Полный текст (10 772 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
ابن عطية:» ناب الضرُّ هنا مناب الشرُّ وإن كان الشر أعمَّ منه فقابل الخير، وهذا من الفصاحة عدول عن [قانون التكليف والصيغة، فإن باب التكليف وصيغ الكلام] أن يكون الشيء مقترناً بالذي يختص به بنوع من أنواع الاختصاص موافقةً أو مضاهاة، فمن ذلك: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تعرى وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ فِيهَا وَلاَ تضحى﴾ [طه: ١١٨١١٩] فجاء بالجوع مع العري وبابه أن يكون مع الظمأ ومنه قول امرئ القيس:
١٨٧ - ٥- كأنّيَ لم أركبْ جواداً لِلَّذةٍ ... ولم أَتَبَطَّنْ كاعِباً ذاتَ خَلْخال
ولم أَسْبَأ الزِّقَّ الرَّويَّ ولم أقْلْ ... لخيلي كُرِّي كَرَّةً بعد إجْفالِ
ولم يوضح ابن عطية ذلك. وإيضاحه في آية طه اشتراك الجوع والعري في شيء خاص وهو الخلوُّ، فالجوع خلوٌّ وفراغ في الباطن، والعريُّ خلوٌّ وفراغ في الظاهر، واشتراك الظمأ والضحى في الاحتراق، فالظمأ احتراق في الباطن ولذلك تقول: «بَرَّد الماء حرارة كبدي وأوام عطشي» ، والضحى: احتراق الظاهر.
وأمَّا البيتان فالجماع بين الركوب للَّذة وهو الصيد وتبطُّن الكاعب اشتراكهما في لذة الاستعلاء والقهر والاقتناص والظفر بمثل هذا المركوب، ألا ترى تسميتهم هَنَ المرأة «رَكَباً» بفتح الراء والكاف وهو فَعَل بمعنى مَفْعول كقوله:
١٨٧ - ٦- إنَّ لها لَرَكَباً إرْزَبَّا ... كأنه جبهةُ ذَرَّى حَبَّا
стр. 3117
وأما البيت الثاني فالجامعُ بين سبأ الخمر والرجوع بعد الهزيمة اشتراكهما في البذل، فشراء الخمر بَذْل المال، والرجوع بعد الانهزام بذل الروح. وقدَّم ﵎ مَسَّ الضرِّ على مسِّ الخير لمناسبة اتصال مسِّ الضر بما قبله من الترهيب المدلول عليه بقوله: إن أخاف. وجاء جواب الشرط الأول بالحصر إشارةً إلى استقلاله بكشف الضر دون غيره، وجاء الثاني بقوله ﴿فَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ﴾ إشارةً إلى قدرته الباهرة فيندرجُ فيها المَسُّ بخير وغيره، على أنه لو قيل: إن جواب الثاني محذوف لكان وجهاً أي: وإنْ يَمْسَسْك فلا رادَّ لفضله للتصريح بمثله في موضع آخرَ.
стр. 3118
قوله: ﴿فَوْقَ﴾ : فيه أوجه أظهرها: أنه منصوب باسم الفاعل قبله. والفوقيَّةُ هنا عبارة عن الاستعلاء والغلبة. والثاني: أنه مرفوع على أنه خبر ثان، أخبر عنه بشيئين أحدهما: أنه قاهرٌ، والثاني: أنه فوق عباده بالغلبة والقهر. الثالث: أنه بدلٌ من الخبر. الرابع: أنه منصوبٌ على الحالِ من الضمير في «القاهر» كأنه قيل: وهو القاهرُ مُسْتعلياً أو غالباً، ذكره المهدوي وأبو البقاء الخامس: أنها زائدةٌ، والتقدير وهو: القاهر عباده، ومثلُه: ﴿فاضربوا فَوْقَ الأعناق﴾ [الأنفال: ١٢] وهذا مردودٌ، لأن الأسماء لا تُزاد.
стр. 3119
قوله تعالى: ﴿أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ﴾ : مبتدأ وخبر، وقد عَرَفْتَ مما مرَّ «أيَّاً» بعضُ ما تضاف إليه، فإذا كانت استفهاميةً اقتضى الظاهرُ أن تكون مسمَّى باسم ما أضيفت إليه. قال أبو البقاء: «وهذا يوجب أن يُسَمَّى الله تعالى» شيئاً «فعلى هذا تكون الجلالةُ خبرَ مبتدأ محذوف أي: ذلك الشيء
стр. 3120
هو الله تعالى. ويجوز أن تكون الجلالة مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: الله أكبر شهادة. و» شهيد «على هذين القولين خبرُ مبتدأ محذوف أي: هو شهيد بيني وبينكم. والجملة من قوله: ﴿قُلِ الله﴾ على الوجهين المتقدمين جواب ل» أيّ «من حيث اللفظ والمعنى. ويجوز أن تكون الجلالة مبتدأ، و» شهيد «خبرها، والجملة على هذا جوابٌ ل» أيّ «من حيث المعنى أي: إنها دالة على الجواب وليست به.
قوله: ﴿شَهَادةً﴾ نصبٌ على التمييز، وهذا هو الذي لا يَعْرِفُ النحاةُ غيرَه. وقال ابن عطية:» ويَصِحُّ على المفعول بأن يُحْمَلَ «أكبر» على التشبيه بالصفة المشبهة باسم الفاعل «. وهذا ساقطٌ جداً. إذ نصَّ النحويون على أن معنى شبهها باسم الفاعل في كونها تؤنث وتثنَّى وتجمع، وأفعلُ مِنْ لا يؤنَّثُ ولا يُثَنَّى ولا يُجْمع فلم يُشْبِه اسم الفاعل، حتى إن الشيخ نسب هذا الخِباط إلى الناسخ دون أبي محمد.
قوله: ﴿بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ متعلِّقٌ ب» شيهد «وكان الأصل: قل الله شهيد بيننا فكُرِّرَتْ» بين «توكيداً، وهو نظير قوله:
١٨٧ - ٧- فأيِّي ما وأيُّك كان شراً ... فَسِيقَ إلى المَقامةِ لا يراها
وقوله:
١٨٧ - ٨- يا ربَّ موسَى أظلمي وأَظْلَمُهْ ... فاصْبُبْ عليه ملِكاً لا يَرْحَمُهْ
وقوله:
١٨٧ - ٩-
стр. 3121
فلئِنْ لَقِيْتُك خالِيَيْنِ لَتَعْلَمَنْ ... أيِّي وأيُّك فارسُ الأحزابِ
والجامع بينها أنه لَمَّا أضاف إلى الياء وحدها احتاج إلى تكرير ذلك المضاف. وجَوَّز أبو البقاء أن يكون» بيني «متعلقاً بمحذوفٍ على أنه صفة لشهيد فيكون في محل رفع، والظاهر خلافه.
قوله: ﴿وَأُوحِيَ﴾ الجمهور على بنائه للمفعول وحُذِف الفاعلُ للعِلْمِ به وهو الله تعالى.» والقرآن «رفع به. وقرأ أبو نهيك والجحدري وعكرمة وابن السَّمَيْفَع.» وأَوْحَى «ببنائه للفاعل،» القرآن «نصباً على المفعول به. و» لأنذركم «متعلِّقٌ ب» أُوحِي «قيل: وثَمَّ معطوف حُذف لدلالة الكلام عليه أي: لأنذركم به وأبَشِّركم به، كقوله: ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] وتقدَّم منه جملةٌ صالحة. وقيل: لا حاجة إليه لأن المَقام مَقامُ تخويف.
قوله: ﴿وَمَن بَلَغَ﴾ فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه في محل نصب عطفاً على المنصوب في» لأُنْذِرَكم «وتكون» مَنْ «موصولة والعائدُ عليها مِنْ صلتها محذوف أي: ولأنذَر الذي بلغه القرآن.
والثاني: أنَّ في «بَلَغ» ضميراً مرفوعاً يعود على «مَنْ» ويكون المفعولُ محذوفاً، وهو منصوب المحل أيضاً نسقاً على مفعول «لأنذركم» ، والتقدير: ولأنذر الذي بَلَغ الحُلُمَ، فالعائد هنا مستتر في الفعل. والثالث: أن «مَنْ» مرفوعةُ المحلِّ نَسَقاً على الضمير المرفوع في «لأنذرَكم» وجاز ذلك لأنَّ الفصلَ بالمفعول والجارِّ والمجرور أغنى عن تأكيده، والتقدير: لأنذركم به ولينذركم الذي بلغه القرآن.
