Полный текст (10 772 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
وقرأ السلمي: ﴿ولا يَسْأَموا أَنْ يَكْتبوه﴾ بالياءِ من تحتُ فيهما. والفاعلُ على هذه القراءةِ ضميرُ الشهداءِ، ويجوزُ أن يكونَ من بابِ الالتفاتِ، فيعودُ: إمَّا على المتعامِلِين وإمَّا على الكُتَّاب.
قوله: ﴿إلى أَجَلِهِ﴾ يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ أي: أَنْ تكتبوه مستقراً في الذمَّةِ إلى أجلِ حُلولِه. والثاني: أنه متعلِّقٌ بتكتبُوه، قاله أبو البقاء. وهذا قد ردَّه الشيخ فقال: «هو متعلقٌ بمحذوفٍ لا ب» تكتبوه «لعدمِ استمرارِ الكتابةِ إلى أجلِ الدَّيْن إذ ينقضي في زمنٍ يسير، فليس نظيرَ:» سرت إلى الكوفةِ. والثالث: أن يتعلَّقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الهاءِ، قاله أبو البقاء.
قوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ مُشَارٌ به لأقربِ مذكورٍ وهو الكَتْب. وقيل إليه وإلى الإِشهاد، وقيل: إلى جميع ما ذُكِر وهو أحسنُ. و «أَقْسَطُ» قيل: هو من أَقْسَطَ إذا عَدَلَ، ولا يكونُ من قسَطَ، لأنَّ قَسَط بمعنى جار، وأَقْسَط بمعنى عَدَل، فتكونُ الهمزةُ للسَّلْبِ، إلا أنه يَلْزَمُ بناءُ أَفْعَل من الرباعي، وهو شاذٌّ.
قال الزمخشري: «إنْ قلتَ مِمَّ بُنِي أَفْعلا التفضيلِ - أعني أَقْسَط وأَقْوم؟ - قلت: يجوزُ على مذهبِ سيبويه أَنْ يكونا مَبْنِيَّين مِنْ» أقسط «و» أقام «وأَنْ يكونَ» أَقْسَط «من قاسِط على طريقةِ النسبِ بمعنى: ذي قِسْطٍ؛ و» أقوم «من قويم» . قال الشيخ: لم ينصَّ سيبويه على أنَّ أفعلَ التفضيلِ يُبْنَى من «
стр. 1402
أَفْعل» ، إنما يُؤْخَذُ ذلك بالاستدلالِ، فإنه نصَّ في أوائلِ كتابِه على أنَّ «أَفْعَل» للتعجبِ يكونُ من فَعَل وفَعِل وفَعُل وأَفْعَل، وظاهرُ هذا أن «أَفْعَل» للتعجب يُبنى منه أَفْعل للتفضيل، فما اقتاسَ في التعجب اقتاسَ في التفضيلِ، وما شَذَّ فيه شَذَّ فيه شَذَّ فيه. وقد اختلف النحويون في بناءِ التعجبِ وأَفْعَل التفضيل من أَفْعَل على ثلاثةِ مذاهب: الجوازُ مطلقاً، والمنعُ مطلقاً، والتفضيلُ بين أَنْ تكونَ الهمزةُ للنقلِ فيمتنِعَ، أو لا فيجوزَ، وعليه يُؤَوَّل كلامُ سيبويه، حيث قال: «إنه يبنى من أَفْعَل» أي الذي همزتُه لغيرِ التعدية. ومَنْ مَنَعَ مطلقاً قال: «لم يَقُلْ سيبويه وأَفْعَلَ بصيغة الماضي» إنما قالها أَفْعِل بصيغةِ الأمر، فالتبس على السامعِ، ويعني أنه يكونُ فعلُ التعجب على أَفْعِلْ، بناؤُه من فَعَل وفَعِل وفعُل، وعلى أفعِل. ولهذه المذاهبِ موضوعٌ هو أليقُ بالكلامِ عليها.
ونَقَل ابن عطية أنه مأخوذٌ من «قَسُط» بضمِّ السينِ نحو: «أَكْرَمَ» من «كَرُم» . وقيل: هو من القِسْط بالكسر وهو العَدْلُ، وهو مصدرٌ لم يُشْتَقَّ منه فِعْلٌ، وليس من الإِقساط؛ لأنَّ أفعَل لا يُبنى من «الإِفعال» . وهذا الذي قلته كلَّه بناءً منهم على أنَّ الثلاثيَّ بمعنى الجَوْر والرباعيَّ بمعنى العَدْل.
ويُحكى أن سعيد بن جبير لَمَّا سأله الظالمُ [الحجَّاجُ] بن يوسف: ما تقول فِيَّ؟ فقال: «أقولُ إنك قاسِطٌ عادِلٌ» ، فلم يَفْطِن له إلا هو، فقال: إنه جعلني جائراً كافراً، وتلا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا القاسطون فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ١٥] ﴿ثْمَّ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] .
стр. 1403
وأمَّا إذا جَعَلْناه مشتركاً بين عَدَلَ وبين جارَ فالأمرُ واضحٌ قال ابن القطاع: «قَسَط قُسوطاً وقِسْطاً: جارَ وعَدَل ضِدٌّ» . وحكى ابن السِّيد في كتابِ «الاقتضاب» له عن ابن السكيت في كتاب «الأضداد» عن أبي عبيدة: «قَسَط: جارَ، وقَسَط: عَدَل، وأَقْسطَ بالألفِ عَدَلَ لا غير. وقال أبو القاسم الراغب الأصبهاني:» القِسْطُ أن يأخذَ قِسْطَ غيرِه، وذلك جَوْرٌ، والإِقساطُ أن يُعْطِي قسطَ غيرِه، وذلك إنصافٌ، ولذلك يقال: قَسَط إذا جار، وأَقْسَط إذا عَدَل «وسيأتي لهذا أيضاً مزيدُ بيانٍ في سورة النساءِ إن شاء الله تعالى.
و «عند الله» / ظرفٌ منصوبٌ ب «أَقْسَط» أي: في حكمِه. وقوله «وَأَقْوَمُ» إنما صَحَّت الواوُ فيه لأنه أفعلُ تفضيلٍ، وأفعلُ التفضيلِ يَصِحُّ حملاً على فِعْل التعجب، وصَحَّ فعلُ التعجبِ لجريانه مَجْرى الأسماء لجمودِه وعدمِ تصرُّفِه.
و «أَقْوَمُ» يجوزُ أن يكونَ من «أقام» الرباعي المتعدِّي؛ لكنه حَذَف الهمزةَ الزائدة، ثم أتى بهمزةِ أَفْعل كقولِه تعالى: ﴿أَيُّ الحِزْبَيْنِ أحصى﴾ [الكهف: ١٢] فيكونُ المعنى: أَثْبَتُ لإِقامتِكم الشهادةَ، ويجوزُ أن يكونَ من «قام» اللازم ويكونُ المعنى: ذلك أثبتُ لقيامِ الشهادةِ، وقامَتِ الشهادةُ: ثَبَتَتْ، قاله أبو البقاء.
стр. 1404
قوله: «للشهادةِ متعلِّق ب» أَقْوَم «، وهو مفعولٌ في المعنى، واللامُ زائدةٌ ولا يجوزُ حَذْفَها ونصبُ مجرورِها بعد أفعلِ التفضيلِ إلا ضرورةً كقوله:
١١٣١ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وأضْرَبَ منا بالسيوفِ القَوانِسا
وقد قيلَ: إن» القوانسَ «منصوبٌ بمضمرٍ يَدُلُّ عليه أفعلُ التفضيلِ، هذا معنى كلام الشيخ، وهو ماشٍ على أنَّ» أَقْوَم «من أقام المتعدي، وأما إذا جعلته من» قَام «بمعنى ثَبَت فاللامُ غير زائدة.
قوله: ﴿أَلاَّ ترتابوا﴾ أي: أقربُ، وحرفُ الجرِّ محذوفٌ، فقيل: هو اللامُ أي: أَدْنى لئلاَّ ترتابوا، وقيل هو» إلى «وقيل: هو» من «أي: أَدْنى إلى أن لا ترتابوا وأدنوى مِنْ أن لا ترتابوا. وفي تقديرهم» مِنْ «نظرٌ، إذ المعنى لا يساعِدُ عليه. و» ترْتابوا «: تَفْتَعِلُوا من الرِّيبة، والصل:» تَرْتَيِبوا «، فَقُلِبَتِ الياءُ ألفاً لتحرُّكِها وانفتاحِ ما قبلَها. والمفضَّلُ عليه محذوفٌ لفهم المعنى، أي: أَقْسطُ وأقومُ وأدنى لكذا مِنْ عدمِ الكَتْب، وحَسَّن الحذفَ كونُ افعلَ خبراً للمبتدأ بخلافِ كونِه صفةً أو حالاً. وقرأ السلمين: ﴿أَنْ لا يرتابوا] بياء الغيبة كقراءةِ: ﴿ولا يَسْأموا أَنْ يكتبوه﴾ وتقدَّم توجيهُ ذلك.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً﴾ في هذا الاستثناءِ قولان، أحدُهما: أنه متصلٌ قال أبو البقاء:» والجملةُ المستثناةُ في موضعِ نصبٍ لأنه استثناءٌ من الجنس لأنه أمرٌ بالاستشهادِ في كلِّ معاملةٍ، واستثنى منها التجارة الحاضرةَ،
стр. 1405
والتقديرُ: إلا في حالِ حضورِ التجارةِ «. والثاني: انه منقطعٌ، قال مكي ابن أبي طالب:» و «أَنْ» في موضعِ نصبٍ على الاستثناءِ المنقطعِ «قلت: وهذا هو الظاهرُ، كأنه قيل: لكنّ التجارةَ الحاضرةَ فإنه يجوزُ عدمُ الاستشهادِ والكَتْبِ فيها.
