← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

فإن قيل: هل يجوز أن تكونَ «ما» هذه شرطيةً؟ فالجواب أن الزمخشري وابن عطية منعا من ذلك، وجَعَلا علة المنع عدم [جزم] الفعل الواقع جواباً وهو «تودُّ» ، وهذا ليس بشيءٍ، لأنَّ الناس نَصُّوا علىأنه إذا وقع فعلُ الشرط ماضياً والجزاء مضارعاً جاز في ذلك المضارع وجهان: الجزمُ والرفع، وقد سُمعا من لسان العرب، ومنه بيت زهير: ١٢٣١ - وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ ... يقولُ لا غائِبٌ مالي ولا حَرِمُ ومن الجزم قولُه تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ﴾ [هود: ١٥] ، ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى: ٢٠] فدَّل ذلك على أن المانعَ من شرطيتها ليس هو رفع «تود» ، وأجاب الشيخ بانها ليست شرطيةً لا لما ذكره الزمخشري وابن عطية بل لعلةٍ أخرى. ولنذكر هنا ما ذكره قال: «كنت سُئِلْتُ عن قول الزمخشري» فذكره ثم قال: «ولنذكر ههنا ما تمسُّ إليه الحاجةُ بعد أن نُقَدِّم ما ينبغي تقديمُه في هذه المسألة فنقول: إذا كان فعلُ الشرط ماضياً وبعده مضارعٌ تَتِمُّ به جملة الشرط والجزاء جازَ في ذلك المضارعِ الجزمُ وجاز فيه الرفعُ، مثال ذلك:» إن قام زيد يقمْ ويقومُ وعمرو «فأما الجزم فعلى جواب الشرط، ولا نعلم في ذلك خلافاً وأنه فصيحٌ إلا ما ذكره صاحب كتاب» الإِعراب «عن بعض النحويين

стр. 1577

أنه لا يجيء في الكلامِ الفصيح، وإنما يجيء مع» كان «كقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ﴾ لأنها أصل الأفعالِ ولا يجوز ذلك مع غيرها، وظاهر كلام سيبويه وكلامِ الجماعة أنه لا يختصُّ ذلك ب» كان «بل سائرُ الأفعال في ذلك مثلُ» كان «، وأنشد سيبويه للفرزدق: ١٢٣٢ - دَسَّتْ رسولاً بأنَّ القوم إنْ قَدَروا ... عليك يَشْفُوا صدرواً ذاتَ توْغيرِ وقال أيضاً: ١٢٣٣ - تَعَشَّ فإنْ عاهَدْتني لا تخونُني ... نكنْ مثلَ مَنْ يا ذئبُ يصطحبان وأما الرفع فإنه مسموعٌ من لسان العرب كثيراً، وقال بعضُ أصحابنا: هو أحسنُ من الجزم، ومنه بيتُ زهير السابق إنشادُه، ومثله أيضاً قولُه: ١٢٣٤ - وإنْ شُلَّ رَيْعانُ الجميعِ مخافةً ... نَقُولُ جِهارا وَيْلَكم لا تُنَفِّروا وقولُ أبي صخر: ١٢٣٥ - ولا بالذي إنْ بان عنه حبيبُه ... يقولُ ويُخْفي الصبرَ إني لجازعُ وقال آخر: ١٢٣٦ - وإن بَعُدُوا لا يأمَنُون اقترابَه ... تَشَوُّفَ أهلِ الغائبِ المُتَنَظَّرِ

стр. 1578

وقال آخر: ١٢٣٧ - فإنْ كان لا يُرضيك حتى تَردَّني ... إلى قطريٍّ لا إخالُك راضياً وقال آخر: ١٢٣٨ - إنْ يَسْألوا الخيرَ يُعْطُوه وإنْ خَبِروا ... في الجَهْد أُدْرِكُ منهم طيبُ أَخْبارِ قلت: هكذا ساق هذا البيت في جملة الأبيات الدالةِ على رفع المضارع، ويدل على قصده ذلك أنه قال بعد إنشاده هذه الأبياتَ كلَّها: «فهذا الرفع كما رأيتُ كثيرٌ» انتهى، وهذا البيت ليس/ من ذلك في وِرْدٍ ولا صَدْر لأن [المضارع فيه مجزومٌ وهو «يُعْطُوه» وعلامة جزمِه سقوط النون فكان ينبغي] أن ينشده حين أنشد: «دَسَّت رسولاً» وقوله: «تَعالَ فإن عاهَدْتني» البيتين. ثم قال: «فهذا الرفعُ كثير كما رأيتَ، ونصوص الأئمة على جوازِهِ في الكلامِ وإن اختلفتْ تأويلاتُهم كما سنذكره، وقال صاحبنا أبو جعفر أحمد ابن عبد النور بن رشيد المالَقي وهو مصنف كتاب» رصف المباني «﵀:» لا أعلم منه شيئاً «جاء في الكلام، وإذا جاء فقياسُهُ الجَزْمُ، لأنه أصلُ العملِ

стр. 1579

في المضارعِ، تقدَّم الماضي أو تأَخَّر» ، وتأوَّل هذا المسموعَ على إضمارِ الفاء وَجَعَلَهُ مثلَ قول الشاعر: ١٢٣٩ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... إنَّك إِنْ يُصْرَعْ أخوك تُصْرَعُ على مذهب مَنْ جعل أن الفاء منه محذوفةٌ. وأمَّا المتقدمون فاختلفوا في تخريج الرفع: فذهب سيبويه إلى أن ذلك على سبيل التقديم وأن جواب الشرط ليس مذكوراً عنده. وذهب المبرد والكوفيون إلى أنه هو الجواب. وإنما حُذِفَتْ منه الفاء، والفاءُ ما بعدها كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] ، فأُعْطِيَتْ في الإِضمار حكمَها في الإِظهار. وذهب غيرهما إلى أن المضارعَ هو الجواب بنفسه أيضاً كالقولِ قبله، إلا أنه ليس معه فاءٌ مقدّرة قالوا: لكنْ لمّا كان فعلُ الشرط ماضياً لا يظهر لأداة الشرط فيه عملٌ ظاهر استضعفوا أداةَ الشرط فلم يُعْملوها في الجواب لضعفها، فالمضارعُ المرفوعُ عند هذا القائلِ جوابٌ بنفسه من غير نيَّة تقديم ولا على إضمار الفاء، وإنما لم يُجْزَم لِما ذُكِرَ، وهذا المذهب والذي قبله ضعيفان. وتلخص من هذا الذي قلناه أنَّ رَفْعَ المضارع لا يمنع أن يكون ما قبله شرطاً لكن امتنع أن يكونَ «وما عملت» شرطاً لعلة أخرى، لا لكون «تود»

стр. 1580

مرفوعاً، وذلك على ما نقرره على مذهب سيبويه من أن النيةَ بالمرفوعِ التقديمُ، ويكون إذ ذاك دليلاً على الجوابِ لا نفسَ الجواب فنقول: إذا كان «تود» منويّاً به التقديمُ أدَّى إلى تقدُّم المضمر على ظاهره في غير الأبواب المستثناة في العربية، ألا ترى أن الضمير في قوله «وبينه» عائدٌ على اسمِ الشرط الذي هو «ما» فيصيرُ التقدير: «تود كلُّ نفسٍِ لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً ما عَمِلت من سوء» فَلَزِمَ من هذا التقديرِ تقديمُ المضمر على الظاهر وذلك لا يجوز. فإن قلت: لِمَ لا يجوز ذلك والضميرُ قد تأخَّر عن اسم الشرط وإن كانت النيةُ به التقديمَ، فقد حَصَلَ عَوْدُ الضميرِ على الاسم الظاهرِ قبله، وذلك نظيرُ: «ضربَ زيداً غلامهُ» فالفاعلُ رتبته التقديم ووجب تأخُّره لصحةِ عَوْدِ الضمير؟ فالجواب أن اشتمالَ الدليل على ضميرِ اسم الشرط يوجب تأخيرَه عنه لعَوْدِ الضمير فيلزَمُ من ذلك اقتضاءُ جملة الشرط لجملة الدليل، وجملةُ الشرط إنما تقتضي جملةَ الجزاء لا دليلَه، ألا ترى أنها ليست بعاملة في جملة الدليل، بل إنها تعمل في جملة الجزاء، وجملةُ الدليل لا موضعَ لها من الإِعراب، وإذا كان كذلك تدافعَ الأمرُ، لأنها من حيثُ هي جملةُ دليلٍ لا يقتضيها فعلُ الشرط، ومن حيث عَوْدُ الضميرِ على اسم الشرط اقتضاها فتدافَعا، وهذا بخلافِ «ضرب زيداً غلامهُ» فإنها جملةٌ واحدة، والفعل عامل في الفاعل والمفعول معاً، فكلَّ واحدٍ منهما يقتضي صاحبَه، ولذلك جاز عند بعضِهم «ضرب غلامُها هنداً» لاشتراكِ الفاعل المضاف إلى الضميرِ والمفعولِ الذي عاد عليه الضمير في العامل، وامتنع «ضربَ غلامُها جارَ هِندٍ» لعدم الاشتراك في العامل، فهذا فرقُ ما بين المسألتين، ولا يُحْفظ من لسان العرب: «

