← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ﴾ : «ما» بمعنى الذي وليست الكافة، و «توعدون» صلتها، والعائد محذوف أي: إنَّ ما توعدونه،

стр. 3502

و «لآتٍ» الخبر مؤكَّد باللام. وقرأ الأخَوان هنا «مَنْ يكون له عاقبة الدار» ، وفي القصص، بالياء، والباقون بالتاء من فوق. وهما واضحتان فإنَّ تأنيثها غير حقيقي، وقد تقدَّم ذلك في قوله: ﴿وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة: ١٢٣] .

стр. 3503

وقرأ العامَّة ﴿على مَكَانَتِكُمْ﴾ هنا وفي جميع القرآن بالإِفراد، وأبو بكر عن عاصم: «مكاناتكم» بالجمع في الجميع، فَمَنْ أفرد فلإِرادة الجنس ومَنْ جمع فليطابق ما بعدها فإن المخاطبين جماعة وقد أضيفت إليهم، وقد علم أنَّ لكل واحد مكانه. واختلف في ميم «مكان ومكانة» فقيل: هي أصلية وهما مِنْ مكن يمكن، وقيل: هما من الكون فالميم زائدة، فيكون المعنى على الأول: اعملوا على تمكُّنكم من أمركم وأقصى استطاعتكم وإمكانكم، قال معناه أبو إسحاق، وعلى الثاني: اعملوا على جهتكم وحالكم التي أنتم عليها. وقوله: ﴿مَن تَكُونُ لَهُ﴾ يجوز في «مَنْ» هذه وجهان أحدهما: أن تكون موصولةً وهو الظاهر، فهي في محل نصب مفعولاً به، و «علم» هنا متعديةٌ لواحد لأنها بمعنى العرفان. والثاني: أن تكون استفهامية فتكون في محل رفع بالابتداء. و ﴿تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدار﴾ تكون واسمها وخبرها في محل رفع خبراً لها، وهي وخبرها في محل نصب: إمَّا لسدِّها مَسَدَّ مفعول واحدٍ إن كانت «علم» عرفانية، وإمَّا لسدِّها مَسَدَّ اثنين إن كانت يقينية.

стр. 3504

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ للَّهِ﴾ : «جعل» هنا بمعنى صيَّر

стр. 3505

فيتعدى لاثنين أوَّلُهما قوله «نصيباً» ، والثاني قوله «لله» ، و «ممَّا ذَرَأ» يجوز أن يتعلق بالجعل، وأن يتعلق بمحذوف لأنه كان في الأصل صفة ل «نصيباً» فلما قُدِّم عليه انتصب حالاً، والتقدير: وجعلوا نصيباً ممَّا ذَرَأ لله، و «من الحَرْث» يجوز أن يكون بدلاً مِنْ «ممَّا ذرأ» بإعادة العامل كأنه قيل: وجعلوا لله من الحرث والأنعام نصيباً. ويجوز أن يتعلق ب «ذرأ» ، وأن يتعلَّق بمحذوف على أنه حال: إمَّا من ما الموصولة أو من عائدها المحذوف، وفي الكلام حذفُ مفعول اقتضاه التقسيم والتقدير: وجعلوا لله نصيباً من كذا ولشركائهم نصيباً منه، يدلُّ عليه ما بعده مِنْ قوله: ﴿فَقَالُواْ هذا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا﴾ و «هذا لله» جملةٌ منصوبةُ المحل بالقول، وكذلك قوله «وهذا لشركائنا» . وقوله: ﴿بِزَعْمِهِمْ﴾ فيه وجهان أحدهما: أن يتعلَّق ب «قالوا» أي: فقالوا ذلك القولَ بزعم لا بيقين واستبصار. وقيل: هو متعلِّق بما تعلَّق به الاستقرار من قوله «لله» . وقرأ العامة بفتح الزاي من «زَعمهم» في الموضعين، وهذه لغة الحداز وهي الفصحى. وقرأ الكسائي «بزُعمهم» بالضم/ وهو لغة بني أسد، وهل الفتح والضم بمعنى واحد، أو المفتوح مصدر والمضموم اسم؟ خلاف مشهور. وقرأ ابن أبي عبلة «بزَعَمهم» بفتح الزاي والعين. وفيه لغة رابعة لبعض قيس وبني تميم وهي كسر الزاي، ولم يُقْرأ بهذه اللغة فيما علمت. وقد تقدم تحقيق الزعم. وقوله ﴿لِشُرَكَآئِنَا﴾ يجوز فيه وجهان أحدهما: أن الشركاء من الشرك، ويعنون بهم آلهتهم التي أشركوا بينها وبين الباري تعالى في العبادة، وليست

стр. 3506

الإِضافة إلى فاعل ولا إلى مفعول، بل هي إضافة تخصيص والمعنى: الشركاء الذين أشركوا بينهم وبين الله في العبادة. والثاني: أن الشركاء من الشركة، ومعنى كونهم سَمُّوا آلهتهم شركاءهم أنهم جعلوهم شركاء في أموالهم وزروعهم وأنعامهم ومتاجرهم وغير ذلك، فتكون الإِضافة إضافةً لفظيةً: إمَّا إلى المفعول أي: شركائنا الذين شاركونا في أموالنا، وإمَّا إلى الفاعل أي: الذين أشركناهم في أموالنا. وقوله: ﴿سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ قد تقدم نظيرها غير مرة، وقد أعربها الحوفي هنا فقال: «ما» بمعنى الذي والتقدير: ساء الذي يحكمون حكمُهم فيكون «حكمُهم» مبتدأ وما قبله الخبر وحُذِف لدلالة «يحكمون» عليه، ويجوز أن تكون «ما» تمييزاً على مذهب مَنْ يجيز ذلك في «بئسما» فتكون في موضع نصب، التقدير: ساء حكماً حكمهم، ولا يكون «يحكمون» صفة ل «ما» لأن الغرض الإِبهام، ولكنْ في الكلام حذفٌ يدل عليه «ما» والتقدير: ساء ما ما يحكمون، فحذف «ما» الثانية «قلت: و» ما «هذه إن كانت موصولة فمذهب البصريين أنَّ حَذْفَ الموصول لا يجوز، وقد عرف ذلك، وإن كانت نكرة موصوفة ففيه نظر، لأنه لم يُعْهَدْ حَذْفُ» ما «نكرةً موصوفة. وقال ابن عطية: «وما» في موضع رفع كأنه قال: ساء الذي يحكمون، ولا يتجه عندي أن تجري «ساء» هنا مجرى نِعْم وبئس؛ لأن المفسَّر هنا مضمر ولا بد من إظهاره باتفاق من النحاة، وإنما اتجه أن يجري مجرى بئس في قوله ﴿سَآءَ مَثَلاً القوم﴾ [الأعراف: ١٧٧] لأن المفسَّر ظاهر في الكلام «. قال الشيخ:» وهذا كلامُ مَنْ لم ترسخ قدمه في العربية بل شدا فيها شيئاً يسيراً؛ لأنها إذا جرت «ساء» مجرى بئس كان حكمها كحكمها سواء لا يختلف في شيء البتة مِنْ فاعل ظاهر

стр. 3507

أو مضمر وتمييز، ولا خلاف في جواز حذف المخصوص بالمدح أو الذم والتمييز بها لدلالة الكلام عليه. فقوله «لأن المفسَّر هنا مضمرٌ ولا بد من إظهاره باتفاق» قوله ساقط، ودعواه الاتفاق على ذلك مع أن الاتفاق على خلافه عجب عُجاب «.

