← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

قوله: «فيُقْسِمان» نسقٌ على «يَقُومان» والسبيَّةُ فيها ظاهرةٌ. و «لَشهادتُنا أحقُّ» : هذه الجملة جوابُ القسمِ في قوله: «فيُقْسِمان» و «ذلك أَدْنَى» لامحلَّ لهذه الجملةِ لاستئنافِها، والمشارُ إليه الحكمُ السابقُ بتفصيلِه، أي: ما تقدَّم ذكرُه من الأحكام أقربُ إلى حصول إقامة الشهادة على ما ينبغي. وقيل المشارُ إليه الحَبْس بعد الصلاة، وقيل: تحليفُ الشاهدين. و «أَنْ يأتوا» أصلُه إلى أن يأتوا. وقَدَّره أبو البقاء ب «من» أيضاً، أي: أَدْنَى مَنْ أَنْ يأتُوا. وقَدَّره مكي بالباء أي: بأَنْ يأتُوا، وليسا بواضحين، ثم حَذَفَ حرفَ الجر فَنَشَأ الخلافُ المشهور. و «على وجهها» متعلقٌ ب «يأتُوا» . وقيل: في محلِّ نصبٍ على الحال منها، وقَدَّره أبو البقاء ب «محقّقة وصحيحة» وهو تفسيرُ معنى؛ لِما عرفت غير مرة من أنّ الأكوانَ المقيدة لا تُقَدَّر في مثله. قوله: ﴿أَوْ يخافوا﴾ في نصبه وجهان، أحدهما: أنه منصوب عطفاً على «يَأْتوا» وفي «أو» على هذا تأويلان، أحدُهما: أنها على بابِها من كونِها لأحدِ الشيئين، والمعنى: ذلك الحكمُ أقربُ إلى حصول الشهادة على ما ينبغي أو خوفِ رَدِّ الأيمان إلى غيرِهم فتسقطُ أَيْمانهم. والتأويلُ الآخر: أن تكونَ بمعنى الواو، أي: ذلك الحكم كله أقربُ إلى أَنْ يأتُوا، وأقربُ إلى أن يَخافوا، وهذا مفهومٌ من قول ابن عباس. الثاني من وجهي النصب: أنه منصوبٌ بإضمار «أَنْ» بعد «أو» ومعناها «إلا» كقولهم: «لألزمنَّك أو تقضيَني حَقِّي» تقديره: إلاَّ أَنْ تقضِيني، ف «أو» حرفُ عطفٍ على بابها، والفعلُ بعدَها

стр. 3012

منصوبٌ بإضمار «أَنْ» وجوباً، و «أَنْ» وما في حَيِّزها مؤولةٌ بمصدرٍ، ذلك المصدرُ معطوفٌ على مصدر متوهَّم من الفعل قبله، فمعنى: لألزمنَّك أو تقضيَني حقي: ليكوننَّ مني لزومٌ لك أو قضاؤك لحقي، وكذا المعنى هنا أي: ذلك أدنى بأن يأتوا بالشهادة على وجهها؛ وإلاَّ خافوا ردَّ الأَيْمان، كذا قَدَّره ابن عطية بواوٍ قبل «إلا» وهو خلافٌ تقدير النحاة، فإنهم لا يقدِّرون «أو» إلا بلفظ «إلا» وحدها دون واو. وكأن «إلا» في عبارته على ما فهمه الشيخ ليسَتْ «إلا» الاستثنائيةَ، بل أصلُها «إنْ» شرطيةً دَخَلَتْ على «لا» النافيةِ فأُدغمت فيها، فإنه قال: «أو تكون» أو «بمعنى» إلاَّ إنْ «، وهي التي عَبَّر عنها ابن عطية بتلك العبارةِ من تقديرِها بشرطٍ - محذوفٍ فعلُه - وجزاء انتهى. وفيه نظرٌ من وجهين، أحدُهما: أنه لم يَقُلْ بذلك أحدٌ، أعني كونَ» أو «بمعنى الشرط. والثاني: انه بعد أَنْ حَكَم عليها بأنها بمعنى» إلاَّ إنْ «جَعَلها بمعنى شرطٍ حُذِفَ فعلُه. و ﴿أَن تُرَدَّ﴾ في محلِّ نصبٍ على المفعولِ به اي: أو يَخافُوا رَدَّ أَيْمانهم. و» بعد أَيْمانهم «إمَّا ظرفٌ ل» تُرَدَّ «أو متعلِّقٌ بمحذوفٍ على أنها صفةٌ ل» أَيْمان «وجُمِع الضميرُ في قولِه» يَأْتُوا «وما بعده وإنْ كان عائداً في المعنى على مثَّنى وهو الشاهدان، فقيل: هو عائدٌ على صنفي الشاهدين. وقيل: بل عائدٌ على الشهودِ من الناسِ كلِّهم، معناه: ذلك أَوْلى وأجدرُ أَنْ يحذرَ الناسُ الخيانةَ فيَتَحَرَّوا في شهادتِهم خوفَ الشناعةِ عليهم والفضحيةِ في رَدِّ اليمين على المُدَّعي. وقوله: ﴿واتقوا الله﴾ لم يذكرْ معلِّق التقوى: إمَّا للعلمِ به أي: واتقوا اللَّهَ في شهادتِكم وفي الموصِين عليهم بأن لا تَخْتَلِسوا لهم شيئاً؛ لأن القصةَ كانت بهذا السببِ، وإمَّا قصداً لإِيقاعِ التقوى، فيتناولُ كلَّ ما يُتَّقى

стр. 3013

منه. وكذا مفعولُ» اسمعوا «إنْ شئتَ حذفتَه اقتصاراً أو اختصاراً أي: اسمعوا أوامَره ونواهَيه من الأحكام المتقدمة، وما أفصحَ ما جيء بهاتين الجملتين الأمريتين، فتباركَ اللَّهُ أصدقُ القائلين.

стр. 3014

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ﴾ : في نصبِه أحدَ عشرَ وجهاً، أحدها: أنه منصوبٌ ب «اتقوا» أي: اتقوا اللَّهَ في يومِ جَمْعِه الرسلَ قاله الحوفي، وهذا ينبغي ألاَّ يجوزَ لأنَّ أمرَهم بالتقوى في يوم القيامة لا يكون، إذ ليس بيومِ تكليفٍ وابتلاء، ولذلك قال الواحدي: ولم «يُنْصَب اليوم الظرفِ للاتقاء، لأنهم لم يُؤْمَروا بالتقوى في ذلك اليوم، ولكن على المفعول به كقوله: ﴿واتقوا يَوْماً﴾ [البقرة: ٤٨] . الثاني: أنه منصوب ب» اتقوا «مضمراً يدل عليه» واتقوا الله «قال الزجاج:» هو محمول على قوله: «واتقوا الله» ثم قال: «يوم يجمع» أي: واتقوا ذلك اليوم «، فدلَّ ذِكْرُ الاتقاء في الأول على الاتقاء في هذه الآية، ولا يكون منصوباً على الظرف للاتقاء لأنهم لم يُؤْمروا بالاتقاء في ذلك اليوم، ولكن على المفعول به كقوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٤٨] . الثالث: أنه منصوب بإضمار» اذكروا «الرابع: بإضمار» احذروا «الخامس: أنه بدل اشتمال من الجلالة. قال الزمخشري:» يوم يجمع «بدلٌ من المنصوب في» واتقوا الله «وهو من بدلِ الاشتمال كأنه قيل: واتقوا الله يوم جَمْعِه» انتهى، ولا بد من حذفِ مضافٍ على هذا الوجهِ حتى تَصِحَّ له هذه العبارةُ التي ظاهرها ليس بجيدٍ، لأنَّ الاشتمالَ لا يُوصَفُ به الباري تعالى أيِّ مذهبٍ فَسَّرناه من مذاهبِ النحويين في الاشتمالَ، والتقديرُ: واتقوا عقابَ الله يومَ يجمعُ رسلَه، فإنَّ العقابَ مشتملٌ على زمانِه، أو زمانه مشتملٌ عليه، أو عاملُها مشتملٌ عليهما على حَسَبِ الخلافِ في

