Полный текст (10 772 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
السماوات والأرض قائماً بالحكم وحين يقول لشيء من الأشياء كن، فيكون ذلك الشيء قوله الحق والحكمة. السابع: أنه منصوب على الظرف، والناصب له معنى الجملة التي هي» قوله الحق «أي: حق قوله في يوم يقول كن الثامن: أنه منصوب بمحذوف دلَّ عليه» بالحق «
قال الزمخشري:» وانتصابُ اليوم بمحذوف دلَّ عليه قوله «بالحق» كأنه قيل: وحين يكونّ ويقدّر يقوم بالحق «قال الشيخ:» وهذا إعراب متكلف «.
قوله: ﴿فَيَكُونُ﴾ هي هنا تامة، وكذلك قوله: ﴿كن﴾ فتكتفي بمرفوع ولا تحتاج إلى منصوب، وفي فاعلها أربعة أوجه، أحدها: أنه ضمير جميع ما يخلقه الله تعالى يوم القيامة، كذا قَيَّده أبو البقاء بيوم القيامة. وقال مكي:» وقيل: تقدير المضمر في «فيكون» جميع ما أراد «فأطلق ولم يقيِّدْه، وهذا أولى وكأن أبا البقاء أخذ ذلك من قرينة الحال. الثاني: أنه ضمير الصور المنفوخ فيها، ودلَّ عليه قوله: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصور﴾ الثالث: هو ضمير اليوم أي: فيكون ذلك اليوم العظيم. الرابع: أن الفاعل هو» قولُه «و» الحق «صفته أي: فيوجَدُ قوله الحق، ويكون الكلام على هذا تاماً على» الحق «.
قوله: ﴿قَوْلُهُ الحق﴾ فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنه مبتدأ و» الحق «نعته، وخبره قوله» يوم يقول «والثاني: أنه فاعل لقوله» فيكون «» والحق «نعته أيضاً، وقد تقدَّم هذان الوجهان،.
الثالث: أنَّ «قولُه» مبتدأ، و «الحقٌّ» خبره، أَخْبَرَ عن قوله بأنه لا يكون إلا حقاً. الرابع: أنه مبتدأ أيضاً و «ألحق» نعته، و «يوم يُنْفخ» خبره، وعلى هذا ففي قوله «وله الملك» ثلاثة أوجه أحدها: أن
стр. 3292
تكونَ جملةً من مبتدأ وخبر معترضة بين المبتدأ وخبره فلا محلَّ لها حينئذ من الإِعراب. والثاني: ان يكون «الملك» عطفاً على «قوله» وأل فيه عوضٌ عن الضمير، «وله» في محل نصب على الحال من «الملك» العامل فيه الاستقرار والتقدير: قولُه الحقُّ وملكه كائناً له يوم يُنفخ، فأخبرت عن القول الحق والملك الذي لله بأنهما كائنان في يوم ينفخ في الصور. الثالث: أنَّ الجملة من «وله الملك» في محل نصب على الحال، وهذا الوجه ضعيف لشيئين، أحدهما: أنها تكون حالاً مؤكدة، والأصل: أن تكون مؤسسةً. الثاني: أن العاملَ فيها معنويٌّ؛ لأنه الاستقرار المقدَّر في الظرف الواقع خبراً، ولا يجيزه إلا الأخفشُ ومَنْ تابعه. وقد تقرَّر مذهبُه غيرَ مرة بدلائله.
قوله: ﴿يَوْمَ يُنفَخُ﴾ فيه ثمانية أوجه، أحدها: أنه خبر لقوله «قول الحق» وقد تقدَّم هذا بتحقيقه، الثاني: أنه بدل من «يوم يقول» فيكون حكمه حكمَ ذاك. الثالث: أنه ظرف ل «تُحْشَرون» أي: وهو الذي إليه تُحشرون في يوم ينفخ في الصور. الرابع: أنه منصوب بنفس الملك أي: وله الملك في ذلك اليوم فإن قلت: يلزم من ذلك تقيُّد الملك بيوم النفخ والملك له كل وقت. فالجواب ما أُجيب به في قوله ﴿لِّمَنِ الملك اليوم؟ لله﴾ [غافر: ١٦] وقوله: ﴿والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] وهو أن فائدةَ الإِخبار بذلك أنه أَثْبَتَ المُلْك والأمر في يوم لا يمكن أحد أن يدِّعي فيه شيئاً من ذلك فكذلك هذا. الخامس: أنه حال من الملك، والعامل فيه «له» تضمَّنه من معنى الفعل. السادس: انه منصوبٌ بقوله «يقول» السابع: أنه منصوب بعالم الغيب بعده. الثامن: أنه منصوب بقوله «قول الحق» فقد تحصَّل في كل من اليومين ثمانيةُ أوجه، ولله الحمد.
والجمهور على «يُنْفَخُ» مبنيَّاً للمفعول بياء الغيبة، والقائم مقام الفاعل
стр. 3293
الجارُّ بعده. وقرأ أبو عمرو في رواية عبد الوراث: «ننفخ» بنون العظمة مبنياً للفاعل. والصُّور: الجمهورُ على قراءته ساكنَ [العين] وقرأه الحسن البصري بفتحها، فأمَّا قراءة الجمهور فاختلفوا في معنى الصُّور فيها، فقال جماعة: الصُّور جمع صُورة كالصُّوف جمع صُوفة، والثُّوم جمع ثومة، وهذا ليس جمعاً صناعياً وإنا هو اسم جنس، إذ يُفَرَّق بينه وبين واحده بتاء التأنيث، وأيَّدوا هذا القولَ بقراءة الحسنِ المتقدمة.
وقال جماعةٌ: إن الصُّور هو القَرْن، قال بعضهم: هي لغة اليمنِ وأنشد:
١٩٥ - ٥- نحن نَطَحْناهُمْ غَداة الجَمْعَيْنْ ... بالشامخات في غبار النَّقْعَيْنْ
نَطْحاً شديداً لا كنطح الصُّوْرَيْن ... وأيَّدوا ذلك بما ورد الأحاديث الصحيحة، قال ﵇: «كيف أَنْعَمُ وصاحبُ القَرْن قد التقمه» وقيل: في صفته إنه قَرْنٌ مستطيل فيه أبخاش، وأن أرواحَ الناس كلهم فيه، فإذا نفخ فيه إسرافيل خرجَتْ روحُ كلِّ جسدٍ من بخش من تلك الأبخاش. وأنحى أبو الهيثم على مَنْ ادَّعى أن الصُّور جمع صُوره فقال: «وقد اعترض قومٌ فأنكروا أن يكون الصُّور قرناً كما أنكروا العرش والميزان والصراط، وادَّعَوا أن الصور جمع الصورة كالصوف جمع الصوفة، ورَوَوْا ذلك عن أبي عبيدة، وهذا خطأٌ فاحشٌ وتحريفٌ لكلام الله عن مواضعه لأن الله قال: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤] ﴿وَنُفِخَ
стр. 3294
فِي الصور﴾ [الكهف: ٩٩] فَمَنْ قرأها:» ونُفِخ في الصُّوَرِ «أي بالفتح، وقرأ» فَأَحْسَنَ صُوْرَكم «أي بالسكون فقد افترى الكذبَ على الله، وكان أبو عبيد صاحبَ أخبارٍ وغريب ولم يكن له معرفة بالنحو» قال الأزهري: «قد احتجَّ أبو الهيثم فأحسن الاحتجاج، ولا يجوز عندي غيرُ ما ذهب إليه وهو قول أهل السنة والجماعة» أنتهى، ولا ينبغي أن ينسب ذلك إلى هذه الغاية التي ذكرها أبو الهيثم. وقال الفراء: «يُقال: نَفَخ في الصور ونَفَخَ الصورَ» وأنشد:
١٩٥ - ٦- لولا ابنُ جَعْدَةَ لم يُفْتَح قُهَنْدُزُكُمْ ... ولا خراسانُ حتى يُنْفَخَ الصُّورُ
وفي المسألة كلامٌ أكثرُ من هذا تركتُه إيثاراً للاختصار.
