Полный текст (10 772 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
فُعْلى أنثى أفعل الذي للمفاضلة، والمعنى على هذا كما قال الزمخشري:» أُخْراهم منزلةً، وهم الأتباع والسَّفَلة، لأُولاهم منزلةً وهم السَّادة والرؤساء «، ويحتمل أن تكون» أخرى «بمعنى آخِرة تأنيث آخِر مقابل لأوَّل، لا تأنيث» آخَر «الذي للمفاضلة كقوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ [فاطر: ١٨] .
والفرقُ بين أخرى بمعنى آخِرة وبين أخرى تأنيث آخَر بزنة أفعل للتفضيل أنَّ التي للتفضيل لا تدلُّ على الانتهاء كما لا يَدُلُّ عليه مذكَّرها، ولذلك يُعْطف أمثالُها عليها في نوعٍ واحد تقول: مررت بامرأةٍ وأخرى وأخرى، كما تقول: برجل وآخر وآخر، وهذه تدلُّ على الانتهاء كما يدلُّ عليه مذكَّرها ولذلك لا يُعْطَفُ أمثالُها عليها، ولأنَّ الأولى تفيد إفادة» غير «، وهذه لا تفيد إفادةَ» غير «.
والظاهرُ في هذه الآيةِ الكريمة أنهما ليستا للتفضيل بل لِما ذكرت لك/.
وقوله: ﴿لأُولاَهُمْ﴾ اللامُ للتعليل أي لأجل، ولا يجوز أن تكون التي للتبليغ كهي في قولك: قلت لزيدٍ افعل. قال الزمخشري: «لأنَّ خطابَهم مع الله لا معهم» وقد بَسَط القولَ قبله في ذلك الزجاج فقال: «والمعنى: وقالت أخراهم: يا ربَّنا هؤلاء أضلونا، لأولاهم» فَذَكَرَ نحوه. قلت: وعلى هذا فاللامُ الثانيةُ في قوله «أُولاهم لأخراهم» يجوز أن تكون للتبليغ، لأنَّ خطابَهم معهم بدليل قوله: «فما كان لكم علينا مِنْ فضلٍ، فذوقوا بما كنتم تَكْسِبون» .
وقوله «ضِعْفاً» قال أبو عبيدة: «الضِّعْفُ: مثلُ الشيء مرةً واحدة» قال
стр. 3712
الأزهري: «وما قاله أبو عبيدة هو ما يَسْتعمله الناس في مجاز كلامهم، وقد قال الشافعي قريباً منه فقال في رجل أوصى:» أَعْطوه ضِعْف ما يُصيب ولدي «قال:» يُعطَى مثله مرتين «. قال الأزهري:» الوصايا يُستعمل فيها العُرْف وما يتفاهمه الناس، وأما كتاب الله فهو عربي مبين، ويُرَدُّ تفسيرُه إلى لغة العرب وموضوعِ كلامِها الذي هو صنعةُ ألسنتها. والضِّعْف في كلام العرب المِثْل إلى ما زاد، ولا يُقتصر به على مِثْلين بل تقول: هذا ضِعْفه أي مِثْلاه وثلاثةُ أمثاله، لأنَّ الضِّعْفَ في الأصل زيادةٌ غيرُ محصورة، ألا ترى إلى قول الله تعالى: ﴿فأولئك لَهُمْ جَزَآءُ الضعف﴾ [سبأ: ٣٧] لم يُرِدْ به مِثْلاً ولا مِثْلين، وأَوْلى الأشياء به أن يُجْعل عشرةَ أمثالِه كقوله تعالى: «مَنْ جاء بالحسنةِ فله عشرُ أمثالِها» فأقلُّ الضعف محصورٌ وهو المِثْل وأكثرُه غير محصور «. ومثلُ هذه المقالةِ قال الزجاج أيضاً فإنه قال:» أي عذاباً مضاعفاً لأن الضِّعْفَ في كلام العرب على ضربين أحدهما: المثل، والآخر: أن يكون في معنى تضعيف الشيء «أي زاد به إلى ما لا يَتناهَى. وقد تقدم طرفٌ من هذا في البقرة.
و» ضِعْفاً «صفة ل» عذاباً «. و» من النار «يجوز أن يكون صفة ل» عذاباً «وأن يكون صفةً ل» ضِعْفاً «، ويجوز أن يكونَ ضعفاً بدلاً من» عذاباً «.
وقوله» لكلٍّ «أي: لكل فريق من الأخرى والأولى. وقوله:» ولكن لا تعلمون، قراءةُ العامة بتاء الخطاب: إمَّا خطاباً للسائلين، وإمَّا خطاباً لأهل
стр. 3713
الدنيا أي: ولكن لا تعلمون ما أعدَّ من العذاب لكل فريق. وقرأ أبو بكر عن عاصم بالغيبة، وهي تحتمل أن يكون الضميرُ عائداً على الطائفة السائلة تضعيفَ العذاب أو على الطائفتين أي: لا يعلمون قَدْر ما أَعَدَّ لهم من العذاب.
стр. 3714
قوله تعالى: ﴿فَمَا﴾ : هذه الفاءُ عاطفةٌ هذه الجملةَ المنفية على قول الله تعالى للسَّفلة: «لكلٍ ضعف» فقد ثَبَتَ أن لا فضلَ لكم علينا، وأنَّا متساوون في استحقاق الضعف فذوقوا. قال الشيخ بعد أن حكى بعضَ كلامِ الزمخشري: «والذي يظهر أن المعنى: انتفاء كون فضلٍ عليهم من السَّفَلة في الدنيا بسبب اتِّباعهم إياهم وموافقتِهم لهم في الكفر أي: اتِّباعُكم إيانا وعدمُ اتِّباعكم سواءٌ، لأنكم كنتم في الدنيا عندنا أقلَّ من أن يكون لكم علينا فضلٌ باتباعكم بل كفرتم اختياراً، لا أنَّا حَمَلْناكم على الكفر إجباراً، وأن قوله» فما كان «جملةٌ معطوفة على جملة محذوفة بعد القول دَلَّ عليها ما سَبَقَ من الكلام، والتقدير: قالت أولاهم لأخراهم: ما دعاؤكم الله أنَّا أَضْللناكم وسؤالكم ما سألتم، فما كان لكم علينا من فضلٍ بضلالكم، وأنَّ قوله:» فذوقوا «من كلام الأولى خطاباً للأخرى على سبيل التشفِّي، وأنَّ ذوق العذاب هو بسبب ما كَسَبْتُمْ لا بأنَّا أضللناكم. وقيل: فذوقوا من خطاب الله لهم» .