стр. 3015

تفسيرِ البدلِ الاشتمالي، فقد تبيَّن لك امتناعُ هذه العباراتِ بالنسبةِ إلى الجلالةِ الشريفة. واستبعد الشيخ هذا الوجهَ بطولِ الفصلِ بجملتين، ولا بُعْدَ فإنَّ هاتين الجملتين من تمامِ معنى الجملةِ الأولى. السادسُ: أنَّه منصوبٌ ب «لا يَهْدي» قال الزمخشري وأبو البقاء. قال الزمخشري: «أي: لا يهديهم طريقَ الجنة يومئذ كما يُفْعَلُ بغيرهم» . وقال أبو البقاء: «أي: لا يهديهم في ذلك اليومِ إلى حُجَّة أو إلى طريق الجنة» . السابع: أنه مفعولٌ به وناصبُه «اسمعوا» ولا بد من حذف مضاف حينئذ لأنَّ الزمان لا يسمع، فقدَّره أبو البقاء: «واسمعوا خبر يوم يجمع» ولم يذكر أبو البقاء غيرَ هذين الوجهين وبدأ بأولهما. وفي نصبِه ب «لا يَهْدي» نظر من حيث إنه لا يهديهم مطلقاً لا في ذلك اليوم ولا في الدنيا، أعني المحكومَ عليهم بالفسق، وفي تقدير الزمخشري «لايهديهم إلى طريق الجنة» نُحُوٌّ إلى مذهبه من أنّ نَفْي الهداية المطلقة لا يجوز على الله تعالى، ولذلك خَصَّص المُهْدَى إليه ولم يذكر غيره، والذي سَهَّل ذلك عنده أيضاً كونُه في يومٍ لا تكليفَ فيه، وأما في دار التكليف فلا يُجيز المعتزلي أن يُنْسَبَ إلى الله تعالى نَفْيُ الهدايةِ مطلقاً البتة. الثامن: أنه منصوبٌ ب «اسمعوا» قاله الحوفي، وفيه نظرٌ لأنهم ليسوا مكلِّفين بالسماعِ في ذلك اليومِ، إذ المرادُ بالسماع السماعُ التكليفي. التاسع: أنه منصوبٌ بإضمارِ فعلٍ متأخرٍ أي: يوم يَجْمَعُ اللَّهُ الرسلَ كان كيتَ وكاتَ، قاله الزمخشري. العاشر: قلت: يجوز أن تكونَ المسألة من باب الإِعمال، فإنَّ كُلاً من هذه العوامل الثلاثة المتقدمة

стр. 3016

يَصِحُّ تسلُّطُه عليه بدليل أنَّ العلماء جَوَّزوا فيه ذلك، وتكون المسألةُ مِمَّا تنازع فيها ثلاثةُ عواملَ وهي «اتقوا» و «اسمعوا» و «لا يَهْدي» ، ويكون من إعمال الأخير لأنه قد حُذِفَ من الأَوَّلِين ولا مانع يمنع من الصناعة، وأمَّا المعنى فقد قَدَّمْتُ أنه لا يظهر نصب «يوم» بشيء من الثلاثة لأنَّ المعنى يأباه، وإنما أجَزْتُ ذلك جرياً على ما قالوه وجَوَّزوه، لاسيما أبو البقاء فإنه لم يذكر غيرَ كونِه منصوباً ب «اسمعوا» أو ب «لايهدي» ، وكذا الحوفي جَوَّز أن ينتصب ب «اتقوا» وب «اسمعوا» الحادي عشر: أنه منصوب ب «اقولوا: لا علمَ لنا» أي: قال الرسل يوم جمعهم وقول الله لهم ماذا أُجبتم. واختاره الشيخ على جميع ما تقدم، قال: «وهو نظيرُ ما قلناه في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ﴾ [البقرة: ٣٠] وهو وجه حسن. قوله: ﴿مَاذَآ أُجِبْتُمْ﴾ فيه أربعةُ أقوال، أحُدها: أنَّ» ماذا «بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ، فَغَلَب فيه جانبُ الاستفهام ومحلُّه النصبُ على المصدرِ بما بعده، والتقديرُ: أيَّ إجابةٍ أُجِبْتُم. قال الزمشخري:» ماذا أُجِبْتُم «منتصبٌ انتصابَ مصدرهِ على معنى: أيَّ إجابة أُجِبْتُم، ولو أُريد الجوابُ لقيل: بماذا أُجبتم» أي: لو أُريد الكلامُ المجابُ لقيل: بماذا. ومِنْ مجيء «ماذا» كلِّه مصدراً قوله: ١٨٣ - ٣- ماذا يَغِيرُ ابنَتَيْ ربعٍ عويلُهما ... لا تَرْقُدانِ ولا بُؤْسَ لِمَنْ رَقَدا الثاني: أن «ما» استفهاميةٌ في محل رفع بالابتداء و «ذا» خبره، وهي

стр. 3017

موصولةٌ بمعنى الذي لاستكمال الشرطين المذكورين، و «أُجِبْتُم» صلتُها، والعائدُ محذوفٌ أي: ما الذي أُجِبْتم به، فَحَذَف العائدَ، قاله الحوفي. وهذا لايجوزُ، لأنه لا يجوزُ حَذْفُ العائدِ المجرورِ إلا إذا جُرَّ الموصولُ بحرف مثلِ ذلك الحرفِ الجارِّ للعائدِ، وأَنْ يَتَّحِدَ متعلَّقاهما: نحو: «مررتُ بالذي مررتَ» أي به، وهذا الموصولُ غير مجرورٍ، لو قلت: «رأيت الذي مررتَ» أي: مررتَ به لم يجز، اللهم إلا أَنْ يُدَّعى حَذْفُه على التدريج بأن يُحَذَفَ حرفُ الجر فيصلَ الفعل إلى الضمير فيحذفَ كقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا﴾ [التوبة: ٦٩] أي: في أحد أوجهه، وقوله: ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] في أحد وجهيه، وعلى الجملةِ فهو ضعيف. الثالث: أنَّ «ما» مجرورةٌ بحرفِ جَرٍّ مقدَّرٍ، لَمَّا حُذِف بقيت في محل نصب، ذكره أبو البقاء وضَعَّف الوجه الذي قبله - أي كونَ ذا موصولةً - فإنه قال: «ماذا» في موضعِ نصبٍ ب «أُجِبْتُم» وحرفُ الجرِّ محذوفٌ، و «ما» و «ذا» هنا بمنزلةِ اسمٍ واحدٍ، ويَضْعُفُ أَنْ تُجْعَلَ «ما» بمعنى الذي لأنه لا عائدَ هنا، وحذفُ العائدِ مع حرفِ الجَرِّ ضعيفٌ «قلت: أمَّا جَعْلُه حذفَ العائدِ المجرورِ ضعيفاً فصحيحٌ تقدَّم شرحُه والتنبيهُ عليه، وأمَّا حذفُ حرفِ الجر وانتصابُ مجرورِه فهو ضعيفٌ أيضاً، لا يجوزُ إلا في ضرورة كقولِه: ١٨٣ - ٤- فَبِتُّ كأنَّ العائداتِ فَرَشْنَنِي ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3018

وقوله: ١٨٣ - ٥-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وأُخْفي الذي لولا الأَسَى لقَضاني وقوله: ١٨٣ - ٦- تَمُرُّون الديارَ ولم تَعُوجُوا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقد تقدَّم تحقيق ذلك واستنثاءُ المطَّرِد منه، فقد فَرَّ من ضعيفٍ ووقع في أضعفَ منه. الرابع: قال ابن عطية» «معناه: ماذا أجابت به الأمم» فَجَعَل «ماذا» كنايةً عن المجابِ به لا المصدرٍ، وبعد ذلك، فهذا الكلامُ منه محتملٌ أَنْ يكونَ مثلَ ما تقدَّم حكايتُه عن الحوفي في جَعْلِه «ما» مبتدأً استفهاميةً، و «ذا» خبره على أنها موصولةٌ، وقد تقدَّم التنبيه على ضعفه، ويُحْتمل أن يكون «ماذا» كلُّه بمنزلة اسمِ استفهام في محلِّ رفع بالابتداء، وأُجِبْتُم «خبرُه، والعائدُ محذوفٌ كما قَدَّره هو، وهو أيضاً ضعيفٌ، لأنه لا يُحْذَفُ عائدُ المبتدأِ وهو مجرورٌ إلا في مواضعَ ليس هذا منها، لو قلت:» زيدٌ مررتُ «لم يجز، وإذا تبيَّن ضعفُ هذه الأوجهِ رُجِّح الأول. والجمهور على» أُجِبْتم «مبنياً للمفعول، وفي حذف الفاعل هنا ما لا يُبْلَغُ كُنهُه من الفصاحة والبلاغة حيث اقتصر على خطاب رسله غيرَ مذكورٍ معهم غيرُهم، رفعاً من شأنهم وتشريفاً واختصاصاً. وقرأ ابن عباس

стр. 3019

وأبو حيوة» أَجَبْتم «مبنياً للفاعل والمفعول محذوف أي: مذا أَجَبْتم أممكم حين كَذَّبوكم وآذَوْكم، وفيه توبيخٌ للأمم، وليست في البلاغةِ كالأولى. وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الغيوب﴾ كقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ العليم الحكيم﴾ [الآية: ٣٢] في البقرة. والجمهورُ على رفع» عَلاَّمُ الغيوب «وقرئ بنصبِه وفيه أوجهٌ ذَكَرها أبو القاسم وهي: الاختصاصُ والنداءُ وصفةٌ لاسم» إنَّ «قال:» وقُرئ بالنصب على أنّ الكلامَ تَمَّ عند قوله «إنك أنت» أي: إنك الموصوف بأوصافِك المعروفة من العلم وغيرِه، ثم انتصَبَ «عَلاَّم الغيوب» على الاختصاصِ أو على النداء أو هو صفةٌ لاسم «إنَّ» قال الشيخ: «وهو على حَذْفِ الخبر لفهم المعنى، فَتَمَّ الكلامُ بالمقدَّرِ في قوله» إنك أنتَ «اي: إنَّك الموصوفُ بأوصافِك المعروفةِ من العلم وغيره» ثم قال: «قال الزمخشري: ثم انتصب فذكره إلى آخره» فزعم أنَّ الزمخشري قَدَّر ل «إنك» خبراً محذوفاً، والزمخشري لا يريد ذلك البتةَ ولا يَرْتضيه، وإنما يريد أنَّ هذا الضمير بكونه لله تعالى هو الدالُّ على تلك الصفات المذكورة لا انفكاكَ لها عنه، وهذا المعنى هو الذي تقضيه البلاغةُ والذي غاص [عليه أبو القاسم، لا ماقدَّره] الشيخُ مُوِهماً أنه أتى به من عنده. ويعني بالاختصاص النصبَ على المدحِ لا الاختصاصَ الذي هو شبيه بالنداء، فإنَّ شرطه ان يكون حشواً، ولكنَّ الشيخَ قد رَدَّ على أبي القاسم قوله «إنه يجوز أن يكون صفةً لاسم» إنَّ «بأنَ اسمها هنا ضمير مخاطب، والضمير لا يوصف مطلقاً عند البصريين، ولا يوصَف منه عند الكسائي إلا ضميرُ الغائبِ لإِبهامه في قولهم» مررت به