стр. 3508

قوله تعالى: ﴿وكذلك زَيَّنَ﴾ : هذا في محل نصب نعتاً لمصدر محذوف كنظائره، فقدّره الزمخشري تقديرين فقال: «ومثل ذلك التزيين وهو تزيينُ الشرك في قسمة القربان بين الله والآلهة، أو: ومثل ذلك التزيينِ البليغ الذي عُلِم من الشياطين» . قال الشيخ: «قال ابن الأنباري: ويجوز أن يكون» كذلك «مستأنفاً غير مشار به إلى ما قبله فيكون المعنى: وهكذا زَيَّن» قلت: والمنقول عن ابن الأنباري أنه مشار به إلى ما قبله، نقل الواحدي عنه أنه قال: «ذلك إشارة إلى ما نعاه الله عليهم مِنْ قَسْمهم ما قسموا بالجهل فكأنه قيل: ومثل ذلك الذي أَتوه في القَسْم جهلاً وخطأً زَيَّن لكثير من المشركين فشبَّه تزيين الشركاء بخطابهم في القسم، وهذا معنى قول الزجاج. وفي هذه الآية قراءات كثيرة، والمتواتر منها ثنتان، الأولى: قرأ العامة» زَيَّنَ «مبنياً للفاعل و» قَتْلَ «نصب على المفعولية و» أولادهم «خفض بالإِضافة، و» شركاؤهم «رفع على الفاعلية وهي قراءة واضحة المعنى والتركيب. وقرأ ابن عامر:» زُيِّن «مبنياً للمفعول،» قَتْلُ «رفعاً على ما لم يُسَمَّ فاعله،»

стр. 3509

أولادَهم «نصباً على المفعول بالمصدر،» شركائهم «خفضاً على إضافة المصدر إليه فاعلاً. وهذه القراءة متواترة صحيحة، وقد تجرَّأ كثير من الناس على قارئها بما لا ينبغي، وهو أعلى القراء السبعة سنداً وأقدمهم هجرة: أمَّا علوُّ سندِه فإنه قرأ على أبي الدرداء وواثلة بن الأسقع وفضالة بن عبيد ومعاوية بن أبي سفيان والمغيرة المخزومي، ونقل يحيى الذماري أنه قرأ على عثمان نفسه، وأمَّا قِدَمُ هجرته فإنه وُلِد في حياة رسول الله ﷺ وناهيك به أن هشام بن عمار أحد شيوخ البخاري أخذ عن أصحاب أصحابه، وترجمته متسعة ذكرتها في» شرح القصيد «، وإنما ذكرت هنا هذه العُجالة تنبيهاً على خطأ مَنْ ردَّ قراءته ونسبه إلى لَحْنٍ أو اتباع مجرد المرسوم فقط. قال أبو جعفر النحاس:» وهذا يعني الفصلَ بين المضاف والمضاف إليه بالظرف أو غيره، ولا يجوز في شعرٍ ولا غيره «. وهذا خطأ من أبي جعفر

стр. 3510

لِمَا سنذكره من لسان العرب، وقال أبو علي الفارسي:» هذا قبيح قليل في الاستعمال ولو عدل عنها يعني ابن عامر كان أَوْلى لأنهم لم يفصلوا بين المضاف والمضاف إليه بالظرف في الكلام مع اتساعهم في الظروف، وإنما أجازوه في الشعر «قال:» وقد فصلوا به أي بالظرف في كثير من المواضع نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] وقولِ الشاعر: ٢٠٦١ - على أنني بعدما قد مَضَى ... ثلاثون للهَجر حَوْلاً كميلا وقول الآخر: ٢٠٦٢ - فلا تَلْحَنِي فيها فإنَّ بحبِّها ... أخاك مصابُ القلب جَمٌّ بلابلُه ففصل بين إنَّ واسمها بما يتعلَّق بخبرها، ولو كان بغير الظرف لم يَجُزْ، ألا ترى أنك لو قلت: «إن زيداً عمراً ضارب» على أن يكون «زيداً» منصوباً بضارب لم يَجُز، فإذا لم يجيزوا الفصل بين المضاف والمضاف إليه في الكلام بالظرف مع اتساعهم فيه في الكلام، وإنما يجوز في الشعر كقوله: ٢٠٦٣ - كما خُطَّ الكتابُ بكفِّ يوماً ... يهوديٍ يقارِبُ أو يُزيلُ فأن لا يجوز بالمفعول به الذي لم يُتَّسعْ فيه بالفصل أجدر، ووجه ذلك

стр. 3511

على ضَعْفه وقلة الاستعمال أنه قد جاء في الشعر على حَدِّ ما قرأه. قال الطرماح: ٢٠٦٤ - يَطُفْنَ بحوزيِّ المراتعِ لم تَرُعْ ... بواديه مِنْ قَرْعِ القِسِيَّ الكنائِنِ وأنشد أبو الحسن: ٢٠٦٥ -. . . . . . . . . . . . . . . ... زجَّ القَلوصَ أبي مزادَهْ وقال أبو عبيد: «وكان عبد الله بن عامر وأهل الشام يقرؤونها» زُيِّن «بضم الزاي،» قتلُ «بالرفع،» أولادَهم «بالنصب،» شركائهم «بالخفض، ويتأوّلون» قتل شركائهم أولادَهم «فيفرقون بين الفعل وفاعله» . قال أبو عبيد: «ولا أحب هذه القراءة لما فيها من الاستكراه، والقراءة عندنا هي الأَوْلَى لصحتها في العربية مع إجماع أهل الحرمين والمِصْرَين بالعراق عليها» وقال سيبويه في قولهم «» يا سارق الليلةِ أهلَ الدار «بخفض» الليلة «على التجوز وبنصب الأهل على المفعولية، ولا يجوز» يا سارقَ الليلةَ أهلِ الدار «إلا في شعر كراهةَ أن يفصلوا بين الجار والمجرور. ثم قال:» وممَّا جاء في الشعر قد فُصل بينه

стр. 3512

وبين المجرور قولُ عمرو بن قميئة: ٢٠٦٦ - لمَّا رأت ساتيدَ ما استعبرتْ ... لله درُّ اليومَ مَنْ لامها وذكر أبياتاً أخر ستأتي. ثم قال: «وهذا قبيح، ويجوز في الشعر على هذا:» مررت بخيرِ وأفضلِ مَنْ ثَمَّ «. وقال أبو الفتح ابن جني:» الفصل بين المضاف والمضاف إليه بالظرف والجار والمجرور كثير لكنه من ضرورة الشاعر «. وقال مكي بن أبي طالب:» ومن قرأ هذه القراءة ونصب «الأولاد» وخفض «الشركاء» فهي قراءة بعيدة، وقد رُوِيَتْ عن ابن عامر، ومجازها على التفرقة بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، وذلك إنما يجوز عند النحويين في الشعر، وأكثر ما يكون بالظرف «. وقال ابن عطية ﵀:» وهذه قراءة ضعيفة في استعمال العرب وذلك أنه أضاف الفعل إلى الفاعل وهو الشركاء، ثم فصل بين المضاف والمضاف إليه بالمفعول، ورؤساء العربية لا يُجيزون الفصل بالظروف في مثل هذا إلا في شعر كما قال: ٢٠٦٧ - كما خُطَّ الكتابُ بكفِّ يوماً ... يهوديٍ. . . . . . . . . . . . . / البيت فكيف بالمفعول في أفصح كلام؟ ولكنْ وجهُها على ضعفها أنها وردت في بيت شاذ أنشده أبو الحسن الأخفش: ٢٠٦٨ - فَزَجَجْتها بمَزَجَّةٍ ... زجَّ القَلوصَ أبي مزادَهْ

стр. 3513

وفي بيت الطرماح وهو قوله: ٢٠٦٩ - يَطُفْنَ بحُوزِيِّ المراتع لم تَرُعْ ... بواديه من قَرْع القِسيَّ الكنائِنِ وقال الزمخشري فأغلظ وأساء في عبارته «وأمَّا قراءة ابن عامر فذكرها فشيءٌ لو كان في مكان الضرورة وهو الشعر لكان سَمِيحاً مردوداً كما سَمُج ورُدَّ: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... زجَّ القَلوصَ أبي مزادَهْ فكيف به في الكلام المنثور؟ فكيف به في القرآن المُعْجِز بحسن نظمه وجزالته» ؟ الذي حمله على ذلك أن رأى في بعض المصاحف «شركائهم» مكتوباً بالياء، ولو قرأ بجر «الأولاد» و «الشركاء» لأن الأولاد شركاؤهم في أموالهم لوَجَدَ في ذلك مندوحة عن هذا الارتكاب «قلت: سيأتي بيان ما تمنَّى أبو القاسم أن يقرأه ابن عامر، وأنه قد قرأ به، فكأن الزمخشري لم يَطَّلِعْ على ذلك فلهذا تمنَّاه. وهذه الأقوال التي ذكرتُها جميعاً لا ينبغي أن يُلْتفت إليها لأنها طَعْنٌ في المتواتر، وإن كانت صادرةً على أئمةٍ أكابرَ، وأيضاً فقد انتصر لها مَنْ يقابلهم، وأورد من لسانِ العرب نظمِه ونثره ما يشهد لصحة هذه القراءة لغةً: قال أبو بكر ابن الأنباري:» هذه قراءة صحيحة، وإذا كانت العرب قد فَصَلَتْ بين

