتَحْتَمِل وجهين، أحدُهما: أن يكونَ محلُّها النصبَ على أنها من مقولهم. والثاني: أنها لا محلَّ لها من الإِعراب، على أنها استئنافٌ أَخْبَرَ اللَّهُ تعالى بها.

стр. 1235

قوله تعالى: ﴿بَرَزُواْ لِجَالُوتَ﴾ : في هذه اللام وجهان، أحدُهما: أنَّها تتعلَّق ببرزوا، والثاني: أنها تتعلَّقُ بمحذوفٍ على أنها ومجرورَها حالٌ من فاعلِ «بَرَزوا» قال أبو البقاء: «ويجوزُ أن تكونَ حالاً أي: برزوا قاصدين لجالوتَ» . ومعنى برزوا صاروا إلى بَراز من الأرض، وهو ما انكشَفَ منها واستوى، ومنه المُبَارَزَةُ في الحَرْبِ لظهورِ كلِّ قِرْن لصاحبهِ. وفي ندائِهِم بقولِهم: «رَبَّنا» اعترافٌ منهم بالعبودية وطلبٌ لإِصلاحهم لأنَّ لفظة «الرب» تُشْعر بذلك دونَ غيرها، وأتوا بلفظِ «على» في قولهم: «أَفْرِغ علينا» طلباً لأنْ يكونَ الصبرُ مستعلياً عليهم وشاملاً لهم كالظرفِ.

стр. 1236

قوله تعالى: ﴿وَالهَزْمُ﴾ : أصلُه الكَسْر، ومنه «سِقاء مُتَهَزِّم» و «قَصَبٌ متهزِّمٌ» أي متكسِّر. قوله: «بإذنِ الله» فيه الوجهانِ المتقدِّمان أعني كونَه حالاً أو مفعولاً به. و «مِمَّا يشاء» فاعلٌ «يشاء» ضميرُ الله تعالى. وقيل: ضميرُ داود والاولُ أظهرُ. قوله: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ﴾ قرأ نافع هنا، وفي الحج: «دِفاع» والباقون: «

стр. 1237

دَفْع» . فأمَّا «دَفْع» فمصدر دَفَعَ يَدْفَع ثلاثياً. وأمَّا «دفاع» فيحتمل وجهين: أحدُهما: أن يكونَ مصدر دَفَعَ الثلاثي أيضاً نحو: كَتَب كِتاباً، وأن يكونَ مصدرَ «دافع» نحو: قاتل قِتالاً، قال أبو ذؤيب: ١٠٢٨ - ولقد حَرَصْتُ بأَنْ أدافعَ عنهُم ... فإذا المَنِيَّةُ أَقْبَلَتْ لا تُدْفَعُ و «فاعَل» هنا بمعنى فَعَل المجرد فتتَّحد القراءتان في المعنى. ومَنْ قرأ «دفاع» وقرأ في الحج ﴿يُدَافِعُ عَنِ الذين آمنوا﴾ [الآية: ٣٨] وهو نافع، أو قرأ «دَفْع» وقرأ «يَدْفَع» - وهما أبو عمرو وابن كثير - فقد وافق أصلَه، فجاء بالمصدرِ على وَفْقِ الفعل. وأمَّا من قرأ هنا «دَفْع» وفي الحج «يُدافِع» وهم الباقون فقد جَمَعَ بين اللغتين، فاستعمل الفعلَ من الرباعي والمصدرَ من الثلاثي. والمصدرُ هنا مضافٌ لفاعِله وهو الله تعالى، و «الناسَ» مفعول أول، و «بعضهم» بدلٌ من «الناسِ» بدلٌ بعضٍ مِنْ كُلٍّ. و «ببعضٍ» متعلِّقٌ بالمصدرِ، والباءُ للتعديةِ، فمجرورُها المفعولُ الثاني في المعنى، والباءُ إنما تكون للتعديةِ في اللازمِ نحو: «ذَهَبَ به» فأمّا المتعدِّي لواحدٍ فإنما يتعدَّى بالهمزة تقول: «طَعِمَ زيدٌ اللحم وأَطْعَمْتُه اللحم» / ولا تقول: «طَعِمْته باللحم» فتعدِّيه إلى الثاني بالباءِ إلاَّ فيما شَذَّ قياساً وهو «دَفَع» و «صَكَّ» ، نحو: صَكَكْتُ الحجرَ بالحجرِ أي: جَعَلْتُ أحدَهما يَصُكُّ الآخر، ولذلك قالوا: صَكَكْتُ الحجرَيْنِ أحدَهما بالآخر. قوله: ﴿ولكن الله﴾ وجهُ الاستدراكِ أنه لَمَّا قسَّم الناسَ إلى مدفوعٍ ومدفوعٍ به، وأنه بهذا الدفعِ امتنع فسادُ الأرض فقد يَهْجِسُ في نفسِ مَنْ

стр. 1238

غُلِب عمّا يريدُ من الفساد أنَّ الله غيرُ متفضِّلٍ عليه حيث لم يُبْلِغه مقاصده وطلبه، فاستدرك عليه أنَّه وإن لم يَبْلُغْ مقاصده أنَّ الله متفضلٌ عليه ومُحْسِنٌ إليه لأنه مندرجٌ تحت العالمين، وما مِنْ أحدٍ ألا ولله عليه فضلٌ وله فضلُ الاختراعِ والإِيجادِ. و «على» يتعلَّق ب «فَضْل» ، لأنَّ فعلَه يتعدَّى بها، وربما حُذِفَتْ مع الفعلِ. قال - فَجَمع بين الحذف والإِثبات -: ١٠٢٩ - وجَدْنا نَهْشَلاً فَضَلَتْ فُقَيْماً ... كفَضْلِ ابنِ المَخاض على الفَصيلِ أمّا إذا ضُعِّف فإنه لا تُحْذَفُ «على» أصلاً كقولِه: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] ، ويجوزُ ان تتعلَّقٌ «على» بمحذوفٍ لوقوعِها صفةً لفَضْل.

стр. 1239

قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الله﴾ : مبتدأٌ وخبرٌ، و «نَتْلوها» فيه قولان، أحدُهما: أن تكونَ حالاً، والعاملُ فيها معنى الإِشارة. والثاني أن تكونَ مستأنفةً فلا محلَّ لها. ويجوزُ غيرُ ذلك، وأَخْذُه مِمّا مضى سَهْلٌ وأُشير إليها إشارةُ البعيدِ لِما تقدَّم في قولِه: ﴿ذَلِكَ الكتاب﴾ [البقرة: ٢] . قوله: «بالحقِّ» يجوزُ فيه أن يكونَ حالاً من مفعولِ «نَتْلوها» أي: ملتبسةً بالحق، أو مِنْ فاعِله؛ أي: نَتْلوها ومعنا الحقُّ، أو من مجرورِ «عليك» أي: ملتبساً بالحق.

