Полный текст (10 772 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
مريم، وهذه ثلاثةُ أشياءَ: الاسمُ منها عيسى، وأمَّا المسيحُ والابنُ فَلَقَبٌ وصفةٌ؟ قلت: الاسمُ للمُسَمَّى علامةٌ يُعْرَفُ بها ويتميَّز مِنْ غيرِه، فكأنه قيل: الذي يُعْرف ويتميَّز مِمَّن سواه بمجموعِ هذه الثلاثةِ» انتهى فَظَهَرَ من كلامِهِ أَنَّ مجموعَ الألفاظ الثلاثةِ إخبار عن اسمِهِ، بمعنى أنَّ كلاً منها ليس مستقلاً بالخبرية بل هو من باب: هذا حلوٌ حامِض، وهذا أَعْسَرُ يَسَرٌ ونظيرُهُ قولُ الشاعر:
١٢٨٥ - كيف أصبحْتَ كيف أمسَيْتَ مِمَّا ... يزرعُ الوُدَّ في فؤادِ الكريمِ
أي: مجموعُ كيف أصبحْتَ، وكيف أمسيْتَ، فكما جاز تعدُّدُ المبتدأ لفظاً مِنْ غيرِ عاطف والمعنى على المجموعِ فكذلك في الخبرِ، وقد أَنْشَدْتُ عليه أبياتاً كقوله:
١٢٨٦ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . فهذا بَتِّي ... مُقَيِّظٌ مُصَيِّفٌ مُشَتِّي
وقد زعم بعضُهم أنَّ «المسيح» ليس باسمِ لقبٍ له بل هو صفةٌ كالضارب والظريف، قال: «وعلى هذا ففي الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ، إذا المسيح صفة لعيسى والتقدير: اسمُه عيسى المسيحُ» . وهذا لا يجوزُ، أعني تقديمَ الصفةِ على الموصوفِ، لكنه يعني هو صفةٌ له في الأصل، والعربُ إذا قَدَّمَتْ ماهو صفةٌ في الأصل جَعَلوه مبنيَّاً على العاملِ قبلَه وجعلوا الموصوفَ بدلاً مِنْ صفتِهِ في الأصلِ نحو قولِه:
стр. 1647
١٢٨٧ - وبالطوِيلِ العمْر ... عُمْراً حَيْدَرا
الأصل: وبالعمرِ الطويلِ، هذا في المعارف، وأمَّا في النكراتِ فينصِبون الصفةَ حالاً.
وقال الشيخ: «ولا يَصِحُّ أَنْ يكون» المسيح «في هذا التركيب صفةً لأن المُخْبَرَ به على هذا لُفِظَ، والمسيحُ من صفةِ المدلولِ لا من صفةِ الدالِّ، إذ لفظُ عيسى ليس المسيح، ومَنْ قال: إنهما اسمان قال: فَقُدِّمَ المسيحُ على عيسى لشهرتِهِ. قال ابن الأنباري:» وإِنَّما قُدِّمَ بُدِىء بلقبه لأن المسيحَ أشهرُ من عيسى لأنه قَلَّ أن يقعَ على سُمَىً يَشْتَبِهُ به، وعيسى قد يقع على عدد كثير فقدَّمه لشهرتِهِ، ألا ترى أن ألقاب الخلفاء أشهرُ من أسمائِهِم «، فهذا يَدُلُّ على أنَّ المسيحَ عند ابن الأنباري [لقبٌ] لا اسمٌ. وقال أبو إسحاق:» وعيسى مُعَرَّبٌ من أَيْسوع وإنْ جَعَلْتَه عربياً لم تَصْرِفْهُ في معرفةٍ ولا نكرةٍ، لأنَّ فيه ألفَ التأنيث، ويكون مشتقاً مِنْ عاسَه يَعُوسه إذا سَاسَه، وقام عليه «، وقال الزمخشري:» ومُشْتَقُّهُما يعني المسيح وعيسى من المَسْح والعَيْس كالراقمِ على الماء «. وقد تقدَّم الكلامُ على عيسى ومريم واشتقاقِهما وما ذَكَرَ الناسُ في ذلك في سورة البقرة فَأَغْنى عن إعادته.
قوله: ﴿وَجِيهاً﴾ حالٌ وكذلك قولُه: ﴿وَمِنَ المقربين﴾ .
стр. 1648
قولُه: ﴿وَيُكَلِّمُ﴾ وقوله: ﴿مِنَ الصالحين﴾ فهذه أربعةُ أحوالٍ انتصبَتْ عن قوله «بكلمة» ، وإنما ذَكَّره الحالَ حَمْلاً على المعنى، إذ المرادُ بها الولَدُ والمُكَوَّن، كما ذكَّر الضميرَ في «اسمهُ» ، فالحالُ الأولى جِيء بها على الأصلِ اسماً
стр. 1649
صريحاً، والباقيةُ في تأويِلِهِ: فالثانيةُ جار ومجرور، وأُتِيَ بها هكذا لِوُقوعِها فاصلةً في الكلامِ، ولو جِيءَ بها اسماً صريحاً لفاتَ مناسبةٌ الفواصلِ، والثالثة/ جملةٌ فعليةٌ، وعطفُ الفعلِ على الاسمِ لتأويله به وهو كقولِهِ تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] أي: وقابضاتٍ، ومثلُه في عَطْفِ الاسمِ على الفعلِ لأنه في تأويلِهِ قولُ النابغة:
١٢٨٨ - فأَلْفَيْتُه يوماً يُبيرُ عدوَّه ... وبَحْرَ عطاءٍ يَسْتَخِفُّ المعابِرا
ويقرب منه:
١٢٨٩ - باتَ يُغَشِّيها بعَضْبٍ باتِرٍ ... يَقْصِدُ في أَسْوُقِها وجائِرُ
إذ المعنى: مبيراً عدوَّه، وقاصدٍ، وجاءَ بالثالثةِ فعليةً لأنَّها في رتبتِها، إذ الحالُ وصفٌ في المعنى، وقد تقدَّم أنه إذا اجتمع صفاتٌ مختلفة في الصراحةِ والتأويلِ قُدِّم الاسمُ ثم الظرفُ أو عديلُه ثم الجملةُ، فكذا فَعَل هنا، قَدَّم الاسمَ وهو «وجيهاً» ثم الجارَّ والمجرورَ ثم الفعلَ، وأتى به مضارِعاً لدلالتِهِ على التجدُّد وقتاً فوقتاً، بخلافِ الوجاهةِ فإنَّ المرادَ ثبوتُها واستقرارُها والاسمُ مكتفِّلٌ بذلك، والجارُّ قريبٌ من المفردِ فلذلك ثَنَّى به إذ المقصودُ ثبوتُ تقريبه. والتضعيفُ في «المقرَّبين» للتعديةِ لا للمبالغةِ لِمَا تقدَّم من أنَّ التضعيفَ للمبالغةِ لا يُكْسِبُ الفعلَ مفعولاً، وهذا قد أَكْسَبَهُ مفعولاً كما ترى بخلافِ: «قَطَّعْتُ الأثوابَ» فإنَّ التعدِّيَ حاصلٌ قبلَ ذلك، وجيء بالرابعةِ بقوله ﴿مِنَ الصالحين﴾ مراعاةً للفاصلةِ كما تقدَّم في «المقرَّبين» والمعنى: أنَّ الله يُبَشِّركِ بهذه الكلمةِ موصوفةً بهذه الصفاتِ الجميلةِ.
стр. 1650
وَمَنَع أبو البقاء أن تكونَ أحوالاً من المسيح أو من عيسى أو من ابن مريم، قال: «لأنها أخبارٌ والعاملُ فيها الابتداءُ أو المبتدأُ أو هما، وليس شيءٌ من ذلك يَعْمَلُ في الحال» وَمَنَع أيضاً كونَها حالاً من الهاء في «اسمُه» قال: «للفصلِ الواقِعِ بينهما، ولعدمِ العاملِ في الحال» قلت: ومذهبُهُ أيضاً أنَّ الحالَ لا تجيءُ من المضافِ إليه وهو مرادُهُ بقولِهِ: «ولعدمِ العاملِ» وجاءَتِ الحالُ من النكرةِ لتخصُّصِها بالصفةِ بعدَها. وظاهرُ كلامِ الواحدي فيما نقلَهُ عن الفراء، أنه يجوزُ أن تكونَ أحوالاً من عيسى فإنَّه قال: «والفراء يُسَمِّي هذا قطعاً كأنه قال: عيسى ابن مريم الوجيهَ، قَطَعَ منه التعريفَ» فظاهِرُ هذا يُؤْذِنُ بأنَّ «وجيهاً» من صفة عيسى في الأصل فَقُطِعَ عنه، والحالُ وصفٌ في المعنى.
قوله: ﴿فِي الدنيا﴾ متعلق بوجيهاً، لِما فيه من معنى الفعل. والوجيه: ذو الجاه وهو القوة والمَنَعَةُ والشرف، يقال: وَجُه الرجلُ يَوْجُه وَجَاهَةً، واشتقاقُهُ من الوجه لأنه أشرفُ الأعضاءِ، والجاه مقلوبٌ منه فوزنُه عَفَل.
وقوله تعالى: ﴿فِي المهد﴾ : يجوزُ فيه وجهان: أحدهما: وهو الظاهرُ أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من الضميرِ في «يُكَلِّم» ِأي: يكلِّمُهم صغيراً وكهلاً، فَكَهْلاً على هذا نَسَقٌ على هذه الحالِ المؤولةِ. والثاني: أنه ظرفٌ للتكليم كسائرِ الفَضَلات، فَكَهْلاً على هذا نسق على وجيهاً فعلى هذا يكون خمسةُ أَحوالٍ.
