Полный текст (10 772 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
بالغَدَوات والعَشِيَّات «جمع غداة وعشية، ورُوي عن أبي عبد الرحمن أيضاً» بالغدوِّ «بتشديد الواو من غير هاء.
قوله: ﴿يُرِيدُونَ﴾ هذه الجملةُ في محلِّ نصب على الحال من فاعل» يَدْعون «أو مِنْ مفعلوله، والأول هو الصحيح، وفي الكلام حَذْفٌ أي: يريدون بدعائهم في هذين الوقتين وجهَه.
قوله: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ » ما «هذه يجوز أن تكونَ الحجازيةَ الناصبة للخبر فيكون» عليك «في محل النصب على أنه خبرها، عند مَنْ يُجَوِّزُ إعمالَها في الخبر المقدَّم إذا كان ظرفاً أو حرف جر، وأمَّا إذا كانت تميميةً أو متعيَّناً إهمالُه في الخبر المقدم مطلقاً كان» عليك «في محل رفع خبراً مقدماً، والمبتدأ هو» مِنْ شيء «زِيْدت فيه» مِنْ «.
وقوله: ﴿مِنْ حِسَابِهِم﴾ قالوا: «مِنْ» بتعيضية وهي في محلِّ نصب على الحال، وصاحبُ الحال هو «مِنْ شيء» لأنها لو تأخرت عنه لكانت صفةً له، وصفةُ النكرة متى قُدِّمَتْ انتصبت على الحال، فعلى هذا تتعلَّق بمحذوفٍ، والعامل في الحال الاستقرار في «عليك» ، ويجوز أن يكون «من شيء» في محلِّ رفعٍ بالفاعلية ورافعُه «عليك» لاعتماده على النفي، و «مِنْ حسابهم» حالٌ أيضاً من «شيء» العمل فيها الاستقرار، والتقدير: ما استقرَّ عليك شيء من حسابهم. وأُجيز أن يكون «من حسابهم» هو الخبر: إمَّا ل «ما» وإمَّا للمبتدأ، «وعليك» حال من «شيء» ، والعامل فيها الاستقرار، وعلى هذا فيجوز أن يكون «من حسابهم» هو الرافع للفاعل على ذاك الوجه، و «عليك» حال أيضاً كما تقدم تقريره، وكون «من حسابهم» هو الخبر، و «عليك» هو الحال غيرُ واضح لأنَّ مَحَطَّ الفائدة إنما هو «عليك» .
وقوله: ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ﴾ كالذي قبله، إلا أنَّ هنا
стр. 3222
يمتنع بعض ما كان جائزاً هناك، وذلك أن قوله «من حسابك» لا يجوز أن يُنْصَبَ على الحال لأنه يلزمُ تقدُّمه على عامله المعنوي، وهو ضعيفٌ أو ممتنع، لا سيما وقد تقدَّمَتْ هنا على العامل فيها وعلى صاحبها، وقد تقدَّم لك أن الحال إذا كانت ظرفاً أو حرفَ جر كان تقديمُها على العامل المعنويِّ أحسنَ منه إذا لم يكن كذلك، فحينئذ لك أن تجعل قوله «مِنْ حسابك» بياناً لا حالاً ولا خبراً حتى تخرجَ من هذا المحذورِ، وكَوْنُ «مِنْ» هذه تبعيضيةً غيرُ ظاهر، وقدَّم خطابَه ﵇ في الجملتين تشريفاً له، ولو جاءت الجملة الثانية على نَمَط الأولى لكان التركيب: «وما عليهم مِنْ حسابك من شيء» فتقدَّم المجرور ب «على» كما قَدَّمه في الأولى، لكنه عَدَل عن ذلك لما تقدم.
وفي هاتين الجملتين ما يُسَمِّيه أهل البديع: ردَّ الأعجاز على الصدور، كقولهم: «عادات السادات سادات العادات» ، ومثله في المعنى قول الشاعر:
١٩٣ - ١- وليس الذي حَلَّلْتَه بمُحَلَّلٍ ... وليس الذي حَرَّمْتَه بمُحَرَّم
وقال الزمخشري: - بعد كلامٍ قَدَّمَه في معنى التفسير - «فإن قلت أما كفى قولُه: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ﴾ حتى ضمَّ إليه ﴿وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيءٍ﴾ قلت: قد جُعِلَتِ الجملتان بمنزلة جملة واحدة وقُصِد بهما مُؤدَّىً واحدٌ وهو المَعْنِيُّ بقوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] ، ولا يَسْتَقِلُّ بهذا المعنى إلا الجملتان جميعاً كأنه قيل: لا تُؤاخَدُ أنت ولا هم بحسابِ صاحبه» .
قال الشيخ: «قوله: لا تُؤاخَذُ أنت إلى آخره» تركيبٌ غير عربي،
стр. 3223
لا يجوزُ عَوْدُ الضمير هنا غائباً ولا مخاطباً، لأنه إنْ عاد غائباً فلم يتقدَّمْ له اسمٌ مفرد غائب يعود عليه، إنما تقدَّم قوله «هم» ولا يمكن العَوْدُ عليه على اعتقادِ الاستغناء بالمفرد عن الجمع، لأنه يصير التركيب بحساب صاحبهم، وإنْ أُعيد مخاطباً فلم يتقدم مخاطب يعود عليه، إنما تقدَّم قولُه «لا تُؤاخذ أنت» ولا يمكن العَوْدُ إليه، فإنه ضميرٌ مخاطب فلا يعودُ عليه غائباً، ولو أَبْرَزْته مخاطباً لم يَصِحَّ التركيب ايضاً، فإصلاحُ التركيبِ أن يقال: «لا يُؤاخذُ كلُّ واحدٍ منك ولا منهم بحسابِ صاحبه، أو لا تؤاخذ أنت بحسابهم ولا هم بحسابك، أو لا تؤاخذ أنت ولا هم بحسابكم» فتُغَلِّب الخطابَ على الغيبة كما تقول: «أنت وزيد تضربان» والذي يظهر أن كلامَ الزمخشري صحيحٌ، ولكنْ فيه حذفٌ وتقديره: لا يؤاخذ كل واحد: أنت ولا هم بحساب صاحبه، وتكون «انت ولا هم» بدلاً من كل واحد، والضمير، في «صاحبه» عائد على قوله «كل واحد» ، ثم إنه وقع في محذور آخر مما أَصْلَحَ به كلام أبي القاسم، وذلك أنه قال: «أولا تؤاخذ أنت ولا هم بحسابكم» وهذا التركيبُ يُحتمل أن يكونَ المرادُ - بل هو الظاهر - نفيَ المؤاخذة بحساب كل واحد بالنسبة إلى نفسه هو، لا أن كلَّ واحد غير مؤاخذ بحساب غيره، والمعنى الثاني هو المقصود.
والضمائر الثلاثة، أعني التي في قوله: ﴿مِنْ حِسَابِهِم﴾ و «عليهم» و «فتطردهم» الظاهر عَوْدُها على نوعٍ واحد وهم الذين يَدْعُون ربهم، وبه قال الطبري، إلا أنه فسَّر الحساب بالرزقِ الدنيويِّ. وقال الزمخشريّ وبان عطية: «إن الضميرَيْن الأوَّلَيْن يعودان على المشركين، والثالث يعود
стр. 3224
على الداعين» . قال الشيخ: «وقيل: الضميرُ في» حسابهم «و» عليهم «عائد على المشركين وتكون الجملتان اعتراضاً بين النهي وجوابه» ، وظاهر عبارته أن الجملتين لا تكونان اعتراضاً إلا على اعتقاد كون الضميرين «في حسابهم» و «عليهم» عائدَيْن على المشركين، وليس الأمرُ كذلك، بل هما اعتراضٌ بين النهي وهو «لا تَطْرُدِ» وبين جوابِه وهو فتكونَ «وإن كانت الضمائر كلها للمؤمنين، ويدل على ذلك أنه قال بعد ذلك في» فتكون «:» وجوَّزوا أن يكون جواباً للنهي في قوله ﴿وَلاَ تَطْرُدِ﴾ وتكون الجملتان وجوابُ الأول اعتراضاً بين النهي وجوابه «فجعلهما اعتراضاً مطلقاً من غير نظر إلى الضميرين.