стр. 3020

المسكينِ «مع إمكان تأويله بالبدل وهو ردٌّ واضح، على أنه يمكن أن يقال أرادَ بالصفةِ البدلَ وهي عبارة سيبويه، يُطْلِقُ الصفةَ ويريد البدل فله أُسْوَةٌ بإمامه واللازم مشترك، فما كان جواباً عن سيبويه كان جواباً له، ولكن يبْقَى فيه البدلُ بالمشتق وهو اسهلُ من الأول. ولم أَرَهُم خرَّجُوها على لغة مَنْ ينصِبُ الجزأين ب» إنَّ «وأخواتِها كقولِه: ١٨٣٧ - إنَّ العجوزَ خَبَّةً جَرُوزاً ... [وقوله] : ١٨٣ - ٨-. . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . إنَّ حُرَّا سَنا أُسْدا [وقوله] : ١٨٣ - ٩- ليتَ الشبابَ هو الرَّجِيعُ على الفتى ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . [وقوله] : ١٨٤ - ٠- كأنَّ أُذْنيه إذا تَشَوَّفا ... قادِمةً أو قَلَماً مُحْرَّفا

стр. 3021

ولو قيل به لكان صواباً و» عَلاَّمُ «مثالُ مبالغة فهو ناصب لما بعده تقديراً، وبهذا ايضاً يُرَدُّ على الزمخشري على تقدير تسليم صحة وصف الضمير من حيث إنه نكرة؛ لأن إضافَته غيرُ محضة وموصوفَه معرفةٌ. والجمهور على ضمِّ العين من» الغيوب «وهو الأصل، وقرأ حمزة وأبو بكر بكسرها، والخلافُ جارٍ في ألفاظٍ أُخَرَ نحو:» البيوت والجيوب والعيون والشيوخ «وقد تقدَّم تحرير هذا كله في البقرة عند ذكر ﴿البيوت﴾ [الآية: ١٨٩] ، وستأتي كلٌّ لفظةٍ من هذه الألفاظِ مَعْزُوَّةً لقارئِها في سورها إن شاء الله تعالى. وجُمِع الغيبُ هنا وإنْ كان مصدراً لاختلافِ أنواعِه، وإن أريد به الشيء الغائب، أو قلنا إنه مخففٌ من فَيْعِل كما تقدم تحقيقه في البقرة فواضح.

стр. 3022

قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الله﴾ : فيها أوجه، أحدها: أنه بدل من «يوم يجمع» قال الزمخشري: «والمعنى: أنه يوبخ الكافرين بسؤال الرسل عن إجابتهم، وبتعديد ما أَظْهر على أيديهم من الآيات العِظام فكذَّبهم بعضُهم وسَمَّوهم سحرةً، وتجاوزَ بعضُهم الحَدَّ فجعله وأمه إليهن» . ولمَّا ذَكَر ابو البقاء هذا الوجهَ تأوَّلَ فيه «قال» ب «يقول» وأنَّ «إذ» وإنْ كانت للماضي فإنما وَقَعَتْ هنا على حكاية الحالِ. الثاني: أنه منصوبٌ ب «اذكر» مقدراً، قال أبو البقاء: «ويجوزُ أن يكونَ التقديرُ: إذ يقول» ، يعني أنه لا بد من تأويل الماضي بالمستقبلِ، وهذا كما تقدَّم له في الوجهِ قبله، وكذا

стр. 3023

ابن عطية تأوَّله ب «يقول» فإنه قال: «تقديرُه: اذكر يا محمد إذ» و «قال» هنا بمعنى «يقول» لأنَّ ظاهرَ هذا القولِ إنما هو في يوم القيامة تقدمه لقوله: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ الثالث: أنه في محل رفعٍ خبراً لمتبدأ مضمر، أي: ذلك إذ قال، ذكره الواحدي وهذا ضعيفٌ، لأن «إذ» لا يُتَصَرَّف فيها، وكذلك القولُ بأنها مفعول بها بإضمار «اذكر» وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك، اللهم إلا أَنْ يريدَ الواحدي بكونِه خبراً أنه ظرفٌ قائمٌ مقامَ خبرٍ نحو: «زيدٌ عندك» فيجوز. قوله: ﴿ياعيسى ابن مَرْيَمَ﴾ تقدَّم الكلام في اشتقاق هذه المفردات ومعانيها و «ابن» صفة ل «عيسى» نُصِب لأنه مضاف، وهذه قاعدةٌ كلية مفيدة، وذلك أنَّ المنادى المفردَ المعرفة الظاهرَ الضمةِ إذا وُصف ب «ابن» أو ابنة ووقع الابن أو الابنة بين علمين أو اسمين متفقين في اللفظ ولم يُفْصَل بين الابن وبين موصوفه بشيء تثبت له أجكامٌ منها: أنه يجوزُ إتباعُ المنادى المضمومِ لحركةِ نون «ابن» فيُفتح نحو: «يا زيدَ بن عمرو، ويا هندَ ابنة بكر» بفتح الدال من «زيد» و «هند» وضمِّها، فلو كانت الضمةُ مقدرةً نحو ما نحن فيه، فإنَّ الضمة مقدرة على ألف «عيسى» فهل يُقَدَّر بناؤه على الفتح إتباعاً كما في الضمة الظاهرة؟ خلاف: الجمهورُ على عَدَمِ جوازِه، إذ لا فائدة في ذلك، فإنه إنما كان للإِتباع وهذا المعنى مفقود في الضمة المقدرة. وأجاز الفراء ذلك إجراءً للمقدر مُجْرى الظاهر، وتبعه أبو البقاء فإنه قال: «يجوز أن يكونَ على الألف من» عيسى «فتحةٌ، لأنه قد وُصِف ب» ابن «وهو بين عَلَمين، وأن يكونَ علهيا ضمةٌ، وهو مثلُ قولِك:» يا زيد بن عمرو «بفتح الدال وضمها» . وهذا الذي قالاه غيرُ بعيدٍ، ويَشْهَدُ له مسألة عند الجميعِ:

стр. 3024

وهو ما إذا كان المنادى مبنياً على الكسرِ مثلاً نحو: «يا هؤلاء» فإنهم أجازوا في صفتِه الوجهين: الرفعَ والنصبَ فيقولون: «يا هؤلاء العقلاءِ والعقلاءُ» بنصب العقلاء ورفعها، قالوا: والرفعُ مراعاةً لتلك الضمة المقدرة على «هؤلاء» فإنه مفرد معرفة، والنصب على محله، فقد اعتبروا الضمةَ المقدرةَ في الإِتباع، وإنْ كان ذلك فائتاً، في اللفظ. وقد يُفَرَّقُ بأنَّ «هؤلاء» نحن مضطرون فيه إلى تقدير تلك الحركةِ لأنه مفرد معرفةٌ، فكأنها ملفوظٌ بها بخلافِ تقديرِ الفتحة هنا. وقال الواحدي في «يا عيسى» : ويجوزُ أن يكونَ في محل النصب [لأنه في نية الإِضافة، ثم جَعَلَ الابنَ توكيداً له، وكل ما كان] مثلَ هذا جاز فيه الوجهان نحو: «يا زيد بن عمرو» وأنشد: ١٨٤ - ١- يا حَكَمُ بنُ المنذرِ بن الجارودُ ... أنتَ الجوادُ بنُ الجوادِ بنُ الجودْ سُرادِقُ المجدِ عليك ممدودْ ... بنصب الأول ورفعه على ما بَيَّنَّا. وقال التبريزي: «الأظهر عندي أنَّ موضع» عيسى «نصب؛ لأنك [تجعلُ الاسم مع نعتِه إذا أضفته إلى العلم] كالشيء الواحد المضافِ، وهذا الذي قالاه لا يُشْبِهُ كلامَ النحاةِ أصلاً، بل يقولون: الفتحةُ للإِتباع ولم يُعْتَدَّ بالساكن لأنه حاجزٌ غيرُ حصينٍ، كذا قال الشيخ. قلت: قد قال الزمخشري - وكونه ليس من النحاة مكابرةٌ في