والكَهْلُ: مَنْ بَلَغَ سنَّ الكهولةِ وأولُها ثلاثون، وقيل: اثنان، وقيل: ثلاثٌ وثلاثون. وقيل: أربعون، وآخرُها ستون، ثم يدخُلُ في سن الشيخوخة واشتقاقه مِنْ اكْتَهَلَ النبات: إذا علا وَأَرْبَعَ، ومنه: الكاهلُ، وقال صاحب
стр. 1651
المُجْمل: «اكتهل الرجلُ: وخَطه الشيب من قولهم: اكْتَهلت الروضةُ إذا عَمَّها النُّوْر، والمرأةُ: كَهْلَة» . وقال الراغب: «والكَهْلُ مَنْ وَخَطَه الشيبُ، واكتهلَ النبات: إذا شارف اليَبُوسة مشارَفَةَ الكَهْلِ الشيبَ، وأنشد قولَ الأعشى في وصفِ روضة:
١٢٩٠ - يُضاحِكُ الشمسَ منها كوكبٌ شَرِقٌ ... مُؤَزَّرٌ بعميمِ النبتِ مُكْتَهِلُ
وقد تقدَّم الكلامُ في تنقُّلِ أحوالِ الوَلَد من لَدُنْ كونِهِ في البطن إلى شيخوختِهِ عند ذِكْرِ» غُلام «فلا نُعِيدُه.
وقال بعضُهم:» ما دَامَ في بَطْنِ أمه فهو جنينٌ، فإذا وُلِدَ فَولِيد، فإذا لم يَسْتَتِمَّ الأسبوع فصديعٌ، وما دام يَرْضَعُ فَهُوَ رضيع، ثم هو فطيم عند الفِطام، وإذا لم يَرْضَع فَمَحوش، فإذا دَبَّ فدارج، فإذا سقطت رواضعُه فَثَغُور، فإذا نَبَتَتْ بعد إسقاطِهِ فَمَثْغور ومَتْغور، فإذا جاوَزَ العشرَ فمترعرعٌ وناشِىء، فإذا لم يبلُغ الحُلُمَ فيافعٌ ومراهق، فإذا احتلَمَ فَحَزُوُّرٌ، والغلامُ يُطْلَقُ عليه في جميعِ أحوالِهِ بعد الولادة، فإذا اخضرَّ شاربُهُ وسالَ عِذارُهُ فباقِلٌ، فإذا صارَ ذا لحيةٍ ففَتِيٌّ وشارِخٌ، فإذا مَا كَمَلَتْ لحيته فمتَجَمِّع، ثم هو من الثلاثين إلى الأربعين شاب، ومن الأربعين إلى ستين كهل «ولأهلِ اللغةِ عباراتٌ مختلفة/ في ذلك، هذا أشهرُها.
стр. 1652
فإنْ قيل: [المُسْتَغرَبُ إنما هو كلامُ الطفلِ في] المهدِ، وأمَّا كلامُ الكهولِ فغيرُ مُسْتَغرَبٍ، فالجوابُ أنهم قالوا: لم يتكلم صبيٌّ في المَهْدِ وعاش، أو لم يتكلَّمْ أصلاً بل يبقى أخرسَ أبداً، فبشَّر اللهُ مريم بأنَّ هذا يتكلم طفلاً ويعيشُ ويتكلم في حالِ كهولته، ففيه تطمينٌ لخاطِرها بما يخالِفُ العادةَ. وقال الزمخشَري:» بمعنى يُكلِّمُ الناسَ طفلاً وكهلاً، ومعناهُ يُكَلِّمُ الناسَ في هاتين الحالتين كلامَ الأنبياءِ من غير تفاوتٍ بين الحالتين: حالةِ الطفولة وحالةِ الكُهولة «.
والمَهْدُ: ما يُهَيَّأُ للصبي أَنْ يُرَبَّى فيه، مِنْ مَهَّدْتُ له المكانَ أي: وَطَّأْته وَلَيَّنْتُه له، وفيه احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ أصلُه المصدرَ، فَسُمِّيَ به المكانُ، وأن يكونَ بنفسِه اسمَ مكانٍ غيرَ مصدرٍ، وقد قُرِيءَ مَهْداً ومِهاداً في طه كما سيأتي.
стр. 1653
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ : قد تقدَّم إعرابُ هذه الجملِ في قصةِ زكريا فلا معنى لإِعادتِهِ إلاَّ أنَّ هناك «يَفْعل ما يشاء» وهنا «يَخْلُق» قيل: لأنَّ قصتَّها أغربُ من قصتِهِ، وذلك أنه لم يُعْهَدْ ولدٌ مِنْ عذراءَ لم يَمَسَّها بشرٌ البَتَة، بخلافِ الولدِ بينَ الشيخِ والعجوزِ فإنه مستبعدٌ، وقد يُعْهَدُ مثلُه وإنْ كان قليلاً، فلذلك أتى بيخلُق المقتضي الإِيجادَ والاختراعَ من غيرِ إحالةٍ على سببٍ ظاهر، وإن كانتِ الأشياءُ كلُّها بخَلْقِهِ وإيجادِهِ وإنْ كان لها أسبابٌ ظاهرةٌ.
والجملةُ من قولِهِ: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي﴾ حاليةٌ. [والبَشَرُ في الأصلِ مصدرٌ
стр. 1654
كالخَلْق، ولذلك يَسْتوي فيه] المذكرُ والمؤنثُ والمفَردُ والمثنى والمجموعُ، تقولُ: هذه بَشَرٌ، وهذان بَشَرٌ، وهؤلاء بشر، كقولك: هؤلاء خَلْق. قيل: [واشتقاقُهُ من البَشَرة وهو ظاهرُ الجِلْد، لأنه الذي من شأنِهِ أَنْ يَظْهَرَ الفرحُ] والغَمُّ في بَشَرَتِهِ. «ويكون» يَحْتَمِلُ التمامَ والنقصَانَ، وقد تقدَّم تحريرُه، وتقدَّم أيضاً اختلاف القراء في «فيكون» وما ذُكِرَ في توجيهِه.
стр. 1655
قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُ﴾ : قرأ نافع وعاصم: «ويُعَلِّمُه» بياء الغَيْبَة، والباقون بنونِ المتكلمِ المعظِّمِ نفسَه، وعلى كلتا القراءتين ففي محلِّ هذه الجملة أوجهٌ، أَحَدُها: أنها معطوفةٌ على «يُبَشِّرُكِ» أي: إن الله يبشرك بكلمةُ ويُعَلِّمُ ذلك المولودَ المعبَّرَ عنه بالكلمةِ. الثاني: أنها معطوفةٌ على «يَخْلُق» أي: كذلك اللهُ يَخْلُق ما يشاء ويعلمه، وإلى هذين الوجهين ذهب جماعةٌ منهم الزمخشري وأبو عليّ الفارسي. وهذا الوجهان ظاهران على قراءة الياء. وأمَّا قراءةُ النون فلا يظهرُ هذان الوجهان عليها إلا بتأويلِ الالتفاتِ من ضمير الغَيْبة إلى ضميرِ المتكلم إيذاناً بالفخامةِ والتعظيم. فأمَّا عطفُهُ على «يُبَشِّرُكِ» فقد استبعَدَه الشيخ جداً قال: «لطولِ الفصلِ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه» وأمَّا عطفُه على «يَخْلُق» فقال الشيخ: «وهو معطوفٌ عليه سواءً كانت يعني يخلق خبراً عن اللهِ تعالى أم تفسيراً لما قبلها، إذا أَعْرَبْتَ لفظ» الله «مبتدأً، وما قبلَه الخبرُ» يعني أنه قد تقدَّم في
стр. 1656
إعرابِ «كذلك اللهُ» في قصة زكريا أوجهٌ أحدُها: ما ذَكر، ف «يُعَلِّمُه معطوفٌ على» يَخْلُق «بالاعتبارينِ المذكورينِ، إذ لا مانعَ من ذلك. وعلى هذا الذي ذكرَه الشيخُ وغيرُه تكون الجملةُ الشرطيةُ معترضةً بين المعطوفِ والمعطوف عليه، والجملةُ من» يُعَلِّمُهُ «في الوجهينِ المتقدِّمين مرفوعةُ المحلِّ لرفعِ محلِّ ما عَطَفَتْ عليه.
الثالث: أَنْ يُعْطَفَ على» يُكَلِّمُ «فيكون منصوباً على الحالِ، والتقديرُ: يُبَشِّرُكِ بكلمةٍ مُكَلِّماً ومُعَلِّماً الكتابَ، وهذا الوجهُ جَوَّزه ابنُ عطية وغيره.
الرابع: أن يكونَ معطوفاً على» وجيهاً «لأنه في تأويلِ اسمٍ منصوب على الحالِ، كما تقدَّم تقريرُهُ في قوله:» ويكلِّم «. وهذا الوجهُ جَوزَّه الزمخشري واستبعدَ الشيخُ هذين الوجهين الأخيرين أعني الثالث والرابع قال:» لطولِ الفصلِ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه، ومثلُه لا يُوجَدُ في لسانِ العرب «.
الخامس: أَنْ يَكُون معطوفاً على الجملةِ المحكية بالقولِ، وهي:» كذلك الله يخلق «قال الشيخ:» وعلى كلتا القراءتين هي معطوفةٌ على الجملةِ المَقُولَةِ، وذلك أنَّ الضميرَ في قوله: «قال كذلك» الله تعالى، والجملةُ بعدَه هي المقولةُ، وسواءً كانَ لفظُ «الله» مبتدأً خبرُهُ ما قبلَه أم مبتدأً وخبرُه «يَخلق» على ما مَرَّ إعرابُهُ في «قال: كذلك اللهُ يفعل ما يشاء» فيكونُ هذا من المقولِ لمريم على سبيلِ الاغتباطِ والتبشيرِ بهذا الولدِ الذي يُوجِدُهُ اللهُ منها.