ويعني بالجملتين «وما عليك من حسابهم مِنْ شيء» و «ما من حسابك عليهم من شيء» وبجواب الأول قوله ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ .
قوله تعالى: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ﴾ فيه وجهان، أحدهما: منصوب على جواب النهي بأحد معنيين فقط، وهو انتفاءُ الطَّرْدِ لانتفاء كون حسابهم عليه وحسابه عليهم، لأنه ينتفي المُسَبِّب بانتفاء سببه، ويتوضَّح ذلك في مثال وهو «ما تأتينا فتحدِّثنا» بنصب «فتحدِّثَنا» وهو يحتمل معنيين، أحدُهما: انتفاءُ الإِتيان وانتفاء الحديث، كأنه قيل: ما يكون منك إتيانٌ فكيف يقع منك حديث؟ وهذا المعنى هو مقصود الآية الكريمة أي: ما يكون مؤاخذةٌ كلِ واحدٍ بحساب صاحبه فيكف يقع طرد؟ والمعنى الثاني: انتفاء الحديث وثبوت الإِتيان كأنه قيل: ما تأتينا مُحَدِّثاً بل تأتينا غيرَ محدِّث. وهذا المعنى لا يليق بالآية الكريمة، والعلماء ﵏ وإن أطلقوا قولهم إنه منصوبٌ على جواب النفي، فإنما يريدون المعنى الأول دون الثاني: والثاني: أن يكون منصوباً على جواب النهي.
стр. 3225
وأما قوله «فتكونَ» ففي نصبه وجهان، أظهرهما: أنه منصوب عطفاً على «فتطردَهم» والمعنى: الإِخبار بانتفاء حسابهم، والطرد والظلم المسبب عن الطرد. قال الزمخشري: «ويجوز أن تكون عطفاً على» فتطردَهم «على وجه السبب، لأنَّ كونَه ظالماً مُسَبِّبٌ عن طردهم» .
والثاني من وجهي النصب: أنه منصوب على جواب النهي في قوله: «ولا تَطْرد» ولم يذكر مكي ولا الواحدي ولا أبو البقاء غيره. قال الشيخ: «وجوَّزوا أن يكون» فتكونَ «جواباً للنهي في قوله» لا تَطْرِدِ «كقوله: ﴿لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١] ، وتكون الجملتان وجوابُ الأول اعتراضاً بين النهي وجوابه» قلت: قد تقدَّم أن كونَهما اعتراضاً لا يتوقف على عَوْد الضميرين في قوله «مِنْ حسابهم» و «عليهم» على المشركين كما هو المفهوم من قوله ههنا، وإن كان كلامه قبل ذلك كما حَكَيْتُه عنه يُشْعر بذلك.
стр. 3226
قوله تعالى: ﴿وكذلك فَتَنَّا﴾ : الكاف في محصل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف والتقدير: ومثل ذلك الفُتُون المتقدِّم الذي فُهم من سِياق أخبار الأمم الماضية فَتَنَّا بعضَ هذه الأمةِ ببعض، فالإِشارةُ بذلك إلى الفتون المدلول عليه بقوله: ﴿فَتَنَّا﴾ ولذلك قال الزمخشري: «ومِثْل ذلك الفَتْن العظيم فُتِن بعض الناس ببعض» فجعلَ الإِشارة لمصدر «فتنَّا» ،
стр. 3227
وانظر كيف لم يتلفظ هو بإسناد الفتنة إلى الله تعالى في كلامه، وإن كان الباري تعالى قد أَسْندها، بل قال: «فُتِن بعضُ الناس» فبناه للمفعول على قاعدة المعتزلة.
وجعل ابنُ عطية الإِشارةَ إلى طلب الطرد فإنه قال بعد كلام يتعلق بالتفسير: «والإِشارة بذلك إلا ما ذُكِرَ مِنْ طلبهم أنْ يطرد الضعفة» . قال الشيخ: «ولا ينتظم هذا التشبيه، إذ يصير التقدير: مثل طلب الطرف فتنَّا بعضهم [ببعض] ، والمتبادر إلى الذهن من قولك:» ضربْتُ مثل ذلك «المماثلةُ في الضرب، أي: مثل ذلك الضرب لا أن تقع المماثلة في غير الضرب، وقد تقدم غير مرة أن سيبويه يجعل مثل ذلك حالاً من ضمير المصدر المقدر.
قوله: ﴿ليقولوا﴾ في هذه اللام وجهان، أظهرهما: - وعليه أكثر المعربين والمفسِّرين - أنها لام كي، والتقدير: ومثل ذلك الفُتُون فَتَنَّا ليقولوا هذه المقالة ابتلاءً منا وامتحانا. والثاني: أنها لام الصيرورة أي العاقبة كقوله:
١٩٣ - ٢- لِدُوا للموتِ وابنُوا للخراب ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً﴾ [القصص: ٨] ويكونُ قولهم» أهؤلاء «إلى آخره، صادراً على سبيل الاستخفاف.
стр. 3228
قوله: ﴿أهؤلاء﴾ يجوز في وجهان، أظهرهما: أنه منصوب المحل على الاشتغال بفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّره الفعل الظاهر، العامل في ضميره بوساطة» على «، ويكون المفسِّر من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، والتقدير: أفَضَّلَ الله هؤلاء منَّ عليهم، أو اختار هؤلاء مَنَّ عليهم، ولا محلَّ لقوله: ﴿مَنَّ الله عَلَيْهِم﴾ لكونها مفسرة، وإنما رجَّح هنا إضمار الفعل لأنه وقع بعد أداةٍ يغلب إيلاءُ الفعلِ لها. والثاني: أنَّه مرفوع لامحل على أنه مبتدأ والخبر: مَنَّ الله عليهم، وهذا وإن كان سالماً من الإِضمار الموجود في الوجه الذي قبله، إلا أنه مرجوحٌ لما تقدم، و» عليهم «متعلِّقٌ ب» مَنَّ «.
و ﴿مِّن بَيْنِنَآ﴾ يجوز أن يتعلَّق به أيضاً، قال أبو البقاء:» أي: ميَّزهم علينا، ويجوز أن يكون حالاً «قال أبو البقاء أيضاً:» أي: مَنَّ عليهم منفردين، وهذان التفسيران تفسيرا معنى لا تفسيرا إعراب، إلا أنه لم يَسُقْهما إلا تفسيرَيْ إعراب، والجملة من قوله: ﴿أهؤلاء مَنَّ الله﴾ في محلِّ نصب بالقول.
وقوله: ﴿بِأَعْلَمَ بالشاكرين﴾ الفرق بين التاءين أو الأولى لا تعلُّق لها لكونها زائدةً في خبر ليس، والثانية متعلقة بأعلم، وتَعدِّي العِلْم بها لِما ضُمِّن من معنى الإِحاطة، وكثيراً ما يقع ذلك في عبارة العلماء فيقولون: عَلِم بكذا، والعِلْم بكذا، لما تقدم.
