← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

إعمال الثاني، ومذهب الكوفيين بالعكس، وقد تقدَّم تقرير ذلك في البقرة، فعلى اختيار البصريين يكون «ضَلَّ» هو الرفع ل «ما كنتم تزعمون» واحتاج الأول لفاعل فأعطيناه ضميرَه فاستتر فيه، وعلى اختيار الكوفيين يكون «تقطَّع» هو الرافع ل «ما كنتم تزعمون» ، وفي «ضلَّ» ضميره فاعلاً به، وعلى كلا القولين ف «بينكم» منصوبٌ على الظرف وناصبه «تقطَّع» . السادس: أن الظرف صلة لموصول محذوف تقديره: تقطع ما بينكم، فحذف الموصول وهو «ما» وقد تقدَّم أن ذلك رأي الكوفيين، وتقدَّم ما استشهدوا به عليه من القرآن وأبيات العرب، واستدل القائلُ/ بذلك بقول الشاعر: ١٩٩٢ - يُدِيرونني عن سالمٍ وأُديرُهمْ ... وجِلْدَةُ بين الأنف والعينِ سالمُ وبقول الآخر: ١٩٩٣ - ما بين عَوْفٍ وإبراهيمَ مِنْ نَسَبٍ ... إلا قرابةُ بين الزنج والرومِ تقديره: وجلدة ما بين، وإلا قرابة ما بين، ويدل على ذلك قراءة عبد الله ومجاهد والأعمش: ﴿لقد تقطَّع ما بينكم﴾ . السابع: قال الزمخشري: «لقد تقطع بينكم: لقد وقع التقطع بينكم، كما تقول: جمع بين الشيئين، تريد أوقع الجمع بينهما على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التأويل» انتهى. قوله: «بهذا التأويل» قولٌ حسن: وذلك أنه لو أضمر في «تقطع» ضمير المصدر المفهوم منه لصار التقدير: تقطع التقطع بينكم، وإذا تقطع التقطُّع بينهم حَصَل الوصل، وهو ضد

стр. 3362

المقصود فاحتاج أن قال: إن الفعل أسند إلى مصدره بالتأويل المذكور. إلا أن الشيخ اعترض فقال: «وظاهره أنه ليس بجيد، وتحريره أنه أسند الفعل إلى ضمير مصدره فأضمره فيه، لأنه إن أسنده إلى صريح المصدر فهو محذوف، ولا يجوز حذف الفاعل، ومع هذا التقدير فليس بصحيح؛ لأن شرط الإِسناد مفقود فيه وهو تغايُر الحكم والمحكوم عليه» يعني أنه لا يجوز أن يتحد الفعل والفاعل في لفظ واحد من غير فائدة لا تقول: قام القائم ولا قعد القاعد فتقول: إذا أسند الفعل إلى مصدره: فأمَّا إلى مصدره الصريح من غير إضمار فيلزم حذف الفاعل، وأمَّا إلى ضميره فيبقى تقطَّع التقطع، وهو مثل: قام القائم، وذلك لا يجوز مع أنه يلزم عليه أيضاً فساد المعنى كما تقدم من أنه يلزم ما يحصل لهم الوصل «وهذا الذي أورده الشيخُ وقرَّرته مِنْ كلامه حتى فُهِم لا يَرِدُ؛ لِما تقدم من قول الزمخشري على إسناد الفعل إلى مصدره بهذا التاويل، وقد تقدم ذلك التأويل. وأما القراءة الثانية ففيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنه اتُّسع في هذا الظرفِ، فأُسند الفعل إليه فصار اسماً كسائر الأسماء المتصرف فيها، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥] فاستعمله مجروراً ب» مِنْ «وقوله تعالى ﴿فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ [الكهف: ٦١] ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] . وحكى سيبويه:» هو أحمر بين العينين «وقال عنترة:

стр. 3363

١٩٩٤ - وكأنما أَقِصُ الإِكامَ عشيةً ... بقريب بينِ المَنْسِمَيْنِ مُصَلَّمِ وقال مهلهل: ١٩٩٥ - كأنَّ رماحَنا أشطانُ بئرٍ ... بعيدةِ بين جالَيْها جَرُورِ فقد اسْتُعْمِلَ في هذه المواضع كلها مضافاً إليه متصرَّفاً فيه فكذا هنا، ومثله قوله: ١٩٩٦ -. . . . . . . . . . . . . . . . . ... وجِلْدَةُ بين الأنف والعين سالم وقوله: ١٩٩٧ -. . . . . . . . . . . . . . ... إلا قرابةُ بين الزنج والروم وقوله: ١٩٩٨ - ولم يَتْرك النبلُ المُخالِفُ بينها ... أخاً لاح [قد] يُرْجى وما ثورةُ الهندِ يروى برفع» بينها «وفتحه على أنه فاعل ل» مخالف «، وإنما بني لإِضافته إلى مبنيّ، ومثلُه في ذلك: أمام ودون كقوله: ١٩٩٩ - فَغَدَتْ كلا الفَرْجَيْنِ تحسب أنَّه ... مَوْلَى المخافةِ خَلْفُها وأمامُها

стр. 3364

برفع أمام، وقوله: ٢٠٠٠ - ألم تَرَ أني قد حَمَيْتُ حقيقي ... وباشَرْتُ حدَّ الموتِ والموتُ دونُها برفع» دون «. الثاني: أن «بين» اسمٌ غير ظرف، وإنما معناها الوصل أي: لقد تَقَطَّع وصلكم. ثم للناس بعد ذلك عبارتان تؤذن بأن «بين» مصدر بان يبين بَيْناً بمعنى بَعُد، فيكون من الأضداد أي إنه مشترك اشتراكاً لفظياً يُستعمل للوصل والفراق كالجَوْن للأسود والأبيض، ويُعْزى هذا لأبي عمرو وابن جني والمهدوي والزهراوي، وقال أبو عبيد: / «وكان أبو عمرو يقول: معنى تقطَّع بينكم: تقطَّع وصلكم، فصارت هنا اسماً من غير أن يكون معها» ما «. وقال الزجاج:» والرفع أجود، ومعناه: لقد تقطَّع وَصْلُكم «، فقد أطلقوا هؤلاء أنَّ» بَيْن «بمعنى الوصل، والأصل في الإطلاق الحقيقة. إلا أنَّ ابن عطية طعن فيه وزعم أنه لم يُسْمع من العرب» البين «بمعنى الوصل، وإنما انتزع ذلك من هذه الآية، أو أنه أُريد بالبَيْن الافتراقُ، وذلك مجازٌ عن الأمر البعيد، والمعنى: لقد تقطَّعت المسافة بينكم لطولها فعبَّر عن ذلك بالبين. قلت: فظاهر كلام ابن عطية يؤذن بأنه فَهِمَ أنها بمعنى الوصل حقيقةً، ثم رَدَّه بكونِه لم يُسْمع من العرب، وهذا منه غير مُرْضٍ، لأنَّ أبا عمروٍ وأبا عبيد وابن جني والزهراوي والمهدوي والزجاج أئمة يُقبل قولُهم. وقوله:» وإنما انتُزِع من هذه الآية «ممنوعٌ بل ذلك مفهوم من لغة العرب، ولو لم يكن ممَّن نقلها إلا أبو عمرو لكفى به، وعبارته تؤذن بأنه مجاز، ووجه

стр. 3365

المجاز كما قاله الفارسي: أنه لمَّا استعمل» بين «مع الشيئين المتلابسين في نحو:» بيني وبينك شركَةٌ، وبيني وبينك رحم وصداقة «صارت لاستعمالها في هذه المواضع بمعنى الوصلة، وعلى خلاف الفرقة، فلهذا جاء لقد تقطَّع وصلكم» . وإذا تقرَّر هذا فالقول بكونه مجازاً أولى من القول بكونه مشتركاً، لأنه متى تعارض الاشتراك والمجاز فالمجاز خير منه عند الجمهور. وقال أبو علي أيضاً: «ويدل على أن هذا المرفوع هو الذي استُعمل ظرفاً أنه لا يخلو من أن يكون الذي هو ظرف اتُّسِع فيه، أو يكون الذي هو مصدر، فلا يجوز أن يكونَ هذا القسمَ لأن التقدير يصير: لقد تقطع افتراقكم، وهذا خلاف القصد والمعنى، ألا ترى أن المراد: وصلكم وما كنتم تتألفون عليه. فإن قلت: كيف جاز أن يكون بمعنى الوصل وأصله الافتراق والتباين؟ قيل: إنه لما استعمل مع الشيئين المتلابسين في نحو:» بيني وبينك شركة «، فذكر ما قدَّمْتُه عنه من وجه المجاز إلى آخره. وأجاز أبو عبيد والزجاج وجماعة قراءة الرفع. قال أبو عبيد:» وكذلك نقرؤها بالرفع لأنَّا قد وَجَدْنا العرب تجعل «بين» اسماً من غير ما، ويُصَدِّق ذلك قولُه تعالى: ﴿بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ [الكهف: ٦١] فجعل «بين» اسماً من غير ما، وكذلك قوله: ﴿هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] قال: «وقد سمعناه في غير موضع من أشعارها» ثم ذكر ما ذَكَرْتُه عن أبي عمرو بن العلاء، ثم قال: «وقرأها الكسائي نصباً، وكان يعتبرها بحرف عبد الله» لقد تقطع ما بينكم «. وقال

