Полный текст (10 772 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.
стр. 1996
يقال: أصعد: أبعد في الذهاب، قال القتبي:» كأنه أبعد كإبعاد الارتفاع «قال الشاعر:
١٤٦٦ - ألا أيُّهذا السائلي أينَ أَصْعَدَتْ ... فإنَّ لَها في أهل يَثْربَ مَوْعدا
وقال آخر:
١٤٦٧ - قد كُنْتِ تبكين على الإِصعادِ ... فاليومَ سُرِّحْتِ وصاح الحادي
وقال الفراء وأبو حاتم:» الإِصعادُ: ابتداء السفر والمخرج، والصعود مصدر صَعِد [إذا] رَقِي من سُفْل إلى علوّ «ففرَّقوا هؤلاء بين صَعِد وأَصْعد. وقال المفضل:» صَعِد وصَعَّد وأَصْعد بمعنى واحد، والصعيدُ وجهُ الأرض «.
﴿وَلاَ تَلْوُونَ﴾ الجمهورُ على» تلْوون «بواوين. وقُرىء بإبدال الأولى همزة كراهيةَ اجتماعِ واوين، وليس بقياس لكونِ الضمَّةِ عارضةً، والواوُ المضمومةُ تُبْدَلُ همزةً بشروط تقدَّم ذكرها في البقرة: ألاَّ تكونَ الضمةُ عارضةً كهذه الكلمة، وألاَّ تكونَ مزيدة نحو:» تَرَهْوَك «، وألاَّ يمكنَ تخفيفُها نحو:» سُوُر «و» نُوُر «جمعُ سِوار ونُوار لأنه يمكن تسكينها فتقول: سُوْر ونُوْر
стр. 1997
فيخِفُّ اللفظ بها، وألاَّ يُدْغَم فيها نحو:» تَعَوُّد «مصدر تَعَوَّدَ، فنحُو» فُوُوج «يَطَّرد إبدالُه لاستكمال الشروط.
ومعنى لا تَلْوون: لا تَرْجعون، يقال: «لَوَى به» [أي] : ذهب به، ولَوَى عليه: عَطَف. قال:
١٤٦٨ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... أخو الجَهْد لا يَلْوي على مَنْ تَعَذَّرا
وأصل تَلْوون: تَلْوِيُون فأُعِلَّ بحذفِ اللام، وقد تقدَّم في قوله: ﴿يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ﴾ [آل عمران: ٧٨] .
وقرأ الأعمش: ورُوِيَتْ عن عاصم «تُلْوون» بضم التاء. من أَلْوى وهي لغةٌ في «لَوَى» ففَعَل وأفْعَلَ بمعنىً. وقرأ الحسن: «تَلُون» بواو واحدة، وخَرَّجوها على أنه أَبدلَ الواوَ همزةً، ثم نَقَل حركةَ الهمزةَ على اللام ثم حَذَف الهمزةَ على القاعدة، فلم يَبْقَ من الكلمة إلا الفاءُ وهي اللامُ. وقال ابن عطية: «وحُذِفَتْ إحدى الواوين للساكنين» ، وكان قد قَدَّم أن هذه القراءةَ مركبةٌ على لغة مَنْ يهمزُ الواو وينقل الحركة، وهذا عجيبٌ بعد أَنْ يجعلَها من باب نَقْل حركة الهمزة كيف يعود يقول: حُذفت إحدى الواوين؟
стр. 1998
ويمكنُ تخريجُ قراءةِ الحسن على وجهين آخرين، أحدُها: أَنْ يُقالَ: استُثْقِلَتِ الضمةُ على الواوِ لأنها أختُها، فكأنه اجتمعَ ثلاثةُ واوات، فَنُقلت الضمة إلى اللام فالتقى ساكنان: الواو التي هي عين الكلمة والواو التي هي ضمير، فحُذفت الأولى لالتقاء الساكنين، ولو قال ابن عطية هكذا لكان أَوْلى. والثاني: أن يكونَ «تَلُون» مضارَع «ولِيَ كذا» من الوِلاية، وإنما عُدِّي ب «على» لأنه ضُمِّن معنى العطف.
وقرأ حميد بن قيس: «على أُحُد» بضمتين، يريد الجبل، والمعنى على مَنْ في جبل أحد، وهو النبي ﷺ . قال ابن عطية: «والقراءةُ الشهيرة أقوى لأنه لم يكن على الجبل إلا بعد ما فرَّ الناس عنه، وإصعادُهم إنما كان وهو يَدْعوهم» .
قوله: ﴿والرسول يَدْعُوكُمْ﴾ مبتدأٌ وخبر في محلِّ نصب على الحال، العامل فيها: «تَلْوُون» .
قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه معطوفٌ على «تُصْعِدون» و «تَلْوون» ، ولا يَضُرُّكونُهما مضارعين، لأنهما ماضيان في المعنى، لأنَّ «إذ» المضافة إليهما صَيِّرتهما ماضيين، فكأن المعنى: إذا صَعِدتم وأَلْويتم. والثاني: أنه معطوفٌ على «صَرَفكم» . قال الزمخشري: «فأثابكم» عطفٌ على «صَرَفَكم» . وفيه بُعْدٌ لطولِ الفصلِ. وفي فاعِله قولان، أحدُهما: أنه الباري تعالى، والثاني: أنه النبيُّ ﷺ . قال الزمخشري: «ويجوز أَنْ يكونَ الضميرُ في» فأثابكم «للرسولِ، أي: فآساكم في الاغتمامِ، وكما غَمَّكم ما نَزَل به من كسرِ رباعيته غَمَّه ما نَزَل بكم من فَوْتِ الغنيمة.
стр. 1999
و» غَمَّاً «مفعولٌ ثانٍ، و» بغمٍّ «يجوزُ في الباءِ أوجهٌ، أحدها: أن تكونَ للسببية، على معنى أنَّ متعلَّق الغم الأول الصحابة، ومتعلَّق الغمِّ الثاني قَتْلُ المشركين يوم بدر، والمعنى: فأثابكم غَمَّاً بالغمِّ الذي أَوْقعه على أيديكم بالكفار يوم بدر.
وقيل: «متعلَّقُ الغمِّ الرسولُ، والمعنى: أذاقكم الله غَمَّاً بسبب الغَمِّ الذي أدخلتموه على الرسول والمؤمنين بفشَلِكم، أو فأثابكم الرسولُ، أي: آساكم غَمَّاً بسبب غمٍ اغتممتموه لأجله. والثاني: أن تكونَ الباءُ للمصاحبة أي: غَمَّاً مصاحباً لغَمٍّ، ويكون الغَمَّان للصحابة، فالغَمُّ الأول الهزيمة والقتل. والثاني: إشرافُ خالد بخيل الكفار، أو بإرجاف قتل الرسول ﵇، فعلى الأول تتعلَّق الباء ب» أَثَابكم «. قال أبو البقاء:» وقيل: المعنى بسبب غَمٍّ، فيكونُ مفعولاً به «. وعلى الثاني تتعلَّقُ بمحذوفٍ، لأنه صفةٌ لغَمّ، أي: غَمَّاً مصاحِباً لغَمٍّ، أو مُلْتَبِساً بغَمٍّ. وأجازَ أبو البقاء أن تكونَ الباءُ بمعنى» بعد «أو بمعنى» بَدَل «، وجَعَلَها في هذين الوجهين صفةً ل غَمَّا» ، وكونُها بمعنى «بعد» و «بدل» بعيدٌ، وكأنه يريد تفسيرَ المعنى، وكذا قال الزمخشري: «غَمَّاً بعد غم» .
وقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ هل هو حقيقةٌ أو مجاز؟ فقيل: مجاز، كأنه جَعَلَ الغَمَّ قائماً مقام الثواب/ الذي كان يحصُل لولا الفِرارُ، فهو كقوله:
١٤٦٩ - أخافُ زياداً أَنْ يكونَ عَطاؤُه ... أداهِمَ سُوداً أو مُحَدْرَجَةً سُمْرا
стр. 2000
وقوله:
١٤٧٠ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... تحيةُ بيْنِهم ضَرْبٌ وَجِيعُ
جعل القيودَ والسياطَ بمنزلة العطاء، والضربَ بمنزلة التحية. وقال الفراء: «الإِثابَةُ هنا بمعنى المعاقبة، وهو يَرْجِعُ إلى المجاز» .