стр. 3229
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَآءَكَ﴾ : «إذا» منصوب بجوابه أي: فقلْ: سَلامٌ عليكم وقتَ مجيئهم أي: أوقع هذا القول كلَّه في وقت مجيئهم إليك، وهذا معنى واضح. وقال أبو البقاء: «العامل في» إذا «معنى الجواب
стр. 3230
أي: إذا جاؤوك سلِّمْ عليهم» ولا حاجةَ تدعو إلى ذلك مع فوات قوة المعنى، لأن كونه يبلَّغهم السلام والإِخبارَ بأنه كتب على نفسه الرحمة، وأنه من عَمِل سوءاً بجهالة غفر له، لا يقوم مقامَه السَّلامُ فقط، وتقديره يُفْضي إلى ذلك.
وقوله: ﴿سَلاَمٌ﴾ مبتدأ وجاز الابتداء به وإن كان نكرةً لأنه دعاءٌ، والدعاء من المسوِّغات. وقال أبو البقاء: «لما فيه من معنى الفعل» وهذا ليس من مذهب جمهور البصريين إنما هو شيء نُقل عن الأخفش: أنه إذا كانت النكرة في معنى الفعل جاز الابتداء بها ورَفْعُها الفاعل وذلك نحو: قائمٌ أبواك، ونَقَل ابن مالك أن سيبويه أومأ إلى جوازه، واستدل الأخفش بقوله:
١٩٣ - ٣- خبيرٌ بنو لِهْبٍ فلاتك مُلْغِياً ... مقالةَ لِهْبِيِّ إذا الطيرُ مَرَّتِ
ولا دليلَ فيه؛ لأنَّ فَعيلاً يقع بلفظ واحد للمفرد وغيره، ف «خبير» خبرٌ مقدَّمٌ، واستدلَّ له أيضاً بقول الآخر:
١٩٣ - ٤- فخيرٌ نحنُ عند الناسِ منكمْ ... إذا الداعي المثوِّبُ قال يالا
فخير مبتدأ، و «نحن» فاعل سدَّ مَسَدَّ الخبر،
فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون «خير» خبراً مقدماً، «ونحن» مبتدأ
стр. 3231
مؤخر؟ قيل: لئلا يلزم الفصلُ بين أفعل و «مِنْ» بأجنبي بخلاف جَعْلِه فاعلاً، فإن الفاعلَ كالخبر بخلاف المبتدأ، وهذا القدرُ في هذا الموضع كافٍ والمسألةُ قد قرَّرتُها في غير هذا الموضوع، و «عليكم» خبرُه، و «سلام عليكم» أبلغُ من «سلاماً عليكم» . بالنصب، وقد تقرَّر هذا في أول الفاتحة عند قراءة «الحمدُ» و «الحمدَ» .
وقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ﴾ في محل نصب بالقول لأنه كالتفسير لقوله ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ .
قوله ﴿أنَّه، فأنَّه﴾ قرأ ابن عامر وعاصم بالفتح فيهما، وابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالكسر فيهما، ونافع بفتح الأولى وكسر الثاينة، وهذه القاراءتُ الثلاثُ في المتواتر، والأعرج بكسر الأولى وفتح الثانية عكسَ قراءة نافع، هذه رواية الزهراوي عنه وكذا الداني. وأمَّا سيبويه فروى قراءته كقراءة نافع، فيحتمل أن يكون عن روايتان. فأمَّا القراءة الأولى فَفَتْحُ الأولى فيها مِنْ أربعة أوجه، أحدها: أنها بدل من الرحمة بدل شيء من شيء والتقدير: كتب على نفسه أنه من عمل إلى آخره، فإنَّ نفس هذه الجملِ المتضمنةِ للإِخبار بذلك رحمة. والثاني: أنها في محل رفع على أنها مبتدأ، والخبر محذوف أي: عليه أنه من عمل إلى آخره.
والثالث: أنها فتحت على تقدير حذف حرف الجر، والتقدير: لأنه مَنْ عمل، فلما حُذِفت اللامُ جرى في محلها الخلاف المشهور. الرابع: أنها مفول ب «كتب» و «الرحمة» مفعول من أجله، أي: كتب أنه مَنْ عَمِل لأجل رحمته إياكم. قال الشيخ: «
стр. 3232
وينبغي أن لا يجوز لأن فيه تهيئة العامل للعمل وقَطْعَه منه» .
وأمَّا فَتْحُ الثانية فمن خمسة أوجه، أحدها: أنها في محل رفع على أنها مبتدأ والخبر محذوف أي: فغفرانُه ورحمتُه حاصلان أو كائنان، أو فعليه غفرانه ورحمته. وقد أجمع القرَّاء على فتح ما بعد فاء الجزاء في قوله: ﴿أَلَمْ يعلموا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣] ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّه﴾ [الحج: ٤] كما أجمعوا على كسرها في قوله: ﴿وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [الجن: ٢٣] الثاني: أنها في محل رفعٍ على أنها خبر مبتدأ محذوف أي: فأمرُه أو شأنه أنه غفور رحيم. الثالث: أنها تكريرٌ للأولى كُرِّرت لمَّا طال الكلام وعُطِفت عليها بالفاء، وهذا منقولٌ عن أبي جعفر النحاس. وهذا وهمٌ فاحش لأنه يلزم منه أحد محذورين: إمَّا بقاءُ مبتدأ بلا خير أو شرط بلا جواب، وبيان ذلك أن «مِنْ» في قوله: ﴿أَنَّهُ مَن عَمِلَ﴾ لا تخلو: إمَّا أن تكون موصولةً أو شرطية، وعلى كلا التقديرين فهي في محل رفع بالابتداء، فلو جعلنا «أن» الثانية، معطوفة على الأولى لزم عدم خبر المبتدأ وجواب الشرط، وهو لا يجوز.
قد ذكر هذا الاعتراضَ وأجاب عنه الشيخ شهاب الدين أو شامة فقال: «ومنهم مَنْ جعل الثانيةَ تكريراً للأولى لأجل طول الكلام على حد قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] ودخلت الفاء في»
стр. 3233
فأنه غفورٌ «على حَدِّ دخولها في ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ﴾ [آل عمران: ١٨٨] على قول مَنْ جعله تكريراً لقولَه: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٨] إلا أن هذا ليس مثلَ» أيعدكم أنَّكم «؛ لأنَّ هذه لا شرطَ فيها وهذه فيها شرط، فيبقى بغير جواب. فقيل: الجواب محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره: غفر لهم» انتهى. وفيه بُعْدٌ، وسيأتي هذا الجواب أيضاً في القراءة الثانية منقولاً عن أبي البقاء، وكان ينبغي أن يجيب به هنا لكنه لم يفعلْ، ولم يظهرْ فرقٌ في ذلك.
الرابع: أنها بدل من «أنَّ» الأولى، وهو قول الفراء والزجاج وهذا مردودٌ بشيئين، أحدهما: أنَّ البدلَ لا يَدْخُل فيه حرفُ عطف، وهذا مقترنٌ بحرفِ العطف، فامتنع أن يكون بدلاً. فإن قيل: نجعل الفاء زائدةً. فالجواب أن زيادتها غيرُ جائزة، وهي شيء قال به الأخفش، وعلى تقدير التسليم فلا يجوز ذلك من وجهٍ آخر: وهو خلوٌّ المبتدأ أو الشرط عن خبر أو جواب.
والثاني من الشيئين: خلوُّ المبتدأ أو الشرط عن الخبر أو الجواب، كما تقدَّم تقريره: فإن قيل: نجعل الجوابَ محذوفاً - كما تقدَّم نَقْلُه عن أبي شامة - قيل: هذا بعيدٌ عن الفَهْم.