стр. 1581

أودُّ لو أَنْ أكرمَه أياً ضربَتْ هندٌ» لأنه يلزم منه تقديمُ المضمرِِ على مفسَّره في غير المواضِعِ التي ذكرها النحويون، فلذلك لا يجوز تأخيره. انتهى «. وقد جَوَّز أبو البقاء كونَها شرطيةً، ولم يَلْتَفِتْ لِما مَنعوا به ذلك فقال:» والثاني: أنها شرط، وارتفع «تودُّ» على إرادة الفاء. أي: فهي تودُّ، ويجوز أن يرتفعَ من غير تقديرِ حرف لأن الشرطَ هنا ماضٍ، وإذا لم يظهر في الشرطِ لفظُ الجزم جاز في الجزاء الوجهان: الجزمُ والرفع «. انتهى وقد تقدَّم تحقيق القول في ذلك، والظاهرُ موافقتُهُ للقول الثالث في تخريج الرفع في المضارع كما تقدَّم تحقيقه. وقرأ عبد الله وابنُ أبي عبلة» وَدَّت «بلفظ الماضي، وعلى هذه القراءةِ يجوزُ في» ما «وجهان، أحدهما: أن تكونَ شرطية، وفي محلِّها حينئذٍ احتمالان: الأولُ النصبُ بالفعلِ بعدها، والتقدير: أيَّ شيء عَمِلَتْ من سوء وَدَّتْ، فودَّتْ جوابُ الشرط. والاحتمالُ الثاني: الرفعُ على الابتداء، والعائدُ على المبتدأ محذوفٌ تقديرُهُ: وما عملته، وهذا جائزٌ في اسم الشرط خاصةً عند الفراء في فصيحِ الكلام، أعني حَذْفَ عائد المبتدأ إذا كان منصوباً بفعلٍ نحو:» أيُّهم تَضْرِبْ أُكْرمه «برفع أيهم، وإذا كان المبتدأ غيرَ ذلك ضَعُفَ نحو:» زيدٌ ضربْتُ «. وسيأتي لهذه المسألة مزيد بيان في موضعين من القرآن، أحدُهما قراءةُ مَنْ قرأ: ﴿أَفَحُكْمُ الجاهلية يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] . والثاني: ﴿وَكُلٌّ وَعَدَ الله الحسنى﴾ [الآية: ١٠] في الحديد، واختلافُ الناس في ذلك.

стр. 1582

الوجه الثاني من وجهي «ما» أن تكون موصولةً بمعنى: الذي عملته من سوء ودت لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً، ومَحَلُّها على هذا رفع بالابتِداء، و «وَدَّتْ» الخبرُ، واختاره الزمخشري فإنه قال: «لكنَّ الحملَ على الابتداءِ والخبرِ أوقعُ في المعنى لأنه حكايةُ الكائن في ذلك اليوم، وأَثْبَتُ لموافقةِ قراءة العامة» . انتهى. فإن قلت لِمَ لَمْ يمتنع أن تكونَ «ما» شرطيةً على هذه القراءة كما امتنع ذلك فيها على قراءة العامة؟ فالجوابُ أنَّ العلة إنْ كانت رفعَ الفعل وعَدَمَ جزمِهِ كما قال به الزمخشري وابن عطية فهي مفقودةٌ في هذه القراءة لأن الماضي مبنيٌّ اللفظ/ لا يظهر فيه لأداةِ الشرط عملٌ، وإن كانت العلةُ أنَّ النيةَ به التقديمُ فليزمُ عودُ الضميرِ على متأخرٍ لفظاً ورتبة، فهي أيضاً مفقودةٌ فيها؛ إذ لا داعي يدعو لذلك. و «لو» هنا على بابِها من كونِها حرفاً لِما كان سيقع لوقوع غيره، وعلى هذا ففي الكلام حَذْفان، أَحدهما: حذفُ مفعولِ «يود» ، والثاني: حَذْفُ جواب «لو» ، والتقدير فيهما: تود تباعدَ ما بينها وبينه لو أن بينها وبينه أمداً بعيداً لسُرَّتْ بذلك، أو لفرِحَتْ ونحوُهُ. والخلافُ في «لو» بعد فعل الوَدادة وما بمعناه أنها تكونَ مصدريةً كما تقدم تحريره في البقرة يَبْعُدُ مجيئُهُ هنا، لأنَّ بعدها حرفاً مصدرياً وهو أَنْ. قال الشيخ: «ولا يباشِر حرف مصدري حرفاً مصدرياً إلا قليلاً، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] قلت: قوله» إلا قليلاً «يُشْعر بجوازه وهو لا يجوزُ البتة، فَأمَّا

стр. 1583

ما أَوْرَدَهُ من الآية الكريمة فقد نصَّ النحاة على أن» ما «زائدةٌ. وقد تقدَّم الكلام في» أَنَّ «الواقعة بعد» لو «هذه: هل محلُّها الرفع على الابتداء والخبرُ محذوف كما ذهب إليه سبيويه، أو أنها في محل رفعٍ بالفاعلية بفعلٍ مقدر أي: لو ثَبَتَ أَنَّ بينها؟ وما قالَ الناس في ذلك. وقد زعم بعضُهم أَنَّ» لو «هنا مصدريةٌ، هي وما في حَيِّزها في موضع المفعول ل» تود «، أي: تود تباعُدَ ما بينها وبينه، وفيه ذلك الإِشكالُ، وهو دُخول حرف مصدري على مثله، ولكنَّ المعنى على تسلُّطِ الوَدادة على» لو «وما في حيِّزها لولا المانعُ الصناعي. والأَمَدُ: غايةُ الشيء ومنتهاه وجمعه آماد نحو: جَبَل وأَجْبال فَأُبْدِلَتْ الهمزة ألفاً لوقوعِها ساكنةً بعد همزة» أَفْعال «. وقال الراغب:» الأمدُ والأَبَدُ يتقاربان، لكنَّ الأَبَدَ عبارةٌ عن مدة الزمان التي ليس لها حَدٌّ محدودٌ، ولا يتقيَّد فلا يقال: أبدَ كذا، والأمدُ مدةٌ لها حَدٌّ مجهولٌ إذا أُطْلِقَ، وينحصِرُ إذا قيل: أمدَ كذا، كما يقال: زمانَ كذا، والفرق بين الأمد والزمان: أنَّ الأمدَ يُقال باعتبارِ الغاية، والزمانُ عام في المبدأ والغاية، ولذلك قال بعضُهم: المَدَى والأمد يتقاربان «.

стр. 1584

قوله تعالى: ﴿تُحِبُّونَ الله﴾ : قرأ العامة: «تُحِبون» بضم حرف المضارعة مِنْ أَحَبَّ، وكذلك «يُحْبِبْكُم الله» . وقرأ أبو رجاء العطاردي: تَحُبُّون، يَحْببكم بفتح حرف المضارعة وهما لغتان: يقال حَبَّه يَحِبُّه

стр. 1585

بضم الحاء وكسرها في المضارع، وأَحَبَّه يُحِبُّه، وقد تقدم القول في ذلك في البقرة. ونقل الزمخشري أنه قرىء «يَحِبَّكم» بفتح الباء والإِدغام وهو ظاهرٌ، لأنه متى سَكَّن المِثْلَيْنِ جزماً أو وقفاً جاز فيه لغتان: الفكُّ والإِدغام، وسيأتي تحقيق ذلك في المائدة. وقرأ الجمهور: «فاتِّبعوني» بتخفيف النون وهي للوقاية، وقرأ الزهري بتشديدها، وخُرِّجَت على أنه أَلْحَقَ الفعلَ نونَ التوكيد وأدغمها في نونِ الوقاية، وكان ينبغي له أن يَحْذِفَ واو الضمير لالتقاء الساكنين، إلا أنه شَبَّه ذلك بقوله: ﴿أتحاجواني﴾ [الأنعام: ٨٠] وهو توجيهُ ضعيف، ولكنْ هو يصلح لتخريج هذا الشذوذ. وقد طعن الزجاج على مَنْ روى عن ابي عمرو إدغامَ الراء من «يغفر» في لام «لكم» وقال: «هو خطأٌ وغلطٌ على أبي عمرو» وقد تقدَّم تحقيق ذلك وأنه لا خطأٌ ولا غلطٌ، بل هذه لغةٌ للعرب نقلَها الناس، وإن كان البصريون كما يقول الزجاج لا يُجيزون ذلك.