قوله: ﴿عَالِمُ الغيب﴾ في رفعه أربعةُ أوجه، أحدها: أن يكون صفةً للذي في قوله: ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ﴾ وفيه بُعْدٌ لطول الفصل بأجنبيٍّ. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر أي: هو عالم. الثالث: أنه فاعلٌ لقوله: ﴿يقول﴾ أي: يوم يقول عالم الغيب. الرابع: أنه فاعل بفعلٍ محذوف يدل عليه الفعلُ المبنيُّ للمفعول؛ لأنه لمَّا قال «يُنفخ في الصور» سأل سائِلٌ فقال: من الذي يَنْفُخ؟ فقيل: «عالم الغيب» أي: «يُنْفخ فيه عالمُ الغيب أي: يأمر بالنفخ فيه، كقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ﴾ [النور: ٣٦٣٧] أي يُسَبِّحُه، ومثله أيضاً قول الآخر:
١٩٥ - ٧-
стр. 3295
ليُبْكَ يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ ... ومختبطٌ ممَّا تُطيح الطوائح
أي: مَنْ يَبْكيه؟ فقيل: ضارع، أي: يبكيه ضارع ومثله:» وكذلك زُيِّن لكثير من المشركين قَتْلُ أولادِهم شركاؤُهم «في قراءة مَنْ بني» زُيِّن «للمفعول ورفع» قَتْلُ «و» شركاؤهم «كأنه قيل: مَنْ زيَّنه لهم؟ فقيل: زيَّنه شركاؤهم. والرفع على ما تقدَّم قراءة الجمهور، وقرأ الحسن البصري والأعمش:» عالمِ «بالجر وفيها ثلاثة أوجه، أحسنها: أنه بدل من الهاء في» له «الثاني: أنه بدل من» رب العالمين «وفيه بُعْدٌ لطول الفصل بين البدل والمبدل منه. الثالث: أنه نعت للهاء في» له «وهذا إنما يتمشَّى على رأي الكسائيّ حيث يجيز نعت المضمر بالغائب وهو ضعيفٌ عند البصريين والكوفيين غيرَ الكسائي.
стр. 3296
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ﴾ : «إذ» منصوبٌ بفعل محذوف أي: اذكر، وهو معطوفٌ على «أقيموا» قاله أبو البقاء. و «قال» في محل خفض بالظرف «.
قوله: ﴿آزَرَ﴾ الجمهور: آزرَ بزنة آدم، مفتوح الزاي والراء، وإعرابه حينئذ على أوجه، أحدها: أنه بدل من» أبيه «أو عطف بيان له إن كان آزر لقباً له، وإن كان صفةً بمعنى المخطئ كما قال الزجاج، أو المعوجّ كما قاله الفراء، أو الشيخ الهرم كما قاله الضحاك، فيكون نعتاً ل» ابيه «أو حالاً منه بمعنى: وهو في حالة اعوجاج أو خطأ، ويُنْسَبُ للزجاج. وإن قيل: إن آزر
стр. 3297
اسم صنم كان يعبده أبوه، فيكون إذ ذاك عطفَ بيان لأبيه أو بدلاً منه، ووجهُ ذلك أنه لما لازم عبادته نُبِزَ وصار لَقَباً له كما قال بعض المُحْدَثين.
١٩٥ - ٨- أُدْعى بأسماءَ نَبْزاً في قبائِلها ... كأنَّ أسماءَ أَضْحَتْ بعضَ أسمائي
كذا نسبه الزمخشري: إلى بعض المُحْدَثين، ونسبه الشيخ لبعض النحويين، قال الزمخشري:» كما نُبِزَ ابن قيس بالرُّقَيَّات اللاتي كان يشبِّبُ بهنَّ فقيل: ابن قيس الرُّقَيَّات «أو يكون على حذف مضاف أي: لأبيه عابد آزر، ثم حُذِفَ المضاف وأُقيم المضاف إليه مُقامَه، وعلى هذا فيكون عابد صفة لأبيه أُعْرِبَ هذا بإعرابه أو يكون منصوباً على الذمّ.
وآزر ممنوع الصرف واختلف في علةِ مَنْعِه فقال الزمخشري:» والأقربُ أن يكون وزن آزر فاعَل كعابَر وشالَخ وفالَغ، فعلى هذا هو ممنوع للعلمية والعجمة. وقال أبو البقاء: «ووزنه أفعل ولم ينصرف للعجمة والتعريف على قول من لم يشتقَّه من الأزر أو الوزر، ومَن اشتقَّه من واحدٍ منهما قال: هو عربيٌّ ولم يَصْرِفْه للتعريف ووزن الفعل» وهذا الخلاف يشبه الخلاف في آدم، وقد تقدم ذلك وأن اختيار الزمخشري فيه أنه فاعلَ كعابَر، وما جرى على ذاك، وإذا قلنا بكونِه صفةً على ما قاله الزجاج بمنى المخطئ أو بمعنى المعوجّ أو بمعنى الهَرِم، كما قاله الفراء والضحاك فَيُشْكل مَنْعُ صرفِه، ويَشْكل ايضاً وقوعُه صفة للمعرفة.
стр. 3298
وقد يُجاب عن الأول بأن الإِشكال يندفع بادِّعاء وزنه على أَفْعَل فيمتنع حينئذ للوزن والصفة كأحمر وبابه، وأمَّا على قول الزمخشري فلا يتمشَّى ذلك، وعن الثاني بأنه لا نُسَلِّم أنه نعت ل «أبيه» حتى يلزم وصفُ المعارف بالنكرات بل هو منصوبٌ على الذم أو أنه على نية الألف واللام، قالهما الزجاج والثاني ضعيف، لأنَّ حذف أل وإرادة معناها إمَّا أن يؤثر مَنْعَ صرف [كما] في «سحر» ليوم بعينه ويسمَّى عَدْلاً، وإمَّا أن يؤثر بناءً ويسمى تضمُّناً كأمس، وفي سحر وأمس كلامٌ طويلٌ ليس هذا مقامه، ولا يمكن أن يقال إن «آزَر» امتنع من الصرف كما امتنع «سحر» أي للعدل عن أل، لأن العدلَ يُمْنع فيه مع التعريف، فإنه لوقتٍ بعينه، بخلاف هذا فإنه وصفٌ كما قرضتم.
وقرأ أُبَيُّ بنُ كعب وعبد الله بن عباس والحسن ومجاهد في آخرين بضمِّ الراء على أنه منادى حُذِفَ حرفُ ندائِه كقوله تعالى: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ﴾ [يوسف: ٢٩] وكقوله:
١٩٥ - ٩- ليُبْك يزيدُ ضارعٌ لخصومةٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في أحد الوجهين أي: يا يزيد، ويؤيِّده ما في مصحف أُبَيّ: يا آزر بإثبات حرفه، وهذا إنما يَتَمشَّى على دعوى أنه عَلَم، وأمَّا على دعوى وصفيَِّتِه فيضعف؛ لأنَّ حَذْفَ حرفِ النداء يَقِلُّ فيها كقولهم: «افتدِ مخنوقُ» و «صاحِ شَمِّرْ»
وقرأ ابن عباس في روايةٍ: «أَأَزْراً تتخذ» بهمزتين مفتوحتين وزاي ساكنة
стр. 3299
وراء منونة منصوبة، «تتخذ» بدون همزة استفهام، ولمَّا حكى الزمخشري هذه القراءة لم يُسْقط همزة الاستفهام من «أتتخذ» فأمَّا على القراءة الأولى فقال ابن عطية مفسراً لمعناها: «أعضداً وقوة ومظاهرةً على الله تتخذ، وهو من قوله ﴿اشدد بِهِ أَزْرِي﴾ [طه: ٣١] انتهى. وعلى هذا فيحتمل» أزراً «أن ينتصب من ثلاثة اوجه، أحدها: أنه مفعول من أجله، و» اصناماً آلهة «منصوب بتتخذ على ما سيأتي بيانه، والمعنى أتَّتخذ أصناماً آلهةً لأجل القوة والمظاهرة. والثاني: أن ينتصبَ على الحال لأنها في الأصل صفةُ لأصناماً، فلما قُدِّمَتْ عليها وعلى عاملها انتصَبْت على الحال. والثالث: أنْ ينتصب على أنه مفعول ثان قُدِّم على عامله، والأصل: أتتخذ أصناماً آلهة أزْراً أي قوة ومظاهرة.
وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فقال الزمخشري:» هو اسم صنم ومعناه: أتعبد أزْراً، على الإِنكار، ثم قال: تتخذ أصناماً آلهة تثبيتاً لذلك وتقريراً، وهو داخلٌ في حكم الإِنكارِ لأنه كالبيان له «فعلى هذا» أزْراً «منصوب بفعل محذوف يدل عليه المعنى، ولكن قوله» وهو داخلٌ في حكم الإِنكار «يقوِّي أنه لم يُقرأ:» أَتَتَّخِذُ «بهمزة الاستفهام لأنه لو كان معه همزة استفهام لكان مستقلاً بالإِنكار، ولم يحتج أن يقول: هو داخلٌ في حكمِ الإِنكارِ لأنه كالبيان له.