و «بما» الباء سببية، و «ما» مصدريةٌ أو بمعنى الذي، والعائد محذوف أي: تكسبونه.
стр. 3715
وقرأ أبو عمرو: ﴿لا تُفْتَح﴾ : بضم التاء من فوق والتخفيف. والأخوان بالياء من تحت والتخفيف، والباقون: بالتأنيث والتشديد. فالتأنيث والتذكير باعتبار الجمع والجماعة، والتخفيفُ والتضعيفُ باعتبار التكثير وعدمِه، والتضعيفُ هنا أوضح لكثرة المتعلق. وهو في هذه القراءاتِ مبنيٌّ للمفعول. وقرأ أبو حيوة وأبو البرهسم «تَفَتَّح» بفتح التاء مِنْ فوق والتضعيف، والأصل: / لا تتفتَّح بتاءَيْن فحُذِفت إحداهما، وقد تقدَّم في «تذكَّرون» ونحوه، ف «أبواب» على قراءة أبي حَيْوة فاعلٌ، وعلى ما تقدم مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعلُه. وقرئ: «لا تَفْتَحُ» بالتاء ونصب «الأبواب» على أن الفعل للآيات، وبالياء على أن الفعل لله، ذكره الزمخشري.
وقوله ﴿فِي سَمِّ الخياط﴾ متعلقٌ ب «يَلِجُ» . وسَمُّ الخياط ثقب الإِبرة وهو الخُرْتُ، وسينُه مثلثةٌ، وكل ثقبٍ ضيقٍ فهو سَمّ. وقيل: كل ثقب في البدن، وقيل: كل ثقب في أنفٍ أو أذن فهو سَمٌّ، وجمعه سُموم، قال الفرزدق:
٢١٩٤ - فَنَفَّسْتُ عن سَمَّيْهِ حتى تَنَفَّسَا ... وقلت له لا تخش شيئاً ورائيا
والسُّمُّ: القاتل سُمِّي بذلك لِلُطْفه وتأثيره في مسام البدن حتى يصل إلى القلب، وهو في الأصل مصدرٌ ثم أريد به معنى الفاعل لدخولِه باطنَ البدن، وقد سَمَّه إذا أدخله فيه، ومنه «السَّامَّة» للخاصَّة الذين يدخلون في بواطن
стр. 3716
الأمور ومَسَامِّها، ولذلك يقال لهم الدُّخْلُلُ. والسَّموم: الريح الحارة لأنها تؤثر تأثيرَ السُّمِّ القاتل. والخِياط والمِخْيَط الآلة التي يُخاط بها فِعال ومِفَْل كإزار ومِئْزَر ولِحاف ومِلْحَف وقِناع ومِقْنع. ولا يقال للبعير جَمَل إلا إذا بَزَل. وقيل: لا يُقال له ذلك إلا إذا بلغ أربع سنين، وأول ما يخرج ولد الناقة ولم تُعرف ذكوريتُه أو أنوثتُه يقال له: سَلِيْل، فإن كان ذكراً فهو سَقْبٌ، والأنثى حائل، ثم هو حُوار إلى الفِطام وبعده فصيل إلى سنة، وفي الثانية ابنُ مَخاض وبنت مخاض، وفي الثالثة ابن لَبون وبنت لَبون، وفي الرابعة حِقٌّ وحِقَّة، وفي الخامسة جَذَع وجَذَعة، وفي السادسة ثَنِيٌّ وثَنِيَّة، وفي السابعة رَباع ورَباعِية مخففة، وفي الثامنة سَديس لهما، وقيل: سَديسة للأنثى، وفي التاسعة بازل وبازلة، وفي العاشرة مُخْلِفٌ ومُخْلِفة، وليس بعد البُزُول والإِخلاف سِنٌّ بل يقال: بازل عام أو عامين ومُخْلِفُ عام أو عامَيْن حتى يَهْرَم فيقال له فَوْد.
والوُلوج: الدخول بشدة ولذلك يقال: هو الدخول في مضيق فهو أخصُّ من الدخول. والوَليجة: كلُّ ما يعتمده الإِنسان، والوليجة: الداخلُ في قومٍ ليس منهم.
والجَمَل قراءة العامة وهو تشبيه في غاية الحسن، وذلك أن الجملَ أعظمُ حيوانٍ عند العرب وأكبره جثةً حتى قال:
٢١٩٥ -. . . . . . . . . . . . . . . . ... جسمُ الجِمالِ وأحلام العصافير
стр. 3717
[وقوله] :
٢١٩٦ - لقد كَبُر البعيرُ بغير لُبٍّ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وسُمُّ الإِبرة في غاية الضيق، فلما كان المَثَلُ يُضْرَب بعِظَم هذا وكبره، وبضيق ذاك حتى قيل: أضيقُ من خُرْتِ الإِبرة، ومنه الخِرِّيْتُ وهو البصير بمضايق الطرق قيل: لا يَدْخلون الجنة حتى يتقحَّمَ أعظمُ الأشياء وأكبرها عند العرب في أضيقِ الأشياءِ وأصغرِها، فكأنه قيل: لا يَدْخلون حتى يُوجدَ هذا المستحيلُ، ومثلُه في المعنى قولُ الآخر:
٢١٩٧ - إذا شاب الغراب أتَيْتُ أهلي ... وصارَ القارُ كاللينِ الحليب
وقرأ ابن عباس في رواية ابن حَوْشب ومجاهد وابن يعمر وأبو مجلز والشعبي ومالك بن الشخير وابن محيصن وأبو رجاء وأبو رزين وأبان عن عاصم: «الجُمَّل» بضم الجيم وفتح الميم مشددة وهو القَلْسُ. والقَلْسُ: حبلٌ غليظ يُجمع من حبال كثيرة فَيُفْتَل وهو حبلُ السفينة وقيل: الحبل الذي يُصْعَد به [إلى] النخل، ويروى عن ابن عباس أنه قال: «إن الله أحسنُ تشبيهاً من أن يُشَبِّه بالجمل» كأنه رأى إن صحَّ عنه أن المناسب لسُمّ الإِبرة شيء يناسب الخيط المسلوك فيها. وقال الكسائي: «الراوي ذلك عن ابن عباس أعجمي فشدّد الميم» . وضَعَّف ابن عطية قول الكسائي بكثرة رواتها عن
стр. 3718
ابن عباس قراءةً. قلت: وكذلك هي قراءة مشهورة بين الناس. وروى مجاهد عن ابن عباس ضمَّ الجيم وفتح الميم خفيفةً، وهي قراءة ابن جبير وقتادة وسالم الأفطس.