стр. 1586

قوله تعالى: ﴿فإِن تَوَلَّوْاْ﴾ : هذا يَحْتمل وجهين، أحدهما: أن يكونَ مضارعاً والأصلُ: «تتولَّوا» فَحَذَفَ إحدى التاءين، وقد تقدم الكلامُ على ذلك، وعلى هذا فالكلامُ جارٍ على نسقٍ واحد وهو الخطاب. والثاني:

стр. 1587

أن يكون فعلاً ماضياً مسنداً لضميرِ غيب، فيجوزُ أن يكونَ من باب الالتفات، ويكونُ المرادُ بالغيب المخاطَبين في المعنى، وهو نظيرُ قولِهِ تعالى: ﴿حتى إِذَا كُنتُمْ فِي الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم﴾ [يونس: ٢٢] .

стр. 1588

قوله: ﴿وَنُوحاً﴾ : «نوح» اسم أعجمي لا اشتقاق له عند محققي النحويين، وزعم بعضُهم أنه مشتق من النُّواح، وهذا كما تقدم لهم في آدم وإسحاق ويعقوب، وهو منصرفٌ وإن كان فيه علتان فرعيتان: العلمية والعجمة الشخصية لخفةِ بنائه بكونه ثلاثياً ساكنَ الوسط، وقد جَوَّزَ بعضهم منعَه قياساً على «هند» وبابِها لا سماعاً إذ لم يُسْمع إلا مصروفاً. وادَّعى الفراء أن في الكلام حذفَ مضاف تقديرُهُ: «إن الله اصطفى دين آدم» . قال التبريزي: «وهذا ليسَ بشيء، لأنه لو كان الأمر على ذلك لقيل:» ونوحٍ «إذ الأصل: دين آدمَ ودين نوحٍ، وهذه سَقْطَةٌ فاحشة من التبريزي، إذ لا يلزم أنه إذا حُذف المضافُ بقي المضاف إليه مجروراً حتى يَرُدَّ على الفراء بذلك، بل المشهورُ الذي لا تَعْرِفُ الفصحاء غيرَه إعرابُ المضاف إليه بإعرابِ المضاف حين حَذْفِه، ولا يجوز بقاؤُهُ على جَرِّه إلا في قليل من الكلام بشرطٍ ذُكِرَ في النحو، وسيأتي لك في الأنفال، وكان ينبغي على رأي التبريزي أن يكون قولُه تعالى: ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢] بجر» القرية «لأنَّ الكل هو وغيرُه يقولون: هذا على حَذْفٍ تقديرُه:» أهلَ القرية «.

стр. 1589

و» عِمْران «اسم أعجمي/. وقيل: عربي مشتق من العَمْر، وعلى كلا القولين فهو ممنوعُ الصرف: إمَّا للعلَميَّة والعجمة الشخصية، وإمَّا للعلَمية وزيادة الألف والنون. قوله تعالى: ﴿عَلَى العالمين﴾ متعلقٌ باصطفى، فإن قيل: اصطفى يتعدَّى بمن نحو:» اصطفيتك مِنَ الناس «فالجواب أنه ضُمِّنَ معنى» فَضَّل «أي: فَضَّلهم بالاصطفاء.

стр. 1590

قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ : في نصبها وجهان، أحدهما: أنها منصوبةٌ على البدل مِمَّا قبلها، وفي المبدلِ منه على هذا ثلاثة أوجه، أحدها: أنها بدل من «آدم» ومَنْ عُطِفَ عليه، وهذا إنما يتأتى على قولِ مَنْ يطلق «الذرية» على الآباء وعلى الأبناء، وإليه ذهب جماعة. قال الجرجاني: «الآية تُوجِبُ أن يكونَ الآباء ذريةً للأبناء والأبناء ذريةً للآباء، وجاز ذلك لأنه من» ذَرَأَ الخَلْقَ «فالأبُ ذُرِيَ منه الولد، والولد ذُرِيَ من الأب» وقال الراغب: «الذرية تقال للواحد والجمع والأصلِ والنسل، كقوله: ﴿حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: ٤١] أي: آباءهم، ويقال للنساء: الذَّراري، فعلى هذين الوجهين يَصِحُّ جَعْلُ» ذرية «بدلاً من آدم ومن عُطِف عليه. قال أبو البقاء:» ولا يجوز أَنْ يكونَ بدلاً من آدم لأنه ليس بذرية «وهذا الذي قاله ظاهرٌ إنْ أراد آدمَ وحدَهُ دونَ مَنْ عُطِفَ عليه، وإن أراد آدمَ ومَنْ ذُكِرَ معه فيكونُ المانع عنده عدمَ جوازَ إطلاق الذرية على الآباء. الثاني: من أوجه البدل: أنها بدلٌ من» نوح «ومَنْ عُطِفَ عليه، وإليه نحا

стр. 1591

أبو البقاء. الثالث: أنها بدلٌ من الآلَيْن: أعني آل إبراهيم وآل عمران، وإليه نحا الزمخشري، يريد أن الآلَيْن ذريةٌ واحدة. الوجه الثاني من وجهي نصب» ذرية «: النَصْبُ على الحال، تقديره: اصطفاهم حالَ كونِهِم بعضَهم من بعض، والعاملُ فيها: اصطفى. وقد تقدَّم القول في اشتقاق هذه اللفظة ووزنِها ومدلولِها مشبعاً فأغنى عن إعادته. قوله: ﴿بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ هذه الجملةُ في موضِع النصب نعتاً لذرية.

стр. 1592

قولُه تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امرأت عِمْرَانَ﴾ : في الناصبِ له أوجهٌ، أحدُها: أنه «اذكر» مقدراً، فيكونُ مفعولاً به لا ظرفاً أي: اذكر لهم وقتَ قول امرأة عمران كيتَ وكيتَ، وإليه ذهب أبو الحسن وأبو العباس. الثاني: أن الناصبَ له معنى الاصطفاء أي ب «اصطفى» مقدراً مدلولاً عليه باصطفى الأول، والتقدير: واصطفى آل عمران إذ قالت امرأة عمران، وعلى هذا يكون قوله: «وآلَ عمران» من باب عطفِ الجمل لا من باب عطف المفردات، إذا لو جُعِلَ من عَطْف المفردات لَزِمَ أن يكون وقتُ اصطفاء آدم وقتَ قول امرأة عمران كيتَ وكيتَ، وليس كذلك لتغايُرِ الزمانين، فلذلك اضطُررنا إلى تقديرِ عاملٍ غير هذا الملفوظِ به، وإلى هذا ذهبَ الزجاج وغيره.