стр. 3366

الزجاج:» والرفعُ أجودُ والنصب جائز، والمعنى: لقد تقطع ما كان من الشركة بينكم «. الثالث: أن هذا كلام محمول على معناه إذ المعنى: لقد تفرق جمعكم وتشتَّت، وهذا لا يصلح أن يكون تفسير إعراب. قوله: ﴿مَّا كُنتُمْ﴾ » ما «يجوز أن تكون موصولةً اسمية أو نكرة موصوفة أو مصدرية، والعائد على الوجهين الأولين محذوف بخلاف الثالث، والتقدير: تزعمونهم شركاء أو شفعاء، فالعائد هو المفعول الأول و» شركاء «هو الثاني، فالمفعولان محذوفان اختصاراً للدلالة عليهما إن قلنا: إن» ما «موصولةٌ اسمية أو نكرة موصوفة. ويجوز أن يكون الحذف حَذْفَ اقتصار إن قلنا إنها مصدرية، لأن المصدرية لا تحتاج إلى عائد بخلاف غيرها، فإنها تفتقر إلى عائد فلا بد من الالتفات إليه وحينئذ يلزم تقدير المفعول الثاني، ومن الحذف اختصاراً قوله: ٢٠٠١ - بأيِّ كتابٍ أم بأية سنةٍ ... ترى حبَّهم عاراً علي وتحسبُ أي: وتحسب حبهم عاراً علي.

стр. 3367

قوله تعالى: ﴿فَالِقُ الحب﴾ : يجوز/ أن تكون الإِضافة محضةً على أنه اسم فاعل بمعنى الماضي لأن ذلك قد كان، ويدل عليه قراءة عبد الله «فلق» فعلاً ماضياً، ويجوز أن تكون الإِضافةُ غيرَ محضة على أنه بمعنى الحال أو الاستقبال، وذلك على حكاية الحال، فيكون «الحَبِّ» مجرورَ اللفظ منصوب المحل. والفِلْق: هو شِقُّ الشيء، وقيده الراغب بإبانة بعضِه من بعض، والفَلَق: المطمئنُّ مِنَ الأرض بين الرَّبْوَتين، والفلَق من قوله ﴿

стр. 3368

أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ [الفلق: ١] ما علَّمه لموسى ﵇ حتى فلق به البحر. وقيل: الصبح. وقيل: هي الأنهار المشارُ إليها بقوله: ﴿وَجَعَلَ خِلاَلَهَآ أَنْهَاراً﴾ [النمل: ٦١] والفِلْق بالكسر بمعنى المفلوق كالنِّكث والنِّقض، ومنه: «سمعته من فِلْق منه» وقيل: الفِلْق العَجَبُ، والفَليق والفالِقُ ما بين الجبلين وما بين السنامين من البعير، وفسَّر بعضهم «فالق» هنا بمعنى خالق، قيل: ولا يُعرفُ هذا لغةً، وهذا لا يُلتفت إليه لأن هذا منقول عن ابن عباس والضحاك أيضاً، لا يقال ذلك على جهة التفسير للتقريب، لأن الفراء نَقَل في اللغة أن فَطَر وخلق وفلق بمعنى واحد. [والنَّوى اسم جنسٍ مفرده نواة على حدّ] قمح وقمحة. والنوى: البعد أيضاً، ويقال: نوت البُسْرة وأنْوَتْ: اشتدَّت نواتها، ولام «النواة» ياء لأنَّ عينَها واو، والأكثر التغاير. قوله: «يُخْرج» يجوز فيه وجهان أحدهما: أنها جملة مستأنفة فلا محل لها. والثاني: أنها في موضع رفع خبراً ثانياً ل إنَّ، وقوله «ومُخْرِج» يجوز فيه وجهان أيضاً، أحدهما: أنه معطوف على فالق - ولم يذكر الزمخشري غيره - أي: الله فالق ومخرج، أخبر عنه بهذين الخبرين، وعلى هذا فيكون «يخرج» على وجهه، وعلى كونه مستأنفاً يكون معترضاً على جهة البيان لِما قبله من معنى الجملة. والثاني: أن يكون معطوفاً على «يخرج» ، وهل يُجعل الفعل في تأويل اسم ليصح عَطْفُ الاسم عليه، أو يُجعل الاسم بتأويل الفعل ليصحَّ عطفه عليه؟ احتمالان مبنيان على ما تقدم في «يخرج» : إن قلنا إنه مستأنف فهو فعل غير مؤول باسم، فيُرَدُّ الاسم إلى معنى الفعل، فكأن مُخْرِجاً في قوة

стр. 3369

يُخْرج، وإن قلنا: إنه خبر ثان ل «إنَّ» فهو بتأويل اسم واقعٍ موقع خبر ثان، فلذلك عُطِفَ عليه اسم صريح، ومِنْ عَطْفِ الاسم على الفعل لكون الفعل بتأويل اسم قولُ الشاعر: ٢٠٠٢ - فألفيتُه يوماً يُبير عدوَّه ... ومُجْرٍ عطاءً يَسْتَخِفُّ المعابرا وقوله: ٢٠٠٣ - يا رُبَّ بيضاءَ من العواهجِ ... أمِّ صبيّ قد حَبَا أو دارج وقوله: ٢٠٠٤ - بات يُغَشِّيها بعَضْبٍ باترٍ ... يَقْصِدُ في أَسْوُقِها وجائِرُ أي: مبيراً، أو أمِّ صبي حابٍ، وقاصِدٍ.

стр. 3370

وقوله تعالى: ﴿فَالِقُ الإصباح﴾ : كقوله: «فالق الحب» فيما تقدم. والجمهور على كسر الهمزة وهو المصدر، يقال: أصبح يصبح إصباحاً، وقال الليث والزجاج: إن الصبح والصباح والإِصباح واحد، وهما أول النهار، وكذا الفراء. وقيل: الإِصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس. وقيل: هو إضاءة الفجر، نُقل ذلك عن مجاهد، والظاهر أن الإِصباح في الأصل مصدر سُمِّي به الصبح وكذا الإِمساء، قال امرؤ القيس:

стр. 3371

٢٠٠٥ - ألا أيها الليلُ الطويلُ ألا انْجَلِ ... بصبحٍ وما الإِصباح منك بأمثلِ وقرأ الحسن وأبو رجاء وعيسى بن عمر: الأصباح: بفتح الهمزة وهو جمع صُبْح نحو: قُفْل وأقفال وبُرْد وأبراد، وينشد قوله: ٢٠٠٦ - أفنى رياحاً وبني رياحِ ... تناسخُ الأمساءِ والأصباح بفتح الهمزة من الأمساء والأصباح على أنهما جمع مُسْي وصُبْح، وبكسرها على أنهما مصدران. وقرئ/ «فالقُ الإِصباحَ» بنصب الإِصباح وذلك على حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقوله: ٢٠٠٧ -. . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا ذاكرَ اللهَ إلا قليلا وقرئ: ﴿والمقيمي الصلاة﴾ [الحج: ٣٥] و ﴿لَذَآئِقُو العذاب﴾ [الصافات: ٣٨] بالنصب حملاً للنون على التنوين، إلا أن سيبويه لا يجيز حذف التنوين لالتقاء الساكنين إلا في شعر، وقد أجازه المبرد في السَّعة. وقرأ يحيى والنخعي وأبو حيوة: «فلق» فعلاً ماضياً، وقد تقدم أن عبد الله قرأ الأولى كذلك، وهذا أدلُّ دليلٍ على أن القراءة عندهم سنة متبعة، ألا ترى أن عبد الله كيف قرأ «فلق الحب» فعلاً ماضياً، وقرأ «فالق الأَصباح» ، اسمَ فاعل،

стр. 3372

والثلاثة المذكورون بعكسه. قال الزمخشري: «فإن قلت: فما معنى فَلَق الصبح، والظلمة هي التي تنفلق عن الصبح كما قال: ٢٠٠٨ -. . . . . . . . . . . . . . . ... تَفَرِّيَ ليلٍ عن بياض نهار قلت: فيه وجهان، أحدهما: أن يُراد: فالق ظلمة الإِصباح، يعني أنه على حذف مضاف. والثاني: أن يراد فالق الإِصباح الذي هو عمود الفجر عن بياض النهار وإسفاره، وقالوا: انشق عمود الفجر وانصدع، وسَمَّوا الفجرَ فَلَقاً بمعنى مفلوق، قال الطائيُ: ٢٠٠٩ - وأزرقُ الفجر يبدو قبل أبيضه ... . . . . . . . . . . . . . . . . وقرئ: فالق وجاعل بالنصب على المدح» . انتهى. وأنشد غيره: ٢٠١٠ - فانشقَّ عنها عمودُ الفَجْرِ جافلةً ... عَدْوَ النَّحوص تخافُ القانِصَ اللَّحِما قوله: ﴿وَجَاعِلَ الليل﴾ قرأ الكوفيون: «جعل» فعلاً ماضياً، والباقون بصيغة اسم الفاعل، والرسم يحتملهما، والليل منصوب عند الكوفيين بمقتضى قراءتهم، ومجرور عند غيرهم، ووجه قراءتهم له فعلاً مناسبته

