← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ﴾ : ليس جواباً للشرط، بل الجوابُ محذوفٌ أي: فَتَسَلَّ «ونحوُه، لأنَّ هذا قد مَضَى وتحقَّق، وفيه

стр. 2102

كلامٌ طويلٌ تقدَّم لك نظيرُه. والجملةُ من» جاؤوا «في محلِّ رفعِ صفة ل» رُسُل «و» من قبلك «متعلقٌّ ب» كُذِّبَ «. والباءُ في» بالبينات «تحتملُ الوجهين كنظيرتِها. وقرأ جمهورُ الناس:» والزبرِ والكتابِ «مِنْ غيرِ ذكرِ باء الجر، وقرأ ابنُ عامر:» وبالزبرِ «بإعادتها، وهشامٌ وحدَه عنه:» وبالكتاب «بإعادتها أيضاً، وهي في مصاحف الشاميين كقراءة ابن عامر ﵀. والخَطْبُ فيه سهلٌ، فَمَنْ لم يأتِ بها اكتفى بالعطف، ومَنْ أتى بها كان ذلك تأكيداً/. والزُّبُر: جمع زَبُور بالفتح، ويقال: زُبور بالضم أيضاً، وهل هما بمعنىً واحد أو مختلفان؟ سيأتي الكلامُ عليهما في قوله: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً﴾ [الآية: ١٦٣] في النساء. واشتقاقُ اللفظةِ من» زَبَرْتُ «أي: كَتَبْتُ، وزَبَرْتُه قرأتُه، وزَبَرْتُه: حَسَّنْتُ كتابتَه، وزَبَرْتُه: زجرته، فَزَبور بالفتح فَعُول بمعنى مَفْعول كالرَّكوب بمعنى المركوبِ، والحَلوب بمعنى المَحْلوب، قال امرؤ القيس: ١٥٠٣ - لِمَنْ طَلَلٌ أبصرْتُه فشَجاني ... كخَطِّ زَبورٍ في عَسيبِ يماني وقيل: اشتقاقُ اللفظِ من الزُّبْرَة، وهي قطعة الحديد المتروكة بحالها. و» المنير «اسم فاعل من أنار أي: أضاء.

стр. 2103

قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت﴾ : مبتدأٌ وخبر، وسَوَّغَ الابتداءَ بالنكرةِ العمومُ أو الإِضافةُ. والجمهورُ على ﴿ذَآئِقَةُ الموت﴾ .

стр. 2104

بخفض «الموت» بالإِضافة، وهي إضافةُ غيرُ محضةٍ لأنَّها في نيةِ الانفصالِ. وقرأ اليزيدي: «ذائقةٌ الموتَ» بالتنوين والنصبِ في «الموت» على الأصل. وقرأ الأعمش بعدمِ التنوين ونصبِ «الموت» ، وذلك على حذف التنوين لالتقاء الساكنين وإرادته، وهو كقول الآخر: ١٥٠٤ - فألفَيْتُه غيرَ مُسْتَغْتِبٍ ... ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلا بنصب الجلالة، وقراءة من قرأ: ﴿قل هو الله أحدُ اللهُ﴾ بحذف التنوين من «أحد» لالتقاء الساكنين. ونقل أبو البقاء فيها قراءةً غريبةً وتخريجاً غريباً قال: «ويُقْرأ أيضاً شاذاً: ﴿ذَآئِقَةُ الموت﴾ على جعل الهاء ضمير» كل «على اللفظ، وهو مبتدأ أو خبر» . انتهى. وإذا صَحَّتْ هذه قراءةً فيكونُ «كل» مبتدأً، و «ذائقُةُ» خبرٌ مقدمٌ، و «الموتُ» مبتدأ مؤخر، والجملة خبر «كل» ، وأضيف «ذائق» إلى ضمير «كل» باعتبار لفظها، ويكون هذا من باب القلب في الكلام؛ لأنَّ النفسَ هي التي تذوقُ الموتَ وليس الموتُ يذوقُها، وهنا جَعَلَ الموتَ هو الذي يذوق النفس قلباً للكلام لفهم المعنى، كقولهم: «عَرَضْتُ الناقة على الحوض» ، ومنه: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الذين كَفَرُواْ عَلَى النار﴾ [الأحقاف: ٢٠] و «أَدْخَلْت القَلنسوة في رأسي» . وقوله:

стр. 2105

١٥٠٥ - مثلُ القنافِذِ هَدَّاجون قد بلغَتْ ... نجرانُ أو بُلِّغَتْ سواءِتهمْ هَجَرُ الأصلُ: عَرَضْتُ الحوض على الناقةِ، ويَوْم تُعْرَضُ النارُ عليهم، وأدخلت رأسي في القَلَنْسوة، وبُلِّغَتْ سوءاتُهم هجراً، فَقَلب، وسيأتي خلاف الناس في القلب بأشبعَ من هذا عند موضعِه، وكان أبو البقاء قد قَدَّم قبل هذا أنَّ التأنيثَ في «ذائقة» إنما هو باعتبار معنى «كل» ، وقال: «لأنَّ كلَّ نفسٍ نفوسُ، ولو ذُكِّر على لفظِ» كل «جاز» ، يعني أنه لو قيل: «كلُّ نفس ذائقٌ كذا» جاز، وقد تقدَّم لك أو البقرةِ أنه يَجِبُ اعتبارُ لفظِ ما تُضاف إليه «كل» إذا كان نكرةً، ولا يجوزُ أن تَعْتَبِر «كلَ» ، وتحقيقُ هذه المسألةِ هناك. قوله: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ﴾ «ما» كافةٌ ل «إنَّ» عن العمل وقد تقدَّم مثلُها. وقال مكي: «ولا يجوزُ أَنْ تكونَ» ما «بمعنى الذي لأنه يلزم رفعُ» أجوركم «، ولم يَقْرأ به أحدٌ؛ لأنَّه يصير التقديرُ:» وإنَّ الذي تُوَفَّوْنه أجورُكم، كقولك: «إنَّ الذي أكرمتموه عمروٌ» وأيضاً فإنك تفرِّق بين الصلةِ والموصولِ بخبر الابتداء «يعني لو كانت» ما «موصولةً لكانت اسمَ» إنَّ «فيلزمُ حينئذٍ رفعُ» أجوركم «على خبرها كقولِه تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: ٦٩] ، ف «ما» هنا يجوزُ أن تكونَ بمعنى الذي أو مصدريةً تقديرُه: إنَّ الذي صَنَعوه أو: إنَّ صُنْعَهم، ولذلك رُفِع «كيد» خبراً لها. وقولُه: «وأيضاً فإنَّك تفرِّقُ» يعني أن «يوم القيامة» متعلِّقٌ ب «تُوَفَّوْن» فهو من تمامِ الصلة، فلو كانت «ما» موصولةً لفَصَلْتَ بالخبرِ الذي هو «أجوركم» بين أبعاضِ الصلةِ التي هي الفعلُ ومعموله، ولا يُخْبَر عن موصولٍ إلا بعد تمام صلتِه، وهذا وإنْ كانَ من الواضحاتِ إلا أنَّ فيه تنبيهاً على أصولِ العلمِ.