стр. 3025

الضروريات - عند قوله: ﴿إِذْ قَالَ الحواريون ياعيسى ابن مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١١٢] :» عيسى في محل النصب على إتباع حركته حركةَ الابن كقولك: «يا زيدَ بنَ عمرو» وهي اللغة الفاشية، ويجوزُ أن يكونَ مضموماً كقولِك «يا زيدُ بنَ عمرو» والدليل عليه قوله: ١٨٤ - ٢- أحارِ بن عمروٍ كأني خَمِرْ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لأنَّ الترخيم لا يكونُ إلا في المضمومِ انتهى. فاحتاج إلى الاعتذار عن تقديرِ الضمة، واستشهد لها بالبيتِ لمخالفتِها اللغةَ الشيهرة. وقولي: «المفرد» تحرُّزٌ من المُطَوَّل. وقولي «المعرفة» تحرز من النكرة نحو: «يا رجلاً ابن رجل» إذا لم تَقْصِدْ به واحداً بعينه. وقولي: «الظاهرَ الضمةِ» تحرُّزٌ من نحو: «يا موسى بن فلان» وكالآية الكريمة. وقولي: ب «ابن» تحرُّزٌ من الوصف بغيرِه نحو: «يا زيدُ صاحبَنا» وقولي: «بين علمين أو متفقين لفظاً» تحرُّزٌ من نحو: «يا زيد بن أخينا» وقولي: «غيرَ مفصولٍ» تحرُّزٌ من نحو: «يا زيدُ العاقلُ ابنَ عمرو» فإنه لا يجوز في جميع ذلك إلا الضم. وقولي: «أحكام» قد تقدَّمتْ منها ما ذكرتُه من جوازِ فتحِه إتباعاً، ومنها: حَذْفُ ألفِه خطاً، ومنها: حَذْفُ تنويِنه في غيرِ النداء؛ لأنَّ المنادَى لا تنوينَ فيه. وقولي: «وصفٌ» تحرُّزٌ من أن يكون الابن خبراً لا صفة نحو: «زيدٌ ابنُ عمرو» وهل يجوزُ إتباعُ «ابن» فيُضمَّ نحو: «يا زيد بن ُ عمرو» بضم «ابن» ؟ فيه خلافٌ.

стр. 3026

وفي قوله: ﴿ابن مَرْيَمَ﴾ ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه صفةٌ كما تقدم، والثاني: أنه بدلٌ والثالث: أنه بيانٌ، وعلى الوجهين الأخيرين لا يجوزُ تقديرُ التفحةِ إتباعاً إجماعاً، لأنّ الابنَ لم يَقَعْ صفةً، وقد تقدم أنَّ ذلك شرطٌ. قوله: ﴿إِذْ أَيَّدتُّكَ﴾ في «إذ» أوجهٌ، أحدُها: أنه منصوبٌ ب «نعمتي» كأنه قيل: اذكرُ إذ أنعمتُ عليك وعلى أمِّك في وقت تأييدي لك. والثاني: أنه بدلٌ من «نعمتي» بدلُ اشتمال، وكأنه في المعنى تفسيرٌ للنعمة. والثالث: أنه حالٌ من «نعمتي» قاله أبوالبقاء والرابع: أن يكون مفعولاً به على السِّعَة قاله أبو البقاء أيضاً. قلت: هذا هو الوجهُ الثاني - أعني البدليةَ - وقرأ الجمهور «أيَّدتك» بتشديد الياء، وغيرهم «آيَدْتُك» وقد تقدَّم الكلام على ذلك وعلى مَنْ قرأ بها وما قاله الزمخشري وابن عطية والشيخ في سورة البقرة فليُنْظر ثَمَّ. قوله: ﴿تُكَلِّمُ الناس فِي المهد﴾ إلى آخرها: تقدَّم ايضاً في آل عمران، وما فائدةُ قوله: ﴿فِي المهد وَكَهْلاً﴾ إلا أنَّ هنا بعضَ زياداتٍ لابدَّ من التعرض لها. قرأ ابن عباس: «فتنفخُها» بحذف حرف الجر اتساعاً. والجمهور: «فتكونُ» بالتاء منقوطةً فوق، وأبو جعفر منقوطةً تحتُ، أي: فيكونُ المنفوخ فيه. والضمير في «فيها» قال ابن عطية: «اضطربت فيه أقوال المفسرين» قال مكي: «هو في آل عمران عائدةٌ على الطائر، وفي المائدة عائدٌ على الهيئة» قال: «وَيصِحُّ عكس هذا» . وقال غير مكي: «الضمير المذكور عائد على الطين» . قال ابن عطية: «ولا يَصِحُّ عودُ هذا الضمير على الطير ولا على الطين ولا على الهيئة، لأنَّ الطير أو الطائر الذي يَجِيء الطين على هيئته لا يُنْفَخُ فيه البتةَ، وكذلك لا نفخَ في هيئته الخاصة به، وكذلك الطينُ إنما هو الطينُ العام ولا نفخَ في ذلك» . وقال الزمخشري: «ولا يَرْجِعُ الضميرُ إلى الهيئةِ المضافِ إليها لأنها ليست مِنْ خَلْقِه ولا مِنْ نفخِه في شيء، وكذلك الضميرُ في» فتكون «. ثم قال ابن عطية:»

стр. 3027

والوجهُ عودُ ضمير المؤنث على ما تقتضيه الآيةُ ضرورةً أي: صوراً أو أشكالاً أو اجساماً، وعودُ الضميرِ المذكِّر على المخلوقِ المدلولِ عليه ب «تخلقُ» ثم قال: «ولك أن تعيدَه على ما تَدُلُّ عليه الكاف من معنى المثل لأنَّ المعنى: وإذ تَخْلُق من الطينِ مثلَ هيئِته، ولك أن تعيدَه على الكاف نفسِها فتكونَ اسماً في غيرِ الشعر» انتهى. وهذا القولُ هو عينُ ما قبله، فإنَّ الكافَ أيضاً بمعنى مِثْل، وكونُها اسماً في غير الشعرِ لم يَقُلْ به غيرُ الأخفش. استشكل الناسُ قولَ مكي المتقدم كما قَدَّمْتُ حكايتَه عن ابن عطية، ويمكنُ أَنْ يُجابَ عنه بأنَّ قولَه «عائدٌ على الطائر» لا يريدُ به الطائر الذي أُضيفت إليه الهيئةُ بل الطائرُ المُصَوَّرُ، والتقدير: وإذ تخلق من الطين طائراً

стр. 3028

صورةَ الطائرِ الحقيقي فتنفخُ فيه فيكونُ طائراً حقيقياً، وأنَّ قوله «عائدٌ على الهيئة» لا يريدُ الهيئةَ المجرورةَ بالكاف، بل الموصوفةَ بالكاف، والتقدير: وإذ تخلُق من الطينِ هيئةً مثلَ هيئة الطائر فتنفخُ فيها أي: في الموصوفة بالكافِ التي نُسِب خَلْقُها إلى عيسى. وأمَّا كونُه كيف يعودُ ضميرٌ مذكر على هيئةٍ وضميرٌ مؤنثٌ عل الطائرِ لأنَّ قوله: «ويجوز عكسُ هذا» يؤدي إلى ذلك «فجوابُه أنه جازَ بالتأويل، لأنه تُؤَوَّلُ الهيئةُ بالشكل ويُؤَوَّل الطائرُ بالهيئةِ فاستقام، وهو موضعُ تأولٍ وتأنٍ. وقال هنا» بإذني «أربعَ مراتٍ عَقِيب أربع جمل، وفي آل عمران» بإذن الله «مرتين؛ لأنَّ هناك موضعَ إخبارٍ فناسَبَ الإِيجازَ، وهنا مقامُ تذكيرٍ بالنعمةِ والامتنانِ فناسبَ الإِسهابَ؛ وقوله:» بإذني «حالٌ: إمَّا من الفاعلِ أو من المفعول. قوله: ﴿إِلاَّ سِحْرٌ﴾ قرأ الأخَوان هنا وفي هود وفي الصف» إلا ساحر «اسم فاعل، والباقون:» إلا سحرٌ «مصدراً في الجميع، والرسمُ يحتمل القراءتين، فأمَّا قراءةُ الجماعةِ فتحتمل أن تكون الإِشارة إلى ما جاءَ به من البينات أي: ما هذا الذي جاء به من الآيات الخوارقِ إلى سحرٌ، ويُحْتمل ان تكونَ الإِشارةُ إلى عيسى، جَعَلُوه نفسَ السحر مبالغةً نحو:» رجلٌ عدلٌ «، أو على حَذْفِ مضافٍ أي: إلا ذو سحر. وخَصَّ مكي هذا الوجهَ بكون المرادِ بالمشارِ إليه محمداً ﷺ فقال:» ويجوزُ أن تكونَ إشارةً إلى النبي محمد ﷺ على تقدير حَذْفِ مضافٍ أي: إنْ هذا إلا ذو سحر «. قلت: وهذا جائزٌ، والمرادُ بالمشار إليه عيسى ﵇، وكيف يكونُ المرادُ النبيَّ ﷺ وهو لم يكن في زمنِ عيسى