стр. 1593

الثالث: أنه منصوبٌ ب «سميع» وبه صَرَّح ابن جرير الطبري. وإليه نحا الزمخشري ظاهراً فإنه قال: «أو سميع عليم لقول امرأة عمران ونيِتها، و» إذ «منصوبٌ به» . قال الشيخ: «ولا يَصِحُّ ذلك لأن قوله» عليم «: إمَّا أن يكونَ خبراً بعد خبر أو وصفاً لقوله:» سميع «، فإن كان خبراً فلا يجوزُ الفصلُ بين العامل والمعمول لأنه أجنبي منهما، وإن كان وصفاً فلا يجوزُ أن يعملَ» سميع «في الظرف لأنه قد وُصف، واسمُ الفاعلِ وما جَرى مجراه إذا وُصف قبل أَخْذِ معمولِهِ لا يجوزُ له إذ ذاك أن يعملَ، على خلافٍ لبعض الكوفيين في ذلك، ولأنَّ اتصافَه تعالى بسميع عليم لا يتقيَّد بذلك الوقت» قلت: وهذا العُذْرُ غيرُ مانع لأنه يُتَّسع في الظرفِ وعديله ما لا يُتَّسع في غيره، ولذلك يُقَدَّم على ما في حيز «أل» الموصولة وما في حيز «أَنْ» المصدرية. الرابع: أن تكونَ «إذ» زائدةً وهو قول أبي عبيدة، والتقدير: قالت امرأة، وهذا عند النحويين غلطٌ، وكان أبو عبيدة يُضَعَّف في النحو. قوله: ﴿مُحَرَّراً﴾ في نصبه أوجه، أحدُها: أنه حالٌ من الموصول وهو «ما في بطني» ، فالعاملُ فيها «نَذَرْتُ» . الثاني: أنه حال من الضمير المرفوع بالجار لوقوعِهِ صلةً ل «ما» ، وهو قريبٌ من الأول، فالعامل في هذه الحال الاستقرارُ الذي تضمَّنه الجارُّ والمجرور. الثالث: أن ينتصِبَ على المصدر؛ لأن المصدرَ يأتي على زِنَةِ اسم المفعولِ من الفعل الزائدِ على ثلاثةِ أحرفٍ، وعلى هذا فيجوز أن يكونَ في الكلامِ حَذْفُ مضاف تقديرُهُ:

стр. 1594

نذرتُ لك ما في بطني نَذْرَ تحرير، ويحوز أن يكون ممَّا انتصب على المعنى؛ لأن معنى «نَذَرْتُ لك» حَرَّرْت ما في بطني تحريراً. ومن مجيء المصدر بزنة المفعول مما زاد على الثلاثي قولُه تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: ١٩] ، وقوله: ﴿وَمَن يُهِنِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّكْرَمٍ﴾ [الحج: ١٨] في قراءة من فتح الراء، أي: كلَّ تمزيق، وفما له من إكرام، ومثله قول الشاعر: ١٢٤٠ - ألم تَعْلَمْ مُسَرَّحِيَ القوافي ... فلاعِيَّاً بهنَّ ولا اجْتِلاَبا أي: تسريحي القوافي. الرابع: أن يكونَ نعتَ مفعولٍ محذوفٍ تقديره: غلاماً محرراً، قاله مكي بن أبي طالب. وجَعَلَ ابنُ عطية في هذا القولِ نظراً. قلت: / وجهُ النظر فيه أن «نَذَرَ» قد أخذ مفعوله وهو قوله: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ فلم يتعدَّ إلى مفعولٍ آخر؟ وهو نظرٌ صحيح. وعلى القولِ بأنها حالٌ يجوز أن تكونَ حالاً مقارنةً إن أريد بالتحرير معنى العِتْقِ، ومقدَّرةً إنْ أُريد به معنى خدمة الكنيسة كما جاء في التفسير. ووقف أبو عمرو والكسائي على «امرأة» بالهاء دون التاء، وقد كتبوا امرأة بالتاء وقياسُها الهاء هنا وفي يوسف: ﴿امرأة العزيز﴾ [الآية: ٣٠] [في] موضعين،

стр. 1595

و ﴿امرأة نُوحٍ﴾ [التحريم: ١٠] و ﴿امرأة لُوطٍ﴾ [التحريم: ١٠] و ﴿امرأة فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٩] ، وأهلُ المدينة يقفون بالتاء اتِّباعاً لرسم المصحف، وهي لغةٌ للعرب يقولون في حمزة: حَمْزَتْ، وأنشدوا: ١٢٤١ - اللهُ نَجَّاكَ بكَفَّيْ مَسْلَمَتْ ... مِنْ بعدِما وبعدِما وبعدِمَتْ وقوله: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ أتى ب «ما» التي لغير العاقِل لأن ما فيه بطنِها مُبْهَمٌ أمرُهُ، والمبهمُ أمرهُ يجوز أن يُعَبَّر عنه ب «ما» ، ومثاله إذا رأيت شيخاً من بعيد لا تدري أأنسانٌ هو أم غيرُه: ما هذا؟ ولو عرفت أنه إنسان وجَهِلْتَ كونَه ذَكراً أم أنثى قلت: ما هو. أيضاً، والآيةُ من هذا القبيل هذا عند مَنْ يرى أن «ما» مخصوصةٌ بغير العاقل، وأمَّا مَنْ يرى وقوعَها على العقلاء فلا يتأوَّل شيئاً. وقيل: إنه لما كان ما في البطن لا تمييزَ له ولا عقلَ عَبَّر ب «ما» التي لغير العقلاء.

стр. 1596

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ : الضمير في «وضعَتْها» يعود على «ما» من حيث المعنى، لأن الذي في بطنها أنثى في علم الله تعالى، فعاد الضميرُ على معناها، دونَ لفظها. وقيل: إنما أنَّثه حَمْلاً على معنى النَّسَمَةِ أو الحَبْلة أو النفسِ، قاله الزمخشري وقال ابن عطية: «حَمْلاً على الموجودة [ورفعاً لِلَفْظِ» ما «في قوله: ﴿ما في بطني] محرّراً﴾ .

стр. 1597

قوله: ﴿أنثى﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنها منصوبةٌ على الحال وهي حال مؤكدة لأن التأنيثَ مفهومٌ من تأنيث الضمير، فجاءت» أنثى «مؤكدة، قال الزمخشري» فإنْ قلت: كيف جاز انتصاب «أنثى» حالاً من الضمير في «وضَعَتْها» وهو كقولك: «وضَعَتِ الأنثى أنثى» ؟ قلت: الأصل وضَعَتْه أنثى، وإنما أُنِّث لتأنيث الحال، لأن الحال وذا الحال لشيء واحد كما أَنَّث الاسمَ في «مَنْ كانت أمَّك» لتأنيث الخبر. ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿فَإِن كَانَتَا اثنتين﴾ [النساء: ١٧٦] ، وأمَّا على تأويل النَّسَمَة والحَبْلة فهو ظاهرٌ، كأنه قيل: إني وضَعْتُ الحَبْلَةَ والنَّسَمة أنثى «يعني أنَّ الحال على الجوابِ الثاني تكون مبيَّنةً لا مؤكدةً، وذلك لأن النسمة والحبلة تصدُق على الذَّكر وعلى الأنثى، فلمَّا حَصَل فيها الاشتراكُ جاءت الحالُ مبينة لها. ألاَّ أنَّ الشيخَ ناقشه في الجواب الأول فقال:» وآل قَوْلُه يعني الزمخشري إلى أنها حال مؤكدة، ولا يُخْرِجُه تأنيثُه لتأنيث الحال عن أن تكون حالاً مؤكِّدة. وأمَّا تشبيهُه ذلك بقوله: «مَنْ كانت أمَّك» حيث عادَ الضميرُ على معنى «مَنْ» فليس ذلك نظيرَ «وضَعَتْها أنثى» لأن ذلك حُمِل على معنى «مَنْ» إذ المعنى: أيةُ امرأة كانَتْ أمَّك، أي: كانت هي أي أمَّك، فالتأنيثُ ليس لتأنيث الخبر، وإنما هو من باب الحَمْل على معنى مَنْ، ولو فرضنا أنه من تأنيث الاسم لتأنيث الخبر لم يكن نظيرَ «وضَعَتْها أنثى» لأنَّ الخبرَ تخصَّص بالإِضافة إلى الضميرِ، فاستُفيد من الخبرِ ما لا يُسْتفاد من الاسم، بخلافِ «أنثى» فإنه لمجردِ التوكيدِ. وأمَّا تنظيرُه بقولِهِ: ﴿فَإِن كَانَتَا اثنتين﴾ فيعني أنه ثَنَّى الاسم لتثنيةِ الخبرِ، والكلامُ عليه يأتي في مكانه، فإنه من