وقرأ ابن عباس ايضاً وأبو إسماعيل الشامي:» أَإزراً «بهمزة استفهام بعدها همزةٌ مكسورة ونصب الراء منونةً، فجعلها ابن عطية بدلاً من واو
стр. 3300
اشتقاقاً من الوزر كإسادة وإشاح في: وسادة ووشاح. وقال أبو البقاء:» وفيه وجهان، أحدهما: أن الهمزة الثانية فاء الكلمة وليست بدلاً من شيء ومعناه الثقل «وجعله الزمخشري اسمَ صنم، والكلامُ فيه كالكلام في» أزراً «المفتوح الهمزة وقد تقدم.
وقرأ الأعمش:» إزْراً تَتَّخِذُ «بدون همزةِ استفهام، ولكن بكسر الهمزة وسكونِ الزاي ونصب الراء منونة، ونصبُه واضح مما تقدم، و» تتخذ «يُحتمل أن تكونَ المتعدية لاثنين بمعنى التصييرية، وأن تكون المتعديةَ لواحدٍ لأنَّها بمعنى عمل، ويحكى في التفسير أن أباه كان ينحتها ويصنعها، والجملة الاستفهامية في محل نصب بالقول، وكذلك قوله ﴿إني أَرَاكَ﴾ و» أراك «يحتمل أن تكون العِلْميَّة وهو الظاهر فتتعدَّى لاثنين وأن تكون بصرية وليس بذاك، ف» في ضلال «حالٌ، وعلى كلا التقديرين يتعلَّق بمحذف إلا أنه في الأول أحدُ جُزْأَي الكلام، وفي الثاني فَضْلة.
و «مبين» اسم فاعل من «أبان» لازماً بمعنى ظهر، ويجوز أن يكون من المتعدِّي والمفعول محذوف، أي: مبين كفرُكم بخالقكم، وعلى هذا فقولُ ابن عطية «وليس بالفعلِ المتعدِّي المنقول من بان يبين» غيرُ مُسَلَّم، وجعلَ الضلالَ ظرفاً محيطاً بهم مبالغةً في اتِّصافهم به فهو أبلغُ مِنْ قوله «أراكم ضالين» .
стр. 3301
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ : في هذه الكاف ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها للتشبيه، وهي في محل نصب نعتاً لمصدرٍ محذوفٍ، فقَدَّره الزمخشري: «ومثل ذلك التعريف والتبصير نعرِّفُ إبراهيم ونبصره ملكوت» وقدَّره المهدوي: «وكما هديناك يا محمد أرينا إبراهيم» . قال الشيخ: «وهذا بعيد من دلالة اللفظ» قلت: إنما كان بعيداً لأن المحذوف من غير الملفوظ به ولو قدَّره بقوله: «وكما أَرَيْناك يا محمد الهداية» لكان قريباً لدلالة اللفظ والمعنى معاً عليه. وقدَّره أبو البقاء بوجهين، أحدهما: قال «هو نصب على إضمار أريناه، تقديرُه: وكما رأى أباه وقومه في ضلال مبينٍ أريناه ذلك، أي: ما رآه صواباً بإطلاعنا إياه عليه. والثاني قال:» ويجوز أن يكون منصوباً ب «نُري» التي بعده على أنه صفةٌ لمصدرٍ محذوف تقديره: نريه ملكوت السماوات والأرض رؤية كرؤية ضلال أبيه «انتهى. قلت: فقوله» على إضمار أريناه «لا حاجةَ إليه البتة ولأنَّه يقتضي عدمَ ارتباط قوله» نُري إبراهيم ملكوت «بما قبله.
الثاني: أنها للتعليل بمعنى اللام أي: ولذلك الإِنكارِ الصادرِ منه عليهم، والدعاءِ إلى الله في زمن كان يُدْعَى فيه غير الله آلهة نريه ملكوت. الثالث: أن الكاف في محل رفع على خبر ابتداء مضمر أي: والأمر كذلك أي: ما رآه من ضلالتهم، نقل الوجهين الأخيرين أبو البقاء وغيره.
» ونُري «هذا مضارعٌ، والمراد به حكاية حال ماضية، ونري يحتمل أن تكون المتعدِّية لاثنين، لأنها في الأصل بَصَريَّة، فأكسَبَتْها همزةُ النقل معفولاً ثانياً، وجعلها ابن عطية منقولة مِنْ رأى بمعنى عرف، وكذلك
стр. 3302
الزمخشري فإنه قال فيما قدَّمت/ حكايته عنه» ومثل ذلك التعريف نعرِّف «. قال الشيخ بعد حكايته كلام ابن عطية:» ويَحْتاج كونُ «رأى» بمعنى عرف ثم يتعدى بالهمزة إلى مفعولين إلى نَقْلِ ذلك عن العرب، والذي نقل النحويون أن «رأى» إذا كانت بصَرية تعدَّتْ لمفعول، وإذا كانت بمعنى «علم» الناصبة لمفعولين تَعَدَّتْ إلى مفعولين «قلت: العجبُ كيف خَصَّ بالاعتراضِ ابنَ عطية دون أبي القاسم. وهذه الجملةُ المشتملةُ على التشبيه أو التعليل معترضة بين قوله» وإذ قال إبراهيم «مُنْكِراً على أبيه وقومه عبادة الأصنام وبين الاستدلال عليهم بوحدانية الله تعالى، ويجوز أن لا تكون معترضة إن قلنا إنَّ قولَه» فلمَّا «عطف على ما قبله وسيأتي.
والمَلَكوت مصدر على فَعَلوت بمعنى الملك، وبُني على هذه الزنة، والزيادة للمبالغة وقد تقدَّم ذلك عند ذكر الطاغوت. والجمهور على مَلَكوت بفتح اللام، وقرأ أبو السَّمَّال بسكونها وهي لغةٌ.
стр. 3303
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ﴾ : يجوز أن تكون هذه الجملة نسقاً على قوله ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾ عطفاً للتدليل على مدلوله، فيكون ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ﴾ معترضاً كما تقدم، ويجوز أن تكونَ معطوفةً على الجملة من قوله ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ﴾ قال ابن عطية: «الفاءُ في قوله:» فلمَّا «رابطةٌ جملةَ ما بعدها بما قبلها، وهي ترجِّحُ أن المرادَ بالملكوت التفصيل المذكور في هذه الآية» والأولُ أحسنُ وإليه نحا الزمخشري.
وجَنَّ: سَتَر، وقد تقدَّم اشتقاقُ هذه المادةِ عند ذِكْر ﴿الجنة﴾ [البقرة: ٣٥] . وهنا خصوصيةٌ لذِكْر الفعل المسند إلى الليل يقال: جَنَّ عليه الليل وأجنّ عليه، بمعنى أظلم، فيُستعمل قاصراً، وجنَّه وأجنّه فيُستعمل متعدياً فهذا مما اتَّفق فيه فَعَل وأَفْعَل لزوماً وتعدِّياً، إلا أن الأجود في الاستعمال: جنَّ عليه الليل وأجنَّه الليل فيكون الثلاثي لازماً، وأفعل متعدياً، ومن مجيء الثلاثي متعدياً قوله:
١٩٦١ - ... وماءٍ وَرَدَتْ قُبَيْلَ الكَرَى
وقد جَنَّه السَّدَفُ الأدهَمُ ... ومصدره جَنٌّ وجَنان وجُنون، وفرَّق الراغب بين جَنَّه وأَجَنَّه، فقال: «جنَّه إذا ستره، وأجنَّه جعل له ما يَجُنُّه كقولك: قَبَرْتُه وأقبرته وسَقَيْتُه وأَسْقَيْتُه» وقد تقدَّم لك شيء من هذا عند ذِكْرِ حزن وأحزن، ويُحتمل أن يكون «جنَّ»
стр. 3304
في الآية الكريمة متعدياً حذف المفعول منه تقديره: جنَّ عليه الأشياءَ والمبصرات.