стр. 1657
السادس: أن يكونَ مستأنفاً لا محلَّ له من الإِعراب، قال الزمخشري بعد أَنْ ذَكَرَ فيه أنه يجوزُ أَنْ يكونَ معطوفاً على «نبشِّرك» أو «يَخْلُق» أو «وجيهاً» : «أو هو كلامٌ مبتدأٌ» يعني مستأنفاً.
قال الشيخ: «فإنْ عنى أنه استنئافُ إخبار من الله أو عن الله على اختلاف القراءتين، فمن حيث ثبوتُ الواو لا بد أن يكون معطوفاً على شيء قبله، فلا يكون ابتداءَ كلام، إلا أن يُدَّعَى زيادةُ الواو في» ويُعَلِّمه «فحينئذٍ يَصِحُّ أن يكونَ ابتداءَ كلام، وإنْ عنى أنه ليس معطوفاً على ما ذكر فكان ينبغي أن يبيِّن ما عُطِفَ عليه، وأن يكونَ الذي عُطِفَ عليه ابتداءَ كلامٍ حتى يكونَ المعطوفُ كذلك» قلت: وهذا الاعتراضُ غيرُ لازمٍ لأنه لا يلزم مِنْ جَعْلِهِ كلاماً مستأنفاً أَنْ يُدَّعَى زيادةُ الواو، ولا أنه لا بد من معطوف عليه، لأنَّ النحْويين وأهلَ البيان نَصُّوا على أن الواو تكون للاستئناف، بدليلِ أنَّ الشعراءَ يأتُونَ بها في أوائلِ أشعارهم من غير تقدُّم شيء يكون ما بعدَها معطوفاً عليه، والأشعارُ مشحونةٌ/ بذلك، ويُسَمُّونَها واوَ الاستئنافِ، ومَنْ مَنَع ذلكَ قَدَّر أنَّ الشاعِرَ عَطَفَ كلامه على شيء مَنْوِيٍّ في نفسهِ، ولكنَّ الأولَ أشهرُ القولين.
وقال الطبري: «قراءةُ الياءِ عَطْفٌ على قولِهِ» يَخْلُقُ ما يشاء «، وقراءةُ النونِ عطفٌ على قولِهِ» نُوحِيهِ إِلَيكَ «. قال ابن عطية:» وهذا القولُ الذي قاله في الوجهين مُفْسِدٌ للمعنى «ولم يبيِّن أو محمد جهةَ إفسادِ المعنى: قال الشيخ:» أمَّا قراءةُ النونِ فظاهِرٌ فسادٌ عطفِهِ على «نُوحيه» من حيثُ اللفظُ ومن حيثُ المعنى: أمَّا من حيث اللفظُ فمثلُه لا يَقْعُ في لسانِ العرب لبُعْدِ
стр. 1658
الفصلِ المُفْرِطِ وتعقيدِ التركيبِ وتنافرِ الكلامِ، وأمَّا من حيث المعنى فإنَّ المعطوفَ بالواوِ شريكُ المعطوف عليه فيصيرُ المعنى بقوله: ﴿ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب﴾ أي: إخبارُك يا محمد بقصةِ امرأةِ عمران وودلاتِها لمريم وكفالتِها زكريا، وقصتُه في ولادةِ يَحْيى له وتبشيرُ الملائكةِ لمريمَ بالاصطفاءِ والتطهيرِ، كلُّ ذلك مِنْ أخبارِ الغيب نُعَلِّمه، أي: نُعَلِّم عيسى الكتابَ، فهذا كلامٌ لا ينتظم معناه مع معنى ما قبله. وأمَّا قراءةُ الياءِ وعطفُ «ويعلِّمه» على «يَخْلُق» فليست مُفسِدَةً للمعنى، بل هو أَوْلَى وأَصَحُّ ما يُحْمل عليه عَطْفُ «ويُعَلِّمه» لقرب لفظِهِ وصحةِ معناه، وقد ذَكَرْنَا جوازَهُ قبلُ، ويكونُ الله أَخْبَرَ مريمَ بأنه تعالى يَخْلُقُ الأشياءَ الغريبةَ التي لم تَجْرِ العادةُ بمثلِها مثلَ ما خلق لك ولداً من غير أبٍ، وأنه تعالى يُعَلِّم هَذا الولدَ الذي يَخْلُقه ما لم يُعَلِّمه مَنْ قَبْلَه مِن الكتاب والحكمة والتوراة والإِنجيل، فيكونُ في هذا الإِخبار أعظمُ تبشيرٍ لها بهذا الولدِ وإظهارٌ لبركته، وأنه ليس مُشْبِهاً أولادَ الناس من بني إسرائيل، بل هو مخالِفٌ لهم في أصلِ النشأةِ، وفيما يُعَلِّمه تعالى من العلمِ، وهذا يَظْهَرُ لي أنه أحسنُ ما يُحْمَلُ عَطْفُ «ويُعَلِّمه» .
انتهى.
وقال أبو البقاء: «ويُقْرَأُ بالنونِ حَمْلاً على قولِهِ: ﴿ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب نُوحِيهِ إِلَيكَ﴾ ، ويُقْرَأُ بالياءِ حَمْلاً على» يُبَشِّرك «وموضعُهُ حالٌ معطوفَةٌ على» وجيهاً «. قال الشيخ:» وقالَ بعضُهم: ونُعَلِّمُه بالنون حَمْلاً على «نُوحيه» . إنْ عنى بالحَمْلِ العطفَ فلا شيءَ أبعدُ من هذا التقديرِ، وإنْ عنى بالحَمْل أنه من بابِ الالتفاتِ فهو صحيح «. قلت: يتعيَّن أَنْ يَعني بقولِهِ» حَمْلاً «الالتفاتَ ليس إلا، ولا يجوز أنْ يَعْني به العطفَ لقوله:» وموضعُهُ حالٌ معطوفةٌ
стр. 1659
على وجيهاً «كيف يَسْتقيم أن يريدَ عطفَهُ على» نبشرك «أو» نوحيه «مع حُكْمِه. عليه بأنه معطوفٌ على» وجيهاً «؟ هذا ما لا يَسْتقيم أبداً.
стр. 1660
قوله تعالى: ﴿وَرَسُولاً﴾ : في «رسول» وجهان، أحدُهما: أنه صفةٌ بمعنى مُرْسَل فهو صفةٌ على فُعُول كالصبور والشكور. والثاني: أنه في الأصلِ مصدرٌ، ومن مجيءِ «رسول» مصدراً قولُه:
١٢٩١ - لقد كَذَبَ الواشُون ما بُحْتُ عندَهم ... بِسِرٍّ ولا أَرْسَلْتُهمْ برسولِ
أي: برسالة، وقال آخر:
١٢٩٢ - أُبَلِّغْ أبا سلمى رسولاً تَرُوعه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: أُبَلِّغُه رسالةً، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: ١٦] على أحدِ التأولين، أي: إنَّا ذوا رسالةِ رب العالمين، وعلى الوجهين يترتَّبُ الكلامُ في إعراب «رسول» :
فعلى الأولِ يكونُ في نصبهِ ستةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ معطوفاً على «يُعَلِّمه» إذا أعربناه حالاً معطوفاً على «وجيهاً» إذ التقديرُ: وجيها ومُعَلِّماً ومُرْسَلاً، قاله الزمخشري وابن عطية. قال الشيخ: «وهو مَبْنِيٌّ على
стр. 1661
إعراب» ويُعَلِّمه «، وقد بَيَّنَّا ضعفَ إعرابِ مَنْ يقولُ إنَّ» ويُعَلِّمه «معطوفٌ على» وجيهاً «للفصلِ المُفْرِطِ بين المتعاطِفَيْن» .
الثاني: أن يكونَ نسقاً على «كَهْلاً» الذي هو حالٌ من الضميرِ المستتر في «ويُكَلِّم» أي: يُكَلِّم الناسَ طفلاً وكهلاً ومُرْسَلاً إلى بني إسرائيل، جَوَّز ذلك ابنُ عطية. واستبعده الشيخُ لطولِ الفصلِ بين المعطوف والمعطوف عليه. قلت: ويظهرُ أن ذلك لا يجوز من حيث المعنى، إذ يصيرُ التقديرُ: يُكَلِّمُ الناسَ في حالِ كونِه رسولاً إليهم، وهو إنما صار رسولاً بعد ذلك بأزمنةٍ، فإن قيل: هي حالٌ مقدَّرة كقولهم: «مررت برجل معه صقرٌ صائداً به غداً» وقوله: ﴿فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ، قيل: الأصلُ في الحالِ أن تكونَ مقارنةً، ولا تكونُ مقدرةً إلا حيث لا لَبْسَ.
الثالث: أن يكونَ منصوباً بفعلٍ مضمرٍ لائقٍ بالمعنى، تقديرُه: ونجعلُه رسولاً، لَمَّا رأَوه لا يَصِحُّ عَطْفُه على مفاعيلِ التعليم أضمروا له عاملاً يناسبه، وهذا كما قالوا في قوله تعالى: ﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان﴾ [الحشر: ٩] وقوله:
١٢٩٣ - يا ليتَ زوجَك قد غدا ... متقلِّداً سيفاً ورمحا
وقول الآخر:
١٢٩٤ - عَلَفْتُها تِبْناً وماءً باردا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1662
وقوله:
١٢٩٥ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعُيونا
أي: واعتقدوا الإِيمانَ، ومعتقلاً رمحاً، وسَقَيْتُها ماءً بارداً، وكَحَّلْنَ العيونَ، وهذا على أحدِ التأويلين في هذه الأمثلةِ.