الخامس: أنها مرفوعةٌ بالفاعلية، تقديره: فاستقرَّ له أنه غفورٌ أي: استقرَّ له وثَبَتَ غُفرانه، ويجوز أن نُقَدِّر في هذا الوجه جارَّاً رافعاً لهذا الفاعلِ عند الأخفش تقديره: فعليه أنه غفور، لأنه يُرْفَعُ به وإن لم يَعْتمد، وقد تقدَّم تحقيقهُ غيرَ مرَّة.
стр. 3234
وأما القراءة الثانية: فكسْرُ الأولى من ثلاثة أوجه، أحدها: أنها مستأنفة وأن الكلام تام قبلها، وجيء بها وبما بعدها كالتفسير لقوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة﴾ والثاني: أنها كُسِرَتْ بعد قولٍ مقدَّر أي: قال الله ذلك، وهذا في المعنى كالذي قبله. والثالث: أنه أجرى «كتب» مُجْرى «قال» فكُسِرَتْ بعده كما تُكْسرُ بعد القول الصريح، وهذا لا يتمشَّى على أصول البصريين. وأمَّا كَسْرُ الثانية فمن وجهين، أحدهما: أنها على الاستئناف، بمعنى أنها في صدر جملة وقعت خبراً ل «مَنْ» الموصولة، أو جواباً لها إن كانت شرطاً. والثاني: أنها عطفٌ على الأولى وتكرير لها، ويُعْترض على هذا بأنه يلزم بقاءُ المبتدأ بلا خبر أو الشرط بلا جزاء، كما تقدَّم ذلك في المفتوحتين.
وأجاب أبو البقاء هنا عن ذلك بأن خبر «مَنْ» محذوفٌ دلَّ عليه الكلام، وقد قدَّمْتُ لك أنه كان ينبغي أن يُجيب بهذا الجواب في المفتوحتين عند مَنْ جعل الثانية تكريراً للأولى أو بدلاً منها، ثم قال: «ويجوزُ أن يكونَ العائدُ محذوفاً أي: فإنه غفورٌ له» قلت: قوله «ويجوز» ليس بجيدٍ، بل كان ينبغي أن يقول ويجب، لأنه لا بد من ضمير عائد على المبتدأ من الجملة الخبرية، أو ما يقوم مقامه إن لم يكنْ نفسَ المبتدأ.
وأمَّا القراءةُ الثالثة: فيؤخذُ فتحُ الأولى وكَسْرُ الثانية مما تقدَّم مِنْ كسرِها وفتحها بما يليق من ذلك، وهو ظاهر.
وأمَّا القراءة الرابعة فكذلك وقال أبو شامة: «وأجاز الزجاجُ كَسْرَ
стр. 3235
الأولى وفَتْحَ الثانية وإن لم يُقرأ به» قلت: قد قدَّمْتُ أن هذه قراءةُ الأعرج وأن الزهراوي وأبا عمرو الداني نقلاها، عنه فكأن الشيخ لم يَطِّلِعْ عليها وقَدَّمْتُ لك أيضاً أنَّ سيبويه لم يَرْوِ عن الأعرج إلا كقراءة نافع، فهذا ممَّا يصلح أن يكون عذراً للزجاج، وأما أبو شامة فإنه متأخر، فعدمُ اطِّلاعِه عجيب.
والهاء في «أنَّه» ضمير الأمر والقصة. و «مَنْ» يجوز أن تكون شرطيةً وأن تكون موصولة، وعلى كل تقدير فهي مبتدأَةٌ، والفاءُ وما بعدها في محل جزم جواباً إن كانت شرطاً، وإلاَّ ففي محلِّ رفعٍ خبراً إن كانت موصولة، والعائد محذوف أي: غفول له.
والهاء في «بعده» يجوز أن تعود على «السوء» وأن تعود على العمل المفهوم من الفعل كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: ٨] ، والأولى أولى لأنه أصرح، و «منكم» متعلِّقٌ بمحذوف إذ هو حالٌ من فاعل «عمل» ، ويجوز أن تكون «مِنْ» للبيان فيعمل فيها «أعني» مقدراً.
وقوله ﴿بِجَهَالَةٍ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه يتعلَّق ب «عمل» على أن الباءَ للسببيةِ أي: عملُه بسبب الجهل. وعَبَّر أبو البقاء في هذا الوجه عن ذلك بالمفعول به وليس بواضح. والثاني - وهو الظاهر - أنها للحال أي: عملُه مصاحباً للجهالة. «ومِنْ» في «مِنْ بعده» لابتداء الغاية.
стр. 3236
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نفَصِّلُ﴾ : الكاف أمرُها واضحٌ من كونها نعتاً لمصدر محذوف أو حالاً من ضمير ذلك المصدر كما هو رأي سيبويه، والإِشارة ب «ذلك» إلى التفصيل السابق، تقديره: مثل ذلك
стр. 3237
التفصيل البيِّنِ، وهو ما سَبَقَ من أحوال الأمم نفصِّل آيات القرآن. وقال ابن عطية: «والإِشارة بقوله» وكذلك «إلى ما تقدَّم، من النَّهْي عن طَرْد المؤمنين وبيان فساد منزع المعارضين لذلك، وتفصيل الآ يات تبيينُها وشَرْحُها» . وهذا شبيهٌ بما تقدم له في قوله: ﴿وكذلك فَتَنَّا﴾ [الأنعام: ٥٣] وتقدَّم أنه غير ظاهر.
قوله: ﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ﴾ قرأ الأخوان وأبو بكر: «وليستبين» بالياء من تحت، «سبيلُ» بالرفع ونافع: «ولتستبين» بالتاء من فوق، «سبيلَ» بالنصب، والباقون: بالتاء من فوق، «سبيل» بالرفع. وهذه القراءات دائرة على تذكير «السبيل» وتأنيثه وتَعَدَّي «استبان» ولُزِومه. وإيضاح هذا أن لغة نجد وتميم تذكير «السبيل» وعليه قوله تعالى: ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغي يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ [الأعراف: ١٤٦] ، لغةُ الحجاز التأنيث، وعليه: ﴿قُلْ هذه سبيلي﴾ [يوسف: ١٠٨] وقوله:
١٩٣ - ٥- خَلِّ السبيل لمَنْ يبني المنار بها ... . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وأمَّا «استبانَ» فيكونُ متعدِّياً نحو: استَبَنْتُ الشيءَ «ويكون لازماً نحو:» استبان الصبح «بمعنى بأن، فَمَنْ قرأ بالياء من تحت ورَفَع فإنه أسند الفعل إلى» السبيل «فرفْعُه على أنه مذكَّرٌ وعلى أن الفعل لازم، ومن قرأ بالتاء من فوق فكذلك ولكن على لغة التأنيث. ومن قرأ بالتاء من فوق ونصب» السبيلَ «فإنه أسند الفعلَ إلى المخاطب ونصب» السبيل «على المفعولية وذلك على
стр. 3238
تعدية الفعل أي: ولتستبين أنت سبيل المجرمين، فالتاء في» لتستبينَ «مختلفةُ المعنى، فإنها في إحدى القراءتين للخطاب وفي الأخرى للتأنيث، وهي في كلا الحالين للمضارعة، و» تستبين «منصوب بإضمار» أن «بعد لام كي، وفيما تتعلَّق به هذه اللام وجهان، أحدهما: أنها معطوفة على علة محذوفة، وتلك العلة معمولةٌ لقوله: ﴿نفَصِّلُ﴾ والمعنى: وكذلك نفصل الآيات لتستبين لكم ولتستبين.