стр. 3514

المتضايفين بالجملة في قولهم: «هو غلامُ إن شاء الله أخيك» يريدون: هو غلام أخيك فأنْ يُفْصَل بالمفرد أسهل «انتهى. وسمع الكسائي قول بعضهم:» إن الشاةَ لتجترُّ فتسمع صوتَ واللهِ ربِّها «أي: صوت ربها والله، ففصل بالقسم وهو في قوة الجملة، وقرأ بعض السلف: ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدَه رُسُلِهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] بنصب» وعدَه «وخفض» رسله «، وفي الحديث عنه ﵇:» هل أنتم تاركو لي صاحبي، تاركو لي امرأتي «أي: تاركو صاحبي لي، تاركو امرأتي لي. وقال ابن جني في الخصائص:» باب ما يَرِد عن العربي مخالفاً للجمهور، إذا اتفق شيء من ذلك: نُظِر في ذلك العربي وفيما جاء به: فإن كان فصيحاً وكان ما جاء به يقبله القياس فَيَحْسُن الظنُّ به؛ لأنه يمكن أن يكون قد وقع إليه ذلك مِنْ لغةٍ قديمة قد طال عهدها وعفا رسمها. أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن أبي الحجاج عن أبي خليفة الفضل بن الحباب قال: قال ابن عوف عن ابن سيرين: قال عمر بن الخطاب ﵁: «كان الشعر عِلْمَ قوم لم يكن لهم عِلْمٌ أصحُّ منه، فجاء الإِسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغَزْوِ فارس والروم ولَهَت عن الشعر وروايتِه، فلمَّا كثُر الإِسلام وجاءت الفتوح واطمأنَّت العرب في الأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يَؤُولوا إلى ديوانٍ مُدَوَّنٍ ولا إلى كتاب مكتوب، وأَلِفُوا ذلك وقد هلك مَنْ هلك من العرب بالموت والقتل فحفظوا أقلَّ ذلك وذهب عنهم كثيره. قال: وحدثنا أبو بكر عن أبي خليفة عن يونس بن حبيب عن أبي عمرو بن العلاء: قال: «ما انتهى إليكم ممَّا قالت العرب إلا أقلُّه ولو جاءكم وافراً لجاءكم علمٌ وشعر كثير» . قال أبو الفتح: «فإذا كان الأمر كذلك لم نقطع على الفصيح [إذا] سُمِع منه

стр. 3515

ما يخالف الجمهورَ بالخطأ ما وُجِد طريق إلى تقبُّل ما يورده إلا إذا كان القياس يعاضده» . قلت: وقراءة هذا الإِمام بهذه الحيثيَّة بل بطريق الأولى والأحرى لو لم تكن متواترةً فكيف وهي متواترة؟ وقال ابن ذكوان: «سألني الكسائي عن هذا الحرف وما بلغه من قراءتنا فرأيته كأنه أعجبه وترنَّم بهذا البيت: ٢٠٧٠ - تَنْفي يداها الحصَى في كل هاجرة ... نَفْيَ الدَّراهيمَ تَنْقادِ الصيارِيف بنصب» الدراهيم «وجرّ» تنقاد «، وقد روي بخفض» الدراهيم «ورفع» تنقاد «وهو الأصل وهو المشهور في الرواية. وقال/ الكرماني:» قراءة ابن عامر وإن ضَعُفَتْ في العربية للإِحالة بين المضاف والمضاف إليه فقويَّةٌ في الرواية عالية «انتهى. وقد سُمِعَ ممَّنْ يُوثق بعربيته:» تَرْكُ يوماً نفسِك وهواها سَعْيٌ في رَداها «أي: تَرْكُ نفسِك يوماً مع هواها سَعْيٌ في هَلاكها، وأمَّا ما ورد في النظم من الفصل بين المتضايفين بالظرف وحرف الجر وبالمفعول فكثير وبغير ذلك قليلٌ، فمِن الفصلِ بالظرف قولُ الشاعر: ٢٠٧١ - فَرِشْني بخيرٍ لا أكونَنْ ومِدْحتي ... كناحتِ يوماً صخرةٍ بعسيل تقديره: كناحت صخرةٍ يوماً، ومثله قول الآخر: ٢٠٧٢ - كما خُطَّ الكتابُ بكف يوماً ... يهوديٍّ. . . . . . . . . . . . . . . . وقول الآخر: ٢٠٧٣ - قد سَأَلَتْني أمُّ عمروٍ عن ال ... أرضِ التي تجهل أَعْلامَها

стр. 3516

لَمَّا رَأَتْ ساتِيْدَ ما اسْتَعْبَرَتْ ... للهِ دَرُّ اليومَ مَنْ لامها تَذَكَّرَتْ أرضاً بها أهلَها ... أخوالَها فيها وأعمامَها يريد: لله دَرُّ مَنْ لامَها اليوم. و» ساتيد ما «قيل: هو مركب والأصل: ساتي دما، ثم سُمِّي به هذا الجبلُ لأنه قُتِل عنده. قيل: ولا تبرح القتلى عنده. وقيل:» ساتيد «كلُّه اسمٌ و» ما «مزيدةٌ. ومثالُ الفصل بالجارِّ قولُه: ٢٠٧٤ - هما أخوا في الحرب مَنْ لا أخاله ... إذا خافَ يوماً نَبْوَةً فدعاهما وقوله: ٢٠٧٥ - لأنتَ مُعْتادُ في الهيجا مصابَرَةٍ ... يَصْلى بها كلُّ مَنْ عاداك نيرانا وقوله: ٢٠٧٦ - كأنَّ أصواتَ مِنْ إيغالِهِنَّ بنا ... أواخِرِ المَيْسِ أصواتُ الفراريج وقوله: ٢٠٧٧ - تَمُرُّ على ما تَسْتَمِرُّ وقد شَفَتْ ... غلائلَ عبدُ القيسِ منها صدورِها

стр. 3517

يريد: هما أخوا مَنْ لا أخاله في الحرب، ولأنت معتاد مصابرة في الهجاء، وكأن أصواتَ أواخر الميس، وغلائل صدورِها. ومن الفصل بالمفعول قول الشاعر: ٢٠٧٨ - فَزَجَجْتُها بمَزَجَّةٍ ... زجَّ القَلوصَ أبي مزادَه ويروى: فَزَجَجْتها فتدافعَتْ، ويُروى: فزجَجْتها متمكناً، وهذا البيت كما تقدَّم أنشده الأخفش بنصب «القلوص» فاصلاً بين المصدر وفاعله المعنوي، إلا أن الفراء قال بعد إنشاده لهذا البيت: «ونحويُّو أهل المدينة ينشدون هذا البيت يعني بنصب القلوص» قال: «والصواب: زَجَّ القلوصِ بالخفض» قلت: قوله «والصوابُ يحتمل أن يكون من حيث الرواية، أي: إن الصوابَ خَفْضُه على الرواية الصحيحة، وأن يكون من حيث القياس، وإن لم يُرْوَ إلا بالنصب. وقال في موضع آخر من كتابه» معاني القرآن «:» وهذا مما كان يقوله نحويُّو أهلِ الحجاز ولم نجد مثله في العربية «وقال أبو الفتح:» فُصل بينهما بالمفعول به هذا مع قدرته على أن يقول: زج القلوصِ أبو مزادة كقولك: «سَرَّني أكلُ الخبزِ زيدٌ» بمعنى أنه كان ينبغي أن يضيف المصدر إلى مفعوله فيبقى الفاعل مرفوعاً على أصله، وهذا معنى قول الفراء الأول «والصواب جر القلوص» يعني ورفع الفاعل. ثم قال ابن جني: «وفي هذا البيت عندي دليلٌ على قوة إضافة المصدر إلى الفاعل عندهم، وأنه في نفوسهم أقوى من إضافته إلى المفعول، ألا تراه ارتكب هذه الضرورةَ مع تمكُّنِه مِنْ تَرْكِها لا لشيء غيرَ الرغبة في إضافة المصدر إلى