وقرأ ابن عباس أيضاً في رواية عطاء: الجُمُل بضم الجيم والميم مخففة، وبها قرأ الضحَّاك والحجدري. وقرأ عكرمة وابن جبير بضم الجيم وسكون الميم. والمتوكل وأبو الجوزاء بالفتح والسكون، وكلها لغات في القَلْس المذكور. وسئل ابن مسعود عن الجمل في الآية، فقال: زوج الناقة، كأنه فهم ما أراد السائل فاستغباه. وقرأ عبد الله وقتادة وأبو رزين وطلجة: «سُمّ» بضم السين. وأبو عمران الحوفي وأبو نهيك والأصمعي عن نافع: سِمّ بالكسر. وقد تقدَّم أنها لغات. وقرأ عبد الله وأبو رزين وأبو مجلز: المِخْيَط بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الياء. وطلحة بفتح الميم. وهذه مخالفة للسواد.
قوله: ﴿وكذلك﴾ أي: ومثل ذلك الجزاء نجزي المجرمين، فالكافُ نعتٌ لمصدر محذوف.
стр. 3719
وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾ : والجملةُ محتملة للحالية والاستئناف، ويجوز حينئذ/ في «مهاد» أن تكون فاعلاً ب «لهم» فتكون الحال من قبيل المفردات، وأن تكون مبتدأ فتكون من قبيل الجمل. و «من
стр. 3720
جهنم» حال من «مِهاد» لأنه لو تأخر عنه لكان صفةً، أو متعلِّقٌ بما تعلَّق الجارُّ قبله.
وغَواشٍ: جمع غاشية. وللنحاة في الجمع الذي على مفاعل إذا كان منقوصاً بقياسٍ خلافٌ: هل هو منصرف أو غير منصرف؟ فبعضهم قال: هو منصرفٌ لأنه قد زال [منه] صيغة منتهى الجموع فصار وزنُه وزن جَناح وقَذَال فانصرف. وقال الجمهور: هو ممنوع من الصرف، والتنوينُ تنوينُ عوض. واختُلِفَ في المُعَوَّض عنه ماذا؟ فالجمهور على أنه عوضٌ من الياء المحذوفة. وذهب المبرد إلى أنه عوضٌ من حركتها. والكسرُ ليس كسرَ إعراب، وهكذا جَوارٍ ومَوالٍ. وبعضهم يجرُّه بالفتحة قال:
٢١٩٨ - ولو كان عبدُ الله مولىً هجوتُه ... ولكنَّ عبدَ اللهِ مَوْلَى مَواليا
وقال آخر:
٢١٩٩ - قد عَجِبَتْ مني ومن يُعَيْلِيا ... لَمَّا رَأَتْني خَلَقاً مُقْلَوْلِيا
وهذا الحكمُ ليس خاصاً بصيغة مَفاعل، بل كل غير منصرف إذا كان منقوصاً فحكمه حكم ما تقدم نحو: يُعَيْلٍ تصغير يَعْلى، ويَرْمٍ اسم رجل، وعليه قولُه: «ومن يُعَيْلِيا» ، وبعضُ العرب يُعْرب «غواشٍ» ونحوه بالحركات على الحرف الذي قبل الياء المحذوفة فيقول: هؤلاء جوارٌ، وقرئ ﴿وَمن
стр. 3721
فوقهم غواشٌ﴾ برفع الشين وهي كقراءة عبد الله ﴿وله الجوارُ﴾ [الرحمن: ٢٤] برفع الراء. وقد حرَّرْتُ هذه المسألةَ وما فيها من المذاهبِ واللغات في موضوعٍ غير هذا.
قوله: ﴿وكذلك﴾ تقدَّم مثله. وقوله ﴿الظالمين﴾ يحتمل أن يكون من باب وقوع الظاهرِ موقع المضمر. والمراد بالظالمين المجرمون، ويحتمل أن يكونوا غيرَهم وأنهم يُجْزَون كجزائهم.
стр. 3722
قوله تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ﴾ : مبتدأ وفي خبره وجهان، أحدهما: أنها الجملةُ من قولِه ﴿لاَ نُكَلِّفُ نَفْساً﴾ وعلى هذا فلا بد من عائدٍ وهو مقدر، وتقديره: نفساً منهم. والثاني: هو الجملة من قوله ﴿أولئك أَصْحَابُ﴾ ، وتكون هذه الجملة المنفيَّةُ معترضةً بينهما، وهذا الوجه أعرب.
стр. 3723
وقوله تعالى: ﴿مِّنْ غِلٍّ﴾ : يجوز أن تكون «مِنْ» لبيان جنس «ما» ، ويجوز أن تكون حالاً فتتعلَّق بمحذوف أي: كائناً مِنْ غِل. وقوله: «تجري من تحتهم الأنهار» في هذه الجملة ثلاثة أوجه، أحدها: أنها حال من الضمير في «صدورهم» قاله أبو البقاء. وجَعَل العامل في هذه الحال معنى الإِضافة. والثاني: أنها حال، والعامل فيها «نزعنا» ، قاله الحوفي. والثالث: أنها استئناف إخبار عن صفة أحوالهم.
وردَّ الشيخ الوجهين الأوَّلين: أمَّا الثاني فلأنَّ ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنهار﴾ ليس مِنْ صفة فاعل «نَزَعْنا» ولا مفعوله وهما «ن» و «ما» فكيف ينتصب
стр. 3724
حالاً عنهما؟ وهو واضح. وأمَّا الأولُ فلأنَّ معنى الإِضافة لا يعمل إلا إذا أمْكن تجريدُ المضاف وإعمالُه فيما بعده رفعاً أو نصباً. قلت: قد تقدم غيرَ مرة أن الحالَ تأتي من المضاف إليه إذا كان المضاف جزءاً من المضاف إليه لمَدْرَكٍ آخر لا لِما ذكره أبو البقاء من أنَّ العامل هو معنى الإِضافة، بل العامل في الحال هو العامل في المضاف وإن كانت الحالُ ليست منه؛ لأنهما لما كانا متضايفَيْنِ وكانا مع ذلك شيئاً واحداً ساغ ذلك.