والثاني: أنها متعلقة بمحذوف مقدر بعدها أي: ولتستبين سبيل المجرمين فصَّلناها ذلك التفصيل. وفي الكلام حذفُ معطوف على رأيٍ، أي: وسبيل المؤمنين، كقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] . وقيل: لا يُحتاج إلى ذلك، لأن المقام إنما يقتضي ذِكْرَ المجرمين فقط، إذ هم الذين أثاروا ما تقدَّم ذِكْره.
стр. 3239
قوله تعالى: ﴿أَنْ أَعْبُدَ﴾ : في محل «أَنْ» الخلاف المشهور، إذ هي على حَذْفِ حرف تقديره: نُهِيْتُ عن أن أعبدَ. وقوله: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ «إذن» حرف جواب وجزاء لا عمل لها هنا لعدم فعلٍ تعمل فيه، والمعنى: «إن اتَّبَعْتُ أهواءَكم ضَللْت وما اهتدَيْت» فهي في قوة شرط وجزاء.
والجمهور: ﴿ضَلَلْتَ﴾ بفتح اللام الأولى. وقرأ أبو عبد الرحمن ويحيى وطلحة بكسرها، وقد تقدَّم أنها لغة. ونقل صاحب التحرير [عن يحيى وابن أبي ليلى أنها قرآ] هنا وفي ألم السجدة: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ بصاد غير
стр. 3240
معجمة. يقال: صَلَّ اللحمُ أي: أنتن، وهذا له بعض مناسبة في آية السجدة، وأما هنا فمعناه بعيدٌ أو ممتنعٌ. وروى العباس عن ابن مجاهد في «الشواذ» له: «صُلِلْنا في الأرض» أي دُفِنَّا في الصَّلَّة وهي الأرضُ الصُلْبة. وقوله: ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ المهتدين﴾ تأكيد لقوله: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ﴾ وأتى بالأولى جملةً فعلية ليدلَّ على تجدد الفعل وحُدوثهِ، وبالثانية اسميةً ليدلَّ على الثبوت.
стр. 3241
قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبْتُم بِهِ﴾ : في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها مستأنفةٌ سيقت للإِخبار بذلك. والثاني: أنها في محصل نصب على الحال، وحينئذ هل يُحتاج إلى إضمار «قد» أم لا؟ والهاء في «به» يجوز أن تعود على «ربي» وهو الظاهر. وقيل: على القرآن لأنه كالمذكور. وقيل على «بَيِّنَة» لأنها في معنى البيان. وقيل: لأن التاء فيها للمبالغة، والمعنى: على أمرٍ بَيِّنٍ من ربي، و «من ربي» في محل جر صفة ل «بينة»
قوله: ﴿يَقُصُّ الحق﴾ قرأ نافع وابن كثير وعاصم: «يقص» بصاد مهملة مشددة مرفوعة، وهي قراءة ابن عباس، والباقون بضاد معجمة مخففة مكسورة، وهاتان في المتواتر. وقرأ عبد الله وأُبَيّ ويحيى بن وثاب والنخعي والأعمش وطلحة: «يقضي بالحق» من القضاء. وقرأ سعيد بن جبير ومجاهد: «يقضي بالحق وهو خير القاضين» فأمَّا قراءة «يقضي» فمِن القضاء. ويؤيده قوله: «وهو خير الفاصلين» فإنَّ الفصل يناسب القضاء، ولم يُرْسَم إلا بضاد، كأن الباء حُذِفَتْ خَطَّاً كما حذفت لفظاً لالتقاء الساكنين، كما حذفت من نحو: ﴿فَمَا تُغْنِ النذر﴾ [القمر: ٥] ، وكما حُذِفَتْ الواو في ﴿سَنَدْعُ
стр. 3242
الزبانية﴾ [العلق: ١٨] ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾ [الشورى: ٢٤] لما تقدم.
وأمَّا نصب «الحق» بعده ففيه أربعة أوجه، أحدها: أنه منصوب على أنه صفة لمصدر محذوف أي: يقضي القضاء الحق. والثاني: أنه ضمَّن «يقضي» معنى يُنْفِذ، فلذلك عدَّاه إلى المفعول به، الثالث: أن «قضى» بمعنى صنع فيتعدَّى بنفسه من غير تضمين، ويدل على ذلك قوله:
١٩٣ - ٦- وعليهما مَسْرُودتان قضاهُما ... داودُ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: صَنَعَهما. الرابع: أنه على إسقاط حرف الجر أي: يقضي بالحق، فلما حذف انتصب مجروره على حَدِّ قوله:
١٩٣ - ٧- تمرُّون الدِّيار فلم تَعْوجوا ... . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويؤيد ذلك: القراءةُ بهذا الأصل.
وأما قراءة «يَقُصُّ» فمِنْ «قَصَّ الحديث» أو مِنْ «قصَّ الأثر» أي: تَتَبَّعه. وقال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القصص﴾ [يوسف: ٣] . ورجحَّ أبو عمرو بن العلاء القراءة الأولى بقوله: «الفاصلين» ، وحُكي عنه أنَّه قال: «أهو يَقُصُّ الحقَّ أو يقضي الحقَّ أو يقضي الحق» فقالوا: «يقصُّ» فقال: «لو كان» يقص «لقال:» وهو خير القاصِّين «اقرأ أحدٌ بهذا؟ وحيث قال: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الفاصلين﴾ فالفصل إنما يكون في القضاء» وكأن أبا عمرو لم يَبْلُغْه «وهو خير القاصِّين»
стр. 3243
قراءةً. وقد أجاب أبو علي الفارسي عما ذكره ابن العلاء فقال: «القصصُ هنا بمعنى القول، وقد جاء الفصل في القول أيضاً قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [طارق: ١٣] وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود: ١] . وقال تعالى: ﴿وَنُفَصِّلُ الآيات﴾ [التوبة: ١١] فقد حمل الفَصْل على القول، واستُعمل معه كما جاء مع القضاء فلا يلزم» من الفاصلين «أن يكون مُعَيِّناً ليقضي.
стр. 3244
وقوله تعالى: ﴿والله أَعْلَمُ بالظالمين﴾ : من باب إقامة الظاهر مقام المضمر تنبيهاً على استحقاقهم ذلك بصفةِ الظلم، إذا لو جاء على الأصل لقال: «والله أعملُ بكم» .
стр. 3245
قوله تعالى: ﴿مَفَاتِحُ﴾ : فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنه جمعُ مِفْتح بكسر الميم والقصر، وهو الآلة التي يُفتح بها نحو: مُنْخُل ومَنَاخل. والثاني: أنه جمع مَفْتَح بفتح الميم، وهو المكان، ويؤيده تفسير ابن عباس هي خزائن المطر. والثالث: أنه جمع مِفتاح بكسر الميم والألف، وهو الآلة أيضاً، إلا أنَّ هذا فيه ضعفٌ من حيث إنه كان ينبغي أن تُقلب ألف المفرد ياء فيقال: مفاتيح كدنانير، ولكنه قد نُقِل في جمع مصباح مصابح، وفي جمع مِحْراب مَحارِب، وفي جمع قُرْقُرر قراقِر، وهذا كما أتوا بالياء في جمع ما لا مَدَّةَ في مفرده كقولهم: دراهيم وصياريف في جمع دِرْهَم وصَيْرَف، قال:
١٩٣ - ٨- تَنْفي يداها الحصى في كل هاجِرَةٍ ... نَفْيَ الدارهيمِ تَنْقادُ الصَّياريفِ
стр. 3246
وقالوا: عيِّل وعَياييل. قال:
١٩٣ - ٩- فيها عياييلُ أُسودٌ ونُمُرْ ... الأصل: عيايل ونمور، فزاد في ذلك ونَقَّصَ مِنْ هذا.