стр. 1598

المُشْكلات، فالأحسن أن يُجْعَلَ الضميرُ في «وضعَتْها أنثى» عائداً على النَّسَمَة أو النفس، فتكون الحالُ مبينةً لا مؤكدةً «. قلت: قوله» ليس نظيرَه، لأنَّ «مَنْ كانت أمَّك» حُمِل فيه على معنى [مَنْ] ، وهذا أُنِّث لتأنيث الخبر «ليس كما قال، بل هو نظيرهُ، وذلك أنه في الآية الكريمةُ حُمِل على معنى» ما «كما حُمِل هناك على معنى» مَنْ «، وقول الزمخشري:» لتأنيث الخبرِ «أي: لأنَّ المراد ب» مَنْ «التأنيثُ بدليل تأنيثِ الخبرِ، فتأنيثُ الخبرَ بيَّن لنا أن المراد ب» مَنْ «المؤنث، كذلك تأنيثُ الحال وهي أنثى بَيَّن لنا أن المراد ب» ما «في قوله: ﴿ما في بطني﴾ أنه شيء مؤنث، وهذا واضح لا يَحتاج إلى فكر. وأما قوله: «فقد استُفيد من الخبر ما لا يُسْتفاد من الاسم بخلاف» وضَعَتْها أنثى «فإنه لمجردِ التوكيد» فليس بظاهرٍ أيضاً؛ وذلك لأنَّ الزمخشري إنما أراد بكونه نظيرَه من حيث إنَّ التأنيث في كلٍّ من المثالَيْنِ مفهومٌ قبلَ مجيءِ الحال في الآية، وقبلَ مجيءِ الخبرِ في النظير المذكور. أمَّا كونُه يفارقه في شيء آخرَ لعارضٍ فلا يَضُرُّ ذلك في التنظيرِ، ولا يُخْرِجُه عن كونه يُشْبِهُه من هذه الجهة. وقد تحصَّل لك في هذه الحال وجهان، أحدُهما: أنها مؤكدةٌ إنْ قلنا إنَّ الضمير في «وضعَتهْا» عائدٌ على معنى «ما» . والثاني: أنها مبيِّنة إنْ قلنا: إنَّ الضميرَ عائدٌ على معنى الحَبْلة أو النَّسَمة أو النفس، لصِدْقِ كلٍّ من هذه الألفاظِ الثلاثةِ على الذكرِ والأنثى. الوجه الثاني من وجهي «أنثى» : أنها بدلٌ من «ها» في «وضَعَتْها» بدلُ كلٍ من كلٍ، قاله أبو البقاء، ويكونُ في هذا البدلِ بيانُ ما المرادُ بهذا

стр. 1599

الضمير، وهذا من المواضع التي يُفَسَّر فيها الضميرُ بما بعدَه لفظاً ورتبةً. فإنْ كان الضمير مرفوعاً نحو: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣] على أحدِ الأوجه، فالكلُّ يجيزون فيه البدلَ. وإنْ كان غيرَ مرفوعٍ نحو/: «ضربْتُه زيداً» ومَرَرْتُ به زيدٍ، فاخْتُلِف فيه، والصحيح جوازُه كقول الشاعر: ١٢٤٢ - على حالةٍ لو أنَّ في القوم حاتماً ... على جودِه لضنَّ بالماءِ حاتمِ بجرِّ «حاتم» الأخيرِ، بدلاً من الهاء في «جودِه» . قوله: ﴿بِمَا وَضَعَتْ﴾ قرأ ابن عامر وأبو بكر: «وَضَعْتُ» بتاء المتكلم، وهو من كلام أم مريم ﵍ خاطَبَتْ بذلك نفسها تَسَلِّياً لها، واعتذاراً لله تعالى حيث أتَتْ بمولود لا يَصْلُح لمِا نَذَرَتْه من سِدانة بيتِ المقدس. قال الزمخشري وقد ذكر هذه القراءة: «تعني ولَعلَّ لله تعالى فيه سراً وحكمة، ولعلَّ هذه الأنثى خيرٌ من الذكر تسليةً لنفسها» . وفي قولهِا ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ التفاتٌ من الخطاب إلى الغَيْبة، إذ لو جَرَتْ على مقتضى قولِها: «ربِّ» لقالت: «وأنت أعلم» . وقرأ الباقون: «وضَعَتْ» بتاءُ التأنثي الساكنة على إسناد الفعل لضميرِ مريم ﵍، وهو من كلامِ الباري ﵎، وفيه تنبيهٌ على عِظَمِ قَدْر هذا المولودِ، وأنَّ له شأْناً لم تعرفيه، ولم تَعْرفي إلا كونه أنثى لا غير، دونَ ما يَؤُول إليه من أمورٍ عظامٍ وآياتٍ واضحةٍ، قال الزمخشري: «

стр. 1600

ولتكلُّمِها بذلك على وجه التَحزُّنِ والتحسُّرِ قال الله تعالى: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ تعظيماً لموضوعِها وتجهيلاً لها بقدْر ما وَهَبَ لها منه، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعَتْ وما عَلِق من عظائم الأمور، وأَنْ يجعلَه وولدَه آيةً للعالمين، وهي جاهلةٌ بذلك لا تعلم منه شيئاً فلذلك تَحَسَّرت» . وقد رجَّح بعضُهم القراءةَ الثانية على الأولى بقوله: ﴿والله أَعْلَمُ﴾ قال: «لو كان من كلامِ أم مريم لكانَ التركيبُ: وأنت أعلمُ» وقد تقدَّم جوابُ هذا وأنه التفات. وقرأ ابنُ عباس: «وضَعْتِ» بكسر التاء على أنها تاءُ المخاطبة، خاطبها الله تعالى بذلك بمعنى: أنك لا تعلمين قَدْر هذه المولودة، ولا قَدْر ما عَلِمه الله فيها من عظائم الأمور. قوله: ﴿وَلَيْسَ الذكر كالأنثى﴾ هذه الجملةُ تحتمل أن تكونَ معترضة، وأن يكونَ لها محلٌّ، وذلك بحسَبِ القراءات المذكورة في «وضعت» ، كما سيمرُّ بك تفصيله. والألفُ واللام في «الذَّكَر» يُحْتمل أن تكونَ للعهد، والمعنى: ليس الذكرُ الذي طلبَتْ كالأنثى التي وُهِبَتْ لها. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: فما معنى قولِها:» وليس الذكر كالأنثى «؟ قلت: هو بيانٌ ل» ما «في قوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ من التعظيم للموضوعِ والرفعِ منه، ومعناه: وليس الذكر الذي طَلَبَتْ كالأنثى التي وُهِبت لها، والألفُ واللام فيهما للعهد» وأن تكون للجنس على أن مرادها أنَّ الذكر ليس كالأنثى في الفَضْلِ والمزيَّة؛ إذ هو صالح لخدمةِ المُتَعبِّدات وللتحرير ولمخالطةِ الأجانب بخلاف

стр. 1601

الأنثى، وكان سياقُ الكلام على هذا يَقْتضي أن يَدْخُلَ النفي على ما استقرَّ وحَصَلَ عندها وانتفَتْ عنه صفاتُ الكمالِ للغرضِ المقصودِ منه، فكان التركيب: وليس الأنثى كالذكر، وإنما عَدَلَ عن ذلك لأنها بَدَأَتْ بالأهمِّ بما كانت تريده. وهو المتلَجْلجُ في صدرِها والحائكُ في نفسها فلم يَجْرِ لسانُها في ابتداء النطق إلا به فصار التقديرُ: وليس جنسُ الذكر مثلَ جنس الأنثى لِما بينهما من التفاوتِ فيما ذكَر. ولولا هذه المعاني التي استنبَطَها العلماءُ وفهموها عن الله تعالى لم يكنْ لمجردِ الإِخبارِ بالجملةِ الليسية معنًى؛ إذ كلُّ أحدٍ يعلم أنَّ الذكرَ ليس كالأنثى. وقوله: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ هذه الجملةُ معطوفةٌ على قولِه: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَآ﴾ على قراءةِ مَنْ ضَمَّ التاء في قوله «وضَعْتُ» فتكونُ هي وما قبلها من محلِّ نصب بالقول، والتقدير: قالت إني وضعتُها، وقالت: والله أعلم بما وضعتُ، وقالَتْ: وليس الذكر كالأنثى، وقالت: إني سميتها مريم. وأما على قراءة مَنْ سكن التاء أو كسرها فيكون «إني سَمَّيْتُها» أيضاً معطوفاً على «إني وضعتُها» ، ويكون قد فَصَل بين المتعاطفين بجملتي اعتراض كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦] قاله الزمخشري. قال الشيخ: «ولا يتعيَّن ما ذَكَر من كونِهما جملتين معترضتين، لأنه يُحْتمل أن يكون ﴿وَلَيْسَ الذكر كالأنثى﴾ في هذه القراءةِ مِنْ كلامِها، ويكون المعترضُ جملةً واحدة كما كان من كلامها في قراءة من قرأ:» وضعْتُ «بضم التاء، بل ينبغي أن يكونَ هذا المتعيِّن لثبوتِ كونه من كلامها في هذه القراءةِ، ولأنَّ في اعتراضِ جملتين خلافاً، مذهبُ أبي علي أنه لا تعْتَرِضُ جملتان،