стр. 3373

ما بعده فإن بعده أفعالاً ماضية نحو: ﴿جَعَلَ لَكُمُ النجوم﴾ [الأنعام: ٩٧] ﴿وَهُوَ الذي أَنشَأَكُم﴾ [الأنعام: ٩٨] إلى آخر الآيات، ويكون «سكناً» : إما مفعولاً ثانياً على أن الجعل بمعنى التصيير، وإمَّا حالاً على أنه بمعنى الخلق، وتكون الحال مقدرة. وأمَّا قراءة غيرهم فجاعل يحتمل أن يكون بمعنى المضيِّ، وهو الظاهر، ويؤيده قراءة الكوفيين، والماضي عند البصريين لا يعمل إلا مع أل خلافاً لبعضهم في منَعِ إعمال المعرَّف بها، وللكسائي في إعماله مطلقاً، وإذا تقرر ذلك ف «سَكَناً» منصوب بفعل مضمر عند البصريين، وعلى مقتضى مذهب الكسائي ينصبه به. وقد زعم أبو سعيد السيرافي أن اسم الفاعل المتعدي إلى اثنين يجوز أن يعمل في الثاني وإن كان ماضياً، قال: «لأنه لَمَّا أضيف إلى الأول تعذَّرت إضافته للثاني فتعيَّن نصبُه له» . وقال بعضهم: «لأنه بالإِضافة أشبه المعرف بأل فعمل مطلقاً» فعلى هذا «سكناً» منصوب به أيضاً، وأما إذا قلنا إنه بمعنى الحال والاستقبال فنصبُه به. و «سَكَنٌ» فَعَل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى مقبوض. قوله: ﴿والشمس والقمر حُسْبَاناً﴾ الجمهور بنصب «الشمس» و «القمر» وهي واضحة على قراءة الكوفيين أي: بعطف هذين المنصوبين على المنصوبين ب «جعل» ، و «حُسْباناً» فيه الوجهان في «سكناً» من المفعول الثاني والحال، وأمَّا على قراءة الجماعة فإن اعتقدنا كونه ماضياً فلا بد من إضمار فعلٍ ينصبُهما أي: وجعل الشمس، وإن قلنا إنه غير ماض فمذهب سيبويه أيضاً أن النصب بإضمار فعل، تقول: «هذا ضاربُ زيدٍ الآن أو غداً أو عمراً» بنصب عمرو، وبفعل مقدر لا على موضع المجرور باسم الفاعل، وعلى رأي

стр. 3374

غيره يكون النصبُ على محل المجرور، وينشدون قوله: / ٢٠١١ - هل أنت باعثُ دينارٍ لحاجتنا ... أو عبدَ رَبٍّ أخاعَوْن بن مِخْراقِ بنصب «عبد» وهو محتمل للمذهبين. وقال الزمخشري: «أو يعطفان على محل» الليل «. فإن قلت: كيف يكون ل» الليل «محلٌّ والإِضافة حقيقة لأن اسم الفاعل المضاف إليه في معنى المضيّ ولا تقول: زيدٌ ضاربٌ عمراً أمس؟ قلت: ما هو بمعنى الماضي، وإنما هو دالٌّ على فعل مستمر في الأزمنة. قال الشيخ:» أمَّا قوله إنما هو دالٌّ على فعل مستمر في الأزمنة، يعني فيكون عاملاً ويكون للمجرور إذ ذاك بعده موضع فيعطف عليه «الشمس والقمر» . قال: «وهذا ليس بصحيح، إذا كان لا يتقيد بزمن خاص، وإنما هو للاستمرار، فلا يجوز له أن يعمل، ولا لمجروره مَحَلٌّ، وقد نَصُّوا على ذلك وأنشدوا على ذلك: ٢٠١٢ - أَلْقَيْتَ كاسبهم في قَعْرِ مُظْلِمَةٍ ... . . . . . . . . . . . . . . فليس الكاسب هنا مقيداً بزمان، وإذا تقيد بزمان: فإما أن يكون ماضياً دون أل فلا يعمل عند البصريين، أو بأل أو حالاً أو مستقبلاً فيعمل ويضاف على ما أُحْكِمَ في النحو. ثم قال:» وعلى تقدير تسليم أن الذي للاستمرار

стр. 3375

يعمل فلا يجوز العطف على محل مجروره، بل مذهبُ سيبويه في الذي بمعنى الحال والاستقبال أن لا يجوز العطف على محل مجروره، بل النصبُ بفعل مقدر، لو قلت: هذا ضارب زيدٍ وعمراً لم يكن نصب «عمراً» على المحلّ على الصحيح وهو مذهب سيبويه؛ لأن شرط العطف على الموضع مفقود وهو أن يكون للموضع مُحْرِزٌ لا يتغير، وهذا موضحٌ في علم النحو «. قلت: وقد ذكر الزمخشري في أول الفاتحة في ﴿مالك يَوْمِ الدين﴾ [الفاتحة: ٤] أنه لمَّا لم يُقْصد به زمانٌ صارت إضافته محضةً فلذلك وقع صفةً للمعارف، فمِنْ لازم قوله إنه يتعرَّف بالإِضافة أن لا يعمل، لأن العامل في نية الانفصال عن الإِضافة، ومتى كان في نية الانفصال كان نكرة، ومتى كان نكرة فلا يقع صفة للمعرفة. وهذا حسن حيث يَرُدُّ عليه بقوله، وقد تقدم تحقيق هذا في الفاتحة. وقرأ أبو حيوة: ﴿وَالشَّمْسِ والقَمَرِ﴾ جراً نسقاً على اللفظ. وقرئ شاذاً ﴿والشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ رفعاً على الابتداء، وكان مِنْ حقه أن يقرأ «حسبانٌ» رفعاً على الخبر، وإنما قرأه نصباً، فالخبر حينئذ محذوف تقديره: مجعولان حُسْباناً أو مخلوقان حُسْباناً. فإن قلت: لا يمكن في هذه القراءة رفع «حسبان» حتى نُلْزِمَ القارئ بذلك؛ لأن الشمس والقمر ليسا نفس الحسبان. فالجواب: أنهما في قراءة النصب: إمَّا مفعولان أولان و «حسْباناً» ثانٍ، وإمَّا صاحبا حال وحسباناً حال، والمفعول الثاني هو الأول، والحال لا بد وأن تكون صادقة على ذي الحال، فمهما كان الجواب لكم كان لنا والجواب ظاهر مما تقدم.

стр. 3376

والحُسبان فيه قولان، أحدهما: أنه جمع، فقيل: جمع حِساب كرِكاب ورُكبان وشِهاب وشُهبان، وهذا قول أبي عبيد والأخفش وأبي الهيثم والمبرد. وقال أبو البقاء: «هو جمع حُسْبانة» وهو غلط؛ لأن الحُسْبانة القطعة من النار، وليس المراد ذلك قطعاً. وقيل: بل هو مصدر كالرُّجْحان والنُّقْصان والخُسْران، وأما الحساب فهو اسمٌ لا مصدرٌ، وهذا قول ابن السكيت. وقال الزمخشري: «والحُسْبان بالضم مصدرُ حَسَبت يعني بالفتح كما أن الحِسبان بالكسر يعني مصدر حَسِبْتُ بالكسر، ونظيره الكُفران والشُّكْران» وقيل: بل الحُسبان والحِساب مصدران وهو قول أحمد بن يحيى. وأنشد أبو عبيد عن أبي زيد في مجيء الحسبان مصدراً قوله: ٢٠١٣ - على الله حُسْباني إذا النفسُ أشرفَتْ ... على طمعٍ أو خاف شيئاً ضميرُها وانتصاب «حسباناً» على ما تقدم من المفعولية أو الحالية. وقال ثعلب عن الأخفش: إنه منصوبٌ على إسقاط الخافض والتقدير: يجريان بحسبان كقوله ﴿لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾ / أي: من طين. وقوله: «ذلك» إشارةً إلى ما تقدم من الفَلْق أو الجعل أو جميعِ ما تقدَّم من الأخبار في قوله «فالق الحَبِّ» إلى «حُسْبانا» .