قوله: ﴿أَئِنَّكُمْ﴾ الجمهور على القراءة بهمزتين أولاهما للاستفهام، وهو استفهام تقريعٍ وتوبيخ، وقد تقدَّم الكلام في قراءاتٍ مثلِ هذا. قال
стр. 3122
الشيخ: «وبتسهيل الثانية وبإدخال ألفٍ بين الهمزة الأولى والهمزةِ المُسَهَّلَة، روى هذا الأخيرةَ الأصمعيُّ عن أبي عمرو ونافع» . انتهى. وهذا الكلام يُؤذن بأنها قراءة مستغربة وليس كذلك، بل المرويُّ عن أبي عمرو المدُّ بين الهمزتين، ولم يُخْتَلَفْ عن قالون في ذلك. وقرئ بهمزة واحدة وهي محتملة للاستفهام وإنما حُذفت لفهم المعنى، ودلالة القراءة الشهيرة عليها، وتحتمل الخبر المحض.
ثم هذه الجملة الاستفهامية يحتمل أن تكون منصوبةَ المحلِّ لكونها في حيز القول وهو الظاهر، كأنه أُمِرَ أن يقول: أيُّ شيء أكبرُ شهادةً، وأن يقول: أإنكم لتشهدون. ويحتمل أن لا تكونَ داخلةً في حيِّزه فلا محلَّ لها حينئذ. و «أخرى» صفةٌ ل «آلهة» لأنَّ ما لا يَعْقِل يُعامَل جمعُه معاملةَ الواحدةِ المؤنثة كقوله: ﴿مَآرِبُ أخرى﴾ [طه: ١٨] و ﴿الأسمآء الحسنى﴾ [الأعراف: ١٨٠] .
قوله: ﴿إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ يجوز في «ما» هذه وجهان، أظهرهما: أنها كافة ل «إنَّ» عن عملها، و «هو» مبتدأ، و «إله» خبر و «واحد» صفته. والثاني: أنها موصولة بمعنى الذي و «هو» مبتدأ «وإليه» خبره، وهذه الجملةُ صلةٌ وعائد، والموصول في محل نصب اسماً ل «إن» ، و «واحد» خبرها. والتقدير: إن الذي هو إله واحد، ذكره أبو البقاء، وهو ضعيفٌ، ويدلُّ على صحة الوجه الأولِ تعيُّنُه في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الله إله وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] ، إذ لا يجوز فيه أن تكون موصولة لخلوِّ الجملة من ضمير الموصول. وقال أبو البقاء: - في هذا الوجه - «وهو أليقُ مما قبله» ولا أدري ما وجه ذلك؟ .
стр. 3123
قوله تعالى: ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب﴾ : الموصول مبتدأ، و «يَعْرِفونه» خبره والضميرُ المنصوبُ يجوز عَوْدُه على / الرسول أو على القرآن لتقدُّمه في قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذا القرآن﴾ أو على التوحيد لدلالة قوله: ﴿إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ أو على كتابهم أو على جميع ذلك. وأَفْرد الضمير باعتبار المعنى كأنه قيل: يعرفون ما ذَكَرْنا وقصصنا. وقد تقدَّم إعراب هذه الجملة في البقرة.
قوله: ﴿الذين خسروا﴾ في محله أربعة أوجه، أظهرها: أنه مبتدأ، وخبره الجملة من قوله: ﴿فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ ودخلت الفاء لما عَرَفْتَ من شبه الموصول بالشرط. الثاني: أنه نعت للذين آتيناهم الكتاب. قال الزجاج الثالث: أنه خبر مبتدأ محذوف أي: هم الذين خسروا. الرابع: أنه منصوبٌ على الذم، وهذان الوجهان فرعان على النعت لأنهما مقطوعان عنه، وعلى الأقوال الثلاثة الأخيرة يكون ﴿فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ من باب عَطْفِ جملة اسمية على مثلها، ويجوز أن يكونَ عطفاً على «خسروا» وفيه نظرٌ من حيث إنَّه يؤدِّي إلى ترتُّب عدم الإِيمان على خسرانهم. والظاهر أن الخُسْران هو المترتِّبُ على عدم الإِيمان، وعلى الوجه الأول يكون الذين خسروا أعمَّ من أهل الجاحدين من المشركين، وعلى غيره خاصاً بأهل الكتاب، والتقدير: الذين خسروا أنفسهم منهم أي: من أهل الكتاب.
واسْتُشْكِل على كونه نعتاً الاستشهادُ بهم على كفار قريش وغيرهم من العرب، يعني كيف يُسْتشهد بهم ويُذَمُّون في آية واحدة؟ فقيل: إن هذا سِيق للذمِّ لا للاستشهاد. وقيل: بل سيق للاستشهاد وإن كان في بعض الكلام ذمٌّ
стр. 3124
لهم، لأن ذلك بوجيهن واعتبارين. قال ابن عطية: «فصَحَّ ذلك لاختلاف ما استشهد بهم فيه وما ذُمُّوا فيه، وأنَّ الذمَّ والاستشهاد ليسا من جهة واحدة» .
стр. 3125
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ فيه خمسة أوجه، احدها: أنه منصوبٌ بفعلٍ مضمرٍ بعده، وهو على ظرفيَّته، أي: ويوم نحشرهم كان كيت وكيت، وحُذِفَ ليكونَ أبلغَ في التخويف. والثاني: أنه معطوف على ظرفٍ محذوف، وذلك الظرف معمول لقوله: ﴿لاَ يُفْلِحُ الظالمون﴾ والتقدير: إنه لا يفلح الظالمون اليوم في الدنيا ويوم نحشرهم، قاله محمد بن جرير. الثالث: أنه منصوب بقوله: ﴿انظر كَيْفَ كَذَبُواْ﴾ وفيه بُعْدٌ لعبده من عامله بكثرة الفواصل. الرابع: أنه مفعول به باذكر مقدراً. الخامس. أنه مفعول به أيضاً، وناصبه احذروا أو اتقوا يوم نحشرهم، كقوله: ﴿واخشوا يَوْماً﴾ [لقمان: ٣٣] وهو كالذي قبله فلا يُعَدُّ خامساً.
وقرأ الجمهور «نَحْشرهم» بنون العظمة وكذا «ثم نقول» وقرأ حميد ويعقوب بياء الغيبة فيهما وهو الله تعالى. والجمهور على ضم الشين من «نَحْشُرهم» وأبو هريرة بكسرها، وهما لغتان في المضارع. والضمير المنصوب في «نحشرهم» يعود على المفترين الكذب، وقيل: على الناس كلهم فيندرج هؤلاء فيهم، والتوبيخ مختص بهم. وقيل: يعود على المشركين وأصنامهم، ويدل عليه قوله: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [الصافات: ٢٢] . و «جميعاً» حال من مفعول «نحشُرهم» . ويجوز أن يكونَ توكيداً عند مَنْ أثبته من النحويين كأجمعين. وعطف هنا ب «ثُمَّ» للتراخي الحاصل
стр. 3126
بين الحشر والقول. ومفعولا «تَزْعُمون» محذوفان للعِلْمِ بهما أي: تزعمونهم شركاء أو تزعمون أنهما شفعاؤكم.
وقوله: ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ﴾ إن جَعَلْنا الضمير في «نحشرهم» عائداً على المفترين الكذبَ كان ذلك من باب إقامة الظاهرِ مُقام المضمر، إذ الأصل: ثم نقول لهم وإنما أُظِهِرَ تنبيهاً على قبح الشرك.
стр. 3127
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ : قرأ حمزة والكسائي: «يكن» بالياء من تحت، «فتنتهم» نصباً، وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم: «تكن» بالتاء من فوق، «فتنتُهم» رفعاً. والباقون بالتاء من فوق أيضاً، «فتنتهم» نصباً. فأمَّا قراءة الأخوين فهي أفصحُ هذه القراءات لإِجرائها على القواعد من غير تأويل، وستعرفه في القراءتين الأُخْرَيَيْن، وإعرابها ظاهر. وذلك أن «فتنتهم» خبر مقدم، و «أَنْ قالوا» بتأويل اسم مؤخر، والتقدير: ثم لم تكن فتنتهم إلا قولُهم، وإنما كانت أفصحَ لأنه إذا اجتمع اسمان، أحدهما: أعرفُ، فالأحسنُ جَعْلُه اسماً مُحَدَّثاً عنه والآخر خبراً حديثاً عنه، و «أَنْ قالوا» يشبه المضمر، والمضمر أعرف المعارف، وهذه القراءة جُعِل الأعرفُ/ فيها اسماً ل «كان» وغيرُ الأعرف خبرَها، ولم يؤنَّث الفعل لإِسناده إلى مذكر. وأما قراءة ابن كثير ومَنْ تبعه ف «فتنتُهم» اسمها، ولذلك أُنِّثَ الفعلُ لإِسناده إلى مؤنث. و «إلا أَنْ قالوا» خبرها، وفيه أنك جعلت غير الأعرف اسماً والأعرفَ خبراً، فليست في قوة الأولى.