стр. 3518

الفاعل دون المفعول، ومن الفصل بالمفعول به أيضاً قولُ الآخر: ٢٠٧٩ - وحِلَقِ الماذيِّ والقوانِسِ ... فداسَهم دونسَ الحصادَ الدائِسِ أي: دوس الدائس الحصادَ. ومثله أيضاً: ٢٠٨٠ - يَفْرُك حَبَّ السنبلِ الكُنَافِجِ ... بالقاع فَرْكَ القطنَ المحالجِ يريد: فَرْك المحالجِ القطنَ، وقول الطرماح: ٢٠٨١ -. . . . . . . . . . . . . . . . . ... بواديه من قَرْع القِسِيَّ الكنائنِ يريد: قرع الكنائنِ القسيَّ، قال ابن جني في هذا البيت:» لم نجد فيه بُدَّاً من الفصل لأن القوافي مجرورة «وقال في» زجَّ القلوصَ «: فصل بينهما بالمفعول به/ هذا مع قدرته إلى آخر كلامه المتقدم. يعني أنه لو أنشد بيت الطرماح بخفض» القسيّ «ورفع الكنائن لم يَجُز لأن القوافي مجرورة بخلاف بيت الأخفش، فإنه لو خفض» القلوص «ورفع» أبو مزادة «لم تختلف فيه قافيته ولم ينكسر وزنُه. قلت: ولو رفع» الكنائن «في البيت لكان جائزاً وإن كانت القوافي مجرورةً ويكون ذلك إقواء، وهو أن تكونَ بعضُ القوافي مجرورة وبعضها مرفوعة كقول امرئ القيس: ٢٠٨٢ - تَخْدي على العِلاَّتِ سامٍ رأسُها ... رَوْعاءُ مَنْسِمُها رثيمٌ دامِ

стр. 3519

ثم قال: جالَتْ لتصرَعني فقلت لها اقصِري ... إني امرؤٌ صَرْعي عليك حرامُ فالميمُ مخفوضةٌ في الأول مرفوعة في الثاني، فإن قيل: هذا عيبٌ في الشعر. قيل: لا يتقاعد ذلك عن أن يكونَ مثلُ هذه للضرورة، والحق إن الإِقواء أفحشُ وأكثر عيباً من الفصل المذكور، ومن ذلك أيضاً: ٢٠٨٣ - فإن يكنِ النِّكاحُ أَحَلَّ شيءٍ ... فإنَّ نكاحها مطرٍ حرامُ أي: فإن نكاحِ مطرٍ إيَّاها، فلمَّا قُدِّم المفعول فاصلاً بين المصدر وفاعله اتصل بعامله لأنه قَدِر عليه متصلاً فلا يَعْدِلُ إليه منفصلاً. وقد وقع في شعر أبي الطيب الفصلُ بين المصدر المضاف إلى فاعله بالمفعول كقوله: ٢٠٨٤ - بعثتُ إليه من لساني حديقة ... سقاها الحيا سَقْيَ الرياضَ السحائبِ أي: سقي السحائبِ الرياضَ. وأمَّا الفصلُ بغير ما تقدَّم فهو قليل، فمنه الفصلُ بالفاعل كقوله: ٢٠٨٥ -. . . . . . . . . . . . . . . . ... غلائلَ عبدُ القيس منها صدورِها ففُصِل بين «غلائل» وبين «صدورها» بالفاعل وهو «عبد القيس» وبالجار وهو «منها» كما تقدم بيانه، ومثلُه قول الآخر:

стр. 3520

٢٠٨٦ - نرى أسهماً للموت تُصْمي ولا تُنْمي ... ولا تَرْعوي عن نقضِ أهواؤنا العزمِ فأهواؤنا فاعلٌ بالمصدر وهو «نَقْض» وقد فُصِل به بين المصدر وبين المضاف إليه وهو العزم، ومثله قول الآخر: ٢٠٨٧ - أَنْجَبَ أيام والداهُ به ... إذ نَجَلاه فنِعْمَ ما نَجَلا يريد: أيام إذ نجلاه، ففصل بالفاعل وهو «والداه» المرفوع ب «أنجب» بين المتضايفين وهما «أيام إذ ولداه» . قال ابن خروف: «يجوز الفصلُ بين المصدر والمضاف إليه بالمفعول لكونه في غير محله، ولا يجوز بالفاعل لكونه في محله، وعليه قراءة ابن عامر» . قلت: هذا فرق بين الفاعل والمفعول حيث استُحْسِن الفصل بالمفعول دون الفاعل. ومن الفصل بغير ما تقدَّم أيضاً الفصلُ بالنداء كقوله: ٢٠٨٨ - وفاقُ كعبُ بُجَيْرٍ منقِذٌ لك من ... تعجيل مُهْلِكَةٍ والخلدِ في سَقَرَ وقول الآخر: ٢٠٨٩ - إذا ما أبا حفصٍ أَتَتْكَ رَأَيْتَها ... على شعراء الناس يعلو قصيدها وقول الآخر:

стр. 3521

٢٠٩٠ - كأنَّ بِرْذَوْنَ أبا عصامِ ... زيدٍ حمارٌ دُقَّ باللِّجامِ يريد: وفاق بجيرٍ يا كعب، وإذا ما أتتك يا أبا حفص، وكأن بِرْذون زيدٍ يا أبا عصام. ومن الفصل أيضاً الفصلُ بالنعت كقول معاوية يخاطب به عمرو بن العاص: ٢٠٩١ - نَجَوْتَ وقد بَلَّ المُراديُّ سيفَه ... من ابن أبي شيخ الأباطح طالبِ وقول الآخر: ٢٠٩٢ - ولئن حَلَفْتُ على يديكَ لأحْلِفَنْ ... بيمينِ أصدقَ مِنْ يمينك مُقْسِمِ يريد: من ابن أبي طالب شيخ الأباطح، فشيخ الأباطح نعت لأبي طالب، فَصَلَ به بين أبي وبين طالب، ويريد: لأحلفن بيمينٍ مقسم أصدقَ مِنْ يمينك، فأصدق نعت لقوله بيمين، فصل به بين «يمين» وبين «مقسم» . ومن الفصل أيضاً الفصل بالفعل الملغى: ٢٠٩٣ - ألا يا صاحِبَيَّ قِفا المَهارى ... نسائلْ حيَّ بثنةَ أين سارا بأيِّ تَرَاهُمُ الأرَضينَ حَلُّوا ... أالدبران أم عَسَفُوا الكِفارا يريد: بأي الأرضين تراهم حلُّوا، فَفَصَلَ بقوله «تراهم» بين «أيّ» وبين «الأرضين» . ومن الفصلِ أيضاً الفصلُ بمفعولٍ ليس معمولاً للمصدر

стр. 3522

المضاف إلى فاعل كقول الشاعر: ٢٠٩٤ - تَسْقي امتياحاً ندى المسواكَ ريقتِها ... كما تَضَمَّن ماءَ المُزْنَةِ الرَصفُ أي: تسقي ندى ريقتها المسواكَ فالمسواك مفعول به ناصبه «تسقي» فَصَل به بين/ «ندى» وبين «ريقتها» ، وإذ قد عرفت هذا فاعلم أن قراءة ابن عامر صحيحة من حيث اللغة كما هي صحيحة من حيث النقل، ولا التفات إلى قول مَنْ قال: إنه اعتمد في ذلك على رسم مصحف الشام الذي أرسله عثمان بن عفان ﵁، لأنه لم يوجد فيه إلا كتابة «شركائهم» بالياء «، وهذا وإن كان كافياً في الدلالة على جَرِّ» شركائهم «فليس فيه ما يدل على نصب» أولادهم «إذ المصحفُ مهملٌ من شكل ونقط فلم يبقَ له حجةٌ في نصب الأولاد إلا النَّقْلُ المحض. وقد نُقِل عن ابن عامر أنه قرأ بجرَِّ» الأولاد «كما سيأتي بيانُه وتخريجهُ، وأيضاً فليس رسمها» شركائهم «بالياء مختصَّاً بمصحف الشام بل هي كذلك أيضاً في مصحف أهل الحجاز. قال أبو البرهسم:» في سورة الأنعام في إمام أهل الشام وأهل الحجاز «أولادهم شركائهم» بالياء، وفي إمام أهل العراق «شركاؤهم» ولم يَقْرأ أهل الحجاز بالخفض في «شركائهم» لأنَّ الرسمَ سُنَّةٌ مُتَّبعة قد توافقها التلاوة وقد لا توافق «. إلا أن الشيخ أبا شامة قال:» قلت ولم تُرْسَمُ كذلك إلا باعتبار قراءتين: فالمضموم عليه قراءة معظم القراء «ثم قال:» وأما شركائهم بالخفض فيحتمل قراءة ابن عامر «وسيأتي كلام أبي شامة هذا