стр. 2106

وأدغم أبو عمرو الحاءَ من «زُحْزِحَ» في العينِ هنا خاصة قالوا: لطول الكلمةِ وتكريرِ الحاء، دونَ قولِه: ﴿ذُبِحَ عَلَى النصب﴾ [المائدة: ٣] ﴿المسيح عِيسَى﴾ [آل عمران: ٤٥] ونُقِل عنه الإِدغامُ مطلقاً وعدمُه مطلقاً، والنحويون يمنعون ذلك، ولا يُجيزونه إلا بعد أنْ يَقْلبوا العينَ حاءً، ويُدْغِمون الحاءَ فيها قالوا: «لأنَّ الأقوى لا يُدْغَمُ في الأضعفِ، وهذا عكسُ الإِدغامِ، لأنَّ الإِدغامَ أَنْ تَقْلِبَ فيه الأولَ للثاني، إلا في مسألتين إحداهما: هذه، والثانية الحاء في الهاء نحو:» امدحْ هذا «لا تُقْلَبُ الهاء حاء أيضاً» ، ولذلك طَعَنَ بعضُهم على قراءةِ أبي عمرو، ولا يُلْتَفت إليه. والغُرور: [يجوزُ أَنْ يكون مصدراً وأَنْ يكونَ] جمعاً. وقرأ عبد الله بفتح الغين، وفُسِّر بالشيطان، ويجوزُ أَنْ يكونَ فَعولاً بمعنى مَفْعول أي: متاع المغرور، أي: المَخْدوع، وأصل الغَرَر: الخَدْع.

стр. 2107

قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ : هذا جوابُ قسم محذوف تقديره: واللهِ لَتُبْلَوُنَّ. وهذه الواو هي واو الضمير، والواو التي هي لام الكلمة حُذِفت لأمر تصريفيّ، وذلك أن أصله: لَتُبْلَوُوْنَنَّ، فالنون الأولى للرفع حُذِفت لأجل نون التوكيد، وتَحَرَّكت الواو التي هي لام الكلمة وانفتح ما قبلها فَقُلبت ألفاً، فالتقى ساكنان: الألف وواو الضمير، فَحُذفت الألف لئلا يلتقيا، وضُمَّت الواو دلالةً على المحذوف، وإنْ شئت قلت: استُثْقِلَت الضمةُ على الواو الأولى فَحُذِفت فالتقى ساكنان، فحذفت الواو الأولى، وحُرِّكت الواوُ بحركة مجانسةٍ دلالةً على المحذوف. ولا يجوز قلبُ مثلِ هذه الواو همزةً

стр. 2108

لأنها حركةٌ عارضةٌ ولذلك لم تُقْلَبْ ألفاً وإنْ تحركت وانفتح ما قبلها. وأصلُ لَتَسْمَعُنَّ: تسمعونَنَّ، ففُعِل فيه ما تقدَّم، إلا أن. هنا حُذِفَتْ واوُ الضمير لأنَّ قبلَها حرفاً صحيحاً.

стр. 2109

قوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ : هذا جوابٌ لِما تضمَّنه الميثاق من القسم. وقرأ أبو عمرو وابن كثير وأبو بكر بالياء جرياً على الاسم الظاهر وهو كالغائبِ وحَسَّن ذلك قولُه بعدَه: «فنبذوه» . والباقون بالتاء خطاباً على الحكاية تقديرُه: «وقلنا لهم» ، وهذا كقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بني إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ٨٣] بالتاء والياء، وتقدَّم تحريره. وقوله: ﴿وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ يَحتمل وجهين، أحدهما: واو الحال، والجملةُ بعدَها نصبٌ على الحال أي: لتُبَيِّنُنَّه غيرَ كاتمين. والثاني: أنها للعطف، وأنَّ الفعلَ بعدها مقسمٌ عليه أيضاً، وإنما لم يُؤكَّد بالنون لأنه منفيٌّ، تقول: «واللهِ لا يقومُ زيد» من غيرِ نونٍ. وقال أبو البقاء: «ولم يأتِ بها في» تكتمونه «اكتفاءً بالتوكيدِ في الأول لأنَّ» تكتمونَه «توكيدٌ» ، وظاهرُ عبارتِه أنه لو لم يكن بعدَ مؤكَّدٍ بالنونِ لزم توكيدُه، وليس كذلك لِما تقدَّم. وقوله: «لأنه توكيدٌ» يعني أنَّ نَفْيَ الكتمان عنهم من قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ ، فجاءَ قولُه: ﴿وَلاَ تَكْتُمُونَهُ﴾ توكيداً في المعنى. واستحسن الشيخ هذا الوجهَ أعني جَعْلَ الواوِ عاطفةً لا حاليةً قال: «لأن هذا الوجه الأول يحتاج إلى إضمار مبتدأ بعد الواو حتى تصيرَ

стр. 2110

الجملةُ اسميةً، لأنَّ المضارع المنفيّ ب» لا «لا يَصِحُّ دخولُ الواو عليه. وغيره يقول: إنها تمتنع إذا كان مضارعاً مثبتاً فيفهم من هذا أن المضارع المنفيَّ بكلِّ نافٍ لا يمتنع دخولُها عليه. وقرأ عبد الله» لَتُبَيِّنُونه «من غير توكيد. قال ابن عطية:» وقد لا تلزم هذه النونُ لامَ التوكيد، قال سيبويه «انتهى. والمعروف من مذهب البصريين لزومُهما معاً، والكوفيون يجيزون تعاقبهما في سَعة الكلام، وأنشدوا: ١٥٠٦ - وعَيْشِك يا سلمى لأُوقِنُ أنني ... لِما شِئْتِ مُسْتَحْلٍ ولو أنَّه القتلُ وقال آخر: ١٥٠٧ - يميناً لأَبْغَضُ كلَّ امرىءٍ ... يُزَخْرِفُ قولاً ولا يفعلُ فأتى باللامِ وحدها، وقد تقدَّم هذا مرةً أخرى بأشبع من هذا الكلام. وقرأ ابن عباس:» ميثاقَ النبيين «. والضميرِ في قوله:» فنبذوه «يعود على الناس المبيَّن لهم، لاستحالةِ عوْدِه على النبيين، وكان قد تقدَّم لك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النبيين لَمَآ آتَيْتُكُم﴾ [آل عمران: ٨١] أنه في أحد الأوجه على

стр. 2111

حذف مضاف، أي: أولاد النبيين، فلا بُعْدَ في تقديرِه هنا، أعني قراءة ابن عباس.

стр. 2112

قوله تعالى: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ﴾ : قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «لاتَحْسَبَنَّ فلا يَحْسَبُنَّهم» بالياءِ فيهما ورفع باء «يَحْسَبُنَّهم» . وقرأ الكوفيون بتاء الخطاب وفتحِ الباء فيهما معاً، ونافع وابن عامر بياءِ الغَيْبة في الأولِ، وبالخطاب في الثاني، وفتح الباءِ فيهما. وقرىء شاذاً بتاءِ الخطابِ وضَمِّ الباء فيهما معاً. [وقُرىء فيه أيضاً بياء الغيبة فيهما وفتح الباء فيهما أيضاً، فهذه خمس قراءات] . فأمَّا قراءةُ ابن كثير وأبي عمرو ففيها خمسة أوجه، وذلك أنه لا يخلو: إمَّا أَنْ يُجْعَلَ الفعلُ الأولُ مسنداً إلى ضميرِ غائبٍ أو إلى الموصولِ، فإنْ جَعَلْناه مسنداً إلى ضميرِ غائب: إمَّا الرسولِ ﵇ أو غيرِه ففي المسألة وجهان، أحدُهما: أنَّ/ «الذين» مفعولٌ أولُ، والثاني محذوفٌ لدلالةِ المفعولِ الثاني للفعلِ الذي بعده عليه وهو «بمفازة» ، والتقدير: لا يَحْسَبَنَّ الرسول أو حاسبٌ الذين يفرحون بمفازة، فلا يَحْسَبُنَّهم بمفازة، فأسند الفعلَ الثاني لضميرِ «الذين» ، ومفعولاه: الضميرُ المنصوبُ و «بمفازةٍ» . الوجه الثاني: أنَّ «الذين» مفعولٌ أولُ أيضاً، ومفعولهُ الثاني هو «بمفازة» الملفوظِ به بعد الفعل الثاني، ومفعول الفعل الثاني محذوفٌ لدلالةِ مفعولِ الأولِ عليه، والتقديرُ: لا يَحْسَبَنَّ الرسول الذين يفرحون بمفازةٍ فلا يَحْسَبُنَّهم كذلك، والعمل كما تقدم. وهذا بعيدٌ جداً للفصل بين المفعول الثاني للفعل