وقرأ عاصم هنا» تجارةً «بالنصب، وكذلك» حاضرةً «لأنها صفتُها، وفي النساء وافقه الأخوان، والباقون قرؤوا بالرفعِ فيهما. فالرفعُ فيه وجهان، أحدُهما: أنها التامةُ أي: إلا أَنْ تَحْدُثَ أو تقعَ تجارةً، وعلى هذا فتكونُ» تُديرونها «في محلِّ رفعٍ صفةً لتجارةً أيضاً، وجاء هنا على الفصيحِ، حيث قَدَّم الوصفَ الصريحَ على المؤول.
والثاني: ان تكونَ الناقصةَ، واسمُها «تجارةٌ» والخبرُ هو الجملةُ من قوله: «تُديرونها» كأنه قيل: إلا أن تكونَ تجارةٌ حاضرةٌ مدارةً، وسَوَّغ مجيءَ اسمِ كان نكرةً وصفُه، وهذا مذهبُ الفراء وتابعه آخرون.
وأمَّا قراءةُ عاصم فاسمُها مضمرٌ فيها، فقيل: تقديرُه: إلا أَنْ تكونَ المعاملةُ أو المبايَعَةُ أو التجارةُ. وقَدَّره الزجاج إلاَّ أَنْ تكونَ المداينةُ، وهو أحسنُ. وقال الفارسي: «ولا يجوزُ أن يكونَ التداينُ اسمَ كان لأنَّ التداينَ معنىً، والتجارةُ الحاضرةُ يُراد بها العينُ، وحكمُ الاسمِ أن يكونَ الخبرَ في المعنى، والتدايُن حَقٌّ في ذمةِ المستدينِ، للمدين المطالبةُ به، وإذا كان
стр. 1406
كذلك لم يَجُزْ أن يكونَ اسمَ كان لاختلافِ التداينِ والتجارةِ الحاضرةِ» وهذا الذي قاله الفارسي لا يَظْهَرُ رداً على أبي إسحاق، لأن التجارةَ أيضاً مصدرٌ، فهي معنىً من المعاني لا عينٌ من الأعيان، وبين الفارسي والزجاج محاورةٌ لأمرٍ ما.
وقال الفارسيّ أيضاً: «ولا يجوزُ أيضاً أَنْ يكونَ اسمَها» الحقُّ «الذي في قوله:» فإن كان الذي عليه الحق «للمعنى الذي ذكرنا في التداين، لأنَّ ذلك الحقَّ دَيْنٌ، وإذا لم يَجُزْ هذا لم يَخْلُ اسمُ كان من أحدِ شيئين، أحدُهما: أنَّ هذه الأشياءَ التي اقتضَتْ من الإِشهادِ والارتهانِ قد عُلِم من فحواها التَبايعُ، فأضمرَ التبايعَ لدلالةِ الحالِ عليه كما أضمرَ لدلالةِ الحال فيما حكى سيبويه:» إذا كان غداً فأتني «ويُنْشَدُ على هذا» :
١١٣٢ - أعينيَّ هَلاَّ تبكِيان عِفاقا ... إذا كان طَعْناً بينهم وعِناقا
أي: إذا كان الأمر. والثاني: أن يكونَ أضمرَ التجارة كأنه قيل: إلا أن تكونَ التجارةُ تجارةً، ومثلُه ما أنشدَه الفراء:
١١٣٣ - فَدىً لبني ذُهْلِ بن شيبانَ ناقتي ... إذا كان يوماً ذا كواكبَ أَشْهَبَا
وأنشد الزمخشري:
١١٣٤ - بني أسدٍ هل تَعْلَمُون بلاءنا ... إذا كان يوماً ذا كواكبَ أَشْنَعا
أي: إذا كان اليومُ يوماً. و «بينكم» ظرفٌ لتُديرونها.
стр. 1407
قوله: ﴿فَلَيْسَ﴾ قال أبو البقاء: «دَخَلَتِ الفاءُ في» فليس «إيذاناً بتعلُّق ما بعدَها بما قبلَها» قلت: هي عاطفةٌ هذه الجملةَ على الجملةِ من قولِه: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً﴾ إلى آخرها، والسببيةُ فيها واضحةُ أي: بسببٍ عن ذلك رُفِع الجناحُ في عَدَمِ الكتابة.
وقوله: ﴿أَلاَّ تَكْتُبُوهَا﴾ أي: «في أن لا» ، فَحُذفَ حرفُ الجر فبقي في موضعِ «أَنْ» الوجهان:
قوله: ﴿إِذَا تَبَايَعْتُم﴾ يجوزُ أن/ تكونَ شرطيةً، وجوابُها: إمَّا متقدم عند قومٍ، وإمَّا محذوفٌ لدلالةِ ما تقدَّم عليه تقديرُه: إذا تبايَعْتُم فَأَشْهِدوا، ويجوزُ أن تكونَ ظرفاً محضاً أي: افعلوا الشهادةَ وقتَ التبايعِ.
قوله: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ﴾ العامة على فتح الراء جزماً، و «لا» ناهيةٌ، وفُتِح الفعلُ لما تقدم في قراءةِ حمزةَ: «إن تَضِلَّ» .
ثم هذا الفعلُ يحتملُ أن يكونَ مبنياً للفاعلِ، والأًصلُ: «يضارِرْ» بكسر الراءِ الأولى فيكونُ «كاتب» و «شهيد» فاعلَيْن نُهِيا عن مُضَارَّةِ المكتوبِ له والمشهودِ له، نُهِيَ الكاتبُ عن زيادةِ حرفٍ يُبْطل به حقاً أو نقصانِه، ونُهِيَ الشاهدُ [عن] كتمِ الشهادةِ، واختاره الزجاج، ورجَّحه بأنَّ الله تعالى قال: ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ ، ولا شك أنَّ هذا من الكاتبِ والشاهدِ فِسْقٌ، ولا يَحْسُنُ أن يكونَ إبرامُ الكاتبِ والشهيدِ والإِلحاحُ عليهما فسقاً. ونُقل في التفسير عن ابن عباس ومجاهد وطاووس
стр. 1408
هذا المعنى. ونَقَل الداني عن عمر وابن عباس ومجاهد وابن أبي إسحاق أنهم قرؤوا الراءَ الأولى بالكسرِ حين فَكُّوا.
ويُحْتمل أن يكونَ الفعلُ فيها مبنياً للمفعول، والمعنى: أَنَّ أحداً لا يُضارِرُ الكاتبَ ولا الشاهدِ، ورُجِّح هذا بأنه لو كان النهيُّ متوجِّهاً نحو الكاتبِ والشهيدِ لقال: وإنْ تفعلا فإنه فسوقٌ بكما، ولأنَّ السياقَ من أولِ الآيات إنما هو للمكتوبِ له والمشهودِ له. ونُقِل في التفسير هذا المعنى عن ابن عباس ومَنْ ذُكِر معه. وذكر الداني أيضاً عنهم أنهم قرؤوا الراءَ الأولى بالفتح. قلت: ولا غَرْوَ في هذا إذ الآيةُ عندهم مُحْتَمِلةٌ للوجهين فَسَّروا وقرؤوا بهذا المعنى تارةً وبالآخرِ أخرى.
وقرأ أبو جعفر وعمرو بن عبيد: «ولا يُضارّ» بتشديد الراءِ ساكنةً وَصْلاً، وفيها ضعفٌ من حيث الجمعُ بين ثلاثِ سواكن، لكنه لمَّا كانت الألفُ حرفَ مدٍّ قام مَدُّها مقامَ حركةٍ، والتقاءُ الساكنين مغتفرٌ في الوقف، ثم أُجْري الوصلُ مُجْرى الوقف في ذلك.
وقرأ عكرمة/: «ولا يُضارِرْ كاتباً ولا شهيداً» بالفكِّ وكسرِ الراءِ الأولى، والفاعلُ ضميرُ صاحب الحق، ونَصْبِ «كاتباً» و «شهيداً» على المفعولِ به أي: لا يضارِرْ صاحبُ حقٍ كاتباً ولا شهيداً بأن يُجْبِرَهُ ويُبْرِمَه بالكتابة والشهادةِ؛ أو بأَنْ يحمِلَه على ما لا يَجُوز.
وقرأ ابن محيصن: «ولا يُضارُّ» برفع الراء، وهو نفيٌ فيكونُ الخبر بمعنى النهي كقوله: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقْ﴾ [البقرة: ١٩٧]
стр. 1409
وقرأ عكرمة في رواية مُقْسِم: «ولا يُضارِّ» بكسر الراءِ مشددةً على أصلِِ التقاءِ الساكنين. وقد تقدَّم لك تحقيقُ هذه الأشياءِ عند قولِه ﴿لاَ تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة: ٢٣٣] .
قوله: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ﴾ أي: تفعلوا شيئاً مِمَّا نَهَى اللهُ عنه، فَحُذِف المفعولُ به للعلمِ به. والضميرُ في «فإنه» يعودُ على الامتناع أو الإِضرار. و «بكم» متعلقٌ بمحذوفٍ، فقدَّرَه أبو البقاء: «لاحِقٌ بكم» وينبغي أن يُقَدَّر كوناً مطلقاً، لأنه صفةٌ ل «فسوق» أي: فسوقٌ مستقرٌّ بكم، أي: ملتبسٌ بكم ولاصقٌ بكم.
قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الله﴾ يجوزُ في هذهِ الجملةِ الاستئنافُ - وهو الظاهرُ - ويجوزُ أَنْ تكونَ حالاً من الفاعلِ في «اتَّقوا» قال أبو البقاء: «تقديره: واتقوا اللهَ مضموناً لكم التعليمُ أَو الهدايةُ، ويجوزُ أن تكونَ حالاً مقدَّرَة» . قلت: وفي هذينِ الوجهينِ نظرٌ لأنَّ المضارعَ المثبتَ لا تباشِرُه واوُ الحال، فإنْ وَرَدَ ما ظاهرُه ذَلك يُؤَوَّلُ، لكنْ لا ضرورةَ تَدْعو إليه ههنا.
стр. 1410
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً﴾ : العامةُ على «كاتباً» اسمَ فاعل. وقرأ أُبَيّ ومجاهد وأبو العالية: «كِتاباً» ، وفيه وجهان، أحدهما: أنه مصدرٌ أي ذا كتابة. والثاني: أنه جَمْع كاتبٍ، كصاحب وصِحاب. ونقل الزمخشري هذه القراءة عن أُبَيّ وابن عباس فقط، وقال: «وقال ابن
стр. 1411
عباس: أرأيتَ إن وجدتَ الكاتبَ ولم تَجِدْ الصحيفةَ والدَّواة» . وقرأ ابن عباس والضحاك: «كُتَّاباً» على الجمع، اعتباراً بأنَّ كلَّ نازلةٍ لها كاتبٌ. وقرأ أبو العالية: «كُتُباً» جمع كتاب، اعتباراً بالنوازلِ، قلت: قولُ ابن عباس: «أرأيتَ إنْ وجدت الكاتب الخ» ترجِيحٌ للقراءةِ المرويَّةِ عنه واستبعادٌ لقراءةِ غيرِه/ «كاتباً» ، يعني أن المرادَ الكتابُ لا الكاتبُ.
قوله: ﴿فَرِهَانٌ﴾ فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه مرفوعٌ بفعلٍ محذوفٍ، أي: فيكفي [عن] ذلك رُهُنٌ مقبوضةٌ. الثاني: أنه مبتدأٌ والخبرُ محذوفٌ أي: فرُهُن مقبوضة تكفي. الثالث: أنه خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديرُه: فالوثيقةُ أو فالقائمُ مقامُ ذلك رُهُنٌّ مقبوضةٌ.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «فَرُهُنٌّ» بضم الراء والهاء، والباقون «فَرِهَانٌ» بكسر الراء وألف بعد الهاء، رُوي عن ابن كثير وأبي عمرو تسكينُ الهاءِ في رواية.
فأمَّا قراءةُ ابن كثير فجمع رَهْن، وفَعل يُجْمع على فُعل نحو: سَقْف وسُقُف. ووقع في أبي البقاء بعد قوله: «وسَقْف وسُقُف، وأَسَد وأُسُد، وهو [وهم] » ولكنهم قالوا: إن فُعُلاً جَمعُ فَعْل قليل، وقد أورد منه الأخفش ألفاظاً منها: رَهْن ورُهُن، ولَحْد القبر ولُحُد، وقَلْب النخلة وقُلُب، ورجلٌ
стр. 1412
ثَطٌّ وقومٌ ثُطٌّ، وفرس وَرْدٌ وخيلٌ وُرُدٌ، وسهم حَشْر وسهام حُشُر. وأنشد أبو عمرو حجةً لقراءتهِ قولَ قعنب:
١١٣٥ - بانَتْ سعادُ وأمسى دونَها عدنُ ... وَغلَّقَتْ عندَها مِنْ قبلِك الرُّهُنُ
وقال أبو عمرو: «وإنما قَرَأت فَرُهُن للفصلِ بين الرهانِ في الخيلِ وبين جمع» رَهْن «في غيرها» ومعنى هذا الكلام أنما اخترتُ هذه القراءةَ على قراءة «رهان» ، لأنه لا يجوزُ له أَنْ يفعلَ ذلك كما ذَكَر دونَ اتِّباع روايةٍ.
واختار الزجاجِ قراءتَه هذه قال: «وهذه القراءة وافَقَت المصحفَ، وما وافقَ المصحفَ وصَحَّ معناه، وقَرَأت به القُرَّاء فهو المختارُ» . قلت: إن الرسم الكريم «فرهن» دون ألفٍ بعد الهاء، مع أنَّ الزجاج يقول: «إنَّ فُعُلاً جمعَ فَعْلٍ قليلٌ» ، وحُكي عن أبي عمرو أنه قال: «لا أعرفُ الرِّهان إلا في الخيل لا غير» . وقال يونس: «الرَّهْنُ والرِّهان عربيان، والرُّهُنْ في الرَّهْنِ أكثرُ، والرِّهان في الخيلِ أكثرُ» وأنشدوا أيضاً على رَهْن ورُهُن قوله - البيت -:
١١٣٦ - آلَيْتُ لا نُعْطِيه من أَبْنائِنا ... رُهُناً فيُفْسِدَهم كَرَهْنٍ أَفْسدا
стр. 1413
وقيل: إنَّ رُهُنا جمعُ رِهان، ورِهان جمعُ رَهْن، فهو جَمْعُ الجمع، كما قالوا في ثِمار جمعَ ثَمَر، وثُمُر جَمعُ ثِمار، وإليه ذهب الفراء وشيخه، ولكنَّ جَمْعَ الجمعِ غيرُ مطرَّدٍ عند سيبويه وجماهيرِ أتباعه.
وأمَّا قراءةُ الباقين «رِهانِ فرِهان جمعُ» رَهْن «وفَعْل وفِعال مطردٌ كثير نحو: كَعْب/ وكِعَاب، وكَلْب وكِلاب، ومَنْ سَكَّن ضمةَ الهاءِ في» رُهُن «فللتخفيفِ وهي لغةٌ، يقولون: سُقْف في سُقُف جمعَ سَقْف.
والرَّهْنُ في الأصل مصدُرَ رَهَنْتُ، يقال: رَهنْتُ زيداً ثوباً أَرْهَنُه رَهْناً أي: دفعتُه إليه رَهْناً عنده، قال:
١١٣٧ - يراهِنُني فَيَرْهَنُنِي بَنِيه ... وأَرْهَنُه بَنِيَّ بما أَقولُ
وأرهنْتُ زيداً ثوباً أي: دفعتُه إليه ليرهنَه، فَفرَّقوا بين فَعَل وأَفْعَل. وعند الفراء رَهَنْتُه وأَرْهَنْتُه بمعنى، واحتجَّ بقولِ همام السلولي:
١١٣٨ - فَلَمَّا خَشِيْتُ أظافيرَهُمْ ... نَجَوْتُ وأَرْهَنْتُهُمْ مالِكا
وأنكر الأصمعيُّ هذه الروايةَ وقال:» إنما الروايةُ: وأَرْهنُهُم مالكا «، والواوُ للحالِ كقولِهِم:» قَمْتُ وأصُكُّ عينَه «وهو على إضمارِ مبتدأ.
стр. 1414
وقيل: أرْهْنَ في السِّلعة إذا غالى فيها حتى أَخَذَها بكثيرِ الثمنِ ومنه قولُه:
١١٣٩ - يَطْوي ابنُ سلمى بها من راكبٍ بَعُداً ... عِيدِيَّةٌ أُرْهِنَتْ فيها الدَّنانيرُ
ويقال: رَهَنْتُ لساني بكذا، ولا يُقال فيه» أَرْهَنْتُ «وأنشدوا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ثم أُطْلق الرَّهْنُ على المرهونِ من بابِ إطلاقِ المصدرِ على اسمِ المفعول نحو قولِه تعالى: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: ١١] ، و» درهَمٌ ضَرْبُ الأمير «، فإذا قلت:» رَهَنْتُ زيداً ثوباً رَهْناً «فرَهْناً هنا مصدرٌ فقط، وإذا قلت» رهنْتُ زيداً رَهْناً «فهو هنا مفعولٌ به لأنَّ المرادَ به المرهونُ، ويُحتمل أن يكونَ هنا» رَهْناً «مصدراً مؤكداً أيضاً، ولم يَذْكرِ المفعولَ الثانيَ اقتصاراً كقوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ﴾ [الضحى: ٤] .
و» رَهْن «مِمَّا استُغْنى فيه بجمعِ كثرتِه عن جمعِ قلَّته، وذلك أنَّ قياسَه في القلةِ أَفْعُل كفَلْس وأفلُس، فاستُغْنِيَ برَهْن ورِهان عن أَرْهُن.
وأصلُ الرَّهْنِ: الثبوتُ والاستقرارُ، يقال: رَهَنَ الشيءُ، فهو راهنٌ إذا دام واستقر، ونِعمة راهنة أي دائمة ثابتة. وأنشد ابن السكيت:
стр. 1415
١١٤٠ - لا يَسْتَفيقون منها وَهْي راهِنةٌ ... إلا بهاتِ وإنْ عَلُّوا وإنْ نَهِلوا
ويقال:» طعام راهن «أي: مقيم دائم، قال:
١١٤١ - الخبزُ واللحمُ لهم راهِن ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: دائمٌ مستقرٌّ، ومنه سُمِّي المرهونُ» رَهْناً «لدوامهِ واستقرارهِ عند المُرْتَهِنِ.
وقوله: ﴿وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً﴾ في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنها عطفٌ على فعلِ الشرطِ أي:» وإنْ كنتم ولم تَجِدوا «فتكونُ في محلِّ جزمِ لعطفِها على ما هو مجزومٌ تقديراً. والثاني: أن تكونَ معطوفةٌ على خبرِ كان، أي: وإنْ كنتم لم تَجِدُوا [كاتباً﴾ والثالث: أَنْ تكونَ الواوُ للحال، والجملةُ بعدَها نصبٌ على الحالِ فهي على هذين الوجهين الأخيرين في محلِّ نصب.
قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ﴾ قرأ أُبَيّ فيما نَقَلَه عنه الزمخشري «أُومِنَ» مبنياً للمفعول. قال الزمخشري: «أي أَمِنَه الناس ووصفوا المَدْيونَ بالأمانةِ والوفاء» . قلت: وعلامَ تنتصبُ «بعضاً؟ والظاهرُ نصبُه/ بإسقاط الخافض على حذفِ مضافٍ أي: فإن أومِنَ بعضُكم على متاعِ بعضٍ أو على دَيْنِ بعض.
قوله: ﴿فَلْيُؤَدِّ الذي اؤتمن﴾ إذا وُقِفَ على» الذي «وابتُديء بما بعدها قيل:» اوتُمِنَ «بهمزةٍ مضمومة بعدَها واو ساكنة، وذلك لأنَّ أصلَه أُأْتُمِنَ، مثل
стр. 1416
اقْتُدِرَ بهمزتين: الأولى للوصلِ والثانيةُ فاءُ الكلمة، ووقعَتِ الثانيةُ ساكنةً بعد أخرى مثلِها مضمومةً وجب قَلْبُ الثانيةُ لمجانِسِ حركةِ الأولى فقلت: أُوْتُمِنَ. فأمَّا في الدَّرْج فتذهبُ همزةُ الوصلِ فتعود الهمزةُ إلى حالِها لزوالِ موجبِ قلبِها واواً بل تُقْلَبُ ياءً صريحةً في الوصلِ في رواية ورش والسوسي.
ورُوي عن عاصم:» الذي اوتُمِن «برفعِ الألفِ ويُشيرِ بالضمة إلى الهمزة، قال ابن مجاهد:» وهذه الترجمةُ غلط «. ورَوى سليم عن حمزة إشمامَ الهمزةِ الضمَّ، وفي الإِشارة والإِشمامِ المذكورَيْن نظرٌ. وقرأ عاصم أيضاً في شاذِّة:» الَّذِتُّمِنَ «بإدغامِ الياء المبدلةِ من الهمزةِ في تاء الافتعال، قال الزمخشري:» قياساً على «اتَّسر» في الافتعال من اليُسْر، وليس بصحيحٍ لأنَّ الياءَ منقلبةٌ عن الهمزةِ فهي في حكمِ الهمزةِ، واتَّزر عاميُّ، وكذلك «رُيَّا» في «رُؤْيا» قال الشيخ: «وما ذكر الزمخشري فيه أنه ليس بصحيح وأن» اتَّزر «عامِّي - يعني أنه من إحداث العامة لا أصلَ له في اللغة - قد ذَكَره غيرُه أنَّ بعضَهم أَبْدَلَ وأدْغَمَ:» اتَّمَنَ واتَّزَرَ «وأنَّ ذلك لغةٌ رديئة، وكذلك» رُيَّا «في رُؤْيا، فهذا التشبيهُ: إمَّا أن يعودَ على قولِه:» واتَّزر عاميٌّ «فيكونُ إدغام» رُيَّا «عامياً، وإمَّا أَنْ يعودَ إلى قولِه» فليس بصحيحٍ «أي: وكذلك إدْغَامُ» رُيَّا «ليس بصحيحٍ، وقد حكَى الكسائي الإِدغمَ في» رُيَّا «.
стр. 1417
وقولُه: ﴿أَمَانَتَهُ﴾ يجوزُ أن تكونَ الأمانةُ بمعنى الشيء المُؤْتَمَنِ عليه فينتصبَ انتصابَ المفعولِ به بقولِه:» فليؤدِّ «، ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدراً على أصلِها، وتكونُ على حَذْفِ مضاف، أي: فليؤدِّ دَينَ أمانتهِ. ولا جائزٌ أن تكونَ منصوبةٌ على مصدرِ ائتُمِنَ. والضميرُ في» أمانتَه «يُحْتَمل أَنْ يعودَ على صاحبِ الحقِّ، وأَنْ يعودَ على الذي ائتُمِن.
قوله: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ في هذا الضمير وجهان، أحدُهما: أنه ضميرُ الشأنِ والجملةُ بعدَه، مفسِّرٌ له. والثاني: أنه ضميرُ» مَنْ «في قولِه:» ومَنْ يَكتُمْها «وهذا هو الظاهرُ.
وأمَّا «آثمٌ قلبُه» ففيه أوجهٌ: أظهرُها: أنَّ الضميرَ في «إنه» ضميرُ «مَنْ» و «آثمٌ» خبرُ إنَّ، و «قلبُه» فاعلٌ بآثم، نحو قولِك: زيدٌ إنه قائمٌ أبوه، وعَمَلُ اسمِ الفاعلِ هنا واضحٌ لوجودِ شروطِ الإِعمال. ولا يجيءُ هذا الوجهُ على القولِ بأنَّ الضميرَ ضميرُ الشأن، لأنَّ ضميرَ الشأنَ لا يُفَسَّر إلا بجملةٍ، واسمُ الفاعلِ مع فاعلِه عند البصريين مفردٌ، والكوفيون يُجيزون ذلك.
الثاني: أن يكونَ «آثمٌ» خبراً مقدماً، و «قلبُه» مبتدأ مؤخراً، والجملةُ خبرَ «إنَّ» ذكر ذلك الزمخشري وأبو البقاء وغيرُه، وهذا لا يجوزُ على أصول الكوفيين؛ لأنه لا يعودُ عندَهم الضميرُ المرفوعُ على متأخرٍ لفظاً، و «آثمٌ» قد تَحَمَّل ضميراً لأنه وَقَع خبراً، وعلى هذا الوجهِ فيجوزُ أن تكونَ الهاءُ ضميرَ الشأن وأَنْ تكونَ ضميرَ «مَنْ» .
والثالث: أن يكونَ «آثم» خبرَ إنَّ، وفيه ضميرٌ يعودُ على ما تعودُ عليه الهاء في «إنه» ، و «قلبُه» بدلٌ من ذلك الضمير المستترِ بدلُ بعضٍ من كل.
الرابع: أن يكونَ «آثم» مبتدأً، و «قلبُه» فاعلٌ سدَّ مسدَّ الخبر، والجملةُ
стр. 1418
خبرُ إنَّ، قاله ابن عطية، وهو لا يجوزُ عند البصريين، لأنه لا يعملُ عندَهم اسمُ الفاعل إلا إذا اعتمد على نفيٍ أو استفهام نحو: ما قائمٌ أبواك، وهل قائمٌ أخواك، وما قائمٌ قومك، وهل ضاربٌ إخوتك. وإنما يجوزُ هذا عند الفراءِ من الكوفيين والأخفشِ من البصريين، إذ يجيزان: قائمٌ الزيدان وقائمٌ الزيدون، فكذلك في الآية الكريمة.
وقرأ ابنُ أبي عبلة: «قلبَه» بالنصب، نسبَها إليه ابن عطية. وفي نصبه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه بدلٌ من اسم «إنَّ» بدلُ بعض من كل، ولا محذورَ في الفصلِ بالخبر - وهو آثمٌ - بين البدلِ والمبدلِ منه، كما لا محذورَ في الفصل به بين النعتِ والمنعوتِ نحو: زيد منطلق العاقل، مع أنَّ العاملَ في النعت والمنعوت واحدٌ، بخلافِ البدلِ والمبدلِ منه/ فإنَّ الصحيحَ أنَّ العاملَ في البدلِ غيرُ العاملِ في المُبْدَلِ منه.
الثاني: أنه منصوبٌ على التشبيهِ بالمفعولِ به، كقولك: «مررت برجلٍ حسنٍ وجهُه» وفي هذا الوجه خلافٌ مشهورٌ، وهو ثلاثةُ مذاهبَ: الأول مذهب الكوفيين وهو الجواز مطلقاً، أعني نظماً ونثراً. الثاني: المنعُ مطلقاً، وهو مذهبُ المبرد. الثالث: مَنْعُه من النثر وجوازُه في الشعرِ، وهو مذهبُ سيبويه، وأنشدَ الكسائي على ذلك:
стр. 1419
١١٤٢ - أَنْعَتُها إنِّيَ مِنْ نُعَّاتِها ... مُدارةَ الأخفْافِ مُجْمَرَّاتِها
غُلْبَ الرِّقابِ وعَفَرْ نِياتِها ... كُومَ الذُّرى وادِقَةً سُرَّاتِها
ووجه ضعفِه عند سيبويه في النثر تكرُّر الضمير.
والثالث: أنه منصوبٌ على التمييز حكاه مكي وغيرُه، وضَعَّفوه بأنَّ التمييز لا يكونُ إلا نكرةً، وهذا عند البصريين، وأمَّا الكوفيون فلا يَشْتَرطون تنكيرَه، ومنه عندهم:
﴿إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: ٨٥] وأنشدوا:
١١٤٣ - إلى رُدُحٍ من الشِّيزى مِلاءٍ ... لُبَابَ البُرِّ يُلْبَكُ بالشِّهادِ
وقرأ ابن أبي عبلة - فيما نقل عنه الزمخشري - «أَثِم قلبَه» جعل «أثم» فعلاً ماضياً مشدد العين، وفاعلُه مستترٌ فيه، «قلبه» مفعول به أي: جعل قلبَه آثماً أي: أثم هو، لأنه عَبَّر بالقلب عن ذاتِه كلها لأنه أشرفُ عضوٍ فيها.
وقرأ أبو عبد الرحمن: «ولا يَكْتُموا» بياء الغَيْبَةِ، لأنَّ قبلَه غيباً وهم من ذَكَر في قولِه: ﴿كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾ ، وهو وإنْ كان بلفظِ الإِفراد فالمرادُ به الجَمْعُ، ولذلك اعتبَرَ معناه في قراءة أبي عبد الرحمن فجَمَعَ في قوله: «ولا يكتموا» .