стр. 3523

بتمامه في موضعه، وإنما أَخَذْتُ منه [بقدر] الحاجة هنا. فقوله» إن كل قراءة تابعةٌ لرسم مصحفها «تُشْكِلُ بما ذكرت لك من أن مصحف الحجازيين بالياء مع أنهم لم يقرؤوا بذلك. وقد نقل أبو عمرو الداني أن» شركائهم «بالياء إنما هو في مصحف الشام دون مصاحف الأمصار فقال:» في مصاحف أهل الشام «أولادهم شركائهم» بالياء وفي سائر المصاحف شركاؤهم بالواو «. قلت: هذا هو المشهور عند الناس أعني اختصاص الياء بمصاحف الضام، ولكنْ أبو البرهسم ثقة أيضاً فنقبل ما ينقله. وقد تقدَّم قولُ الزمخشري:» والذي حمله على ذلك أن رأى في بعض المصاحف شركائهم مكتوباً بالياء «. وقال الشيخ شهاب الدين أبو شامة:» ولا بُعْدَ فيما استبعده أهل النحو من جهة المعنى وذلك أنه قد عُهد تقدُّمُ المفعول على الفاعل المرفوع لفظاً فاستمرت له هذه المرتبةُ مع الفاعل المرفوع تقديراً فإن المصدر لو كان منوناً لجاز تقديم المفعول على فاعله نحو: «أعجبني ضربٌ عمراً زيدٌ» فكذا في الإِضافة وقد ثَبَتَ جوازُ الفصل بين حرف الجر ومجروره مع شدة الاتصال بينهما أكثرَ من شدته بين المضاف والمضاف إليه كقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ﴾ [النساء: ١٥٥] ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ف «ما» زائدة في اللفظ فكأنها ساقطة فيه لسقوطها في المعنى، والمفعول المقدم هو غير موضعه معنى فكأنه مؤخر لفظاً، ولا التفات إلى قول مَنْ زعم أنه لم يأت في الكلام المنثور مِثْلُه لأنه نافٍ، ومَنْ أسند هذه القراءة مُثْبِت، والإِثبات مُرَجَّح على النفي بإجماع، ولو نُقِل إلى هذا الزاعم عن بعض العرب أنه استعمله في النثر لرجع إليه فما باله لا يكتفي بناقل القراءة من التابعين عن الصحابة؟ ثم الذي حكاه ابن الأنباري يعني

стр. 3524

مما تقدَّم حكايته من قولهم «هو غلامُ إن شاء الله أخيك» فيه الفصلُ في غير الشعر بجملة. وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن البصري وعبد الملك قاضي الجند صاحب ابن عامر: «زُيِّن» مبنياً للمفعول، «قَتْلُ» رفعاً على ما تقدم، «أولادِهم» خفضاً بالإِضافة، «شركاؤهم» رفعاً، وفي رفعه تخريجان أحدهما: وهو تخريج سيبويه أنه مرفوع بفعل مقدر تقديره: زَيَّنه شركاؤهم، فهو جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: مَنْ زَيَّنه لهم؟ فقيل: شركاؤهم، وهذا كقوله تعالى: «يُسَبَّح له فيها بالغدوّ والآصال رجال» أي: يُسَبِّحه رجال، وقول الآخر: ٢٠٩٥ - ليُبْكَ يزيدٌ ضارعٌ لخصومةٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . والثاني: وهو تخريج قطرب أن يكون «شركاؤهم» رفعاً على الفاعلية بالمصدر، والتقدير: زُيّن للمشركين أنْ قَتَلَ أولادَهم شركاؤهم كما تقول: / «حُبِّب لي ركوبُ الفرسِ زيدٌ» تقديره: حبب لي أَنْ ركب الفرس زيد. والفرق بين التخريجين أن التخريج الأول يؤدي إلى أن تكون هذه القراءة في المعنى كالقراءة المنسوبة للعامَّة في كون الشركاء مُزَيِّنين للقتل وليسوا قاتلين، والثاني: [أن] يكون الشركاء قاتلين، ولكن ذلك على سبيل المجاز؛ لأنهم لَمَّا زيَّنُوا قَتْلَهم لآبائهم وكانوا سبباً فيه نُسِبَ إليهم القتل مجازاً. وقال أبو البقاء: «ويمكن أن يقعَ القَتْلُ منهم حقيقةً» ، وفيه نظرٌ لقوله «زُيّن»

стр. 3525

والإِنسان إنما يُزَيَّن له فِعْلُ نفسه كقوله تعالى: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ [فاطر: ٨] . وقال غير أبي عبيد: «وقرأ أهل الشام كقراءة ابن عامر إلا أنهم خَفَضُوا» الأولاد «أيضاً، وتخريجُها سَهْلٌ: وهو أن تجعلَ» شركائهم «بدلاً من» أولادهم «بمعنى أنهم يُشْركونهم في النسب والمالِ وغير ذلك. قال الزجاج:» وقد رُوِيت «شركايهم» بالياء في بعض المصاحف، ولكن لا يجوزُ إلا على أن يكونَ «شركاؤهم» من نعتِ الأولاد لأنَّ أولادَهم شركاؤهم في أموالهم. وقال الفراء: بعد أن ذكر قراءة العامة وهي «زَيَّن» مبنياً للفاعل، «شركاؤهم» مرفوعاً على أنه فاعل «وقراءة» زُيِّن «مبنياً للمفعول» شركاؤهم «رفعاً على ما تقدم من أنه بإضمار فعل، وفي مصحف أهل الشام شركايهم بالياء، فإن تكنْ مثبتةً عن الأولين فينبغي أن تقرأ» زُين «ويكون الشركاء هم الأولاد، لأنهم منهم في النسب والميراث، وإن كانوا يقرؤون» زَيَّن «يعني بفتح الزاي فلست أعرفُ جهتَها، إلا أن يكونوا فيها آخذين بلغة قوم يقولون: أتيتها عشايا، ويقولون في تثنية حمراء: حمرايان، فهذا وجه أن يكونوا أرادوا: زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركايُهم، يعني بياء مضمومة لأن» شركاؤهم «فاعل كما مر في القراءة العامة» قال: «وإن شئت جعلت زين فعلاً إذا فتحته لا يُلبس، ثم تخفض الشركاء بإتباع الأولاد» . قال أبو شامة: «قلت: يعني تقدير الكلامِ زَيَّن بزُين، فقد اتجه» شركائهم «بالجر أن يكون نعتاً للأولاد سواءٌ قُرئ زين بالفتح أو الضم» . وقرأت فرقة من أهل الشام ورُوِيَتْ عن ابن عامر أيضاً - «زِيْنَ» بكسر