قوله: ﴿لِّكَيْلاَ﴾ هذه لامُ «كي» ، وهي لام جر، والنصبُ هنا ب «كي» لئلا يلزمَ دخولَ حرفِ جر على مثله. وفي متعلَّق هذه اللامِ قولان، أحدُهما: أنه «فأثابكم» ، وفي «لا» على هذا وجهان، أحدهما: أنها زائدةٌ، لأنه لا يترتَّبُ على الاغتمام انتفاءُ الحزنِ، والمعنى: أنه غَمَّهم ليُحْزِنَهم عقوبةً لهم على تركِهم مواقعَهم، قاله أبو البقاء. الوجه الثاني: أنها ليست زائدةً، فقال الزمخشري: «معناه: لكي لا تحزنوا لتتمرَّنوا على تَجَرُّعِ الغُموم، وتَضْرَوا باحتمالِ الشدائدِ فلا تحزنوا فيما بعدُ على فائتٍ من المنافع، ولا على مصيبٍ في المضارِّ» وقال ابن عطية: «المعنى: أنَّ ما وقع بكم إنما هو بجنايتكم، فأنتم وَرَّطْتُم أنفسَكم، وعادةُ البشرِ أن يصبرَ للعقوبة إذا جنى، وإنما يكثُرُ قَلَقُه إذا ظَنَّ البراءةَ من نفسه.
والثاني: أنَّ اللامَ تتعلَّق ب» عَفا «لأنَّ عَفْوَه أذْهَبَ كلَّ حزنٍ. وفيه بُعْدٌ من جهةِ طولِ الفصلِ.
стр. 2001
قوله تعالى: ﴿أَمَنَةً نُّعَاساً﴾ : في نَصْبِ كلٍّ منهما أربعة
стр. 2002
أوجه، الأولُ من وجوه «أَمَنَةً» : أنها مفعولُ «أَنْزَل» . الثاني: أنها حال من «نُعاساً» لأنها في الأصل صفةُ نكرةٍ فلمَّا قُدِّمتْ نُصِبَتْ حالاً. الثالث: أنها مفعولٌ من أجله، وهو فاسدٌ لاختلالِ شرطٍ وهو اتحادُ الفاعل، فإنَّ فاعل «أَنْزل» غيرُ فاعلِ الأمَنةِ. الرابع، أنه حالٌ من المخاطبين في «عليكم» ، وفيه حينئذٍ تأويلان: إمَّا على حَذْفِ مُضافٍ أي: ذوي أمنةٍ، وإمَّا أن يكونَ «أَمَنَةً» جمعَ «آمِن» نحو: بار وبَرَرة، وكافِر وكَفَرة.
وأَمَّا «نُعاساً» فإنْ أَعْربنا «أمنةً» مفعولاً به كان بدلاً، وهو بدلُ اشتمال، لأنَّ كلاًّ مِنْ الأمنةِ والنعاس يشتمل على الآخر، أو عطفَ بيانٍ عند غيرِ الجمهور، فإنهم لا يشترطون جريانَه في المعارف، أو مفعولاً من أجلِه وهو فاسدٌ بما تقدَّم، وإنْ أَعْرَبْنا «أمنةً» حالاً كان مفعولاً ب «أَنْزل» عطفٌ على قولِه: «فأثابكم» ، وفاعلُه ضميرُ اللهِ تعالى، وأل في «الغمّ» للعهدِ، لتقدُّم ذِكْرِه.
ورَدَّ الشيخ على الزمخشري كونَ «أمنةً» مفعولاً له بما تقدَّم، وفيه نظرٌ، فإنَّ الزمخشري قال: «أو مفعولاً له بمعنى: نَعِسْتُمْ أَمَنَةً» فقدَّر له عاملاً يتَّحِدُ فاعلُه مع فاعل «أمنةً» فكأنه استشعر السؤالَ، فلذلك قَدَّر عاملاً، على أنه قد يُقال: إنَّ الأمَنة من الله تعالى، بمعنى أنه أَوْقَعها بهم، كأنه قيل: أنزل عليكم النُّعاس ليُؤْمِنَكم به، و «أمنة» كما تكون مصدراً لمِنْ وَقَع به الأمن تكونُ مصدراً لِمَنْ أَوْقعه.
وقرأ [الجمهور: «أَمَنَةً» بفتح الميم: إمَّا مصدراً بمعنى الأمن، أو جمع «آمِن» على ما تقدَّم تفصيله. والنخعي وابن محيصن] بسكون الميم، وهو مصدرٌ فقط، وكلاهما للمَرَّة.
стр. 2003
قوله: ﴿يغشى﴾ قرأ حمزة والكسائي بالتاء من فوق، والباقون بالياء من تحت، وخَرَّجوا قراءةَ حمزة والكسائي على أنها صفةُ ل «أمَنَة» مراعاةً لها. ولا بُدَّ من تفصيلٍ وهو: إنْ أَعْرَبوا «نُعاساً» بدلاً أو عطفَ بيان أَشْكَلَ قولُهم مِنْ وجهين، أحدُهما: أنَّ النحاةَ نَصُّوا على أنه إذا اجتمع الصفةُ والبدلُ أوعطفُ البيان، قُدِّمتِ الصفةُ وأُخِّر غيرُها. وهنا قد قَدَّموا البدلَ أو عطفَ البيانِ عليها. والثاني: أن المعروفَ في لغة العرب أن تُحَدِّث عن البدل لا عن المبدل منه تقول: «هندٌ حسنُها فاتِنٌ» ولا يجوزُ: «فاتنةٌ» إلا قليلاً، فَجَعْلُهم «نُعاساً» بدلاً من «أمنة» يَضْعُفُ بهذا، فإنْ قيل: قد جاءَ مراعاةُ المبدلِ منه في قوله:
١٤٧١ - فكأنه لَهِقُ السَّراةِ كأنه ... ما حاجِبَيْهِ مُعَيَّنٌ بِسَوادِ
فقال: «مُعَيَّن» مراعاةً للهاء في «كأنه» ، ولم يراعِ البدلَ وهو «حاجَبْيه» ومثلُه قولُه:
١٤٧٢ - إنَّ السيوفَ غُدُوَّها ورَواحَها ... تَرَكَتْ هوازنَ مثلَ قَرْن الأعْضَبِ
فقال: «تَرَكَتْ» مراعاةً للسيوف، ولو راعَى البدلَ لقال: «تركا» . فالجواب: أن هذا وإنْ كان قد قال به بعض النحويين مستنداً إلى هذين البيتين مؤولٌ بأنَّ «مُعَيَّن» خبرٌ عن «حاجبيه» لجريانهما مَجْرى الشيء الواحدِ في كلام العرب، وأنَّ نَصْبَ «غدوها ورواحها» على الظرفِ لا على البدل،
стр. 2004
وقد تقدَّم لنا شيء من هذا عند قوله: ﴿عَلَى الملكين بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ﴾ [البقرة: ١٠٢] .
وإنْ أَعربوا «نُعاساً» مفعولاً من أجلِه لَزِم الفصلُ بين الصفة والموصوفِ بالمفعولِ له، وكذا إنْ أَعْربوا «نعاساً» مفعولاً به، و «أَمَنَةً» حالاً يلزم الفصلُ أيضاً، وفي جوازه نظرٌ. والأحسنُ حينئذٍ أن تكونَ هذه الجملةُ استئنافيةً جواباً لسؤالٍ مقدر، كأنه قيل: ما حكمُ هذه الأمَنَة؟ فأخبرَ بقوله «تَغْشى» ، ومَنْ قرأ بالياء أعاد الضمير على «نُعاساً» وتكون الجملةُ صفةً له. و «منكم» صفة ل «طائفة» فيتعلق بمحذوف.
قوله: ﴿وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ في هذه الواو ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها واوُ الحالِ، وما بعدها في محلِّ نصب على الحالِ، والعاملُ فيها «يغشى» والثاني: أنها واوُ الاستئنافِ، وهي التي عَبَّر عنها مكي بواوِ الابتداءِ، والثالث: أنها بمعنى «إذ» ذكره مكي وأبو البقاء وهو ضعيفٌ. و «طائفةٌ» مبتدأ، والخبرُ «قد أَهَمَّتْهُمْ أنفسُهم» ، وجاز الابتداءُ بالنكرةِ لأحد شيئين: إمَّا للاعتماد على واوِ الحال، وقد عَدَّه بعضُهم مُسَوِّغاً، وإنْ كان الأكثرُ لم يذكروه، وأنشد:
١٤٧٣ - سَرَيْنا ونجمٌ قد أضاءَ فمذْ بدا ... مُحيِّاكِ أَخْفَى ضَوْءُه كلَّ شارِقِ
وإمَّا لأنَّ الموضعَ موضعُ تفصيلٍ، فإنَّ المعنى: يَغْشى طائفةً، وطائفةٌ لم يَغْشَهم، فهو كقولِه:
стр. 2005
١٤٧٤ - إذا ما بكى مِنْ خَلْفِها انصرَفَتْ له ... بشِقٍّ وشِقٌّ عندنا لم يُحَوَّلِ
ولو قُرىء بنصب «طائفةً» على أن تكونَ المسألةُ من باب الاشتغال لم يكن ممتنعاً إلا من جهة النقل فإني لم أحفظه قراءة.