стр. 1420
وقد اشتملَتْ هذه الآياتُ على أنواع من البديعِ منها: التجنيسُ المغايرُ في «تدايَنْتُم بدَيْن» نظائره، والمماثلُ في قولِه: ﴿وَلاَ تَكْتُمُواْ الشهادة وَمَن يَكْتُمْهَا﴾ والطباقُ في «تَضِلَّ» و «تذكِّر» و «صغيراً وكبيراً» ، وهي كثيرةٌ، وتؤخذ مِمَّا تقدَّم فلا حاجةَ إلى التكثير بذكرِها. وقرأ السلمي أيضاً: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ بالغيبة جرياً على قراءته بالغَيْبَة.
стр. 1421
قوله تعالى: ﴿فَيَغْفِرُ﴾ قرأ ابن عامر وعاصم برفع «يغفرُ» و «يعذبُ» ، والباقون من السبعةِ بالجزم. وقرأ ابنُ عباس والأعرج وأبو حيوة: «فيغفرَ» بالنصب.
فأمَّا الرفعُ فيجوزُ أَنْ يكونَ رفعُه على الاستئنافِ، وفيه احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ أي: فهو يغفرُ. والثاني: أنَّ هذه جملةٌ فعليةٌ من فعلٍ وفاعلٍ عُطِفَتْ على ما قبلها. وأمّا الجزمُ فللعطفِ على الجزاءِ المجزوم.
وأمَّا النصبُ فبإضمارِ «أَنْ» وتكونُ هي وما في حَيِّزها بتأويلِ مصدرٍ معطوف على المصدر المتوهَّم من الفعلِ قبلَ ذلك تقديره: تكنْ محاسبةٌ فغفرانٌ وعذابٌ. وقد رُوي قولُ النابغة بالأوجهِ الثلاثة وهو:
١١٤٤ - فإنْ يَهْلِكْ أبو قابوسَ يَهْلِكْ ... ربيعُ الناسِ والبلدُ الحرامُ
ونأخذْ بعدَه بذِنابِ عيشٍ ... أجَبَّ الظهرِ ليسَ له سَنامُ
بجزمِ «نأخذ» عطفاً على «يَهْلك ربيع» ونصبهِ ورفعِه، على ما ذكرتُه لك
стр. 1422
في «فَيغفر» وهذه قاعدةٌ مطردةٌ: وهي أنه إذا وقع بعدَ جزاءِ الشرط فعلٌ بعد فاءٍ أو واوٍ جازَ فيه هذه الأوجُهُ الثلاثةُ، وإن توسَّطَ بين الشرطِ والجزاءِ جاز جزمُه ونصبُه وامتنع رفعُه نحو: إن تأتني فَتَزُرْني أو فتزورَني، أو وتزرْني أو وتزورَني.
وقرأ الجعفيّ وطلحة بن مصرف وخلاد: «يَغْفِرْ» بإسقاطِ الفاء، وهي كذلك في مصحفِ عبد الله، وهي بدلٌ من الجوابِ كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ العذاب﴾ [الفرقان: ٦٨-٦٩] . وقال أبو الفتح: «وهي على البدلِ من» يُحاسِبْكم «فهي تفسيرٌ للمحاسبة» قال الشيخ: «وليس بتفسيرٍ، بل هما مترتِّبان على المحاسَبَةِ» . قال الزمخشري: «ومعنى هذا البدلِ التفصيلُ لجملة الحساب لأنَّ التفصيلَ أوضحُ من المفصَّلِ، فهو جارٍ مجرى بَدَلِ البعضِ من الكلِ أو بدلِ الاشتمال، كقولك:» ضربتُ زيداً رأسه «و» أحببتُ زيداً عقله «، وهذا البدلُ واقعٌ في الأفعالِ وقوعَه/ في الأسماءِ لحاجةِ القبيلين إلى البيان» .
قال الشيخ: «وفيه بعضُ مناقشةٍ: أمَّا الأولُ فقولُه:» ومعنى هذا البدلِ التفصيلُ لجملةِ الحسابِ «وليس العذابُ والغفرانُ تفصيلاً لجملةِ الحسابِ، لأنَّ الحسابَ إنما هو تعدادُ حسناتِه وسيئآتِه وحصرُها، بحيث لا يَشُذُّ شيءٌ منها، والغفرانُ والعذابُ مترتِّبان على المحاسَبَة، فليست المحاسبةُ مفصَّلةً بالغفرانِ والعذابِ. وأمَّا ثانياً فلقوله بعد أَنْ ذَكَر بدلَ البعض
стр. 1423
من الكل وبدلَ الاشتمال:» وهذا البدلُ واقعٌ في الأفعالِ وقوعَه في الأسماء لحاجةِ القبيلين إلى البيان «أمَّا بدلُ الاشتمال فهو يمكنُ، وقد جاءَ لأنَّ الفعلَ يَدُلُّ على الجنسِ وتحتَه أنواعٌ يشتمِلُ عليها، ولذلك إذا وَقَع عليه النفيُ انتفَتْ جميعُ أنواعه، وأمَّا بدلُ البعضِ من الكلِّ فلا يمكنُ في الفعل إذ الفعلُ لا يقبلُ التجزُّؤ، فلا يُقال في الفعلِ له كل وبعض إلا بمجازٍ بعيدٍ، فليس كالاسم في ذلك، ولذلك يَسْتَحِيل وجود بدل البعض من الكل في حق الله تعالى، إذ الباري تعالى لا يتقسم ولا يتبعض.
قلت: ولا أدري ما المانعُ من كونِ المغفرةِ والعذابِ تفسيراً أو تفصيلاً للحساب، والحسابُ نتيجتُه ذلك، وعبارةُ الزمخشري هي بمعنى عبارة ابن جني. وأمَّا قولُه: «إنَّ بدلَ البعضِ من الكل في الفعلِ متعذرٌ، إذ لا يتحقق فيه تجزُّؤٌ» فليس بظاهرٍ، لأنَّ الكليةَ والبعضيةَ صادقتان على الجنس ونوعِه، فإنَّ الجنسَ كلٌّ والنوعَ بعضٌ. وأمَّا قياسُه على الباري تعالى فلا أدري ما الجامع بينهما؟ وكان في كلامِ الزمخشري ما هو أولى بالاعتراض عليه. فإنه قال: «وقرأ الأعمش:» يَغْفر «بغير فاءٍ مجزوماً على البدلِ من» يحاسِبْكم «كقوله:
١١٤٥ - متى تَأْتِنا تُلْمِمْ بنا في ديارِنا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تَأَجَّجا
وهذا فيه نظرٌ؛ لأنه لا يطابق ما ذكره بعدَ ذلك كما تقدَّم حكايتُه عنه؛ لأن البيت قد أُبْدِل فيه من فعلِ الشرط لا من جوابِه، والآية قد أُبْدل فيها من نفسِ الجواب، ولكنَّ الجامعَ بينهما كونُ الثاني بدلاً مِمَّا قبلَه وبياناً له.
стр. 1424
وقرأ أبو عمرو بإدغام الراء في اللام والباقون بإظهارها. وأظهر الباءَ قبل الميم هنا ابن كثير بخلافٍ عنه، وورش عن نافع، والباقون بالإِدغم. وقد طَعَن قومٌ على قراءةِ أبي عمرو لأنَّ إدغام الراءِ في اللام عندهم ضعيفٌ.
قال الزمخشري:» فإنْ قلت: «كيف يَقْرأ الجازم» ؟ قلت: يُظْهِر الراءَ ويُدْغِم الباء، ومُدْغِمُ الراءِ في اللامِ لا حنٌ مخطىء خطأً فاحشاً، وراويه عن أبي عمروٍ مخطىءٌ مرتين، لأنه يَلْحَنُ ويَنْسُبُ إلى أعلمِ الناس بالعربية ما يؤُذن بجهلٍ عظيم، والسببُ في هذه الروايات قلةُ ضبطِ الرواة، وسببُ قلةِ الضبطِ قلةُ الدراية، ولا يَضْبِط نحوَ هذا إلا أهلُ النحو «قلت: وهذا من أبي القاسم غير مَرْضِيٍّ، إذ القُرَّاء مَعْنِيُّون بهذا الشأن، لأنهم تَلقَّوا عن شيوخهم الحرفَ بعد الحرفِ، فكيف يَقِلُّ ضبطُهم؟ وهو أمرٌ يُدْرَكُ بالحسِّ السمعي، والمانعُ من إدغام الراءِ في اللامِ والنونِ هو تكريرُ الراءِ وقوتها، والأقوى لا يدغم في الأضعف، وهذا مَذهبُ البصريين: الخليل وسيبويه ومَنْ تَبِعهما، وأجاز ذلك الفراء والكسائي والرؤاسي ويعقوب الحضرمي ورأسُ البصريين أبو عمرو، وليس قولُه:» إن هذه الروايةَ غَلَطٌ عليه «بمُسَلَّم. ثم ذكر الشيخ نقولاً عن القراء كثيرةً هي منصوصة في كتبهم، فلم أرَ لذكرها هنا فائدةً، فإنَّ مجموعها مُلَخَّصٌ فيما ذكرته، وكيف يُقال إن الراوي ذلك عن
стр. 1425
أبي عمروٍ مخطىءٌ مرتين، ومن جملة رُواته اليزيديُّ إمامُ النحوِ واللغةِ، وكان ينازع الكسائي رئاسته، ومحلُّ مشهور بين أهلِ هذا الشأن.