стр. 3526

الزاي بعدها ياء ساكنة على أنه فعل ماض مبني للمفعول على حَدّ قيل وبيع. وقيل: مرفوعٌ على ما لم يُسَمَّ فاعله، وأولادَهم بالنصب، وشركائِهم بالخفض، والتوجيه واضح مما تقدم فهي [و] القراءة الأولى سواء، غاية ما في الباب أنه أُخذ مِنْ زان الثلاثي وبُني للمفعول فأُعِلَّ بما قد عرفته في أول البقرة. واللام من قوله «لكثير من المشركين» متعلقة بزين، وكذلك اللام في قوله «ليُرْدُوهم» . فإن قيل: كيف تُعَلِّق حرفَيْ جر بلفظ واحد وبمعنى واحد بعامل واحد من غير بدلية ولا عطف؟ فالجواب: أن معناهما مختلف فإنَّ الأولى للتعدية والثانية للعِلِّيَّة. وقال الزمخشري «إن كان التزيين من الشياطين فهي على حقيقة التعليل، وإن كان من السَّدَنة فهي للصيرورة» يعني أن الشيطانَ يفعل التزيين، وغرضه بذلك الإِرداء، فالتعليل فيه واضح، وأمَّا السَّدَنةُ فإنهم لم يزيِّنوا لهم ذلك وغرضُهم إهلاكهم، ولكن لمَّا كان مآل حالهم إلى الإِرداء أتى باللام الدالَّة على العاقبة والمآل. قوله «وليَلْبِسوا» عطف على «ليُرْدوا» ، عَلَّلَ التزيين بشيئين: بالإِرداء وبالتخليط وإدخال الشبهة عليهم في دينهم. والجمهورُ على «وليَلْبِسوا» بكسر الباء مِنْ لبَسْت عليه الأمر ألبِسُه بفتح العين في الماضي وكسرها في المضارع إذا أدْخَلْتَ عليه فيه الشبهة وخلطته فيه. وقد تقدم بيانه في قوله ﴿ولَلَبَسْنا عليهم ما يَلْبِسون﴾ [الأنعام: ٩] . وقرأ النخعي: «وليلبَسوا» بفتح الباء فقيل: هي لغة في المعنى المذكور تقول: «لَبَِسْتُ عليه الأمر بفتح الباء وكسرها ألبِسه وألبَسه، والصحيح أن لَبِس بالكسر بمعنى/ لبس الثياب، وبالفتح بمعنى

стр. 3527

الخلط، فالصحيح أنه استعار اللباس لشدة المخالطة الحاصلة بينهم وبين التخليط حتى كأنهم لبسوها كالثياب وصارت محيطةً بهم. وقوله: «ما فعلوه» الضمير المرفوع للكثير والمنصوب للقتل للتصريح به ولأنه المسوقُ للحديث عنه. وقيل: المرفوع للشركاء والمنصوب للتزيين، وقيل: المنصوب لِلَّبْسِ المفهوم من الفعل قبله وهو بعيد. وقال الزمخشري: «لما فعل المشركون ما زُيِّن لهم من القتل، أو لما فعل الشياطين أو السَّدَنَة التزيين أو الإِرداء أو اللبس، أو جميع ذلك إن جَعَلْتَ الضمير جارياً مَجْرى اسم الإِشارة» . وقوله ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢] تقدَّم نظيره.

стр. 3528

قوله تعالى: ﴿أَنْعَامٌ﴾ : قرأها الجمهور كذلك على صيغة الجمع، وأبان بن عثمان «نَعَمٌ» بالإِفراد وهو قريب، لأن اسم الجنس يقوم مقام الجمع. وقرأ الجمهور «حِجْر» بكسر الحاء المهملة وسكون الجيم. وقرأ الحسن وقتادة والأعرج بضم الحاء وسكون الجيم. ونُقل عن الحسن وقتادة أيضاً فتحُ الحاء وسكون الجيم. ونُقِل عن أبان بن عثمان ضَمُّ الحاءِ والجيم معاً. وقال هارون: «كان الحسن يضمُّ الحاء من» حجر «حيث وقع في القرآن إلا موضعاً واحداً [وهو] : ﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ [الفرقان: ٥٣] والحاصل أن هذه المادة تدل على المنع والحصر ومنه: فلانٌ في حِجْر القاضي أي: في مَنْعه، وفي حِجْري أي: ما يمنع من الثوب أن ينفلتَ منه شيء، وقد تقدم تحقيق

стр. 3529

ذلك في النساء فقوله تعالى ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أي ممنوع، ف» فِعْل «بمعنى مفعول كالذِّبْح والنِّطْح بمعنى مذبوح ومنطوح. فإن قيل: قد تقدم شيئان: وهما أنعام وحرث وجيء بالصفة مفردة فالجواب أنه في الأصل مصدر والمصدر يُذَكَّر ويُوَحَّد مطلقاً. وقال الزمخشري:» ويستوي في الوصف به المذكر والمؤنث والواحد والجمع؛ لأنَّ حكمَه حكم الأسماء غير الصفات «قلت: يعني بكونه حكمه حكم الأسماء أنه في الأصل مصدرٌ لا صفةٌ، فالاسم هنا يُراد به المصدرُ وهو مقابل الصفة. وأمَّا بقيَّةُ القراءات فقال أبو البقاء:» إنها لغات تفي الكلمة «وفَسَّر معناها بالممنوع. قلت: ويجوز أن يكون المضمومُ الحاء والجيم مصدراً وقد جاء من المصادر للثلاثي ما هو على وزن فُعُل بضم الفاء والعين نحو: حُلُم. ويجوز أن يكون جمع» حَجْر «بفتح الحاء وسكون الجيم، وفُعُل قد جاء قليلاً جمعاً لفَعْل نحو: سَقْف وسُقُف ورَهْن ورُهُن، وأن يكونَ جمعاً لفِعْل بكسر الفاء، وفُعُل أيضاً قد جاء جمعاً لفِعْل بكسر الفاء وسكون العين نحو حِدْج وحُدُج. وأما حُجْر بضم الحاء وسكون الجيم فهو مخفف من المضمومِها فيجوز أن يكون مصدراً، وأن يكون جمعاً لحَجْر أو حِجْر. وقرأ أبيّ بن كعب وعبد الله بن العباس وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير وعكرمة وعمرو ابن دينار والأعمش: حِرْج بكسر الحاء وراء ساكنة مقدمة على الجيم، وفيها تأويلان، أحدهما: أنها من مادة الحَرَج وهو التضييق، قال أبو البقاء:» وأصلُه حَرِج بفتح الحاء وكسر الراء ولكنه خُفِّف ونُقِل مثل فَخْذ في فخِذ «. قلت:

стр. 3530

ولا حاجةَ إلى ادِّعاء ذلك، بل هذا جاء بطريق الأصالة على وزن فِعْل. والثاني: أنه مقلوبٌ مِنْ حجر قُدِّمَتْ لام الكلمة على عينها ووزنه فِلْع كقولهم ناء في نأى ومعيق في عميق، والقلب قليل في لسانهم. وقد قدَّمْتُ منه جملة صالحة عند قوله تعالى: «أشياء» في المائدة/. قوله: ﴿لاَّ يَطْعَمُهَآ إِلاَّ مَن نَّشَآءُ﴾ هذه الجملة في محل رفع نعتاً لأنعام، وَصَفوه بوصفين أحدهما: أنه حجر، والثاني: أنه لا يأكله إلا من شاؤوا، وهم الرجال دون النساء أو سَدَنة الأصنام. و «من يشاء» فاعل ب «يَطْعَمُها» وهو استثناء مفرغ و «بزعمهم» حال كما تقدم في نظيره. قوله: «افتراءً» فيه أربعة أوجه أحدها: وهو مذهب سيبويه أنه مفعول من أجله أي: قالوا ما تقدَّم لأجل الافتراء على الباري تعالى. الثاني: مصدر على غير الصدر لأن قولهم المحكيَّ عنهم افتراء، فهو نظير «قعد القرفصاء» وهو قول الزجاج. الثالث: أنه مصدرٌ عاملُه من لفظه مقدر أي: افْتَرَوا ذلك افتراءً. الرابع: أنه مصدر في موضع الحال أي: قالوا ذلك حالَ افترائهم، وهي تشبه الحال المؤكدة؛ لأن هذا القولَ المخصوصَ لا يكون قائله إلا مفترياً. وقوله «على الله» يجوز تعلُّقه ب «افتراء» على القول الأول والرابع، وعلى الثاني والثالث بقالوا لا بافتراء؛ لأنَّ المصدر المؤكِّد لا يعمل، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ صفةً لافتراء، وهذا جائز على كل قولٍ من الأقوال السابقة. وقوله «بما كانوا» الباء سببية، و «ما» مصدرية أو موصوفةٌ أو بمعنى الذي.