стр. 1602

وأيضاً تشبيهُه هاتين الجملتين اللتين اعترَض بهما على زَعْمِه بين المعطوف والمعطوف عليه بقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ/ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ليس تشبيهاً مطابقاً للآية لأنه لم تَعْتَرضْ جملتان بين طالب ومطلوب، بل اعتُرِض بين القسمِ الذي هو: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ وبين جوابه الذي هو: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ بجملةٍ واحدة، وهي قولُه: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ لكنه جاء في جملة الاعتراضِ بين بعضِ أجزائهِ وبعضٍ اعتراضُ بجملة وهو قوله:» لو تعلمون «اعترضَ به بين المنعوتِ الذي هو» لقسمٌ «وبين نعتهِ الذي هو» عظيم «، فهذا اعتراضٌ في اعتراضٌ، فليس فصلاً بجملتي اعتراض كقوله: ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى﴾ قلت: والمُشَاحَّةُ بمثل هذه الأشياء ليست طائلة، وقولُه:» ليس فصلاً بجملتي اعتراض «ممنوعٌ، بل هو فصلٌ بمجملتي اعتراض، وكونُه جاء اعتراضٌ في اعتراض لا يَضُرُّ ذلك ولا يَقْدَّحُ في قوله:» فَصَل بجملتين «. و» سَمَّى «يتعدَّى لاثنين. أحدُهما بنفسه وإلى الآخر بحرف الجر، ويجوزُ حَذْفُه، تقول: سمَّيت ابني زيداً والأصل: يزيد، قال الشاعر فجمع بين الأصل والفرع: ١٢٤٣ - وسُمِّيْتَ كَعْباً بشَرِّ العِظَامِ ... وكان أبوكَ يُسَمَّى الجُعَلْ أي: يُسَمَّى بالجُعَلْ. وقد تقدَّم الكلامُ في» مريم «واشتقاقِها ومعناها وكونِها من الشاذ عن نظائره. قوله: ﴿وِإِنِّي أُعِيذُهَا﴾ عطفٌ على» إني سَمَّيْتُها «، وأتى هنا بخبرِ»

стр. 1603

إنَّ «فعلاً مضارعاً دلالةً على طلبِها استمرارَ الاستعاذة دونَ انقطاعِها، بخلافِ قولِه:» وضَعْتُها وسَمَّيْتُها «حيث أتى بالخبرين ماضِيَيْن لانقطاعِهما، وقَدَّم المعاذَ به على المعطوف اهتماماً به. وفَتَح نافع ياءَ المتكلم قبل هذه الهمزةِ المضمومةِ، وكذلك كلُّ ياء وقعَ بعدَها همزةٌ مضمومةً إلا موضعين، فإنَّ الكلَّ اتفقوا على سكونها فيهما: ﴿بعهدي أُوفِ﴾ [البقرة: ٤٠] ﴿آتوني أُفْرِغْ﴾ [الكهف: ٩٦] ، والباقي عشرة مواضع، هذا الذي في هذه السورة أحدها.

стр. 1604

قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا﴾ : الجمهور على «تَقَبَّلها» فعلاً ماضياً على تَفَعَّل بتشديدِ العين، و «ربُّها» فاعل بِهِ. وتفعَّل يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكونَ بمعنى المجرد أي: فَقَبِلها، بمعنى رَضِيها مكانَ الذَّكَر المنذور، ولم يَقْبَلْ أنثى منذورةً مثلَ مريم، كذا جاء في التفسير، وتَفَعَّل يأتي بمعنى فَعِل مجرداً نحو: تَعَجَّب وعَجِب من كذا، وتبرَّأ وبَرِىء منه. والثاني: أن تفعَّل بمعنى استفعل، أي: فاستقبلها ربُّها يقال: استقبلْتُ الشيء أي: أخذْتُه أولَ مرة، والمعنى: أنَّ الله تولاها في أول أمرها وحين ولادتِها ومنه قوله هو القطامي: ١٢٤٤ - وخيرُ الأمرِ ما استقبَلْتَ منه ... وليس بأَنْ تَتَبَّعَه اتِّباعاً

стр. 1605

ومنه المَثَلُ: «خُذِ الأمر بقَوابله» . وتفعَّل بمعنى استفعل كثير نحو: تَعَظَّم واستعظم، وتكبَّر واستكبر، وتَقَصَّيْت الشيء، واستقصَيْتُه وتَعَجَّلَته واستَعْجَلْتُه. والباءُ في قولِه: ﴿بِقَبُولٍ﴾ فيها وجهان، أحدُهما. أنها زائدة أي: قَبولاً، وعلى هذا فينتصب، «قبولاً» على المصدر الذي جاء على حذف الزوائد؛ إذ لو جاء على تقبُّل لقيل: تَقَبُّلا نحو: تكبَّر تكبُّرا. وقَبول من المصادر التي جَاءَتْ على فَعُول بفتح الفاء، وقد تقدَّم ذكرُها أول البقرة، يقال: قَبِلْتُ الشيء قَبولاً. وأجاز الفراء والزجاج ضمَّ القاف من «قبول» ، وهو القياسُ كالدُّخول والخُروج، وحكاها ابن الأعرابي عن العرب: قبلته قَبولاً وقُبولاً فتح القاف وضمِّها سماعاً عن العرب، و «على وجهه قُبول» لا غيرُ، يعني لم يُقَلْ هنا إلا بالضم، وأنشدوا: ١٢٤٥ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . والوجه عليه القُبول بضم القاف كذا حكاهُ بعضُهم. وقال الزجاج: «إن» قبولاً هذا ليس منصوباً بهذا الفعل حتى يكون مصدراً على غير الصدر، بل هو منصوبٌ بفعل موافقٍ له أي: مجردٍ قال: «والتقدير: فتقبَّلَها يتقبُّل حسن وقَبِلها قَبولاً حسناً أي: رضيها وفيه بُعْدٌ.

стр. 1606

والوجه الثاني: أن الباءَ ليست زائدةً، بل هي على حالها، ويكون المرادُ بالقَبول هنا اسماً لِما يُقْبل به الشيءُ نحو:» اللَّدود «لِما يُلَدُّ به، والسَّعوطِ: لما يُسْعَطُ به، والمعنى بذلك اختصاصهُ لها بإقامتها مقامَ الذكَرِ في النَّذْر. وقوله: ﴿وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً﴾ نبات أيضاً مصدرٌ على غير الصدر؛ إذ القياسُ: إنبات. وقيل: بل هو منصوبٌ بمضمرٍ موافقٍ له أيضاً تقديرُه: فنبتَتْ نباتاً حسناً. وقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ قرأ الكوفيون:» وكَفَّلَها «بتشديد العين،» زكريا «بالقصر، إلا أبا بكر فإنه قرأه بالمدِّ كالباقين، ولكنه يَنْصِبُه، والباقون يرفعونه كما سيأتي. وقرأ مجاهد:» فتقبَّلْها «بسكون اللام،» ربَّها «منصوباً، و» أنبِتها «بكسر الباء وسكون التاء، و» كَفِّلْها «بكسر الفاء وسكون اللام، وقرأ أُبَيٌّ:» وأَكْفَلَها «ك» أَكْرَمَها «فعلاً ماضياً. وقرأ عبد الله المزني «وكَفِلَها» بكسر الفاء والتخفيف. فأمَّا قراءةُ الكوفيين فإنهم عَدَّوا الفعلَ بالتضعيف إلى مفعولين، ثانيهما «