стр. 1426
قوله تعالى: ﴿والمؤمنون﴾ : يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: أنه مرفوعٌ بالفاعليةِ عطفاً على «الرسول» فيكونُ الوقفُ هنا، ويَدُّلُّ على صحةِ هذا ما قرأ به أمير المؤمنين عليُّ ابن أبي طالب: «وآمن المؤمنون» ، فَأَظْهَر الفعلَ، ويكون قولُه: «كلُّ آمَن» جملةً من مبتدأٍ وخبر يَدُلُّ على أنَّ جميعَ مَنْ تقدَّم ذكرُه آمَنَ بما ذكر. والثاني: أن يكون «المؤمنون» مبتدأً، و «كلٌّ» مبتدأٌ ثانٍ، و «آمن» خبرٌ عَنْ «كل» وهذا المبتدأ وخبرُه خبرُ الأولِ، وعلى هذا فلا بُدَّ من رابطٍ بين هذه الجملةِ وبين ما أخبر بها عنه، وهو محذوفٌ تقديرُه: «كلُّ منهم» وهو كقولهم: «السَّمْنُ منوانِ بدرهم» تقديرُه: منوانِ منه. قال الزمخشري: «والمؤمنون إْن عُطِفَ على الرسول كان الضميرُ الذي التنوينُ نائبٌ عنه في» كل «راجعاً إلى» الرسول «و» المؤمنون «أي: كلهم آمن بالله وملائكتِه وكتبهِ ورسلِه من المذكورين ووُقِفَ عليه، وإن كان مبتدأ كان الضميرُ للمؤمنين» .
فإن قيل: هل يجوزُ أَنْ يكون «المؤمنون» مبتدأ، و «كلٌ» تأكيدٌ له، و «آمن» خبرُ هذا المبتدأ، فالجوابُ أنَّ ذلك لا يجوزُ لأنهم نَصُّوا على أنَّ «كُلاَّ» وأخواتِها لا تَقَعُ تأكيداً للمعارف إلا مضافةً لفظاً لضميرِ الأول، ولذلك رَدُّوا قولَ مَنْ قال: «إنَّ كُلاَّ في قراءة من قرأ: ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَآ﴾ [غافر: ٤٨] تأكيدٌ لاسم إنَّ.
стр. 1427
وقرأ الأخَوَان هنا» وكتابِه «بالإِفراد والباقون بالجمعِ. وفي سورة التحريم قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم بالجمعِ والباقون بالإِفراد. فتلخَّص من ذلك أنَّ الأخوين يقرآن بالإِفراد في الموضعين، وأنَّ أبا عمرو وحفصاً يقرآن بالجمعِ في الموضعين، وأنَّ نافعاً وابن كثير وابن عامر وأبا بكر عن عاصم قرؤوا بالجمعِ/ هنا وبالإِفرادِ في التحريم.
فأمَّا الإِفرادُ فإنه يُراد به الجنسُ لا كتابٌ واحدٌ بعينِه، وعن ابن عباس:» الكتاب أكثر من الكتب «قال الزمخشري:» فإنْ قلت: كيف يكون الواحدُ أكثرَ من الجمع؟ قلت: لأنه إذا أُريد بالواحدِ الجنسُ، والجنسيةُ قائمةٌ في وحدات الجنس كلِّها لم يَخْرُجْ منه شيء، وأمَّا الجمعُ فلا يَدْخُل تحته إلاَّ ما فيه الجنسية من الجموع «. قال الشيخ:» وليس كما ذكر لأنَّ الجمعَ متى أُضِيف أو دَخَلَتْه الألفُ واللامُ [الجنسية] صارَ عامَّاً، ودلالةُ العامِّ دلالةٌ على كلِّ فردٍ فردٍ، فلو قال: «أَعْتَقْتُ عبيدي» لشمل ذلك كلَّ عبدٍ له، ودلالةُ الجمعِ أظهرُ في العموم في الواحدِ سواءً كانت فيه الألفُ واللامُ أو الإضافةُ، بل لا يُذْهَبُ إلى العموم في الواحدِ إلاَّ بقرينةٍ لفظيةٍ كَأَنْ يُسْتَثْنَى منه أو يوصفَ بالجمعِ نحو:
﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ [العصر: ٢] «أهلك الناسَ الدينارُ الصُّفر والدرهم البيض» أو قرينةٍ معنويةٍ نحو: «نيَّةُ المؤمنِ أبلغُ مِنْ عملِه» وأقصى حالِهِ أن يكونَ مثلَ الجمعِ العامِّ إذا أريد به العمومُ «قلت: للناس خلافٌ في الجمعِ المحلَّى بأَلْ أو المضافِ: هل عمومُه بالنسبةِ إلى مراتبِ الجموعِ أم إلى أعمَّ من ذلك، وتحقيقُه في علم الأصول.
стр. 1428
قال الفارسي:» هذا الإِفرادُ ليس كإفراد المصادر وإنْ أريدَ بها الكثيرُ كقوله تعالى: ﴿وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان: ٢٤] ولكنه كما تُفْرَدُ الأسماءُ التي يُرَاد بها الكثرةُ نحو: كَثُرَ الدينارُ والدرهمُ، ومجيئها بالألف واللامِ أكثرُ من مجيئها مضافةً، ومن الإِضافةِ: ﴿وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] وفي الحديث: «مَنَعَتِ العراقُ درهمَها وقَفِيزها» يُراد به الكثيرُ، كما يُراد بما فيه لامُ التعريفُ «. قال الشيخ:» انتهى ملخصاً، ومعناه أنَّ المفردَ المحلَّى بالألفِ واللامِ يَعُمُّ أكثرَ من المفردِ المضافِ «.
قلت: وليس في كلامه ما يدُلُّ على ذلك البتةَ، إنما فيه أنَّ مجيئها في الكلامِ مُعَرَّفةً بأل أكثرُ من مجيئها مضافةً، وليس فيه تَعَرُّضٌ لكثرةِ عمومٍ ولا قِلَّتِهِ.
وقيل: المرادُ بالكتابِ هنا القرآن فيكونُ المرادُ الإِفرادَ الحقيقي. وأمَّا الجمعُ فلإِرادةِ كلِّ كتابٍ، إذ لا فرق بين كتابٍ وكتابٍ، وأيضاً فإنَّ فيه مناسبةً لِما قبلَه وما بعدَه من الجمعِ.
ومَنْ قَرَأ بالتوحيدِ في التحريم فإنما أراد به الإِنجيلَ كإرادة القرآن هنا، ويجوزُ أن يُرادَ به أيضاً الجنسُ. وقد حَمَل على لفظ» كُل «في قوله:» آمن «فَأَفْرَدَ الضميرَ وعلى معناه فجمع في قوله:» وقالوا سَمِعْنَا «. قال الزمخشري:» ووحَّد ضمير «كل» في «آمَنَ» على معنى: كُلُّ واحدٍ منهم آمَنَ، وكان يجوزُ أن يُجْمَعَ كقولِه تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] .
стр. 1429
وقرأ يَحْيى بن يَعْمر - ورُويت عن نافع - «وكُتْبِهِ ورُسْلِهِ» بإسكانِ العينِ فيهما. ورُوي عن الحسن وأبي عمرو تسكينُ سين «رُسْله» .
قوله: ﴿لاَ نُفَرِّقُ﴾ هذه الجملةُ منصوبةٌ بقولٍ محذوف تقديرُه: يقولون لا نُفرِّق، ويجوز أن يكونَ التقديرُ: يقول، يعني يجوزُ أَنْ يراعى لفظُ «كل» تارةً ومعناها أخرى في ذلك القولِ المقدرِ، فَمَنْ قَدَّر «يقولون» راعى معناها، وَمَنْ قدَّر «يقول» راعى لفظَها، وهذا القَولُ المضمرُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ ويجوزُ أَنْ يكونَ في محلِّ رفعٍ لأنه خبرٌ بعد خبرٌ، قاله الحوفي.
والعامَّةُ على «لا نفرِّقُ» بنون الجمعِ. وقرأ ابن جبير وابن يعمر وأبو زرعة ويعقوب، ورُويت عن أبي عمرو أيضاً: «لا يُفَرِّقُ» بياء الغيبة حملاً على لفظ «كل» .
وروى هارون أن في مصحف عبد الله «لا يُفَرِّقون» بالجمعَ حَمْلا على معنى «كل» ، وعلى هاتين القراءتين فلا حاجةَ إلى إضمارِ قولٍ، بل الجملةُ المنفيةُ بنفسِها: إمَّا في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وإمَّا في محلِّ رفعٍ خبراً ثانياً كما تقدَّم في ذلك القولِ المضمرِ.
قوله: ﴿بَيْنَ أَحَدٍ﴾ متعلِقٌ بالتفريقِ، وأُضيف «بين» إلى أحد وهو مفرد، وإنْ كان يقتضي إضافَتَه إلى متعدد نحو: «بين الزيدين» أو «بين زيد وعمرو» ، ولا يجوزُ «بين زيد» ويَسْكُت: إمَّا لأنَّ «أحداً» في معنى العموم وهو «أحد» الذي لا يُسْتعمل إلا في الجَحْد ويُراد به العمومُ، فكأنه قيل: لا نفرِّقُ بين
стр. 1430
الجميعِ من الرسل. قال الزمخشري: كقوله: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] ، ولذلكَ دَخَل عليه «بين» وقال الواحدي: «وبين» تقتضي شيئين فصاعداً، وإنما جاز ذلك مع «أحد» وهو واحدٌ في اللفظِ، لأنَّ «أحداً» يجوزُ أَنْ يُؤَدَّى عن الجميعِ، قال الله تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ وفي الحديث: «ما أُحِلَّتْ الغنائمُ لأحدٍ سودِ الرؤوسِ غيرِكم» يعني فوصَفَه بالجمع، لأنَّ المرادَ به جمعٌ. قال: «وإنَّما جازَ ذلكَ لأن» أحداً «ليس كرجل يجوز أن يُثَنَّى ويُجْمع، وقولُك:» ما يفعل هذا أحدٌ «تريد ما يفعلُه الناسُ كلُّهم، فلمٌا كان» أحد «يؤدَّى عن الجميع جاز أَنْ يُسْتعمل معه لفظُ» بَيْن «وإنْ كان لا يجوز أَنْ تقولَ:» لا نفرِّقُ بين رجلٍ منهم «.