стр. 3531

قوله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ﴾ : الجمهور على «خالصة» بالتأنيث مرفوعاً على أنه خبر «ما» الموصولة، والتأنيث: إمَّا حَمْلاً على المعنى؛ لأن الذي

стр. 3532

في بطون الأنعام أنعام، ثم حُمِلَ على لفظها في قوله «ومحرَّم» ، وإمَّا لأنَّ التأنيث للمبالغة كهو في عَلاَّمة ونسَّابة وراوية، وإمَّا لأن «خالصة» مصدر على وزن فاعلة كالعاقبة والعافية. وقال تعالى: ﴿بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار﴾ [ص: ٤٦] وهذا القول قول الفراء، والأول له أيضاً ولأبي إسحاق الزجاج، والثاني للكسائي، وإذا قيل: إنها مصدر كان ذلك على حذف مضاف أي: ذو خلوصٍ أو على المبالغةِ، أو على وقوع المصدر موقع اسم الفاعل كنظائره. وقال الشاعر: ٢٠٩٦ - وكنتِ أُمْنِيَّتي وكنتِ خالصتي ... وليس كلُّ امرِئٍ بمؤتمنِ وهذا مستفيضٌ في لسانهم: فلان خالصتي أي ذو خلوصي. و «لذكورنا» متعلِّقٌ به، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوف على أنه وصف لخالصة وليس بالقوي. وقرأ عبد الله وابن جبير وأبو العالية والضحاك وابن أبي عبلة «خالص» مرفوعاً على ما تقدَّم من غير هاء. و «لذكورنا» متعلق به أو بمحذوف كما تقدَّم. وقرأ ابن جبير أيضاً فيما نقله عنه ابن جني «خالصاً» نصباً من غير تاء، ونصبُه على الحال، وفي صاحبه وجهان أظهرهما: أنه الضمير المستتر في الصلة. الثاني: أنه الضمير المستتر في «لذكورنا» فإنَّ «لذكورنا» على هذه القراءة خبر المبتدأ، وهذا إنما يجوز على مذهب أبي الحسن لأنه يجيز تقديم الحال على عاملها المعنوي نحو: «زيد مستقراً في الدار» ، والجمهور يمنعونه، وقد تقدَّم تحقيق هذه المسألة بتفصيلها ودلائلها.

стр. 3533

وقرأ ابن عباس أيضاً والأعرج وقتادة: «خالصةً» نصباً بالتأنيث، والكلام في نصبه وتأنيثه كما تقدم في نظيره، وخرَّجه الزمخشري على أنه مصدر مؤكد كالعاقبة. وقرأ ابن عباس أيضاً وأبو رزين وعكرمة وأبو حيوة: «خالصُه» برفع «خالص» مضافاً إلى ضمير «ما» . ورفعه على أحد وجهين: إمَّا على البدل من الموصول، بدلِ بعض من كل، و «لذكورنا» خبر الموصول، وإمَّا على أنه مبتدأ، و «لذكورنا» خبره والجملة خبر الموصول، وقد عَرَفْتَ ممَّا تقدَّم أنه حيث قلنا: إن «خالصة» مصدر أو هي للمبالغة فليس في الكلام حَمْلٌ على معنى ثم على لفظ، وإن قلنا: إن التأنيث فيها لأجل تأنيث ما في البطون كان في الكلام الحَمْلُ على المعنى أولاً ثم على اللفظ في قوله «مُحَرَّمٌ» ثانياً، وليس لذلك في القرآن نظير، أعني الحمل على المعنى أولاً ثم على اللفظ ثانياً. إلا أن مكِّيَّاً زعم في غير «إعراب القرآن» له أن لهذه الآية نظائر فذكرها، وأما في إعرابه فلم يذكر أن غيرها في القرآن شاركها في ذلك، فقال في إعرابه «وإنما أَنَّث الخبر/ لأنَّ ما في بطون الأنعام أنعامٌ فحمل التأنيث على المعنى، ثم قال:» ومُحَرَّمٌ «فذكَّر حَمْلاً على لفظِ» ما «، وهذا نادرٌ لا نظير له، وإنما يأتي في» مَنْ «و» ما «حَمْلُ الكلام أولاً على اللفظ ثم على المعنى بعد ذلك فاعرفه فإنه قليل» . وقال في غير «الإِعراب» : «هذه الآية في قراءة الجماعة أَتَتْ على خلاف نظائرها في القرآن؛ لأنَّ كلَّ ما يُحْمل على اللفظ مرةً وعلى المعنى مرة إنما يتبدئ أولاً بالحمل على اللفظ ثم يليه الحَمْل على المعنى نحو: ﴿مَنْ آمَنَ بالله﴾ [البقرة: ٦٢] ثم قال:» فلهم أجرُهم «، هكذا يأتي في القرآن وكلام العرب، وهذه الآية تَقَدَّم فيها الحَمْلُ على المعنى فقال»

стр. 3534

خالصة «، ثم حُمِلَ على اللفظ فقال:» ومُحرَّمٌ «، ومثله ﴿كُلُّ ذلك كَانَ سَيِّئُةً﴾ [الإسراء: ٣٨] في قراءة نافع ومَنْ تابعه فأنَّث على معنى» كل «لأنها اسم لجميع ما تقدَّم ممَّا نهى عنه من الخطايا ثم قال:» عند ربك مكروهاً «فذكَّر على لفظ» كل «وكذلك ﴿مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف: ١٣] جَمَعَ الظهور حملاً على معنى» ما «ووحَّد الهاءَ حَمْلاً على لفظ» ما «، وحُكي عن العرب:» هذا الجرادُ قد ذهب فأراحنا مِنْ أَنْفُسِه «جمع الأنفس ووحَّد الهاء وذكَّرها. قلت: أمَّا قوله» هكذا أتى في القرآن «فصحيح، وأمَّا قوله» وكلام العرب «فليس ذلك بمُسَلَّم؛ إذ في كلام العرب البداية بالحَمْلِ على المعنى، ثم على اللفظ، وإن كان عكسُه هو الكثير، وأمَّا ما جعله نظيرَ هذه الآية في الحَمْل على المعنى أولاً ثم على اللفظ ثانياً فليس بمُسَلَّم أيضاً، وكذلك لا نُسَلِّم أن هذه الآية ممَّا حُمِلَ فيها على المعنى أولاً، ثم على اللفظ ثانياً. وبيان ذلك أنَّ لقائلٍ أن يقول: صلة» ما «جار ومجرور، وهو متعلق بمحذوف فتقدره مسنداً لضمير مذكَّر أي: ما استقرَّ في بطون هذه الأنعام، ويبعد تقديره باستقرَّت، إذا عُرِف هذا فيكون قد حَمَل أولاً على اللفظ في الصلة المقدرة ثم على المعنى ثانياً. وأمَّا» كل ذلك كان سَيِّئةً «فبدأ فيه أيضاً بالحَمْل على اللفظ في قوله» كان «فإنه ذكَّر ضميره المستتر في» كان «ثم حمل على المعنى في قوله» سيِّئة «فأنَّث. وكذلك «لتَسْتَووا» فإنَّ قبله «ما تركبون» ، والتقدير: ما تركبونه، فحمل العائد المحذوف على اللفظ أولاً ثم حُمِلَ على المعنى ثانياً، وكذلك في قولهم «هذا الجراد قد ذهب» حُمِلَ على اللفظ فأفرد الضمير في «ذهب» ، ثم حُمِلَ على المعنى ثانياً فجمع في قوله «أنفسه» ، وفي هذه المواضع يكون قد حمل فيها أولاً على اللفظ، ثم على المعنى، ثم على اللفظ، وكنتُ قد