وفي خبر هذا المبتدأ أربعة أوجه، أحدها: أنه «قد أَهَمَّتْهُم» كما تقدم، الثاني: أنه «يظنون» والجملةُ قبلَه صفةٌ ل «طائفة» . الثالث: أنه محذوفٌ، أي ومنكم طائفة وهذا يُقَوِّي أنَّ معناه التفصيل، والجملتان صفتان ل «طائفة» ، أو يكونُ «يظنون» حالاً من مفعول «أهمَّتْهم» أو مِنْ «طائفة» لتخصُّصه بالوصف، أو خبراً بعد خبر إنْ قلنا إنَّ «قد أهمتهم» خبرٌ أولُ، وفيه من الخلافِ ما مَضَى غيرَ مرة.
الرابع: أنَّ الخبر «يقولون» ، والجملتان قبلَه على ما تقدَّم من كونهما صفتين أو خبرين، أو إحداهما خبرٌ والأخرى حالٌ، ويجوزُ أَنْ يكون «يقولون» صفةً، أو حالاً أيضاً إنْ قلنا: إنَّ الخبرَ الجملة التي قبله، أو قلنا إنَّ الخبرَ مضمر.
وقوله: ﴿يَظُنُّونَ﴾ له مفعولان، فقال أبو البقاء: «غيرَ الحق» مفعولٌ أولُ أي: أمراً غير الحق، و «بالله» هو المفعول الثاني. وقال الزمخشري: «غير الحق» في حكم المصدر، ومعناه: يَظُنُّون باللهِ غيرَ الحق الذي يجب أن يُظَّنَّ به، و «ظنَّ الجاهلِية» ، بدلٌ منه، ويجوز أن يكونَ المعنى: «يظنون باللهِ ظَنَّ الجاهلِية» ، و «غيرَ الحق» تأكيدٌ ل «يظنون» كقولِك: «هذا القولُ غيرُ ما تقول» ، فَعَلى ما قال لا يتعدَّى «ظنَّ» إلى مفعولين، بل تكونُ الباءُ ظرفيةً للظن، كقولك: «ظننت بزيد» أي: جعلْتُه مكانَ ظنِّي «، وعلى هذا المعنى حَمَل النحويين قوله:
стр. 2006
١٤٧٥ - فقلت لهم ظُنُّوا بألفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَراتُهمُ في الفارسِيِّ المُسَرَّدِ
أي: اجعلوا ظنكم في أَلفَي مُدَجَّج. وتحصَّل في نصب» غير الحق «وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ أولُ ل» يظنون «. والثاني: أنه مصدرٌ مؤكِّدٌ للجملةِ التي قبلَه بالمعنيين اللذين ذكرهما الزمخشري.
وفي نصب» ظنَّ الجاهليةَ «وجهان أيضاً: البدلُ من» غيرَ الحق «، أو أنه مصدرٌ مؤكد ل» يظنون «، و» بالله «: إمَّا متعلق بمحذوف على جَعْله/ مفعولاً ثانياً، وإمَّا بفعل الظن على ما تقدم وإضافةُ» الظن «إلى» الجاهلية «قال الزمخشري:» كقولك: «حاتمُ الجودِ، ورجلُ صدقٍ» يريد الظنَّ المختصَّ بالملةِ الجاهلية، ويجوز أن يراد: ظنَّ أهلِ الجاهلية «وقال غيرُه:» المعنى: المدة الجاهلية أي: القديمة قبل الإِسلام نحو: حَمِيَّة الجاهلية «.
قوله: ﴿هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ﴾ :» مِنْ «في» من شيء «زائدةٌ في المبتدأ، وفي الخبر وجهان، وأصحُّهما أنه» لنا «، فيكون» من الأمر «في محلِّ نصب على الحال من» شيء «لأنه نعت نكرةٍ قُدِّم عليها فينتصبُ حالاً. ويتعلق بمحذوف. والثاني: أجازه أبو البقاء أن يكون» من الأمر «هو الخبر، و» لنا «تبيين، وبه تتِمُّ الفائدةُ كقولِه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ، وهذا ليس بشىء لأنه إذا جعله للتبيين فحينئذ يتعلَّق بمحذوف، وإذا كان كذلك فيصير» لنا «من جملةٍ أخرى، فتبقى الجملة من المبتدأ أو الخبر غيرَ مستقلة بالفائدة، وليس نظيراً لقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ فإن» له «فيها متعلِّق بنفس» كفواً «لا بمحذوفٍ، وهو نظيرُ:» لم يكن أحد قائلاً لبكر «ف» لبكر «متعلق بنفس الخبر.
стр. 2007
وهل هذا الاستفهامُ على حقيقتِه؟ فيه وجهان أظهرهما: نعم، ويعنون بالأمر: النصرَ والغلبةَ. والثاني: أنه بمعنى النفي، كأنهم قالوا: ليس لنا من الأمر أي النصر شيءٌ، وإليه ذهب قتادة وابن جريج، ولكن يضعف هذا بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ فإنَّ مَنْ نَفَى عن نفسِه شيئاً لا يُجاب بأَنْ يُثْبَتَ لغيرِه، لأنه مُقِرٌّ بذلك، اللهم إلا أَنْ يُقَدِّر جملةً أخرى ثبوتيةً مع هذه الجملةِ فكأنهم قالوا: ليس لنا من الأمر شيء، بل لِمَنْ أَكْرَهَنا على الخروج، وحَمَلَنا عليه، فحينئذ يَحْسُن الجواب بقوله ﴿قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ لقولهم هذا.
وهذه الجملةُ الجوابيةُ اعتراضٌ بين الجمل التي جاءت بعد قوله: ﴿وَطَآئِفَةٌ﴾ فإنَّ قولَه: ﴿يُخْفُونَ في أَنْفُسِهِم﴾ وكذا «يقولون» الثانية: إمَّا خبرٌ عن «طائفة» أو حال مِمَّا قبلها.
وقرأ الجماعة «كلَّه» بالنصب، وفيه وجهان، أظهرهما: أنه تأكيدٌ لاسم «إن» . والثاني حكاه مكي عن الأخفش أنه بدلٌ منه، وليس بواضحٍ. و «لله» خبرُ «إنْ» . وقرأ أبو عمرو: «كلُّه» رفعاً وفيه وجهان، أشهرُهما: أنه رفع بالابتداء، و «لله» خبرُه، والجملةُ خبرُ «إنَّ» نحو: «إنَّ مالَ زيد كلُّه عنده» . والثاني: أنه توكيدٌ على المحلِّ، ف «إنَّ» اسمُها في الأصل مرفوعٌ بالابتداء، وهذا مذهبُ الزجاج والجرميّ، يُجْرون التوابع كلها مُجْرى عطفِ النسق، فيكونُ «لله» خبراً ل «إنَّ» أيضاً. و «يُخْفون» : إمَّا خبرُ ل «طائفة» أو حالٌ مِمَّا قبله كما تقدم. وأما «يقولون» فيحتمل هذين الوجهين، ويحتمل أَنْ يكون تفسيراً لقوله «يُخْفون» فلا محلَّ له حينئذ.
وقوله: ﴿مَّا قُتِلْنَا﴾ جوابُ «لو» ، وجاء على الأفصحِ: فإنَّ جوابَها إذا كان
стр. 2008
منفياً ب «ما» فالأكثر عدمُ اللامِ، وفي الإِيجاب بالعكس. وقوله: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ﴾ كقوله: ﴿هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ﴾ وقد عُرِف الصحيحُ من الوجهين.
وقد أَعْرَب الزمخشري هذه الجملَ الواقعة بعد قوله: ﴿وَطَآئِفَةٌ﴾ إعراباً أفضى إلى خروجِ المبتدأ بلا خبر، ولا بد من إيراد نَصِّه ليتبيَّنَ ذلك، قال ﵀: «فإنْ قلت كيف مواقعُ هذه الجمل التي بعد قوله:» وطائفة «؟ قلت:» قد أهَمَّتْهُمْ «صفةٌ ل» طائفة «و» يظنون «صفةٌ أخرى أو حال، بمعنى: قد أهمَّتْهم أنفسهم ظانِّين، أو استئناف على وجه البيان للجملةِ قبلها، و» يقولون «بدلٌ من» يظنون «.