стр. 3029

والحواريين حتى يشيروا إليه إلا بتأويلٍ بعيد» وأمَّا قراءةُ الأخوين فتحتمل أن يكون «ساحر» اسم فاعل والمشارُ إليه «عيسى» ، ويُحتمل أن يكون المرادُ به المصدرَ كقولهم: «عائذاً بك وعائذاً بالله مِنْ شَرِّها، والمشارُ إليه ما جاء به عيسى من البيِّنات والإِنجيل، ذَكَر ذلك مكي، وتَبِعه أبو البقاء، إلا أنَّ الواحدي مَنَع مِنْ ذلك فقال - بعد أَنْ حَكى القراءتين -» وكلاهما حَسَنٌ لاستواءِ كلِّ واحدٍ منهما في أنَّ ذِكْرَه قد تقدَّم، غير أَنَّ الاختيار «سحر» لجوازِ وقوعِه على الحَدِثِ والشخص، وأمَّا وقوُعه على الحدث فسهلٌ كثير، ووقُوعه على الشخصِ يريدُ ذو سحر كقوله: ﴿ولكن البر مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وقالوا: «إنما أنت سيرٌ» و «ما أنت إلا سيرٌ» و: ١٨٤ - ٣-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ قلت: وهذا يرجِّحُ ما قَدَّمْتُه من أنه أَطْلق المصدر على الشخص مبالغةً نحو: «رجل عدل» ثم قال: «ولا يجوزُ أَنْ يُراد بساحر السحر، وقد جاء فاعِل يراد به المصدرُ في حروفٍ ليست بالكثير نحو:» عائذاً بالله من شره «أي: عياذاً، ونحو» العافِية «ولم تَصِرْ هذه الحروفُ من الكثرة بحيث يسوغُ القياس عليها»

стр. 3030

قوله تعالى: ﴿أَنْ آمِنُواْ﴾ : في «أَنْ» وجهان، أظهرهما: أنها تفسيرية لأنها وردت بعدما هو بمعنى القول لا حروفِه. والثاني: انها

стр. 3031

مصدرية بتأويلٍ متكلف أي: أَوْجَبْتُ إليهم الأمر بالإِيمان، وهنا قالوا «آمنَّا» ولم يُذْكر المُؤْمَنْ به، وهناك ﴿آمَنَّا بالله﴾ [آل عمران: ٥٢] فذكره، والفرق أنَّ هناك تقدَّم ذِكْرُ الله تعالى فقط فأُعيدَ المؤمَنْ به فقيل: «بالله» وهنا ذُكِر شيئان قبل ذلك وهما: ﴿أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي﴾ فلم يُذْكَر ليشمل المذكورين، وفيه نظرٌ. وهنا «بأنَّنا» وهناك «بأنَّا» بالحذف، وقد تقدَّم غيرَ مرة أنَّ هذا هو الأصل، وإنما جِيء هنا بالأصل لأنَّ المُؤْمَنَ به متعدِّدٌ فناسَبَه التأكيد. قوله: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ﴾ قرأ الجمهورُ «يَسْتَطيع» بياء الغيبة «ربك» مرفوعاً بالفاعلية، والكسائي: «تَسْتَطيع» بتاء الخطاب لعيسى، و «ربَّك» بالنصب على التعظيم، وقاعدتُه أنه يُدْغِم لام «هل» في أحرف منها هذا المكان، وبقراءة الكسائي قرأت عائشة، وكانت تقول: «الحواريُّونَ أعرفُ بالله من أن يقولوا: هل يستطيع ربك» كأنها ﵂ نَزَّهَتْهم عن هذه المقالةِ الشنيعة أَنْ تُنْسَبَ إليهم، وبها قرأ معاذ أيضاً وعلي وابن عباس وسعيد بن جبير في آخرين، وحينئذ فقد اختلفوا في هذه القراءة: هل تحتاجُ إلى حَذْفِ مضاف أم لا؟ فجمهورالمُعْربين / يقدِّرون: هل تستطيعُ سؤالَ ربك، وقال الفارسي: «وقد يمكن أَنْ يُسْتغنى عن تقدير» سؤالَ «على أن يكون المعنى: هل تستطيع أن يُنَزَّل ربُّك بدعائك، فيُرَدُّ المعنى - ولا بد - إلى مقدَّر يدل عليه ما ذُكِر من اللفظ» قال الشيخ: «وما قاله غيرُ ظاهرٍ لأنَّ فعلَه تعالى وإنْ كان مسبباً عن الدعاءِ فهو غيرُ مقدورٍ لعيسى» واختار أبو عبيد هذه القراءةَ قال: «لأنَّ القراءةَ الأخرى تُشْبه أن يكونَ الحواريُّون شاكِّين، وهذه لا تُوهِمُ ذلك» . قلت: وهذا بناء من الناسِ على أنهم كانوا مؤمنين، وهذا هو الحقُّ.

стр. 3032

قال ابن الأنباري: «لا يجوزُ لأحد أن يتَوَهَّم على الحواريين أنهم شَكُّوا في قدرة الله تعالى» وبهذا يَظْهَرُ أنَّ قول الزمخشري أنهم ليسا مؤمنين ليس بجيدٍ وكأنه خارقٌ للإِجماع. قال ابن عطية: «ولا خلاف أحفظُه أنهم كانوا مؤمنين» . وأمَّا القراءةُ الأولى فلا تَدُلُّ له لأن الناس أجابوا عن ذلك باجوبةٍ منها: أنَّ معناه: هل يَسْهُل عليك أن تسأل ربَّك، كقولِك لآخر: هل تستطيع أن تقومَ؟ وأنت تعلم استطاعته لذلك. ومنها: أنهم سألوه سؤالَ مستخبرٍ: هل يُنَزَّل أم لا، فإن كان يُنَزِّلُ فاسأله لنا. ومنها: أن المعنى هل يفعلُ ذلك وهل يقع منه إجابةٌ لذلك؟ ومنه ما قيل لعبد الله بن زيد: هل تستطيعُ أن تُرَيَني كيف كان رسولُ الله ﷺ يتوضأ؟ أي هل تُحِبُّ ذلك؟ وقيل: المعنى: هل يطلب ربُّك الطاعة من نزول المائدة؟ قال أبو شامة: «مثلُ ذلك في الإِشكال ما رواه الهيثم - وإن كان ضعيفاً - عن ثابت عن أنس» أنّ رسول الله ﷺ عادَ أبا طالب في مرض فقال: يا بنَ أخي ادعُ ربَّك الذي تعبده فيعافيَني. قال: اللهم اشفِ عمي، فقام أبو طالب كأنما نَشِط من عِقال. فقال: يابنَ أخي إنّ ربك الذي تعبدُ لَيطيعُك. قال: وأنت يا عَمَّاه لو أَطَعْتَه، أو: لئن أطعتَ اللهَ ليطيعَنَّك اي: لَيجيبَنَّك إلى مقصودك «. قلت: والذي حَسَّن ذلك المقابلةُ منه ﷺ للفظِ عَمِّه كقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله﴾ [آل عمران: ٥٤] وقيل: التقدير: هل يُطيع؟ فالسينُ زائدة كقولهم: استجاب وأجاب، قال: ١٨٤ - ٤- وداعٍ دعا يا مَنْ يُجيب إلى النَّدى ... فلم يَسْتِجَبْه عند ذاك مُجيبُ

стр. 3033

وبهذه الأجوبةِ يُستغنى عن قولِ مَنْ قال:» إنَّ يستطيع زائدةٌ «والمعنى: هل يُنَزَّل ربُّك، لأنه لا يُزال من الأفعال إلا» كان «بشرطينِ وشَذَّ زيادةُ غيرِها في مواضعَ عَدَدْتُها في غيرِ هذا الكتاب، على أنَّ الكوفيين يُجيزون زيادةَ بعض الأفعال مطلقاً، حَكَوْا: قَعَدَ فلانٌ يتهكَّم بي» ، وأنشدوا: ١٨٤ - ٥- على ما قام يَشْتِمُني لئيمٌ ... كخنزيرٍ تَمَرَّغَ في رَمادِ وحكى البصريون على وجه الشذوذ: «ما اصبحَ أبردَها وما أمسى أدفأَها» يعنون الدنيا. قوله ﴿أَن يُنَزِّلَ﴾ في قراءةِ الجماعة في محل نصب مفعولاً به أي: الإِنزالَ. وقال أبو البقاء: «والتقدير: على أن ينزَّل، أو في أن ينزَّل، ويجوز ألاَّ يُحتاجَ إلى حرف جر على أن يكون» يَسْتطيع «بمعنى» يُطيق «. قلت: إنما احتاج إلى تقديرِ حَرْفَي الجرِّ في الأول لأنه حَمَل الاستطاعةَ على الإِجابة، وأمَّا قولُه أخيراً» إنَّ يستطيع بمعنى يُطِيق «فإنما يَظْهَرُ كلَّ الظهورِ على رأي الزمخشري من كونهم ليسوا بمؤمنين. وأمَّا في قراءةِ الكسائي فقالوا: هي في محلِّ نصبٍ على المفعولية بالسؤالِ المقدَّر أي: هل يستطيع أنت أن تسألَ ربَّك الإِنزالَ، فيكون المصدرُ المقدرُ مضافاً لمفعوله الأول وهو» ربّك «فلمَّا حُذِفَ المصدرُ انتصب. وفيه نظرٌ من أنهم أعملوا المصدرَ مضمراً، وهو لا يجوزُ عند البصريين، يُؤَوِّلون ما ورد ظاهرُه ذلك. ويجوز أن يكونَ» أن