قوله: «رأى كوكباً» هذا جواب «لمَّا» ، وللقراء فيه وفيما بعده من الفعلين خلاف كبير بالنسبة إلى الإِمالة وعدمها فلأذكرْ ذلك ملخِّصاً له وذاكراً لعلله فأقول: أمَّا «رأى» الثابت الألف فأمال راءه وهمزته إمالةً محضة الأخوان وأبو بكر عن عاصم وابن ذكوان عن ابن عامر، وأمال الهمزةَ منه فقط دون الراءِ أبو عمرو بكماله، وأمال السُّوسي بخلاف عنه عن أبي عمرو الراء أيضاً، فالسوسي في أحد وجهيه يوافق الجماعة المتقدمين، وأمال ورش الراء والهمزة بين بين من هذا الحرفِ حيث وقع هذا كلُّه ما لم يتصل به ضمير نحو ما تقدم، فأمَّا إذا/ اتصل به ضمير نحو ﴿فَرَآهُ فِي سَوَآءِ﴾ [الصافات: ٥٥] ﴿فَلَمَّا رَآهَا﴾ [النمل: ١٠] ﴿وَإِذَا رَآكَ الذين﴾ [الأنبياء: ٣٦] فابن ذكوان عنه وجهان، والباقون على أصولهم المتقدمة.
وأما «رأى» إذا حذفت ألفه فهو على قسمين: قسمٍ لا تعود فيه البتةَ لا وَصْلاً ولا وقفاً نحو: ﴿رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ﴾ [الفرقان: ١٢] ﴿رَأَوُاْ العذاب﴾ [يونس: ٥٤] فلا إمالة في شيء منه، وكذا ما انقلبت ألفه ياءً نحو: ﴿رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ [الإِنسان: ٢٠] ، وقسمٍ حُذِفَتْ ألفُه لالتقاء السَّاكنين وَصْلاً، وتعود وقفاً نحو: ﴿رَأَى القمر﴾ [الأنعام: ٧٧] ﴿رَأَى الشمس﴾ [الأنعام: ٧٨] ﴿وَرَأَى المجرمون النار﴾ [الكهف: ٥٣] ﴿وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ﴾ [النحل: ٨٥] فهذا فيه
стр. 3305
خلافٌ أيضاً بين أهلِ الإِمالة اعتباراً باللفظ تارةً وبالأصل أخرى، فأمال الراء وحدها من غير خلاف حمزة وأبو بكر عن عاصم والسوسي بخلافٍ عنه وحده.
وأمَّا الهمزة فأمالها مع الراء أبو بكر والسوسي بخلافٍ عنهما. هذا كله إذا وصلْتَ، أمَّا إذا وَقَفْتَ فإنَّ الألفَ ترجع لعدم المقتضي لحَذْفِها، وحكمُ هذا الفعلِ حينئذٍ حكمُ ما لم يتصل به ساكن فيعود فيه التفصيل المتقدم، كما إذا وقفت على رأى مِنْ نحو: ﴿رَأَى القمر﴾ [الأنعام: ٧٧] . فأمَّا إمالة الراء من «رأى» فلإٍِتباعها لإِمالةِ الهمزة، هكذا عبارتهم، وفي الحقيقة الإِمالة إنما هي للألف لانقلابها عن الياء، والإِمالة كما عَرَفْتَ أن تنحى بالألف نحو الياء، وبالفتحة قبلها نحو الكسرة، فمن ثَمَّ صَحَّ أن يقال: أُميلَتْ الراءُ لإِمالة الهمزة.
وأمَّا تفصيل ابنِ ذكوان بالنسبة إلى اتصاله بالضمير وعدمه فوجهُه أنَّ الفعلَ لمَّا اتصل بالضمير بَعُدَتْ ألفُه مِنَ الطرف فلم تُمَلْ، ووجهُ مَنْ أمال الهمزةَ في «رأى القمرَ» مراعاةُ الألف وإن كانت محذوفةً إذ حَذْفُها عارضٌ، ثم منهم مَنْ اقتصر على إمالة الهمزة لأنَّ اعتبارَ وجودِها ضعيف، ومنهم مَنْ لم يَقْتصر إعطاءً لها حكمَ الموجودةِ حقيقةً فأتبع الراء للهمزة في ذلك.
والكَوْكَبُ: النجم، ويقال فيه كَوْكبة، وقال الراغب: «لا يقال فيه أي في النجم كوكب إلا عند ظهوره» . وفي اشتقاقه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه من مادة «وكب» فتكون الكافُ زائدة، وهذا القول قاله الشيخ رضي الدين الصَّغاني، قال ﵀: «حَقُّ كوكب أن يُذكر في مادة» وَكب «عند حُذَّاق
стр. 3306
النحويين فإنها وَرَدَتْ بكافٍ زائدة عندهم، إلا أنَّ الجوهريَّ أوردها في تركيب ك وك ب، ولعله تبع في ذلك الليثَ فإنه ذكره في الرباعي، ذاهباً إلى أن الواو أصلية، فهذا تصريحٌ من الصَّغاني بزيادة الكاف، وزيادةُ الكاف عند النحويين لا تجوز، وحروفُ الزيادة محصورةٌ في تلك العشرة. فأمَّا قولُهم» هِنْدِيٌّ وهِنْدِكيّ «بمعنى واحد وهو المنسوبُ إلى الهند، وقول الشاعر:
١٩٦٢ - ومُقْرَبةٍ دُهْمٍ وكُمْتٍ كأنَّها ... طَماطِمُ من فوق الوفازِ هَنادِكُ
فظاهره زيادة الكاف، ولكن خَرَّجها النحويون على أنه من باب سَبْط وسِبَطْر أي مما جاء فيه لفظان أحدهما أطول من الآخر وليس بأصلٍ له، فكما لا يقال الراء زائدة باتفاق، كذلك هذه الكاف، ولذلك قال الشيخ،» وليت شعري: مِنْ حُذَّاق النحويين الذين يرون زيادتها لا سيما أول الكلمة «والثاني: أن الكلمة كلها أصول رباعية، مما كُرِّرَتْ فيها الفاء فوزنها فَعْفَل ك» فَوْفَل «وهو بناءٌ قليل. والثالث: ساق الراغب أنه من مادة: كبَّ وكَبْكب فإنه قال:» والكَبْكَبَةُ تدهور الشيء في هُوَّة يقال: كَبَّ وكَبْكَبَ نحو: كفَّ وكَفْكَفَ، وصَرَّ الريحُ وصرصر، والكواكب النجوم البادية «فظاهر هذا السياق أن الواو زائدة والكاف بدل من إحدى الياءين وهذا غريبُ جداً.
قوله: «قال هذا ربِّي» في «قال» ثلاثةُ أوجه، أظهرُها: أنه استئنافٌ
стр. 3307
أخبر بذلك القولِ أو استفهم عنه على حسب الخلاف. والثاني: أنه نعت ل «كوكباً» فيكون في محل نصب، وكيف يكون نعتاً ل «كوكباً» ولا يساعد من حيث الصناعةُ ولا من حيث المعنى؟ أمَّا الصناعةُ فلعدمِ الضميرِ العائد من الجملة الواقعة صفةً إلى موصوفها، ولا يقال: إن الرابطَ حصل باسم الإِشارة لأنَّ ذلك خاص بباب المبتدأ والخبر، ولذلك يكثر حذف العائد من الصفة ويقلُّ من الخبر، فلا يلزمُ مِنْ جواز شيء في هذا جوازُه في ذلك، وادِّعاء حذفِ ضميرٍ بعيدٌ، أي: قال فيه: هذا ربي. وأمَّا المعنى فلا يؤدي إلى أن التقدير: رأى كوكباً متصفاً بهذا القول، وذلك غير مراد قطعاً. والثالث: أنه جواب «فلما جَنَّ، وعلى هذا فيكون قوله» رأى كوكباً «في محلِّ نصب على الحال أي: فلمَّا جَنَّ عليه الليل رائياً كوكباً.
و» هذا ربي «محكيٌّ بالقول، فقيل: هو خبرٌ مَحْضٌ بتأويلٍ ذكره أهل التفسير، وقيل: بل هو على حذف همزة الاستفهام أي: أهذا ربي، وأنشدوا:
١٩٦٣ - لعَمْرَك ما أدري وإن كنتُ داريا ... بسبعٍ رَمَيْنَ الجمرَ أم بثمان
وقوله:
١٩٦٤ - أفرحُ أن أُرْزَأ الكرامَ وأَنْ ... أُوْرَثَ ذَوْداً شصائِصاً نَبْلا
وقوله:
١٩٧٥ - ... طَرِبْتُ وما شوقاً إلى البيض أطربُ
ولا لَعِباً مني وذو الشيب يلعبُ ...