стр. 1240

قوله تعالى: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ : يجوزُ أن يكونَ حالاً من المشارِ إليه، والعاملُ معنى الإِشارةِ كما تقدَّم، ويجوزُ أن يكونَ مستأنفاً، ويجوزُ أن يكونَ خيرَ «تلك» على أن يكونَ «الرسلُ» نعتاً ل «تلك» أو عطفَ بيانٍ أو بدلاً.

стр. 1241

قوله: ﴿مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله﴾ هذه الجملةُ تحتملُ وجهين، أحدهما: أن تكونَ لا محلَّ لها من الإِعراب لاستئنافِها. والثاني: أنها بدلٌ من جملةِ قوله «فَضَّلْنا» والجمهورُ على رفعِ الجلالة على أنه فاعلٌ، والمفعولُ محذوفٌ وهو عائدُ الموصولِ أي: مَنْ كَلَّمه الله. وقُرِىء بالنصبِ على أنَّ الفاعلَ ضميرٌ مستترٌ وهو عائدٌ الموصولِ أيضاً، والجلالةُ نَصْبٌ على التعظيمِ. وقرأ أبو المتوكل وابن السَّمَيْفَع: «كالَمَ اللهَ» على وزن فاعَلَ ونصبِ الجلالة، و «كليم» على هذا معنى مكالِم نحو: جَلِيس بمعنى مُجالِس، وخليط بمعنى مخالط. وفي هذا الكلامِ التفاتٌ لأنه خروجٌ من ضميرِ المتكلمِ المعظِّم نفسَه في قوله: «فَضَّلْنا» إلى الاسمِ الظاهرِ الذي هو في حكمِ الغائبِ. قوله: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ في نصبِه ستةُ أوجهٍ، أحدها أنه مصدرٌ واقعٌ موقع الحالِ. الثاني: انه حالٌ على حذفِ مضافٍ، أي: ذوي درجاتٍ. الثالث: أنه مفعول ثان ل «رفع» على أنه ضُمِّنَ معنى بلَّغ بعضهم درجات. الرابع أنه بدلُ اشتمالٍ أي: رَفَع درجاتٍ بعضَهم، والمعنى: على درجاتِ بعض. الخامس: أنه مصدرٌ على معنى الفعل لا لفظِه، لأن الدرجةَ بمعنى الرَّفْعة، فكأنه قيل: ورَفَع بعضَهم رَفعاتٍ. السادس: أنه على إسقاطِ الخافضِ، وذلك الخافضُ يَحْتمل أن يكونَ «على» أو «في» أو «إلى» تقديرُه: على درجاتٍ أو في درجاتٍ أو إلى درجاتٍ، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجر انتصَبَ ما بعده.

стр. 1242

قوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله﴾ مفعولُه محذوفٌ، فقيل: تقديرُه: أَنْ لا تختلفوا وقيل: أَنْ لا تفشلوا، وقيل: أَنْ لا تُؤمروا بالقتال، وقيل: أَنْ يضطرَّهم إلى الإِيمانِ، وكلُّها متقاربة. و «مِنْ بعدِهم» متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه صلةٌ، والضميرُ يعودُ على الرسل. و ﴿مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ﴾ فيه قولان، أحدُهما: أنه بدلٌ من قولِه: «مِنْ بعدِهم» بإعادةِ العاملِ. والثاني: أنه متعلقٌ باقتتل، إذ في البينات - وهي الدلالاتُ الواضحةُ - ما يُغْنِي عن التقاتلِ والاختلافِ. والضميرُ في «جاءتهم» يعودُ على الذين مِنْ بعدِهم، وهم أممُ الأنبياء. قوله: ﴿ولكن اختلفوا﴾ وجهُ هذا الاستدراكِ واضحٌ، فإنَّ «لكن» واقعةٌ بين ضدين، إذ المعنى: ولو شاءَ اللهُ الاتفاقَ لاتفقوا ولكنْ شاءَ الاختلافَ فاختلفوا. وقال أبو البقاء: «لكنْ» استدراكٌ لما دَلَّ الكلامُ عليه، لأنَّ اقتتالهم كان لاختلافهم، ثم بيَّن الاختلاف بقوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ﴾ فلا محلَّ حينئذٍ لقولِه: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ﴾ . وقوله: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا﴾ فيه قولان، أحدُهما: أنها الجملةُ الأولى كُرِّرت تأكيداً قاله الزمخشري. والثاني: أنها ليست لتأكيدِ الأولى، بل أفادَتْ فائدةٌ جديدةً، والمغايَرةُ حَصَلَتْ بتغايرِ متعلَّقهما، فإنَّ متعلَّقَ الأولى مغايرٌ لمتعلَّق المشيئةِ الثانيةِ، والتقديرُ في الأولى: «ولو شاءَ الله أن يَحُولَ بينهم وبين القتال بأن يَسْلُبَهم القِوى والعقول، وفي الثاني: ولو شاءَ لم يأمرِ المؤمنين بالقتال، ولكن شاءَ أَمَرهم بذلك. وقوله: ﴿ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ هذا استدراكٌ أيضاً على المعنى، لأنَّ المعنى: ولو شاءَ الله لمنعَهم [

стр. 1243

من ذلك] ، ولكنَّ اللهَ يفعل ما يريدُ مِنْ عدمِ منعِهم من ذلك أو يفعلُ ما يريدُ من اختلافِهم.

стр. 1244

قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُواْ﴾ : مفعولُه محذوفٌ، تقديرُه: شيئاً ممَّا رزقناكم فعلى هذا «ممَّا رزقناكم» متعلقٌ بمحذوفٍ في الأصل لوقوعِه صفةٌ لذلك المفعولِ، وإنْ لم تقدِّرْ مفعولاً محذوفاً فتكونُ متعلقةً بنفسِ الفعلِ. و «ما» يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ أي: رزقناكُموه، وأن تكونَ مصدريةً فلا حاجةَ إلى عائدٍ، ولكن الرزقَ المرادَ به المصدرُ لا يُنفقُ، فالمراد به اسمُ المفعول، وأن تكونَ نكرةً موصوفةً وقد تقدَّم تحقيقُ هذا عند قولِه: ﴿وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٣] . قوله: ﴿مِّن قَبْلِ﴾ متعلقٌ أيضاً بأنفِقوا، وجاز تعلُّقُ حرفين بلفظٍ واحدٍ بفعلٍ واحدٍ لاختلافِهما معنىً؛ فإنَّ الأولى للتبعيضِ والثانيةَ لابتداءِ الغايةِ، و «أَنْ يأتي» في محلِّ جرٍ بإضافة «قبل» إليه أي: من قبلِ إتيانه. وقوله: ﴿لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ﴾ إلى آخره: الجملةُ المنفيَّةُ صفةٌ ل «يوم» فمحلُّها الرفعُ. وقرأ/ «بَيْعٌ» وما بعدَه مرفوعاً منوناً نافع والكوفيون وابن عامر، وبالفتح أبو عمرو وابن كثير، وتوجيهُ ذلك، مذكورٌ في قوله: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] فليُنْظر ثَمَّةَ. والخُلَّة: الصداقة كأنها تتخلَّل الأعضاء، أي: تدخل خلالها، أي وَسْطَها. والخُلَّة: الصديقُ نفسه، قال:

стр. 1245

١٠٣٠ - وكان لها في سالفِ الدهرِ خُلَّةً ... يُسارِقُ بالطَّرْفِ الخِباءَ المُسَتَّرا وكأنه من إطلاقِ المصدرِ على العينِ مبالغةً، أو على حذفِ مضافٍ، أي: كان لها ذو خُلَّة. والخليلُ: الصديقُ لمداخَلَتِه إياك، ويَصْلُح أَنْ يكونَ بمعنى فاعل أو مفعول، وجَمْعُه «خُلاَّن» ، وفُعْلان جمعُ فَعيل نُقِل في الصفات، وإنما يَكْثرُ في الجوامِدِ نحو: «رُغفانٍ. وقوله:» هم الظالمون «يجوز أن يكونَ» هم «فصلاً أو مبتدأً وما بعده خبرٌ، والجملةُ خبرُ الأولِ.

стр. 1246

قوله تعالى: ﴿الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ [الحي] ﴾ : مبتدأٌ وخبرٌ. و «الحيّ» فيه سبعةُ أوجه، أحدُها: أن يكونَ خبراً ثانياً للجلالة. الثاني: أن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوف أي: هو الحيُّ. الثالث: أن يكونَ بدلاً من قوله: «لا إله إلا الله هو» فيكونَ في المعنى خبراً للجلالةِ، وهذا في المعنى كالأولِ، إلا أنه هنا لم يُخْبَرْ عن الجلالةِ إلاَّ بخبرٍ واحدٍ بخلافِ الأول. الرابع: أن يكونَ بدلاً من «هو» وحدَه، وهذا يبقى من بابِ إقامةِ الظاهرُ مُقامَ المضمرِ، لأنَّ جملةَ النفي خبرٌ عن الجلالةِ، وإذا جعلتَه بدلاً حَلَّ محَلَّ الأولِ فيصيرُ التقدير: الله لا إله إلا اللهُ. الخامس: أن يكون مبتدأً وخبرُه ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ . السادس: أنه بدلٌ من «الله» السابع: أنه صفة لله، وهو أجودُها، لأنه قرىء بنصبِهما «الحيَّ القيومَ» على القطع، والقطعُ إنما هو في باب النعتِ، لا يقال في هذا الوجهِ الفصلُ بين الصفة والموصوفِ بالخبرِ، لأنَّ ذلك جائزٌ حسن [تقول: زيدٌ قائمٌ العاقلُ] . و «الحيُّ» فيه قولان، أحدهما: أن أصله حَيْيٌ بياءين من حَيي يَحْيَا فهو حيٌّ، وهذا واضح، وإليه ذهب أبو البقاء. والثاني: أن أصلَه حَيْوٌ فلامه

стр. 1247

واو، فَقُلِبت الواوُ ياءً لانكسارِ ما قبلها متطرفةً، وهذا لا حاجةَ إليه وكأنَّ الذي أَحْوجَ هذا القائلَ إلى ادِّعاء ذلك أنَّ كونَ العينِ واللامِ من وادٍ واحد هو قليلٌ في كلامِهم بالنسبةِ إلى عَدَمِ ذلك فيه، ولذلك كتبوا «الحياة» بواوٍ في رسم المصحف العزيز تنبيهاً على هذا الأصلِ، ويؤيده «الحيوان» لظهورِ الواو فيه. ولناصِر القول الأول أن يقول: قلبت الياءُ الثانيةُ واواً تخفيفاً، لأنه لمّا زيد في آخره ألفٌ ونونٌ استثُقْل المِثْلان. وفي وزنه أيضاً قولان، أحدُهما: أنه فَعْل، والثاني: أنه فَيْعِل فَخُفِّف، كما قالوا مَيْت وهَيْن، والأصل: هَيّن ومَيّت. والقَيُّوم: فَيْعُول من قام بالأمر يَقُوم به إذا دَبَّره، قال أمية: ١٠٣١ - لم تُخْلَقِ السماءُ والنجومُ ... والشمسُ معها قَمَر يَعُومُ قَدَّره مهيمنٌ قَيُّومُ ... والحشرُ والجنةُ والنعيمُ إلا لأمرٍ شأنُه عظيمُ ... وأصلُه قَيْوُوم، فاجتمعت الياءُ والواوُ وسَبَقَت إحداهما بالسكون فَقُلِبت الواوُ ياءً وأُدغمت فيها الياءُ فصارَ قَيُّوماً. وقرأ ابن مسعود والأعمش: «القَيَّام» ، وقرأ علقمة: «القَيِّم» وهذا كما يقولون: دَيُّور وديار ودَيِّر. ولا يجوز أن يكونَ وزنُه فَعُّولاً ك «سَفُّود» إذ لو كان كذلك لكان لفظُه قَوُّوما، لأن العينَ المضاعَفَةَ أبداً من جنس الأصلية