وقد قُرِئ «مفاتيح» بالياء وهي تؤيد أنَّ مفاتح جمع مفتاح، وإنما حُذِفَتْ مدَّتْه. وجَوَّز الواحدي أن يكون مفاتح جمع مَفْتَح بفتح الميم على أنه مصدر، قال بعد كلام حكاه عن أبي إسحاق: «فعلى هذا مفاتح جمع المَفْتح بمعنى الفتح» ، كأن المعنى: «وعنده فتوح الغيب» أي: هو يفتح الغيب على مَنْ يشاء من عباده. وقال أبو البقاء: «مفاتح جمع مَفْتَح، والمَفْتَحُ الخزانة، فأمَّا ما يُفتح به فهو المفتاحُ، وجمعه مفاتيح وقد قيل مَفْتح أيضاً» انتهى. يريد جمع مَفتح أي بفتح الميم. وقوله: «وقد قيل: مَفْتَح يعني أنها لغة قليلة في الآلة والكثير فيها المدُّ، وكان ينبغي أن يوضِّح عبارته فإنها موهمة ولذلك شرحتها.
قوله: ﴿لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ في محل نصب على الحال من» مفاتح «، والعامل فيها الاستقرار الذي تضمَّنه حرف الجر لوقوعه خبراً. وقال أبو البقاء:» نفسُ الظرف إنْ رَفَعْتَ به مفاتح «أي: إنْ رفعته به فاعلاً، وذلك على رأي الأخفش، وتضمُّنه للاستقرار لا بد منه على كل قول، فلا فرق بين أن ترفعَ به الفاعل أو تجعله خبراً.
стр. 3247
قوله: ﴿مِن وَرَقَةٍ﴾ فاعل» تَسْقُط «و» مِنْ «زائدة لاستغراق الجنس، وقوله: ﴿إِلاَّ يَعْلَمُهَا﴾ حالٌ من» ورقة «وجاءت الحال من النكرة لاعتمادِها على النفي، والتقدير: ما تسقط من ورقة إلا عالماً هو بها كقولك:» ما أكرمْتُ أحداً إلا صالحاً «ويجوز عندي أن تكونَ الجملة نعتاً ل» ورقة «وإذا كانوا أجازوا في قوله ﴿إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] أن تكون نعتاً لقرية في قوله: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] مع كونها بالواو ويعتذرون عن زيادة الواو، فأَنْ يجيزوا ذلك هنا أولى، وحينئذ فيجوز أن تكون في موضع جر على اللفظ أو رفع على المَحَلَّ.
قوله: ﴿وَلاَ حَبَّةٍ﴾ عطفٌ على لفظ «ورقةٍ» ولو قُرِئ بالرفع لكان على الموضع. و «في ظلمات» صفة لحبة. وقوله: ﴿وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ﴾ معطوفان أيضاً على لفظ «ورقة» وقرأهما ابن السميفع والحسن وابن أبي إسحاق بالرفع على المحل، وهذا هو الظاهر، ويجوز أن يكونا مبتدأين، والخبر قوله ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ ونقل الزمخشري أن الرفع في الثلاثة أعني قوله: «ولا حبةٍ ولا رطبٍ ولا يابسٍ» وذكر وجهي الرفع المتقدِّمين، ونظَّر الوجه الثاني بقولك: «لا رجلٌ منهم ولا امرأة إلا في الدار» .
قوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ في هذا الاستثناء غموض، فقال الزمخشري: «وقوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ كالتكرير لقوله: ﴿إِلاَّ يَعْلَمُهَا﴾ لأن معنى» إلاَّ يعلمها «ومعنى» إلا في كتاب مبين «واحد، والكتاب علم الله
стр. 3248
أو اللوح» وأبرزه الشيخ في عبارة قريبة من هذه فقال: «وهذا الاستثناء جارٍ مجرى التوكيد لأن قوله:» ولا حبةٍ ولا رطب ولا يابس «معطوف على» مِنْ ورقة «والاستثناءُ الأولُ منسحبٌ عليها كما تقول:» ماجاءني من رجلٍ إلا أكرمته ولا أمرأةٍ «فالمعنى: إلا أكرمتها، ولكنه لَمَّا طال الكلام أعيد الاستثناء على سبيل التوكيد، وحَسَّنه كونُه فاصلة» انتهى. وجعل صاحب «النظم» الكلامَ تاماً عند قوله: ﴿ولا يابس﴾ ثم استأنف خبراً آخر بقوله ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ بمعنى: وهو في كتاب مبين أيضاً. قال: «لأنك لو جَعَلْتَ قوله ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ متصلاً بالكلام الأول لفسَدَ المعنى، وبيان فساده في فصل طويل ذكرناه في سورة يونس في قوله:» ولا أصغرَ من ذلك ولا أكبرَ إلا في كتاب مبين «انتهى. قلت: إنما كان فاسدَ المعنى من حيث اعتقد أنه استثناءٌ آخرُ مستقلٌّ، وسيأتي كيف فسادُه، أمَّا لو جعله استثناء مؤكداً للأول كما قاله أبو القاسم لم يفسد المعنى، وكيف يُتَصَوَّرُ تمام الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَابِسٍ﴾ ويُبْتَدَأ ب» إلا «وكيف تقع» إلا «هكذا؟
وقد نحا أبو البقاء لشيءٍ مِمَّا قاله الجرجاني فقال:» إلا في كتاب مبين «أي: إلا هو في كتاب مبين، ولا يجوز أن يكون استثناء يعمل فيه» يَعْلمها «؛ لأنَّ المعنى يصير: وما تسقط من ورقة إلا يعلمها إلا في كتاب، فينقلب معناه إلى الإِثبات أي: لا يعلمها في كتاب، وإذا لم يكن إلا في كتاب وجب أن يعلمها في الكتاب، فإذن يكون الاستثاءُ الثاني بدلاً من الأول أي: وما تسقط من ورقة إلا هي في كتاب وما يَعْلَمُها» انتهى. وجوابه ما تقدم من
стр. 3249
جَعْلِ الاستثناء تأكيداً، وسيأتي هذا مقرَّراً إن شاء الله في سورة يونس لأنَّ له بحثاً يخصُّه.
стр. 3250
قوله تعالى: ﴿بالليل﴾ : متعلق بما قبله على أنه ظرف له، والباء تأتي بمعنى «في، وقد قدَّمْتُ منه جملةً صالحة. وقال أبو البقاء هنا:» وجاز ذلك لأنَّ الباء للإِلصاق، والملاصِقُ للزمان والمكان حاصل فيهما «يعني فهذه العلاقَةُ المجوِّزةُ للتجوُّز، وعلى هذا فلا حاجة إلى أن ينوبَ حرفٌ مكان آخر، بل نقول: هي هنا للإِلصاق مجازاً نحو ما قالوه في» مررت بزيد «وأسند التوفِّيَ هنا إلى ذاته المقدسة لأنه لا يُنْفَرُ منه هنا، إذ المرادُ به الدَّعة والراحة، وأسنده إلى غيره في قوله تعالى: ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ [الأنعام: ٦١] ﴿يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الموت﴾ [السجدة: ١١] لأنه يُنْفَرُ منه، إذ المرادُ به الموت.