الرابع: أن يكونَ منصوباً بإضمار فعلٍ من لفظِ «رسول» ، ويكون ذلك الفعلُ معمولاً لقولٍ مضمر أيضاً هو من قولِ عيسى.
الخامس: أنَّ الرسولَ فيه معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم. ويُوَضِّح هذين الوجهين الأخيرين ما قاله الزمخشري، قاله ﵀: «فإن قلت: علامَ تَحْمِلُ» ورسولاً ومصدقاً «من المنصوبات المتقدمة، وقوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ و ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ يأبى حَمْلَه عليها؟ قلت: هو من المُضايِق، وفيه وجهان، أحدهما: أن تُضْمِرَ له» وأُرْسِلْتُ «على إرادة القول، تقديرُه: ويُعَلِّمه الكتابَ والحكمة ويقول: أُرْسِلْتُ رسولاً باني قد جئتكم ومُصَدِّقاً لِما بين يديَّ.
والثاني: أن الرسول والمُصَدِّق فيهما معنى النطق، فكأنه قيل: وناطقاً بأني قد جئتكم ومصدقاً لما بين يديّ «انتهى. إنما احتاج إلى إضمار ذلك كلِّه تصحيحاً للمعنى واللفظ، وذلك أنَّ ما قبله / من المنصوبات لا يَصِحُّ عطفُه عليه في الظاهر؛ لأنَّ الضمائر المتقدمة غيبٌ،
стр. 1663
والضميران المصاحبان لهذين المنصوبين للمتكلم، فاحتاج إلى ذلك التقدير لتتناسَبَ الضمائرُ. قال الشيخ:» وهذا الوجهُ ضعيفٌ؛ إذ فيه إضمارُ شيئين: القولِ ومعمولهِ الذي هو «أُرْسِلْتُ» ، والاستغناءُ عنهما باسم منصوبٍ على الحال المؤكِّدة، إذ يُفْهَمُ من قوله «وأُرْسِلْتُ» أنه رسولٌ فهي حال مؤكِّدة «. واختار الشيخُ الوجَه الثالث قال:» إذ ليس فيه إلا إضمارُ فعلٍ يَدُلُّ عليه المعنى، ويكون قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ معمولاً لرسول أي: ناطقاً بأني قد جئتكم، على قراءة ِ الجمهور.
السادس: أن يكونَ حالاً من مفعولِ «ويُعَلِّمه» وذلك على زيادة الواو، كأنه قيل: ويُعَلِّمه الكتابَ حالَ كونِه رسولاً، قاله الأخفش، وهذا على أصلِ مذهبهِ من تجويزِه زيادةَ الواوِ، وهو مذهبُ مرجوحٌ.
وعلى الثاني في نصبِه وجهان، أنه مفعولٌ به عطفاً على المفعولِ الثاني ليُعَلِّمه أي: ويُعَلِّمه الكتابَ ورسالةً أي: يعلمه الرسالة أيضاً، والثاني: أنه مصدرٌ في موضع الحال، وفيه التأويلاتُ المشهورةُ في: رجلٌ عَدْلٌ.
وقرأ اليزيدي: «ورسولٍ» بالجر، وخَرَّجها الزمخشري على أنها منسوقةٌ على قوله: «بكلمة» أي: نبشِّرك بكلمة وبرسولٍ. وفيه بُعْدٌ لكثرةِ الفصلِ بين المتعاطِفَيْنِ، ولكن لا يَظْهَر لهذه القراءةِ الشاذة غيرُ هذا التخريجِ.
стр. 1664
وقوله: ﴿إلى بني إِسْرَائِيلَ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يتعلَّقَ بنفس «رسولاً» إذ فعلُه يتعدَّى بإلى، والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لرسولاً، فيكونَ منصوبَ المحلِّ في قراءةِ الجمهور، مجروره في قراءة اليزيدي.
قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ قرأ العامة: «أني» بفتح الهمزة وفيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُهما: أنَّ موضعَها جر بعد إسقاطِ الخافض، إذ الأصل: بأني، ف «بأني» متعلِّقٌ برسولاً، وهذا مذهبُ الشيخين: الخليلِ والكسائي. والثاني: أن موضعَها نصبٌ، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، الأول: أنه نصبٌ بعد إسقاط الخافض، وهو الباء، وهذا مذهب التلميذين: سيبويه والفراء. الثاني: أنه منصوبٌ بفعل مقدر أي: يذكر أني، فيذكرُ صفةٌ لرسولا، حُذِفَتِ الصفةُ وبقي معمولُها. الثالث: أنه منصوب على البدل من «رسولاً» أي: إذا جعلته مصدراً مفعولاً به، تقديرُه: ويُعَلِّمه الكتابَ ويعلِّمه أني قد جئتكم، جَوَّزه أبو البقاء وهو بعيد في المعنى.
الثالث: من الأوجِهِ الأُوَلِ: أنَّ موضعَه رفعٌ على خبرِ متبدأٍ محذوفٍ أي: هو أني قد جِئْتُكم.
وقرأ بعضُ القرَّاء بكسر هذه الهمزة وفيها تأويلان، أحدهما: أنها على إضمارِ القول أي: قائِلاً إني قد جئتكم، فَحَذَفَ القولَ الذي هو حالٌ في المعنى وأَبْقَى معمولَه.
والثاني: أن «رسولاً» بمعنى ناطِق، فهو مُضَمَّنٌ معنى
стр. 1665
القول، وما كان مُضَمَّناً معنى [القول] أُعْطِي حكمَ القولِ، وهذا مذهبُ الكوفيين.
وقوله: ﴿بِآيَةٍ﴾ يُحتمل أن تكونَ متعلقةً بمحذوفٍ على أنها حالٌ من فاعل «جئتكم» أي: جِئْتُكم ملتبساً بآية. والثاني: أنها متعلقةُ بنفسِ المجيءِ ِأي: إجاءَتَكم الآية. وقوله: ﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾ صفةٌ لآية فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: بآيةٍ من عند ربكم، ف «مِنْ» للابتداءِ مجازاً، ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ «من ربكم» بنفسِ المجيء أيضاً. وقَدَّر أبو البقاء الحال في قولِه ﴿بِآيَةٍ﴾ بقوله: محتجَّاً بآية، إنْ عنى من جهةِ المعنى صَحَّ، وإن عَنَى من جهة الصناعةِ لم يَصِحَّ، إذ لم يُضْمَرْ في هذه الأماكنِ إلا الأكوان المطلقةُ.
وقرأ الجمهور: «بآيةٍ» بالإِفرادِ في الموضِعَيْن، وابن مسعود: «بآياتٍ» جمعاً في الموضعين.
قوله: ﴿أني أَخْلُقُ﴾ قرأ نافع بكسر الهمزة، والباقون بفتحها. فالكسرُ من ثلاثة أوجه، الأول: على إضمارِ القولِ أي: فقلت: إني أخلق. الثاني: أنه على الاستئناف. الثالث: على التفسير، فَسَّر بهذه الجملةِ قولَه: «بآية» كأنَّ قائِلاً قال: وما الآيةُ؟ فقال هذا الكلامَ، ونظيرُه ما سيأتي: «إنَّ مثل عيسى عند اللهِ كمثلِ آدمَ» ثم قال: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] فخلقه مفسرةٌ للمثل، ونظيرُه أيضاً قولُه تعالى: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ ثم فَسَّر الوعدَ بقولِه: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ﴾ [المائدة: ٩] ، وهذا الوجهُ هو الوجه الصائرُ إلى الاستئنافِ، فإنَّ
стр. 1666
المستأنَفَ يُؤْتى به تفسيراً لما قبله، إلا أنَّ الفرقَ بينه وبين ما قبله أنّ الوجهَ الذي قبلَه لا تَجْعَلُ له تعلُّقاً بما تقدَّم البتةَ، بل جيء به لمجردِ الإِخبارِ بما تضمَّنه، والوجه الثالث تقول: إنه متعلِّقٌ بما تقدَّمه، مُفَسِّر له.
وأمَّا قراءةُ الجماعةِ ففيها أربعةُ أوجهٍ أحدُها: أنها بدلٌ من «أني قد جئتكم» فيجيءُ فيها ما تقدَّم في تلك لأنَّ حكمَها حكمُها. الثاني: أنها بدلٌ من «آية» فتكونُ محلَّها، أي: وجئتكم بأني أخلقُ لكم، وهذا نفسُه آيةٌ من الآيات، وهذا البدلُ يَحْتمل أن يكونَ كلاً مِنْ كل إنْ أُريد بالآية شيءٌ خاص، وأَنْ يكونَ بدلَ بعضٍ من كل إنْ أُريد بالآيةِ الجنس. الثالث: أنها خبرٌ مبتدأٍ مضمرٍ تقديرُه: هي أني أخلق أي: الآيةُ التي جئت بها أني أخلُقُ، وهذه الجملةُ في الحقيقةِ جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر كأن قائلاً قال: وما الآيةُ؟ فقال: ذلك. الرابعُ: أن تكونَ منصوبةً بإضمارِ فعلٍ، وهو أيضاً جوابٌ لذلك السؤالِ كأنه قال: أعني أنِّي أخلق، وهذان الوجهان يلاقيان في المعنى قراءةَ نافع على بعضِ الوجوهِ فإنهما استئناف.