والغِلُّ: الحِقْد والإِحْنَةُ والبغض، وكذلك الغُلول. وجمع الغِلّ غلال. والغُلول: الأَخْذُ في خُفْية، وأحسنُ ما قيل أن ذلك من لفظ الغِلالة كأنه تَدَرَّع ولبس الحقد والخيانة حتى صار إليه كالغِلالة الملبوسة.
قوله: ﴿لولا أَنْ هَدَانَا﴾ أَنْ وما في حَيِّزها في محل رفع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ على ما قَدَّرْته غير مرة، وجواب «لولا» مدلول عليه بقوله: «وما كنا» تقديره: لولا هدايةٌ لنا موجودة لشَقِيْنا أو ما كنا مهتدين. و «لقد جاءت» جواب قسم مقدر. و «بالحق» يجوز أن تكون الباءُ للتعدية، فبالحق مفعولٌ معنى، ويجوز أن تكون للحال أي: جاؤوا ملتبسين بالحق.
قوله: ﴿أَن تِلْكُمُ﴾ يجوز أن تكون المفسِّرة، فَسَّرَت النداء وهو الظاهر بما بعدها. ويجوز أن تكون المخففةَ، واسمُها ضمير الأمر محذوفاً، وأن وما بعدها في محل نصب أو جر؛ لأنَّ الأصلَ: بأن تلكم، وأشير إليها بإشارة البعيد لأنهم وُعِدوها في الدنيا. وعبارة بعضهم «هي إشارة لغائبة» [فيها] مسامحة لأنَّ الإِشارة لا تكون إلا لحاضر، ولكن العلماء تُطْلق على البعيد غائباً مجازاً.
стр. 3725
و «أُورِثتموها» يجوز أن تكون هذه الجملةُ حاليةً كقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل: ٥٢] ، ويجوز أن تكونَ خبراً عن «تلكم» ويجوز أن تكون «الجنة» بدلاً أو عطف بيان، و «أُورثتموها» الخبر. ومنع أبو البقاء أن تكون حالاً من «تلكم» للفصل بالخبر، ولأن المبتدأ لا يعمل في الحال. وأدغم أبو عمرو والأخوان الثاء في التاء، وأظهرها الباقون.
و ﴿بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ تقدم غير مرة. والجماعة على «وما كنا» بواو وكذلك هي في مصاحف الأمصار غيرَ الشام. وفيها وجهان، أظهرهما: أنها واو الاستئناف، والجملة بعدها مستأنفة. والثاني: أنها حالية. وقرأ ابن عامر: «وما كنا» بدون واو، والجملة على ما تقدَّم من احتمالي الاستئناف والحال، وهي في مصحف الشاميين كذا/ فقد قرأ كلٌّ بما في مصحفه.
стр. 3726
قوله تعالى: ﴿أَن قَدْ وَجَدْنَا﴾ : «أَنْ» يحتمل أن تكون تفسيرية للنداء، وأن تكونَ مخففةً من الثقيلة، واسمُها ضميرُ الأمر والشأن، والجملة بعدها خبرها، وإذا كان الفعلُ متصرفاً غيرَ دعاء فالأجود الفصلُ ب «قد» كهذه الآية أو بغيرها. وقد تقدَّم تحقيقه في المائدة. وقال الزمخشري: «فإن قلت: هلا قيل: ما وعدكم ربكم، كما قيل:» ما وَعَدنا ربنا «. قلت: حُذِف ذلك تخفيفاً لدلالة» وَعَدْنا «عليه. ولقائل أن يقول: أُطْلِق ليتناول كلَّ ما وَعَدَ الله من البعث والحساب والعقاب والثواب وسائرِ أحوالِ القيامة، لأنهم كانوا مكذِّبين بذلك أجمعَ، ولأن الموعودَ كلَّه ممَّا ساءهم،
стр. 3727
وما نعيم أهلِ الجنة إلا عذابٌ لهم فأطلق لذلك» قلت: قوله: «ولقائلٍ إلى آخره» هذا الجوابُ لا يطابق سؤالَه لأن المُدَّعى حَذْفُ المفعول الأول وهو ضمير المخاطبين، والجواب وقع بالمفعول الثاني الذي هو الحسابُ والعقاب وسائر الأحوال، فهذا إنما يناسب لو سُئل عن حَذْفِ المفعول الثاني لا المفعول الأول.
و ﴿نَعَمْ﴾ حرفُ جوابٍ كأجل وإي وجَيْر وبلى. ونقيضتها لا، و «نعم» تكون لتصديق الإِخبار أو إعلام استخبار أو وَعْدِ طالب، وقد يُجاب بها النفيُ المقرونُ باستفهام وهو قليل جداً كقوله:
٢٢٠٠ - أليس الليلُ يجمعُ أُمَّ عمروٍ ... وإيَّانا فذاك بنا تَدَاني
نعم وترى الهلالَ كما أراه ... ويَعْلوها النهارُ كما عَلاني
فأجاب قوله «أليس» ب نعم، وكان من حقه أن يقول: بلى، ولذلك يُروى عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] : لو قالوا: نعم لكفروا، وفيه بحثٌ يأتي إن شاء الله تعالى قريباً.
وتُكْسَرُ عينُها، وبها قرأ الكسائي والأعمش ويحيى بن وثاب، وهي لغةُ كنانة. وطعن أبو حاتم عليها وقال: «ليس الكسر بمعروف» . واحتجَّ الكسائي لقراءته بما يُحكى عن عمر بن الخطاب أنه سأل قوماً فقالوا: نَعَم يعني بالفتح فقال: «أمَّا النَّعَم فالإِبل فقولوا: نَعِم» أي بالكسر. قال أبو عبيد: «ولم نَرَ العرب يعرفون ما رَوَوْه عن عمر ونراه مُوَلَّداً» . قلت: هذا طعنٌ في
стр. 3728
المتواتر فلا يُقبل. وتبدل عينها حاءً، وهي لغةٌ فاشيةٌ كما تبدل حاء «حتى» عيناً.
وقوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ يجوز أن يكونَ منصوباً ب «أذَّن» أو ب «مؤذِّن» ، وأن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه صفةٌ ل «مؤذِّن» . قال مكي عند إجازته هذا الوجه: «ولكن لا يعمل في» أَنْ «» مُؤَذِّن «إذ قد نَعَته» يعني أنَّ قوله «أَنْ لعنةُ» لا يجوز أن يكونَ معمولاً [ل «مؤذن لأنه موصوف، واسم الفاعل متى وُصِف لم يعمل.