وقوله: ﴿مَا جَرَحْتُم﴾ الظاهر أنها مصدريةٌ، وإن كان كونُها موصولةً اسميةً أكثرَ، ويجوز أن تكونَ نكرةً موصوفةً بما بعدها، والعائد على كلا التقديرين الآخرين محذوف، وكذا عند الأخفش وابن السراج على القول الأول. و» بالنهار «كقوله: ﴿بالليل﴾ والضمير في» فيه «عائد على النهار. هذا هو الظاهر قال الشيخ:» عاد عليه لفظاً «والمعنى: في يوم آخر، كما تقول: عندي درهم ونصفه» قلت: ولا حاجةَ في الظاهر إلى عوده على نظير المذكور، إذ عَوْدُه على المذكور لا محذورَ فيه، وأمَّا من نحو: «درهم ونصفه» فلضرورة انتفاء العيِّ من الكلام، قالوا: لأنك إذا قلت: «عندي درهم» عُلِمَ أن عندك نصفَه ضرورةً، فقولك بعد ذلك: «ونصفه» تضطر إلى
стр. 3251
عَوْدِه إلى نظير ما عندك بخلاف ما نحن فيه. وقيل: يعود على الليل. وقيل: يعود على التوفِّي وهو النوم أي: يُوقظكم في خلال النوم. وقال الزمخشري: «ثم يَبْعثكم مِن القبور في شأن الذي قطعتم به أعماركم من النوم بالليل وكَسْبِ الآثام بالنهار» انتهى. وهو حسن.
وخصَّ الليل بالتوفي والنهار بالكسب وإن كان قد يُنام في هذا، ويُكسَبُ في الآخر اعتباراً بالحال الأغلب. وقَدَّم التوفِّيَ بالليل لأنه أبلغ في المِنَّة عليهم، ولا سيما عند مَنْ يَخُصُّ الجَرْحَ بكَسْب الشر دون الخير.
قوله: ﴿ليقضى أَجَلٌ﴾ الجمهور على «لِيُقْضَى» مبنياً للمفعول و «أجلٌ» رفع به، وفي الفاعل المحذوف احتمالان، أحدهما: أنه ضمير الباري تعالى. والثاني: أنه ضمير المخاطبين، أي: لتقضوا أي: لتستوفوا آجالكم. وقرأ أبو رجاء وطلحة: «ليقضي» مبنياً للفاعل وهو الله تعالى، «أجلاً» مفعول به، و «مُسَمَّى» صفة، فهو مرفوع على الأول ومنصوب على الثاني، ويترتب على ذلك خلافٌ للقراء في إمالة ألفهِ قد أوضحته في «شرح القصيد» واللام في «لِيُقْضَى» متعلقةٌ بما قبلها من مجموعِ الفعلين أي: يتوفَّاكم ثم يبعثكم لأجل ذلك.
стр. 3252
قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ﴾ : فيه خمسة أوجه، أحدها: أنه عطفٌ على اسم الفاعل الواقع صلة لأل، لأنه في معنى يفعل، والتقدير: وهو الذي يقهر عباده ويرسل، فعطف الفعل على الاسم لأنه في تأويله، ومثلُه عند بعضهم: ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ﴾ [الحديد: ١٨] قالوا: فأقرضوا عطف على «مصدقين» الواقعِ صلةً لأل، لأنه في معنى: إنَّ الذين صدَّقوا وأقرضوا،
стр. 3253
وهذا ليس بشيء، لأنه يلزم من ذلك الفصلُ بين أبعاض الصلة بأجنبيّ وذلك أن «وأقرضوا» من تمام صلة أل في «المصِّدِّقين» وقد عطف على الموصول قوله «المصدقات» وهو أجنبي، وقد تقرر غيرَ مرة أنه لا يُتْبَعُ الموصول إلا بعد تمام صلته. وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [الملك: ١٩] فيقبضن في تأويل اسم أي: وقابضات. ومن عطف الاسم على الفعل لكونه في تأويل الاسم قولُه تعالى: ﴿يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَمُخْرِجُ الميت﴾ [الأنعام: ٩٥] وقوله:
١٩٤ - ٠- فأَلْفَيْتُه يوماً يُبيرُ عدوَّهُ ... ومُجْرٍ عطاءً يستخفُّ المعابرا
والثاني: أنها جملة فعلية عُطِفَتْ على جملة اسمية وهي قوله: ﴿وَهُوَ القاهر﴾ والثالث: أنها معطوفة على الصلة وما عُطِف عليها وهو قوله: يتوفَّاكم ويعلم، وما بعده، أي: وهو الذي يتوفَّاكم ويرسل. الرابع: أنه خبر مبتدأ محذوف، والجملة في محل نصب على الحال. وفي صاحبها وجهان، أظهرهما: أنه الضميرُ المستكنُّ في «القاهر» والثاني: أنها حال من الضمير المستكنِّ في الظرف، كذا قال أبو البقاء، ونقله عن الشيخ وقال: «وهذا الوجهُ أضعفُ الأعاريب» وقولهما «الضمير الذي في الظرف» ليس هنا ظرفٌ يُتَوهَّم كونُ هذه الحالِ من ضميرٍ فيه إلا قولَه «فوق عباده» ولكن بأي طريق يَتَحَمَّل هذا الظرفُ ضميراً؟
والجواب أنه قد تقدم في الاية المشبهة لهذه أن «فوق عباده» فيه خمسة أوجه، ثلاثة منها تَتَحَمَّلُ فيها ضميراً وهي: كونه خبراً ثانياً أو بدلاً من
стр. 3254
الخبر أو حالاً، وإنما اضطررنا إلى تقدير مبتدأ قبل «يُرْسِلُ» لأن المضارعَ المثبتَ إذا وقع حالاً لم يقترنْ بالواو، وقد تقدَّم إيضاحُ هذا غيرَ مرة. والخامس: أنها مستأنفةٌ سِيقت للإِخبار بذلك، وهذا الوجهُ هو في المعنى كالثاني.
وقوله: ﴿عَلَيْكُم﴾ يحتمل ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه متعلق بيرسل، ومنه: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا﴾ [الرحمن: ٣٥] ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ﴾ [الأعراف: ١٣٣] ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً﴾ [الفيل: ٣] إلى غير ذلك. والثاني: أنه متعلق ب «حَفَظَة» . يقال: حَفِظْتُ عليه عمله، فالتقدير: ويُرْسل حَفَظَة عليكم. قال الشيخ: «أي يحفظون عليكم أعمالهم كما قال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ [الانفطار: ١٠] كما تقول: حَفِظْتُ عليك ما تعمل» فقوله: «كما قال: إن عليكم لحافظين» تشبيه من حيث المعنى لا أن «عليكم» تعلق بحافظين؛ لأن «عليكم» هو الخبر ل «إن» فيتعلق بمحذوف.
والثالث: أنه متعلِّقٌ بمحذوف على أنه حال من «حفظة» إذ لو تأخَّر لجاز أن يكون صفةً لها.
قال أبو البقاء: «عليكم» فيه وجهان أحدهما: هو متعلِّق بيرسل، والثاني: أن يكون في نية التأخير وفيه وجهان، أحدهما: أن يتعلَّقَ بنفس «حَفَظة» والمفعول محذوف أي: يرسل عليكم مَنْ يحفظ أعمالكم. والثاني: أن يكون صفةً ل «حَفَظة» قُدِّمَتْ فصارت حالاً «انتهى. قوله:» المفعول محذوف «يعني مفعول» حفظة «إلا أنه يُوهم أنَّ تقديرَ المفعول خاصٌّ بالوجه الذي ذكره، وليس كذلك بل لا بد من تقديره على كل وجه، و» حَفَظَة «إنما
стр. 3255
عمل في ذلك المقدَّر لكونه صفةً لمحذوف، تقديره: ويرسل عليكم ملائكة حفظة، لأنه لا يعمل إلا بشروطٍ هذا منها، أعني كونه معتمداً على موصوف.