стр. 2113

الأول بكلامٍ طويل من غير حاجةٍ. والفاءُ على هذين الوجهين عاطفةٌ، والسببية فيها ظاهرة. وإن جعلناه مسنداً إلى الموصولِ ففيه ثلاثة أوجه، أولها: أَنَّ الفعل الأول حُذِف مفعولاه اختصاراً لدلالة مفعولي الفعل الثاني عليهما تقديره: لا يَحْسَبَنَّ الفارحون أنفسَهم فائزين فلا يَحْسَبُنَّهم فائزين كقول الآخر: ١٥٠٨ - بأيَّ كتابٍ أم بأيةِ سُنَّةٍ ... ترى حُبَّهم عاراً علي وتَحْسَبُ أي: وتَحْسَبُ حُبَّهم عاراً، فحَذَف مفعولي الفعل الثاني لدلالة مفعولي الأول عليهما، وهو عكسُ الآية الكريمة حيث حُذِف فيها من الفعل الأول. الوجه الثاني: أنَّ الفعلَ الأول لم يَحْتَجْ إلى مفعولين هنا. قال أبو علي: «يَحْسَبَنَّ» لم يقع على شيء، و «الذين» رفع به، وقد تجيء هذه الأفعالُ لغواً في حكم الجمل المفيدة كقوله: ١٥٠٩ - وما خِلْتُ أَبْقَى بيننا من مودةٍ ... عِراضُ المَذَاكي المُسْنِفِاتِ القلائِصا وقال الخليل: «العربُ تقول: ما رأيتُ يقول ذلك إلا زيدٌ، وما ظننته يقول ذلك إلا عمرو» يعني أبو علي: أنها في هذه الأماكنِ ملغاة لا مفعولَ لها.

стр. 2114

الثالث: أن يكونَ المفعولُ الأول محذوفاً. الثاني هو نفس «بمفازة» ويكون «فلا يَحْسَبُنَّهم» تأكيداً للفعل الأول. وهذا رأي الزمخشري، فإنه قال بعد ما حكى هذه القراءة: «على أنَّ الفعلَ اللذين يفرحون، والمفعولُ الأولُ محذوفٌ على معنى:» لا يَحْسَبَنَّهم الذين يفرحون بمفازةٍ «بمعنى: لا يَحْسَبَنَّ أنفسَهم الذين يفرحون فائزين، و» فلا يَحْسَبُنَّهم «تأكيد انتهى. قال الشيخ: «وتقدَّم لنا الردُّ على الزمخشري في تقديره:» لا يَحْسَبَنَّهم الذين «في قوله: ﴿لاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي﴾ [آل عمران: ١٧٨] وأن هذا التقدير لا يَصِحُّ» . قلت: قد تقدم ذلك والجواب عنه بكلام طويل، لكن ليس هو في قوله: ﴿لاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي﴾ بل في قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ [آل عمران: ١٦٩] في قراءةِ مَنْ قرأه بياء الغيبة، فهناك ردَّ عليه بما قال، وقد أَجَبْتُ عنه والحمد لله، وإنما نَبَّهْتُ على الموضع لئلا يُطْلَبَ هذا البحثُ من المكان الذي ذكره فلم يوجد. ويجوز أن يقال في تقرير هذا الوجه الثالث: إنه حَذَف من أحد الفعلين ما أثبتَ نظيرَه في الآخر، وذلك أن «بمفازة» مفعولٌ ثان للفعل الأول حُذِفَتْ من الفعل الثاني، و «هم» في: «فلا يَحْسَبُنَّهم» مفعولٌ أول للفعل الثاني، وهو محذوفٌ من الأول. وإذا عَرَفْتَ ذلك فالفعل الثاني على هذه الأوجه الثلاثة تأكيدٌ للأول. وقال مكي: «إن الفعل الثاني بدلٌ من الأول» ، وتسمية مثلِ هذا بدلاً

стр. 2115

فيه نظر لا يخفى، وكأنه يريد أنَّه في حكم المكرِر، فهو يرجع إلى معنى التأكيد، ولذلك قال بعضُهم: «والثاني معادٌ على طريق البدل مشوباً بمعنى التأكيد» وعلى هذين القولينِ أعني كونَه توكيداً أو بدلاً فالفاءُ زائدةٌ ليسَتْ عاطفةً ولا جواباً. وقوله: «فَلاَ يَحْسَبُنَّهُمْ» أصله: يَحْسَبُونَنَّهم بنونين، الأولى نون الرفع والثانية للتأكيد، وتصريفُه لا يَخْفى من القواعد المتقدمة. وتعدَّى هنا فعلُ المضمرِ المنفصلِ إلى ضميرِه المتصل، وهو خاصٌّ بباب الظن وب «عَدِمَ وفَقَد دونَ سائر الأفعالِ لو قلت:» أكرمتُني «أي:» أكرمت أنا نفسي «لم يَجُزْ، وموضعُ تقريرِه غير هذا. وأما قراءة الكوفيين فالفعلان فيها مسندان إلى ضمير المخاطب: إمَّا الرسولِ ﵇، أو كلِّ مَنْ يصلح للخطاب، والكلام في المفعولين للفعلين كالكلام فيهما في قراءة أبي عمرو وابن كثير، على قولنا: إن الفعل الأول مسندٌ لضمير غائب. والفعل الثاني تأكيدٌ للأول أو بدلٌ منه، والفاءُ زائدة كما تقدَّم في توجيه قراءة أبي عمرو وابن كثير على قولنا إن الفعلين مسندان للموصول لأن الفاعل فيها واحد. واستدلوا على أن الفاء زائدة بقوله: ١٥١٠ - لا تَجْزَعي إنْ مُنْفِساً أهلكتُه ... وإذا هَلَكْتُ فعند ذلك فاجْزَعي ويقول الآخر:

стр. 2116

١٥١١ - لَمَّا اتَّقى بيدٍ عظيم جِرْمُها ... فتركْتُ ضاحي كَفِّه يَتَذَبْذَبُ أي: تركت. وقولِ الآخر: ١٥١٢ - حتى تَرَكْتُ العائداتِ يَعُدْنَه ... فيقلن: لا يَبْعَدْ وقلت له: ابعَدِ إلا أن زيادةَ الفاء ليس رأيَ الجمهور، إنما قال به الأخفش. وأمَّا قراءةُ نافع وابن عامر بالغيبة في الأول والخطاب في الثاني فوجْهُها أنهما غايرا بين الفاعلين، والكلام فيها يُؤْخَذُ مِمَّا تقدم، فيؤخذ الكلامُ في الفعل الأول من الكلام على قراءةِ أبي عمرو وابن كثير، وفي الثاني من الكلام على قراءة الكوفيين بما يَليق به، إلا أنه يَمْتنع هنا أن يكونَ الفعلُ الثاني تأكيداً للأول أو بدلاً منه لاختلافِ فاعليهما، فتكون الفاءُ هنا عاطفةً ليس إلا. وقال أبو علي في «الحجة» : «إنَّ الفاء زائدةٌ والثاني بدل من الأول» ، قال: «ليس هذا موضعَ العطفِ لأنَّ الكلامَ لم يتِمَّ، ألا ترى أنَّ المفعول الثاني لم يُذْكَر بعدُ» . وفيه نظر لاختلاف الفعلين باختلاف فاعليهما. وأمَّا قراءةُ الخطاب فيهما مع ضَمِّ الباء فيهما فالفعلان مسندان لضميرِ المؤمنين المخاطبين، والكلامُ في المفعولين كالكلامِ فيهما في قراءة الكوفيين. وأمَّا قراءةُ الغيبة وفتحِ الباء فيهما فالفعلان مسندان إلى ضمير غائب أي: لا يَحْسَبَنَّ الرسولُ أو حاسِبٌ، والكلامُ في المفعولين للفعلين كالكلامِ

стр. 2117

في القراءة التي قبلها. والثاني من الفعلين تأكيدٌ أو بدلٌ، والفاءُ زائدةٌ على هاتين القراءتين لاتحادِ الفاعل. وقرأ النخعي ومروان بن الحكم: «بما آتَوا» ممدوداً أي: أعطَوا. وقرأ أُبيّ «أُوتوا» مبنياً للمفعول. قوله: ﴿مِّنَ العذاب﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بمحذوف على أنه صفة ل «مفازة» أي: بمفازةٍ كائنةٍ من العذاب على جَعْلِنا «مفازة» مكاناً أي: بموضع فوز. قال أبو البقاء «لأنَّ المفازة مكانٌ، والمكانُ لا يعمل» ، يعني فلا يكونُ متعلقاً بها، بل بمحذوف على أنه صفةٌ لها، إلاَّ أنَّ جَعْلَه صفةً مشكلٌ، لأنَّ المفازة لا تتصف بكونِها من العذاب، اللهم إلا أن يُقَدَّر ذلك المحذوفُ الذي يتعلق به الجار شيئاً خاصاً [حتى يصح] المعنى، تقديرُه: بمفازةٍ منجيةٍ من العذاب، وفيه الإِشكالُ المعروفُ وهو أنه لا يُقَدَّر المحذوفُ في مثلِه إلا كوناً مطلقاً. الوجه الثاني: أنه يتعلَّق/ بنفس «مفازة» على أنها مصدر بمعنى الفوز تقول: «فزت منه» أي: نَجَوْتُ، ولا يَضُرُّ كونُها مؤنثةً بالتاء لأنها مبنيةٌ عليها، وليست الدالَّةَ على التوحيد فهو كقوله: ١٥١٣ - فلولا رجاءُ النصرِ منك ورهبةٌ ... عقابَك قد كانوا لنا كالمَوارِدِ

стр. 2118

فأعمل «رهبةٌ» في «عقابَك» وهو مفعول صريح فهذا أَوْلى. وقالَ أبو البقاء: «ويكون التقدير: فلا تَحْسَبَنَّهم فائزين، فالمصدر في موضع اسم الفاعل» انتهى. فإنْ أراد تفسير المعنى فذاك، وإنْ أراد أنه بهذا التقديرِ يَصِحُّ التعلُّقُ فلا حاجةَ إليه، إذ المصدرُ مستقل بذلك لفظاً ومعنى.

стр. 2119

قوله تعالى: ﴿الذين يَذْكُرُونَ﴾ : فيه خمسة أوجه، أولها: أنه نعت ل «أُولِي» ، فهو مجرورٌ. وثانِيها: أنه خبرُ مبتدأ محذوف أي: هم الذين. وثالثها: أنه منصوبٌ بإضمار «أعني» ، وهذان الوجهان يُسَمَّيان بالقطع، وقد تقدم ذلك مراراً. الرابع: أنه مبتدأ وخبره محذوف تقديره: يقولون: ربَّنا. قاله أبو البقاء. وخامسها: أنه بدلٌ من «أُولي» ذكره مكي. وأول الوجوه هو الأحسن. و ﴿قِيَاماً وَقُعُوداً﴾ حالان من فاعل «يَذْكُرون» . و ﴿وعلى جُنُوبِهِمْ﴾ حالٌ أيضاً فيتعلَّقُ بمحذوف، والمعنى: يذكرونه قياماً وقعوداً ومضطجعين، فَعَطَفَ الحالَ المؤولة على الصريحة، عكسَ الآية الأخرى وهي قوله: ﴿دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً﴾ [يونس: ١٢] ، حيث عطف الصريحةَ على المؤولة. و «قياماً» و «قعوداً» جمعان ل «قائم» و «قاعد» . وأُجيز أن يكونا مصدرين، وحينئذ يتأوَّلان على معنى ذوي قيام وقعود، ولا حاجةَ إلى هذا. قوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ﴾ فيه وجهان، أظهرُها: أنها عطف على الصلةِ فلا محلَّ لها. والثاني: أنها في محلِّ نصب على الحال عطفاً على «قياماً» أي: يذكرونه متفكرين. فإنْ قيل: هذا مضارعٌ مثبت فكيف دخلت عليه الواوُ؟ فالجوابُ أن هذه واوُ العطف، والممنوعُ إنما هو واو الحال.

стр. 2120

و «خَلْق» فيه وجهان، أحدُهما: أنه مصدرٌ على أصله أي: يتفكرون في صنعة هذه المخلوقات العجيبة، ويكون مصدراً مضافاً لمفعوله. والثاني: أنه بمعنى المفعول أي: في مخلوق السماوات والأرض، وتكون إضافتُه في المعنى إلى الظرف أي: يتفكرون فيما أودع الله هذين الظرفين من الكواكب وغيرِها. وقال أبو البقاء: «وأن يكون بمعنى المخلوق؛ ويكون من إضافةِ الشيءِ إلى ما هو في المعنى» وهذا كلامٌ متهافتٌ إذ لا يُضاف الشيءُ إلى نفسِه، وما أَوْهم ذلك يُؤَوَّل. قوله: «ربَّنا» هذه الجملة في محلِّ نصب بقول محذوف تقديره: يقولون. والجملةُ القولية فيها وجهان، أظهرهما: أنها حال من فاعل «يتفكرون» أي: يتفكرون قائلين: ربنا، وإذا أعربنا «يتفكرون» حالاً كما تقدم فتكونُ الحالان متداخلتين. والوجه الثاني: أنها في محلِّ رفعٍ خبراً ل «الذين» على قولِنا بأنه مبتدأ، كما تقدَّم نَقْلُه عن أبي البقاء. و «هذا» في قوله: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذا﴾ إشارةٌ إلى الخَلْق إن أريد به المخلوق. وأجاز أبو البقاء حالَ الإِشارة إليه ب «هذا» أن يكون مصدراً على حالِه لا بمعنى المخلوق. وفيه نظرٌ، أو إلى السماوات والأرض، وإنْ كانا شيئين كلٌّ منهما جَمْعٌ، لأنهما بتأويل: هذا المخلوق العجيب، أو لأنهما في معنى الجمع فأُشير إليهما كما يشار إلى لفظ الجمع. قوله: ﴿بَاطِلاً﴾ في نصبه خمسةُ أوجه، أحدها: نعت لمصدر محذوف أي: خلقاً باطلاً، وقد تقدم أن سيبويه يجعل مثلَ هذا حالاً من ضميرِ ذلك المصدر. الثاني: أنه حالٌ من المفعول به وهو «هذا» . الثالث: أنه على