وأمَّا قراءةُ الباقين ف «فتنتَهم» خبر مقدم، و «إلا أن قالوا» اسمٌ مؤخَّرٌ، وهذه القراءةُ - وإن كان فيها جَعْلُ الأعرفِ اسماً - كالقراءة الأولى، إلا أن
стр. 3128
فيها لَحاقَ علامة تأنيث في الفعل مع تذكير الفاعل ولكنه بتأويل. فقيل: لأن قوله: ﴿إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ في قوة مقالتهم. وقيل: لأنه هو الفتنة في المعنى، وإذا أخبر عن الشيء بمؤنَّثٍ اكتسب تأنيثاً فعومل معاملته، وجعل أبو علي منه ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠] لما كانت الأمثال هي الحسنات في المعنى عومل معاملةَ المؤنث فسقطت التاء من عدده. ومثلُ الآيةِ قولُه:
١٨٨ - ٠- ألم يكُ غَدْراً ما فَعَلْتُم بسَمْعَلٍ ... وقد خاب مَنْ كانَتْ سريرتَه الغَدْرُ
ف «كانت» مسند إلى الغدر وهو مذكَّر، لكن لما أخبر عنه بمؤنث أنَّث فِعْلَه، ومثله قول لبيد:
١٨٨ - ١- فمضى وقدَّمها وكانت عادةً ... إذا هي عَرَّدَتْ إقدامُها
قال أبو علي: «فأنَّث الإِقدام لما كان العادة في المعنى» قال: «وقد جاء في الكلام:» ما جاءت حاجتَك «فأنّث ضمير» ما «حيث كانت الحاجة في المعنى، ولذلك نصب» حاجتك «. وقال الزمشخري:» وإنما أنَّث «أن قالوا» لوقوع الخبر مؤنثاً كقولهم: من كانت أمَّك «.
وقال الشيخ:» وكلام الزمخشري مُلَفَّقٌ من كلام أبي علي، وأمَّا «من كانت أمَّك» فإنه حَمَلَ اسمَ «كان» على معنى «مَنْ» فإن لها لفظاً مفرداً مذكراً، ولها معنى بحسب ما تريد من إفارد وتثنية وجمع وتذكير وتأنيث، وليس الحَمْلُ
стр. 3129
على المعنى لمراعاة الخبر، ألا ترى أنه يجيء حيث لا خبر، كقوله:
﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: ٤٢] [وقوله] :
١٨٨ - ٢-. . . . . . . . . . . . . . . ... نكن مثلَ مَنْ يا ذئب يَصْطحبان
قلت: ليت شعري ولأي معنى خصَّ الزمخشريَّ بهذا الاعتراض فإنه وارد على أبي علي أيضاً؟ إذ لقائلٍ أن يقول: التأنيث في «جاءت» للحمل على معنى «ما» فإن لها هي أيضاً لفظاً ومعنى مثل «مَنْ» على أنه يقال: للتأنيث علَّتان، فذكرا إحداهما.
ورجَّح أبو عبيد قراءَة الأخوين بقراءة أُبَيّ وبان مسعود: «وما كان فتنتُهم إلا أن قالوا» فلم يُلْحِقْ الفعلَ علامةَ تأنيث. ورجَّحها غيره بإجماعهم على نصب «حُجَّتَهم» من قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ [الجاثية: ٢٥] . وقرئ شاذاً: ﴿ثم لم يكنْ فتنتُهم إلا أن قالوا «بتذكير» يكنْ «ورفع» فتنتهم «ووجهُ شذوذِها سقوطُ علامةِ التأنيثِ والفاعلُ مؤنثٌ لفظاً وإن كان غيرَ حقيقي، وجَعْلُ غير الأعرف اسماً والأعرفِ خبراً، فهي عكس القراءة الأولى من الطرفين، و» أن قالوا «ممَّا يجب تأخيرُه لحَصْره سواء أجُعِلَ اسماً أم خبراً.
قوله: ﴿رَبِّنَا﴾ قرأ الأخَوان: ﴿ربَّنا﴾ نصباً والباقون جراً. ونصبه: إمَّا على النداء وإمَّا على المدح، قاله ابن عطية، وإمَّا على إضمار» أعني «قاله
стр. 3130
أبو البقاء والتقدير: يا ربنا. وعلى كلِّ تقديرٍ فالجملة معترضةٌ بين القسم وجوابه وهو قوله ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ وخفضُه في ثلاثةِ أوجهٍ: النعتِ والبدلِ وعطفِ البيان. وقرأ عكرمة وسلام بن مسكين: ﴿واللَّهُ ربُّنا﴾ برفعهما على المبتدأ والخبر. قال ابن عطية:» وهذا على تقديمٍ وتأخير، كأنهم قالوا: واللَّهِ ما كنَّا مشركين واللَّهُ ربُّنا «قلت: يعني أن ثَمَّ قَسَماً مضمراً.
стр. 3131
قوله تعالى: ﴿كَيْفَ كَذَبُواْ﴾ : «كيف» منصوب على حدِّ نَصْبها في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله﴾ [البقرة: ٢٨] وقد تقدَّم بيانه. و «كيف» وما بعدها في محل نصب ب «انظر» لأنها معلِّقة بها عن العمل. و «كَذَبوا» وإن كان معناه مستقبلاً لأنه في يوم القيامة، فهو لتحقُّقِه أبرزه في صورة الماضي. وقوله: «وضَلَّ» يجوز أن يكونَ نَسَقاً على «كَذَبوا» فيكون داخلاً في حَيِّز النظر، ويجوز أن يكونَ استئنافَ إخبارٍ فلا يندرجُ في حَيِّزِ المنظور إليه، وقوله: «ما كانوا» يجوز في «ما» أن تكون مصدرية أي: وضلَّ عنهم افتراؤهم، وهو قولُ ابن عطية. ويجوز أن تكونَ موصولةً اسمية، أي: وضَلَّ عنهم الذين كانوا يفترونه، فعلى الأول لا يُحْتاج إلى ضمير عائد على «ما» عند الجمهور، وعلى الثاني لا بد من ضمير عند الجميع.
стр. 3132
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُ﴾ : راعى لفظَ «مَنْ» فأفردَ، ولو راعى المعنى لَجَمَع كقوله في موضع آخر: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن
стр. 3133
يَسْتَمِعُونَ﴾ [يونس: ٤٢] وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾ إلى آخره، حُمِل على معناها.
قوله: ﴿وَجَعَلْنَا﴾ «جَعَلَ» هنا يحتمل أن يكونَ للتصيير فيتعدى لاثنين، أَوَّلُهما «أكنَّةً» ، والثاني الجار قبله، فيتعلَّق بمحذوف، أي: صَيَّرنا الأكِنَّةَ مستقرَّةً على قلوبهم. ويحتمل أن يكون بمعنى خلق فيتعدَّى لواحد، ويكون الجارُّ قبله حالاً فيتعلَّق بمحذوف، لأنه لو تأخر لوقع صفةً ل «أَكِنَّة» ويُحتمل أن يكونَ بمعنى «ألقى» فتتعلق «على» بها كقولك: «ألقيت على زيدٍ كذا» وقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾ [طه: ٣٩] .
وهذه الجملةُ تحتمل وجهين، أظهرهما: أنها مستأنفة سيقت للإِخبار بما تضمَّنَتْه من الخَتْم على قلوبهم وسمعهم. ويُحْتمل أن تكون في محلِّ نصب على الحال، والتقدير: مَنْ يستمع في حال كونه مجعولاً على قلبه كِنانٌ وفي أذنه وَقْرٌ، فعلى الأول يكون قد عطف جملةً فعلية على اسمية، وعلى الثاني تكون الواو للحال، و «قد» مضمرة، بعدها عند مَنْ يقدِّرها قبل الماضي الواقع حالاً.