و «لكم» متعلِّقٌ بأخلُقُ، واللامُ للعلة، أي: لأجلكم بمعنى: لتحصيل إيمانِكم ودَفْعِ تكذيبِكم إياي، وإلاَّ فالذواتُ لا تكونُ عِلَلاً بل أحداثُها.
و «من الطين» متعلقٌ به أيضاً، و «مِنْ» لابتداءِ الغاية، وقولُ مَنْ قال: إنها للبيان «تساهلٌ، إذ لم يَسْبِقْ منهم تبيُّنه.
قوله: ﴿كَهَيْئَةِ الطير﴾ في موضع هذه الكافِ ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنها نعتٌ لمفعول محذوف تقديره: أني أخلُق لكم هيئةً مثلَ هيئةِ الطير، والهيئةُ: إمَّا مصدرٌ في الأصل/ ثم أُطْلِقَتْ على المفعولِ أي المُهَيّأ كالخَلْق بمعنى المخلوق، وإمَّا اسمٌ لحال الشيء، وليست مصدراً، والمصدرُ: التهَيُّؤُ والتَّهْيِيءُ والتَّهْيِئَةُ، ويُقال: [هاءَ الشيءُ يَهِيْءُ هَيْئَاً وهَيْئَِةً إذا تَرَتَّب واستقرّ على
стр. 1667
حالة مخصوصة] ، ويتعدَّى بالتضعيف، قال تعالى: ﴿وَيُهَيِّىءْ لَكُمْ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِّرْفَقاً﴾ [الكهف: ١٦] . والطينُ: معروف، طانَه الله على كذا وطامه بإبدال النون ميماً أي: جَبَله عليه، والنفخُ معروفٌ.
الثاني: أنَّ الكافَ هي المفعولُ به لأنَّها اسمٌ كسائرِ الأسماءِ وهذا رأيُ الأخفشِ، يجعلُ الكافَ اسماً حيث وَقَعَتْ، وغيرُه من النحاة لا يقولُ بذلك إلا إذا اضْطُرَّ إليه كوقوعِها مجرورةً بحرفٍ أو بإضافةٍ أو تقع فاعلةً أو مبتدأ، وقد تقدَّمَ جميعُ أمثلةِ ذلك مسبوقاً فأغنى عن إعادتِه هنا.
والثالث: أنها نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، قاله الواحدي نَقْلاً عن أبي علي بعد كلامٍ طويلٍ، قال» وتكونُ الكافُ في موضعِ نصبٍ على أنه صفةٌ للمصدرِ المُرَادِ، تقديرُه: أني أخلُق لكم من الطين خلقاً مثلَ هيئة الطير «. وفيما قالَه نظرٌ من حيث المعنى؛ لأنَّ التحدِّي إنَما يقعُ في أثرِ الخَلْق، وهو ما يَنْشأ عنه من المخلوقاتِ لا في نفس الخَلْق، اللهم إلا أن تقولَ: المرادُ بهذا المصدرِ المفعولُ به فَيَؤُول إلى ما تقدَّم.
وقال الزمخشري:» إني أُقَدِّر لكم شيئاً مثلَ هيئةِ الطير «فهذا تصريحٌ منه بأنها صفةٌ لمفعولٍ محذوفٍ، وقولُه» أُقَدِّر «تفسيرٌ للخلق، لأن الخَلْق هنا التقدير، كقول الشاعر:
١٢٩٦ - وَلأَنْتَ تَفْري ما خَلَقْتَ وَبعْ ... ضُ القوم يَخْلُق ثم لا يَفْري
стр. 1668
إذ ليس المرادُ الاختراعُ فإنه مختص بالباري تعالى. وقرأ الزهري:» كَهَيَةِ «بنقلِ حركة الهمزة إلى الياء وهي فصيحةٌ. وقرأ أبو جعفر: كهيئة الطائرِ.
قوله: ﴿فَأَنفُخُ فِيهِ﴾ في هذا الضميرِ ستةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه عائدٌ على الكافِ، لأنها اسمٌ عند مَنْ يَرى ذلك أي: أَنفُخ في مثلِ هيئةِ الطيرِ. الثاني: أنه عائدٌ على» هيئةِ «لأنها في معنى الشيءِ المُهَيَّأ، فلذلك عادَ الضميرُ عليها مذكَّراً، وإنْ كانَتْ مؤنثةً، اعتباراً بمعناها دونَ لفظِها، ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ القسمة﴾ [النساء: ٨] ثم قال: ﴿فارزقوهم مِّنْهُ﴾ فأعادَ الضمير في:» منه «على القسمةِ لمَّا كانَتْ بمعنى المقسومِ. الثالث: أنه عائدٌ على ذلك المفعولِ المحذوفِ أي: فَأَنْفُخُ في ذلك الشيءِ المماثلِ لهيئة الطير.
الرابع: أنه عائدٌ على ما وَقَعَتِ الدلالةُ عليه في اللفظ وهو «أني أخلقُ» ويكونُ الخَلْقُ بمنزلةِ المخلوق. الخامس: أنه عائدٌ على ما دَلَّت عليه الكافُ مِنْ معنى المِثْل، لأنَّ المعنى: أخلُق من الطين مثلَ هيئةِ الطير، وتكونُ الكافُ في موضعِ نصبٍ على أنه صفةٌ للمصدرِ المرادِ تقديرُه: أني أخلُق لكم خلقاً مثلَ هيئةِ الطيرِ، قاله الفارسي وقد تقَدَّم الكلامُ معه في ذلك. السادس: أنه عائدٌ على الطينِ قاله أبو البقاء. وهذا الوجهُ قد أفسده الواحدي فإنه قال: «ولا يجوزُ أَنْ تعودَ الكناية على الطينِ لأنَّ النفخَ إنما يكونُ في طينٍ مخصوص، وهو ما كانَ مُهَيَّأً منه، والطينُ المتقدِّم ذكرُه عام فلا تعودُ إليه الكناية، ألا ترى أنه لا ينفخ جميعَ الطين، وفي هذا الردِّ نظرٌ، إذ لقائلٍ أن يقولَ: لا نُسَلِّم عمومَ الطينِ المتقدِّم، بل المرادُ بعضُه، ولذلك أدخلَ عليه» مِنْ «التي تقتضي التبعيضَ، وإذا صارَ المعنى:» أني أخلقُ بعض الطين «عاد الضميرُ عليه من
стр. 1669
غير إشكال، ولكن الواحدي جَعَلَ» مِنْ «في» من الطين «لابتداءِ الغاية وهو الظاهرُ. قال الشيخ:» وقد قرأ بعضُ القراء: «فأنفخُها» أعادَ الضميرَ على الهيئة المحذوفة، إذ يكونُ التقدير: هيئةً كهيئةِ الطيرِ، أو على الكاف على المعنى، إذ هي بمعنى: مماثلةً هيئةَ الطيرِ، فيكونُ التأنيثُ هنا كما هو في آية المائدة في قوله: ﴿فَتَنفُخُ فِيهَا﴾ فتكونُ هذه القراءةُ قد حُذِفَ حرفُ الجرِّ منها كقولِه:
١٢٩٧ - ما شُقَّ جيبٌ ولا قامَتْكَ نائحةٌ ... ولا بَكَتْكَ جيادٌ عند إسْلابِ
وقول النابغة:
١٢٩٨ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كالهِبْرِقيِّ تَنَحَّى يَنْفُخُ الفَحْما
يريد: ولا قامَتْ عليك، وينفخُ في الفحم، وقال: «وهي قراءةُ شاذة نقلها الفراء» ، وعجبت منه كيف لم يَعْزُها، وقد عَزاها صاحبُ «الكشاف» إلى عبد الله قال: وقرأ عبد الله: «فأنفخُها» وأنشد:
«كالهِبْرِقيِّ تَنَحَّى» ... قوله: «فيكون» في «يكون» وجهان أحدُهما: أنها تامة أي: فيوجدُ
стр. 1670
ويكونُ «طيراً» على هذا حالاً، والثاني: أنها الناقصةُ و «طيراً» خبرُها، وهذا هو الذي ينبغي أن يكونَ، لأنَّ في وقوعِ اسمِ الجنس حالاً بُعْداً مُحْوجاً إلى تأويلٍ، وإنما يظهرُ ذلك على قراءةِ نافع: «طائراً» لأنه حينئذ اسمٌ مشتقٌّ، وإذا قيل بنقصانِها فيجوزُ أن تكونَ على بابها ويجوزُ أن تكونَ بمعنى صار الناقصة كقولِهِ:
١٢٩٩ - بتَيْهاءَ قَفْرٍ والمَطِيُّ كأنَّها ... قَطا الحَزْنِ قد كانَتْ فِراخاً بيوضُها
أي: صارَتْ، وقال أبو البقاء: «فيكون» أي: يصيرُ، فيجوزُ أَنْ تكونَ «كان» هنا التامة لأنَّ معناها «صار» ، وصار بمعنى انتقل، ويجوز أن تكونَ الناقصة، و «طائراً» على الأول حالٌ وعلى الثاني خبرٌ «.
قلت: لا حاجةَ إلى جَعْلِه إياها في حالِ تمامِها بمعنى «صار» التامة التي معناها معنى انتقل، بل النحويون إنما يُقَدِّرون التامةَ بمعنى حَدَثَ ووَجَدَ وحَصَل وشبهِها، وإذا جَعَلُوها بمعنى «صار» فإنما يَعْنُون صارَ الناقصةَ.