стр. 3308
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيّ﴾ [الشعراء: ١٣] قالوا: تقديره: أبسبع، وأأفرح، وأذو، وأتلك. قال ابن الأنباري:» وهذا لا يجوز إلا حيث يكون ثَمَّ فاصلٌ بين الخبر والاستفهام، يعني إنْ دلَّ دليل لفظي كوجود «أم» في البيت الأول بخلاف ما بعده. والأًُفول: الغَيْبَةُ والذهاب، يقال: أَفَلَ يأفُل أُفولاً، قال ذو الرمَّة:
١٩٦٦ - ... مصابيحُ ليسَتْ باللواتي تقودُها
نجومٌ ولا بالآفلاتِ شُموسُها ... والإِفَالُ: صغارُ الغنم، والأَفيل: الفصيل الضئيل.
стр. 3309
قوله تعالى: ﴿بَازِغاً﴾ : حال من القمر. والبزوغ: الطلوع، يقال: بَزَغَ بفتح الزاي يبزُغ بضمِّها بُزوغاً، ويستعمل قاصراً ومتعدياً، يقال: بَزَغ البَيْطار الدابَّة أي: أسال دَمَهَا فَبَزَغ هو أي: سال، هذا هو الأصل، ثم قيل لكل طُلوع: بُزوغ، ومنه: بَزَغَ ناب الصبي والبعير تشبيهاً بذلك، والقمرُ معروفٌ، سُمِّي بذلك لبياضه وانتشار ضوئه، والأقمر: الحمار الذي على لون الليلة القمراء، والقَمْراء ضوء القمر، وقيل: سُمِّي قمراً لأنه يَقْمُر ضوء الكواكب ويفوز به، والليالي القُمْر: ليالي تَدَوُّرِ القمر وهي الليالي البيض، لأن ضوء القمر يستمرُّ فيها إلى الصباح، قيل: ولا يُقال له قمر إلا بعد امتلائه في ثالث ليلة وقبلها هلال، على خلاف بين أهل اللغة قَدَّمُتْه في البقرة عند قوله ﴿عَنِ الأهلة﴾ [البقرة: ١٨٩] ، فإذا بلغ بعد العشر ثالثَ ليلةٍ قيل له «بدر» إلى خامسَ عشر، ويقال: قَمِرْتُ فلاناً كذا اي خَدَعته عنه، وكأنه مأخوذ من قَمِرَتْ القِرْبَةُ فَسَدَت بالقَمْراء.
стр. 3310
قوله تعالى: ﴿هذا رَبِّي﴾ : إنما ذكَّر اسم الإِشارة والمشار إليه مؤنث لأحد وجوه: إمَّا ذهاباً بها مذهب الكوكب، وإمَّا ذهابها مذهب الضوء والنور، وإمَّا بتأويل الطالع أو الشخص أو الشيء، أو لأنه لمَّا أخبر عنها بمذكر أُعْطِيَتْ حكمه، تقول: هند ذاك الإِنسان وتِيْكَ الإِنسان، قال:
١٩٦٧ - تبيت نُعْمَى على الهِجْران غائبةً ... سُقْياً ورُعْياً لذاك الغائبِ الزاري
فأشار إلى «نُعمى» وهي مؤنث إشارةَ المذكر لوَصْفِها بوَصْف الذكور أو لأن فيها لغتين التذكير والتأنيث، وإنْ كان الأكثرُ التأنيثَ فقد جمع بينهما في الآية الكريمة فأنَّثَ في قوله «بازغة» وذكَّر في قوله «هذا» . وقال الزمخشري: «جَعَل المبتدأَ مثلَ الخبر لكونهما عبارة عن شيء واحد كقولهم: ما جاءت حاجتك، ومَنْ كانت أمك، و ﴿لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ [الأنعام: ٢٣] وكان اختيارُ هذه الطريقة واجباً لصيانة الربِّ عن شبهة التأنيث، ألا تراهم قالوا في صفة الله: عَلاَّم، ولم يقولوا عَلاَّمة، وإن كان أبلغَ، احترازاً من علامة التأنيث» . قلت: هذا قريبٌ مما تقدَّم في قولي: إن المؤنث إذا أُخبر عنه بمذكر عومل معاملة المذكر نحو: «هند ذاك الإِنسان» . وقيل: لأنها بمعنى هذا النيِّر أو المرئيُّ.
قال الشيخ: «ويمكن أن يُقال: إن أكثر لغةِ الأعاجم لا يُفَرِّقون في
стр. 3311
الضمائر ولا في الإِشارة بين المذكر والمؤنث ولا علامة عندهم للتأنيث، بل المذكر والمؤنث سواء، فلذلك أشار إلى المؤنث عندنا حين حكى كلامَ إبراهيم بما يُشار به إلى المذكر، بل لو كان المؤنث بفَرْجٍ لم يكن له عَلامَةٌ تَدُلُّ عليه في كلامهم، وحين أخبر تعالى عنهم بقوله» بازغة «و» أَفَلتْ «أَتَتْ على مقتضى العربية إذ ليس ذلك بحكاية» انتهى. وهذا إنما يظهر أن لو حكى كلامهم بعينه في لغتهم، أمَّا شيءٌ يُعَبَّر عنه بلغة العرب ويُعطَى حكمَه في لغة العجم فهو محلُّ نظر.
قوله: «مِمَّا يُشْرِكون» «ما» مصدرية أي: بريء من إشراككم أو موصولةٌ أي: من الذين يشركونه مع الله في عبادته، فحذف العائد، ويجوز أن تكونَ الموصوفة، والعائدُ أيضاً محذوف، إلا أنَّ حذف عائد الصفة أقلُّ من حذف عائد الصلة، فالجملةُ بعدها لا محلَّ لها على القولين الأوَّلَيْن، ومحلُّها الجر على الثالث.
стр. 3312
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِي فَطَرَ﴾ : قدَّروا قبله مضافاً أي: وجَّهْتُ وجهي لعبادته ولرضاه، كأنهم نَفَوْا بذلك وَهْمَ مَنْ يَتَوَهَّم الجهة. و «حنيفاً» حال من فاعل «وَجَّهْتُ» ، وقد تقدَّم تفسيرُ هذه الألفاظِ، و «ما» يُحتمل أن تكون الحجازيةَ، وأن تكون التميمية.
стр. 3313
قوله تعالى: ﴿أتحاجواني﴾ : قرأ نافع وابن ذكوان وهشام بخلافٍ عنه بنون خفيفة، والباقون بنون ثقيلة، والتثقيلُ هو الأصل؛ لأن النون الأولى نون الرفع في الأمثلة الخمسة، والثانية نون الوقاية، فاسْتُثْقِل اجتماعهما،
стр. 3314
وفيها لغات ثلاث: الفكُّ وتركهما على حالهما، والإِدغام، والحذف، وقد قرء بهذه اللغات كلها في قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ﴾ [الزمر: ٦٤] ، وهنا لم تقرأ إلا بالحذف أو الإِدغام، وفي سورة الحجر: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ﴾ [الحجر: ٥٤] ، كذلك، فقراءة ابن كثير بالإِدغام ونافع بالحذف، والباقون يفتحون النون لأنها عندهم نون رفع، وفي سورة النحل: ﴿تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ [النحل: ٢٧] ، يُقرأ بفتح النون عند الجمهور لأنها نونُ رفع، ويقرؤه نافع بنونٍ خفيفة مكسورةٍ على الحذف، فنافعٌ حَذَفَ إحدى النونين في جميع هذه المواضع التي ذكرتها لك، فإنه/ يقرأ في الزمر أيضاً بحذف إحداهما، وقوله تعالى: ﴿أتعدانني﴾ [الأحقاف: ١٧] ، قرأه هشام بالإِدغام، والباقون بالإِظهار دون الحذف.