стр. 3034

ينزَّل «بدلاً من» ربك «بدلَ اشتمالٍ، والتقدير: هل تستطيع أي: هل تُطيق إنزالَ الله تعالى مائدةً بسبب دعائك؟ وهو وجهٌ حسن. و» مائدة «مفعول» يُنَزِّلُ «والمائدة: الخِوُان عليه طعامٌ، فإن لم يكن عليه طعامٌ فليست بمائدةٍ، هذا هو المشهور، إلا أن الراغب قال:» والمائدةُ: الطبقُ الذي عليه طعام، ويقال لكل واحدٍ منها مائدةٌ «وهو مخالِفٌ لما عليه المُعْظَمُ، وهذه المسألة لها نظائرٌ في اللغة، لا يقال للخِوان مائدةٌ إلا وعليه طعامٌ وإلا فهو خِوان، ولا يقال كأسٌ إلا وفيها خَمْرٌ وإلا فهي قَدَحٌ، ولا يقال ذَنوب وسَجْل إلا وفيه ماء، وإلا فهو دَلْو، ولا يقال جِراب إلا وهو مدبوعٌ وإلا فهو إهاب، ولا قَلَمٌ إلا وهو مَبْرِيٌّ وإلا فهو أنبوب. واختلف اللغويون في اشتقاقها فقال الزجاج: «هي من مادَ يَميدُ إذ تحرك، ومنه قوله: ﴿رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١] ومنه: مَيْدُ البحر» وهو ما يُصيب راكبَه، فكأنها تَميد بما عليها من الطعام، قال: «وهي فاعِله على الأصل» وقال أبو عبيد: «هي فاعلة بمعنى مَفْعولة مشتقةٌ من مادَهُ بمعنى أعطاه، وامتادَهُ بمعنى استعطاهُ فهي بمعنى مَفْعولة» قال: «كعِيشة راضِية» وأصلُها أنها مِيدَ بها صاحبُها أي: أُعْطِيها، والعربُ تقول: ما دَني فلان يَميدني إذا أحسنَ إليَّ وأعطاني «وقال أبو بكر بن الأنباري:» سُمِّيت مائدةً لأنها غياثٌ وعطاءٌ، من قولِ العرب: مادَ فلانٌ فلاناً إذا أَحْسَنَ إليه، وأنشدَ: ١٨٤ - ٦-

стр. 3035

إلى أميرِ المؤمنين المُمْتادْ ... أي: المُحْسِنُ لرعيَّته، وهي فاعِلَة من المَيْد بمعنى مُعْطِية فهو قريب من قولِ أبي عبيد في الاشتقاق، إلا أنَّها عنده بمعنى فاعِله على بابها. وابنُ قتيبة وافق أبا عبيد في كونها بمعنى مفعولة، قال: «لأنها يُمادُ بها الآكلون أي يُعْطَوْنها» . وقيل: هي من المَيْد وهو الميل، وهذا هو معنى قول الزجاج. قوله: «من السماء» يجوز أَنْ يتعلَّقَ بالفعلِ قبلَه، وأَنْ يتعلَّق بمحذوف على أنه صفةٌ ل «مائدة» أي: مائدةً كائنةً من السماء أي: نازلةً منها.

стр. 3036

قوله تعالى: ﴿تَكُونُ لَنَا عِيداً﴾ : في «تكون» ضمير يعود على «مائدة» هو اسمُها، وفي الخبرِ احتمالان، أظهرُهما: أنه عيد، و «لنا» فيه وجهان أحدهما: أنه حال من «عيدا» لأنها صفة له في الأصل، والثاني: أنها حال من ضمير «تكون» عند مَنْ يُجَوِّزُ إعمالَها في الحال. والوجه الثاني: أنَّ «لنا» هو الخبر، و «عيداً» حال: إمَّا من ضمير «تكونُ» عند مَنْ يرى ذلك، وإمَّا من الضمير في «لنا» لأنه وقعَ خبراً فتحمَّل ضميراً، والجملةُ في محلِّ نصبٍ صفةً لمائدة. وقرأ عبد الله: ﴿تَكُنْ﴾ بالجزم على جواب الأمر في قوله: «أَنْزل» قال الزمخشري: «وهما نظير ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ [مريم: ٦] يريد قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً يَرِثُنِي﴾ بالرفع صفةً، وبالجزم جواباً، ولكنْ القراءتان هناك متواترتان، والجزمُ هنا في الشاذ.

стр. 3037

والعِيد مشتق من العَوْد لأنه يعود كل سنة، قاله ثعلب عن ابن الأعرابي. وقال ابن الأنباري:» النحويون يقولون: يوم العيد، لأنه يعود بالفرح والسرور، وعند العرب لأنه يعد بالفرح والحزن، وكل ما عاد إليه في وقت فهو عِيد، حتى قالوا للطَّيْفِ عيد «قال الأعشى: ١٨٤ - ٧- فواكبدي من لاعجِ الحُبِّ والهَوى ... إذا اعتاد قَلْبي من أُمَيْمَة عيدُها أي: طيفُها، وقال تأبَّط شراً: ١٨٤ - ٨- يا عيدُ ما لكَ مِنْ شوقٍ وإيراقِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال: ١٨٤ - ٩- عادَ قلبي من الطويلةِ عيدُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال الراغب:» والعيديُ حالةٌ تعاوِدُ الإِنسانَ، والعائدة: كل نفع يرجع إلى الإِنسان بشيء، ومنه «العَوْدُ» للبعيرِ المسنِّ: إمَّا لمعاودته السيرَ والعملَ فهو بمعنى فاعِل، وإمَّا لمعاودةِ السنين وإياه ومَرِّها عليه فهو بمعنى مفعول، قال: امرؤ القيس: ١٨٥ - ٠-

стр. 3038

على لاحِبٍ لا يُهْتَدى بمنارِه ... إذا سافَه العَوْدُ النباطِيُّ جَرْجَرا وصَغَّره على «عُيَيْد» وكَسَّروه على «أعياد» وكانَ القياسُ عُوَيْد وأَعْود، لزوالِ موجبِ قَلْبِ الواوِ ياءً، لأنها إنما قُلِبت لسكونِها بعد كسرةٍ ك «ميزان» ، وإنما فَعَلوا ذلك قالوا: فرقاً بينه وبين عودِ الخشب. قوله: ﴿لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا﴾ فيه وجهان أحدُهما: أنه متعلقٌ بمحذوف لأنه وقعَ صفةً ل «عيداً» الثاني: أنه بدلٌ من «ن» في «لنا» قال الزمخشري: «لأولنا وآخرنا» بدلٌ من «لنا» بتكرير العاملِ «ثم قال:» وقرأ زيد بن ثابت والجحدري لأَولانا وأُخْرانا والتأنيثُ على معنى الأمة. «وخَصَّص أبو البقاء كلَّ وجه بشيء وذلك أنه قال:» فأمَّا «لأولنا وآخرنا» فإذا جعلت «لنا» خبراً وحالاً من فاعل «تكون» فهو صفةٌ ل «عيداً» ، وإن جعلت «لنا» صفة ل «عيد» كان «لأولنا» بدلاً من الضمير المجرور بإعادة الجارِّ «. قلت: إنما فعل ذلك لأنه إذا جعل «لنا» خبراً كان «عيداً» حالاً، وإن جعله حالاً كان «عيداً» خبراً، فعلى التقديرين لا يمكنُه جَعْلُ «لأولنا» بدلاً من «لنا» لئلا يلزَم الفصلُ بين البدلِ والمبدلِ منه: إمَّا بالحال وإما بالخبر وهو «عيد» بخلافِ ما إذا جُعِل «لنا» صفةً ل «عيد» ، هذا الذي يظهر في تخصيصِه ذلك بذلك، ولكن يُقال: قولُه «فإنْ جعلت لنا صفة لعيداً كان لأولنا بدلاً» مُشْكل أيضاً، لأنَّ الفصلَ فيه موجود، لا سيما أنَّ قولَه لا يُحْمل على ظاهره لأنَّ «لنا» ليس صفةً بل هو حالٌ مقدمة، ولكنه نظر إلى الأصل، وأنَّ التقدير: عيداً لنا لأوَّلنا،

стр. 3039

فكأنه لا فصلَ، والظاهرُ جوازُ البدل، والفصلُ بالخبر أو الحال لا يَضُرُّ لأنه من تمامِه فليس بأجنبي. واعلم أن البدلَ من ضميرِ الحاضر سواءً كان متكلماً أم مخاطباً لا يجوز عند جمهورِ البصريين من بدلِ الكل من الكلّ لو قلت: «قمتُ زيدٌ» يعني نفسَك، و «ضربتُك عَمْراً» لم يَجُزْ، قالوا: لأنَّ البدلَ إنما يؤتي به للبيانِ غالباً، والحاضرُ متميِّزٌ بنفسِه فلا فائدةَ في البدلِ منه، وهذا يَقْرُبُ من تعليلِهم في منعِ وصفِه. وأجازَ الأخفشُ ذلك مطلقاً مستدِلاً بظاهر هذه الآية وبقوله: ١٨٥ - ١- أنا سيفُ العشيرةِ فاعرِفوني ... حُمَيْداً قد تَذَرَّيْتُ السِّناما ف «حُمَيْداً» بدل من ياء اعرفوني، وقولِ الآخر: ١٨٥ - ٢- وشوهاءَ تَغْدو بي إلى صارخ الوغى ... بمُسْتَلْئِمٍ مثلِ الفنيق المُدَجَّلِ وقوله: ١٨٥ - ٣- بكم قريشٍ كُفينا كُلَّ مُعْضِلَةٍ ... وأَمَّ نهج الهُدى مَنْ كان ضِلِّيلا وفي الحديث: «أتينا النبيَّ ﷺ نفرٌ من الأشعريين»

стр. 3040

والبصريون يُؤَوِّلون جميع ذلك، أمَّا الآية الكريمة فعلى ما تقدم في الوجه الأول، وأما «حُمَيْداً» فمنصوب على الاختصاص، وأمَّا «بمُسْتلئم» فمن باب التجريد وهو شيءٌ يعرفه أهلُ البيان، يعني أنه جَرَّد من نفسه ذاتاً متصفةً بكذا، وأمَّا «قريش» فالروايةُ بالرفعِ على أنه منادى نُوِّن ضرورةً كقولِه: ١٨٥ - ٤- سلامُ اللَّهِ يا مطرٌ عليها ... وليسَ عليك يا مطرُ السَّلامُ وأمَّا «نفرٌ» فخبر مبتدأ مضمر أي: نحن، ومنع ذلك بعضُهم إلا أَنْ يُفيدَ البدلُ توكيداً وإحاطةَ شمولٍ فيجوزُ، واستدلَّ بهذه الآية وبقول الآخر: ١٨٥ - ٥- فما بَرِحَتْ أقدامُنا في مقامِنا ... ثلاثتِنا حتى أُزيروا المَنائِيَا بجر «ثلاثتنا» بدلاً من «ن» ، ولا حُجَّة فيه لأنَّ «ثلاثتنا» توكيدٌ جارٍ مَجْرى «كل» .