стр. 3377

وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ النجوم﴾ : الظاهر أن «جعل»

стр. 3378

بمعنى خلق فتكون متعديةً لواحد، و «لكم» متعلق ب «جَعَلَ» وكذا «لتهتدوا» . فإن قيل: كيف يتعلَّق حرفا جر متَّحدان في اللفظ والمعنى؟ فالجواب أن الثاني بدلٌ من الأول بدلُ اشتمال بإعادة العامل، فإن «ليهتدوا» جار ومجرور، إذ اللام لام كي، والفعل بعدها منصوب بإضمار «أن» عند البصريين وقد تقدَّم تقريره. والتقدير: جعل لكم النجوم لاهتدائكم، ونظيره في القرآن ﴿لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بالرحمن لِبُيُوتِهِمْ﴾ [الزخرف: ٣٣] ف «لبيوتهم» بدلٌ من «لمن يكفر» بإعادة العامل، وقال ابن عطية: «وقد يمكن أن يكون بمعنى» صيَّر «ويقدَّر المفعول الثاني من لتَهْتدوا، أي: جعل لكم النجوم هداية» . قال الشيخ: «وهو ضعيفٌ لندور حَذْفِ أحد مفعولي ظنَّ وأخواتها» قلت: لم يَدَّع ابنُ عطيَّة حذف المفعول الثاني حتى يجعله ضعيفاً إنما قال: إنه مِنْ «لتهتدوا» أي: فيُقَدَّر متعلق الجار الذي وقع مفعولاً ثانياً كما يُقدَّر في نظائره والتقدير: جعل لكم النجوم مستقرة أو كائنة لاهتدائكم. وأمَّا قوله: «أي جَعَل لكم النجومَ هدايةً» فلإِيضاح المعنى وبيانه. والنجوم معروفة وهي جمع نجم، والنجم في الأصل مصدر يقال: نَجَم الكوكبُ ينجُمُ نَجْماً ونُجوماً فهو ناجم، ثم أُطلق على الكوكب مجازاً، فالنجم يستعمل مرة اسماً للكوكب ومرة مصدراً، والنجوم تستعمل مرة للكواكب وتارة مصدراً ومنه: نَجَمَ النبت أي: طَلَع، ونَجَم قرن الشاة وغيرها، والنجم من النبات ما لا ساق له، والشجرُ ما له ساق، والتنجيم: التفريق، ومنه نجوم الكنانة تشبيهاً بتفرق الكواكب.

стр. 3379

قوله تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ﴾ : قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر القاف، والباقون بفتحها، وأمَّا «مُسْتَوْدَع» فالكلُّ قرأه مفتوحَ الدال، وقد روى الأعور عن أبي عمرو بن العلاء كسرها. فَمَنْ كسر القاف جعل «مستقرَّاً» اسم فاعل، والمراد به الأشخاص وهو مبتدأ محذوف الخبر أي: فمنكم مستقر: إمَّا في الأصلاب أو البطون أو القبور، وعلى هذه القراءة تتناسق «ومستودَع» بفتح الدال. وجوَّز أبو البقاء في «مستقِر» بكسر القاف أن يكون مكاناً وبه بدأ قال: «فيكون مكاناً يستقر لكم» انتهى، يعني: والتقدير: ولكم مكان يستقر. وهذا ليس بظاهرٍ البتةَ، إذ المكان لا يوصف بكونه مستقراً بكسر القاف بل بكونه مُسْتَقَرَّاً فيه. وأمَّا مستودَع بفتحها فيجوز أن يكون اسم مفعول، وأن يكون مكاناً، وأن يكون مصدراً، فيقدر الأول: فمنكم مستقر في الأصلاب ومستودع في الأرحام، أو مستقر في الأرض ظاهراً ومستودع فيها باطناً، ويقدر للثاني: فمنكم مستقر ولكم مكان تستودعون فيه، ويقدر للثالث: فمنكم مستقر ولكم استيداع. وأمّا مَنْ فتح القاف فيجوز فيه وجهان فقط: أن يكون مكاناً، وأن يكون مصدراً أي: فلكم مكان تستقرون فيه وهو الصُّلب أو الرحم أو الأرض، أو لكم استقرار فيما تقدم، وينقص أن يكون اسم مفعول لأن فعله قاصر لا يُبنى منه اسم مفعول بخلاف مستودع حيث جاز فيه الأوجه الثلاثة. وتوجيه قراءة أبي عمرو في رواية الأعور عنه في «مستودِع» بالكسر على أن يُجعل الإِنسانُ كأنه مُسْتَوْدِعُ رزقِه وأجَله، حتى إذا نَفِدا كأنه ردَّهما

стр. 3380

وهو مجاز حسن، ويقوِّي ما قلته قولُ الشاعر: ٢٠١٤ - وما المالُ والأهلون إلا وديعةٌ ... ولا بُدَّ يوماً أن تُرَدَّ الودائعُ / والإِنشاء: الإِحداث والتربية، ومنه: إنشاء السحاب، وقال تعالى: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الحلية﴾ [الزخرف: ١٨] فهذا يُراد به التربية، وأكثر ما يستعمل الإِنشاء في إحداث الحيوان، وقد جاء في غيره، قال تعالى: ﴿وَيُنْشِىءُ السحاب الثقال﴾ [الرعد: ١٢] . والإِنشاءُ: قسيمُ الخبر، وهو ما لم يكن له خارجٌ، وهل هو مندرجٌ في الطلب أو بالعكس أو قسم برأسه؟ خلافٌ، وقيل: على سبيل التقريب مقارنة اللفظ لمعناه. وقال الزمخشري: «فإن قلت: فَلِمَ قيل» يعلمون «مع ذكر النجوم، و» يفقهون «مع ذِكْرِ إنشاء بني آدم؟ قلت: كأن إنشاء الإِنس من نفس واحدة وتصريفهم على أحوال مختلفة ألطف وأدق صنعةً وتدبيراً، فكان ذِكْرُ الفقه الذي هو استعمال فطنة وتدقيقُ نظر مطابقاً له» .

стр. 3381

قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ : فيه التفاتٌ من غَيْبة إلى تكلم بنون العظمة، والباء في «به» للسببية، وقوله ﴿نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ قيل: المراد كل ما تسمَّى نباتاً في اللغة. وقال الفراء: «رزق كل شيء أي: ما يصلحُ أن يكون غذاءً لكل شيء فيكون مخصوصاً بالمتغذَّى به» . وقال الطبري: «هو جميع ما ينمو من الحيوان والنبات والمعادن؛ لأنَّ كل ذلك يتغذَّى بالماء» ويترتب على ذلك صناعة إعرابية، وذلك أنَّا إذا قلنا بقولٍ غيرِ الفراء كانت

стр. 3382

الإضافة راجعةً في المعنى إلى إضافة شبه الصفة لموصوفها، إذ يصير المعنى على ذلك: فأخرَجْنا به كلَّ شيء منبَت فإن النبات بمعنى المُنْبَت، وليس مصدراً كهو في ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] وإذا قلنا بقول الفراء كانت الإِضافة إضافةً بين متباينين، إذ يصير المعنى: غذاء كل شيء أو رزقه، ولم ينقل الشيخ عن الفراء غيرَ هذا القول، والفراء له في هذه الآية القولان المتقدمان فإنه قال: «رزق كل شيء» قال: «وكذا جاء في التفسير وهو وجه الكلام، وقد يجوز في العربيَّة أن تضيف النبات إلى كل شيء، وأنت تريد بكل شيء النبات أيضاً، فيكون مثل قوله ﴿حَقُّ اليقين﴾ [الواقعة: ٩٥] واليقين هو الحق» . قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ﴾ في الهاء وجهان أحدهما: أن تعود على النبات وهذا هو الظاهر ولم يذكر الزمخشري غيره، وتكون «مِنْ» على بابها مِنْ كونها لابتداء الغاية أو تكون للتبعيض، وليس بذلك. والثاني: أن تعود على الماء وتكون «مِنْ» سببية، وذكر أبو البقاء الوجهين فقال: «وأخرجنا منه أي: بسببه. ويجوز أن تكون الهاء في» منه «راجعة على النبات وهو الأشبه، وعلى الأول يكون» فأخرجنا «بدلاً من» أخرجنا «الأول» . أي إنه يُكتفى في المعنى بالإِخبار بهذه الجملة الثانية وإلا فالبدل الصناعي لا يظهر، والظاهر أنَّ «فأخرجنا» عطف على «فأخرجنا» الأول. وقال الشيخ: «وأجاز أبو البقاء أن يكون بدلاً مِنْ فأخرجنا» . قلت: إنما جعله بدلاً بناء على عود الضمير في «منه» على الماء فلا يصحُّ أن يحكى عنه أنه جعله بدلاً مطلقاً؛ لأن البدلية لا تُتَصَوَّرُ على جعل الهاء في «منه» عائدة على النبات.