واختلف النحاةُ في أيَّتهما المحذوفة: فمذهب سيبويه ومَنْ تبعه أن المحذوفةَ هي الأُولى، ومذهب الأخفش ومَنْ تبعه أن المحذوفة هي الثانية، استدلَّ سيبويه على ذلك بأنَّ نونَ الرفع قد عُهِد حَذْفُها دون ملاقاة مِثْلٍ رفعاً، وأُنْشِد:
١٩٦٨ - فإنْ يكُ قومٌ سَرَّهمْ ما صنعتُمُ ... سَتَحْتَلبوها لاقِحاً غير باهِلِ
أي: فستحتلبونها، لا يقال إن النون حُذِفَتْ جزماً في جواب الشرط؛ لأنَّ الفاء هنا واجبة الدخول لعدم صلاحية الجملة الجزائية شرطاً، وإذا تقرَّر وجوبُ الفاء، وإنما حُذِفت ضرورةً ثبت أن نون الرفع كان مِنْ حقها الثبوت
стр. 3315
إلا أنها حُذِفَتْ ضرورة، وأنشدوا أيضاً قوله:
١٩٦٩ - أبيتُ أَسْرِي وتَبِيتي تَدْلُكي ... وجهكِ بالعنبرِ والمِسْك الذكي
أي: تبيتين وتَدْلُكين، وفي الحديث: «والذي نفسي بيده لا تَدْخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا» ف «لا» الداخلة على «تدخلوا» و «تؤمنوا» نافية لا ناهية، لفساد المعنى عليه، وإذا ثَبَتَ حَذْفُها دون ملاقاةِ «مثل» رَفْعاً فلأنْ تُحْذَفَ مع ملاقاة «مثل» استثقالاً بطريق الأَوْلى والأحرى، وأيضاً فإن النون نائبة عن الضمة، والضمةُ قد عُهِد حَذْفُها في فصيح الكلام كقراءةِ أبي عمرو: ﴿يَنصُرْكُمُ﴾ [آل عمران: ١٦٠] و ﴿يُشْعِرُكُمْ﴾ [الأنعام: ١٠٩] و ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ [البقرة: ٦٧] وبابِه بسكون آخر الفعل، وقوله:
١٩٧٠ - فاليومَ أشربْ غيرَ مُسْتَحقِبٍ ... إثماً من اللهِ ولا واغِلِ
وإذا ثبت حَذْفُ الأصلِ فَلْيَثْبُتْ حَذْفُ الفرع لئلا يلزمَ تفضيل فرع على أصله، وأيضاً فإنَّ ادَّعاء حذف نون الرفع لا يُحْوِج إلى حذف آخر، وحذف نون الوقاية قد يحوج إلى ذلك، وبيانه أنه إذا دخل جازم أو ناصب على أحد هذه الأمثلة فلو كان المحذوف نون الوقاية لكان ينبغي أن تُحْذَفَ هذه النونُ لأنها نون رفع وهي تسقط للناصب والجازم، بخلاف ادِّعاءِ حَذْفِ نون الرفع، فإنه لا يحوج إلى ذلك لأنه لا عملَ له في التي للوقاية.
ولقائلٍ أن يقول: لا يلزم من جواز حَذْفَ الأصل حَذْفُ الفرع، لأنَّ في
стр. 3316
الأصل قوةً تقتضي جواز حذفه بخلاف الفرع، وعلى الآخر له أن يقول: هذا مُعارَضٌ بإلغاء العامل: وذلك أنه لو كان المحذوفُ نونَ الرفع لأجل نون الوقاية ودخل الجازم والناصب لم يجد له شيئاً يحذفه؛ لأن النون حُذِفت لعارض آخر. واستدلوا لسيبويه أيضاً بأن نون الوقاية مكسورة، فبقاؤها على حالها لا يلزم منه تغييرٌ بخلاف ما لو ادَّعَيْنا حَذْفها فإنَّا يلزمنا تغييرُ نون الرفع من فتح إلى كسر، وتقليلُ العمل أولى، واستدلوا أيضاً بأنها قد حذفت مع مثلها وإن لم يكن نون وقاية كقوله:
١٩٧١ - كل له نِيَّةٌ في بُغْضِ صاحبِهِ ... بنعمةِ الله نَقْلِيْكُمْ وتَقْلُونا
أي: وتَقْلُوننا، فالمحذوفُ نونُ الرفع لا نونُ «ن» لأنها بعض ضمير، وعُورض هذا بأن نون الرفع أيضاً لها قوةٌ لدلالتها على الإِعراب، فَحَذْفُها أيضاً لا يجوز، وجعل سيبويه المحذوفةَ من قول الشاعر:
١٩٧٢ - تراه كالثَّغامِ يُعَلُّ مِسْكاً ... يَسُوءُ الفالِياتِ إذا فَلَيْني
نونَ الفاعل لا نونَ الوقاية، واستدلَّ الأخفش بأنَّ الثقل إنما حصل بالثانية، ولأنه قد اسْتُغْنِي عنها، فإنه إنما أُتِيَ بها لتقِيَ الفعلَ من الكسر، وهو مأمونٌ لوقوع الكسر على نون الرفع، ولأنها لا تدلُّ على معنى بخلاف نون الرفع، وأيضاً فإنها تُحْذَفُ في نحو: ليتني فيقال: ليتي، كقوله:
١٩٧٣ - كمُنْيَةِ جابر إذ قال ليتي ... أُصادِفُه وأُتْلِفُ بعضَ مالي
واعلم أن حذف النون في هذا النحو جائز فصيح، ولا يُلتفت إلى قول
стр. 3317
مَنْ مَنَع ذلك إلا في ضرورةٍ أو قليلٍ من الكلام، ولهذا عِيْبَ على مكي ابن أبي طالب حيث قال: «الحَذْفُ بعيدٌ في العربية قبيح مكروه، وإنما يجوز في الشعر للوزن، والقرآن لا يُحتمل ذلك فيه إذ لا ضرورة تدعو إليه» . وتجاسر بعضهم فقال: «هذه القراءة أعني تخفيف النون لحنٌ» وهذان القولان مردودان عليهما لتواتر ذلك، وقد قَدَّمْتُ الدليل على صحته لغةً، وأيضاً فإن الثقاتِ نقلوا أنها لغةٌ ثابتةٌ للعرب وهم غطفان فلا معنى لإِنكارها.
و «في الله» متعلِّقٌ ب «أتحاجُّوني» لا ب «حاجَّه» ، والمسألةُ من باب التنازع، وأعمل الثاني لأنه لما أضمر في الأول حذف، ولو أَعْمل الأول لأضْمر في الثاني من غير حذفٍ، ومثله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة﴾ [النساء: ١٧٦] ، كذا قال الشيخ، وفيه نظر، من حيث/ إن المعنى ليس على تَسَلُّط «وَحَاجَّهُ» على قوله «في الله» ؛ إذ الظاهر انقطاعُ الجملة القولية ممَّا قبلها. وقوله «في الله» أي في شأنه ووحدانيته.
قوله: «وَقَدْ هَدَاني» في محلِّ نصب على الحال، وفي صاحبها وجهان أظهرهما: أنه التاء في «أتحاجونني» أي: أتجادلونني فيه حال كوني مَهْدِيّاً مِنْ عنده.
والثاني: أنه حال من «الله» أي: أتخاصمونني فيه حال كونه هادياً لي، فحجَّتكم لا تُجْدي شيئاً لأنها داحضة.
قوله: ﴿وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ هذه الجملة يجوز أن تكونَ مستأنفة، أخبر ﵇ بأنه لا يخاف ما تشركون به ربَّه ثقةً به، وكانوا قد خوَّفوه مِنْ ضررٍ يحصُل له بسبب سَبِّ آلهتهم، ويحتمل أن تكون في مَحَلِّ نصبٍ على الحال باعتبارين أحدهما: أن تكونَ ثانيةً عطفاً على الأولى، فتكون الحالان
стр. 3318
من الياء في «أتحاجونِّي» . والثاني: أنها حال من الياء في «هداني» فتكون جملةً حالية من بعض جملة حالية فهي قريبة من الحال المتداخلة، إلا أنه لا بد من إضمار مبتدأ على هذا الوجه قبل الفعل المضارع، لما تقدَّم من أن الفعل المضارع ب «لا» حكمُه حكمُ المثبت من حيث إنه لا تباشره الواو.
و «ما» يجوز فيها الأوجه الثلاثة: أن تكونَ مصدريةً، وعلى هذا فالهاء في «به» لا تعود على «ما» عند الجمهور، بل تعود على الله تعالى، والتقدير: ولا أخاف إشراكَكم بالله، والمفعول محذوف أي: ما تشركون غير الله به، وأن تكون بمعنى الذي، وأن تكون نكرةً موصوفة، والهاء في «به» على هذين الوجهين تعود على «ما» ، والمعنى: ولا أخاف الذي تشركون الله به، فحذف المفعول أيضاً كما حذفه في الوجه الأول، وقدَّر أبو البقاء قبل الضمير مضافاً فقال: «ويجوز أن تكون الهاءُ عائدة على» ما «أي: ولا أخاف الذي تشركون بسببه» ، ولا حاجةَ إلى ذلك.