قلت: وقد رَدَّ بعضُهم هذا التأويلَ فقال:» وقيل إنَّ «أحداً» بمعنى جميع، والتقديرُ: بين جميعِ رسلهِ «ويَبْعُدُ عندي هذا التقديرُ، لأنه لا ينافي كونَهم مفرِّقين بين بعضِ الرسلِ، والمقصودُ بالنفي هو هذا؛ لأن اليهود والنصارى ما كانوا يُفَرِّقون بين كلَّ الرسلِ بل البعضُ. وهو محمد ﷺ فَثَبَت أنَّ التأويل الذي ذكروه باطلٌ، بل معنى الآية: لا نفرِّق بين أحدٍ من رسلهِ وبين غيرهِ في النبوة، وهذا وإنْ كان في نفسه صحيحاً إلا أنَّ القائلين بكونِ» أحد «بمعنى جميع، وإنما يريدون في العمومِ المُصَحِّح لإِضافة» بين «إليه/، ولذلك يُنَظِّرونه بقولِه تعالى: ﴿فَمَا مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ﴾ وبقوله:
١١٤٦ - إذا أمورُ الناسِ دِيكَتْ دُوْكاً ... لا يَرْهَبُون أحداً رَأَوْكا
فقال:» رَأَوْكَ «اعتباراً بمعنى الجميعِ المفهومِ من» أحد «.
стр. 1431
وأمَّا لأن ثَمَّ معطوفاً محذوفاً لدلالةِ المعنى عليه، والتقديرُ:» لا نفرِّقُ بين أحدٍ من رسلهِ وبين أحدٍ، وعلى هذا فأحد هنا ليس الملازمَ للجحدِ ولا همزتُه أصليةٌ بل هو «أحد» الذي بمعنى واحد وهمزتُه بدلٌ من الواو، وحَذْفُ المعطوفِ كثيرٌ جداً [نحو] :
﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، [وقوله] :
١١٤٧ - فما كانَ بين الخيرِ لو جاءَ سالماً ... أبو حُجُرٍ إلاَّ ليالٍ قلائِلُ
أي: بينَ الخيرِ وبيني.
و «مِنْ رسله» في محلِّ جرٍ لأنه صفةٌ ل «أحد» ، و «قالوا» عطفٌ على «آمَنَ» ، وقد تقدَّم أنه حَمَل على معنى «كُل» .
قوله: ﴿غُفْرَانَكَ﴾ منصوبٌ: إمَّا على المصدريةِ. قال الزمخشري: «منصوبٌ بإضمارِ فعلِه، يقال:» غفرانَك لا كُفْرانَك «أي: نَسْتغفرك ولا نَكْفرك» فقدَّره جملةً خبريةً، وهذا ليس مذهبَ سيبويه، إنما مذهبُه تقديرُ ذلك بجملةٍ طلبية كأنه قيل: «اغفْر غفرانَك» . ونَقَلَ ابنُ عطيَة هذا قولاً عن الزجاج، والظاهر أنَّ هذا من المصادرِ اللازمِ إضمارُ عاملِها لنيابتِها عنه، وقد اضطربَ فيها كلامُ ابن عصفور، فَعَدَّها تارةً مع ما يلزمُ فيه إضمارُ الناصبِ نحو: «سبحانَ الله ورَيْحَانَه» ، و «غفرانَك لا كفرانكَ» ،
стр. 1432
وتارةً مع ما يجوزُ إظهارُ عاملهِ. والطلبُ في هذا البابِ أكثرُ، وقد تقدَّم لك نحوٌ من هذا في أولِ الفتحة.
والمصير: اسمُ مصدرٍ مِنْ صارَ يصير أي: رَجَعَ، وقد تقدَّم لك في قوله: ﴿المحيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] أنَّ في المَفْعِل من الفعلِ المعتلِّ العينِ بالياءِ ثلاثةَ مذاهبَ وهي: جريانُه مَجْرَى الصحيح، فيُبْنى اسمُ المصدرِ منه على مَفْعَل بالفتح، والزمانُ والمكانُ بالكسرِ نحو: ضَرَبَ يَضْرِبَ مَضْرِباً، أو يُكْسَرُ مطلقاً، أو يُقْتَصَرُ فيه على السَّماعِ فلا يَتَعَدَّى وهو أعدلُهَا، ويُطلَق المصيرُ على المعنى، ويُجْمَعُ على مُصْران كرغيفَ ورُغْفان، ويُجْمَع مُصْران على مَصارين.
стр. 1433
قوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ : «وُسْعَها» مفعولٌ ثانٍ. وقال ابنُ عطية: «يُكَلِّفُ» يتعدَّى إلى مفعولَيْنِ، أحدُهما محذوفٌ، تقديرُه: عبادةً أو شيئاً «. قال الشيخ:» إن عَنى أنَّ أصلَه كذا فهو صحيحٌ، لأنَّ قولَه: «إلاَّ وُسْعَها» استثناءٌ مفرغٌ من المفعولِ الثاني، وإنْ عَنَى أنَّه محذوفٌ في الصناعة فليس كذلك، بل الثاني هو «وُسْعَها» نحو: وما أعطَيْتُ زيداً إلا درهماً «و» ما ضربْتُ إلا زيداً «هذا في الصناعة هو المفعولُ وإن كان أصلُه: ما أعطيت زيداً شيئاً إلاّ درهماً» . والوُسْعُ: ما يَسَعُ الإِنسانَ، ولا يَضِيقُ عليه، ولا يَخْرج منه.
وقرأ ابنُ أبي عَبْلَة: «إلا وَسِعَها» جَعَلَه فعلاً ماضياً، وخَرَّجُوا هذه القراءةَ على أنَّ الفعلَ فيها صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ تقديرُه: «إلاَّ ما وَسِعَها»
стр. 1434
وهذا الموصولُ هو المفعولُ الثاني كما كان «وُسْعَها كذلك في قراءةِ العامةِ، وهذا لا يجوزُ عند البصريين، بل عند الكوفيين، على أنَّ إضمارَ مثلِ هذا الموصولِ ضعيفٌ جداً إذ لا دلالةَ عليه، وهذا بخلافِ قولِ الآخر:
١١٤٨ - ما الذي دَأْبُه احتياطٌ وحَزْمٌ ... وهواهُ أَطاعَ يَسْتَوِيان
وقول حسان أيضاً:
١١٤٩ - أَمَنْ يَهْجُو رسولَ الله منكم ... ويَمْدَحُه ويَنْصُرُه سَواءٌ
وقد تقدَّم تحقيقُ هذا. وهل لهذه الجملة محلٌّ من الإِعراب أم لا؟ الظاهرُ الثاني لأنها سِيقَتْ للإِخبارِ بذلك، وقيل: بل محلُّها نصبٌ عطفاً على» سَمِعْنا «و» أَطَعْنَا «أي: وقالوا أيضاً: لا يُكَلِّفُ اللهُ نفساً. وقد خُرِّجَتْ هذه القراءةُ على وجهٍ آخرَ: وهو أَنْ تَجْعَلَ المفعولَ الثاني محذوفاً لفَهْمِ المعنى، وتَجْعَلَ هذه الجملة الفعلية في محلِّ نصبٍ صفةً لهذا المفعولِ، والتقديرُ: لا يُكَلِّفُ اللهُ نفساً شيئاً إلاَّ وَسِعَها. قال ابن عطية: وفي قراءةِ ابن أبي عبلة تَجَوُّزٌ لأنه مقلوبٌ، وكان وجهُ اللفظِ: إلا وَسِعَتْه كما قال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض﴾ [البقرة: ٢٥٥] ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [طه: ٩٨] ، ولكن يجيءُ هذا من باب:» أَدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رأسي «.
قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾ هذه الجملةُ لا محلَّ لها لاستئنافِها وهي كالتفسيرِ لِما قبلها؛ لأنَّ عَدَم مؤاخذتِها بكسْبِ غيرِها واحتمالَها ما حَصَّلَتْهُ هي فقط من
стр. 1435
جملةِ عدمِ تكليفِها بما لا تَسَعُه. وهل يظهرُ بين اختلافِ لفظَيْ فعلِ الكسبِ معنىً أم لا؟ فقال بعضُهم: نعم، وفَرَّقَ بأنَّ الكسبَ أَعَمُّ، إذ يقال:» كَسَب «لنفسِه ولغيرِه» ، و «اكتسب» أخصُّ؛ إذ لا يقال: «اكتسب لغيرِه» وأنشدَ قولَ الحطيئة:
١١٥٠ - أَلْقَيْتَ كاسِبَهم في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويقال: هو كاسبُ أهلهِ، ولا يُقالُ: مكتسبُ أهلِه.
وقال الزمخشري: «فإنْ قلت: لِمَ خَصَّ الخيرَ بالكَسْب والشرَّ بالاكتسابِ؟ قلت: في الاكتساب اعتمالٌ، ولمَّا كان الشرُّ مِمَّا تَشْتهيه النفسُ وهي منجذبةٌ إليه وأمَّارةٌ به كانَتْ في تحصيلهِ أَعْمَلَ وآجَدَ فَجُعِلَتْ لذلك مكتسبةً فيه، ولمَّا لم تكنْ كذلكَ في بابِ الخيرِ وُصِفَتْ بما لا دلالةَ فيه على الاعتمالِ» .