стр. 3383

والخَضِر بمعنى الأخضر كَعَوِر وأعور. قال أبو إسحاق «يقال اخضَرَّ يخضرُّ فهو خَضِر وأخضر كاعوَّر فهو عَوِرٌ وأعورُ» والخُضْرة أحدُ الألوان وهي بين البياض والسواد لكنها إلى السواد أقرب، ولذلك أُطلق الأسود على الأخضر وبالعكس، ومنه «سَواد العراق» لخضرة أرضه بالشجر. وقال تعالى: ﴿مُدْهَآمَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] أي: شديدتا السواد لريِّهما. والمخاضرة: مبايَعَةُ الخُضَر والثمار قبل بلوغها، والخَضِيرة نخلةٌ ينتثر بُسْرُها أخضرَ. وقوله ﵇: «إياكم وخضراءَ الدِّمَن» فقد فسَّره هو ﵇ بقوله: «المرأة الحسناء في المنبت السوء» والدِّمَن: مطارحُ الزِّبالة وما يُسْتَقْذر، فقد ينبُت فيها ما يستحسنه الرائي. قوله: ﴿نُّخْرِجُ مِنْهُ﴾ أي: من الخَضِر. والجمهور على «نُخْرج» مسنداً إلى ضمير المعظم نفسه. وقرأ ابن محيصن والأعمش «يخرج» بياء الغيبة مبنياً للمفعول، «حَبٌّ» قائم مقام فاعله، وعلى كلتا القراءتين تكون الجملة صفة ل «خَضِراً» وهذا هو الظاهر، وجوَّزوا فيها أن تكون مستأنفةً، ومتراكب رفعاً ونصباً صفة ل «حَبّ» بالاعتبارين. قوله: ﴿وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ﴾ يجوز في هذه الجملة أوجه، أحدها: وهو أحسنها أن يكون «من النخل» خبراً مقدماً، و «من طَلْعِها» بدل بعض من كل بإعادة العامل فهو كقوله: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو الله﴾ [الممتحنة: ٦] و «قِنْوان» مبتدأ مؤخر، وهذه جملةٌ ابتدائية

стр. 3384

عُطِفَتْ على الفعلية قبلها. والثاني: أن يكونَ «قِنْوان» فاعلاً بالجار قبله وهو من النخل، و «من طلعها» على ما تقدم من البدلية، وذلك على رأي الأخفش. الثالث: أن تكون المسألة من باب التنازع، يعني أن كلاً من الجارَّيْن يطلب قنواناً على أنه فاعل على رأي الأخفش: فإن أعملت الثاني وهو مختار قول البصريين أضمرت في الأول، وإن أَعْمَلْتَ الأول كما هو مختار قول الكوفيين أضمرت في الثاني، قال أبو البقاء: «والوجه الآخر أن يرتفع» قِنْوان «على أنه فاعل» من طلعها «فيكون في» من النخل « [ضميرٌ يفسره قنوان] وإن رفعت» قنوان «بقوله» ومن النخل «على قول مَنْ أعمل أول الفعلين جاز، وكان في» من طلعها «ضمير مرفوع» . قلت: فقد أشار بقوله «على أنه فاعل» من طلعها «إلى إعمال الثاني. الرابع: أن يكون» قنوان «مبتدأ و» من طلعها «الخبر، وفي» من النخل «ضمير تقديره: ونبت من النخل شيء أو ثمر فيكون» من طلعها «بدلاً منه. قاله أبو البقاء، وهذا كلامٌ لا يَصِحُّ لأنه بعد أن جعل» مِنْ طلعها «الخبر فكيف يُجْعل بدلاً؟ فإن قيل: يجعله بدلاً منه لأن» من النخل «خبر للمبتدأ. فالجواب أنه قد قَدَّم هذا الوجه وجعله مقابلاً لهذا فلا بد أن يكون هذا غيرَه، فإنه قال قبل ذلك:» وفي رفعه وجهان أحدهما: هو مبتدأ وفي خبره وجهان، أحدهما هو «من النخل» وم نطَلْعِها بدل بإعادة الجار «. قال الشيخ: «وهذا إعراب فيه تخليط» .

стр. 3385

الخامس: أن يكون مبتدأ محذوف الخبر لدلالة «أخرجنا» عليه تقديره: ومخرجةٌ من طلع النخل قنوان «هذا نص الزمخشري، وهو كما قال الشيخ لا حاجة إليه؛ لأن الجملة مستقلة في الإِخبار بدونه. السادس: أن يكون» من النخل «متعلقاً بفعل مقدر، ويكون ﴿مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ﴾ جملة ابتدائية في موضع المفعول ب» نخرج «. وإليه ذهب ابن عطية فإنه قال:» ومن النخل تقديره: «ونُخْرِجُ من النخل» و «من طلعها قنوان» ابتداء خبره مقدم، والجملة في موضع المفعول ب «نخرج» قال الشيخ: «وهذا خطأ لأنَّ ما يتعدَّى إلى مفعول واحد لا تقع الجملة في موضع مفعوله، إلا إذا كان الفعل مما يُعَلَّق، وكان في الجملة مانعٌ يمنع من العمل في شيء من مفرداتها على ما شُرِحَ في النحو، و» نُخْرج «ليس ممَّا يُعَلَّق، وليس في الجملة ما يمنع من العمل في مفرداتها، إذ لو سُلِّط الفعلُ على شيء من مفردات الجملة لكان التركيب» ونخرج من النخل مِنْ طَلْعِها قنواناً «بالنصب مفعولاً به. وقال الشيخ:» ومن قرأ: «يُخْرَج منه حب متراكب» جاز أن يكون قوله ﴿وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ﴾ معطوفاً عليه نحو: «يُضرب في الدار زيد وفي السوق عمرو» أي أنه يُعطف «قنوان» على «حب» ، و «من النخل» معطوف على «منه» ثم قال: «وجاز أن يكون مبتدأ وخبراً وهو الأوجه» والقِنْوان: جمع ل «قِنْو» كالصِنْوان جمع لصِنْو، والقِنْوُ: العِذْق بكسر العين وهو عنقودُ النخلة، ويقال له الكِباسة، قال امرؤ القيس:

стр. 3386

٢٠١٥ - وفَرْعٍ يُغَشِّي المَتْنَ أسودَ فاحِمٍ ... أثيثٍ كقِنْو النخلة المُتَعَثْكِل وقال أيضاً: ٢٠١٦ - سوامِقُ جَبَّارٍ أَثِيثٍ فروعُه ... وعالَيْنَ قِنْواناً من البُسْر أحمرا والقنوان: جمع تكسير قال أبو علي: «الكسرة التي في قِنْوان ليست التي كانت في قِنْو لأن تلك حذفت في التكسير وعاقبتها كسرة أخرى كما قُدِّر تغيير كسرة» هِجان «جمعاً عن كسرته مفرداً، فكسرة هِجان جمعاً ككسرة ظِراف» . قال الواحدي: «وهذا مما توضحه الضمة في آخر» منصور «على قولِ مَنْ قال» يا حارُ «يعني بالضمة ليست التي كانت فيه/ في قول مَنْ قال» يا حارِ «يعني بالكسر» . وفيه لغات: فلغةُ الحجاز «قِنْوان» بكسر القاف، وهي قراءة الجمهور. وقرأ الأعمش والحباب عن أبي عمرو والأعرج بضمِّها، ورواها السلمي عن علي بن أبي طالب، وهي لغة قيس، ونقل ابن عطية عكس هذا فجعل الضمَّ لغةَ الحجاز فإنه قال: «وروي عن الأعرج ضم القاف على أنه جمع» قُنو «بضمِّ القاف» ، قال الفراء: «وهي لغة قيس وأهل الحجاز، والكسرُ أشهر في العرب» . واللغة الثالثة: قَنْوان بفتح القاف وهي قراءة أبي عمرو في رواية هارون عنه. وخرَّجها ابن جني على أنها اسم جمع لِقنْو لا جمعاً إذ ليس في صيغ

стр. 3387

الجموع ما هو على وزن فَعْلان بفتح الفاء، ونظَّره الزمخشري برَكْب، وأبو البقاء بالباقر، وتنظير أبي البقاء أولى لأنه لا خلاف في الباقر أنه اسم جمع، وأمَّا رَكْب ففيه خلاف لأبي الحسن مشهور، ويدل على ذلك أيضاً شيء آخر وهو أنه قد سُمِعَ في المفرد كَسْرُ القاف وضمها فجاء الجمع عليهما. وأمَّا الفتح فلم يَرِدْ في المفرد. واللغة الرابعة قُنْيان بضم القاف مع الياء دون الواو. والخامسة: قِنْيان بكسر القاف مع الباء أيضاً، وهاتان لغتا تميم وربيعة. وأما المفرد فلا يقولونه بالياء أصلاً بل بالواو سواء كسروا القاف أم ضمُّوها، فلا يقولون إلا قِنواً وقُنوا، ولا يقولون قِنيا ولا قُنيا، فخالف الجمعُ مفرده في المادة وهو غريب. واختُلف في مدلول «القِنْو» فقيل: هو الجُمَّار وهذا يكاد يكون غلطاً، وكيف يُوْصَفُ بكونه دانياً أي: قريب الجنى، والجُمَّار إنما هو في قلب النخلة، والمشهور أنه العِذْق كما تقدم ذلك. قال أبو عبيد: «وإذا ثَنَّيْتَ قِنْواً قلت: قِنوان بكسر النون، ثم جاء جمعه على لفظ الاثنين مثل: صِنْوٌ وصنوان، والإِعراب على النون في الجمع، وليس لهما في كلام العرب نظير» قال: ٢٠١٧ -. . . . . . . . . . . . . . ... ومالَ بقِنْوانٍ مِنَ البُسْرِ أحمرا قلت: إذا وُقف على «قنوان» المثنى رفعاً وعلى «قنوان» جمعاً وقع الاشتراك اللفظي، ألا ترى أنك إذا قلت: «عندي قنوان» وقفاً احتمل ما ذكرته من التثنية والجمع، فإذا وصلت وقع الفرق فإنك تجعل الإِعراب على النون