стр. 2121

إسقاطِ حرفٍ خافضٍ وهو الباء، والمعنى: ما خلتقهما بباطلٍ بل بحقٍّ وقُدرةٍ. الرابع: أنه مفعول من أجله، و «فاعِل» قد يجيء مصدراً كالعاقبةِ والعافيةِ. الخامس: أنه مفعول ثاني ب «خَلَق» قالوا: و «خلق» إذا كانت بمعنى جعل التي تتعدى لاثنين تعدَّت لاثنين، وهذا غير معروف عند أهل العربية، بل المعروف أنَّ «جَعَلَ» إذا كانت بمعنى «خَلَقَ» تعدَّتْ لواحد فقط. وأحسنُ هذه الأعاريبِ أن يكونَ حالاً من «هذا» ، وهي حالُ لا يُسْتغنى عنها، لأنها لو حُذِفَتْ لاختلَّ الكلامُ، وهي كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاَعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] . و ﴿سُبْحَانَكَ﴾ تقدم إعرابه وهو معترضٌ بين قوله: «ربنا» وبين قوله: «فَقِنا» ، وقال أبو البقاء: «دخلت الفاء لمعنى الجزاء، والتقدير: إذا نَزَّهناك أو وحَّدْناك فَقِنا» . وهذا لا حاجةَ إليه، بل التسبُّبُ فيها ظاهر، تسبَّب عن قولهم: ﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ﴾ طَلَبُهُمْ وقايةَ النار. وقيل: هي لترتيب السؤال على ما تضمَّنه «سبحان» من معنى الفعل أي: سبحانك فقِنا، وأبعدَ مَنْ ذَهَب إلى أنها للترتيبِ على ما تضمَّنه النداء.

стр. 2122

قوله تعالى: ﴿مَن تُدْخِلِ﴾ : «مَنْ» شرطيةٌ مفعولٌ مقدَّم واجبُ التقديمِ لأنَّ له صدرَ الكلام، و «تُدْخِل» مجزوم بها. و ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ جوابُها. وحكى أبو البقاء عن بعضهم قولين غريبين. أحدهما: أن تكونَ «مَنْ» منصوبةً بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّره قوله: «فقد أَخْزَيْتَه، وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّ مِنْ شرطِ الاشتغالِ صحةَ تسلُّط ما يُفَسِّر على ما هو منصوب، والجواب لا يعمل فيما قبل فعل الشرط؛ لأنه لا يتقدَّم على الشرط. الثاني: أن» مَنْ «مبتدأ، والشرطُ

стр. 2123

وجوابُه خبر هذا المبتدأ، وهذان الوجهان غَلَطٌ. والله أعلم. وعلى الأقوالِ كلِّها فهذه الجملةُ الشرطيةُ في محلِّ رفعٍ خبراً ل» إنَّ «. ويُقال: خَزَيْتُه وأَخْزَيْتُه ثلاثياً ورباعياً، والأكثرُ الرباعي، وخَزِيَ الرجلُ يَخْزَى خِزْياً إذا افتضح، وخَزاية إذا استحيا فالفعلُ واحد، وإنما يتميز بالمصدر كما تقدم. قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ » مِنْ «زائدة لوجود الشرطين، وفي مجرورها وجهان، أحدهما: أنه مبتدأ وخبرُه الجارِّ قبله، وتقديمُه هنا جائزٌ لا واجبٌ لأنَّ النَّفْيَ مُسَوِّغ، وحَسَّنَ تقديمَه كونُ مبتدئِه فاصلةً. الثاني: أنه فاعلٌ بالجارِّ قبله لاعتمادِه على النفي، وهذا جائزٌ عند الجميع.

стр. 2124

قوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي﴾ : «سمع» إنْ دَخَلَتْ على ما يَصِحُّ أن يُسْمع نحو: «سمعت كلامك وقراءتك» تعدَّت لواحد، وإنْ دخلت على ما لا يَصِحُّ سماعُه بأنْ كان ذاتاً فلا يَصِحُّ الاقتصارُ عليه وحدَه، بل لا بد من الدلالةِ على شيء يُسْمع نحو: «سمعت رجلاً يقول كذا، وسمعت زيداً يتكلم» . وللنحويين في هذه المسألة قولان، أحدُهما: أنها تتعدى فيه أيضاً إلى مفعولٍ واحد، والجملة الواقعة بعد المنصوب صفةٌ إنْ كان قبلَها نكرةٌ، وحالاً إنْ كان معرفة. والثاني: قول الفارسي وجماعة تتعدَّى لاثنين الجملةُ في محلِّ الثاني منهما. فعلى قولِ الجمهور يكون «يُنادي» في محلِّ نصب لأنه صفةٌ لمنصوبٍ قبلَه، وعلى قول الفارسي يكونُ في محلِّ نصبٍ على أنه مفعول ثان.

стр. 2125

وقال الزمخشري: «تقول: سمعت رجلاً يقول كذا، وسمعت زيداً يتكلم، فَتُوْقِعُ الفعلَ على الرجل، وتَحْذِف المسموع لأنك وَصَفْتَه بما يسمع أو جعلته حالاً منه فأغناك عن ذكره، ولولا الوصفُ أو الحالُ لم يكن منه بَدٌّ، وأن تقولَ: سَمِعْتُ كلامَ فلانٍ أو قولَه» . وهذا قولُ الجمهور الذي قَدَّمْتُ لك ذكرَه. إلاَّ أنَّ الشيخ اعترض عليه فقال: «قوله: ولولا الوصفُ أو الحال إلى آخره ليس كذلك، بل لا يكونُ وصفٌ ولا حالٌ ومع ذلك تَدْخُل» سمع «على ذاتٍ لا على مسموع» كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ [الشعراء: ٧٢] فأغنى ذكرُ ظرفِ الدعاءِ من المسموعِ «. وأجاز أبو البقاء في» يُنادي «أن يكونَ في محلِّ نصب على الحالِ من الضميرِ المستكن في» مناديا «. فإن قيل: فما الفائدة في الجَمْع بين» منادٍ «و» ينادي «؟ فأجاب الزمخشري بأنه ذَكَر النداء مطلقاً ثم مقيداً بالإِيمان تفخيماً لشأن المنادي لأنه لا مناديَ أعظمُ من منادٍ للإِيمان، وذلك أنَّ المنادِيَ إذا أطلق ذَهَب الوهمُ إلى منادٍ للحرب أو لإِطفاء الثائرة أو لإِغاثة المكروب أو لكفاية بعضِ النوازِل أو لبعضِ المنافعِ، فإذا قلت:» ينادِي للإِيمان «فقد رَفَعْتَ من شأن المنادي وفَخَّمته. وأجاب أبو البقاء عنه بثلاثة أجوبة/ أحدها: التوكيد نحو: قم قائماً. الثاني: أنه وُصِل به ما حَسَّن التكريرَ وهو» للإِيمان «. الثالث: أنه لو اقْتُصِر