و» حَفَظَة «جمع حافظ، وهو منقاسٌ في كل وصف على فاعِل صحيح اللام، لعاقل مذكر ك» بارّ «و» بَرَة «و» فاجِر «و» فَجَرة «و» كامل «و» كَمَلة «، ويَقِلُّ في غير العاقل كقولهم: غراب ناعق وغربان نَعَقَه. وتقدَّم مثل قوله:» حتى إذا جاء «
قوله: ﴿تَوَفَّتْهُ﴾ قرأ الجمهور: ﴿توفَّتْه﴾ ماضياً بتاء التأنيث لتأنيث الجمع. وقرأ حمزة: ﴿توفَّاه﴾ من غير تاء تأنيث، وهي تحتمل وجهين أظهرهما: أنه ماضٍ وإنما حَذَفَ تاء التأنيث لوجهين، أحدهما: كونه تأنيثاً مجازياً، والثاني: الفصلُ بين الفعل وفاعله بالمفعول. والثاني: أنه مضارع، وأصله: تتوفاه بتاءين، فحذفت إحداهما على خلاف في ايتهما ك» تَنَزَّلُ «وبابه. وحمزةُ على بابه في إمالة مثل هذه الألف. وقرأ الأعمش: ﴿يتوفَّاه﴾ مضارعاً بياء الغَيْبة، اعتباراً بكونه مؤنثاً مجازياً أو للفصل، فهي كقراءة حمزة في الوجه الأول من حيث تذكيرُ الفعل، وكقراءته في الوجه الثاني من حيث إنه أتى به مضارعاً. وقال أبو البقاء:» وقرئ شاذاً: ﴿تتوفَّاه﴾ على الاستقبال ولم يذكر بياء ولا تاء.
قوله: ﴿وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ﴾ هذه الجملة تحتمل وجهين، أظهرهما: أنها حال من «رسلنا» والثاني: أنها استئنافية سيقت للإِخبار عنهم بهذه الصفة، والجمهور على التشديد في «يُفْرِّطون» ومعناه لا يُقَصِّرون. وقرأ عمرو بن
стр. 3256
عبيد والأعرج: «يُفْرِطون» مخففاً من أفرط، وفيها تأويلان أحدهما: أنها بمعنى لا يجاوزون الحدَّ فيما أُمِروا به. قال الزمخشري: «فالتفريط: التواني والتأخير عن الحدِّ، والإِفراط: مجاوزة الحدِّ أي: لا يُنْقصون ممَّا أمروا به ولا يَزيدون» والثاني: أن معناه لا يتقدمون على أمر الله، وهذا يحتاج إلى نَقْلِ أنَّ أفرط بمعنى فَرَّط أي تَقَدَّم. وقال الجاحظ قريباً من هذا فإنه قال: «معنى لا يُفْرِطون: لا يَدَعون أحداً يفرُط عنهم أي: يَسْبقهم ويفوتهم» وقال أبو البقاء: «ويُقرأ بالتخفيف أي: لا يزيدون على ما أُمِروا به» وهو قريب مِمَّا تقدم.
стр. 3257
قوله تعالى: ﴿مَوْلاَهُمُ الحق﴾ : صفتان لله. وقرأ الحسن والأعمش: «الحقَّ» نصباً، وفيه تاويلان، أظهرهما: أنه نعت مقطوع. والثاني: أنه نعتُ مصدرٍ محذوف أي: رَدُّوا الردَّ الحقَّ لا الباطل. وقرئ: ﴿رِدُّوا﴾ بكسر الراء، وتقدَّم تخريجها مستوفى. والضمير في «مولاهم» فيه ثلاثة أوجه، أظهرهما: أنه للعباد في قوله ﴿فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ فقوله: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم﴾ التفاتٌ، إذا الأصل: ويرسل عليهم وفائدة هذا الالتفات التنبيهُ والإِيقاظ. والثاني: أنه يعود على الملائكة المعنيِّين بقوله: «رسلنا» ، يعني أنهم يموتون كما يموت بنو آدم ويُرَدُّون إلى ربهم. والثالث: أنه يعود على «أحد» في قوله: ﴿إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ إذ المراد به الجمع لا الإِفراد.
стр. 3258
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ﴾ : قرأ السبعة هذه مشددة، ﴿قل الله ينجيكم﴾ : قرأها الكوفيون وهشام بن عمار عن ابن عامر مشددة
стр. 3259
كالأولى، وقرأ الثِّنتين بالتخفيف من «أنجى» حميدُ بن قيس ويعقوب وعلي بن نصر عن أبي عمرو، وتحصَّل من ذلك أن الكوفيين وهشاماً يثقِّلون في الموضعين وأن حميداً ومَنْ معه يُخَففون فيهما، وأن نافعاً وابن كثير وأبا عمرو وأبن ذكوان عن ابن عامر يُثْقِّون الأولى ويُخَفِّفون الثانية، والقراءاتُ واضحة فإنها من نجَّى وأَنْجى، فالتضعيف والهمزة كلاهما للتعدية، فالكوفيون وهشام التزموا التعدية بالتضعيف، وحميد وجماعته التزموها بالهمزة، والباقون جمعوا بين التعديتين جمعاً بين اللغتين كقوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافرين أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق: ١٧] . والاستفهام للتقرير والتوبيخ، وفي الكلام حذف مضاف أي: مِنْ مَهالِك ظلمات أو من مخاوفها، والظلمات كناية عن الشدائد.
قوله: ﴿تَدْعُونَهُ﴾ في محل نصب على الحال: إمَّا من مفعول «ينجيكم» وهو الظاهر، أي: يُنَجيكم داعين إياه، وإمَّا من فاعله أي: مَدْعُوَّاً مِنْ جتهكم.
قوله: ﴿تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ يجوز فيهما وجهان، أحدهما: أنها مصدران في موضع الحال أي: تَدْعُونه متضرِّعين ومُخْفِين. والثاني: أنهما مصدران من معنى العامل لا من لفظه كقوله: قَعَدْتُ جلوساً. وقرأ الجمهور: ﴿خُفْية﴾ بضم الخاء. وقرأ أبو بكر بكسرها وهما لغتان كالعُدوة والعِدوة، والأُسوة والإِسوة. وقرأ الأعمش: ﴿وخيفة﴾ كالتي في الأعراف وهي من الخوف، قُلِبَتْ الواو ياء لانكسار ما قبلها وسكونها، ويظهر على هذه القراءة أن يكون مفعولاً من أجله لولا ما يأباه «تضرُّعاً» من المعنى.
стр. 3260
قوله: ﴿لَّئِنْ أَنجَانَا﴾ الظاهر أن هذه الجملةَ القسمية تفسير للدعاء قبلها، ويجوز أن تكون منصوبةَ المحلِّ على إضمار القول، ويكونه ذلك القول في محل نصب على الحال من فاعل «تَدْعُونه» أي: تدعونه قائلين ذلك، وقد عرفت ممَّا تقدَّم غيرَ مرة كيفيةَ اجتماع الشرط والقسم. وقرأ الكوفيون: «أَنْجانا» بلفظ الغيبة مراعاةً لقوله: ﴿تَدْعُونَهُ﴾ والباقون «» أَنْجَيْتنا «بالخطاب حكايةً لخطابهم في حالة الدعاء، وقد قرأ كلُّ بما رُسِم في مصحفه، فإنَّ في مصاحف الكوفة:» أنجانا «، وفي غيرِها:» أَنْجَيْتنا «.
قوله: ﴿مِنْ هذه﴾ متعلِّقٌ بالفعل قبله، و» مِنْ «لابتداء الغاية، و» هذه «إشارةٌ إلى الظلمات؛ لأنها تجري مَجْرى المؤنثة الواحدة، وكذلك في» منها «تعود على الظلمات لِما تقدم.
следующие страницы →