قلت: هذا يُوهِمُ أنَّا إذا لم نجعل «بينهم» نعتاً ل «مؤذِّن» جاز أن يعمل في «أن» ] وليس الأمر كذلك، [لأنك لو قلت] : «ضرب ضاربٌ زيداً» تنصب زيداً ب ضرب لا بضارب. لكني قد رأيت الواحدي [أجاز ما] أجاز مكي [من كون] «مؤذِّن» عاملاً في «أَنْ» ، وإذا وَصَفْتَه امتنع ذلك، وفيه ما تقدَّم وهو حسن.
و «أَنْ» يجوز أن تكون المفسِّرة، وأن تكونَ المخففةَ، والجملة الاسميةُ بعدها الخبر، ولا حاجةَ هنا لفاصل. وقرأ الأخوان وابن عامر والبزِّي: «أنَّ» بفتح الهمزة وتشديد النون ونصب اللعنة على أنها اسمها، و «على الظالمين» خبرها، وكذلك في النور «أن لعنةُ الله عليه» خَفَّف «أَنْ» ورفع اللعنة نافع وحده، والباقون بالتشديد والنصب. وقرأ عصمة عن الأعمش: إنَّ
стр. 3729
بالكسر والتشديد وذلك: إمَّا على إضمار القول عن البصريين، وإمَّا على إجراء النداء مُجْرى القول عند الكوفيين.
стр. 3730
وقوله تعالى: ﴿الذين﴾ : يجوز أن يكون مرفوعَ المحل ومنصوبَه على القطع فيهما، ومجرورَه على النعت أو البدل أو عطف البيان. ومفعول «يَصُدُّون» محذوفٌ أي: يصدُّون الناس. ويجوز ألاَّ يُقَدَّر له مفعول، والمعنى: الذين من شأنهم الصدُّ كقولهم: «هو يعطي ويمنع» . ويجوز أن يكون «يَصُدُّون» بمعنى يُعْرضون، مِنْ صَدَّ صُدوداً فيكون لازماً.
стр. 3731
قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا﴾ : أي: بين أصحاب الجنة وأصحاب النار، وهذا هو الظاهر لقوله ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ . وقيل: بين الجنة والنار، وبه بدأ الزمخشري. وقوله: ﴿وَعَلَى الأعراف﴾ قال الزمخشري: «أي: وعلى أعراف الحجاب» كأنه جعل أل عوضاً من الإِضافة وهو مذهب كوفي، وقد تقدم تحقيقه. وجعل بعضُهم نفس الأعراف هي نفس الحجاب المتقدِّمِ ذكرُه، عبَّر عنه تارة بالحجاب وتارة بالأعراف. قال الواحدي: ولم يذكر غيره «ولذلك عُرِّفَت الأعراف لأنه عَنَى بها الحجاب» .
والأعراف جمع عُرْف بضم العين، وهو كل مُرْتَفَع من أرض وغيرها استعارةً مِنْ عُرْف الديك وعُرْف الفَرَس، كأنه عُرِف بارتفاعه دونَ الأشياءِ المنخفضة فإنها مجهولة غالباً، قال أمية بن أبي الصلت:
٢٢٠١ - وآخرون على الأعراف قد طَمِعوا ... في جنة حَفَّها الرمَّانُ والخَضِرُ
стр. 3732
ومثله أيضاً قوله:
٢٢٠٢ - كلُّ كِنازِ لَحْمِه نيافِ ... كالجبلِ المُوْفِي على الأعرافِ
وقال آخر وهو الشماخ:
٢٢٠٣ - فظلَّتْ بأعرافٍ تَعادَى كأنها ... رِماحٌ نَحاها وِجْهةَ الريحِ راكزٌ
وقوله: ﴿يَعْرِفُونَ﴾ في محل رفع نعتاً لرجال. و «كُلاَّ» أي: كل فريق من أصحاب الجنة وأصحاب النار. وقوله ﴿أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ كقوله ﴿أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين﴾ [الأعراف: ٤٤] إلا أنه لم يُقْرأ هنا إلا بأنْ الخفيفة فقط.
قوله: ﴿وَنَادَوْاْ﴾ هذا الضميرُ وما بعده لرجال. وقوله ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا﴾ في هذه الجملة أوجه، أحدها: أنها حال من فاعل «نادوا» أي: نادى أهل الأعراف حالَ كونهم غير داخلين الجنة. وقوله «وهم يطمعون» يحتمل أن يكون حالاً مِنْ فاعل «يَدْخلُوها» ثم لك اعتباران بعد ذلك، الأول: أن يكون المعنى: لم يدخلوها طامعين في دخولها بل/ دخلوها على يأس مِنْ دخولها. والثاني: أن المعنى: لم يدخلوها حال كونهم طامعين أي: لم يدخلوا بعد، وهم في وقت عدم الدخول طامعون، ويحتمل أن يكون مستأنَفَاً أخبر عنهم بأنهم طامعون في الدخول.
الوجه الثاني: أن يكون حالاً من مفعول «نادوا» أي: نادَوهم حالَ كونهم غيرَ داخلين. وقوله: «وهم يَطْمَعون» على ما تقدم آنفاً. والوجه
стр. 3733
الثالث أن تكون في محلِّ رفعٍ صفةً لرجال قاله الزمخشري. وفيه ضعفٌ من حيث إنه فَصَل فيه بين الموصوف وصفته بجملة قوله: «ونادَوا» وليست جملةَ اعتراض. والوجه الرابع: أنها لا محلَّ لها من الإِعراب لأنها جوابُ سائلٍ سأل عن أصحاب الأعراف فقال: ما صُنِعَ بهم؟ فقيل: لم يدخلوها وهم يطمعون في دخولها.
وقال مكي كلاماً عجيباً وهو أن قال: «إنْ حَمَلْتَ المعنى على أنهم دخلوها كان» وهم يطمعون «ابتداء وخبراً في موضع الحال من المضمر المرفوع في» يدخلوها «، معناه: أنهم يئسوا من الدخول فلم يكن لهم طمعٌ في الدخول، لكن دخلوا وهم على بأس من ذلك، فإنْ حَمَلْتَ معناه أنهم لم يدخلوا بعدُ ولكنهم يطمعون في الدخولِ برحمة الله كان ابتداءً وخبراً مستأنفاً» .