стр. 2126

على الاسمِ لجاز أن نسمع معروفاً بالنداء يَذْكُر ما ليس بنداء فلمَّا قال» يُنادِي «ثبتَ أنهم سمعوا نداءَه في هذه الحال. ومفعولُ» ينادي «محذوف أي: ينادي الناس. ويجوزُ ألاَّ يرادَ مفعول نحو: ﴿أَمَاتَ وَأَحْيَا﴾ [النجم: ٤٤] . و» نادى «و» دعا «يتعدَّيان باللام تارة وب» إلى «أخرى، وكذلك» ندب «. قال الزمخشري: «وذلك أن معنى انتهاء الغاية ومعنى الاختصاص واقعان جميعاً» فاللامُ في موضِعها، ولا حاجةَ إلى أَنْ يقال: إنها بمعنى «إلى» ولا إنها بمعنى الباء، ولا إنها لام العلة أي: لأجل الإِيمان كما ذهب إلى ذلك بعضهم. قوله: ﴿أَنْ آمِنُواْ﴾ في «أَنْ» قولان، أحدهما: أنها تفسيرية لأنها وَقَعتْ بعد فعلٍ بمعنى القول لا حروفِه، وعلى هذا فلا موضعَ لها من الإِعراب. والثاني: أنها المصدريةُ وُصِلَتْ بفعل الأمر، وفي وصلها به نظرٌ من حيث إنها إذا انسبك منها ومِمَّا بعدَها مصدرٌ تفوتُ الدلالة على الأمرية، واستدلُّوا على وَصْلِها بالأمر بقولهم: «كَتَبْتُ إليه بأنْ قم» فهي هنا مصرية ليس إلا، وإلاَّ يلزمْ تعليقُ حرف الجر. ولهذا موضعُ هو أليقُ به، وإذ قيل بأنها مصدرية فالأصل التعدِّي إليها بالباء أي: بأن آمنوا، فيكون فيها المذهبان المشهوران: الجر والنصب. وقوله: ﴿فَآمَنَّا﴾ عطف على «سمعنا» ، والعطفُ بالفاءِ مؤذنٌ بتعجيل القبول وتسبُّبِ الإِيمان عن السماع من غير مُهْلة، والمعنى: فآمَنَّا بربنا. قوله: ﴿مَعَ الأبرار﴾ ظرفٌ متعلِّق بما قبله أي: تَوَفَّنا معدودين في صحبتهم. وقيل: تُجُوَّز به هنا عن الزمان. ويجوز أن يكون حالاً من المفعول

стр. 2127

فيتعلَّق بمحذوف، وأجاز مكي وأبو البقاء أن تكونَ صفةً لمحذوف أي: أبراراً مع الأبرار كقوله: ١٥١٤ - كأنَّك مِنْ جِمالِ بني أُقَيْشٍ ... يُقَعْقَعُ خلفَ رِجْلَيْه بشَنِّ أي: كأنك جَمَل من جمال. قال أبو البقاء: «ويكون» أبراراً «حالاً، ولا حاجة إلى دعوى ذلك. والأبرارُ يجوز أن يكون جمع» بارّ «كصاحِب وأَصْحاب، أو بَرّ بزنة» كَتِف «نحو: كَتِف وأكتاف.

стр. 2128

قوله تعالى: ﴿على رُسُلِكَ﴾ : فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه متعلق ب «وَعَدْتَنا» قال الزمخشري: «على» هذه صلةُ للوعد في قولك: «وعد الله الجنة على الطاعة» والمعنى: ما وَعَدْتنا في تصديقِ رسلك. والثاني: أن تتعلَّقَ بمحذوف على أنها حال من المفعول وقَدَّره الزمخشري بقوله: «مُنَزَّلاً على رسلك، أو محمولاً على رسلك؛ لأنَّ الرسل مُحَمَّلون ذلك: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ [النور: ٥٤] . ورَدَّ الشيخ عليه بأن الذي قدَّره محذوفاً كون مقيد، وقد عُلِم من القواعد أن الظرف والجار إذا وقعا حالين أو وصفين أو خبرين أو صلتين تعلَّقا بكون مطلق، والجارُّ هنا وقع حالاً فكيف يُقَدَّر متعلَّقُه كوناً مقيداً وهو» مُنَزَّل «أو» محمول «؟ الثالث: ذكره أبو البقاء

стр. 2129

أن تتعلق» على «ب» آتِنا «، وقَدَّر مضافاً محذوفاً فقال:» على ألسنة رسلك «وهو حسن. والميعاد: اسمُ مصدرٍ بمعنى الوعد. و» يوم القيامة «فيه وجهان، أحدهما: أنه مصوبٌ ب» لا تُخْزِنا «، والثاني: أجازه الشيخ أن يكون من باب الإِعمال؛ إذ يصلح أن يكون منصوباً ب» لا تُخْزِنا «وب» آتِنا ما وعدتنا «إذا كان الموعودُ به الجنةَ. وقرأ الأعمش:» رُسْلِك «بسكون السين.

стр. 2130

قوله تعالى: ﴿أَنِّي لاَ أُضِيعُ﴾ : الجمهورُ على فتح «أَنَّ» والأصل: بأني، فيجيء فيها المذهبان. وقرأ أُبَيّ: «بأني» على هذا الأصل. وقرأ عيسى بن عمر بالكسرِ وفيه وجهان، أحدهما: أنه على إضمارِ القول أي: وقال إني. والثاني: أنه على الحكاية ب «استجاب» لأن فيه معنى القول، وهو رأي الكوفيين. و «استجاب» بمعنى أجاب، ويتعدَّى بنفسه وباللام، وتقدَّم تحقيق ذلك في قوله: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي﴾ [البقرة: ١٨٦] . ونقل تاج القُرَّاء أن «أجاب» عام، و «استجاب» خاص في حصول المطلوب. والجمهورُ: «أُضيع» من أضاع وقرىء بالتشديد والتضعيف، والهمزةُ فيه للنقل كقوله:

стр. 2131

١٥١٥ - كمُرْضِعَة أولادَ أُخرى وضَيَّعَتْ ... بني بَطْنِها، هذا الضلالُ عن القصدِ قوله: «منكم» في موضعِ جر صفةً ل «عامل» أي كائنٍ منكم. وأمَّا «مِنْ ذَكَرٍ» ففيه خمسة أوجه، أحدُها: أنها لبيان الجنس، بَيَّنَ جنس العامل، والتقدير: الذي هو ذكر أو أنثى، وإن كان بعضُهم قد اشترط في البيانية أن تدخل على مُعَرَّف بلام الجنس، وقد تقدَّم شيءٌ من ذلك. الثاني: أنها زائدة لتقدُّم النفي في الكلام، وعلى هذا فيكون «مِنْ ذَكَر» بدلاً من نفسِ «عامل» كأنه قيل: عاملٍ ذَكَرٍ أو أنثى، ولكنْ فيه نظرٌ من حيث إنَّ البدلَ لا يُزاد فيه «مِنْ» . الثالث: أنها متعلقة بمحذوف؛ لأنها حالٌ من الضمير المستكنِّ في «منكم» ، لأنه لَمَّا وقع صفة تَحَمَّل ضميراً، والعاملُ في الحالِ العاملُ في «منكم» أي: عاملٍ كائن منكم كائناً من ذكر. الرابع: أَنْ يكونَ «مِنْ ذكرٍ» بدلاً مِنْ «منكم» ، قال أبو البقاء «وهو بدلُ الشيء من الشيء وهما لعينٍ واحدةٍ» يعني فيكونُ بدلاً تفصيلياً بإعادةِ العاملِ كقوله: ﴿لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ﴾ [الأعراف: ٧٥] ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣] . وفيه إشكالٌ من وجهين، أحدهما: أنه بدلٌ ظاهرٍ من حاضر في بدلِ كلٍّ من كل وهو لا يجوزُ إلا عند الأخفش. وقَيَّد بعضُهم جوازَه بأَنْ يفيدَ إحاطةَ كقوله: ١٥١٦ - فما بَرِحَتْ أقدامُنا في مَقامِنا ... ثلاثتُنا حتى أُزيروا المنائيا