وقال ابنُ عطية: «وكَرَّر فعلَ الكسبِ فَخَالَفَ بين التصريف حُسْناً لنمطِ الكلامِ، كما قال تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: ١٧] هذا وجهٌ، والذي يَظْهَرُ لي في هذا أنَّ الحسناتِ هيَ مما يُكْسَبُ دونَ تكلُّفٍ، إذ كاسبُها على جادَّةِ أمرِ الله ورَسْمِ شَرْعِهِ، والسيئاتُ تكتسب ببناء المبالَغَة، إذ كاسبُها يَتَكَّلفُ في أَمرِها خَرْقَ حجابِ نَهْيِ الله تعالى، ويَتجاوَزُ إليها/ فَحَسُنَ في الآية مجيءُ التصريفَيْنِ إحرازاً لهذا المعنى» . وقال بعضُهم: «لا فَرْقَ، وقد
стр. 1436
جاء القرآن بالكسب والاكتساب في موردٍ واحدٍ. قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] . وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، وقال تعالى: ﴿بِغَيْرِ مَا اكتسبوا﴾ [الأحزاب: ٥٨] فقد استعمل الكَسْب والاكتسابَ في الشرِّ» .
وقال أبو البقاء: «وقال قومٌ:» لا فَرْقَ بينهما، وذكر نحواً مِمَّا تقدَّم. وقال آخرون: «افتْعَلَ يَدُلُّ على شدَّة الكَلَفِة. وفعلُ السيئة شديدٌ لِما يَؤُول إليه» . وقال الواحدي: «الصحيحُ عند أهلِ اللغة أن الكسبَ والاكتسابَ واحدٌ لا فرقَ بينهما، قال ذو الرمة:
١١٥١ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ألفَى أباه بذاك الكسبِ يَكْتَسِبُ
قلت: وإنما أَتى في الكسبِ باللامِ وفي الاكتسابِ ب» على «؛ لأنَّ اللامَ تقتضي المِلْكَ والخيرَ يُحَبُّ ويُسَرُّ به، فجيء معه بما يَقْتَضِي المِلْكُ، ولَمَّا كان الشرُّ يُحْذَرُ وهو ثِقَلٌ ووِزْرٌ على صاحبهِ جِيءَ معه ب» على «المقتضيةِ لاستعلائِهِ عليه.
وقال بعضَهم:» فيه إيذانٌ أَنَّ أَدْنى فعلٍ من أفعالِ الخير يكونُ للإنسان تكرُّماً من اللهِ على عبدهِ حتى يصلَ إليه ما يفعلُهُ معه ابنُ من غيرِ علمِه به،
стр. 1437
لأنه من كسبهِ في الجملةِ، بخلافِ العقوبةِ فإنه فا يُؤَاخَذُ بها إلا مَنْ جَدَّ فيها واجتهَدَ «. وهذا مبنيٌّ على القولِ بالفرق بين البنائين وهو الأظهرُ.
قوله: ﴿لاَ تُؤَاخِذْنَا﴾ يُقْرأ بالهمزةِ وهو من الأخْذ بالذَّنْبِ، ويُقْرَأُ بالواوِ، ويَحْتمل وجهين، أحدُهما: أَنْ يكونَ مِن الأخْذِ أيضاً، وإنما أُبْدِلَتِ الهمزةُ واواً لفتحِها وانضمامِ ما قبلها، وهو تخفيفٌ قياسي، ويَحْتمل أَنْ يكونَ من: واخذه بالواو، قاله أبو البقاء: وجاء هنا بلفظِ المفاعلةِ وهو فعلُ واحدٍ، لأنَّ المسيءَ قد أَمْكَنَ من نفسِه وطَرَقَ السبيلَ إليها بفعله، فكأنه أعانَ مَنْ يعاقِبُه بذَنْبِه، ويأخذُ به على نفسِه فَحَسُنَتْ المفاعَلَةُ. ويجوزُ أَنْ يكونَ من بابِ: سافرت وعاقبت وطارقت.
وقرأ أُبَيّ:» ربَّنا ولا تُحَمِّلْ علينا إصْراً «بتشديد الميم.
قال الزمخشري: «فإنْ قلت: أَيُّ فرق بين هذه الشديدةِ والتي في» ولا تُحَمِّلْنا؟ قلت: هذه للمبالغةِ في حَمَّل عليه، وتلك لنقل «حَمَلَه» من مفعولٍ واحدٍ إلى مفعولَيْن «. انتهى يعني أنَّ التضعيفَ في الأولِ للمبالغةِ ولذلك لم يتعدَّ إلا لمفعولٍ واحدٍ، وفي الثانيةِ للتعدية، ولذلك تعدَّى إلى اثنين أولُهما» ن «والثاني ﴿مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ .
والإِصْرُ: في الأصل الثِّقَلُ والشِّدَّة. وقال النابغة:
١١٥٢ - يا مانعَ الضَّيْمِ أَنْ يَغْشَى سَرَاتَهُمُ ... والحاملَ الإِصرِ عنهم بعد ما عَرِقُوا
стр. 1438
وأُطْلِقَ على العهدِ والميثاقِ لِثِقَلِهما، كقولِه تعالى: ﴿وَأَخَذْتُمْ على ذلكم إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] أي: عَهْدِي. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] أي: التكاليف الشاقة ثم يُطْلَقُ على كل ما يَثْقُل، حتى يُرْوى عن بعضِهم أنه فسَّر الإِصرَ هنا بشماتةِ الأعداءِ وأنشد:
١١٥٣ - أَشْمَتَّ بيَ الأعداءَ حينَ هَجَرْتَني ... والموتُ دونَ شماتةِ الأَعْدَاءِ
ويقال: الإِصْرُ أيضاً: العَطْفُ والقَرابةُ، يُقال:» ما يَأْصِرُني عليه آصِرَةٌ «أي: ما يَعْطِفُني عليه قرابةٌ ولا رَحِمٌ، وأنشد للحطيئة:
١١٥٤ - عَطَفُوا عليَّ بغير آ ... صِرَةٍ فقد عَظُمَ الأواصِرْ
وقيل: الإِصرُ: الأمرُ الذي تُرْبَطُ به الأشياءُ، ومنه» الإِصارُ «للحبلِ الذي تُشَدُّ به الأحْمَال، يقال: أَصَرَ يأصِرُ أَصْراً بفتحِ الهمزةِ، فأما بكسرها فهو اسمٌ. ويُقال بضمِّها أيضاً، وقد قُرىء به شاذاً:
وقرأ أُبَيّ: ﴿وَلاَ تُحَمِّل عَلَيْنَآ﴾ بالتشديدِ مبالغةً في الفِعْلِ.
والطاقَةُ: القُدْرَةُ على الشيءِ وهي في الأصلِ، مصدرٌ، جاءَتْ على حَذْفِ الزوائدِ، وكان مِنْ حقِّها» إطاقة «لأنها من أَطَاق، ولكن شَذَّتْ كما شَذَّتْ أُلَيفْاظٌ نحو: أَغار غارةً، وأَجابَ جابةً، قالوا:» ساء سمعاً فساءَ
стр. 1439
جابة «؛ ولا ينقاسُ فلا يُقال: طال طالة. ونظيرُ أجابَ جابةً: ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] وأعطى عَطاءً في قوله:
١١٥٥ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وبعدَ عطائِك المئةَ الرِّتاعا
وقولُه تعالى: ﴿مَوْلاَنَا﴾ والمَوْلَى: مَفْعَل من وَلِي يَلِي، وهو هنا مصدر يُرادُ به الفاعلُ، فيجوز أن يكونَ على حَذْفِ مضافٍ أي: صاحِبُ تولِّينا أي: نُصْرتِنا ولذلك قال:» فانصُرْنا «، والمَوْلَى يجوزُ أَنْ يكونَ اسمَ مكانٍ ايضاً واسمَ زمانٍ.
وقوله تعالى: ﴿فانصرنا﴾ أتى هنا بالفاء إعلاماً بالسببيةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لمَّا كانَ مولاهم ومالكَ أمورِهم وهو مُدَبِّرُهم تَسَبَّب عنه أَنْ دَعَوْه بأن يَنصُرَهم على أعدائِِهم كقولِك» أنت الجوادُ فتكرَّمْ عليَّ وأنت البطلُ فاحْمِ حَرَمَك «.
وقد اشتملَتْ هذه السورةُ على أنواع كثيرةٍ من العلومِ، تقدَّم التبيهُ على غالبِها، والذكيُّ مستغنٍ عن التصريحِ بالتلويحِ.
стр. 1440
قد تقدَّم الكلامُ على هذا مشعباً، ولكنْ نَقَل الجرجانيُّ هنا أن «ألم» إشارةٌ إلى حروفِ المعجمِ كأنه يقول: هذه الحروفُ كتابُك أو نحوُ هذا، ويدلُّ: ﴿لا إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب﴾ [آل عمران: ٢-٣] على ما تَرَكَ ذِكْرَه من خبرِ هذه الحروفِ، وذلك في نَظْمِه مثلُ قولِه تعالى: ﴿أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ﴾ [الزمر: ٢٢] وتركَ الجوابَ لدلالةِ قولِه: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله﴾ [الزمر: ٢٢] عليه تقديرُه: كَمَنْ قسا قلبُه، ومنه قَولُ الشاعر:
١ ١٥٦ - فلا تَدْفِنوني إنَّ دَفْني مُحَرَّمٌ ... عليكم ولكنْ خامِري أمُّ عامرِ
أي: ولكن اتركوني للتي يقال لها «خامري أم عامر» . انتهى.
قال ابنُ عطية: يَحْسُن في هذا القول - يعني قولَ الجرجاني - أن
следующие страницы →