стр. 3041

وقرأ الجمهور: ﴿ونَعْلَمَ﴾ : و «نكون» بنون المتكلم مبنياً للفاعل، وقرأ ابن جبير - فيما نقله عنه ابن عطية - «وتُعْلَم» بضم التاء على أنه مبني للمفعول، والضميرُ عائدٌ على القلوب أي: وتُعْلَمَ قلوبُنا، ونُقل عنه «ونُعْلَم» بالنون مبنياً للمفعول، وقرئ: «يُعْلم» بالياء مبنياً

стр. 3042

للمفعول، والقائمُ مقام الفاعل: «أَنْ قد صدقتنا» أي: ويُعْلَمَ صِدْقُك لنا، ولا يجوز أن يكونَ الفعلُ في هذه القراءةِ مسنداً لضميرِ القلوب لأنه جارٍ مَجْرى المؤنثِ المجازي، ولا يجوزُ تذكيرُ فعلِ ضميرِه. وقرأ الأعمش: و «تَعْلَم» بتاء والفعل مبني للفاعل، وهو ضمير القلوب، ولا يجوزُ أن تكونَ التاءُ للخطاب لفسادِ المعنى، ورُوي: «وتِعْلَم» بكسر حرف المضارعة، والمعنى على ما تقدَّم وقُرئ: و «تَكون» بالتاء والضمير للقلوب. وأَنْ «في» أَنْ قد صَدَقْتَنا «مخففةٌ واسمُها محذوفٌ، و» قد «فاصلةٌ لأنَّ الجملة الواقعةَ خبراً لها فعليةٌ متصرفةٌ غيرُ دعاءٍ، وقد عَرَفْتَ ذلك مما تقدم في قوله: ﴿أَلاَّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١] ، و» أن «وما بعده سادَّةٌ مسدَّ المفعولين أو مسدَّ الأول فقد والثاني محذوف. و» عليها «متعلقٌ بمحذوف يَدُلُّ عليه» الشاهدين «ولا يتعلَّقُ بما بعده لأن» أل «لا يَعْمل ما بعدَها فيما قبلَها عند الجمهورِ، ومَنْ يُجيز ذلك يقول:» هو متعلقٌ بالشاهدين، قُدِّم للفواصل «. وأجاز الزمخشري أن تكونَ» عليها «حالاً فإنه قال:» أو نكونُ من الشاهدين لله بالواحدنية ولك بالنبوةِ عاكفين عليها، على أن «عليها» في موضع الحال «قلت: قوله» عاكفين «تفسيرُ معنىً؛ لأنه لا يُضْمر في هذه الأماكن إلا الأكوانُ المطلقة، وبهذا الذي قلته لا يَرد عليه ما قاله الشيخ فإنه غاب عليه ذلك، وجعله متناقضاً من حيث إنه لَمَّا علَّقه ب» عاكفين «كان غير حال؛ لأنه إذا كان حالاً تعلَّق بكون مطلق، ولا أدري ما معنى التناقض وكيف يَتَحَمَّلُ عليه إلى هذا الحَدِّ؟

стр. 3043

قوله تعالى: ﴿وَآيَةً﴾ : عطف على «عيداً» ، و «منك» صفتها. وقرأ اليماني: «وإنَّه» ب «إنَّ» المشددة، والضمير: إما للعيد وإما للإِنزال.

стр. 3044

وقرأ نافع وابن عامر وعاصم: ﴿مُنَزِّلُهَا﴾ : بالتشديد، فقيل: إنَّ أَنْزَل ونَزَّل بمعنى، وقد تقدم تحقيق ذلك. وقيل: التشديد للتكثير، ففي التفسير أنها نَزَلت مراتٍ متعددة، وأما نُنَزِّلُ فقُدِّم تحقيق الخلاف فيه. قوله تعالى: ﴿بَعْدُ﴾ : متعلق ب «يكفر» ، وبُني لقَطْعِه عن الإِضافة، إذ الأصل: بعد الإِنزالِ. و «منكم» متعلقٌ بمحذوفٍ؛ لأنه حال من فاعل «يَكْفُرْ» وقوله: ﴿عَذَاباً﴾ فيه وجهان، أظهرهما: أنه اسمُ مصدرٍ بمعنى التعذيب، أو مصدرٌ على حَذْفَِ الزوائد نحو: «عطاء ونبات» ل «أعطى» وأنبت «، وانتصابُه على المصدرية بالتقديرين المذكورين. والثاني - أجازه أبو البقاء - أن يكون مفعولاً به على السِّعَة، يعني جَعَلَ الحَدَثَ مفعولاً به مبالغةً، وحينئذ يكون نصبه على التشبيه بالمفعول به، والمنصوبُ على التشبيه بالمفعولِ به عند النحاة ثلاثةُ أنواع: معمولُ الصفةِ المشبهة، والمصدرُ، والظرفُ المتسع فيهما، أمَّا المصدرُ فكما تقدَّم، وأمَّا الظرفُ فنحو:» يوم الجمعة صُمتُه «، ومنه قوله: ١٨٥ - ٦- ويومٍ شَهِدْناه سُلَيْماً وعامراً ... قليلٌ سوى الطعنِ النِّهالِ نوافِلُهْ

стр. 3045

قال الزمخشري:» ولو أُريد بالعذاب ما يُعَذَّب به لكان لا بد من الباء «قلت: إنما قال ذلك لأنَّ إطلاقَ العذاب على ما يُعَذَّب به كثير، فخاف أن يُتَوهَّم ذلك، وليس لقائلٍ أن يقولَ: كان الأصلُ: بعذاب، ثم حَذَفَ الحرف فانتصب المجرورُ به، لأنَّ ذلكَ لم يَطَّرِدْ إلاَّ مع» أَنْ «بشرطِ أَمْنِ الَّبْسِ. قوله: ﴿لاَّ أُعَذِّبُهُ﴾ الهاءُ فيها ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها عائدة على» عذاب «الذي تقدم أنه بمعنى التعذيب، التقدير: فإني أعذَّبه تعذيباً لا أعذِّبُ مثلَ ذلك التعذيب أحداً، والجملة في محلِّ نصب صفة ل» عذاباً «وهذا وجه سالم من تَكَلُّفٍ ستراه في غيره. ولَمَّا ذكره أبو البقاء هذا الوجه - أعني عودَها على» عذاباً «المتقدم - قال:» وفيه على هذا وجهان، أحدُهما: على حَذْفِ حرف الجر، أي: لا أعذب به أحداً، والثاني: أنه مفعولٌ به على السَّعة. قلت: أمَّا قوله «حُذِف الحرف» فقد عرفت أنه لا يجوز إلا فيما استثني. الثاني من أوجه الهاء: أنها تعود على «مَن» المتقدمة في قوله: ﴿فَمَن يَكْفُرْ﴾ والمعنى: لا أعذَّبُ مثلَ عذاب الكافر أحداً، ولا بد من تقدير هذين المضافين ليصِحَّ المعنى. قال أبو البقاء في هذا الوجه: «وفي الكلام حذفٌ أي: لا أعذب الكافر أي: مثل الكافر، أي: مثل عذاب الكافر» الثالث: أنها ضمير المصدر المؤكد نحو: «ظَنَنْتُهُ زيداً قائماً» ولَمَّا ذكر أبو البقاء هذا الوجهَ اعترض على نفسِه فقال: «فإنْ قلت:» لا أعذِّبه «صفةٌ ل» عذاب «وعلى هذا التقدير لا يعودُ من الصفة على الموصوف شيءٌ. قيل: إنَّ الثاني لما كان واقعاً موقعَ المصدرِ والمصدرُ جنس و «عذاباً» نكرةٌ كان الأول داخلاً في

стр. 3046

الثاني، والثاني مشتملٌ على الأول وهو مثل: «زيد نعم الرجل» انتهى، فجعل الرابطَ العمومَ، وهذا الذي ذكره من أنَّ الربط بالعموم إنما ذكره النحويون في الجملةِ الواقعةِ خبراً لمبتدأ، ولذلك نَظَّره أبو البقاء ب «زيد نِعْم الرجل» وهذا لا ينبغي أن يُقاسَ عليه، لأن الربطَ يحصُل في الخبر بأشياءَ لا تجوز في الجملة الواقعةِ صفةً، وهذا منها، ثم هذا الاعتراضُ الذي ذَكَره واردٌ عليه في الوجه الثاني؛ فإنَّ الجملة صفة ل «عذاباً» وليس فيها ضميرٌ، فإنْ قيل: ليست هناك بصفةٌ، قيل: يفسد المعنى بتقدير الاستئناف، وعلى تقديرِ صحته فلتكنْ هنا أيضاً مستأنفةً. «وأحداً» منصوبٌ على المفعول الصريحِ. و «من العالمين» صفةٌ ل «أحداً فيتعلَّق بمحذوف.