стр. 2132

قوله تعالى: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ [المائدة: ١١٤] فلمَّا أفادَ الإِحاطةَ والتأكيدَ جاز. واستدلَّ الأخفشُ بقوله: ١٥١٧ - بكمْ قريشٍ كُفِينا كلَّ مُعْضِلَةٍ ... وأمَّ نهَجَ الهدى مَنْ كان ضِلِّيلا وقول الآخر: ١٥١٨ - وشَوْهاءَ تَعْدُو بي إلى صارخِ الوغَى ... بمُسْتَلْئِمٍ مثلِ الفَنيق المُدَجَّل ف «قريش» بدلٌ من «كم» ، و «بُمْستلئم» بدل من «بي» بإعادة حرفِ الجرِّ، وليس ثَمَّ لا إحاطةٌ ولا تأكيدٌ، فمذهبه يمشي على رأيِ الأخفشِ دونَ الجمهور. الثاني: أنَّ البدل التفصيلي لا يكون ب «أو» ، وإنما يكون بالواو لأنها للجمع كقوله: ١٥١٩ - وكنت كذي رِجْلَيْن رِجْلٍ صحيحةٍ ... ورِجْلٍ رَمَى منها الزمانُ فَشَلَّتِ وقد يُمكن أن يجابَ عنه بأن «أو» قد تأتي بمعنى الواو كقوله:

стр. 2133

١٥٢٠ - قومٌ إذا سمعوا الصَّريخَ رأيتَهُمْ ... ما بينَ مُلْجِمِ مُهْرِه أو سافِعِ ف «أو» بمعنى الواو، لأنَّ «بين» لا تَدْخُل إلا على متعدد، وكذلك هنا لَمَّا كان «عاملٍ» عامًّاً أُبدل منه على سبيل التوكيد، وعُطِف على أحد الجزأين ما لا بد منه، لأنه لا يؤكَّد العمومُ إلا بعموم. الخامس: أن يكون «مِنْ ذَكرٍ» صفةً «ثانية» ل «عامل» قَصَد بها التوضيحَ فتتعلَّقُ بمحذوفٍ كالتي قبلها. قوله: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ مبتدأ وخبرٌ، وفيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنَّ هذه الجملة استئنافيةٌ جيء بها لتبيين شِرْكَةِ النساء مع الرجال في الثواب الذي وَعَد الله به عبادَه العاملين، لأنه يُروى في الأسباب أنَّ أم سلمة ﵂ سألَتْه ﵇ عن ذلك فنزلت، والمعنى: كما أنكم من أصل واحد، وأنَّ بعضكم مأخوذٌ من بعض فكذلك أنتم في ثواب العملِ لا يُثاب رجلٌ عاملٌ دونَ امرأة عاملة. وعَبَّر الزمخشري عن هذا بأنها جملةٌ معترضةٌ. قال: «وهذه جلمةٌ معترضةٌ بُيِّنَتْ بها شِرْكةُ النساء من الرجالِ فيما وعَدَ اللهُ العاملين» ويعني بالاعتراضِ أنها جِيءَ بها بين قولِه ﴿عَمَلَ عَامِلٍ﴾ وبينَ ما فُصِّلَ به عملُ العاملِ مِنْ قولِه: ﴿فالذين هَاجَرُواْ﴾ ، ولذلك قال الزمخشري: «فالذين هاجروا تفصيلٌ لعمل العامل منهم على سبيل التعظيم. والثاني: أن هذه الجملة صفة. الثالث: أنها حالٌ، ذكرهما أبو البقاء، ولم يعيِّن الموصوفَ ولا ذا الحال، وفيه نظر. قوله: ﴿فالذين هَاجَرُواْ﴾ مبتدأٌ، وقوله: ﴿لأُكَفِّرَنَّ﴾ جوابُ قسمٍ محذوفٍ

стр. 2134

تقديرُه: واللهِ لأكفِّرَنَّ، وهذا القسمُ وجوابُه خبرٌ لهذا المبتدأ، وفي هذه الآيةِ ونظائرِها من قوله: ﴿والذين جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ﴾ [العنكبوت: ٦٩] . وقول الشاعر: ١٥٢١ - جَشَأَتْ فقلتُ اللَّذْ خَشِيْتِ ليأتِيَنْ ... وإذا أتاكِ فلاتَ حين مَناصِ رَدٌّ على ثعلب حيث زعم أن الجملة القسمية لا تقع خبراً. وله أن يقول: هذه معمولةٌ لقولٍ مضمرٍ هو الخبرُ، وله نظائر. والظاهرُ أنَّ هذه الجمل التي بعد الموصول كلُّها صلاتٌ له، فلا يكون الخبر إلا لِمَنْ جمع بين هذه الصفات: المهاجرة والقتل والقتال، ويجوز أن يكون ذلك على التنويع، ويكون قد حَذَف الموصولاتِ لفَهْم المعنى، وهو مذهب الكوفيين، وقد تقدَّم القول فيه، والتقدير: فالذين هاجروا، والذين أُخرجوا، والذين قاتلوا، فيكون الخبر بقوله: لأكفرنَّ عَمَّن اتصف بواحدة من هذه/. وقرأ جمهور السبعة:» وقاتَلوا وقُتِلوا «ببناء الأول للفاعل من المفاعلة، والثاني للمفعول، وهي قراءةُ واضحة. وابن عامر وابن كثير كذلك، إلا أنهما شَدَّدا التاء من» قُتِّلوا «للتكثير، وحمزة والكسائي بعكس هذا، ببناء الأول للمفعول، والثاني للفاعل. وتوجيهُ هذه القراءةِ بأحدِ معنيين: إما أنَّ الواوَ لا تقتضي الترتيب فلذلك قُدِّم معها ما هو متأخرٌ في المعنى، هذا إن حملنا ذلك على اتِّحاد الأشخاص الذين صَدَر منهم هذان الفعلان. الثاني: أن