стр. 3388

حالَ جمعه كغِربان وصِرْدان بكسر النون في التثنية. ويقع الفرق أيضاً بوجوهٍ أُخَرَ منها: انقلاب الألف ياءً نصباً وجراً في التثنية نحو: رأيت قِنْوَيْك وصِنْويك ومررت بقنويك وصنويك، ومنها: حذف نون التثنية إضافةً وثبوت النون في الجمع نحو: جاء قنواك وصنواك وقنوانك وصنوانك، ومنها: في النسب فإنك تحذف علامتي التثنية فتقول: قِنْوَيّ وصِنْوَي، ولا تحذف الألف ولا النون إذا أردت الجمع بل تقول: قِنْوانيّ وصِنْواني، وهذان اللفظان في الجمع تكسيراً يشبهان الجمع تصحيحاً وذلك أن كلاً منهما لحق آخره علامتان في حال الجمع مزيدتان ولم يتغيَّرْ معها بناء الواحد، والفرق ما قدَّمْتُه لك، وأيضاً فإن الجمع مِنْ قنوان وصنوان، إنَّما فهمناه من صيغة فِعْلان لا من الزيادتين، بخلاف الزيدين، فإن الجمع فهمناه منهما، وهذا الفصل الذي ذكرْتُه مِنْ محاسن علم الإِعراب والتصريف واللغة. وقال الراغب بعد أن ذَكَرَ أنه العِذْق: «والقَناةُ تشبه القِنْوَ في كونهما غصنين، وأما القناة التي يجري فيها الماء قيل لها ذلك لأنها تشبه القناة في الخط والامتداد، وقيل: أصلها مِنْ قَنَيْتُ الشيء إذا ادَّخَرْتَه لأنها مُدَّخِرَةٌ للماء. وقيل: هو مِنْ قاناه أي: خالطه، قال - يعني امرأ القيس -/: ٢٠١٨ - كبِكْرِ مُقاناةِ البياضِ بصُفْرةٍ ... غَذَاها نُمَيْرُ الماءِ غيرَ مُحَلَّلِ وأمَّا» القنا «الذي هو الاحْدِيْداب في الأنف فيشبَّه في الهيئة بالقنا يقال: رجل أقنى وامرأة قَنْواء كأحمر وحمراء» . والطَّلع: أول ما يخرج من النخلة في أكمامه. قال أبو عبيد: «الطَّلْعُ: الكُفُرَّى قبل أن تنشقَّ عن الإغريض

стр. 3389

والإِغريض يسمى طَلْعاً يقال: أطلعت النخلة إذا أخرجت طَلْعَها، تطلُع إطلاعاً وطلع الطلع يَطْلُع طلوعاً ففرقوا بين الإِسنادين. وأنشدني بعضهم في مراتب ما تثمره النخلة قول الشاعر: ٢٠١٩ - إن شِئْتَ أن تَضْبِطَ يا خَليلُ ... أسماءَ ما تُثْمِرُه النخيلُ فاسمَعْه مَوْصوفاً على ما أذكرُ ... طَلْعٌ وبعده خَلال يظهر وبَلَحٌ ثم يليه بُسْرُ ... ورُطَب تجنيه ثم تَمْرُ فهذه أنواعُها يا صاحِ ... مضبوطةً عن صاحب الصِّحاح قوله:» وجنَّات «الجمهور على كسر التاء من» جنات «لأنها منصوبة نسقاً على نبات أي: فأخرجنا بالماء النبات وجنات، وهو من عطف الخاص على العام تشريفاً لهذين الجنسين على غيرهما كقوله تعالى: ﴿وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] وعلى هذا فقوله ﴿وَمِنَ النخل مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ﴾ جملةٌ معترضة وإنما جيء بهذه الجملة معترضة، وأبرزت في صورة المبتدأ والخبر تعظيماً للمِنَّة به؛ لأنه من أعظم قوت العرب؛ لأنه جامع بين التفكُّه والقوت، ويجوز أن ينتصب» جنات «نسقاً على» خضراً «. وجوَّز الزمخشري - وَجَعَلَهُ الأحسنَ - أن ينتصب على الاختصاص كقوله» والمقيمي الصلاة «قال:» بفضلِ هذين الصنفين «وكلامُهُ يُفْهم أن القراءة الشهيرة عنده برفع» جنات «، والقراءة بنصبها شاذة، فإنه أولُ ما ذكر توجيهُ الرفع كما سيأتي، ثم قال:» وقرئ «وجنات» بالنصب «فذكر الوجهين المتقدمين. وقرأ الأعمش ومحمد بن أبي ليلى وأبو بكر في رواية عنه عن عاصم»

стр. 3390

وجنات «بالرفع وفيها ثلاثة أوجه، أحدها: أنها مرفوعة بالابتداء، والخبر محذوف. واختلفت عبارة المعربين في تقديره: فمنهم مَنْ قَدَّره متقدِّماً، ومنهم من قَدَّره متأخراً، فقدَّره الزمخشري متقدماً أي: وثَمَّ جنات، وقدَّره أبو البقاء» ومن الكرم جنات «، وهذا تقدير حسن لمقابلة قوله» ومن النخل «أي: من النخل كذا ومن الكرم كذا، وقَدَّره النحاس» ولهم جنَّات «، وقدَّره ابن عطية:» ولكم جنات «، ونظيره قراءة ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بعد قوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكوابٍ﴾ أي: ولهم حورٌ عين، ومثل هذا اتَّفَقَ على جوازه سيبويهِ والكسائي والفراء. وقدَّره متأخراً فقال: أي وجنات من أعناب أخرجناها. قال الشيخ: «ودل على تقديره [قوله] قبلُ» فأخرجنا «كما تقول: أكرمت عبد الله وأخوه أي: وأخوه أكرمته» . قلت: وهذا التقدير سبقه إليه ابن الأنباري، فإنه قال: «الجناتُ» رُفِعت بمضمر بعدها تأويلها: وجناتٌ من أعناب أخرجناها، فجرى مَجْرَى قول العرب: «أكرمت عبدَ الله وأخوه» تريد: وأخوه أكرمته. قال الفرزدق: ٢٠٢٠ - غداةَ أحلَّتْ لابنِ أَصْرَمَ طَعْنَةٌ ... حصينٍ عَبيطاتِ السَّدائِفِ والخمرُ

стр. 3391

فرفع «الخمر» وهي مفعولة، على معنى: والخمر أَحَلَّها الطعنة. الوجه الثاني: أن يرتفع عطفاً على «قنوان» ، تغليباً للجوار، كما قال الشاعر: ٢٠٢١ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وزجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا فنسق «العيون» على «الحواجب» تغليباً للمجاورة، والعيونُ لا تُزَجَّج، كما أن الجنات من الأعناب لا يَكُنَّ من الطَّلْع، هذا نصُّ مذهب ابن الأنباري أيضاً، فتحصَّل له في الآية مذهبان، وفي الجملة فالجواب ضعيف، وقد تقدم أنه من خصائص النعت. والثالث: أن يعطف على «قنوان» . قال الزمخشري: «على معنى: محاطة أو مُخْرجة من النخل قنوان، وجنات من أعناب أي: من نبات أعناب. قال الشيخ:» وهذا العطفُ هو على أن لا يُلْحَظَ فيه قيدٌ من النخل فكأنه قال: ومن النخل قنوان دانية وجنات من أعناب حاصلة كما تقول: «من بني تميم رجل عاقل ورجل من قريش منطلقان» . قلت: وقد ذكر الطبري أيضاً هذا الوجه أعني عطفها على «قنوان» ، وضعَّفه ابن عطية، كأنه لم يظهر له ما ظهر لأبي القاسم من المعنى المشار إليه، ومنع أبو البقاء عطفه على «قنوان» قال: «لأن العنب لا يخرج من النخل» . وأنكر أبو عبيد وأبو حاتم هذه القراءة. قال أبو حاتم: «هذه القراءة محال؛ لأن الجنات من الأعناب. لا تكون من النخل» . قلت: أمَّا جواب أبي البقاء فيما قاله الزمخشري، وأمَّا جوابُ أبي عبيد وأبي حاتم فيما تقدم من توجيه الرفع. و «من أعناب» صفة لجنات فتكون في محل رفع ونصب بحسب القراءتين، وتتعلق بمحذوف.