فإن قلت: كيف صَحَّ أن يقع ما هو مسألةٌ عن الأمر بدلاً من الإِخبار بالظن؟ قلت: كانت مسألتهم صادرةً عن الظن فلذلك جاز إبدالُه منه، و «يُخفون» حال من «يقولون» ، و ﴿قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ للَّهِ﴾ اعتراضٌ بين الحال وذي الحال، و «يقولون» بدلٌ من «يُخْفون» ، والأجودُ أَنْ يكون استئنافاً «انتهى كلامه. وهذا من أبي القاسم بناءً على أن الخبر محذوف كما قَدَّمْتُ لك تقريرَه [في] :» ومنكم طائفةٌ «لأنه موضعُ تفصيل.
قوله: ﴿لَبَرَزَ﴾ جاء على الأفصح، وهو ثبوت اللام في جوابها مثبتاً، والجمهورُ» لبرز «مخففاً مبيناً للفاعل، وأبو حيوة:» لبُرِّز «مشدداً مبنياً للمفعول، عدَّاه بالتضعيف. وقرىء» كَتَب «مبنياً للفاعل وهو الله تعالى،» القتلَ «مفعولاً به، والحسن:» القتالُ «رفعاً.
قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ فيه خمسةُ أوجه، أحدُها: أنه متعلقٌ بفعلٍ قبله، تقديرُه: فَرَض اللهُ عليكم القتالَ ولم ينصُرْكم يومَ أُحد ليبتلي ما في صدوركم وقيل: بفعلٍ بعده، أي: ليبتلي فَعَلَ هذه الأشياء. وقيل: الواوُ زائدةٌ واللام متعلقة بما قبلها، وقيل:» وليبتلي «عطفٌ على» ليبتلي «الأولى، وإنما كُرِّرت لطولِ الكلام، فعُطِف عليه» وليمحِّص «قاله ابن بحر. وقيل: هو عطفٌ على علةٍ محذوفةٍ تقديرُه: ليقضي اللهُ أمرَه وليبتلي، وجَعَلَ متعلَّقَ الابتلاءِ ما انطوى عليه الصدورُ، والذي انطوى عليه الصدر هو القلب، لقوله: ﴿القلوب التي فِي الصدور﴾ [الحج: ٤٦] ، وجَعَل متعلَّقَ التمحيص وهو التصفية ما في
стр. 2009
القلب وهو النيَّاتُ والعقائد.
стр. 2010
وقوله تعالى: ﴿الجمعان﴾ : إنما ثُنِّي وإن كان اسمَ جمع وقد نَصَّ النحاةُ على أنه لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ إلا شذوذاً لأنه أُريد به النوعُ، فإنَّ المعنى: جَمْعُ المؤمنين وجَمْعُ المشركين، فلما أُريد به ذلك ثُنِّي كقوله:
١٤٧٦ - وكلُّ رفيقَيْ كلِّ رحلٍ وإنْ هما ... تعاطَى القَنا قوماً هما أخَوان
والسين في «استَنْزَلَهم» للطلب، والظاهرُ أن استفعل هنا بمعنى أَفْعَل لأنَّ القصةَ تَدُلُّ عليه، فالمعنى حَمَلَهم على الزلة، ويكون كاسْتَبَلَّ وأَبَلَّ.
стр. 2011
قولُه تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبُواْ﴾ : «إذا» ظرفٌ مستقبل فلذلك اضطربت أقوالُ المُعْرِبين هنا من حيث إنَّ العاملَ فيها: «قالوا» وهو ماضٍ، فقال الزمخشري: «فإنْ قلت: كيف قيل:» إذا ضَرَبوا «مع» قالوا «؟ قلت: هو حكايةٌ حالٍ ماضيةٍ كقولك» حين يضربون في الأرض «. وقال أبو البقاء
стр. 2012
بعد قوله قريباً من قول الزمخشري:» ويجوز أن يكونَ «كفروا» و «قالوا» ماضيين، ويرادُ بهما المستقبلُ المحكيُّ به الحالُ، فعلى هذا يكون التقديرُ: يكفرون ويقولون «انتهى. ففي كِلا الوجهين حكايةٌ حالٍ، لكنْ في الأولِ حكايةٌ حالٍ ماضيةٍ، وفي الثاني مستقبلةٌ، وهو من هذه الحيثيَّةِ كقوله تعالى: ﴿حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ﴾ [البقرة: ٢١٤] وقد تقدَّم. ويجوزُ أَنْ يُراد ب» قال «الاستقبالُ لا على سبيلِ الحكاية، بل لوقوعِه صلةً لموصولٍ، وقد نَصَّ بعضُهم على أنَّ الماضيَ إذا وقَع صلةً لموصولٍ صَلَح للاستقبال نحو: ﴿إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: ٣٤] ، وإلى هذا نحا ابن عطية، قال:» ودخلت إذا وهي حرف استقبال من حيث «الذين» اسمٌ مُبْهَمٌ يَعُمُّ مَنْ قَال في الماضي ومَنْ يقول في الاستقبال، ومِنْ حيث هذه النازلةُ تُتَصَوَّرُ في مستقبلِ الزمان «يعني فتكون حكايةَ حالٍ مستقبلة.
وقيل:» إذا «بمعنى» إذْ «وليس بشيء. وقَدَّرَ الشيخ مضافاً محذوفاً هو عاملٌ في» إذا «تقديرُه:» وقالوا لهلاكِ إخوانهم «أي مخافةَ أن يَهْلَكَ إخوانُهم إذا سافروا أو غزَوا، فقدَّر العاملَ مصدراً مُنْحَلاًّ ل» أَنْ «والمضارع حتى يكونَ مستقبلاً قال:» ولكنْ يصيرُ الضميرُ في قوله: ﴿لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا﴾ عائداً على «إخوانهم» في اللفظ وهو لغيرهم في المعنى أي: يعودُ على إخوانٍ آخرين وهم الذي تقدَّمَ موتُهم بسببِ سفرٍ أو غزو، وقَصْدُهم بذلك تثبيطُ الباقين، وهو نظيرُ: «درهمٌ ونصفه» ، ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ﴾ [فاطر: ١١] وقول النابغة:
стр. 2013
١٤٧٧ - قالَتْ: ألا ليتما هذا الحمامُ لنا ... إلى حمامتِنا ونصفُه فَقَدِ
أي. نصفُ درهمٍ آخرَ، ومُعَمَّرٍ أخرَ، وحمامٍ آخرَ «.
واللامُ في» لإِخوانهم «للعلةِ، وليسَتْ هنا للتبليغ كالتي في قولِك:» قلت لزيدٍ: افعل كذا «.
والجمهورُ على» غُزَّى «بالتشديد جمع» غازٍ «وقياسُه: غُزَاة كرام ورُماة، ولكنهم حَمَلوا المعتلَّ على الصحيح في نحو: ضارِب وضُرَّب، وصائم وصُوَّم. والزهري والحسن:» غُزَى «بتخفيفها، وفيه وجهان: أنه خَفَّف الزايَ كراهيةَ التثقيلِ في الجمعِ. والثاني: أنَّ أصلَه» غُزاة «كقُضاة ورُماة، ولكنه حَذَفَ تاءَ التأنيث، لأنَّ نفسَ الصيغةِ دالَّة على الجمعِ، فالتاءُ مستغنىً عنها.
وقال ابن عطية: وهذا الحذف كثيرٌ في كلامهم، ومنه قول الشاعر يمدح الكسائي:
١٤٧٨ - أبى الذَّمُّ أخلاقَ الكسائي وانْتَحى ... به المجدُ أخلاقَ الأُبُوِّ السَّوابقِ
يريد: «الأبوة» جمع أب، كما ان «العمومة» جمع عَمّ «، و» البُنُوَّة «جمعُ ابن، وقد قالوا: ابن وبُنُوّ. وقد رَدَّ عليه الشيخ هذا: بأنَّ الحَذْفَ ليس بكثيرٍ، وأنَّ قوله:» حُذِفَت التاءُ من «عُمومة» ليس كذلك، بل الأصل «عُموم»
стр. 2014
من غير تاء/، ثم أَدخلوا عليها التاء لتأكيد الجمع، فما جاء على «فُعول» من غير تاءٍ فهو الأصلُ نحو: عُموم وفُحول، وما جاءَ فيه التاءُ فهو الذي يَحْتاج إلَى تأويِلِه بالجمعِ، لم يُبْنَ على هذه التاءِ حتى يُدَّعى حَذْفُها، وهذا بخلاف «قُضاة» وبابِه بُني عليها فيمكنُ ادِّعاءُ الحَذْفِ فيه، وأما «أُبُوّة» و «بُنُوّة» فليسا جَمْعَيْن بل مصدَرَيْن وأمَّا «أُبُوّ» في البيت فهو شاذ عند النحاةِ من جهةِ أنه كان مِنْ حَقِّه أَنْ يُعِلَّه فيقول: «أُبِيّ» بقلبِ الواوين ياءين نحو: عُصِيّ.