стр. 1607

زكريا» فَمَنْ قَصَره كالأخوين وحفص عنده مقدَّر النصبِ، ومن مدَّه كأبي بكر عن عاصم أظهر فيه الفتحة، وهكذا قَرَأْتُه. وأمَّا قراءة بقية السبعة فَكَفَلَ مخففٌ عندهم متعدٍّ لواحد وهو ضمير مريم، وفاعله «زكريا» ، ولا مخالفةَ بين القراءتين؛ لأنَّ الله لَمَّا كَفَّلها إياه كَفَلها، وهو في قراءتهم ممدودٌ مرفوعٌ بالفاعلية. وأمَّا قراءةُ «أَكْفَلَها» فإنه عَدَّاه بالهمزة كما عَدَّاه غيرُه بالتضعيف نحو: خَرَّجْته/ وأَخْرجته، وكَرَّمته وأَكْرمته، وهذه كقراءة الكوفيين في المعنى والإِعراب، فإنَّ الفاعل هو الله تعالى، والمفعولُ الأول هو ضمير مريم والثاني هو «زكريا» . وأمَّا قراءة: «وكَفِلها» بكسر الفاء فإنها لغةٌ في كَفَلَ، يقال: كَفَلَ يَكْفُل، كَقَتَل يقتُل، وهي الفاشية، وكَفِلَ يَكْفَلَ كَعلِمَ يَعْلَم، وعليها هذه القراءة، وإعرابُها كإعرابِ قراءةِ الجماعة في كون «زكريا» فاعلاً. وأَمَّا قراءةُ مجاهد فإنها كلَّها على لفظِ الدعاءِ مِنْ أُمِّ مريم لله تعالى بأَنْ يفعلَ لها ما سألته. و «ربَّها» منصوب على النداء أي: فتقبَّلْها يا ربَّها وأَنْبِتْها وكَفِّلْها يا ربَّها. و «زكريا» في هذه القراءةِ مفعولٌ ثانٍ أيضاً كقراءةِ الكوفيين. وقرأ حفص والأخوان: «زكريا» بالقَصْرِ حيث وَرَدَ في القرآن، وباقي السبعة بالمدِّ، والمدُّ والقصرُ في هذا الاسم لغتان فاشيتان عن أهلِ الحجاز. وهو اسمٌ أعجمي فكانَ مِنْ حَقِّه أنْ يقولوا فيه: مُنِعَ من الصرفِ للعلَميَّة والعُجْمة كنظائره، وإنما قالوا: مُنع من الصرف لوجود ألف التأنيث فيه. إمَّا الممدودةِ كحَمْراء أو المقصورةِ كَحُبْلى، وكأن الذي اضطرهم إلى

стр. 1608

ذلك أنهم رأَوْهُ ممنوعاً معرفةً ونكرةً، قالوا: فلو كان منعُه للعلمية والعجمة لانصرفَ نكرةً لزوالِ أحدِ سَبَبَيْ المنع، لكن العرب منَعَتْهُ نكرةً، فَعَلِمْنَا أنَّ المانعَ غيرُ ذلك، وليس معنا هنا ما يصلُح مانعاً من صرفه إلا ألفُ التأنيث، يَعْنُون التشبيهَ بألف التأنيث، وإلاَّ فهذا اسم أعجمي لا يُعْرف له اشتقاقٌ حتى يُدَّعى فيه أن الألفَ فيه للتأنيث. على أن أبا حاتم قد ذهب إلى صرفه نكرةً، وكأنه لَحَظَ فيه ما قَدَّمتْهُ من العجمة والعلمية لكنهم غَلَّطوه وخَطَّؤوه في ذلك. وقال الفارسي فأَشْبع فيه القول: «لا يخلو من أن يكونَ الهمزة فيه: للتأنيث أو للإِلحاق أو منقلبةً، ولا يجوز أن تكونَ منقلبةً؛ لأنَّ الانقلاب لا يخلو من أن يكونَ من حرفٍ أصلي أو من حرفِ الإِلحاق، ولا يجوزُ أَنْ يكون من حرف أصلي لأنَّ الياء والواو لا يكونان أصلاً فيما كان على أربعة أحرف، ولا أَنْ يكونَ من حرف الإِلحاق لأنه ليس في الأصولِ شيءٌ يكونُ هذا ملحقاً به وإذا ثبت ذلك ثَبَتَ أنها للتأنيث، وكذلك القولُ في الألف المقصورة» . وهذا الذي قاله أبو علي صحيحٌ لو كان فيما يُعْرَفُ له اشتقاقٌ ويَدْخله تصريفٌ، ولكنهم يُجرون الأسماء الأعجمية مُجْرى العربية بمعنى أن هذا لو وَرَدَ في لسانِ العرب كيف يكون حكمُهُ؟ وفيه بعد ذلك لغتان أُخْرَيان، إحداهما: زَكَرِيٌّ بياء مشددة في آخره فقد دونَ ألف، وهو في هذه اللغة منصرف. ووجَّهَ أبو علي ذلك فقال: «القولُ فيه أنه حُذِفَ منه الياءان اللتانِ كانتا فيه ممدوداً ومقصوراً وما بعدهما وأَلْحَقَ ياءي النسب» قال: يَدُلُّ على ذلك صَرْفُ الاسم، ولو كانت الياءان هما اللتان كانتا فيه لوجب أن لا ينصرفَ للعجمة والتعريف «، وهذه اللغةُ التي

стр. 1609

ذكرتُها لغةُ أهلِ نجد ومَنْ والاهم. والثانية:» زَكْرٍ «بزنة عَمْرٍو، حكاها الأخفش» . والكَفالَةُ: الضمان في الأصلِ، ثم يستعار للضم والأخذ، يقال منه: كَفَل يكفُل، وكَفِلَ يكفَل كعَلِمَ يعلَم كَفالة وكَفْلاً فهو كافِلٌ وكفيل. قوله: ﴿المحراب﴾ فيه وجهان مشهوران، أحدهما وهو مذهب سيبويه أنه منصوبٌ على الظرف، وشذَّ عن سائر إخوانه بعد «دخل» خاصة، يعني أن كلَّ ظرفِ مكان مختص لا يصل إليه الفعلُ إلا بواسطة «في» نحو: «صَلَّيْت في المحراب» ولا تقول: المحرابَ، ونمت في السوق، ولا تقول: السوقَ، إلا مع «دخل» خاصة، نحو: دَخَلْتُ السوقَ والبيت، وإلا ألفاظاً أُخَرَ ذكرْتُها في كتب النحو. والثاني: مذهب الأخفش، هو نصبُ ما بعد «دخل» على المفعول به لا على الظرف، فقولك: «دخلت البيت» كقولك: «هَدَمْتُ البيت» في نصب كلٍّ منهما على المفعول به. وهو قولٌ مرجوحٌ بدليل أنَّ «دخل» لو سُلِّط على غير الظرف المختص وجب وصولُه بوساطةِ «في» تقول: «دخلْتُ في الأمر» ولا تقول: دخلت الأمر، فدلَّ ذلك على عدم تعدِّيه للمفعول به بنفسه. والمحراب: قال أبو عبيدة: «هو أشرف المجالس ومقدَّمُها، وهو كذلك من المسجدِ» . وقال ابو عمرو بن العلاء: «هو القَصْرُ لعلوِّه وشَرَفِه» . وقال الأصمعي: «هو الغرفةُ» وأنشد لامرىء القيس:

стр. 1610

١٢٤٦ - وماذا عليه أَنْ ذكرتُ أوانساً ... كغِزْلانِ رملٍ في محاريبِ أَقْيالِ قالوا: معناه في غُرَفِ أقيال. وأنشد غيرُه لعمر بن أبي ربعية: ١٢٤٧ - رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جئتُها ... لم أدْنُ حتى أَرْتَقِي سُلَّما وقيل: هو المحرابُ من المسجدِ المعهودِ وهو الأليقُ بالآية. وأمَّا ما ذكرْتُه عمَّن تقدَّم فإنما يَعْنُون به المحرابَ مِنْ حيث هو، وأمَّا في هذه الآية فلا يَظْهَرُ بينهم خلافٌ [في] أنه المحرابُ المتعارَفُ، قيل: واشتقاقه من الحَرْب لتحارُبِ الناس عليه. وأمال ابن ذكوان عن ابن عامر «المحراب» في هذه السورة موضعين بلا خلافٍ، لكونه قَوِيَ فيه سببُ الإِمالة، وذلك أن الألف تقدَّمَها كسرةٌ وتأخَّرت عنها كسرةٌ أخرى فقَوِيَ داعي الإِمالة، وهذا بخلاف/ «المحراب» غيرِ المجرور فإنه نُقِلَ عن ابن ذكوان فيه الوجهان: الإِمالةُ وعدمُها نحو قوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب﴾ [ص: ٢١] ، فوجهُ الإِمالة تقدُّمُ الكسرة، ووجهُ التفخيمِ أنه الأصلُ، وقد تقدَّم لك الفرقُ بين كونِهِ مجروراً فلم يُخْبَرْ عنه فيه خلاف وبين كونِهِ غيرَ مجرورٍ فجرى فيه الخلافُ، وكذلك جرى عنه الخلاف أيضاً في «عمران» لِما ذكرْتُ لكل من تقدُّم الكسر. قوله: ﴿وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً﴾ هذه «وَجَدَ» بمعنى أصاب ولقي وصادف فتتعدَّى لواحدٍ وهو «رزقاً» ، و «عندَها» الظاهرُ أنه ظرفٌ للوِجْدَان. وأجاز

