Полный текст (10 772 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
فَوَقَعَت الياءُ قبلَ تاءِ الافتعالِ فأُبْدِلَتْ تاءً وأُدْغِمَتْ في تاءِ الافتعال كاتَّسر مِن اليُسْر، إلاَّ أنَّ هذا قليلٌ في باب الهمز نحو: اتَّكل من الأكْل واتَّزَرَ من الإِزارِ. وقال أبو علي: هو افْتَعَلَ من تَخِذَ يَتْخِذُ، وأنشد:
٤٦٠ - وقد تَخِذَتْ رِجْلِي إلى جَنْبِ غَرْزِهَا ... نَسيفاً كأُفْحوصِ القَطاةِ المُطَرِّقِ
وقال تعالى: ﴿لَتَخِذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف: ٧٧] وهذا أسهلُ القَوْلَيْن.
والقُرَّاءُ على إدغامِ الذالِ في التاءِ لِقُرْبِ مَخْرَجِهما، وابن كثير وعاصم في رواية حَفْصٍ بالإِظهار، وهذا الخلافُ جارٍ في المفردِ نحو: اتَّخَذْتُ، والجمع نحو: اتَّخَذْتُم، وأتى في هذه الجملة ب «ثُمَّ» دلالةً على أنَّ الاتخاذَ كان بعدَ المواعدة بمُهْلَةٍ.
قوله: «مِنْ بعدِه» متعلِّقٌ باتَّخَذْتُمْ، و «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ، والضميرُ يعودُ على موسى، ولا بدَّ من حَذْفِ مضافٍ، أي: مِنْ بعدِ انطلاقِه أو مُضِيِّهِ، وقال ابنُ عطية: «يعودُ على موسى [وقيل: على انطلاقِه للتكليمِ، وقيل: على الوَعْد، وفي كلامِهِ بعضُ مناقشةٍ، فإنَّ قولَه:» وقيل يعودُ على انطلاقِه «يَقْتَضِي عَوْدَه على موسى] من غيرِ تقدير مضافٍ وذلك غيرُ مُتَصَوَّرٍ.
стр. 387
قوله:» وأنتم ظالمون «جملةٌ حاليةٌ من فاعل» اتَّخَذْتُمْ «.
стр. 388
قوله تعالى: [ ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم﴾ ] . . والعَفْوُ: المَحْوُ، ومنه «عَفَا اللهُ عنكم» أي: مَحَا ذنوبَكم، والعافيةُ لأنها تَمْحُو السُّقْمَ، وَعَفَتِ الريحُ الأثرَ، قال:
٤٦١ - فتُوضِحَ فالمِقْراةِ لم يَعْفُ رَسْمُها ... لِما نَسَجَتْها مِنْ جَنُوبٍ وشَمَأْلِ
وقيل: عَفا كذا أي: كَثُر، ومنه «وَأَعْفُوا اللِّحى» فيكونُ من الأضداد. وقال ابنُ عطية: «العَفْوُ تغطيهُ الأثرِ وإذهابُ الحالِ الأول من الذَّنْب أو غيره ولا يُسْتَعْمَلُ العَفْوُ بمعنى الصَّفْح إلا في الذَّنْبِ» . وهذا الذي قاله [قريبٌ] من تفسير الغُفْرانِ، لأنَّ الغَفْرَ التغطيةُ والسَّتْر، ومنه: المِغْفَرُ، ولكِنْ قد فُرِّقَ بينهما بأنَّ العفوَ يجوزُ أن يكونَ بعد العُقوبَةِ فيجتمِعُ معها، وأمَّا الغُفْران فلا يكونُ مع عقوبةٍ. وقال الراغب: «العَفْوَ: القَصْدُ لِتَناوُلِ الشيء، يُقال: عَفَاه واعْتَفَاه أي قَصَده مُتَناولاً ما عندَه، وعَفَتِ الريحُ الترابَ قَصَدَتْها متناولةً آثارَها، وعَفَتِ الديارُ كأنها قَصَدَتْ نحو البِلَى، وعَفَا النبتُ والشَّعْرُ قَصَدَ تناولَ الزيادةِ، وعَفَوْتُ عنك كأنه قَصَدَ إزالَة ذَنْبِه صارِفاً عنه، وأَعْفَيْتُ كذا أي تركْتُه يَعْفُو ويكثُر ومنه» وأَعْفُوا اللحى «فَجَعَلَ القصدَ قَدْراً
стр. 389
مشتركاً في العَفْو، وهذا ينفي كونَه من الأضداد، وهو كلامٌ حَسَنٌ، وقال الشاعرٍ:
٤٦٢ - ....... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... إذا ردَّ عافي القِدْرِ مَنْ يَسْتَعِيرُهَا
معناه: أنَّ العافِيَ هنا ما يَبْقَى في القِدْرِ مِنَ المَرَقِ ونحوِه، فإذا أرادَ أحدٌ [أَنْ] يستعيرَ القِدْرَ يُعَلِّلُ صاحبَها بالعافي الذي فيها، فالعافي فاعل، ومَنْ يستعيرُها مفعولٌ، وهو من الإِسنادِ المجازي لأنَّ الرادَّ في الحقيقة صاحبُ القِدْرِ بسببِ العافي.