стр. 1248

كسُبُّوح وقُدُّوس وضَرَّاب وقَتَّال، فالزائدُ من جنسِ العَيْنِ، فلمَّا جاء بالياء دونَ الواوِ علمنا أن أصله فَيْعُول لا فَعُّول؛ وعدَّ بعضُهم فَيْعُولاً من صيغ المبالغة كضَرُوب وضَرَّاب. قوله: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ في هذه الجملةِ خمسةُ أوجه، أحدُها: أنها في محلِّ رفعٍ خبراً للحيّ كما تقدَّم في أحدِ أوجهِ رفعٍ الحيّ. الثاني: أنها خبرٌ عن الله تعالى عند مَنْ يُجيز تعدُّد الخبرِ. الثالث: أنها في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الضمير المستكنِّ في «القَيُّوم» كأنه قيل: يقوم بأمر الخلق غيرَ غافلٍ، قاله أبو البقاء. الرابع: أنها استئنافٌ إخبارٍ، أخبر تعالى عن ذاتِه القديمة بذلك. الخامس: أنها تأكيدٌ للقَيُّوم لأن مَنْ جاز عليه ذلك استحالَ أن يكونَ قَيُّوماً، قاله الزمخشري، فعلى قولِه إنها تأكيدٌ يجوز أن يكونَ محلُّها النصبَ على الحالِ المؤكدة، ويجوز أن تكونَ استئنافاً وفيها معنى التأكيدِ فتصيرُ الأوْجُه أربعةً. والسِّنَةُ: النُّعاس، وهو ما يتقدَّم النومَ من الفتور، قال عديّ بن الرقاع: ١٠٣٢ - وَسْنانُ أَقْصَدَه النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ... في عينِه سِنَةٌ وليس بنائمِ وهي مصدرُ وَسَن يَسِنُ مثلَ: وَعَد يَعِد، وقد تقدَّم علةُ الحذفِ عند قوله ﴿سَعَةً مِّنَ المال﴾ [البقرة: ٢٤٧] . وقال ابن زيد: «الوَسْنان: الذي يقوم من النوم وهو لا يعقل، حتى إنه ربما جرَّد السيف على أهله» وهذا القولُ ليس بشيءٍ لأنه لا يُفْهَمُ من لغةِ العرب ذلك. وقال المفضَّل: «السِّنَةُ: ثِقَلٌ في الرأسِ، والنعاسُ في العينين، والنومُ في القلب» .

стр. 1249

وكررت «لا» في قوله: «ولا نومٌ» تأكيداً، وفائدتها انتفاءُ كلِّ واحدٍ منهما، ولو لم تُذْكَرْ لاحتُمِلَ نفيُهما بقيدِ الاجتماعِ، ولا يَلْزَمُ منه نفيُ كلِ واحدٍ منهما على حِدَته، ولذلك تقول: «ما قامَ زيدٌ وعمروٌ بل أحدُهما» ، ولو قلت: «ما قامَ زيدٌ ولا عمرو بل أحدُهما» لم يَصِحَّ، والمعنى: لا يَغْفَلُ عن شيءٍ دقيقٍ ولا جليلٍ، فعبَّر بذلك عن الغفلةِ، لأنه سببها، فَأَطْلَقَ اسمَ السببِ على مُسَبَّبه. قوله: ﴿لَّهُ مَا فِي السماوات﴾ هي كالتي قبلها إلاَّ في كونِها تأكيداً و «ما» للشمولِ. واللامُ في «له» للمِلْك، وكرَّر «ما» تأكيداً، وذَكَر هنا المظروفَ دون الظرفِ لأنَّ المقصودَ نفيُ الإلهية عن غيرِ الله تعالى، وأنه لا ينبغي أَنْ يُعْبد إلا هو، لأنَّ ما عُبِد من دونِه في السماء كالشمس والقمر والنجوم أو في الأرض كالأصنامِ وبعضِ بني آدم، فكلُّهم مِلْكُه تعالى تحتَ قهرِه، واستغنى عن ذِكْر أنَّ السماواتِ والأرضَ مِلْكٌ له بذكرِه/ قبل ذلك أنه خالقُ السماوات والأرض. قوله: ﴿مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ كقوله: ﴿مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] و «مَنْ» وإن كان لفظُها استفهاماً فمعناه النفيُ، ولذلك دَخَلتْ «إلا» في قولِه «إلاّ بإذنه» . و «عنده» فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلِّقٌ بيَشْفَع. والثاني: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ لكونِه [حالاً] من الضمير في «يَشْفع» أي يَشْفَعُ مستقراً عنده، وقوي هذا الوجهُ بأنه إذا لم يَشْفَعُ عنده مَنْ هو عنده وقريبٌ منه فشفاعةُ غيرِه أبعدُ. وضَعَّفَ بعضُهم الحالِيَّة بأنَّ المعنى: يَشْفَع إليه.

стр. 1250

و «إلاَّ بإذنه» متعلقٌ بمحذوفٍ، لأنه حالٌ من فاعلِ «يَشْفَع» فهو استثناءٌ مفرَّغ، والباءُ للمصاحبةِ، والمعنى: لا أحدَ يشفعُ عندَه إلاَّ مأذوناً له منه، ويجوزُ أن يكونَ مفعولاً به أي: بإذنه يَشْفعون كما تقول: «ضَرَب بسيفه» أي هو آلةٌ للضربِ، والباءُ للتعديةِ. و «يَعْلَمُ» هذه الجملةُ يجوز أن تكونَ خبراً لأحدِ المبتدأين المتقدمين أو استئنافاً أو حالاً. والضميرُ في «أيديهم» و «خلفهم» يعودُ على «ما» في قوله: ﴿لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ إنه غَلَّبَ مَنْ يعقِلُ على غيرِه. وقيل: يعودُ على العُقَلاء ممَّن تضمَّنه لفظُ «ما» دونَ غيرِهم. وقيل: يعودُ على ما دَلَّ عليه «مَنْ ذا» من الملائكةِ والأنبياء. وقيل: من الملائكة خاصةً. قوله: ﴿بِشَيْءٍ﴾ متعلِّقٌ بيحيطون. والعلمُ هنا بمعنى المَعْلوم لأنَّ عِلْمَه تعالى الذي هو صفةٌ قائمةٌ بذاتِه المقدَّسة لا يتبعَّضُ، ومِنْ وقوعِ العلم موقعَ المعلوم قولُهم: «اللهم اغفر لنا عِلْمَك فينا» وحديثُ موسى والخَضِر ﵉ «ما نَقَص عِلْمي وعلمُك من عِلمه إلاَّ كما نَقَص هذا العصفورُ من هذا البحر» ولكونِ العلمِ بمعنى المعلومَ صَحَّ دخولُ التبعيضِ، والاستثناءُ عليه. و «مِنْ علمه» يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بيحيطون، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لشيء، فيكونَ في محلَّ جر. و «بما شاءَ» متعلِّقٌ بيُحيطون أيضاً، ولا يَضُرُّ تعلُّقُ هذين الحرفين المتَّحدين لفظاً ومعنىً بعاملٍ واحدٍ؛ لأنَّ الثاني ومجروره بدلان من الأوَّلَيْن بإعادةِ العاملِ بطريقِ الاستثناءِ، كقولك: «ما مررت بأحدٍ إلا بزيدٍ» ومفعولُ «شاء» محذوفٌ تقديرُه: إلا بما شاء أن يُحيطوا به، وإنما قَدَّرتُه كذلك لدلالةِ قوله: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ﴾ .