والأَكِنَّة: جمع كِنان وهو الوعاء الجامع. قال:
١٨٨ - ٣- إذا ما انْتَضْوها في الوغَى مِنْ أكنَّةٍ ... حَسِبْتَ بروقَ الغيث تأتي غيومُها
وقال بعضهم: «الكِنُّ - بالكسر - ما يُحْفَظُ فيه الشي، وبالفتح المصدر. يقال: كنَّنْتُه كِنَّاً أي: جعلتُه في كِنّ، وجُمِعَ على أَكْنان قال تعالى: ﴿مِّنَ الجبال أَكْنَاناً﴾ [النحل: ٨١] . والكِنانُ: الغِطاء الساتر، والفعل من هذه المادة
стр. 3134
يُستعمل ثلاثياً ورباعياً، يقال: كَنَنْتُ الشيء وأكنَنْتُه كِنَّاً وأكناناً، إلا أنَّ الراغبَ فرَّقَ بين فَعَل وأَفْعل فقال:» وخُصَّ كَنَنْتُ بما يَسْتُرُ من بيتٍ أو ثوب أو غير ذلك من الأجسام، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الصافات: ٤٩] وأكنَنْتُ بما يُسْتَرُ في النفس، قال تعالى: ﴿أَوْ أَكْنَنتُمْ في أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] . قلت: ويَشْهد لما قال قوله أيضاً: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ﴾ [الواقعة: ٧٧٧٨] وقوله تعالى: ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ [القصص: ٦٩] . وكِنانُ يُجْمع على أكِنَّة في القلة والكثرة لتضعيفه، وذلك أن فَعالاً وفِعالاً بفتح الفاء وكسرها يُجْمع في القلة على أَفْعِله كأَحْمِرَة واقْذِلة وفي الكثرة على فُعُل كحُمُر وقُذُل، إلا أن يكونَ مضاعفاً ك «بَتَات» و «كِنان» أو معتلَّ اللام كخِباء وقَباء فيُلْتَزَمَ جَمْعُه على أَفْعِلة، ولا يجوز على فُعُل إلا في قليلٍ من الكلام كقولهم عُنُن وحُجُج في جمع عِنان وحِجاج.
قوله: ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾ في محلِّ نصب على المفعول من أجله، وفيه تأويلان سَبَقا، أحدهما: كراهةَ أن يفقهوه، وهو رأيُ البصريين، والثاني: حَذْفُ «لا» أي: أن لا يفقهوه، وهو رأيُ الكوفيين.
стр. 3135
قوله: ﴿وَقْراً﴾ عطفٌ على «أَكِنَّة» فينصبُ انتصابَه، أي: وجَعَلْنا في آذانهم وقراً. و «في آذانهم» كقوله «على قلوبهم» وقد تقدَّم أنَّ «جَعَل» يَحْتمل معانيَ ثلاثةً فيكونُ هذا الجار مبنيَّاً عليها مِنْ كونه مفعولاً ثانياً قُدِّمَ، أو متعلقاً بها نفسِها أو حالاً.
والجمهور على فتح الواو من «وَقْراً» وقرأ طلحة بن مصرف بكسرها والفرق بين الوَقْر والوِقْر أنَّ المفتوح هو الثِّقل في الأذن، يُقال منه: وَقَرِتْ أذنه بفتح القاف وكَسْرِها، والمضارع تَقِر وتَوْقَر بحسب الفعلين ك تَعِد وتَوْجَل. وحكى أبو زيد: أذنٌ مَوْقورة، وهو جارٍ على القياس، ويكون فيه دليلٌ على أن وَقَر الثلاثي يكون متعدِّياً، وسُمِع «أذن مُوْقَرَة» والفعل على هذا أَوْقَرْتُ رباعياً كأكرم. والوِقْر - بالكسر - الحِمْل للحمار والبغل ونحوهما، كالوسَق للبعير، قال تعالى: ﴿فالحاملات وِقْراً﴾ [الذاريات: ٢] فعلى هذا قراءةُ الجمهور واضحة أي: وجَعَلْنا في آذانهم ثِقَلاً أي: صَمَماً. وأمَّا قراءةُ طلحة فكأنه جَعَلَ آذانهم وَقِرت من/ الصَّمَم كما تُوْقَرُ الدابة بالحِمْل، والحاصل أن المادَّة تدلُّ على الثِّقَل والرِّزانة، ومنه الوَقار للتُّؤَدة والسَّكينة، وقوله تعالى: ﴿وفي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ فيه الفصلُ بين حَرْفِ العطف وما عَطَفه بالجار مع كونِ العاطف على حرفٍ واحد وهي مسألة خلافٍ تقدَّم تحقيقُها في قوله: ﴿أَن تُؤدُّواْ الأمانات إلى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] والظاهر أن هذه الآيةَ ونظائرها مثلُ قوله: ﴿آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] ليس مما فُصِل فيه بين العاطِف ومعطوفِه. وقد حقَّقْتُ جميع ذلك في الموضعِ المُشارِ إليه.
قوله: ﴿حتى إِذَا جَآءُوكَ﴾ قد تقدَّم الكلام في «حتى» الداخلة على «إذا»
стр. 3136
في أول النساء. وقال أبو البقاء هنا: «إذا» في موضع نصب بجوابها وهو «يقول» وليس ل «حتى» هنا عملٌ وإنما أفادَتْ معنى الغاية كما لا تعمل في الجمل «. وقال الحوفي:» حتى «غاية، و» يُجادلونك «حال، و» تقولُ «جوابُ» إذا «وهو العامل في» إذا «وقال الزمخشري:» هي «حتى» التي تقع بعدها الجمل، والجملةُ قولُه: ﴿حتى إِذَا جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ﴾ ، و «يجادلونك» في موضع الحال، ويجوزُ أن تكونَ الجارَّةَ، ويكون «إذا جاؤوك» في محل الجَرِّ بمعنى: حتى وقت مجيئهم، ويجادلونك حال، وقوله: ﴿يَقُولُ الذين كفروا﴾ تفسير له، والمعنى: أنه بلغ تكذيبُهم الآياتِ إلى أنهم يجادلونك ويناكرونك، وفسَّر مجادلتهم بأنهم يقولون: إنْ هذا إلا أساطير الأولين.
قال الشيخ: «وقد وُفِّق الحوفي وأبو البقاء وغيرُهما للصواب في ذلك، ثم ذكر عبارة أبي البقاء والحوفي. وقال أيضاً:» و «حتى» إذا وقع بعدها «إذا» يُحْتمل أن تكونَ بمعنى الفاء، ويُحتمل أن تكون بمعنى إلى أن، فيكون التقدير: فإذا جاؤوك يجادلونك يقول، أو يكون التقدير: وجَعَلْنا على قلوبهم أَكِنَّة، وكذا إلى أَنْ قالوا: إنْ هذا إلا أساطير الأولين، وقد تقدَّم أن «يُجادِلونك» حالٌ من فاعل «جاؤوك» و «يقول» : إمَّا جواب «إذا» وإمَّا مفسِّرةٌ للمجيء كما تقدَّم تقريره.
و «أساطير» فيه أقوال، أحدها: أنه جمع لواحد مقدر، واختُلِفَ في ذلك المقدَّر فقيل: أُسْطورة، وقيل: أَسْطارة، وقيل: أُسْطور، وقيل: أَسْطار،
стр. 3137
وقيل: إسْطير وقال بعضهم: بل لُفِظَ بهذه المفردات. والثاني: أنه جمعُ جمعٍ، فأساطير جمع أَسْطار، وأَسْطار جمع سطَر بفتح الطاء، وأما سَطْر بسكونها فجمعُه في القلة على أَسْطُر، وفي الكثرة على سُطور كفَلْس وأَفْلُس وفُلوس. والثالث: أنه جَمْعُ جَمْعِ الجمع، فأساطير جمع أَسْطار، وأَسْطار جمع أَسْطُر، وأَسْطُر جمع سَطْر. وهذا مرويٌّ عن الزجاج. وهذا ليس بشيء، فإنَّ «أَسْطار» ليس جمعَ أَسْطُر، بل هما مثالا جمع قلة. الرابع: أنه اسم جمع، قال ابن عطية: «وقيل: هو اسم جمعٍ لا واحد له من لفظه» وهذا ليس بشيء؛ لأنَّ النحويين قد نصُّوا على أذا كان على صيغة تَخُصُّ الجموعَ لم يُسمُّوه اسم جمع بل يقولون هو جمعٌ كعباديد وشماطيط. وظاهر كلام الراغب أن أساطير جمع سَطَر بفتح الطاءِ فإنه قال: «وجمعُ سَطَر - يعني بالفتح - أسطار وأساطير» ووقال المبرد: «هي جمع أُسْطورة نحو أُرْجوحة وأراجيح وأُحْدُوثه وأحاديث» ومعنى الأساطير الأحاديث الباطلة والتُرَّهات ممَّا لا حقيقةَ له.