стр. 1611

أبو البقاء أن يكونَ حالاً من «رزقاً» لأنه يصلُح أن يكونَ صفةً له في الأصل، وعلى هذا فيتعلَّقُ بمحذوف، و «وَجَدَ» هو الناصبُ لكلما، لأنها ظرفيةٌ، وقد تقدَّم تحقيقُه. وأبو البقاء سَمَّاه جوابها؛ لأنها عنده تشبه الشرطَ كما سيأتي. قوله: «قال: يا مريم» فيه وجهان، أحدُهما: أنه مستأنف، قال أبو البقاء: «ولا يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً من» وَجَدَ «لأنه ليس بمعناه» . والثاني: أنه معطوفٌ بالفاء، فَحُذِفَ العاطِفُ، قال أبو البقاء: «كما حُذِفَتْ في جواب الشرط كقوله: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٢١] ، وكذلك قولُ الشاعر: ١٢٤٨ - مَنْ يَفعلِ الحسناتِ اللهُ يَشْكرها ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وهذا الموضِعُ يشبِهُ جوابَ الشرط؛ لأنَّ» كلما «تُشْبه الشرط في اقتضائِها الجواب» انتهى. قلت: وهذا الذي قاله فيه نظرٌ من حيث إنه تخيَّل أنَّ قوله تعالى ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ أنَّ جوابَ الشرط هو نفس «إنكم لمشركون» حُذفت منه الفاء، وليس كذلك، بل جوابُ الشرط محذوفٌ، و «إنكم لمشركون» جوابُ قسمٍ مقدر قبل الشرط، وقد تقدَّم تحقيقُ هذه المسألة، فليس هذا مِمَّا حُذِفَتْ منه فاءُ الجزاء البتَةَ، وكيف يَدَّعي ذلك ويُسَوِّيه بالبيت المذكور وهو لا يجوز إلا في ضرورة، ثم الذي يَظْهَرُ أنَّ الجملةَ من قوله: «وَجَدَ» في محلِّ نصبٍ على الحال من فاعل «دخل» ، ويكون جوابُ «كلما» هو نفسَ «

стр. 1612

قال» والتقدير: كلما دخل عليها زكريا واجداً عندها الرزقَ قال، وهذا بيِّنٌ جداً. ونَكَّر «رزقاً» تعظيماً له أو ليدلَّ به على نوعِ ما منه. قوله: ﴿أنى لَكِ هذا﴾ أنَّى خبر مقدم، و «هذا» مبتدأ مؤخر، ومعنى «أنى» هنا: مِنْ أين، كذا فَسَّرها أبو عبيدة، وقيل: ويجوز أن يكون سؤالاً عن الكيفية أي: كيف تهيَّأ لك هذا، قال الكميت: ١٢٤٩ - أنَّى ومِنْ أين آبَكَ الطربُ ... مِنْ حيثُ لا صبوةٌ ولا رِيَبُ وجَوَّزَ أبو البقاء في «أَنَّى» أن ينتصِبَ على الظرف بالاستقرار الذي في «لك» ، و «لك» رافع ل «هذا» يعني بالفاعلية ولا حاجة إلى ذلك. وقد تقدّم الكلام على «أنَّى» في البقرة. ﴿إنًّ الله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ﴾ تقدَّم نظيرُه، ويُحْتَمَلُ أن يكونَ مستأنفاً [مِنْ كلامِ اللهِ تعالى، وأن يكونَ من كلامِ مريم فيكونَ منصوباً] .

стр. 1613

قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا﴾ : «هنا» هو الاسمُ واللامُ للبعد والكافُ حرفُ، وهو وِزانُ «ذلك» ، وهو منصوبٌ على الظرفِ المكاني ب «دعا» ، أي: في ذلك المكان الذي رأى فيه ما رأى مِنْ أَمْرِ مريم، وهو ظرفٌ لا يتصرَّفُ بل يلزم النصبَ على الظرفية، وقد يُجَرُّ ب «مِنْ» و «إلى» قال الشاعر:

стр. 1614

١٢٥٠ - قد وَرَدَتْ مِنْ أَمْكِنَهْ ... مِنْ ههنا ومِنْ هُنَهْ وحكمُه حكمُ «ذا» مِنْ كونِهِ يُجَرَّد من حرف التنبيه ومن الكاف واللام نحو: هنا، وقد تصحبه «ها» التنبيه نحو: ههنا، ومع الكافِ قليلاً نحو: «ها هناك» ، ويمتنعُ الجمعُ بين ها واللام. وأخواتُهُ: هَنَّا بتشديد النون مع فتح الهاء وكسرها، وثَمَّ بفتح الثاء، وقد يقال هَنَّتْ، ولا يُشار بهذه إلا للبعيد خاصة، ولا يشار بهنالك وما ذُكِرَ معه إلا للأمكنة. وقد زعم بعضُهم أنَّ «هناك» و «هنالك» و «هَنَّا» للزمان، فمِنْ ورودِ «هنالك» بمعنى الزمان عند بعضِهم هذه الآية أي: في ذلك الزمان، ومثلُه: ﴿هُنَالِكَ ابتلي المؤمنون﴾ [الأحزاب: ١١] ومنه قولُ زهير: ١٢٥١ - هنالك إنْ يُسْتَخْبَلُوا المالَ يُخْبِلُوا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والظاهر أنه على مكانِيَّتِه. ومن ورود «هناك» قوله: ١٢٥٢ - وإذا الأمورُ تعاظَمَتْ وتشابَهَتْ ... فهناك يعترفون أين المفزَعُ ومن ورود هَنَّا قوله: ١٢٥٣ - حَنَّتْ نَوارِ ولاتَ هَنَّا حَنَّتِ ... وبدا الذي كانت نوارِ أَجَنَّتِ

стр. 1615

لأن «لات» لا تعمل إلا في الأحيان، وفي البيت كلامٌ أطولُ من هذا. وفي عبارة السجاوندي أن «هناك» في المكان و «هنالك» في الزمان، وهو سهوٌ، لأنها للمكان سواءً تجردت أم اتصلت بالكاف واللام معاً أم بالكاف دون اللام. قوله: ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ يجوز فيه وجهان، أحدهما: أن يتعلق ب «هَبْ» وتكونُ «مِنْ» لابتداء الغاية مجازاً أي: هَبْ لي من عندِك، ويجوز أن تتعلق بمحذوفٍ على أنه في الأصل صفةٌ لذرية، فلما قُدِّم عليها انتصبَ حالاً. وقد تقدَّم الكلامُ على لدن وأحكامِها ولغاتِها. وقوله: ﴿سَمِيعُ الدعآء﴾ مثالُ مبالغة مُحَوَّل من «سامِع» وليس بمعنى «مُسْمِع» لفسادِ المعنى. وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ نْ أرادَ ب «ذرية» الجنسَ فيكونُ التأنيثُ في «طيبة» باعتبارِ تأنيثِ الجماعة، وإنْ أرادَ به ذَكَراً واحداً فالتأنيث باعتبار اللفظ. قال: الفراء: «وأَنَّث» طيبة «لتأنيثِ لفظِ» الذرية «كما قال الشاعر: ١٢٥٤ - أبوكَ خليفةٌ وَلَدَتْهُ أخرى ... وأنت خليفةٌ، ذاك الكمالُ وهذا فيما لم يُقْصَدُ به واحدٌ معيَّنٌ، أمَّا لو قُصِدَ به واحدٌ معيَّنٌ امتَنَعَ اعتبارُ اللفظِ نحو: طلحة وحمزة، وقد جَمَعَ الشاعرُ بين التذكيرِ والتأنيث في قوله: ١٢٥٥ - فما تَزْدَري من حَيَّةٍ جَبَلِيَّة ... سُكاتٍ إذا ما عَضَّ ليس بِأَدْرَدَا لأنَّ المرادَ بحيَّة اسمُ الجنسِ لا واحدٌ بعينه.
следующие страницы →