стр. 1251

قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ الجمهورُ على «وَسِعَ» بفتح الواوِ وكسرِ السينِ وفتحِ العينِ فعلاً ماضياً. و «كرسيُّه» بالرفع على أنه فاعلُه، وقُرىء «وَسْعَ» سَكَّن عينَ الفعلِ تخفيفاً نحو: عَلْمَ في عَلِمَ. وقرىء أيضاً: «وَسْعُ كرسيِّه» بفتح الواو وسكونِ السين ورفعِ العين على الابتداء، «كرسيِّه» خفضٌ بالإِضافة، «السماواتُ» رفعاً على أنه خبرٌ للمبتدأ. والكُرْسِيُّ الياءُ فيه لغير النسب واشتقاقُه من الكِرْس وهو الجمع، ومنه الكُرَّاسة للصحائف الجامعةِ للعلمِ، ومنه قولُ العجاج: ١٠٣٣ - يا صاحِ هل تَعْرِفُ رسماً مُكْرَساً ... قال نَعَمْ أعرِفُه وأَبْلَسا وجمعه كَرَاسيّ كبُخْتيّ وبَخَاتيّ، وفيه لغتان: المشهورةُ ضمُّ كافِه، والثانيةُ كسرُها، وكأنه كسرُ إتباع، وقد يُعَبَّر به عن المَلِك لجلوسه عليه تسميةُ للحالِّ باسم المَحَلِّ، ومنه: ١٠٣٤ - قد عَلِمَ القُدُّوسُ مَوْلى القُدْسِ ... أنَّ أبا العباسِ أَوْلِى نَفْسِ في مَعْدِنِ المَلِكِ القديمِ الكُرْسي ... وعن العلمِ تسميةً للصفةِ باسمِ مكانِ صاحبِها، ومنه قيل للعلماء: «الكَراسيّ» قال:

стр. 1252

١٠٣٥ - يَحُفُّ بهم بيضُ الوجوه وعُصْبَةٌ ... كراسِيُّ بالأحداثِ حين تَنُوبُ وَصَفَهم بأنهم عالمونَ بحوادثِ الأمورِ ونوازِلِها ويُعَبَّرُ به عن السِّرِّ قال: ١٠٣٦ - مالي بأَمْرِكَ كُرْسِيٌّ أُكاتِمُهُ ... ولا بِكُرْسِيِّ - عَلْمَ اللَّهُ - مَخْلُوقِ وقيل: الكُرْسيُّ لكل شيء أصلُه. قوله: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ﴾ يقال: آدَه كذا أي: أَثْقله ولَحِقه منه مَشَقَّةٌ، قال: ١٠٣٧ - ألا ما لسَلْمَى اليومَ بَتَّ جَدِيدُها ... وَضَنَّتْ وما كانُ النَّوالُ يَؤُودُها أي: يُثْقِلها، ومنه المَوْءُوْدَة للبنت تُدْفَنُ حيةً، لأنهم يثقلونها بالتراب. وقُرىء «يَوْدُه» بحذفِ الهمزة، كما تُحذف همزة «أناس» ، وقرىء «يَوُوده» بإبدال الهمزة واواً. و «حِفْظ» مصدرٌ مضافٌ لمفعولِهِ، أي لا يَؤُوْده أَنْ يحفظَهما. و «العليّ» أصلُه: عَلِيْوٌ فأُدْغم نحو: مَيِّت، لأنه من علا يعلو، قال: ١٠٣٨ - فَلَمَّا عَلَوْنَا واستَوَيْنَا عليهِمُ ... تَرَكْنَاهُمُ صَرْعَى لنسرٍ وكاسِرِ والعظيمُ «تقدَّم معناها، وقيل: هو هنا بمعنى المُعَظَّم كما قالوا:» عتيق «بمعنى مُعَتَّق قال:

стр. 1253

١٠٣٩ - فكأنَّ الخمرَ العتيقَ من الإِسْ ... فَنْطِ ممزوجةً بماءٍ زُلالِ قيل: وأُنْكِرَ ذلك لانتفاء هذا الوصفِ قبل الخَلْقِ وبعد فنائِهم، إذ لا مُعَظَّم له حينئذٍ، وهذا فاسدٌ لأنه مستحقٌ هذا الوصفَ. وقيل في الجواب عنه: إنه صفة فعلٍ كالخَلْق والرِّزْق، والأولُ أصحُّ. قال الزمخشري:» فإنْ قلت: كيف تَرَتَّبَتِ الجملُ في آيةِ الكرسي غير حرفِ عطفٍ؟ قلت: ما منها جملةٌ إلا وهي واردةٌ على سبيل البيانِ لما تَرَتَّبَتْ عليه، والبيانُ مُتَّحِدٌ بالمُبَيَّن، فلو توسَّط بينهما عاطفٌ لكان كما تقول العرب: «بين العصا ولِحائها» فالأُولى بيانٌ لقيامِهِ بتدبيرِ الخَلْق وكونِهِ مهيمناً عليه غيرَ ساهِ عنه، والثانيةُ لكونِهِ مالكاً لما يدبِّره، والثالثة لكبرياء شأنه، والرابعة لإِحاطته بأحوال الخلق وعِلْمِه بالمرتضى منهم، المستوجِب للشفاعةِ وغير المُرْتَضَى، والخامسةُ لسَعَةِ علمه وتعلُّقِهِ بالمعلوماتِ كلِّها أو لجلالِهِ وعِظَم قدرتِهِ «انتهى. يعني غالبَ الجملِ وإلاَّ فبعضُ الجملِ فيها معطوفة وهي قولُهُ:» ولا يُحيطُونَ «وقولُهُ» ولا يَؤُودُه «وقولُه: ﴿وَهُوَ العلي العظيم﴾ .

стр. 1254

قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدين﴾ : كقولِهِ: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] وقد تقدَّم. والجمهور على إدغام دالِ «قد» في تاءِ «تَبَيَّن» لأنها من مَخْرَجِها. ومعنى الإِكراه نسبتُهم إلى كراهةِ الإِسلام. قال الزجاجُ: «لا تَنْسُبوا إلى الكراهةِ مَنْ أسلم مُكْرَهاً» . يقال: «أَكْفَره» نَسَبَه إلى الكفرِ، قال:

стр. 1255

١٠٤٠ - وطائفةٌ قد أَكْفروني بحبِّهم ... وطائفةٌ قالوا مسيءٌ ومُذْنِبُ [وأل في «الدين» للعهدِ، وقيل: عِوَضٌ من الإِضافة أي «في دين الله» ] . والرُّشْدُ: مصدرُ رَشَدَ بفتح العين يَرْشُد بضمها. وقرأ الحسن «الرُّشُد» [بضمتين كالعُنُق، فيجوز أن يكونَ هذا أصلَه، ويجوزُ أَنْ يكونَ إتباعاً، وهي مسألةُ خلافٍ أعني ضَمَّ عينِ الفعلِ. وقرأ أبو عبد الرحمن] الرَّشَد بفتح الفاء والعينِ، وهو مصدرُ رشِد بكسرِ العينِ يَرْشَد بفتحها، ورُوي عن أبي عبد الرحمن أيضاً: «الرَّشادُ» بالألف. /قوله ﴿مِنَ الغي﴾ متعلِّقٌ بتبيَّن، و «مِنْ» للفصلِ والتمييزِ كقولك: مَيَّزتُ هذا من ذاك. وقال أبو البقاء: «في موضعِ نصبٍ على أنه مفعولٌ» وليس بظاهرٍ لأنَّ معنى كونِهِ مفعولاً به غيرُ لائقٍ بهذا المحلِّ. ولا محلَّ لهذه الجملةِ من الإِعرابِ، لأنها استئنافٌ جارٍ مجرى التعليلِ لعدَمِ الإِكراه في الدين. والغَيُّ: مصدرُ غَوَى بفتح العين قال: ﴿فغوى﴾ [طه: ١٢١] ، ويقال: «غَوَى الفصيلُ» إذا بَشِمَ وإذا جاع أيضاً، فهو من الأضداد. وأصلُ الغَيّ: «غَوْيٌ» فاجتمعت الياء والواو، فَأُدْغِمَتْ نحو: مَيّت وبابِهِ. قوله: ﴿بالطاغوت﴾ متعلِّقٌ ب «يكْفر» ، والطاغوتُ بناء مبالغةٍ كالجَبَروت والملَكوت. واختُلِفَ واختُلِفَ فيه، فقيل: هو مصدرٌ في الأصلِ ولذلك يُوَحَّد ويُذَكَّر، كسائرِ المصادرِ الواقعةِ على الأَعْيَان، وهذا مذهبُ الفارسي، وقيل: هو اسمُ

стр. 1256

جنسٍ مفردٍ، فلذلك لَزِمَ الإِفرادَ والتذكيرَ، وهذا مذهبُ سيبويه. وقيل هو جمعٌ، وهذا مذهبُ المبردِ، وهو مؤنثٌ بدليلِ قوله تعالى: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧] . واشتقاقُه من طغَى يَطْغَى، أو من طَغَا يَطْغُو، على حَسَبِ ما تقدَّم أولَ السورة؟ هل هو من ذواتِ الواوِ أو من ذواتِ الياء؟ وعلى كِلا التقديرين فأصلُه طَغَيُوت أو طَغَوُوت لقولِهم «طُغْيان» في معناه، فَقُلِبَت الكلمةُ بأَنْ قُدِّمَتْ اللامُ وأُخِّرت العينُ، فتحرَّك حرفُ العلةِ وانفَتَحَ ما قبلَه فَقُلِبَ ألفاً، فوزنه الآن فَلَعُوت، وقيل: تاؤُه ليسَتْ زائدةً، وإنما هي بدلٌ من لامِ الكلمة، ووزنُه فاعول. قال مكي: «وقد يَجُوز أن يكونَ أصلُ لامِهِ واواً فيكونُ أصلُه طَغَووتاً لأنه يقال: طَغَى يَطْغى ويَطْغو، وطَغَيْتُ وطَغَوْتُ، ومثلُه في القلب والاعتلال والوزن: حانوت، لأنه من حَنا يَحْنو وأصله حَنَوُوت، ثم قُلِب وأُعِلَّ، ولا يجوزُ أن يكونَ من: حانَ يَحِين لقولِهم في الجمع حَوانيت» انتهى. كأنَّه لمَّا رأى أَنَّ الواوَ قد تُبْدَل تاءً كما في تُجاه وتُخَمَة وتُراث وتُكَأة، ادَّعى قَلْبَ الواوِ التي هي لامٌ تاءً، وهذا ليسَ بشيءٍ. وقَدَّم ذِكْرَ الكفر بالطاغوتِ على ذِكْرِ الإِيمانِ باللَّهِ اهتماماً بوجوبِ الكفرِ بالطاغوتِ، وناسَبَه اتصالُهُ بلفظٍ «الغَيّ» . والعُرْوَة: موضعُ شَدِّ الأيدي، وأصلُ المادةِ يَدُلُّ على التعلُّق، ومنه: عَرَوْتُه: أَلْمَمْتُ به متعلِّقاً، واعتراه الهَمُّ: تعلَّق به. والوُثْقى: فُعْلى للتفضيل تأنيثَ الأوثق، كفُضْلى تأنيثَ الأفضل، وجَمْعُها على وُثَق نحو: كُبْرى وكُبَر، فأمَّا «وُثُق» بضمتين فجمع وَثِيق.

стр. 1257

قوله: ﴿لاَ انفصام لَهَا﴾ كقولِهِ: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢] والجملةُ فيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُهما: أن تكونَ استئنافاً فلا محلَّ لها حينئذٍ. والثاني: أنها حالٌ من العُرْوة، والعاملُ فيها «استمسَكَ» . والثالث: أنها حالٌ من الضميرِ المستترِ في «الوُثْقى» . و «لها» في موضِعِ الخبرِ فتتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: كائنٌ لها. والانفصامُ - بالفاء - القَطْعُ من غير بَيْنُونة، والقصمُ بالقافِ قَطْعٌ ببينونةٍ، وقد يُستعمل ما بالفاءِ مكانَ ما بالقافِ.

стр. 1258

قولُه تعالى: ﴿والذين كفروا أَوْلِيَآؤُهُمُ﴾ : الذين مبتدأٌ أولُ، وأولياؤهم مبتدأٌ ثانٍ، والطاغوتُ: خبرُه، والجملةُ خبرُ الأول. وقرأ الحسن [ «الطواغيت» بالجمعِ، وإن كان أصلُه مصدراً لأنه لمَّا] أطلق على المعبودِ مِنْ دونِ الله اختلفَت أنواعُه، ويؤيِّد ذلك عَوْدُ الضمير مَجْمُوعاً من قولِهِ: «يُخْرِجونهم» . قوله: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ﴾ هذه الجملةُ وما قبلَها من قولِهِ: «يُخْرِجُهم» الأحْسنُ فيها ألاَّ يكونَ لها محلٌّ من الإِعراب، لأنهما خَرَجا مخرجَ التفسيرِ للولاية، ويجوزُ أن يكونَ «يُخْرِجُهم» خبراً ثانياً لقولِهِ: «الله» وأن يكونَ حالاً من الضمير في «وليُّ» ، وكذلك «يُخْرجونهم» والعامِلُ في الحال ما في معنى الطاغوت، وهذا نظيرُ ما قاله الفارسي في قولِهِ: ﴿نَزَّاعَةً﴾ [المعارج: ١٦] إنها حالٌ العاملُ فيها «لَظَى» وسيأتي تحقيقُه. و «من» [و] «إلى» متعلقان بفعلي الإِخراج.