стр. 3392

قوله: ﴿والزيتون والرمان﴾ لم يقرأهما أحد إلا منصوبين، ونصبهما: إمَّا عطفٌ على جنات وإمَّا على نبات، وهذا ظاهر قول الزمخشري، فإنه قال: «وقرئ» وجنات «بالنصب عطفاً على» نباتَ كل شيء «أي: وَأَخْرَجْنا به جناتٍ من أعناب، / وكذلك قوله: والزيتونَ والرُّمَّان» . ونصَّ أبو البقاء على ذلك فقال: «وجنات بالنصب عطفاً على نبات، ومثله: الزيتونَ والرمانَ» . وقال ابن عطية: «عطفاً على» حَبَّاً «. وقيل على» نبات «وقد تقدم لك أن في المعطوف الثالث فصاعداً احتمالين، أحدهما: عطفه على ما يليه، والثاني: عطفه على الأول نحو: مررت بزيدٍ وعمروٍ وخالد، فخالد يحتمل عطفه على زيد أو عمرو، وقد تقدم أن فائدة الخلاف تظهر في نحو:» مررت بك وبزيد وبعمرو «فإن جعلته عطفاً على الأول لَزِمَت الباء وإلاَّ جازت. والزيتون وزنه فَيْعُول فالتاءُ مزيدةٌ، والنون أصلية لسقوط ذيك في الاشتقاق وثبوت ذي، قالوا: أرض زَتِنَة أي كثيرة الزيتون، فهو نظير قيصوم، ولأنَّ فَعْلولاً مفقودٌ أو نادر، ولا يُتَوَهَّم أن تاءَه أصلية ونونَه مزيدة بدلالة الزيت فإنهما مادتان متغايرتان، وإن كان الزيت معتصراً منه، ويقال: زات طعامه أي: جعل فيما زيتاً، وزاتَ رأسَه أي: دَهَنَه به، وازْدات: أي ادَّهن أُبْدلت تاء الافتعال دالاً بعد الزاي كازدجر وازدان. والرُّمَّان وزنه فُعَّال

стр. 3393

نونه أصلية فهو نظير عُنَّاب وحُمَّاض لقولهم: أرض رَمِنَةٌ أي: كثيرتُه. قوله: ﴿مُشْتَبِهاً﴾ حال: إمَّا من» الرمان «لقربه، وحذفت الحال من الأول تقديره: والرمان مشتبهاً، ومعنى التشابه أي في اللون، وعدم التشابه أي في الطعم. وقيل: هي حال من الأول وحذفت حال الثاني، وهذا كما تقدم لك في الخبر المحذوف، نحو: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وإلى هذا نحا الزمخشري فإنه قال:» والزيتون مشتبهاً وغير مشتبه والرمان كذلك كقوله: ٢٠٢٢ - رماني بأمرٍ كنت منه ووالدي ... بريئاً. . . . . . . . . . . . . . . . . قال الشيخ: «فعلى قوله يكون تقدير البيت: كنت منه بريئاً ووالدي كذلك أي: بريئاً، والبيت لا يتعين فيه ما ذَكَرَ؛ لأن بريئاً على وزن فعيل كصديق ورفيق، فيصحُّ أن يُخْبَرَ به عن المفرد والمثنى والمجموع، فيحتمل أن يكون» بريئاً «خبر» كان «على اشتراك الضمير والظاهر المعطوف عليه فيه، إذ يجوز أن يكون خبراً عنهما، ولا يجوز أن يكون حالاً منهما، إذ لو كان لكان التركيب مشتبهين وغير مشتبهين» . قال أبو البقاء: «حال من الرمان ومن

стр. 3394

الجميع» ، فإن عنى في المعنى فصحيح ويكون على الحذف كما تقدَّم، وإن أراد في الصناعة فليس بشيء لأنه كان يلزم المطابقة. والجمهور على «مشتبهاً» وقرئ شاذاً متشابهاً وغير متشابه كالثانية، وهما بمعنى واحد. قال الزمخشري: «كقولك: اشتبه الشيئان وتشابها كاستويا وتساويا. والافتعال والتفاعل يشتركان كثيراً» . انتهى. وأيضاً فقد جَمَعَ بينهما في هذه الآية في قوله «مشتبهاً وغير متشابه» . قوله: ﴿إلى ثَمَرِهِ﴾ متعلِّق ب «انظروا» وهي بمعنى الرؤية، وإنما تَعَدَّتْ ب إلى لِما تَتَضَمَّنه من التفكر. وقرأ الأخوان «ثُمُرِه» بضمتين، والباقون: بفتحتين، وقُرِئَ شاذاً بضم الأول وسكون الثاني. فأمَّا قراءة الأخوين فتحتمل أربعة أوجه، أحدها: أن تكون اسماً مفرداً كطُنُب وعُنُق. والثاني: أنه جمع الجمع فَثُمُر جمع ثِمار وثمار جمع ثَمَرة وذلك نحو: أُكُم جمع إكام وإكام جمع أَكَمَة فهو نظير كُثْبان وكُثُب. والثالث: أنه جمع ثَمَرَ كما قالوا: أسَد وأُسُد. والرابع: أنه جمع ثمرة، قال الفارسي: «والأحسن أن يكون جمع ثَمَرَة كخشبة وخُشُب، وأكمة وأُكُم ونظيره في المعتل: لابة ولُوْب، وناقة ونوق، وساحة وسوح. وأما قراءة الجماعة فالثَمَر اسم جنس مفرده ثمرة كشجر وشجرة، وبقر وبقرة، وجزر وجزرة. وأما قراءة التسكين فهي تخفيف قراءة الأخوين،

стр. 3395

وقيل: بل هي جمع ثَمَرَة كبُدْن جمع بَدَنَة، ونقل بعضهم أنه يقال ثَمُرَة بزنة سَمُرة، وقياسها على هذا ثَمُر كسَمُر بحذف التاء إذا قُصِدَ جمعُه، وقياسُ تكسيرِه أثمار كعَضُد وأعضاد، وقد قرأ أبو عمرو الذي في سورة الكهف بالضم وسكون الميم، فهذه القراءة التي هنا فصيحة كان قياس أبي عمرو أن يقرأهما شيئاً واحداً لولا أن القراءة مستندها النقل. وقرأ أبو عمرو والكسائي وقنبل» خُشْب «. والباقون بالضم، فهذه القراءة نظير تِيك. وهذا الخلاف أعني في» ثَمَرِه «والتوجيه بعينه جارٍ في سورة يس. وأما الذي في سورة الكهف ففيه ثلاث قراءات: فعاصم يقرؤه بفتحتين كما يقرؤه في هذه السورة، وفي يس، فاستمرَّ على عمل واحد، والأخوان يقرآنه بضمتين في السور الثلاث/ فاستمرا على عمل واحد، وأمَّا نافع وابن كثير وابن عامر فقرؤوا ما في الأنعام ويس بفتحتين وقرؤوا ما في الكهف بضمتين، وأمَّا أبو عمرو فقرأ ما في الأنعام ويس بفتحتين وما في الكهف بضمة وسكون. وقد ذكروا في توجيه الضمتين في الكهف ما لا يمكن أن يأتي في السورتين، وذلك أنهم قالوا في الكهف: الثُّمُر بالضم المال، وبالفتح المأكول. وقوله: ﴿إِذَآ أَثْمَرَ﴾ ظرق لقوله:» انظروا «، وهو يحتمل أن يكون متمحضاً للظرف، وأن يكون شرطاً، وجوابه محذوف أو متقدم عند من يرى ذلك أي: إذا أثمر فانظروا إليه. قوله: ﴿وَيَنْعِهِ﴾ الجمهور على فتح الياء مِنْ» ينعه «وسكون النون. وقرأ

стр. 3396

ابن محيصن بضم الياء وهي قراءة قتادة والضحاك. وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة واليماني: يانعة، ونسبها الزمخشري لابن محيصن، فيجوز أن يكون عنه قراءتان. والينع بالفتح والضم مصدر: يَنَعَتِ الثمرة أي: نضجت، والفتح لغة الحجاز، والضم لغة بعض نجد، ويقال أيضاً يُنُع ويُنُوع بواو بعد ضمتين. وقيل: اليَنْع بالفتح جمع يانِع كتاجِر وتَجْر وصاحِب وصَحْب، ويقال: يَنَعَت الثمرة وأينعت ثلاثياً ورباعياً بمعنى. وقال الحَجَّاج:» أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها «. ويانع اسم فاعل وقيل: أينعت الثمرة وينعت احمرَّت، قاله الفراء، ومنه الحديث في الملاعنة: «إنْ وَلَدَتْهُ أحمرَ مثلَ اليَنَعَة» وهي خَرَزَةٌ حمراء، قيل: هي العقيق أو نوع منه. ويقال: يَنَعَتْ تَيْنِع بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل هذا قول أبي عبيد وأنشد: ٢٠٢٣ -. . . . . . . . . . . . . . . . . ... حولها الزيتونُ قد يَنَعَا وقال الليث بعكس هذا: أي بكسرها في الماضي وبفتحها في المستقبل. وناسب ختامَ هذه الآية بقوله «لقوم يؤمنون» كونُ ما تقدَّم دالاً على وحدانيته وإيجاده المصنوعات المختلفة، فلا بُدَّ لها مِنْ مدبِّر مع أنها نابتةٌ من أرضٍ واحدةٍ وتُسْقَى بماءٍ واحد، وهذه الدلائل إنما تنفع المؤمنين المتدبِّرين دون غيرهم.