стр. 3138
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ : في الضميرين - أعني هم وهاء «عنه» - أوجه، أحدها: أن المرفوع يعود على الكفار، والمجرور يعود على القرآن، وهو أيضاً الذي عاد عليه الضميرُ المنصوب من «يَفْقهوه» ، والمشارُ إليه بقولهم: «إنْ هذا» والثاني: أنَّ «هم» يعود على مَنْ تقدَّم ذِكْرُهم مِن الكفار، وفي «عنه» يعود على الرسول، وعلى هذا فقيه التفاتٌ من الخطاب إلى الغَيْبة، فإن قوله: ﴿جَآءُوكَ يُجَادِلُونَكَ﴾ خطاب للرسول، فخرج
стр. 3139
من هذا الخطاب إلى الغَيْبة. وقيل: يعود على المرفوع على أبي طالب وأتباعه.
وفي قوله ﴿يَنْهَوْنَ﴾ و ﴿وَيَنْأَوْنَ﴾ تجنيس التصريف، وهو عبارة عن انفراد كل كلمة عن الأخرى بحرف فينهَوْن انفردت بالهاء، ويَنْأَوْن بالهمزة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ﴾ [الكهف: ١٠٤] ﴿بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ. . . . . . وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ [غافر: ٧٥] وقوله ﵇: «الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخيرُ» وبعضهم يسمِّيه «تجنيس التحريف» وهو الفرق بين كلمتين بحرف، وأنشدوا:
١٨٨ - ٤- إنْ لم أشُنَّ على أبن حرب غارةً ... لم تَخْلُ يوماً من نِهاب نفوسِ
وذكر غيره أن تجنيسَ التحريف هو أن يكون الشكل فرقاً بين كلمتين، وجعل منه «اللُّهى تفتح اللَّهى» وقد تقدم تحقيق ذلك. وقرأ الحسن البصري «ويَنَوْن» بإلقاء حركة الهمزة على النون وحذفها، وهو تخفيف قياسي. والنَّأيُ: البُعْد، قال:
١٨٨ - ٥- إذا غيَّر النأيُ المُحِبِّين لم يَزَلْ ... رَسِيسُ الهوى مِنْ حُبِّ مَيَّةَ يبرحُ
وقال آخر:
١٨٨ - ٦- ألا حَبَّذا هندٌ وأرضٌ بها هندُ ... وهندٌ أتى مِنْ دونها النأيُ البعدُ
стр. 3140
عطف الشيء على نفسه للمغايرة اللفظية، يقال: نأى زيد يَنْأى نأياً، ويتعدَّى بالهمزة فيقال: أَنْأيْتُه، ولا يُعَدَّى بالتضعيف، وكذا كلُّ ما كان عينه همزة. ونقل الواحدي أنه يقال: نَأَيْتُه بمعنى نَأَيْتُ عنه، أنشد المبردِ:
١٨٨ - ٧- أعاذِلُ إن يُصْبحْ صَداي بقَفْرَةٍ ... بعيداً نآني صاحبي وقريبي
أي: نأى عني. وحكى اللَّيث: «نَأَيْت الشيء» أي: أبعدته، وأنشد:
١٨٨ - ٨- إذا ما التَقَيْنا سالَ من عَبَراتنا ... شآبيب يُنْآى سَيْلُها بالأصابع
فبناه للمفعول أي: يُنَحَّى ويُبْعَد. والحاصلُ أن هذه المادةَ تدلُّ على البُعْد، ومنه: أَتَنَأَّى أي: أفتعلُ النَّأيَ. والمَنْأى: الموضع البعيد، قال النابغة:
١٨٨ - ٩- فإنَّك كالموتِ الذي هو مُدْرِكي ... وإنْ خِلْتُ أنَّ المُنْتأى عنك واسعُ
وتناءَى: تباعَدَ، ومنه النُّؤيُ للحُفَيْرة التي حول الخِباء لتُبْعِدَ عنه الماء. وقُرِئ: ﴿وناءَ بجانبه﴾ وهو مقلوبٌ مِنْ نأى، ويدل على ذلك أن الأصلَ هو المصدرُ وهو النَّأْيُ بتقديم الهمزة على حرف العلة.
قوله: ﴿وَإِن يُهْلِكُونَ﴾ «إنْ» نافيةٌ كالتي في قوله: ﴿إِنْ هاذآ﴾ [الأنعام: ٢٥] ، و «أنفسهم» مفعولٌ، وهو استثناء مفرغ، ومفعول «يَشْعرون» محذوف: إمَّا اقتصاراً وإمَّا اختصاراً، أي: وما يشعرون أنهم يُهْلكون أنفسَهم.
стр. 3141
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ ترى﴾ : جوابها محذوف لفَهْمِ
стр. 3142
المعنى، التقدير: لرأيت شيئاً عظيماً وهَوْلاً مُفْظِعاً. وحَذْفُ الجواب كثيرٌ في التنزيل وفي النظم، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً﴾ [الرعد: ٣١] وقول الآخر:
١٨٩ - ٠- وجَدِّك لو شيءٌ أتانا رسولُه ... سِواك ولكن لم نَجِدْ لك مَدْفَعا
وقوله:
١٨٩ - ١- فلو أنها نفسٌ تموتُ جميعةً ... ولكنها نفسٌ تساقَطُ أنفُسَا
وقوله:
١٨٩ - ٢- كَذَبَ الغواذِلُ لو رَأَيْنَ مُنَاخَنَا ... بحَزيزِ رامةَ والمَطِيُّ سَوَامي
وحَذْفُ الجواب أبلغُ: قالوا: لأنَّ السَّامع تَذْهَبُ نفسُه كلَّ مذهب، فلو صُرِّح له بالجواب وَطَّن نفسَه عليه فلم يَخْشَ منه [كثيراً، ولذلك قال كثير:
١٨٩ - ٣- فقلتُ لها يا عَزُّ كلُّ مصيبةٍ ... إذا وُطِّنَتْ لها النفسُ ذَلَّتِ]
و «ترى» يجوز أن تكونَ بَصَريةً ومفعولُها محذوف، أي: ولو ترى حالَهم، ويجوز أن تكونَ القلبيةَ، والمعنى: ولو صَرَفْتَ فكرَك الصحيح لأن تَتَدبَّر حالَهم لازْدَدْتَ يقيناً.
وفي «لو» هذه وجهان، أظهرهما: أنها الامتناعية فينصرف المضارع بعدها للمضيِّ، ف «إذ» باقية على أصلها من دلالتها على الزمن الماضي،
стр. 3143
وهذا وإن كان لم يقعْ بعدُ لأنه سيأتي يوم القيامة إلا أنه أُبْرِزَ في صورة الماضي لتحَقُّقِ الوعد. والثاني: أنها بمعنى «إنْ» الشرطية «و» إنْ «هنا تكون بمعنى» إذا «والذي حَمَلَ هذا القائلَ على ذلك كونُه لم يقعْ بعدُ، وقد تقدَّم تأويله.
وقرأ الجمهور: ﴿وُقِفُوا﴾ مبنياً للمفعول من وقف ثلاثياً. و» على «يُحْتمل أن تكونَ على بابها وهو الظاهر أي: حُبِسوا عليها، وقيل: يجوز أن تكون بمعنى في، وليس بذاك. وقرأ ابن السَّمَيْفَع وزيد بن علي:» وَقَفوا «مبنياً للفاعل. و» وقف «يتعدَّى ولا يتعدَّى، وفرَّقَتِ العرب بينهما بالمصدر، فمصدرُ اللازم على فُعول، ومصدرُ المتعدِّي على فَعْل، ولا يقال: أَوْقَفْتُ. قال أبو عمرو بن العلاء:» لم أسمعْ شيئاً في كلام العرب: أوقفت فلاناً، إلا أَنِّي لو رأيت رجلاً واقفاً فقلت: له: «ما أوقفك ههنا» لكان عندي حسناً «وإنما قال كذلك لأنَّ تعدِّيَ الفعل بالهمزة مقيس نحو: ضحك زيد وأضحكته أنا، ولكن سَمِعَ غيره في» وقف «المتعدي أوقفته. قال الراغب:» ومنه - يعني من لفظِ وَقَفْتُ القومَ - استُعير وَقَفْتُ الدابة إذا سَبَلْتُها «فَجَعَل الوقفَ حقيقةً في مَنْع المشي وفي التسبيل مجازاً على سبيل الاستعارة، وذلك أن الشيء المُسْبَل كأنه ممنوع من الحركة، والوَقْفُ لفظُ مشترك بين ما تقدَّم وبين سِوار من عاج، ومنه:» حمار مُوَقَّفٌ بأرساغه مِثْلُ الوَقْف من البياض «.