وقرأ نافع ويعقوب: «فيكون طائراً» هنا وفي المائدة، والباقون: «طَيْراً» في الموضعين. فأمَّا قراءةُ نافع فوجَّهَها بعضُهم بأنَّ المعنى على التوحِيد، والتقديرُ: فكيونُ ما أنفخ فيه طائراً، ولا يُعْتَرض عليه بأنَّ الرسمَ الكريمَ إنما هو «طير» دون ألفٍ، لأنَّ الرسمَ يُجَوِّزُ حَذْفَ مثلِ هذه الألفِ تخفيفاً، ويَدُلُّ على ذلك أنه رُسِمَ قولُه تعالى: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] : «
стр. 1671
ولا طيرٍ» دونَ ألف، ولم يقرَأْه أحدٌ إلا «طائر» بالألف، فالرسمُ محتملٌ لا منافٍ.
وقال بعضُهم كالشارح لِما قَدَّمْتُه: «ذهب نافع إلى نوع واحد من الطير لأنه لم يَخْلُق غيرَ الخفاش» . وزعم آخرون أنَّ معنى قراءتِهِ: يكونُ كلُّ واحدٍ مما أنفخ فيه طائراً، قال: كقولِهِ تعالى: ﴿فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أي: اجلِدوا كلَّ واحدٍ منهم، وهو كثيرٌ في كلامهم.
وأما قراءةُ الباقين فمعناها يُحتمل أَنْ يُراد به اسمُ الجنس، أي: جنسِ الطير، فيُحتْمل أَنْ يُرادَ به الواحدُ فما فوقَه، ويُحتمل أن يُرادَ به الجمعُ، ولا سيما عند مَنْ يرى أنَّ «طيراً» صيغتُه جمعٌ نحو: / رَكْب وصَحْب وتَجْر جمعَ راكب وصاحب وتاجر وهو الأخفش، وأمَّا سيبويه فهي عنده أسماءُ جموعٍ لا جموعٌ صريحةٌ، وقد تقدَّم لنا الكلامُ على ذلك في البقرة. وحَسَّنَ قراءةَ الجماعةِ موافقتُه لِما قبله في قوله: «من الطيرِ» ولموافقةِ الرسم لفظاً ومعنى.
قوله: ﴿بِإِذْنِ الله﴾ يجوزُ أَنُ يتعلَّقَ ب «طائراً» وهذا على قراءةِ نافع، وأما على قراءة غيره فلا يتعلق به، لأِنَّ طيراً اسمُ جنسٍ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لطير، أي: طيراً ملتبساً بإذن اللهِ ِأي: بتمكينهِ وإقرارِهِ. وقال أبو البقاء: «متعلِّقٌ بيكون» ، وهذا إنَّما يَظْهَرُ إذا جَعَلَ «كان» تامةً، وأما إذا جَعَلها ناقصةً ففي تعلُّقِ الظرفِ بها الخلافُ المشهور.
قوله: ﴿وَأُبْرِىءُ الأكمه﴾ وأُبْرىء عطفٌ على «أَخْلُق» فهو داخلٌ في حَيِّز «أني» ، ويقال: أَبْرَأْتُ زيداً من العاهةِ ومِن الدَّيْنِ، وبَرَّاتُكَ من الدَّين
стр. 1672
بالتضعيف، وبَرِئْتُ من المرض أَبْرَأُ، وَبَرَأْتُ أيضاً، وأما بَرِئْتُ من الدَّين ومِن الذنب فبرِئْتُ لا غير. وقال الأصمعي: «بَرِئْتُ من المرض لغةُ تميم وَبَرَأْتُ لغة الحجاز» . وقال الراغب: «بَرَأْتُ من المرضِ وبَرِئْتُ، وبَرَأْتُ من فلان» فظاهر هذا أنه لا يقال الوجهان: أعني فتح الراء وكسرها إلا في البراءة من المرض ونحوه، وأمَّا الدَّيْنُ والذنب ونحوهما فالفتحُ ليس إلاَّ.
والبراءَةُ: التغَصِّي من الشيء المكروهِ مجاوَزَتُه وكذلك: التبرِّي والبُرْء.
والأكمهُ: مَنْ وُلِدَ أَعْمَى يقال: كَمِه يَكْمَهُ كَمَهَاً فهو أكمه قال رؤبة:
١٣٠٠ - فارتدَّ عنها كارتدادِ الأكمهِ ... ويُقال كَمِهْتُها أنا أي: أعميتها. وقال الزمخشري والراغب وغيرهما: «الأكمهُ مَنْ وُلِدَ مطموسَ العَيْن» . قال الزمخشري: «ولم يُوجَدْ في هذه الأمةِ أكمَهُ غيرُ قتادةَ صاحبِ التفسير» . وقال الراغب: «وقد يُقال لمَنْ ذَهَبَتْ عينُه: أكمهُ، قال سويد:
١٣٠١ - كَمِهَتْ عيناه حتى ابْيَضَّتا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 1673
والبَرَصُ داءٌ معروفٌ وهو بياضٌ يَعْتَرِي الإِنسانَ، ولم تكن العرب تَنْفِرُ مِنْ شيءٍ نَفْرَتَها منه، يُقال: بَرِصَ يَبْرَصُ بَرَصاً، أي: أصابه ذلك، ويُقال لَه: الوَضَح، وفي الحديث:» وكان بها وضَح «والوضَّاح مِنْ ملوك العرب هابُوا أَنْ يقولوا له الأبرصَ، ويقال للقمر: أبرصُ لشدةِ بياضِهِ. وقال الراغب:» للنكتةِ التي عليه «وليس بظاهرٍ، فإنَّ النكتةَ التي عليه سوداءُ، والوَزَغُ: سامٌّ أبرصَ لبياضِهِ، والتبريص: الذي يلمع لَمَعان البرصِ ويُقارِبُ البصيصَ.
قوله: ﴿بِمَا تَأْكُلُونَ﴾ يجوزُ في» ما «أن تكونَ موصولةً اسميةً أو حرفيةً أو نكرةً موصوفةً، فعلى الأولى والثالثِ يَحْتاج إلى عائدٍ بخلافِ الثاني عند الجمهورِ، وكذلك» ما «في قولِهِ:» وما تَدَّخِرُون «محتملةٌ لِما ذُكِرَ.
وأَتَى بهذه الخوارِق الأربعِ بلفظِ المضارعِ دلالةً على تجدُّدِ ذلك كلَّ وقتٍ طُلِبَ منه، وقَيَّد قولَهُ:» أني أخلُق «إلى آخرِهِ» بإذن الله «لأنه خارقٌ عظيمٌ، فأتى به دَفْعاً لتوهُّمِ الإِلهيةِ، ولم يأتِ به فيما عُطِفَ عليه في قوله:» وأُبْرِىء «، ثم قَيَّدَ الخارِقَ الثالثَ أيضاً» بإذنِ الله «لأنه خارقٌ عظيمٌ أيضاً، وعَطَفَ عليه قولَهُ:» وأنبِّئكم «من غيرِ تقييدٍ له مَنْبَهَةً على عِظَمِ ما قبلَه ودَفْعاً لوَهْمِ مَنْ يَتَوهَّم فيه الإِلهية، أو يكون قد حَذَفَ القَيْدَ من المعطوفَيْنِ اكتفاءً به في الأولِ، وما قَدَّمْتُه أحسنُ.
وتَدَّخِرون: قراءةُ العامة بدالٍ مشددةٍ مهملةٍ، وأصلُه تَذْتَخِرُون تَفْتَعِلُون من الذُّخْر وهو التخبِئَةُ، يقال: ذَخَر الشيءَ يَذْخَرُه ذُخْراً فهو ذاخِر ومَذْخُور أي: خَبَّاه، قال الشاعر:
стр. 1674
١٣٠٢ - لها أَشَارِيرُ مِنْ لحمٍ تُتَمِّرُه ... من الثَّعالِي وذُخْرٌ من أَرانيها
الذُّخْر: فُعْل بمعنى المَذْخور نحو: الأَكْل بمعنى المأكول، وبعضُ النحْويين يُصَحِّفُ هذا البيت فيقول:» وَوَخْزٌ «بالواو والزاي، وقوله:» من الثَّعالي وأَرانيها «يريدُ: من الثعالب وأرانبها، فَأَّبْدَلَ الباءً الموحدةَ ياءً بثِنْتَيْنِ من تحت، وَلمَّا كان أصلُهُ» تّذْتَخِرون «اجتمعت الذالُ المعجمةُ مع التاءِ أي تاءِ الافتعال أُبدِلَتْ تاءُ الافتعال دالاً مهملةً فالتقى بذلك متقاربانِ: الذالُ والدالُ، فَأَدْغَم الذالَ المعجمةَ في المهملةِ فصارَ اللفظُ: تَدَّخِرون كما ترى.
وقد قرأ السوسي في رواية عن أبي عمرو: تَذْدَخِرون بقَلْبِ تاءِ الافتعالِ دالاً مهملةً من غيرِ إدغامٍ، وهو وإِنْ كانَ جائزاً إلاَّ أنَّ الإِدغامَ هو الفصيحُ.
وقرأ الزهري ومجاهد وأبو السَّمَّال وأيوب السختياني «تَذْخَرون» بسكونِ الذالِ المعجمةِ وفتحِ الخاءِ، جاؤوا به مجرداً على فَعَل، يقال: ذَخَرْتُه أي: خَبَّأْتُه، ومن العرب من يَقْلِبُ تاء الافتعال في هذا النحو ذالاً معجمة فيقول: اذَّخَر، يَذَّخِر بذالٍ معجمة مشددةٍ، ومثلُه اذَّكر فهو مُذَّكِر، وسيأتي إنْ شاء الله.