стр. 3397

قوله تعالى: ﴿شُرَكَآءَ الجن﴾ : الجمهور على نصب «الجن» وفيه خمسة أوجه، أحدها: وهو الظاهر أنَّ «الجن» هو المفعول الأول، والثاني هو «شركاء» قُدِّم، و «لله» متعلِّق بشركاء. والجَعْل هنا بمعنى التصيير، وفائدةُ التقديم كما قالَه الزمخشري استعظامُ أن يُتَّخَذَ لله شريكٌ مَنْ كان مَلَكاً أو جنِّيَّاً أو إِنسِيَّاً ولذلك قُدِّم اسم الله على الشركاء «انتهى. ومعنى كونهم جعلوا الجن شركاء لله هو أنهم يعتقدون أنهم يخلقون من المضارِّ والحيَّات والسباع كما جاء في التفسير. وقيل: ثم طائفة من الملائكة يسمَّون الجن كان بعض العرب يعبدها. الثاني: أن يكون» شركاء «مفعولاً أول و» لله «متعلقٌ بمحذوف على أنه المفعول الثاني، و» الجنّ «بدل من» شركاء «، أجاز ذلك الزمخشري وابن عطية والحوفي وأبو البقاء ومكي بن أبي طالب، إلا أنَّ مكِّيَّاً لمَّا ذَكَرَ هذا الوجهَ جَعَلَ اللامَ مِنْ» لله «متعلقةً بجَعَلَ فإنه قال:» الجنَّ مفعولٌ أولُ لَجَعَلَ و «شركاءَ» مفعولٌ ثانٍ مقدَّم، واللام في «لله» متعلقة بشركاء، وإن شِئْتَ جَعَلْتَ «شركاء» مفعولاً أول، والجن بدلاً من شركاء، و «لله» في موضع المفعول الثاني، واللام متعلقة بجعل «. قلت: بعد أن جعل» لله «مفعولاً ثانياً كيف يُتَصَوَّر أن يَجْعَلَ اللامَ متعلقةً بالجعلِ؟ هذا ما لا يجوز لأنَّه لما صار مفعولاً ثانياً تعيَّنَ تعلُّقُهُ بمحذوف على ما عرفته غيرَ مرة. قال الشيخ:» وما أجاوزه - يعني الزمخشري ومن ذُكِرَ معه - لا يجوز؛ لأنه يصِحُّ للبدل أن

стр. 3398

يحلَّ محلَّ المبدل منه فيكونَ الكلام منتظماً، لو قلت: وجعلوا لله الجنَّ لم يَصِحَّ، وشرطُ البدل أن يكون على نية تكرار العامل على أشهر القولين أو معمولاً للعامل في المبدل منه على قول، وهذا لا يَصِحُّ هنا البتَةَ لِما ذكرنا «قلت: هذا القول المنسوب للزمخشري ومَنْ ذُكِرَ معه سبقهم إليه الفراء وأبو إسحاق فإنهما أجازا أن يكونا مفعولين قُدِّم ثانيهما على الأول وأجازا أن يكون» الجن «بدلاً من» الشركاء «ومفسِّراً للشركاء هذا نصُّ عبارتهم، وهو معنى صحيح أعني كونَ البدل مفسراً، فلا معنى لردِّ هذا القول، وأيضاً فقد رَدَّ هو على الزمخشري عند قوله تعالى ﴿إِلاَّ مَآ أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعبدوا﴾ [المائدة: ١١٧] فإنه لا يلزم في كل بدلٍ أن يحل مَحَلَّ المبدلِ منه، قال:» ألا ترى إلى تجويز النحويين «زيد مررت به أبي عبد الله» ولو قلت: «زيد مررت بأبي عبد الله» لم يجز إلا على رأي الأخفش «وقد سبق هذا في المائدة، فقد قرر/ هو أنه لا يلزم حلول البدل محلَّ المبدل منه فكيف يَرُدُّ به هنا؟ الثالث: أن يكون» شركاء «هو المفعول الأول و» الجن «هو المفعول الثاني، قاله الحوفي، وهذا لا يَصِحُّ لِما عرفت أن الأول في هذا الباب مبتدأ في الأصل والثاني خبر في الأصل، وتقرَّر أنه إذا اجتمع معرفة ونكرة جَعَلْتَ المعرفة مبتدأ والنكرة خبراً، من غير عكس إلا في ضرورة، تقدَّم التنبيه على الوارد منها. الرابع: أن يكون «شركاء الجن» مفعولين على ما تقدَّم بيانه. و «لله» متعلق بمحذوف على أنه حال من «شركاء» ؛ لأنه لو تأخر عنها لجاز أن يكون

стр. 3399

صفة لها قاله أبو البقاء، وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنه يصير المعنى: جعلوهم شركاء في حال كونهم لله أي: مملوكين، وهذه حال لازمة لا تنفك، ولا يجوز أن يقال إنها غير منتقلة لأنها مؤكدة إذ لا تأكيدَ فيها هنا، وأيضاً فإنَّ فيه تهيئةَ العامل في معمول وقَطْعَه عنه؛ فإن «شركاء» يطلب هذا الجارَّ ليعمل فيه والمعنى منصبٌّ على ذلك. الخامس: أن يكون «الجنَّ» منصوباً بفعل مضمر جواب لسؤال مقدَّر، كأن سائلاً سأل فقال بعد قوله تعالى ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ﴾ : مَنْ جعلوا لله شركاء؟ فقيل: الجنَّ، أي: جعلوا الجن، نقله الشيخ عن شيخه أبي جعفر بن الزبير، وجعله أحسن مما تقدَّم قال: «ويُؤَيِّد ذلك قراءةُ أبي حيوة ويزيد بن قطيب» الجنُّ «رفعاً على تقدير: هم الجن، جواباً لمن قال: [من] جعلوا لله شركاء؟ فقيل: هم الجن، ويكون ذلك على سبيل الاستعظام لما فعلوه والاستنقاص بمن جعلوه شريكاً لله تعالى. وقال مكي:» وأجاز الكسائي رفع «الجن» على معنى هم الجن «، فلم يَرْوِها عنه قراءةً، وكأنه لم يطَّلع على أن غيرَه قرأها كذلك. وقرأ شعيب بن أبي حمزة ويزيد بن قطيب وأبو حيوة في رواية عنهما أيضاً» شركاءَ الجنِّ «بخفض» الجن «، قال الزمخشري:» وقرئ بالجر على الإِضافة التي للتبيين فالمعنى: أشركوهم في عبادتهم لأنهم أطاعوهم

стр. 3400

كما أطاعوا الله «. قال الشيخ:» ولا يتضح معنى هذه القراءة، إذ التقدير: وجعلوا شركاء الجن لله «. قلت: معناها واضح بما فسَّره الزمخشري في قوله، والمعنى: أَشْرَكوهم في عبادتهم إلى آخره ولذلك سَمَّاها إضافة تبيين، أي إنه بيَّن الشركاء كأنه قيل: الشركاء المطيعين للجن. قوله: ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ الجمهور على» خَلَقَهم «بفتح اللام فعلاً ماضياً، وفي هذه الجملة احتمالان، أحدهما: أنها حالية ف» قد «مضمرةٌ عند قومٍ وغير مضمرة عند آخرين. والثاني: أنها مستأنفة لا محَلَّ لها، والضمير في «خلقهم» فيه وجهان، أحدهما: أنه يعود على الجاعلين أي: جعلوا له شركاء مع أنه خلقهم وأوجدهم منفرداً بذلك من غير مشاركة له في خلقهم فكيف يشركون به غيره ممَّن لا تأثيرَ له في خلقهم؟ والثاني: أنه يعود على الجن أي: والحال أنه خلق الشركاء فكيف يجعلون مخلوقه شريكاً له؟ وقرأ يحيى بن يعمر: «وَخَلْقهم» بسكون اللام. قال الشيخ: «وكذا في مصحف عبد الله» . قلت: قوله «وكذا في مصحف عبد الله» فيه نظر من حيث إن الشكل الاصطلاحي أعني ما يدل على الحركات الثلاث وما يدل على السكون كالجزء منه كانت مصاحفُ السَّلفِ منها مجردة، والضبط الموجود بين أيدينا اليوم أمرٌ حادث، يقال: إن أول مَنْ أحدثه يحيى بن يعمر، فكيف يُنسب ذلك لمصحف عبد الله بن مسعود؟ وفي هذه القراءة تأويلان أحدهما: أن يكون «خَلْقهم» مصدراً بمعنى اختلاقهم. قال الزمخشري: أي اختلاقهم للإِفك يعني: وجعلوا لله خَلْقَهم حيث نسبوا قبائحهم إلى الله في قولهم «والله أمَرَنا بها» انتهى. فيكون «لله» هو المفعول الثاني قُدِّم على
следующие страницы →