قوله: ﴿ياليتنا﴾ قد تقدَّم الكلام في» يا «المباشِرة للحرف والفعل.
وقرأ: «ولا نُكَذِّبُ» و «نكونُ» برفعهما نافع وأبو عمرو وابن كثير والكسائي،
стр. 3144
وبنصبهما حمزةُ عن عاصم، وبرفع الأول ونصب الثاني ابن عامر وأبو بكر. ونقل الشيخ عن ابن عامر أنه نصبَ الفعلين، ثم قال بعد كلام طويل «قال ابن عطية: وقرأ ابن عامر/ في رواية هشام بن عمار عن أصحابه عن ابن عامر: ﴿ولا نكذِّبُ﴾ بالرفع، و» نكون «بالنصب» . فأما قراءة الرفع فيهما ففيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن الرفع فيهما على العطف على الفعل قبلهما وهو «نُرَدُّ» ، ويكونون قد تمنَّوا ثلاثة اشياء: الردَّ إلى دار الدنيا، وعدمَ تكذيبهم بآيات ربهم، وكونَهم من المؤمنين. والثاني: أن الواو واو الحال، والمضارع خبر مبتدأ مضمر، والجملة الاسمية في محصل نصب على الحال من مرفوع «نُرَدُّ» ، والتقدير: يا ليتنا نُرَدُّ غيرَ مكذِّبين وكائنين من المؤمنين، فيكونُ تمنِّي الرد مقيَّداً بهاتين الحالَيْن، فيكونُ الفعلان أيضاً داخلَيْن في التمني.
وقد استشكل الناسُ هذين الوجهين: بأن التمني إنشاء، والإِنشاء لا يدخله الصدق ولا الكذب، وإنما يدخلان في الإِخبار، وهذا قد دخله الكذبُ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ وقد أجابوا عن ذلك بثلاثة أوجه أحدها - ذكره الزمشخري - قال: «هذا تمنِّ تضمَّنَ معنى العِدَة فجاز أن يدخلَه التكذيبُ كما يقول الرجل:» ليت اللَّهَ يرزقني مالاً فأُحْسِنَ إليك، وأكافئَك على صنيعك «فهذا مَتَمَنِّ في معنى الواعد، فلو رُزِق مالاً ولم يُحْسِنْ إلى صاحبه ولم يكافئه كذَّبَ، وصَحَّ أن يقال له كاذب، كأنه قال: إن رزقني الله مالاً أحسنت إليك.
стр. 3145
والثاني: أن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ليس متعلِّقاً بالمتمنَّى، بل هو مَحْضُ إخبار من الله تعالى بأنهم دَيْدَنهم الكذب وهِجِّيراهم ذلك، فلم يدخل الكذب في التمني. وهذان الجوابان واضحان، وثانيهما أوضح.
والثالث: أنَّا لا نُسَلِّم أن التمنِّي لا يَدْخُله الصدق والا الكذب، بل يدخلانه، وعُزِي ذلك إلى عيسى بن عمر. واحتجَّ على ذلك بقول الشاعر:
١٨٩ - ٤- مُنَىً إن تكن حقاً يكنْ أحسنَ المنى ... وإلاَّ فقد عِشنا بها زمناً رغْدا
قال:» وإذا جاز أن توصف المنى بكونها حقاً بجاز أن توصف بكونها باطلاً وكذباً «وهذا الجواب ساقط جداً، فإن الذي وُصِفَ بالحق إنما هو المنى، والمُنى جمع مُنْيَة والمُنْيَةُ توصف بالصدق والكذب مجازاً؛ لأنها كأنها تَعِد النفس بوقوعها فيُقال لِما وقع منها صادق ولِما لم يقع منها كاذب، فالصدق والكذب إنما دخلا في المُنْيَةِ لا في التمني.
والثالث من الأوجه المتقدمة ان قوله» ولا نكذِّبُ «خبر لمبتدأ محذوف، والجملة استنافية لا تعلُّقَ لها بما قبلها، وإنما عُطِفَتْ هاتان الجملتان الفعليَّتان على الجملة المشتملة على أداة التمني وما في حَيِّزها فليسَتْ داخلةً في التمني أصلاً، وإنما أخبر الله تعالى عنهم أنهم أَخْبروا عن أنفسهم بأنهم لا يُكَذِّبون بآيات ربهم، وأنَّهم يكونون من المؤمنين، فتكون هذه الجملة وما عُطِف عليها في محل نصبٍ بالقول، كأنَّ التقديرَ: فقالوا: يا ليتنا نُرَدُّ وقالوا: نحن لا نُكَذِّبُ ونكونُ من المؤمنين واختار سيبويه هذا الوجه، وشبَّهه بقولهم:» دعني ولا أعودُ «أي وأنا لا أعود تركتني أو لم تتركني، أي: لا أعود على كل حال، كذلك معنى الآية أَخْبروا أنهم لا يُكَذِّبون بآيات ربهم وأنهم يكونون من المؤمنين على كل حال، رُدُّوا أو لم يُرَدوا.
стр. 3146
وهذا الوجه وإن كان الناسُ قد ذكروه ورجَّحوه واختار سيبويه - كما مرَّ - فن بعضهم استشكل عليه إشكالاً وهو: أنَّ الكذبَ لا يقع في الآخرة فكيف وُصِفوا بأنهم كاذبون في الآخرة في قولهم «ولا نكذِّب ونكون» ؟ وقد أُجيب عنه بوجهين، أحدهما: أن قوله ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ استيثاقٌ لذَمِّهم بالكذب، وأن ذلك شأنهم كما تقدَّم ذلك آنفاً. والثاني: أنهم صَمَّموا في تلك الحال على أنهم لو رُدُّوا لَمَا عادوا إلى الكفر لِما شاهدوا من الأهوال والعقوبات، فأخبر الله تعالى أنَّ قولَهم في تلك الحال: «ولا نكذِّبُ» وإن كان عن اعتقاد وتصميم يتغيَّر على تقدير الرد ووقوع العَوْد، فيصير قولهم: «ولا نكذب» كذباً، كما يقول اللص عند ألم العقوبة: «لا أعود» ، ويعتقد ذلك ويصمم عليه، فإذا خُلِّص وعادَ كان كاذباً.
[وقد أجاب مكي أيضاً بجوابين، أحدهما] قريبٌ مما تقدَّم، والثاني لغيره، فقال: «أي: لكاذبون في الدنيا في تكذيبهم الرسل وإنكارهم البعثَ للحال التي كانوا عليها وقد أجاز أبو عمرو وغيره وقوعَ التكذيب في الآخرة لأنهم ادَّعَوا أنهم لو رُدُّوا لم يكذِّبوا بآيات الله، فعلمَ اللَّهُ ما لا يكون لو كان كيف يكون، وأنهم لو رُدُّوا لم يؤمنوا ولكذَّبوا بآيات الله، فأكذبهم الله في دعواهم» .