ويُقال: غُزَّاء بالمدِّ أيضاً وهو شاذٌّ، وتَحَصَّل في «غازٍ» ثلاثةُ جموعٍ في التكسير: غُزاة كقُضاة، وغُزَّى كصُوَّم، وغُزَّاء كصُوّام، وجمعٌ رابع جمعُ سلامة، والجملةُ كلها في محل نصب بالقول.
قوله: ﴿لِيَجْعَلَ الله﴾ في هذه اللام قولان، أحدهما: أنها لام «كي» والثاني: أنها لام العاقبة والصيرورة، وعلى القول الأول فبِمَ تتعلَّق هذه اللام؟ وفيه وجهان، فقيل: التقدير: أَوْقَعَ ذلك أي القول أو المُعْتَقَد ليجعلَه حسرةً، أو نَدَمُهم، كذا قَدَّره أبو البقاء، وأجاز الزمخشري: أن تتعلَّقَ بجملة النهي، وذلك على معنيين باعتبارِ ما يرُاد باسمِ الإِشارة على ما سيأتي بيانُه في كلامِه: أمَّا الاعتبارُ الأول فإنه قال: «يعني: لا تكونوا مثلَهم في النطق بذلك القول واعتقادِه ليجعله اللهُ حسرةً في قلوبِهم خاصة، ويصونَ منها قلوبَكم» فجعل «ذلك» إشارةً إلى القولِ والاعتقادِ. وأمَّا الاعتبارُ الثاني فإنه قال: «ويجوزُ أَنْ يكونَ» ذلك «إشارةً إلى ما دَلَّ عليه النهيُ أي: لا تكونوا مثلَهم ليجعلَ اللهُ انتفاءَ كونكم مثلَهم حسرةً في قلوبهم، لأنَّ مخالَفَتهم فيما يقولون، ويعتقدون مِمَّا يَغُمُّهُمْ ويَغيظهم» .
стр. 2015
وقد رَدَّ عليه الشيخ المعنى الأولَ بالمعنى الثاني الذي ذكره هو، ولا بد من إيراده ليتبيَّنَ لك. قال بعد ما حكى عنه ما نقلْتُه في المعنى الأول: «وهذا كلام مثبج لا تحقيقَ [فيه] لأَنَّ جَعْلَ الحسرة لا يكون سبباً للنهي كما قلنا. إنما يكونُ سبباً لحصولِ امتثالِ النهي، وهو انتفاء المماثلةِ، فحصولُ ذلك الانتفاء والمخالفةِ فيما يقولون ويعتقدون يَحْصُل عنه ما يَغيظهم ويَغُمُّهُمْ إذ لم يُوافِقُوهم فيما قالوه واعتَقَدُوه فلا تَضْرِبوا ولا تَغْزوا، فالتبس على الزمخشري استدعاءُ انتقاءِ المماثلةِ بحصولِ الانتفاء، وفَهْمُ هذا فيه خَفاءٌ ودِقَّةٌ» انتهى.
ولا أدري ما وجهُ تثبيجِ كلام أبي القاسم، وكيفَ ردَّ عليه على زعمه بكلامه؟
وقال الشيخ أيضاً: «وقال ابنُ عيسى يعني الرماني وغيرُه اللامُ متعلقةٌ بالكون، أي لا تكونوا كهؤلاءِ ليجعلَ اللهُ ذلك حسرة في قلوبهم دونَكم، ومنه أخَذَ الزمخشري في قولِه، لكنَّ ابن عيسى نَصَّ على ما تتعلق به اللام، وذاك لم ينص، وقد بَيَّنَّا فسادَ هذا القول» . انتهى. وقوله: «وذلك لم ينصَّ» بل قد نَصَّ، وقال: «فإنْ قلت ما متعلَّقُ ليجعلَ؟ قلت:» قالوا «إلى آخره، أو بقوله:» لا تكونوا «، وأيُّ نصٍ أظهرُ من هذا؟ ولا يجوزُ تَعَلُّق هذه اللامِ ومعناها التعليل ب» قالوا «لفساد المعنى، لأنهم لم يقولوه لذلك بل لتثبيطِ المؤمنينِ عن الجهاد.
وعلى القولِ الثاني أعني كونَها للعاقبةِ تتعلَّقُ ب» قالوا «والمعنى: أنَّهم قالوا ذلك لغرضٍ من أغراضِهم، فكانَ عاقبةُ قولِهم ومصيرُه إلى الحسرةِ والنَّدامَةِ كقولِه: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] ، لم يلتِقطوه
стр. 2016
لذلك، لكنْ كان مآلُه لذلك، ولكنَّ كونَها للصيرورةِ لم يَعْرِفْه أكثرُ النحويين، وإنما هو شيء يَنْسِبونَه للأخفش، وما وَرَدَ من ذلك يؤولونه عَلى العكسِ من الكلام نحو: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ﴾ [آل عمران: ٢١] ، وهذا رأي الزمخشري، فإنه شَبَّه هذه اللام باللام في ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً﴾ ، ومذهبُه في تَيْكَ أنها للعلة بالتأويل المذكور. والجَعْلُ هنا بمعنى التصيير، و» حسرةً «مفعولٌ ثانٍ، و» في قلوبهم «يجوزُ أن يتعلَّق بالجَعْل وهو أبلغُ أو بمحذوفٍ على أنه صفةٌ للنكرة قبله.
واختُلف في المُشار إليه بذلك: فعن الزجاج: هو الظن، ظنوا أنهم لو لم يَحْضُروا لم يُقْتَلوا. وقال الزمخشري:» هو النطق بالقول والاعتقاد «. وقريبٌ منه قول ابن عطية، وأجاز ابن عطية أيضاً أن يكونَ للنهي والانتهاء معاً. وقيل هو مصدرُ» قال «المدلولِ عليه به.
﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي:» يَعْملون «بالغيبةَ ردَّاً على الذين كفروا، والباقون بالخطابَ ردَّاً على قوله: ﴿لاَ تَكُونُواْ﴾ فهو خطابٌ للمؤمنين. وجاء هنا بصفة البصر، قال الراغب:» عَلَّق ذلك بالبصر لا بالسمعِ، وإنْ كان الصادرُ منهم قولاً مسموعاً لا فعلاً مرئياً، لمَّا كان ذلك القولُ من الكافر قصداً منه إلى عمل يُحاوِلُه، فَخَصَّ البصرَ بذلك، كقولك لمَنْ يقولُ شيئاً وهو يَقْصِدُ فِعْلاً يُحاوله: أنا أرى ما تفعله «.
стр. 2017
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ : اللامُ هي الموطِّئةُ لقسمٍ
стр. 2018
محذوف، وجوابُه قولُه: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ وحُذِفَ جوابُ الشرطِ لسدِّ جوابِ القسمِ مَسَدَّه لكونِه دالاًّ عليه، وهو الذي عَنَاه الزمخشري بقوله: «وهو سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط» ولا يعني بذلك أنَّه من غيرِ حذفٍ. واللام لام الابتداء، وهي وما بعدها جواب القسم كما تقدم.
و «مغفرةٌ» فيها وجهان، أظهرهُما: أنها مرفوعةٌ بالابتداء، والمسوِّغات هنا كثيرة: لام الابتداء والعطف عليها في قوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ ووصفُها، فإنَّ قوله: ﴿مِّنَ الله﴾ صفةٌ لها، ويتعلق حينئذٍ بمحذوف، و ﴿خَيْرٌ﴾ خبرٌ عنها. والثاني: أن تكونَ مرفوعة على خبر ابتداء مضمر، إذا أُريد بالمغفرةِ والرحمةِ القتلُ أو الموتُ في سبيل الله، لأنهما مقترنان بالموتِ في سبيلِ الله، فيكونُ التقدير: فذلك أي الموتُ أو القتلُ في سبيلِ الله مغفرةٌ ورحمةٌ خير، ويكون «خير» صفةً لا خبراً، وإلى هذا نحا ابن عطية فإنه قال: «وتحتمل الآية أن يكونَ قولُه: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ إشارةً إلى الموت أو القتل في سبيل الله، فَسَمَّى ذلك مغفرةً ورحمة، إذ هما مقترنان به، ويجيء التقدير: فذلك مغفرةٌ ورحمة، وترتفعُ المغفرةُ على خبر الابتداء المقدر، وقوله:» خير «صفةٌ لا خبرٌ ابتداء» انتهى. ولكنَّ الوجهَ الأولَ أظهرُ، و «خير» هنا على بابِها من كونِها للتفضيلِ، وعن ابن عباس: «خيرٌ من طِلاع الأرض ذهبةً حمراءَ» .