وقال بعضُهم: «جملةُ قوله» لم يدخلوها «من كلام أصحاب الجنة، وجملةُ قوله وهم يطمعون» من كلام الملائكة «قال عطاء عن ابن عباس:» إن أصحابَ الأعراف ينادُون أصحابَ الجنة بالسلام، فيردُّون ﵈، فيقول أصحاب الجنة للخزنة: ما لأصحابنا على أعراف الجنة لم يدخلوها؟ فيقول لهم الملائكة جواباً لهم وهم يطمعون «، وهذا يَبْعد صحته عن ابن عباس إذ لا يلائم فصاحة القرآن.
والطمع هنا يحتمل أن يكونَ على بابه، وأن يكونَ بمعنى اليقين. قالوا: لقوله تعالى حكايةً عن إبراهيم على نبيِّنا وعليه أفضلُ الصلاة والسلام: ﴿والذي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ﴾ [الشعراء: ٨٢] وقال:
стр. 3734
٢٢٠٤ - وإني لأطمعُ أنَّ الإِله ... قديرٌ بحسْنِ يَقيني يَقيني
стр. 3735
قوله تعالى: ﴿تِلْقَآءَ﴾ : منصوبٌ على ظرف المكان قال مكي: «وجمعُه تلاقِيّ» . قلت: لأن تِلْقاء وزنه تِفْعال كتمثال، وتمثال وبابه يُجمع على تفاعيل، فالتقت الياءُ الزائدة مع الياء التي هي لام الكلمة فأدغمت فصارت تلاقِيَّ. والتلقاء في الأصل مصدر ثم جُعِل دالاً على المكان أي: على جهة اللقاء والمقابلة قالوا: ولم يجئ من المصادر على تِفْعال بكسر التاء إلا لفظتان: التِلقاء والتِبْيان، وما عدا ذلك من المصادر فمفتوحٌ نحو التَّرْداد والتَّكرار، ومن الأسماء مكسورٌ نحو تِمثال وتِمْساح وتِقْصار.
وفي قوله: ﴿صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾ فائدةٌ جليلة وهو أنهم لم يَلْتفتوا إلى جهة النار إلا مجبورين على ذلك لا باختيارهم لأنَّ مكان الشر محذور. وقد تقدَّم خلافُ القراء في نحو «تلقاء أصحاب» بالنسبة إلى إسقاط إحدى الهمزتين أو إثباتها أو تسهيلها في أوائل البقرة. وقرأ الأعمش: «وإذا قُلِبَتْ» وهي مخالفةٌ للسواد، كقراءة ﴿لم يدخلوها وهم ساخطون﴾ أو ﴿وهم طامِعُون﴾ على أنَّ هذه أقرب. و «قالوا» هو جوابُ «إذا» والعامل فيها.
стр. 3736
قوله تعالى: ﴿مَآ أغنى﴾ : يجوز أن تكونَ استفهاميةً للتوبيخ والتقريع وهو الظاهر، ويجوز أن تكونَ نافية. وقوله: «وما كنتم» : «ما»
стр. 3737
مصدرية ليُنْسَق مصدرٌ على مثله أي: ما أغنى عنكم جمعُكم وكونُكم مستكبرين. وقرئ «تستكثرون» بتاء مثلثة من الكثرة.
стр. 3738
قوله تعالى: ﴿أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ﴾ : يجوز في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها في محل نصب بالقول المتقدم أي: قالوا: ما أغنى وقالوا: أهؤلاء الذين. والثاني: أن تكون جملةً مستقلةً غيرَ داخلةٍ في حيز القول، والمشارُ إليهم على القول الأول هم أهل الجنة، والقائلون ذلك هم أهل الأعراف، والمقولُ لهم هم أهل النار. والمعنى: وقال أهلُ الأعراف لأهل النار: أهؤلاء الذين في الجنة اليوم هم الذين كنتم تَحْلفون إنهم لا يدخلون الجنة، برحمة الله وفضله ادخلوا الجنة أي: قالوا لهم أو قيل لهم: ادخلوا الجنة.
وأمَّا على القول الثاني وهو الاستئناف: فاختُلف في المشار إليه. فقيل: هم أهل الأعراف، والقائلُ ذلك مَلَكٌ يأمره الله بهذا القول، والمقول له هم أهلُ النار. وقيل: المشار إليه هم أهل الجنة، والقائلُ هم الملائكة، والمقولُ له هم أهل النار. وقيل: المشار إليهم هم أهل الأعراف وهم/ القائلون ذلك أيضاً، والمقول لهم الكفارُ، وقوله «ادخلوا الجنة» من قولةِ أهل الأعراف أيضاً أي: يرجعون فيخاطب بعضُهم بعضاً فيقولون: ادخلوا الجنة. وقال ابن الأنباري: «إن قوله: أهؤلاء الذين أَقْسَمْتم لا ينالهم الله برحمة» من كلام أصحاب الأعراف. وقوله «ادخلوا» من كلام الله تعالى، وذلك على إضمار قول أي: فقال لهم الله: ادخلوه، ونظيره قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥] فهذا من كلام الملأ، فماذا تأمرون؟ فهذا من كلام فرعون أي: فقال: فماذا تأمرون؟ .
стр. 3739
وقرأ الحسن وابن سيرين: «أَدْخِلوا الجنة» أمراً من أَدْخَل وفيها تأويلان، أحدهما: أن المأمور بالإِدخال الملائكة أي: أَدْخلوا يا ملائكةُ هؤلاء. ثم خاطب البشر بعد خطاب الملائكة فقال: لا خوف عليكم، وتكون الجملة من قوله: «لا خوف» لا محلَّ لها من الإِعراب لاستئنافها. والثاني: أن المأمور بذلك هم أهل الأعراف والتقدير: أدخلوا أنفسَكم، فحذف المفعولَ في الوجهين. ومثلُ هذه القراءة هنا قولُه تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آل فرعون﴾ [غافر: ٤٦] وستأتي إن شاء الله، إلا أن المفعولَ هناك مصرَّحٌ به في إحدى القراءتين.
والجملة من قوله «لا خوف» على هذا في محلِّ نصبٍ على الحال أي: أَدْخِلوا أنفسكم غير خائفين. وقرأ عكرمة «دَخَلوا» ماضياً مبنياً للفاعل. وطلحة وابن وثاب والنخعي «أُدْخِلوا» مِنْ أُدْخِل ماضياً مبنياً للمفعول على الإِخبار، وعلى هاتين فالجملة المنفية في محل نصبٍ بقول مقدر، ذلك القولُ منصوبٌ على الحال أي: مقولاً لهم لا خوف.