وأمَّا نَصْبُهما فبإضمار «أَنْ» بعد الواو التي بمعنى مع، كقولك: «ليت لي مالاً وأنفقَ منه» فالفعل منصوب بإضمار «أن» و «أنْ» مصدرية ينسبك منها ومن الفعل بعدها مصدرٌ، والواوُ حرف عطف فيستدعى معطوفاً عليه، وليس قبلها في الآية إلا فعلٌ فكيف يُعْطَفُ اسمٌ على فعل؟ فلا جَرَمَ أنَّا نقدِّر مصدراً
стр. 3147
متوهماً يُعْطَفُ هذا المصدر المنسبك من «أَنْ» وما بعدها عليه، والتقدير: يا ليتنا لنا رَدُّ وانتفاءُ تكذيب بآيات ربنا وكون من المؤمنين، أي: ليتنا لنا ردُّ مع هذين الشيئين، فيكون عدمُ التكذيب والكونُ من المؤمنين مُتَمَنَّيَيْنِ أيضاً، فهذه الثلاثةُ الأشياءِ: أعني الردَّ وعدمَ التكذيب والكونَ من المؤمنين متمنَّاةٌ بقيد الاجتماع، لا أنَّ كلَّ واحدٍ متمنَّى وحدَه؛ لأنه كما قَدَّمْتُ لك: هذه الواوُ شرطُ إضمار «أنْ» بعدها: أن تصلح «مع» في مكانها، فالنصبُ يُعَيِّنُ أحدَ محتملاِتها في قولك «لا تأكلِ السمك وتشرب اللبن» وشبهه، والإِشكالُ المتقدم وهو إدخال التكذيب على التمني واردٌ هنا، وقد تقدم جواب ذلك، إلا أن بعضَه يتعذَّر ههنا: وهو كون لا نكذِّبُ، ونكونُ «متسأنَفَيْن سِيقا لمجرد الإِخبار، فبقي: إمَّا لكون التمني دخله معنى الوعد، وإمَّا أن قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ليس راجعاً إلى تمنِّيهم، وإمَّا لأنَّ التمنِّي يدخله التكذيب، وقد تقدَّم فساده.
وقال ابن الأنباري: «أَكْذَبَهم في معنى التمني؛ لأن تمنِّيَهم راجعٌ إلى معنى:» نحن لا نكذِّب إذا رُدِدْنا «فغلَّب تأويلَ الكلام فأكذبهم، ولم يُسْتعمل لفظ التمني» وهذا الذي قاله ابن الأنباري تقدَّم معناه بأوضح من هذا. قال الشيخ: «وكثيراً ما يوجد في كتب النحو أنَّ هذه الواوَ المنصوبُ بعدها هو على جواب التمني، كما قال الزمخشري:» وقرئ: ولا نكذِّبَ ونكونَ بالنصب بإضمار أَنْ على جواب التمني، ومعناه: إنْ رُدِدْنا لم نكذِّبْ ونكنْ من المؤمنين «. قال:» وليس كما ذكر، فإنَّ نَصْبَ الفعل بعد الواو ليس على جهة الجواب؛ لأنَّ الواوَ لا تقع [في] جواب الشرط فلا ينعقد
стр. 3148
ممَّا قبلها ولا ممَّا بعدها شرط وجواب، وإنما هي واو «مع» يُعْطَفُ ما بعدها على المصدر المتوهَّم قبلها، وهي واو العطف يتعيَّنُ مع النصب أحدُ محامِلها الثلاثة: وهي المعيَّةُ ويُمَيِّزها من الفاء تقديرُ «مع» موضعها، كما أن فاء الجواب إذا كان بعدها فعلٌ منصوب ميِّزها تقدير شرطٍ قبلها أو حال مكانها. وشُبْهَةُ مَنْ قال إنها جواب أنها تنصب في المواضع التي تنصب فيها الفاء فتوهَّم أنها جواب. وقال سيبويه: «والواو تنصب ما بعدها في غير الواجب من حيث انتصب ما بعد الفاء، والواو والفاء معناهما مختلفان، ألا ترى:
١٨٩ - ٥- لا تَنْهَ عن خلق وتأتيَ مثله ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لو دخلت الفاءُ هنا لأفسدت المعنى، وإنما أراد: لا تجمع النهيَ والإِتيان وتقول:» لا تأكلِ السمكَ وتشربَ اللبن «لو أَدْخَلْتَ الفاء فَسَدَ المعنى» قال الشيخ: «ويوضِّح لك أنها ليست بجوابٍ انفرادُ الفاءِ دونها بأنها إذا حُذِفت انجزم الفعلُ بعدها بما قبلها لِما تضمَّنه من معنى الشرط إلا في النفي، فإن ذلك لا يجوز» . قلت: قد سبق الزمخشري إلى هذه العبارة أبو إسحاق الزجاج شيخُ الجماعة. قال أبو إسحاق: «نصبٌ على الجواب بالواو في التمني كما تقول:» ليتك تصير إلينا ونكرمَك «المعنى: ليت مصيرَك يقع وإكرامَنا، ويكون المعنى: ليت ردَّنا وقع وأن لا نكذِّب» .
وأمَّا كونُ الواو ليست بمعنى الفاء فصحيحٌ، على ذلك جمهورُ النحاة. إلى أني رأيت أبا بكر ابن الأنباري خرَّج النصب على وجهين، أحدهما: أن
стр. 3149
الواو بمعنى الفاء. قال أبو بكر: «في نصب» نكذِّبَ «وجهان، أحدهما: أن الواو مُبْدَلةٌ من الفاء، والتقدير: يا ليتنا نُرَدُّ فلا نكذِّبَ ونكونَ، فتكون الواو هنا بمنزلة الفاء في قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المحسنين﴾ [الزمر: ٥٨] يؤكد هذا قراءةُ ابنِ مسعود وابن أبي إسحاق:» يا ليتنا نردُّ فلا نكذبَ «بالفاء منصوباً. والوجه الآخر: النصب على الصرف ومعناه الحال، أي: يا ليتنا نُرَدُّ غيرَ مكذِّبين/.
وأمَّا قراءة ابن عامر - برفع الأول ونصب الثاني - فظاهرةٌ بما تقدَّم؛ لأنَّ الأولَ يرتفع على حدِّ ما تقدَّم من التأويلات، وكذلك نصبُ الثاني يتخرَّج على ما تقدَّم، ويكون قد أدخل عدم التكذيب في التمني أو استأنفه، إلا أنَّ المنصوبَ يحتمل أن يكون من تمام قوله» نُرَدُّ «أي: تَمَنَّوا الردَّ مع كونهم من المؤمنين، وهذا ظاهر إذا جَعَلْنا» ولا نكذِّب «معطوفاً على» نردُّ «أو حالاً منه. وأما إذا جَعَلْنا» ولا نكذِّبُ «مستأنفاً فيجوز ذلك أيضاً ولكن على سبيل الاعتراض، ويحتمل أن يكونَ من تمامِ» ولا نكذِّب «أي: لا يكونُ منا تكذيب مع كوننا من المؤمنين، ويكون قوله» ولا نكذب «حينئذ على حاله، أعني مِنْ احتماله العطفَ على» نُرَدُّ «أو الحالية أو الاستئناف، ولا يخفى حينئذٍ دخولُ كونِهم مع المؤمنين في التمني وخروجُه منه بما قرَّرْتُه لك.
وقُرئ شاذاً عكسَ قراءة ابن عامر، أي: بنصب» نكذبَ «ورفع» نكون «وتخريجها على ما تقدم، إلا أنها يضعف فيها جَعْلُ» ونكونُ من المؤمنين «حالاً لكونه مضارعاً مُثْبَتاً إلا بتأويل بعيد كقوله:
١٨٩ - ٦-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... نَجَوْتُ وأَرْهَنُهم مالكاً
أي: وأنا أَرْهَنُهم، وقولهم:» قمتُ وأصكُّ عينه «، ويدل على حذف هذا المبتدأ قراءةُ أُبيٍّ:» ونحن نكونُ من المؤمنين «.
стр. 3150
قوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا﴾ : «بل» هنا لانتقالٍ من قصة إلى أخرى وليست للإِبطالِ، وعبارةُ بعضهم توهم أن فيها إبطالاً لكلام الكفرة فإنه قال: «بل» رَدٌّ لِما تمنَّوه، أي: ليس الأمر على ما قالوه لأنهم لم يقولوا ذلك رغبةً في الإِيمان، بل قالوه إشفاقاً من العذاب وطمعاً في الرحمة. قال الشيخ: «ولا أدري ما هذا الكلام؟» . قلت: ولا أدري ما وَجْهُ عدمِ الدراية منه؟ وهو كلام صحيح في نفسه، فإنهم لمَّا قالوا: يا ليتنا كأنهم قالوا تمنَّيْنا، ولكن هذا التمنِّيَ ليس بصحيح، لأنهم إنما قالوه تقيَّةً، فقد يتمنى الإِنسان شيئاً بلسانه وقلبه فارغ منه. وقال الزجَّاج «بل» هنا استدراكٌ وإيجابُ نفي كقولهم: ما قام زيد بل قام عمرو «. قال الشيخ:» ولا أدري ما النفيُ الذي سَبَق حتى توجَبه «بل» ؟ قلت: الظاهرُ أنَّ النفي الذي أراده الزجاج هو الذي في قوله: ﴿وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ إذا جعلناه مستأنفاً على تقدير: ونحن لا نكذِّبُ، والمعنى: بل إنهم مُكَذِّبون.