стр. 1259

قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذي﴾ : تقدَّم نظيرُه في قوله: ﴿

стр. 1260

أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين خَرَجُواْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] . وقرأ عليٌّ ﵁: «تَرْ» بسكون الراء، وتقدَّم أيضاً توجيهُها. والهاءُ في «ربه» فيهما قولان، أظهرهُما: أنها تعودُ على «إبراهيم» ، والثاني: تعودُ على «الذي» ، ومعنى حاجَّه: أظهرَ المغالَبَة في حُجَّتِهِ. قوله: ﴿أَنْ آتَاهُ الله﴾ فيه وجهان، أظهرهُما: أنه مفعولٌ من أجله على حذفِ حرفِ العلةِ، أي: لأنْ آتاه، فحينئذٍ في محلِّ «أَنْ» الوجهان المشهوران، أعني النصبَ أو الجرَّ، ولا بُدَّ من تقديرِ حرفِ الجرِ قبل «أَنْ» لأنَّ المفعول من أجله هنا نَقَّص شرطاً وهو عدمُ اتحادِ الفاعلِ، وإنما حُذِفَت اللام، لأنَّ حرفَ الجرِّ يطَّرد حَذْفُهُ معها ومع أنَّ، كما تقدَّم غيرَ مرة. وفي كونِهِ مفعولاً من أجلِهِ معنيان، أحدُهما: أنه من بابِ العكسِ في الكلام بمعنى أنه وَضَعَ المُحَاجَّة موضعَ الشكر، إذ كان من حَقِّه أن يشكرَ في مقابلة إتيانِ المُلْك، ولكنه عَمِلَ على عكس القضية، ومنه: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] ، وتقول: «عاداني فلانٌ لأني أَحْسنت أليه» وهو باب بليغٌ. والثاني: أنَّ إيتاءَ المُلْكِ حَمَلَه على ذلك، لأنه أورثه الكِبْرَ والبَطَرَ، فتسبَّب عنهما المُحاجَّةُ. الوجه الثاني: أنَّ «أَنْ» وما في حَيِّزها واقعةٌ موقعَ ظرفِ الزمان، قال الزمخشري: «ويجوزُ أن يكونَ التقديرُ: حاجَّ وقتَ أَنْ آتاه» . وهذا الذي أجازه الزمخشري محلُّ نظرٍ، لأنه إنْ عنى أنَّ ذلكَ على حَذْفِ مضاف ففيه

стр. 1261

بُعْدٌ من جهةِ أنَّ المُحاجَّةَ لم تقعْ وقتَ إيتاءِ اللهِ له المُلْكَ، إلا أنْ يُتَجَوَّزَ في الوقتِ، فلا يُحْمَل على الظاهِرِ، وهو أنَّ المُحاجَّة وَقَعَتْ ابتداءَ إيتاءِ المُلْك، بل يُحْمَلُ على أنَّ المُحاجَّة وقعتْ وقتَ وجودِ المُلْك، وإنْ عنى أَنْ «أَنْ» وما في حَيَّزها واقعةٌ موقعَ الظرفِ فقد نَصَّ النحويون على منعِ ذلك وقالوا: لا يَنْوب عن الظرفِ الزماني إلا المصدرُ الصريحُ، نحو: «أتيتُك صياحَ الديك» ولو قلت: «أن يصيح الديك» لم يَجُزْ. كذا قاله الشيخ، وفيه نظرٌ، لأنه قال: «لا ينوبُ عن الظرفِ إلا المصدرُ الصريحُ» وهذا معارَضٌ بأنهم نَصُّوا على أنَّ «ما» المصدريةَ تنوبُ عن الزمان، وليست بمصدرٍ صريحٍ. والضمير في «آتاه» فيه وجهان، أحدُهما - وهو الأظهرُ - أن يعودَ على «الذي» ، وأجاز المهدوي أن يعودَ على «إبراهيم» أي: مَلَكَ النبوة. قال ابن عطية: «هذا تحاملٌ من التأويل» وقال الشيخ: «هذا قولُ المعتزلة، قالوا: لأنَّ الله تعالى قال: ﴿لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ [البقرة: ١٢٤] والمُلْك عهدٌ، ولقولِهِ تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الكتاب والحكمة وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً﴾ [النساء: ٥٤] . قوله: ﴿إِذْ قَالَ﴾ فيه أربعةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه معمولٌ لحاجَّ. الثاني: أن يكونَ معمولاً لآتاه، ذَكَرَهُ أبو البقاء. وفيه نَظَرٌ من حيث إنَّ وقتَ إيتاءِ المُلْكِ ليس وقتَ قولِ إبراهيم: ﴿رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ، إلا أن يتُجَوَّز في الظرفِ كما تقدَّم. والثالث: أن يكونَ بدلاً من «أنْ آتاه الله المُلْك» إذا

стр. 1262

جُعِلَ بمعنى الوقت، أجازه الزمخشري بناءً منه على أنَّ «أَنْ» واقعةٌ موقعَ الظرفِ، وقد تقدَّم ضعفُهُ، وأيضاً فإن الظرفَيْنِ مختلفان كما تقدَّم إلا بالتجوزِ المذكورِ. وقال أبو البقاء: «وذكر بعضُهم أنه بدلٌ من» أَنْ آتاه «وليس بشيءٍ، لأنَّ الظرفَ غيرُ المصدرِ، فلو كانَ بدلاً لكانَ غلطاً إلا أَنْ تُجْعَل» إذ «بمعنى» أَنْ «المصدرية، وقد جاء ذلك» انتهى. وهذا بناءٌ منه على أنَّ «أَنْ» مفعولٌ من أجله/ وليست واقعةً موقعَ الظرفِ، أمَّا إذا كانَتْ «أَنْ» واقعةً موقعَ الظرفِ فلا تكونُ بدلَ غلط، بل بدلُ كلٍ من كلٍ، كما هو قولُ الزمخشري وفيه ما تقدَّم، مع أنه يجوزُ أَنْ تكونَ بدلاً مِنْ «أَنْ آتاه» و «أن آتاه» مصدرٌ مفعولٌ من أجلِهِ بدلَ اشتمالٍ، لأنَّ وقتَ القولِ لاتساعِهِ مشتملٌ عليه وعلى غيره. الرابع: أنَّ العاملَ فيه «تَرَ» من قوله: «ألم ترَ» ذكره مكي، وهذا ليس بشيءٍ، لأنَّ الرؤيةَ على كِلا التفسيرين المذكورين في نظيرتِها لم تكنْ في وقتِ قوله: ﴿رَبِّيَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ . و ﴿رَبِّيَ الذي يُحْيِي﴾ مبتدأٌ وخبرٌ في محلِّ نصب بالقول. قولُه: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي﴾ مبتدأٌ وخبرٌ منصوبُ المحل بالقول أيضاً. وأخبر عن «أنا» بالجملةِ الفعلية، وعن «ربي» بالموصولِ بها، لأنه في الإِخبارِ بالموصولِ يُفيد الاختصاصَ بالمُخْبَرِ عنه بخلافِ الثاني، فإنه لم يَدَّعِ لنفسِهِ الخسيسةِ الخصوصيةَ بذلك. و «أنا» ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ، والاسمُ منه «أَنْ» والألفُ زائدةٌ لبيانِ