قوله: «إلا أَنْ يشاء» في هذا الاستثناء قَوْلان، أظهرهما: أنه متصل، والثاني: أنه منقطع، والقائلون بالاتصال: اختلفوا في المستثنى منه، فجعله الزمخشري زماناً فقال: «إلا وقت مشيئة ربي شيئاً يخاف، فحذف الوقت، يعني: لا أخاف معبوداتِكم في وقتٍ قط؛ لأنها لا تقدر على منفعةٍ ولا مَضَرَّة إلا إذا شاء ربي» . وجَعَلَه أبو البقاء حالاً فقال: تقديره إلا في حال مشيئة ربي أي: لا أخافها في كل حال إلا في هذه الحال. وممَّن ذهب إلى انقطاعه ابن عطية والحوفي وأبو البقاء في أحد الوجهين، فقال الحوفي: «تقديره: لكن مشيئة الله إياي بضرٍّ أخاف» ، وقال ابن عطية: «استثناء ليس من الأول
стр. 3319
ولما كانت قوة الكلام أنه لا يخاف ضراً استثنى مشيئة ربه في أن يريده بضر.
قوله:» شيئاً «يجوز فيه وجهان، أظهرهما: أنه منصوب على المصدر تقديره: إلا أن يشاء ربي شيئاً من المشيئة، والثاني: أنه مفعول به ليشاء، وإنما كان الأولُ أظهرَ لوجهين، أحدهما: أن الكلام المؤكد أقوى وأثبتُ في النفس من غير المؤكد.
والثاني: أنه قد تقدم أن مفعول المشيئة والإِرادة لا يُذْكران إلا إذا كان فيهما غرابة كقوله:
١٩٧٤ - ولو شِئْتُ أَنْ أبكي دماً لبَكَيْتُه ... . . . . . . . . . . . . . .
قوله: «عِلْماً» فيه وجهان، أظهرهما: أنه منصوب على التمييز، وهو مُحَوَّلٌ عن الفاعل تقديره: وَسِع علمُ ربي كلَّ شيء، كقوله: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾ [مريم: ٤] . والثاني: أنه منصوبٌ على المفعول المطلق؛ لأن معنى وَسِعَ عَلِم. قال أبو البقاء: «لأنَّ ما يَسَعُ الشيء فقد أحاط به، والعالم بالشيء محيطٌ بعلمه» وهذا الذي ادَّعاه من المجاز بعيد. و «كل شيء» مفعول لوسع على كلا التقديرين. و «أفلا تتذكرون» جملة تقرير وتوبيخ، ولا محلَّ لها لاستئنافها.
стр. 3320
قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ﴾ : قد تقدَّم الكلام على «كيف» في أول البقرة، وهذه نظيرتها. و «ما» يجوز فيها ثلاثة الأوجه، أعني كونها موصولةً اسميةً أو نكرة موصوفة أو مصدرية، والعائد على الأوَّلين محذوف أي: ما أشركتموه بالله أو إشراككم بالله غيره.
وقوله: «ولا تخافون» يجوز في هذه الجملة أن تكون نسقاً على «
стр. 3321
أخاف» فتكون داخلةً في حَيِّز التعجب والإِنكار، وأن تكون حالية أي: وكيف أخاف الذي تشركون حال كونكم أنتم غير خائفين عاقبة إشراككم، / ولا بد من إضمارِ مبتدأ قبل المضارع المنفيِّ ب لا، لِما تقدم غيرَ مرة أي: كيف أخاف الذي تُشْركون أو يُخاف إشراككم حال كونكم آمنين مِنْ مَكْرِ الله الذي أَشْركتم به غيره. وهذه الجملةُ وإن لم يكن فيها رابطٌ يعود على ذي الحال لا يضرُّ ذلك لأن الواو بنفسها رابطةٌ، وانظر إلى حسن هذا النظم السويّ حيث جعل متعلق الخوف الواقع منه بالأصنام، ومُتَعَلَّق الخوف الواقع منهم إشراكهم بالله غيرَه تَرْكاً لأن يعادَلَ الباري تعالى بأصنامهم، لو أبرز التركيب على هذا فقال: «ولا تخافون الله» مقابلةً لقوله «وكيف أخاف معبودتكم» . وأتى ب «ما» في قوله «ما أشركتم» وفي قوله ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً﴾ لأنهم غير عقلاء، إذ هي جمادٌ أحجارٌ، وحيث كانوا ينحتونها ويعبدونها.
قوله: «ما لم يُنَزِّلْ» مفعول ل «أَشْرَكْتُم» وهي موصولة اسمية أو نكرة، ولا تكون مصدرية لفساد المعنى، و «به» و «عليكم» متعلقان ب «يُنَزِّل» ، ويجوز في «عليكم» وجهٌ آخر: وهو أن يكون حالاً من «سلطاناً» لأنه لو تأخَّر عنه لجاز أن يكونَ صفةً. وقرأ الجمهور «سُلْطاناً» ساكنَ اللام حيث وقع. وقرئ بضمها، وقيل: هي لغة مستقلة فيثبت بها بناء «فُعُل» بضم الفاء والعين، أو هي إتباع حركةٍ لأخرى.
وقوله: «فأيُّ الفريقين أحقُّ» لم يقل: أيُّنا أحقُّ نحن أم أنتم إلزاماً لخصمه بما يدَّعيه عليه، ولأنه لا يزكِّي القائلُ نفسه، وهذا بخلاف قول الآخر:
стр. 3322
١٩٧٥ - فلئِنْ لقيتُكَ خالِيَيْنِ لتعلمَنْ ... أيّي وأيُّك فارسُ الأحزابِ
فللَّهِ فصاحةُ القرآن وآدابه. وقوله: «إن كنتم» جوابه محذوف، أي: فأخبروني، ومُتَعَلَّقُ العلم محذوف، ويجوز أَنْ لا يُرادَ له مفعولٌ أي: إن كنتم من ذوي العلم.
стр. 3323
قوله تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ﴾ : هل هو من كلام إبراهيم أو من كلام قومه أو من كلام الله تعالى؟ ثلاثة أقوال للعلماء وعليها يترتب الإِعراب، فإن قلنا: إنها من كلام إبراهيم جواباً عن السؤال في قوله: «فأيُّ الفريقين» وكذا إن قلنا: إنها من كلام قومه، وأنهم أجابوا بما هو حجةٌ عليهم، كأن الموصولَ خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هم الذين آمنوا، وإن جَعَلْنَاهُ من كلام الله تعالى وأنه أَمَرَ نبيه بأن يجيب به السؤال المتقدم فكذلك أيضاً، وإنْ جَعَلْنَاهُ لمجرد الإِخبار من الباري تعالى كان الموصول مبتدأ، وفي خبره أوجه أحدها: أنه الجملة بعده فإن «أولئك» مبتدأ ثان، و «الأمن» مبتدأ ثالث، و «لهم» خبره، والجملة خبر «أولئك» و «أولئك» وخبره خبر الأول.
الثاني: أن يكون «أولئك» بدلاً أو عطف بيان، و «لهم» خبر الموصول، و «الأمنُ» فاعلٌ به لاعتماده. الثالث: كذلك، إلا أنَّ «لهم» خبرٌ مقدم، و «الأمن» مبتدأ مؤخر، والجملة خبر الموصول. الرابع: أن يكون «أولئك» مبتدأ ثانياً، و «لهم» خبره و «الأمن» فاعل به، والجملة خبر الموصول. الخامس: وإليه ذهب أبو جعفر النحاس والحوفي أن «لهم الأمن» خبر الموصول، وأن «أولئك» فاصلة وهو غريب، لأن الفصل من شأن الضمائر لا من شأن أسماء الإِشارة، وأمَّا على قولنا بأن «الذين» خبر مبتدأ محذوف فيكون «أولئك» مبتدأً فقط، وخبره الجملة بعده أو الجارُّ وحده، و «الأمنُ» فاعلٌ به، والجملة الأولى على هذا منصوبة بقول مضمر أي: قل هم الذين آمنوا إن كانت من كلام
стр. 3324
الخليل، أو قالوا هم الذين إن كانت من كلام قومه. وقوله «ولم يَلْبسوا» يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنها معطوفة على الصلة فلا محلَّ لها حينئذٍ، والثاني: أن تكون الواو للحال، والجملة بعدها في محل نصب على الحال أي: آمنوا غير مُلْبِسين إيمانهم/ بظلم وهو كقوله تعالى: ﴿أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ [مريم: ٢٠] ولا يُلتفت إلى قول ابن عصفور حيث جعل وقوع الجملة المنفيَّة حالاً قليلاً، ولا إلى قول ابن خروف حيث جعل الواو واجبة الدخول على هذه الجملة وإن كان فيها ضمير يعود على ذي الحال.
والجمهور على «يَلْبِسُوا» بفتح الياء بمعنى يَخْلطونه، وقرأ عكرمة بضمها من الإِلباس. «وهم مهتدون» يجوز استئنافها وحاليتها.