стр. 3740
قوله تعالى: ﴿أَنْ أَفِيضُواْ﴾ : كأحوالِها من احتمال التفسير والمصدرية، و «من الماء» متعلق بأفيضوا على أحدِ وجهيه: إمَّا على حذف مفعول أي: شيئاً من الماء فهي تبعيضيةٌ، طلبوا منهم البعضَ اليسير، وإمَّا على تضمين «أفيضوا» معنى ما يتعدَّى ب مِنْ أي: أنعموا منه بالفيض. وقوله: ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ﴾ «أو» هنا على بابها من اقتضائها لأحد الشيئين: إمَّا تخييراً أو إباحةً أو غيرَ ذلك ممَّا يليق بها، وعلى هذا يقال كيف قيل: حَرَّ مهما فأعيد الضمير مثنَّى، وكان من حق مَنْ يقول إنها لأحد الشيئين أن يعودَ مفرداً على
стр. 3741
ما تقرر غير مرة؟ وقد أجابوا بأن المعنى: حَرَّم كلاً منهما. وقيل إن «أو» بمعنى الواو فعود الضمير واضحٌ عليه.
و «ممّا» : «ما» يجوز أن تكون موصولة اسمية، وهو الظاهر، والعائد محذوف أي: أو من الذي رزقكموه الله، ويجوز أن تكونَ مصدريةً، وفيه مجازان: أحدهما: أنهم طَلَبوا منهم إفاضةَ نفس الرزق مبالغةً في ذلك. والثاني: أن يَرادَ بالمصدر اسمُ المفعول كقوله: ﴿كُلُواْ واشربوا مِن رِّزْقِ الله﴾ [البقرة: ٦٠] في أحد وجهيه. وقال الزمخشري: «أو ممَّا رزقكم الله من غيره من الأشربة لدخوله في حكم الإِفاضة. ويجوز أن يُراد: أو أَلْقُوا علينا مِنْ ما رزقكم الله من الطعام والفاكهة كقوله:
٢٢٠٥ - عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً ... . . . . . . . . . . . . . . .
قال الشيخ:» وقوله «وألقوا علينا مما رزقكم الله من الطعام والفاكهة» يحتمل وجهين، أحدهما أن يكون قوله: «أفيضوا» ضُمِّن معنى «ألقوا» علينا من الماء أو مما رزقكم الله فيصحَّ العطف، ويحتمل وهو الظاهر من كلامه أن يكونَ أضمر فعلاً بعد «أو» يَصِل إلى مما رزقكم الله وهو «ألقوا» ، وهما مذهبان للنحاة فيما عُطِف على شيء بحرف عطف، والفعل لا يصل إليه، والصحيح منهما التضمين لا الإِضمار «. قلت: يعني الزمخشري أن الإِفاضة أصل استعمالها في الماء وما جرى مجراه في المائعات، فقوله» أو مِنْ غيره من الأشربة «تصحيح ليسلِّط الإِفاضةَ عليه؛ لأنه
стр. 3742
لو حُمِل مما رزقكم الله على الطعام والفاكهة لم يَحْسُن نسبة الإِفاضة إليهما إلا بتجوُّز، فذكر وجه التجوز بقوله» ألقوا «، ثم فسَّره الشيخ بما ذكر، وهو كما قال، فإن العلَف لا يُسْنَدُ إلى الماء. فقوله إمَّا بالتضمين أي فَغَذَّيتُها، ومثلُه:
٢٢٠٦ -. . . . . . . . . . . . . . . ... وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا
وقوله:
٢٢٠٧ - يا ليت زوجَك قد غدا ... متقلِّدا سيفاً ورُمْحا
وقوله تعالى: ﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان﴾ [الحشر: ٩] وقد مضى من هذا جملةٌ صالحة. وزعم بعضهم أن قوله ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله﴾ عامٌّ يندرج فيه الماء المتقدم، وهو بعيدٌ أو متعذَّرٌ للعطف بأو.
والتحريم هنا المَنْعُ كقوله:
٢٢٠٨ - حرامٌ على عينيَّ أن تُطْعَما الكَرى ... . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 3743
قوله تعالى: ﴿الذين﴾ : يجوز أن يكون في محل جَرٍّ وهو الظاهر نعتاً أو بدلاً من «الكافرين» : ويجوز أن يكونَ رفعاً أو نصباً على القطع. وقوله: «وغَرَّتْهم» عطفٌ على الصلة. وقوله: «فاليومَ» منصوب
стр. 3744
بما بعده. / وقوله: «كما» نعتٌ لمصدر محذوف أي: ينساهم نسياناً كنسيانهم لقاءَ أي بتركهم. و «ما» مصدريةٌ. ويجوز أن تكونَ الكافُ للتعليل أي: تركناهم لأجل نسيانهم لقاءَ يومهم. و «يومهم» يجوز أن يكونَ متسعاً فيه فأُضيف المصدرُ إليه، كما يُضاف إلى المفعول به. ويجوز أن يكون المفعولُ محذوفاً، والإِضافةُ إلى ظرف الحدث أي: لقاء العذاب في يومهم. وقوله: «وما كانوا» «ما» مصدريةٌ نسقاً على أختها المجرورة بالكاف أي: وكما يجحدون بآياتنا، والتعليل فيه واضح.
стр. 3745
والضمير في: ﴿جِئْنَاهُمْ﴾ : عائدٌ على مَنْ تقدَّم من الكفرة، والمراد ب «كتاب» الجنس. وقيل: يعودُ على مَنْ عاصر النبي ﵊. والمراد بالكتاب القرآن. والباء في «بكتاب» للتعدية فقط. وقوله: «فَصَّلناه» صفةٌ ل «كتاب» ، والمرادُ بتفصيله إيضاحُ الحقِّ من الباطل، أو تنزيله في فصولٍ مختلفةٍ كقوله: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ﴾ [الإِسراء: ١٠٦] . وقرأ الجحدري وابن محيصن بالضاد المعجمة أي: فضَّلْناه على غيرِه من الكتب السماوية. وقوله: «على عِلْم» حال: إمَّا من الفاعل أي: فَصَّلْناه عالمين بتفصيله، وإمَّا من المفعول أي: فصَّلْناه مشتملاً على علم. ونَكَّر «علم» تعظيماً.
وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً﴾ الجمهورُ على النصب، وفيه وجهان، أحدهما: أنه مفعول من أجله أي: فصَّلناه لأجل الهداية والرحمة. والثاني: أنه حال: إمَّا من كتاب، وجاز ذلك لتخصصه بالوصف، وإمَّا من مفعول «فصَّلناه» . وقرأ زيد بن علي «هدىً ورحمةٍ» بالجر، وخرَّجه الكسائي والفراء على
стр. 3746
النعت ل «كتاب» ، وفيه المذاهب المشهورة في نحو « [مررت] برجل عدل» ، وخرَّجه غيرهما على البدل منه. وقرأته فرقة «هدىً ورحمةٌ» بالرفع على إضمار المبتدأ. وقال مكي: «وأجاز الفراء والكسائي» هدى ورحمة «بالخفض، يجعلانه بدلاً من» علم «، ويجوز هدى ورحمة على تقدير: هو هدى ورحمة» وكأنه لم يَطَّلع على أنهما قراءتان مَرْوِيَّتان حتى نسبهما على طريق الجواز. و «لقومٍ» صفة لرحمة وما عُطِفت عليه.
стр. 3747
وقوله تعالى: ﴿تَأْوِيلَهُ﴾ : قد تقدَّم ذلك في آل عمران. وقال الزمخشري ههنا: «والتأويل مادتُه من همزة وواو ولام مِنْ آل يؤول» وقال الخطابي: «أَوَّلْتُ الشيءَ رَدَدْتُه إلى أوله، واللفظةُ مأخوذةٌ من الأول» . قال الشيخ: وهو خطأٌ لاختلاف المادتين «. و» يومَ «منصوب ب» يقول «، وقد جاءَتْ منصوبةً بالقول، و» بالحق «يجوز أن تكونَ الباءُ للحال، وأن تكونَ للتعدية أي: جاؤوا ملتبسين بالحق أو أجاؤوا الحق.
قوله: ﴿مِن شُفَعَآءَ﴾ » مِنْ «مزيدة في المبتدأ و» لنا «خبرٌ مقدم. ويجوز أن يكونَ» من شفعاء «فاعلاً و» مِنْ «مزيدة أيضاً، وهذا جائزٌ عند كل أحد لاعتماد الجارِّ على الاستفهام. وقوله:» فيشفعوا «منصوب بإضمار» أَنْ «في جواب الاستفهام، فيكون قد عَطَفْتَ اسماً مؤولاً على اسمٍ صريح أي: فهل لنا شفعاء فشفاعة منهم لنا.
قوله: ﴿أَوْ نُرَدُّ﴾ الجمهور عَلَى رفع» نُرَدُّ «ونصب» فنعملَ «، فَرَفْعُ» نردُّ «
стр. 3748
على أنه عَطَفَ جملةً فعلية وهي» نُرَدُّ «على جملة اسمية وهي: هل لنا من شفعاء فيشفعوا، ونصبُ» فنعملَ «على ما انتصب عليه» فيشفعوا «. وقرأ الحسنُ برفعهما على ما تقدم، كذا روى عنه ابن عطية وغيره. وروى عنه الزمخشري نصب» نُرَدّ «ورفع» فنعمل «. وقرأ أبو حيوة وابن أبي إسحاق بنصبهما. فنصبُ» نُرَدَّ «عطفاً على» فيشفعوا «جواباً على جواب، ويكون الشفعاء في أحد شيئين: إمَّا في خلاصهم من العذاب، وإمَّا في رجوعهم للدنيا ليعملوا صالحاً، والشفاعةُ حينئذ منسحبةٌ على الخلاص أو الردّ، وانتصب» فنعملَ «نسقاً على» فنردَّ «، ويجوز أن يكون» أو نُرَدَّ «من باب» لألزمنَّكَ أو تقضيَني حقي «إذا قدَّرناه بمعنى: حتى تقضيَني أو كي تقضيَني، غَيَّا اللزومَ بقضاء الحق أو عَلَّله به فكذلك الآية الكريمة أي: حتى نُرَدَّ أو كي نُرَدَّ، والشفاعةُ حينئذ متعلقةٌ بالردِّ ليس إلا، وأمَّا عند من يقدِّر» أو «بمعنى» إلا «في المثال المتقدم وهو سيبويه فلا يظهر معنى الآية عليه، إذ يَصير التقدير: هل يشفع لنا شفعاءُ إلا أن نُرَدَّ. وهذا استثناءٌ غير ظاهر.
وقوله:» ما كانوا «فاعل» ضَلَّ «، و» ما «موصولةٌ عائدها محذوف.
стр. 3749
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله﴾ : الجمهور على رفع الجلالة خبراً ل «إنَّ» ، ويَضْعُف أن تُجْعل بدلاً من اسم «إنَّ» على الموضع عند مَنْ يرى ذلك، والموصولُ خبرٌ ل «إنَّ» وكذا لو جَعَلَه عطفَ بيان، ويتقوَّى هذا بنصب
стр. 3750
الجلالة في قراءة بكار فإنها فيها بدلٌ أو بيانٌ لاسم «إنَّ» على اللفظ، ويضعف أن تكونَ خبرَها عند مَنْ يرى نَصْبَ الجزأين فيها كقوله:
٢٢٠٩ - إذا اسْوَدَّ جنحُ الليلِ فلتأتِ ولتكنْ ... خُطاك خِفافاً إنَّ حُرَّاسنا أُسْدا
وقوله:
٢٢١٠ - إنَّ العجوزَ خَبَّةً جَرُوزا ... تأكلُ كلَّ ليلةٍ قَفيزا
قيل: ويؤيد ذلك قراءةُ الرفع أي في جَعْلها إياه خبراً، فالموصولُ نعتٌ لله أو بيان له أو بدل منه، أو يُجْعل خبراً ل إنَّ على ما تقدم من التخاريج، ويجوز أن يكون معطوفاً على المدح رفعاً أو نصباً.
وقوله: ﴿فِي سِتَّةِ﴾ أصل ستة: سِدْس فقُلِبَتْ السينُ تاءً فلاقَتْها الدال وهي مقاربةٌ لها ساكنة فوجب الإِدغام، وهذا الإِبدالُ لازمٌ، ويدلُّ على أن هذا هو الأصل رجوعُه في التصغير إلى سُدَيْسَةٍ وفي الجمع [أَسْداس، وقولهم: جاء فلان سادساً وساتَّاً وسادِياً بالياء مثناة] مِنْ أسفل قال الشاعر:
٢٢١١ -. . . . . . . . . . . . . . . ... وتَعْتَدُّني إن لم يَقِ اللهُ ساديا
أي سادساً فأبدلها ياء.
следующие страницы →