стр. 2135

يُحْمل ذلك على التوزيع، أي: منهم مَنْ قُتِل ومنهم مَنْ قاتل. وهذه الآية في المعنى كقوله: ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ﴾ [آل عمران: ١٤٦] ، والخلافُ في هذه كالخلاف في قوله ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [الآية: ١١١] في براءة، والتوجيهُ هناك كالتوجيه هنا. وقرأ عمر بن عبد العزيز: «وقَتَلوا وقُتِلوا» ببناء الأول للفاعل من «فَعَل» ثلاثياً، والثاني للمفعول، وهي كقراءة الجماعة. وقرأ محارب بن دثار: «قَتَلوا وقاتلوا» ببنائهما للفاعل. وقرأ طلحة ابن مصرف: «وقُتِّلوا وقاتَلوا» كقراءةِ حمزة والكسائي، إلاَّ أنَّه شدَّد التاءَ، والتخريجُ كتخريج قراءتهما. ونقل الشيخ عن الحسن وأبي رجاء: «قاتلوا وقُتِّلوا» بتشديد التاء من «قُتِّلوا» ، وهذه هي قراءة ابن كثير وابن عامر كما تقدَّم، وكأنه لم يَعْرف أنها قراءتُهما. قوله: «ثواباً» في نصبه ثمانيةُ أوجه، أحدها: أنه نصب على المصدرِ المؤكَّدِ، لأنَّ معنى الجملة قبله يقتضيه، والتقدير: لأُثيبَنَّهم إثابة أو تثويباً، فوضع «ثواباً» موضعَ أحدِ هذين المصدرين، لأنَّ الثواب في الأصل اسمٌ لِما يُثاب به كالعَطاء: اسمٌ لما يُعْطى، ثم قد يقعان موقع المصدر، وهو نظيرُ قولهِ: ﴿صُنْعَ الله﴾ [النمل: ٨٨] ، و ﴿وَعْدَ الله﴾ [النساء: ١٢٢] في كونهما مؤكِّدين. الثاني: أن يكونَ حالاً من «جنات» أي: مُثاباً بها، وجاز ذلك وإنْ كنت نكرةً لتخصُّصها بالصفة.

стр. 2136

والثالث: أنه حال من ضميرِ المفعول أي: مُثابِين. الرابع: أنه حالٌ من الضمير في «تجري» العائدِ على «جنات» . وخَصَّص أبو البقاء كونَه حالاً بجَعْلِه بمعنى الشيء المُثابِ به. قال: «وقد يقع بمعنى الشيء المثاب بِه كقولك:» هذا الدرهَمُ ثوابُك «فعلى هذا يجوز أن يكون حالاً من ضمير الجنات أي: مُثاباً بها، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير المفعول به في لأَدْخِلنهم» . الخامس: نصبُه بفعلٍ محذوف أي: يُعطيهم ثواباً السادس: أنه بدلٌ من «جنات» ، وقالوا: على تضمين «لأدْخلنهم» . لأَعْطِيَنَّهم لَمَّا رأوا أن الثواب لا يَصِح أن يُنْسَبَ إليه الدخولُ فيه احتاجوا إلى ذلك. ولقائلٍ أن يقول: جَعَل الثوابَ ظرفاً لهم مبالغةً، كما قيل في قوله: ﴿تَبَوَّءُوا الدار والإيمان﴾ [الحشر: ٩] . السابع: أنه نصب على التمييز وهو مذهب الفراء. الثامن: أنه منصوب على القطع، وهو مذهب الكسائي، إلاَّ أنَّ مكيّاً لمَّا نقل هذا عن الكسائي فَسَّر القطع بكونه على الحال، وعلى الجملةِ فهذان وجهان غريبان يُبْعُد فهمهما. و ﴿مِّن عِندِ الله﴾ صفةٌ له. وقوله: ﴿والله عِندَهُ حُسْنُ﴾ الأحسنُ أن يرتفعَ «حسن الثواب» على الفاعلية بالظرفِ قبله، لاعتماده على المبتدأ قبله، والتقدير: والله استقر عنده حسنُ الثواب، ويجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأ والظرفُ قبلَه خبرُه، والجملة خبرُ الأول، وإنما كان الوجهُ الأولُ أحسنَ لأنَّ فيه الإِخبارَ بمفرد وهو الأصلُ، بخلافِ الثاني فإنَّ الإِخبار فيه بجملة.

стр. 2137

وقرأ ابن أبي إسحاق: ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ﴾ : بتخفيف النون، وكذلك: ﴿لاَ يَغُرَّنْكمْ﴾ [فاطر: ٥] و ﴿فَلاَ يَصُدَّنْك﴾ [طه: ١٦] و ﴿وَلاَ يَصُدَّنْكم﴾ [الزخرف: ٦٢] .

стр. 2138

قوله تعالى: ﴿مَتَاعٌ﴾ : خبرُ مبتدأ محذوف دَلَّ عليه الكلام تقديره: تَقَلُّبهم أو تَصَرُّفهم متاع قليل، والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي: ولبئسَ المهادُ جهنمُ.

стр. 2139

قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الذين﴾ : قرأ الجمهورُ بتخفيفِها، وأبو جعفر بتشديدِها، فعلى القراءةِ الأولى: الموصولُ رفعٌ بالابتداء، وعند يونس يجوز إعمالُ المخففة، وعلى الثانية في محل نصب. ووقعت «لكن» هنا أحسنَ موقع، فإنَّها وقعت بين ضدين: وذلك أن معنى الجملتين التي قبلها والتي بعدها آيلٌ إلى تعذيبِ الكفار وتنعيمِ المتقين، ووجهُ الاستدراك أنَّه لَمَّا وَصَفَ الكفارَ بقلةِ نفعِ تَقَلُّبهم في التجارة وتصرُّفهم في البلادِ لأجلها جازَ أن يَتَوَّهَّمَ متوهِّمٌ أن التجارة من حيث هي متصفةٌ بذلك فاستدرك أن المتقين وإن أخذوا في التجارة لا يَضُرُّهم ذلك وأنَّ لهم ما وعدهم به. قوله: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ هذه الجملة أجاز مكي فيها وجهين، أحدهما: الرفع على النعت ل «جنات» . والثاني: النصب على الحالِ من الضمير المُسْتكنِّ في «لهم» قال: «وإنْ شِئْتَ في موضع نصب على الحال من الضمير المرفوع في» لهم «؛ إذ هو كالفعل المتأخر بعد الفاعل إنْ رَفَعْتَ» جنات «بالابتداء، فإنْ رَفَعْتَها بالاستقرار لم يكن في» لهم «ضميرٌ

стр. 2140

مرفوع إذ هو كالفعل المتقدم» . يعني أن «جنات» يجوز رفعُها من وجهين، أحدُهما: الابتداءُ والجارُّ قبلها خبرها والجملةُ خبر «الذين اتقوا» . والثاني: بالفاعليةِ لأنَّ الجارَّ قبلَها اعتمد بكونِه خبراً للذين اتقوا، وقد تقدَّم أنَّ هذه أَوْلى لقربِه من المفرد، فإنْ جَعَلْنا رفعَها بالابتداءِ جاز في ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ وجهان: الرفعُ على النعت والنصبُ على الحالِ من الضمير المرفوعِ في «لهم» لِتحمُّلِه حينئذ ضميراً، وإنْ جَعَلْنا رفعَها بالفاعليِةِ تعيَّن أن تكونَ الجملةُ بعدَها في موضعِ رفعٍ نعتاً لها، ولا يجوزُ النصبُ على الحال؛ لأنَّ «لهم» ليس فيه حينئذ ضميرٌ لرفعِه الظاهرَ. و «خالدين» نصبٌ على الحالِ من الضميرِ في «لهم» ، والعاملُ فيه معنى الاستقرار. قوله: «نُزُلاً» النُّزْلُ: ما يُهيَّأ للنزيل وهو الضيف. قال أبو الشعراء الضبي: ١٥٢٢ - وكنا إذا الجبارُ بالجيشِ ضافَنا ... جَعَلْنا القَنا والمُرْهَفاتِ له نُزْلا هذا أصلُه ثم اتُّسع فيه فأطلق على الرزق والغذاء، وإنْ لم يكن لضيف، ومنه: ﴿فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٣] وفيه قولان: هل هو مصدر أو جمع نازل، نحو قول الأعشى: ١٥٢٣ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ...
следующие страницы →