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ أي: ورحمةٌ من الله، فَحُذِفَتْ صفتُها لدلالة الأولى عليها، ولا بُدَّ من حَذْفٍ آخر مُصَحِّحٍ للمعنى، تقديرُه: لمغفرة من الله لكم ورحمةً منه لكم. وجاء بالمغفرةِ والرحمةِ نكرتين إيذاناً بأنَّ أَدنى خيرٍ وأقلَّ
стр. 2019
شيء خيرٌ من الدنيا وما فيها الذي يجمعونه، وهو نظير ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] ، والتنكيرُ قد يُشْعِرُ بالتقليل، و «ما» في قولِه ﴿مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ موصولةٌ اسميةٌ والعائدُ محذوفٌ، ويجوز أن تكونَ مصدريةً، وعلى هذا فالمفعولُ محذوفٌ أي: مِنْ جَمْعِكم المالَ ونحوه.
стр. 2020
وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: ﴿مُتُّم﴾ و ﴿مُتُّ﴾ : وبابه بضم الميم، ووافقهم حفص هنا خاصة في الموضعين، والباقون بالكسر. فأمّا الضم فلأنه فَعَل بفتح العين من ذوات الواو، وكل ما كان كذلك فقياسه إذا أسند إلى ياء المتكلم وأخواتها أن تضم فاؤه: إمَّا من أول وهلة، وإمَّا بأن نبدلَ الفتحةَ ضمةً ثم نَنْقُلَها إلى الفاء على اختلاف بين التصريفيين، فيقال في «قام» وقال وطال: قُمت وقُمنا وقُمن وطُلت وطُلن وما أشبه، ولهذا جاء مضارعُه على يَفْعُل نحو: يَمُوت. وأما الكسر فالصحيح من قول أهل العربية أنه من لغة مَنْ يقول: مات يمات كخاف يخاف، والأصلُ: مَوِت بكسر العين كَخوِف فجاء مضارعه على يَفْعَل بفتح العين. قال الشاعر:
١٤٧٩ - بُنَيَّتي سيدةَ البنات ... عِيشي ولا يُؤْمَنُ أَنْ تَماتي
فجاء بمضارعه على يَفْعَل بالفتح، فعلى هذه/ اللغة يَلْزَم أن يقال في الماضي المسند إلى التاءِ وإحدى أخواتها: «مِتُّ» بالكسرِ ليس إلا، وهو أنَّا
стр. 2021
نَقَلْنا حركةَ الواو إلى الفاء بعد سَلْبِ حركتِها دلالةً على بنيةِ الكلمة في الأصلِ. وهذا أَوْلى مِنْ قولِ مَنْ يقولُ: إنَّ «مِتَّ» بالكسر مأخوذٌ من لغة من يقول: «يَمُوت» بالضم في المضارع، وجعلوا ذلك شاذاً في القياس كثيراً في الاستعمال كالمازني وأبي علي الفارسي، ونقله بعضهم عن سيبويه صريحاً، وإذا ثَبَتَ ذلك لغةً فلا معنى إلى ادِّعاء الشذوذ فيه. وأمَّا حفص فجمع بين اللغتين.
وقرأ الجماعة: «تَجْمَعُون» بالخطاب جرياً على قوله: «ولئن قُتِلتم» ، وحفص بالغيبة: إمَّا على الرجوع على الكفار المتقدمين، وإما على الالتفات من خطاب المؤمنين.
وهذه ثلاثة مواضع: تقدَّم الموتُ على القتل في الأول منها وفي الأخير، والقتلُ على الموت في المتوسط، وذلك أنَّ الأول لمناسبةِ ما قبله من قوله: ﴿إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض أَوْ كَانُواْ غُزًّى﴾ فرجعَ الموتُ لِمَنْ ضَرَب في الأرض، والقتلُ لِمَنْ غزا، وأما الثاني فلأنه مَحَلُّ تحريضٍ على الجهاد فَقَدَّم الأهمَّ الأعرفَ، وأمَّا الآخرُ فلأنَّ الموتَ أغلبُ.
وقوله: ﴿لإِلَى الله﴾ اللامُ جوابُ القسم فهي داخلةٌ على ﴿تُحْشَرُونَ﴾ ، و «إلى الله» متعلقٌ به، وإنما قُدِّم للاختصاصِ أي: إلى الله لا إلى غيره يكونُ حشرُكُم، أو للاهتمام، وحَسَّنَه كونُه فاصلةً، ولولا الفصلُ لوجب توكيدُ الفعل بنونٍ، لأنَّ المضارعَ المثبت إذا كانَ مستقبلاً وَجَبَ توكيدُه مع اللام خلافاً للكوفيين، حيثُ يجيزون التعاقبَ بينهما، كقوله:
стр. 2022
١٤٨٠ - وقتيلِ مُرَّةَ أَثْأَرَنَّ فإنه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فجاءَ بالنونِ دونَ اللامِ، وقوله:
١٤٨١ - لِئَنْ تكُ قد ضَاقَتْ عليكم بيوتُكم ... لَيَعْلَمُ ربي أنَّ بيتيَ واسِعُ
فجاء باللامِ دون النون، والبصريون يجعلونه ضرورةَ. فإنْ فُصِل بين اللام بالمعمول كهذه الآية أو ب «قد» نحو: «والله قد أقوم» وقوله:
١٤٨٢ - كَذَبْتِ لقد أُصْبي على المَرْء عِرْسَه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو بحرفِ تنفيس نحو: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ﴾ [الضحى: ٤] فلا يجوزُ توكيده حينئذ بالنون. قال الفارسي: «دخلتِ النونُ فرقاً بين لام اليمين ولام الابتداء، ولامُ الابتداء لا تدخل على الفَضْلة، فبدخول لام اليمين على الفَضْلة حَصَلَ الفرقُ فلم يُحْتَجْ إلى النون، وبدخولِها على» سوف «حَصَل الفرقُ أيضاً فلا حاجةً إلى النونِ، ولامُ الابتداء لا تَدْخُل على الفعلِ إلا إذا كان حالاً، أمَّا مستقبلاً فلا» .
стр. 2023
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا﴾ : في «ما» وجهان، أحدهُما: أنها
стр. 2024
زائدةٌ للتوكيدِ والدلالةِ على أن لِينَه لهم ما كان إلا برحمةٍ من الله، ونظيرُه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] . والثاني: أنها غيرُ مزيدةٍ، بل هي نكرة وفيها وجهان، أحدهُما: أنها موصوفةٌ برحمة، أي: فبشيء رحمةٍ والثاني: أنها غيرُ موصوفة، و «رحمةٍ» بدلٌ منها، نقله مكي عن ابن كيسان. ونقل أبو البقاء عن الأخفش وغيره أنها نكرةٌ غيرُ موصوفةٍ، و «رحمةٍ» بدلٌ منها، كأنه أَبْهم ثم بَيَّن بالإِبدال. وجَوَّز بعضُ الناس وعَزاه الشيخ لابن خطيب الريّ أنَّ «ما» استفهاميةٌ للتعجب تقديرُه: فبأي رحمةٍ لِنْتَ لهم، وذلك فإنَّ جنايتَهم لَمَّا كانت عظيمة ثم إنه ما أظهر تغليظاً في القول ولا خشونةً في الكلام علموا أنَّ ذلك لا يتأتَّى إلا بتأييد ربَّاني قبلَ ذلك. وردَّ عليه الشيخ هذا بأنه لا يَخْلُو: إمَّا أَنْ تُجْعَلَ «ما» مضافةً إلى «رحمة» ، وهو ظاهرُ تقديرِه كما حكاه عنه، فيَلْزَمُ إضافةُ «ما» الاستفهاميةِ، وقد نَصُّوا على أنه لا يُضاف من أسماءِ الاستفهام إلا «أيّ» اتفاقاً، و «كم» عند الزجاج، وإمَّا أَنْ لا تجعلَها مضافةً، فتكونُ «رحمةٍ» بدلاً منها، وحينئذ يلزمُ إعادةُ حرف الاستفهام في البدل كما تقرَّر في علم النحو، وأنحى عليه في كلامه فقال: «وليته كان يُغْنيه عن هذا الارتباكِ والتسلُّقِ إلى ما لا يُحْسِنُه قولُ الزجاج في» ما «هذه إنها صلةٌ فيها معنى التوكيد بإجماع النحويين» انتهى.