стр. 3047

قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ الله﴾ هل هذا القولُ وقعَ وانقضَى أو سيقع يومَ القيامة؟ قولان للناس، فقال بعضُم: لَمَّا رفعه إليه قال له ذلك، وعلى هذا ف «إذ» و «قال» على موضوعهما من المُضِيِّ وهو الظاهر. وقال بعضُهم: سيقولُه له يوم القيامة وعلى هذا ف «إذا» بمعنى «إذا» ، «وقال» بمعنى «يقول» وكونُها بمعنى «إذا» أهونُ من قول أبي عُبيد إنها زائدة؛ لأنَّ زيادةَ الأسماء ليست بالسهلة. قوله: ﴿أَأَنتَ قُلتَ﴾ دَخَلَتِ الهمزةُ على المبتدأ فائدةٍ ذكرها أهل البيان وهو: أن الفعلَ إذا عُلِم وجودُه وشُكَّ / في نسبته إلى شخص أُولِي الاسمُ المشكوكُ في نسبة الفعل إليه للهمزة فيقال: «أأنت ضرب زيداً» فَضَرْبُ زيدٍ قد صدر في الوجود وإنما شُكَّ في نسبته إلى المخاطب، وإنْ شُكَّ في اصل وقوع الفعل أُولِي الفعلُ للهمزة فيقال: «أضربْتَ زيداً» لم تَقْطَعْ بوقوعِ الضرب بل شَكَكْتَ فيه، والحاصل: أنَّ الهمزةَ يليها المشكوك فيه، جئنا إلى الآية الكريمة فالاستفهامُ فيها يُراد به التقريعُ والتوبيخُ بغيرِ عيسى عليه السلام

стр. 3048

وهم المتَّخذون له ولأمة الهين، دَخَل على المبتدأ لهذا المعنى الذي قد ذكرته، لأن الاتخاذَ قد وقع لا بد. واللام في «للناس» للتبليغ فقط، و «اتخذوني» يجوز أن تكون بمعنى «صَيَّر» فتتعدَّى لاثنين ثانيهما «إلهين» وأن تكونَ المتعدية لواحد ف «إلهين» حالٌ. و «من دون الله» فيه وجهان، أظهرهما: أنه متعلقٌ بالاتخاذ وأجاز أبو البقاء - وبه بدأ - أن يكون متعلقاً بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل «آلهين» . قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهاً، وتقدَّم الكلامُ عليه في البقرة مشبعاً، ومتعلَّقُه هنا محذوفٌ فقدَّره الزمخشري: سبحانك من أن يكونَ لك شريكٌ «وقَدَّره ابن عطية:» عن أَنْ يُقال هذا وينطق به «ورجَّحه الشيخ لقوله بعد: ﴿مَا يَكُونُ لي أَنْ أَقُولَ﴾ قوله: ﴿أَنْ أَقُول﴾ في محلِّ رفع لأنه اسمُ» يكون «، والخبرُ في الجار قبله، أي: ما ينبغي لي قولُ كذا. و» ما «يجوزُ أن تكونَ موصولةً أن نكرةً موصوفة. والجملةُ بعدها صلةٌ فلا محلَّ لها، أو صفةٌ فمحلُّها النصبُ، فإنّ» ما «منصوبةٌ ب» اقول «نصبَ المفعول به لأنها متضمنةٌ لجملة فهو نظيرُ» قلت كلاماً «، وعلى هذا فلا يُحتاج أن يُؤَوَّل» أقول «بمعنى أَدَّعِي أو أذكر، كما فعله أبو البقاء. وفي» ليس «ضميرٌ يعودُ على ما هو اسمُها، وفي خبرِها وجهان، أحدهما: أنه» لي «أي: ما ليس مستقراً لي وثابتاً، وأمَّا» بحق «على هذا ففيه ثلاثةُ أوجه، ذكر أبو البقاء منها وجهين، احدُهما أنه حالٌ من الضمير في» لي «قال: والثاني: أن يكونَ مفعولاً به

стр. 3049

تقديره: ما ليسَ يَثْبُتُ ليس بسببِ حق، فالباءُ متعلقةٌ بالفعلِ المحذوف لا بنفسِ الجارِّ، لأنَّ المعاني لا تعمل في المفعول به» . قلت: وهذا ليس بجيدٍ لأنه قَدَّر متعلَّق الخبرِ كوناً مقيداً ثم حَذَفه وأبقى معموله. الوجه الثالث: أنَّ قوله «بحق» متعلقٌ بقوله: «عَلِمْتَه» ويكون الوقف على هذا على قوله «لي» والمعنى: فقد عَلِمْتَه بحق. وقد رُدَّ هذا بأن الأصل عدم التقديم والتأخير، وهذا لاينبغي أن يُكتفى به في ردِّ هذا، بل الذي منع من ذلك أنَّ معمولَ الشرطِ أو جوابِه لا يتقدَّم على أداة الشرط لا سيما المرويُّ عن الأئمة القُرَّاء الوقفُ على «بحق» ، ويَبْتدئون ب «إنْ كنت قلتُه» وهذا مَرِويٌّ عن رسول الله ﷺ [فوجَبَ اتِّباعه] والوجهُ الثاني في خبرِ «ليس» أنه «بحق» ، وعلى هذا ففي «لي» ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه «يتبين» كما في قولهم: «سُقْياً له» أي: فيتعلَّقُ بمحذوف، والثاني: أنه حال من «بحق» لأنه لو تأخَّر لكانَ صفةً له، قال أبو البقاء: «وهذا يُخَرَّج على قولِ مَنْ يجوِّزُ تقديمَ حالِ المجرور عليه» قلت: قد تقدم لك خلافُ الناسِ فيه وما أوردوه من الشواهِد، وفيه أيضاً تقديمُ الحال على عامِلها المعنوي: فإنَّ «بحق» هو العاملُ إذ «ليس» لا يجوز أن تعملَ في شيء، وإنْ قلنا: إنَّ «كان» أختها قد تعمل لأن «ليس» لا حدَثَ لها بالإِجماع. والثالث: أنه متعلِّقٌ بنفسِ «حق» لأنَّ الباءَ زائدةٌ، وحَقّ بمعنى مُسْتحق أي: ما ليس مستحِقَّاً لي. قوله: ﴿إِن كُنتُ﴾ : «كنت» وإن كانت ماضية اللفظ فهي مستقبلة في المعنى، والتقدير: إن تَصِحَّ دعواي لِما ذُكر، وقَدَّره الفارسي بقوله: «إن أكن الآن قلتُه فيما مضى» لأنَّ الشرطَ والجزاء لايقعان إلا في المستقبل «وقولُه: ﴿فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ أي: فقد تبيَّن وظهرَ عِلمُك به كقوله: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ [يوسف: ٢٦]

стр. 3050

و ﴿فَكَذَبَتْ﴾ [يوسف: ٢٧] و ﴿فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النار﴾ [النمل: ٩٠] . قوله: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ هذه لا يجوزُ أن تكونَ عرفانيةً، لأنَّ العرفان كما قَدَّمْتُه يستدعي سَبْقَ جهل، او يُقْتَصَرُ به على معرفةِ الذات دونَ أحوالها حَسْبَ ما قاله الناس، فالمفعولُ الثاني محذوفٌ، أي: تعلمُ ما في نفسي كائناً وموجَداً على حقيقتِه لا يَخْفَى عليك منه شيءٌ، وأمَّا:» ولا أعلم «فيه وإنْ كان يجوزُ أن تكونَ عرفانيةً، إلا أنها لَمَّا صارَتْ مقابلةً لما قبلها ينبغي أن يكونَ مثلَها، والمرادُ بالنفسِ هنا على ما قاله الزجاج» انها تُطْلَقُ ويُراد بها حيققةُ الشي، والمعنى في قوله ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ إلى آخره واضحٌ، وقال: «المعنى: تعلمُ ما أُخْفيه من سِرِّي وغيبي، أي: ما غابَ ولم أُظْهِرْه، ولا أعلمُ ما تُخفِيه أنت ولا تُطْلِعُنا عليه، فذكرالنفس مقابلةً وازداجاً، وهذا منتزع من قول ابن عباس، وعليه حام الزمخشري فإنه قال:» تعلمُ معلومي ولا أعلمُ معلومَك «، وأتى بقوله: ﴿مَا فِي نَفْسِكَ﴾ على جهةِ المقابلةِ والتشاكلِ لقوله: ﴿مَا فِي نَفْسِي﴾ فهو كقوله: ﴿وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله﴾ [آل عمران: ٥٤] ، وكقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٤١٥] .
следующие страницы →