وفاعلُ «بدا» قوله: ﴿مَّا كَانُواْ﴾ و «ما» يجوز أن تكونَ موصولةً اسميةً وهو الظاهر، أي: ظهر لهم الذي كانوا يُخْفونه. والعائد محذوف. ويجوز أن تكونَ مصدريةً، أي ظهر لهم إخفاؤهم، أي: عاقبته، أو أُطْلِق المصدرُ على اسم المفعول، وهو بعيد، والظاهر أن الضميرين: أعني المجرورَ والمرفوعَ في قوله ﴿بَدَا لَهُمْ مَّا كَانُواْ يُخْفُونَ﴾ عائدان على شيء واحد، وهم الكفار أو اليهود والنصارى خاصة، وقيل: المجرورُ للأتباع والمرفوعُ للرؤساء، أي: بل بدا للأتباع ما كان الوجهاء المتبعون يُخْفُونه.
قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّواْ﴾ قرأ الجمهور بضم الراء خالصاً. وقرأ الأعمش
стр. 3151
ويحيى بن وثاب وإبراهيم: «رِدُّوا» بكسرها خالصاً. وقد عَرَفْتَ أن الفعلَ الثلاثي المضاعف العين واللام يجوز في فائه إذا بُني للمفعول ثلاثة الأوجه المذكورة في فاء المعتل العين إذا بُني للمفعول نحو: قيل وبيع، وقد تقدَّم ذلك. وقال الشاعر:
١٨٩ - ٧- وما حِلَّ مِنْ جهلٍ حُبا حُلمائِنا ... ولا قائلُ المعروف فينا يُعَنَّفُ
بكسر الحاء.
قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ تقدَّم الكلام على هذه الجملة: هل هي مستأنفة أو راجعة إلى قوله ﴿يا ليتنا﴾ ؟
стр. 3152
قوله تعالى: ﴿وقالوا﴾ : هل هذه الجملة معطوفة على جواب «لو» والتقدير: ولو رُدُّوا لعادوا ولقالوا، أو هي مستأنفة ليست داخلةً في حَيِّز «لو» ، / أو هي معطوفةٌ على قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ ؟ ثلاثة أوجه، ذكر الزمخشري الوجهين الأول والآخِر فإنه قال: «وقالوا عطف على» لعادوا «أي: لو رُدُّوا لكفروا ولقالوا: إنْ هي إلا حياتنا الدنيا، كما كانوا يقولون قبل معاينة القيامة، ويجوز أن يُعْطف على قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ على معنى: وإنهم لقوم كاذبون في كل شيء» . والوجهُ الأولُ منقول عن ابن زيد، إلا أن ابن عطية ردَّه فقال: «وتوقيفُ اللَّهِ لهم في الآية بعدها على البعث والإِشارة إليه في قوله ﴿أَلَيْسَ هذا بالحق﴾ [آل عمران: ٣٠] يردُّ على هذا التأويل» . وقد يُجاب عن هذا باختلاف حالين: فإنَّ إقرارَهم بالبعث حقيقةً إنما هو في الآخرة، وإنكارَهم ذلك إنما هو الدنيا بتقدير عَوْدِهم إلى الدنيا، فاعترافهم به في الدار الآخرة غيرُ منافٍ لإِنكارهم إياه في الدنيا.
стр. 3153
قوله: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا﴾ «إنْ» نافية و «هي» مبتدأ، و «حياتُنا» خبرها، ولم يكتفُوا بمجرَّد الإِخبار بذلك حتى أبرزوها محصورةً في نفيٍ وإثبات، و «هي» ضمير مُبْهَم يفسِّره خبره، أي: ولا نعلم ما يُراد به إلا بذكر خبره، وهو من الضمائر التي يفسِّرها ما بعدها لفظاً ورتبة، وقد قَدَّمْتُ ذلك عند قوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٩] ، وكونُ هذا ممَّا يفسِّره ما بعده لفظاً ورتبةً فيه نظرٌ، إذ لقائل أن يقول «هي» تعود على شيء دلَّ عليه سياقُ الكلام، كأنهم قالوا: إنَّ العادةَ المستمرة أو إن حالتنا وما عَهِدْنا إلا حياتنا الدنيا، واستند هذا القائل إلى قولِ الزمخشري: «هذا ضميرٌ لا يُعْلَمُ ما يُراد به إلا بِذِكْر ما بعده» ومثَّل الزمخشري بقول العرب: «هي النفس تتحمَّل ما حَمَلَتْ» و «هي العرب تقول ما شاءت» .
وليس فيما قاله الزمخشري دليل له؛ لأنه يعني أنه لا يُعلم ما يعود عليه الضمير إلا بذكر ما بعده، وليس في هذا ما يدلُّ على أن الخبر مفسِّرٌ للضمير، ويجوز أن يكون المعنى: إنِ الحياة إلا حياتنا الدنيا، فقوله ﴿إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ دالٌّ على ما يفسِّر الضمير وهو الحياة مطلقاً، فَصَدَقَ عليه أنه لا يعمل ما يُراد به إلا بذكر ما بعده من هذه الحيثية لا من حيثيَّة التفسيرِ، ويدلُّ على ما قلتُه قولُ أبي البقاء: «هي كنايةٌ عن الحياة، ويجوز أن يكون ضميرَ القصة» .
قلت: أمَّا أولُ كلامِه فصحيحٌ، وأمَّا آخرُه وهو قوله: «إن هي ضمير القصة» فليس بشيء؛ لأن ضمير القصة لا يفسِّر إلا بجملةٍ مصرَّحٍ بجزْأَيْها. فإن قلت: الكوفي يجوِّزُ تفسيره بالمفرد فيكون نحا نحوَهم. فالجوابُ أن الكوفيَّ إنما يُجَوِّزه بمفرد عامل عملَ الفعل نحو: «إنه قائم زيد» «وظنتُه قائِماً زيدٌ» لأنه في صورة الجملة، إذ في الكلام مسندٌ ومسندٌ إليه. أما نحو «
стр. 3154
هو زيد» فلا يُجيزه أحدٌ، على أن يكونَ «هو» ضميرَ شأنٍ ولا قصة، والدنيا صفة الحياة، وليست صفةً مزيلةً اشتراكاً عارضاً، يعني أن ثَمَّ حياةً غيرَ دنيا يُقِرُّون بها، لأنهم لا يَعْرفون إلا هذه، فهي صفةٌ لمجرد التوكيد، كذا قيل، ويَعْنون بذلك أنها لا مفهومَ لها، وإلاَّ فحقيقةُ التوكيد غير ظاهرةٍ بخلاف ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣] . والباء في قوله «بمبعوثين» زائدةٌ لتأكيد الخبر المنفي، ويحتمل مجرورها أن يكونَ منصوبً المحلِّ على أنَّ «ما» حجازيةٌ، أو مرفوعةٌ على أنها تميمية.
стр. 3155
قوله تعالى: ﴿على رَبِّهِمْ﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أنه من باب الحذف، تقديره: على سؤال ربهم أو ملك ربهم أو جزاء ربهم. والثاني: أنه من باب المجاز؛ لأنه كنايةٌ عن الحَبْسِ للتوبيخ، كما يوقَفُ العبدُ بين يدي سيِّده ليعاتبَه، ذكر ذلك الزمخشري، ورجَّح المجاز على الحذف لأنه بدأ بالمجاز، ثم قال: «وقيل [وقُفوا] على جزاء ربهم» . وللناس خلافٌ في ترجيح أحدهما على الآخر. وجملة القول فيه أن فيه ثلاثةَ مذاهب، أشهرُها: ترجيحُ المجاز على الإِضمار، والثاني عكسُه، والثالث: هما سواء.
قوله: ﴿قَالَ أَلَيْسَ﴾ في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها استفهاميةٌ أي: جواب سؤال مقدر، قال الزمشخري: «قال» مردودٌ على قولِ قائلٍ قال: ماذا قال لهم ربُّهم إذا وُقِفوا عليه؟ فقيل: قال لهم: أليس هذا بالحق «. والثاني: أن تكون الجملة حالية، وصاحبُ الحال» ربُّهم «كأنه قيل: وُقِفوا عليه قائلاً: أليس هذا بالحق. والمشارُ إليه قيل: هو ما كانوا يكذِّبون به من البعث. وقيل: هو العذاب يدلُّ عليه ﴿فَذُوقُواْ العذاب﴾ .
следующие страницы →