وليس لقائلٍ أن يقولَ له: أَنْ يجعلَها غيرَ مضافةٍ ولا يجعلَ «رحمة» بدلاً
стр. 2025
حتى يلزمَ إعادةُ حرفِ الاستفهامِ بل يَجْعَلُها صفةً؛ لأنَّ «ما» الاستفهامية لا تُوصف، وكأنَّ مَنْ يَدَّعي فيها أنها غيرُ مزيدةً يَفِرُّ من هذه العبارة في كلام الله تعالى، وإليه ذهب أبو بكر الزبيدي، كان لا يُجَوِّزُ أن يقال في القرآن: «هذا زائدٌ» أصلاً. وهذا فيه نظرٌ، لأنَّ القائلين بكون هذا زائداً لا يَعْنُون أنه يجوزُ سقوطُه ولا أنه مهمل لا معنى له، بل يقولون: زائدٌ للتوكيد، فله أُسْوَةٌ بسائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن، و «ما» كما تزاد بين الباءِ ومجرورِها تزاد أيضاً بين «عَنْ» و «مِنْ» والكاف ومجرورها كما سيأتي.
وقال مكي: «ويجوز أن ترتفعَ» رحمةٍ «على أَنْ تَجْعَلَ» ما «بمعنى الذي، وتُضْمِرَ» هو «في الصلة وتَحْذِفَها كما قرىء: ﴿تَمَاماً عَلَى الذي أَحْسَنُ﴾ .
وقولُه: «ويجوزُ» يعني من حيث الصناعةُ، وأمَّا كونُها قراءةً فلا أحفظها.
والفَظَاظَة: الجَفْوَةَ في المُعاشرة قولاً وفعلاً. قال:
١٤٨٣ - أَخْشَى فَظاظَة عَمٍّ أو جفاءَ أخٍ ... وكنتُ أَخْشَى عليها مِنْ أَذَى الكَلِمِ
والغُِلْظُ: تكثير الأجزاء، ثم تُجُوِّز به في عدمِ الشفقةِ وكثرةِ القسوة في القلب قال:
стр. 2026
١٤٨٤ - يُبْكَى علينا ولا نَبْكي على أحدٍ ... لنحنُ أغلظُ أكباداً من الإِبلِ
وقال الراغب: الفظُّ كريه الخُلُق وذلك مستعارٌ من الفَظِّ وهو ماءٌ الكَرِش، وذلك مكروه شربُه إلا في ضرورةٍ «، قال:» الغِلْظَةُ: ضدُّ الرِّقة، ويقال: غُلْظة وغِلْظة أي بالكسر والضم «وعن الغِلْظَة تنشأ الفظاظةُ فَلِمَ قُدِّمَتْ؟ فقيل: قُدِّم ما هو ظاهرٌ للحِسِّ على ما هو خافٍ في القلب، لأنه كما تقدَّم أنَّ الفَظاظةَ: الجَفْوَةُ في العِشْرَةِ قولاً وفِعْلاً، والغِلْظُ: قساوةُ القلب، وهذا أحسنُ مِنْ قولِ مَنْ جعلهما بمعنىً، وجُمِع بينهما تأكيداً.
والانفضاضُ: التفرُّق في الأجزاءِ وانتشارُها ومنه:» فُضَّ خَتْمُ الكتابِ «ثم استُعير عنه» انفضاضُ الناسِ «ونحوِهم.
وقوله: ﴿فاعف عَنْهُمْ﴾ إلى أخره جاء على أحسنِ النسق، وذلك أنه أَمَر أولاً بالعفوِ عنهم فيما يتعلَّقُ بخاصةِ نفسِه، فإذا انتهَوا إلى هذا المقام أُمِرَ أن يَسْتغفِرَ لهم ما بينهم وبين الله تعالى لتنزاحَ عنهم التَّبِعَتان، فلمَّا صاروا إلى هذا أُمِر بأنْ يُشاوِرَهم في الأمر إذا صاروا خالصين من التَّبِعَتَيْن مُصَفَّيْن منهما، والأمرُ هنا وإنْ كان عاماً فالمرادُ به الخصوص، قال أبو البقاء:» إذ لم يُؤْمَرْ بمشاورتِهم في الفرائضِ، ولذلك قرأ ابن عباس: «في بعضِ الأمر» . وهذا تفسيرٌ لا تلاوة.
وقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾ الجمهورُ على فتح التاء خطاباً له ﵇. وقرأ عكرمة وجعفر الصادق بضمها، على أنها لله تعالى على معنى: فإذا
стр. 2027
أرشَدْتُك إليه وجَعَلْتُكَ تَقْصِدُه، وجاء قوله: ﴿عَلَى الله﴾ من الالتفات، إذ لو جاء على نَسَقِ هذا الكلامِ لقيل: فتوكَّلْ عليَّ، وقد نُسِبَ العزمُ إليه تعالى في قول أم سلمة: «ثم عَزَمَ الله لي» وذلك على سبيل المجاز.
وقوله: ﴿إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين﴾ جارٍ مَجْرى العلةِ الباعثةِ على التوكيلِ عند الأخْذِ في كلِّ الأمر/.
стр. 2028
قوله تعالى: ﴿إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ﴾ : شرطٌ وجوابُه. وقوله: ﴿وَإِن يَخْذُلْكُمْ﴾ مثلُه، وهذا التفاتٌ من الغَيْبة إلى الخطاب، كذا قاله الشيخ، يعني من الغَيْبة في قوله: ﴿لِنتَ لَهُمْ﴾ و ﴿لاَنْفَضُّواْ﴾ و ﴿فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ﴾ . وفيه نظرٌ. وجاء قولُه: ﴿فَلاَ غَالِبَ﴾ جواباً للشرط وهو نفيٌ صريح، وقولُه ﴿فَمَن ذَا الذي﴾ وهو متضمِّنٌ للنفي جواباً للشرط الثاني تلَطُّفاً بالمؤمنين حيث صَرَّح لهم بعدم الغَلَبةِ في الأولِ، ولم يُصَرِّحْ لهم بأنه لا ناصِرَ لهم في الثاني، بل أتى في صورةِ الاستفهامِ وإنْ كان معناه نفياً.
وقوله: ﴿فَمَن ذَا الذي﴾ قد تقدَّم مثلُه في البقرة وأقوالُ الناس فيه. والهاءُ في «مِنْ بعدِه» فيها وجهان، أحدُهما وهو الأظهر أنها تعودُ على اللهِ تعالى، وفيه احتمالان، أحدُهما: أَنْ يكونَ ذلك على حَذْفِ مضافٍ أي: مِنْ بعدِ خِذْلانِه. والثاني: أنه لا يُحتاج إلى ذلك، ويكون معنى الكلام: إنكم إذا جَوَّزْتموه إلى غيرِه وقد خَذَلكم فَمَنْ تجاوزون إليه وينصُركم؟ والوجه
стр. 2029
الثاني: أن تعودَ على الخِذْلان المفهوم من الفعلِ وهو نظيرُ: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: ٨] .
وقوله: ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ إنَّما قَدَّم الجارَّ ليؤذن بالاختصاص أي: ليخُصَّ المؤمنون ربَّهم بالتوكُّل عليه والتفويضِ لعلمهم أنه لا ناصرَ لهم سواه، وهو معنىً حسن ذكره الزمخشري. وقرأ الجمهور: «ويَخْذُلْكم» بفتح الياء مِنْ «خَذَله» ثلاثياً، وقرأ عبيد بن عمير: «يُخْذِلْكم» بضمها مِنْ أخذل رباعياً، والهمزةُ فيه لجَعْل الشيءِ، أي: يَجْعَلْكم مخذولين.
стр. 2030
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ : [ «أَنْ يَغُلًّ» في محلِّ رفعٍ اسمَ كان، و «لنبي» خبرٌ مقدم] أي: ما كان له غُلول أو إغْلال على حَسَبِ القراءتين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء وضم الغين مِنْ «غَلَّ» مبنياً للفاعل، ومعناه: أنه لا يَصِحُّ أن يقع من النبي غُلول لتنافِيهما، فلا يجوزُ أن يُتَوَهَّمَ ذلك فيه البتة. وقرأ الباقون «يُغَلَّ» مبنِيّاً للمفعول. وهذه القراءةُ فيها احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ من «غَلَّ» ثلاثياً، والمعنى: ما صَحَّ لنبيٍّ أَنْ يَخُونَه غيرُه ويَغُلَّه، فهو نفيٌ في معنى النهي أي: لا يَغُلُّه أحدٌ. والاحتمال الثاني: أَنْ يكونَ مِنْ أغلَّ رباعياً، وفيها وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ من أَغَلَّه: أي نَسَبه إلى الغُلول كقولِهم: أَكْذَبْتُه أي: نَسَبْتُه إلى الكذب، وهذا في المعنى كالذي قبله أي: نفيٌ في معنى النهي أي: لا يَنْسِبه أحدٌ إلى الغُلول. والثاني: أن يكونَ مِنْ أَغَلَّه أي وجده غالاًّ كقولهِم:
стр. 2031
أَحْمَدْتُ الرجلَ وأَبْخَلْتُه وأجبنتُه أي: وجدته محموداً وبخيلاً وجباناً. والظاهر أن قراءة «يَغُلَّ» بالياء للفاعل لا يُقَدَّر فيها مفعولٌ محذوفٌ؛ لأنَّ الغَرَضَ نفيُ هذه الصفة عن النبي من غيرِ نظرٍ إلى تَعَلُّقٍ بمفعولٍ كقولك: «هو يعطي ويمنع» تريدُ إثباتَ هاتَين الصفتين. وقَدَّر له أبو البقاء مفعولاً فقال: «تقديرُه: أَنْ يَغُلَّ المالَ أو الغنيمةَ» .