стр. 1263

الحركةِ في الوقفِ، ولذلك حُذِفَتْ وصلاً، ومن العربِ مَنْ يُثبتها مطلقاً، فقيل: أُجري الوصلُ مُجْرى الوقف. قال: ١٠٤١ - وكيفَ أنا وانتحالِ القوا ... في بعدَ المشيبِ كفى ذاك عارَا وقال آخر: ١٠٤٢ - أنا سيفُ العشيرةِ فاعرِفوني ... حَمِيداً قد تَذَرَّيْتُ السَّناما والصحيح أنه فيه لغتان، إحداهما: لغةُ تميمٍ، وهي إثباتُ ألفه وصلاً ووقفاً وعليها تُحْمَلُ قراءةُ نافع فإنه قرأ بثبوتِ الألفِ وصلاً قبل همزةٍ مضمومة نحو: «أنا أُحيي» أو مفتوحةٍ نحو: ﴿وَأَنَاْ أَوَّلُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ، واخْتُلِفَ عنه في المكسورة نحو: ﴿إِنْ أَنَاْ إِلاَّ [نَذِيرٌ] ﴾ [الشعراء: ١١٥] ، وقراءةُ ابن عامر: ﴿لكنا هُوَ الله رَبِّي﴾ على ما سيأتي، هذا أحسنُ من توجيهِ مَنْ يقول: «أَجْرِي الوصلُ مُجرى الوقف» . واللغةُ الثانية: إثباتُها وقفاً وَحَذْفُها وصلاً، ولا يجوزُ إثباتُها وصلاً إلا ضرورةً كالبيتين المتقدِّمين. وقيل: بل «أنا» كلُّه ضمير. وفيه لغاتٌ: أنا وأَنْ - كلفظِ أَنْ الناصبةِ - وآن، وكأنه قَدَّم الألفَ على

стр. 1264

النونِ فصار أان. قيل: إنَّ المرادُ به الزمانُ، [و] قالوا: أنَهْ وهي هاءُ السكت، لا بدلٌ من الألف: قال: «هكذا فَرْدِي أَنَهْ» وقال آخر: ١٠٤٣ - إنْ كنتُ أدري فعليَّ بَدَنَهْ ... من كَثْرةِ التخليطِ فيَّ مَنْ أَنَهْ وإنما أثبت نافع ألفَه قبل الهمز جمعاً بين اللغتين، أو لأنَّ النطقَ بالهمزِ عَسِرٌ فاستراح له بالألف لأنها حرفُ مدٍّ. قوله: ﴿فَإِنَّ الله﴾ هذه الفاءُ جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ تقديرُه: قال إبراهيم إنْ زعمت أو مَوَّهت بذلك فإن الله، ولو كانت الجملةُ محكيةً بالقولِ لَمَا دَخَلَتْ هذه الفاءُ، بل كان تركيبُ الكلامِ: قال إبراهيم إنَّ الله يأتي. وقال أبو البقاء: «دخلَتِ الفاءُ إيذاناً بتعلُّق هذا الكلامِ بما قَبْلَه، والمعنى إذا أدَّعَيْت الإِحياء والإِماتَة ولم تَفْهَمْ فالحجةُ أنَّ الله يأتي، هذا هو المعنى» . والباءُ في «بالشمسِ» للتعديةِ، تقولُ: أَتَتِ الشمسُ، وأتى اللهُ بها، أي: أجاءها. و «من المشرق» و «مِن المغرب» متعلقان بالفعلَيْن قبلهما، وأجاز أبو البقاء فيهما بَعْدَ أَنْ منع ذلك أن يكونا حالَيْن، وجَعَلَ التقدير: مسخرةً أو منقادةً. وليته استمرَّ على مَنْعِه ذلك. قوله: ﴿فَبُهِتَ﴾ الجمهورُ: «بُهِتَ» مبنياً للمفعول، والموصولُ مرفوعٌ به، والفاعلُ في الأصل هو إبراهيمُ، لأنه المناظِرُ له. ويُحْتمل أن يكونَ الفاعلُ

стр. 1265

في الأصل ضميرَ المصدرِ المفهوم من «قال» أي: فَبَهَته قولُ إبراهيم. وقرأ ابن السَّمَيْفَع: «فَبَهَتَ» بفتحِ الباءِ والهاءِ مبنياً للفاعلِ، وهذا يَحْتَمِلُ وجهين، أحدُهما: أن يكونَ الفعلُ متعدِّياً، وفاعلُه ضميرٌ يعودُ على إبراهيم، و «الذي» هو المفعولُ، أي: فَبَهَت إبراهيمُ الكافرَ، أي غَلَبة في الحُجَّة، أو يكونُ الفاعلُ الموصولَ، والمفعولُ محذوفٌ وهو إبراهيمُ، أي: بَهَتَ الكافرُ إبراهيم أي: لَمّا انقطَع عن الحُجَّة بَهَته. والثاني: أن يكونَ لازماً والموصولُ فاعلٌ، والمعنى معنى بُهِت، فتتَّحدُ القراءتان، أو بمعنى أَتَى بالبُهْتان. وقرأ أبو حَيْوة: «فَبَهُتَ» بفتح الباء وضمِّ الهاء كظَرُفَ، والفاعلُ الموصولُ. وحكى الأخفش: «فَبُهِتَ» بكسر الهاء، وهو قاصرُ أيضاً. فيَحصُلُ فيه ثلاثُ لغاتٍ: بَهَتَ بفتحهما، بَهُت بضم العين، بَهِت بكسرها، فالمفتوحُ يكون لازماً ومتعدياً، قال: ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء: ٤٠] . والبَهْتُ: التحيُّر والدَّهَشُ، وباهَتَه وبَهَته واجهه بالكذبِ، ومنه الحديث: «إنَّ اليهودَ قومٌ بُهُتٌ» ، وذلك أن الكذب يُحَيِّر المكذوبَ عليه.
следующие страницы →