стр. 3325
قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ آتَيْنَاهَآ﴾ : «تلك» إشارة إلى الدلائل المتقدمة في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: ٧٥] إلى قوله: ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: ٧٩] . ويجوز في «حُجَّتنا» وجهان، أحدهما: أن يكون خبر المبتدأ وفي «آتيناها» حينئذٍ وجهان، أحدهما: أنه في محل نصب على الحال والعامل فيها معنى الإِشارة، ويدل على ذلك التصريحُ بوقوع الحال في نظيرتها كقوله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] . والثاني: أنه في محل رفع على أنه خبرٌ ثانٍ أخبر عنها بخبرين، أحدهما مفرد والآخر جملة. والثاني من الوجهين الأولين: أن تكون «حُجَّتنا» بدلاً أو بياناً لتلك، والخبر الجملة الفعلية.
وقال الحوفي: «إن الجملة مِنْ» آتَيْناها «في موضع النعت ل» حُجَّتنا «على نية الانفصال، إذ التقدير: حجة لنا» ، يعني الانفصال من الإِضافة
стр. 3326
ليحصُلَ التنكيرُ المسوِّغُ لوقوعِ الجملة صفةً لحُجَّتنا، وهذا لا ينبغي أن يقال، وقال أيضاً: «إن» إبراهيم «مفعول ثان لآتيناها، والمفعول الأول هو» ها «، وقد قدَّمْتُ لك في أوائل البقرة أن هذا مذهب السهيلي عند قوله ﴿آتَيْنَا مُوسَى الكتاب﴾ [البقرة: ٥٣] ، وأنَّ مذهبَ الجمهورِ أن تَجْعل الأولَ ما كان عاقلاً والثاني غيرَه، ولا تبالي بتقديمٍ ولا تأخير.
قوله:» على قومه «فيه وجهان أحدهما: أنه متعلقٌ ب» آتينا «قاله ابن عطية والحوفي أي: أظهرناها لإِبراهيم على قومه. والثاني: أنها متعلقة بمحذوف على أنها حال أي: آتيناها إبراهيم حجةً على قومه أو دليلاً على قومه، كذا قدَّره أبو البقاء، ويلزم من هذا التقدير أن تكون حالاً مؤكدة، إذ التقدير: وتلك حُجَّتنا آتيناها له حجةً.
وقدَّرها الشيخ على حذف مضاف فقال:» أي آتيناها إبراهيم مستعليةً على حجج قومه قاهرة لها «وهذا حسن. ومنع أبو البقاء أن تكون متعلِّقةً بحجتنا قال:» لأنها مصدر، وآتيناها خبر أو حال، وكلاهما لا يُفْصل به بين الموصول وصلته «. ومنع الشيخ ذلك أيضاً، ولكن لكون الحجَّة ليست مصدراً قال:» إنما هو الكلام المُؤَلَّفُ للاستدلال على الشيء «ثم قال:» ولو جعلناها مصدراً لم يجز ذلك أيضاً، لأنه لا يفصل بالخبر ولا بمثل هذه الحال بين المصدر ومطلوبه. وفي مَنْعِهِ ومَنْع أبي البقاء ذلك نظرٌ، لأنَّ الحال
стр. 3327
وإن كانَتْ جملةً ليسَتْ أجنبيةً حتى يُمْنَعَ الفصل بها لأنها من جملة مطلوبات المصدر، وقد تقدَّم لي نظيرُ ذلك بأشبع من هذا.
قوله: «نرفع» فيه وجهان الظاهر منهما: أنها مستأنفة لا محل لها من الإِعراب. الثاني: جوَّزه أبو البقاء وبدأ به أنها في موضع الحال من «آتيناها» يعني من فاعل «آتيناها» ، أي: في حال كوننا رافعين، ولا تكون حالاً من المفعول إذ لا ضمير فيها يعود إليه.
ويُقْرأ «نرفع» بنون العظمة وبياء الغيبة، وكذلك «يشاء» . وقرأ أهل الكوفة «درجات» بالتنوين وكذا التي في يوسف، والباقون بالإِضافة فيهما، فقراءة الكوفيين يحتمل نَصْبُ «درجات» فيها من خمسة أوجه أحدها: أنها منصوبةٌ على الظرف و «مَنْ» مفعول «نرفع» أي: نرفع مَنْ نشاء مراتب ومنازل. والثاني: أن ينتصبَ على أنه مفعول ثان قُدِّم على الأول، وذلك يحتاج إلى تضمين «نرفع» معنى فعلٍ يتعدَّى لاثنين وهو «يُعْطي» مثلاً، أي: نعطي بالرفع مَنْ نشاء درجات أي: رُتَباً، والدرجات هي المرفوعة كقوله: ﴿رَفِيعُ الدرجات﴾ [غافر: ١٥] وفي الحديث: «اللهم ارفع درجته في عليين» فإذا رُفعت الدرجةُ فقد رُفِعَ صاحبها. والثالث: أن ينتصب على حذف حرف الجر أي: إلى منازل وإلى درجات. الرابع: أن ينتصبَ على التمييز، ويكون منقولاً من المفعولية، فيؤول إلى قراءة الجماعة إذ الأصل: ﴿نَرْفَعُ
стр. 3328
دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَآءُ﴾ بالإِضافة ثم حُوِّل كقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً﴾ [القمر: ١٢] أي: عيون الأرض. الخامس: أنها منتصبةٌ على الحال وذلك على حذف مضاف أي: ذوي درجات. ويشهد لهذه القراءةِ قولُه تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الأنعام: ١٦٥] ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ﴾ [الزخرف: ٣٢] ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
وأمَّا قراءة الجماعة: فدرجات مفعول «نرفع» ، والخطاب في «إنَّ ربك» للرسول محمد ﵇، وقيل: لإِبراهيم الخليل، فعلى هذا يكون فيه التفات من الغَيْبة إلى الخطاب مُنَبِّهاً بذلك على تشريفه له.
стр. 3329
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا﴾ : فيها وجهان، الصحيح منهما: أنها معطوفة على الجملة الاسمية من قوله/ «وتلك حُجَّتنا» وعَطْفُ الاسمية على الفعلية وعكسه جائز. والثاني: أجازه ابن عطية وهو أن يكون نسقاً على «آتيناها» ، ورَدَّهُ الشيخ بأنَّ «آتيناها» لها محل من الإِعراب: إما الخبر، وإمَّا الحال، وهذه لا محل لها لأنها لو كانَتْ معطوفةً على الخبر أو الحال لاشترط فيها رابط. و «كلاً» منصوب ب «هَدَيْنا» بعده، والتقدير: وكل واحد من هؤلاء المذكورين. قوله: «ومن ذريَّته» الهاء في «ذريته» فيها وجهان، أحدهما: أنها تعود على نوح لأنه أقرب مذكور، ولأن إبراهيم ومَنْ بعده من الأنبياء كلِّهم منسوبون إليه. والثاني أنه يعود على إبراهيم لأنه المحدَّث عنه والقصة مسوقة لذكره وخبره، ولكن رُدَّ هذا القول بكون لوطٍ ليس من ذريته
стр. 3330
إنما هو ابن أخيه أو أخته، ذكر ذلك مكي وغيره.
وقد أجيب عن ذلك فقال ابن عباس: «هؤلاء الأنبياء كلهم مضافون إلى ذرية إبراهيم وإن كان فيهم مَنْ لم يلحقه بولادةٍ من قبِل أمٍّ ولا أبٍ لأن لوطاً ابن أخي إبراهيم، والعرب تجعل العم أباً» . وقال أبو سليمان الدمشقي: «ووهبنا له لوطاً» في المعاضدة والمناصرة «فعلى هذا يكون» لوطاً «منصوباً ب» وهبنا «من غير قيد بكونه مِنْ ذريته، وقوله» داود «وما عُطِفَ عليه منصوب: إمَّا بفعل الهبة وإمَّا بفعل الهداية. و» مِنْ ذريته «يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلق بذلك الفعل المحذوف، وتكون» مِنْ «لابتداء الغاية. والثاني: أنها حال أي: حال كونِ هؤلاء الأنبياء منسوبين إليه.» وكذلك نجزي « [الكاف في محل نصب نعتاً لمصدر محذوف أي: نجزيهم جزاء مثل ذلك الجزاء، ويجوز أن يكون في محل رفع أي: الأمر كذلك] ، وقد تقدَّم ذلك في قوله ﴿وَكَذَلِكَ نري إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنعام: ٧٥] .
следующие страницы →