стр. 3535

قَدَّمْتُ أن في القرآن من ذلك أيضاً ثلاثة مواضع: آية المائدة [الآية: ٦٠] : ﴿وَعَبَدَ الطاغوت﴾ ولقمان [الآية: ٦] : ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث﴾ والطلاق [الآية: ١١] : ﴿وَمَن يُؤْمِن بالله﴾ قوله: ﴿وَإِن يَكُن مَّيْتَةً﴾ قرأ ابن كثير «يكن» بياء الغيبة مَيْتَةٌ رفعاً، وابن عامر: «تكن» بتاء التأنيث، ميتة رفعاً، وعاصم في رواية أبي بكر «تكن» بتاء التأنيث «ميتةً» نصباً، والباقون «تكن» كابن كثير، «ميتةً» كأبي بكر. والتذكير والتأنيث واضحان لأن الميتة تأنيث مجازي لأنها تقع على الذكر والأنثى من الحيوان فَمَنْ أنَّث فباعتبار اللفظ، ومَنْ ذكَّر فباعتبار المعنى، هذا عند مَنْ يرفع «ميتة» ب «تكن» ، أمَّا من ينصبها فإنه يسند الفعل حينئذٍ إلى ضميرٍ فيذكِّر باعتبار لفظ «ما» في قوله «ما في بطون» ويؤنث باعتبار معناها. ومن نصب «ميتة» فعلى خبر «كان» الناقصة. ومَنْ رفع فيحتمل وجهين، أحدهما: أن تكون التامة، وهذا هو الظاهر أي: وإن وجد ميتة أو حَدَثَتْ، وأن تكون الناقصة، وحينئذٍ يكون خبرُها محذوفاً أي: وإن يكن هناك أو في البطون ميتة وهذا رأي الأخفش، فيكون تقدير قراءة ابن كثير: وإن يَحْدُثْ حيوان ميتة أو: وإن يكن في البطون ميتة، على حسب التقديرين تماماً ونقصاناً، وتقدير قراءة ابن عامر كتقدير قراءته، إلا أنه أنَّث الفعل باعتبار لفظ مرفوعه، وتقدير قراءة أبي بكر: وإن تكنِ الأنعامُ أو الأجنَّة ميتةً، فأنَّث حَمْلاً على المعنى، وقراءة الباقين كتقدير قراءته إلا أنهم ذكَّروا باعتبار اللفظ، قال أبو عمرو بن العلاء: «ويُقَوِّي هذه القراءةَ يعني قراءة التذكير والنصب قوله» فهم فيه «ولم يقل فيها» . ورُدَّ هذا/ على أبي عمرو بأن الميتة لكل ميت ذكراً كان أو أنثى فكأنه

стр. 3536

قيل: وإن يكن ميتاً فهم فيه، يعني فلم يَصِرْ له في تذكير الضمير في «فيه» حُجَّةٌ. ونقل الزمخشري قراءة ابن عامر عن أهل مكة فقال: «قرأ أهل مكة» وإن تكنْ ميتةٌ «بالتأنيث والرفع» فإن عنى بأهل مكة ابن كثير ولا أظنه عناه فليس كذلك وإن عنى غيره فيجوز، على أنه يجوز أن يكون ابن كثير قرأ بالتأنيث أيضاً، لكن لم يُشْتهر عنه اشتهارَ التذكير. وقرأ يزيد «مَيِّتة» بالتشديد. وقرأ عبد الله: «فهم فيه سواء» وأظنها تفسيراً لا قراءةً لمخالفتها السواد.

стр. 3537

قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الذين قتلوا﴾ : هذا جواب قسم محذوف. وقرأ ابن كثير وابن عامر وهي قراءة الحسن وأبي عبد الرحمن «قَتَّلوا» بالتشديد مبالغة وتكثيراً، والباقون بالتخفيف، و «سفهاً» نصب على الحال أي: ذوي سَفَهٍ، أو على المفعول من أجله وفيه بُعْدٌ، لأنه ليس علة باعثة أو على أنه مصدر لفعل مقدر أي سفهوا سفهاً، أو على أنه مصدر على غير الصدر؛ لأن هذا القتل سَفَهٌ. وقرأ اليماني «سُفَهاء» على الجمع وهي حال، وهذه تقوِّي كونَ قراءةِ العامة مصدراً في موضع الحال حيث صرَّح بها. و «بغير علم» : إمَّا حال أيضاً، وإمَّا صفةٌ لسفهاً وليس بذاك.

стр. 3538

قوله تعالى: ﴿مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ : منصوب على الحال، وفيها قولان أحدهما: أنها حال مقدرة لأن النخل والزرع وقت خروجِهما لا أَكْلَ فيهما حتى يقال فيه متفق أو مختلف، فهو كقوله ﴿فادخلوها خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣]

стр. 3539

وكقولهم: «مررتُ برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً» أي: مقدِّراً الاصطياد به. والثاني: أنها حال مقارنة وذلك على حذف مضاف أي: وثمر النخل وحَبّ الزرع. و «أُكُلُه» مرفوع ب «مختلفاً» لأنه اسم فاعل، وشروط الإِعمال موجودة. والأُكُل: الشيء المأكول، وقد تقدَّم أنه يُقْرأ بضم الكاف وسكونها ومضى تحقيقه في البقرة. والضمير في «أُكُله» : الظاهر أنه يعود على الزرع فقط: إمَّا لأنه حذف حالاً من النخل لدلالة هذه عليها تقديره: والنخل مختلفاً أكله، والزرع مختلفاً أكله، وإمَّا لأن الزرع هو الظاهر فيه الاختلافُ بالنسبة إلى المأكول منه كالقمح والشعير والفول والحمص والعََدس وغير ذلك. وقيل إنها تعود عليهما، قال الزمخشري: «والضمير للنخل، والزرعُ داخلٌ في حكمه لكونه معطوفاً عليه» . قال الشيخ: «وليس بجيد، لأن العطفَ بالواو لا يُجَوِّزُ إفراد ضمير المتعاطفين» . وقال الحوفي: «والهاء في» أكلُه «عائدةٌ على ذِكْرِ ما تقدَّم من هذه الأشياء المنشآت» ، وعلى هذا الذي ذكره الحوفي لا تختص الحال بالنخل والزرع بل يكون لِما تقدَّم جميعه. قال الشيخ: «ولو كان كما زعم لكان التركيب» أكلها «، إلا إنْ أُخذ ذلك على حذف مضاف أي: ثمر جنات، وروعي هذا المحذوفُ فقيل:» أُكُلُه «بالإِفراد على مراعاته، فيكون ذلك كقوله:» أو كظلمات في بحر لُجِّيٍّ يغشاه موج «أي: أو كذي ظلمات؛ ولذلك أعاد الضمير في يغشاه عليه» . قلت: فيبقى التقدير: مختلفاً أكل ثمر الجنات وما بعدها، وهذا يلزم منه إضافة الشيء

стр. 3540

إلى نفسه، لأن الأُكُل كما تقدم غير مرة أنه الثمر المأكول. قال الزمخشري في الأكل: «وهو ثمره الذي يؤكل» . وقال ابن الأنباري: «إن مختلفاً نُصب على القطع فكأنه قال: والنخل والزرع المختلف أُكُلُهما» وهذا رأي الكوفيين وقد تقدم إيضاحه غير مرة. وقوله: ﴿والزيتون والرمان﴾ إلى قوله: ﴿إِذَآ أَثْمَرَ﴾ قد تقدم إيضاحه. قوله «حصادِه» قرأ أبو عمرو وابن عامر وعاصم بفتح الحاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان في المصدر لقولهم جَداد وجِداد، وقَطاف وقِطاف، وحَران وحِران. قال سيبويه: «جاؤوا بالمصدر حين أرادوا انتهاء الزمان على مثالِ فِعال، وربما قالوا فيه فَعال» يعني أن هذا مصدر خاص دال على معنى زائد على مطلق المصدر فإن المصدر الأصلي إنما هو الحصد، فالحصدُ ليس فيه دلالةٌ على انتهاء زمان ولا عدمها بخلاف الحَصاد والحِصاد. ونسب الفراء الكَسْرَ لأهل الحجاز/ والفتح لتميم ونجد. واختار أبو عبيد الفتح قال: «للفخامة، وإن كانت الأخرى فاشية غير مدفوعة» ، ومكي الكسرَ قال: «لأنه الأصل وعليه أكثر الجماعة» . وقوله ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فيه وجهان أحدهما: أنه منصوب ب «آتوا» أي: أعطوا
следующие страницы →