وقال أبو البقاء: «والأصلُ في تَدَّخِرون: تَذْتَخِرون، إلاَّ أنَّ الذالَ مهجورةٌ والتاءَ مهموسةٌ فلم يجتمعا، فأُبدلت التاءُ دالاً لأنها من مَخْرَجها لتقربَ من الذالِ، ثم أُبدلت الذالُ دالاً وأُدْغِمَتْ» . و «في بيوتِكم» متعلِّقٌ بتدَّخرون.
стр. 1675
قوله: ﴿إِنَّ فِي ذلك﴾ «ذلك» إشارةٌ إلى جميعِ ما تقدَّم من الخوارق، وأُشير إليها بلفظِ الأفراد وإنْ كانت جمعاً في المعنَى، بتأويل «ما ذُكِرَ ما تَقَدَّم» . وقد تقدَّم أن في مصحف عبد الله وقراءته: «لآياتٍ» بالجمع مراعاةً لِما ذكرته من معنى/ الجمع. وهذه الجملةُ تحتمل أَنْ تكون من كلامِ عيسى وأَنْ تَكُونَ من كلام الله تعالى.
و ﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ جوابُهُ محذوفٌ أي: إن كنتم مؤمنين انتفعتم بهذه الآيةِ وتدبَّرتموها. وقَدَّر بعضُهم صفةً محذوفة لآية، أي لآيةً نافعةً، قال الشيخ: «حتى يتَّجِه التعلُّقُ بهذا الشرط» وفيه نظرٌ، إذ يَصِحُّ التعلُّقُ بالشرطِ دونَ تقديرِ هذه الصفةِ.
стр. 1676
قوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقاً﴾ : نَسَقٌ على محلِّ «بآية» ؛ لأنَّ «بآية» في محلِّ نصبٍ على الحال إذ التقديرُ: وجئتكم ملتبساً بآية ومصدقاً. وقال الفراء والزجاج: «نصب مصدقاً على الحال، المعنى: وجئتُكم مصدقاً لما بين يديَّ، وجاز إضمار» جئتُكم «لدلالةِ أولِ الكلامِ عليه، وهو قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ ، ومثلُه في الكلام:» جئته بما يحب ومكرماً له «. قال الفراء:» ولا يجوزُ أَنْ يكون «ومصدقاً» معطوفاً على «وجيهاً» لأنه لو كان ذلك لقال: «ومُصَدِّقاً لِما بين يديه» يعني أنه لو كان معطوفاً عليه لأتى معه بضميرِ الغيبةِ لا بضمير التكلم، وكذلك ذَكَرَ غيرُ الفراء، ومَنَع أيضاً أن يكونَ منسوقاً على «رسولاً» قال: «لأنه لو كان مردوداً عليه لقال:» وَمُصَدِّقاً لِما بين يديك «لأنه خَاطَبَ بذلك مريم، أو قال: بين يديه» يعني أنه لو كان معطوفاً على «رسولاً» لكان ينبغي أن يُؤْتى بضميرِ الخطاب مراعاةً لمريم أو بضميرِ
стр. 1677
الغَيْبة مراعاةً للاسم الظاهر. قال الشيخ: «وقد ذَكَرْنا أنه يجوزُ في» ورسولاً «أن يكونَ منصوباً بإضمار فعلٍ أي: وأُرْسِلْتُ رسولاً» فعلى هذا التقديرِ يكون «مصدقاً» معطوفاً على «رسولاً» .
قوله: ﴿مِنَ التوراة﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه حالٌ من «ما» الموصولةِ أي: الذين بين يديَّ حالَ كونِهِ من التوراةِ، فالعامِلُ فيه «مصدقاً» لأنه عاملٌ في صاحبِ الحال، والثاني: أنه حالٌ من الضمير المستترِ في الظرفِ الواقِعِ صلةً، والعامِلُ فيه الاستقرارُ المضمرُ في الظرفِ أو نفسُ الظرفِ لقيامِهِ مقامَ الفعلِ.
قوله: ﴿وَلأُحِلَّ﴾ فيه أوجه أحدها: أنه معطوفٌ على معنى «مصدقاً» إذ المعنى: جئتُكم لأصدِّقَ ما بين يديّ ولأُحِلَّ لكم، ومثلُه من الكلام: «جئتُه معتذراً إليه ولأجتلِبَ رضاه، أي: جئتُ لأعتذرَ ولأجتلبَ، كذا قال الواحدي وفيه نظرٌ، لأن المعطوفَ عليه حال، وهذا تعليلٌ. قال الشيخ بعد أَنْ ذَكَرَ هذا الوجهَ:» وهذا هو العطفُ على التوهُّمِ وليس هذا منه، لأن معقوليةَ الحالِ مخالفةٌ لمعقوليةِ التعليلِ، والعطفُ على التوهم لا بد أَنْ يكونَ المعنى مُتَّحِداً في المعطوفِ والمعطوفِ عليه، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن﴾ [المنافقون: ١٠] كيف اتَّحد المعنى من حيث الصلاحيةُ لجوابِ التخضيض، وكذلك قولُه:
١٣٠٣ - تَقِيٌّ نَقِيٌّ لم يُكَثِّرْ غنيمةً ... بنَهْكَةٍ ذي قُرْبى ولا بِحَقَلِّدِ
стр. 1678
كيف اتَّحد معنى النفي في قولِه: «لم يُكَثِّرْ» وفي قوله: «ولا بحقلَّد» أي: ليس بمكثرٍ ولا بحقلدٍ، وكذلك ما جاء منه «.
قلت: ويمكن أَنْ يُريدَ هذا القائلُ أنه معطوفٌ على معنى «مصدقاً» أي: بسببِ دلالتِهِ على علةٍ محذوفةٍ هي موافقةٌ له في اللفظِ فَنَسَبَ العطفَ على معناه باعتبارِ دلالته على العلةِ المحذوفةِ لأنها تشاركه في أصلِ معناه، أعني مدلولَ المادةِ وإنْ كانت دلالةُ الحالِ غيرَ دلالةِ العلةِ.
الثاني: أنه معطوفٌ على علةٍ مقدرةٍ أي: جئتُكم بآيةٍ لأوسِّعَ عليكم ولأُِحِلَّ، أو لأِخَفِّفَ عنكم ولأُِحِلَّ ونحوُ ذلك.
الثالث: أنه معمولٌ لفعلٍ مضمرٍ لدلالةِ ما تقدَّم عليه أي: وجئتُكم لأُِحِلَّ، فحُذِفَ العاملُ بعد الواوِ.
الرابع: أنه متعلِّقٌ بقولِهِ: ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ والمعنى: اتِّبعوني لأُِحِل لكم، وهذا بعيدٌ جداً أو ممتنعٌ.
الخامس: أن يكونَ «ولأِحِلَّ» ردَّاً على قولِهِ: «بآية» ، قال الزمخشري: «ولأِحِلَّ» ردٌّ على قولِه: ﴿بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ أي «جئتكم بآيةٍ من ربكم ولأِحلَّ» . قال الشيخ: «ولا يَسْتَقِيم أن يكونَ» ولإِحلَّ لكم «ردَّاً على» بآيةٍ «؛ لأنَّ» بآية «في موضِعِ حالٍ، و» لأِحِلَّ «تعليلٌ ولا يَصِحُّ عطفُ التعليلِ على الحالِ؛ لأنَّ العطفَ بالحرفِ المُشَرِّك في الحكم يُوجِبُ التشريكَ في جنسِ المعطوفِ عليه، فإنْ عَطَفْتَ على مصدرٍ أو مفعولٍ به أو ظرفٍ أو حالٍ أو تعَليلٍ أو غيرِ ذلك شارَكَهُ في ذلك المعطوفِ» قلت: ويُحتمل أن يكونَ جوابُه ما تقدَّم من أنه أرادَ رَدًّاً على «بآية» من حيث دلالتُها على عاملٍ مقدَّرٍ.
стр. 1679
قوله: ﴿بَعْضَ الذي حُرِّمَ﴾ المرادُ ببعض مدلولُهُ الأصلي، وقال أبو عبيدة «إنها هنا بمعنى» كل «مستدلاً بقولِ لبيد:
١٣٠٤ - تَرَّاكُ أمكنةٍ إذا لم أَرْضَها ... أو يَرْتَبِطْ بعضَ النفوسِ حِمامُها
وقد رَدَّ الناسُ عليه بأنه كان يَلْزَمُ أن يُحِلَّ لهم الربا والسرقة والقتل لأنها كانت مُحَرَّمةً عليهم، فلو كان المعنى: ولأِحِلَّ لكم كلَّ الذي حُرِّم عليكم لأَحَلَّ لهم ذلك كله. واستَدَلَّ بعضُهم على أنَّ» بعضاً «بمعنى» كل «بقولِ الآخر:
١٣٠٥ - أبا منذرٍ أَفْنَيْتَ فاستَبِقْ بعضَنَا ... حَنَانَيْكَ بعضُ الشرِّ أهونُ من بعضِ
أي: أهونُ من كل الشرِّ، واستدلَّ آخرون بقولِ الآخر:
١٣٠٦ - إنَّ الأمورَ إذا الأحداثُ دَبَّرها ... دونَ الشيوخِ تَرى في بعضِها خَلَلا
أي: في كلِّها خَلَلاً، ولا حاجةً إلى إخراجِ اللفظِ عن مدلولِهِ مع إمكان صحة معناه، إذ مرادُ لبيد ببعضٍ النفوس نفسُه هو، والتبعيضُ في البيتين الآخرين واضحٌ فإنَّ الشرَّ بعضُه أهونُ من بعضٍ آخرَ لا مِنْ كله، وكذلك ليس كلُّ أمرٍ دَبَّره الأحداثُ كان فيه خَلَلٌ، بل قد يأتي تدبيرُهُ أحسنَ من تدبيرِ الشيخ.