واختار أبو عبيد والفارسي قراءةَ البناء للفاعل قالا: لأنَّ الفعلَ الواردَ بعدُ «ما كان لكذا أن يفعل» أكثرُ ما يَجِيءُ منسوباً إلى الفاعل نحو: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ﴾ [آل عمران: ١٤٥] ﴿مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ﴾ [آل عمران: ١٧٩] وبابه ورجَّحها بعضُهم بقولِه: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ فهذا يُوافِقُ هذه القراءةَ، ولا حُجَّة في ذلك لأنها موافقةٌ للأخرى.
والخَذْلِ والخِذْلاَنِ ضد النصر، وهو تَرْكُ مَنْ تَظُنُّ به النُّصْرة. وأصلُه منْ «خَذَلَتِ الظَّبْيَةُ ولدَها» أي: تركَتْه منفرداً، ولهذا قيل لها: خاذِل. ويقال للولدِ المتروك أيضاً: خاذِل، وهذا على النسب، والمعنى أنها مخذولةٌ، قال بُجَيْر:
١٤٨٥ - بجيدِ مُغْزِلَةٍ أَدْماءَ خاذِلَةٍ ... من الظِّباءِ تُراعي منزلاً زِيَمَا
стр. 2032
ويُقال له أيضاً: خَذول، فَعُول بمعنى مَفْعول. قال:
١٤٨٦ - خَذُولٌ تُراعِي رَبْرَباً بخميلةٍ ... تَنَاولُ أطرافَ البَريرِ وترْتَدي
ومنه يُقال: تَخاذَلَتْ رِجْلا فلانٍ «قال الأعشى:
١٤٨٧ - بينَ مَغْلوبٍ تليلٍ خَدُّهُ ... وخذولِ الرِّجْلِ من غيرِ كَسَحْ
ومعنى المادة: هذا الترك الخاص.
والغُلول في الأصلِ: تَدَرُّع الخِيانَةِ وتوسُّطها، والغَلَلُ: تَدَرُّعُ الشيء وتوسُّطه، ومنه:» الغَلَلُ «للماءِ الجاري بين الشجرِ، والغِلُّ: الحِقْدُ لكُمونه في الصدر، وتَغَلْغَلَ في كذا: إذا دخَل فيه وتوسَّط، قال:
١٤٨٨ - تَغَلْغَلَ حيث لم يَبْلُغْ شَرابٌ ... ولا حُزْنٌ ولم يَبْلُغْ سُرورُ
فالغُلولُ الذي هو الأخْذُ في خُفْيَةٍ مأخوذٌ من هذا المعنى، ومنه: «أَغَلَّ الجازِرُ» إذا سرق أو ترك في الإِهاب شيئاً من اللحم. وفَرَّقت العربُ بين الأفعالِ والمصادرِ فقالوا: غَلَّ يَغُلُّ غُلولاً بالضَّمِّ في المصدر والمضارع إذا خان، وغل يَغِلُّ غِلاًَّ بالكسر فيهما. قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣] أي حِقد.
стр. 2033
قوله: ﴿وَمَن يَغْلُلْ﴾ الظاهرُ أنَّ هذه الجملةَ الشرطيةَ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب، وإنما جِيء بها للرَّدْع عن الإِغلالِ. وزعم أبو البقاء أنها يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً، ويكونُ التقديرُ: في حال علم الغَالِّ بعقوبةِ الغُلول، وهذا وإنْ كان محتَمَلاً ولكنه بعيدٌ. و «ما» موصولةٌ بمعنى الذي، فالعائدُ محذوفٌ أي: غِلُّه، ويَدُلُّ على ذلك الحديثُ: «إنَّ أحدَهم يأتي بالشيء الذي أخذَه على رقبتِه» . ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً، وتكونُ على حَذْفِ مضاف أي: بإثمِ غلولِه.
وقولُه: ﴿ثُمَّ توفى﴾ هذه الجملةُ معطوفةٌ على الجملة الشرطية، وفيها إعلامٌ أنَّ الغالَّ وغيرَه مِنْ جميعِ الكاسبين لا بُدَّ وأن يُجازوا فيندرجَ الغالُّ تحت هذا العموم أيضاً فكأنه ذُكِر مرتين. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: هَلاَّ قيل:» ثم يُوَفَّى ما كسَب «ليتصلَ به. قلت: جِيء بعامٍّ دخَل تحتَه كلُّ كاسبٍ من الغالِّ وغيرِه فاتَّصل به من حيثُ المعنى، وهو أثبتُ وأبلغُ» .
стр. 2034
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتبع رِضْوَانَ الله﴾ : الكلامُ على مثلِه قد تقدَّم مِنْ أنَّ الفاءَ النيةُ بها التقديمُ على الهمزةِ، وأن مذهبَ الزمخشري تقديرُ فعلٍ بينهما. قال الشيخ: «وتقديرُه في مثلِ هذا التركيبِ متكلَّفٌ جداً» . انتهى. والذي يَظْهَرُ من التقديرات: «أحَصَل لكم تمييزٌ بين الضالِّ والمُهْتدي، فَمَنِ اتَّبع رضوانَ اللهِ واهتدى ليس كَمَنْ باءَ بسخطِه وغلَّ» . لأنَّ الاستفهامَ هنا للنفي. و «مَنْ» هنا موصولةٌ بمعنى الذي في محلِّ رفع بالابتداء، والجارُّ والمجرورُ الخبرُ. قال أبو البقاء: «ولا يجوزُ أَنْ تكونَ شرطاً، لأنَّ»
стр. 2035
كَمَنْ «لا يصلُح أن يكونَ جواباً» يعني لأنَّه كان يَجِبُ اقترانُه بالفاءِ، ولأنَّ المعنى يأْباه.
و «بسَخَطٍ» يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ الفعلِ أي: رَجَع بسَخَطِه، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً فيتعلَّقَ بمحذوفٍ أي: رجَع مصاحباً لسَخَطه أو ملتبساً به. و «مِنَ الله» صفتُه. والسَّخَط: الغضبُ الشديد، ويقال: «سَخَط» بفتحتين وهو مصدرٌ قياسي، ويقال: «سُخط» بضمِّ السين وسكونِ الخاء، وهو غيرُ مقيسٍ، ويقال: «هو في سُخْطَةِ المَلِك» بالتاءِ أي: في كراهةٍ منه له.
قوله: ﴿وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾ في هذه الجملةِ احتمالان: أن تكون مستأنفةً، أخبر أنَّ مَنْ باءَ بسَخَطِه أَوَى إلى جهنَّم. ويُفْهَمُ منه مقابله وهو: أنَّ مَنِ اتَّبع الرضوانَ كان مأواه الجنة، وإنما سَكَتَ عن هذا ونَصَّ على ذلك ليكونَ أبلغَ في الزجر، ولا بُدَّ مِنْ حَذْفٍ في هذه الجمل تقديرُه: أفَمَنْ اتبع ما يؤولُ به إلى رضا الله فباء برِضاه كَمَنِ اتَّبع ما يَؤُول به إلى سَخَطه.
والثاني: أنها داخلةٌ في حَيِّز الموصولِ، فتكونُ معطوفةً على «باء بسخط» ، فيكونُ قد وَصَل الموصولَ بجملتين اسميةٍ وفعلية، وعلى كلا الاحتمالَيْن لا محلَّ لها من الإِعراب. والمخصوصُ بالذمِّ محذوف أي: وبئس المصيرُ جهنمُ. واشتملت هذه الآياتُ على الطباق في قوله: «يَنْصُرْكم ويَخْذُلْكم» ، وفي قولِه: «رضوان الله وسخطه» ، والتجنيسُ المماثِلُ في قولِه: «يَغْلُلْ» و «بما غلَّ» .
следующие страницы →