стр. 1680
وقرأ العامةُ:» حُرِّمَ «مبنياً للمفعول والفاعلُ هو الله تعالى. وقرأ عكرمة:» حَرَّم «مبنياً للفاعلِ وهو اللهُ تعالى أو الموصولُ في قوله: ﴿لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾ لأنه كتابٌ مُنَزَّلٌ، أو موسى لأنه هو صاحبُ التوراةِ، فَأَضْمَر للدلالةِ عليه بِذِكْرِ كتابِهِ.
وقرأ إبراهيم النخعي: «حَرُمَ» بوزن شَرُف وظَرُف، نَسَبَ الفعل إليه/ مجازاً للعلمِ أنَّ المُحَرِّم هو الله تعالى.
قوله: ﴿وَجِئْتُكُمْ﴾ هذه الجملةُ يُحْتمل أن تكونَ تأكيداً للأولى لتقدُّم معناها ولفظِها قبلَ ذلك. قال أبو البقاء: «هذا تكريرٌ للتوكيد لأنه سَبَقَ هذا المعنى في الآيةِ التي قبلَها» ويُحْتَمل أَنْ تكونَ للتأسيس لاختلافِ متعلِّقِها ومتعلَّقِ ما قبلَها. قال الشيخ: «وجِئْتُكم بآيةٍ من ربكم للتأسيس لا للتوكيد لقوله:» قد جِئْتكم «، وتكون هذه الآيةُ قولَهُ: ﴿إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾ لأنَّ هذا القولَ شاهِدٌ على صحةِ رسالتِهِ؛ إذ جميعُ الرسلِ كانوا عليه لم يختلفوا فيه، وجَعَلَ هذا القولَ آيةً وعلامةً لأنه رسولٌ كسائِرِ الرسلِ حيث هَداه للنظرِ في أدلةِ العقلِ والاستدلالِ، قاله الزمخشري.
стр. 1681
وقرأ العامة: ﴿إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ : بكسرِ الهمزةِ على الإِخبار المستأنفِ، وهذا ظاهِرٌ على قولِنا إنَّ «جئتكم» تأكيدٌ، أمَّا إذا جَعَلْتَه تأسيساً وَجَعَلْتَ الآيةَ هي قولَه: ﴿إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ بالمعنى الذي ذَكَرْتُه أولاً فلا يَصِحُّ الاستئنافُ، بل يكونُ الكسرُ على إضمارِ القولِ وذلك القولُ بدلٌ من الآية، كأنَّ التقدير: وجئتُكم بآيةٍ من ربِّكم قَوْلي إنَّ الله، فقولي بدلٌ من «آية» ، و «إنَّ» وما في حَيِّزها معمولةٌ لقولي، ويكون قوله: ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾ اعتراضاً بين البدلِ والمبدلِ منه.
стр. 1682
وقُرىء بفتحِ الهمزة وفيه أوجهٌ، أحدُها: أنه بدلٌ من «آية» كأنَّ التقديرَ: وجِئْتُكم بأنَّ الله ربي وربكم، أي: جِئْتُكم بالتوحيدِ، وقوله: ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾ اعتراضٌ أيضاً. الثاني: أنَّ ذلك على إضمار لامِ العلة، ولامُ العلة متعلقةٌ بما بعدَها من قوله: «فاعبدوه» والتقديرُ: فاعبدوه لأنَّ الله ربي وربُّكم كقولِه تعالى: ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ [قريش: ١] إلى أن قال «فَلْيعبدوا» إذ التقديرُ: فليعبدوا لإِيلافِ قريش، وهذا عند سيبويه وأَتْباعِهِ ممنوعٌ؛ لأنه متى كان المعمولُ أَنَّ وما في صلتِها امتنَع تقديمُها على عاملِها، لا يُجيزونَ: «أنَّ زيداً منطلقٌ عَرَفْتُ» تريد: «عَرَفْتُ أنَّ زيداً منطلقٌ» للقبحِ اللفظي، إذ تَصَدُّرُها لفظاً يقتضي كسرَها. الثالث: أن يكونَ «أن الله» على إسقاطِ الخافض وهو «على» و «على» يتعلِّق بآية نفسِها، والتقديرُ: وجِئْتُكم بآيةٍ على أن الله، كأنه قيل: بعلامةٍ ودلالةٍ على توحيدِ الله تعالى، قاله ابن عطية، وعلى هذا فالجملتان الأمريِتَّان اعتراضٌ إيضاً وفيه بُعْدٌ.
وقوله: ﴿هذا صِرَاطٌ﴾ هذا إشارةُ إلى التوحيدِ المَدْلُولِ عليه بقولِهِ: ﴿إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ أو إلى نفسِ «إنَّ الله» باعتبار هذا اللفظِ هو الصراطَ المستقيمَ.
стр. 1683
قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يتعلَّقَ بأحسَّ، و «مِنْ» لابتداءِ الغاية، أي: ابتداءُ الإِحساسِ مِنْ جهتهم. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الكفر أي: الكفرُ حالَ كونِه صادراً منهم.
стр. 1684
والإِحساسُ: الإِدراكُ ببعضِ الحواسِّ الخمسِ وهي: الذوقُ والشمُّ واللمسُ والسمعُ والبصرُ، يقال: أَحْسَسْتُ الشيءَ وبالشَيءِ، وحَسَسْتُه وحَسَسْتُ به، ويقال: حَسَيْتُ بإبدال سينه الثانيةِ ياءً، وأحَسْت بحذف أولِ سينه، قال:
١٣٠٧ - سِوى أنَّ العِتاقَ من المطايا ... أَحَسْنَ به فَهُنَّ إليه شُوسُ
قال سيبويه: «وَمِمَّا شَذَّ من المضاعَفِ يعني في الحذفِ شبيهُ بباب أقمت وليس بمتلئِبٍّ، وذلك قولهم: أَحَسْتُ واَحَسْنَ، يريدون: أَحْسَسْتُ وأَحْسَسْنَ، وكذلك يُفْعَل بكل بناءٍ بُنِي الفعلُ فيه ولا تَصِلُ إليه الحركةُ، فإذا قلت: لم أُحِسَّ لم تَحذِفْ» . وقيل: الإِحساسُ: الوجودُ والرؤيةُ يقال: هل أَحْسَسْتَ صاحبكَ أي: وَجَدْتَه أو رأيته.
قوله: ﴿مَنْ أنصاري﴾ أنصار جمع نصير نحو: شَريف وأَشْراف. وقال قوم: هو جمع «نَصْر» المرادُ به المصدر، ويَحتاج إلى حَذْف مضاف أي: مَنْ أصحابُ نُصْرَتي. و «إلى» على بابها، وتتعلَّق بمحذوف، لأنها حالٌ تقديرُه: مَنْ أنصاري مضافِين إلى الله، كذا قَدَّره أبو البقاء. وقال قوم: إنَّ «إلى» بمعنى مع أي: مع الله، قال الفراء: «وهو وجْهٌ حسن» . وإنما يجوز أَنْ تَجْعَل «إلى» في موضع مع إذا ضَمَمْتَ الشيء إلى الشيء ما لم يكن معه
стр. 1685
كقولِ العرب: «الذَّوْدُ إلى الذَّوْدِ إبل» أي: الذود، بخلافِ قولك: «قَدِمَ فلانٌ ومعه مال كثير» فإنه لا يصلح أَنْ تقولَ: وإليه مال، وكذا تقول: «قدم فلان مع أهله» ولو قلت: «إلى أهله» لم يصح، وجَعَلوا من ذلك أيضاً قولَه: ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] . وقد ردَّ أبو البقاء كونَها بمعنى «مع» فقال: «وليس بشيء فإنَّ» إلى «لا تصلُح أَنْ تكونَ بمعنى» مع «ولا قياسَ يَعْضُده» .
وقيل: «إلى» بمعنى اللام أي: مَنْ أنصاري لله، كقوله: ﴿يهدي إِلَى الحق﴾ [يونس: ٣٥] أي: للحقِّ، كذا قَدَّره الفارسي. وقيل: بل ضَمَّن «أنصاري» معنى الإِضافةِ أي: مَنْ يُضيف نفسَه إلى الله في نصرتي، فيكون «إلى الله» متعلقاً بنفسِ أنصاري، وقيل: متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حال من الياء في «أنصاري» أي: مَنْ أنصاري ذاهباً إلى الله متلجِئاً إليه، قاله الزمخشري.
قوله: ﴿الحواريون﴾ جمع حوارِيّ وهو الناصرُ، وهو مصروفٌ وإنْ ماثل مَفَاعل، لأنَّ ياءَ النسب فيه عارضةٌ، ومثله حَوالِيٌّ وهو المحتال، وهذان بخلافِ: قَمَارِيّ وبَخاتِيّ، فإنهما ممنوعانِ من الصرفِ، والفرق أن الياءَ في حوارِيّ وحواليّ عارضةٌ بخلافِها في: «قَماريّ وبَخاتِيّ» فإنها موجودَةٌ قبل جَمْعِها في قولك: قُمْرِيّ وبُخْتِيّ.
والحوارِيُّ: الناصِرُ كما تقدَّم، وذلك أنَّ عيسى ﵇ مَرَّ بقومٍ فاستنصَرَهم ودَعاهم إلى الإِيمان فتبعوه وكانوا قَصَّارين للثيابِ، فَسُمِّيَ كلُّ مَنْ
следующие страницы →