وقوله: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في محلِّ رفعٍ خبرُ» لعلَّ «، وقد تقدَّم تفسيرُ الشكر عند ذكر الحَمْدِ. وقال الراغب:» وهو تَصَوُّرُ النِّعْمَةِ وأظهارُها، وقيل: هو مَقْلُوبٌ عن الكَشْرِ أي الكَشْف وهو ضدُّ الكفر، فإنه تَغْطِيَةُ النِّعْمَةِ. وقيل: أصلُه من عَيْن شَكْرى أي ممتلئةٌ، فهو على هذا الامتلاءُ مِنْ ذِكر المُنْعَمِ عليه «. وشَكَر من الأفعالِ المتعدِّيَة بِنفسِها تارةً وبحرفِ الجرِّ أخرى وليسَ أحدُهما أصلاً للآخَر على الصحيحِ، فَمِنَ المتعدِّي بنفسِه قولُ عمرو ابن لُحَيّ:
٤٦٣ - همُ جَمَعُوا بؤسى ونعمى عليكُمُ ... فَهَلاَّ شكرْتَ القومَ إذ لم تُقاتِلِ
стр. 390
ومن المتعدَّي بحرفِ الجرِّ قولُه تعالى: ﴿واشكروا لِي﴾ [البقرة: ١٥٢] وسيأتي [هناك] تحقيقُه.
стр. 391
قوله تعالى: ﴿الكتاب والفرقان﴾ . . مفعولٌ ثانٍ لآتينا، وهل المرادُ بالكتاب والفرقانِ شيءٌ واحدٌ وهو التوراةُ؟ كأنه قيل: الجامعُ بينَ كونِه كتاباً مُنَزَّلاً وفرقاناً يَفْرُق بين الحقِّ والباطلِ، نحو: رأيت الغيثَ والليثَ، وهو من باب قولِه:
٤٦٤ - إلى المَلِك القَرْمِ وابنِ الهُمَامِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو لأنه لمَّا اختَلَفَ اللفظُ جازَ ذلك كقوله:
٤٦٥ - فَقَدَّمَتِ الأَدِيمَ لراهِشَيْهِ ... وأَلْفَى قولَها كَذِباً وَمَيْنَا
وقوله:
٤٦٦ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وهندٌ أتى مِنْ دَوْنِها النَّأْيُ والبُعْدُ
стр. 392
وقولهِ:
٤٦٧ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... أَقْوَى وأَفْقَرَ بعدَ أُمِّ الهَيْثَمِ
قال النحاس: «هذا إنما يجوزُ في الشِّعْر، فالأحسنُ أن يُرادَ بالفرقان ما علَّمه اللهُ موسى من الفَرْق بين الحق والباطل» . وقيل: الواوُ زائدة، و «الفرقان» نعتٌ للكتاب أو «الكتابُ» التوراةُ، و «الفرقانُ» ما فُرِّقَ به بين الكُفْر والإِيمانِ، كالآياتِ من نحو العَصا واليد، أو ما فُرِّقَ به بين الحلالِ والحَرام من الشرائعِ.
والفُرْقُانُ في الأصلِ مصدرٌ مثلُ الغُفْران. وقد تقدَّمَ معناهُ في ﴿فَرَقْنَا بِكُمُ البحر﴾ [البقرة: ٥٠] . وقيل: الفرقانُ هنا اسمُ للقرآنِ، قالوا: والتقديرُ: ولَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتابَ ومحمداً الفرقانَ. قال النحاس: «هذا خطأٌ في الإِعرابِ والمعنى، أمَّا الإِعرابُ فلأنَّ المعطوفَ على الشيءِ مثلُه، وهذا يخالِفُه، وأمَّا المعنى فلقولِه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان﴾ [الأنبياء: ٤٨] .
стр. 393
قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمِ﴾ . . اعلم أنَّ في المنادى المضافِ إلى ياء المتكلم ستَّ لغاتٍ أفصحُها: حَذْفُها مُجْتَزَأً منها بالكسرةِ وهي لغةُ القرآن،
стр. 394
الثانية: ثبوتُ الياءِ ساكنةً، الثالثة: ثبوتُها مفتوحةً، الرابعةُ: قَلْبُهَا ألفاً، الخامسةُ: حَذْفُ هذهِ الألفِ والاجتزاءُ عنها بالفتحةِ كقولِه:
٤٦٨ - ولَسْتُ بِراجعٍ ما فاتَ مِنِّي ... بِلَهْفَ ولا بِلَيْتَ ولا لَوَنِّي
أي: بقولي يا لَهْفا، السادسة: بناءُ المضاف إليها على الضمِّ تشبيهاً بالمفرد، نحو قراءةِ مَنْ قَرَأ: ﴿قَالَ رَبُّ احكم بالحق﴾ [الأنبياء: ١١٢] . قال بعضُهم: «لأنَّ» يا قوم «في تقدير: يا أيُّهَا القومُ» وهذا ليس بشيءٍ.
والقومُ: اسمُ جمعٍ، لأنَّه دالٌّ على أكثرَ مِن اثنين، وليس له واحدٌ من لفظِهِ ولا هو على صيغةٍ مختصَّةٍ بالتكسيرِ، ومفردُه رَجُل، واشتقاقُه من قام بالأمرِ يَقُوم به، قال تعالى: ﴿الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النسآء﴾ [النساء: ٣٤] ، والأصلُ في إطلاقِه على الرجال، ولذلك قُوبل بالنساءِ في قولهِ: ﴿لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ. . . وَلاَ نِسَآءٌ مِّن نِّسَآءٍ﴾ [الحجرات: ١١] وفي قولِ زهير:
٤٦٩ - وما أَدْرِي وسوفُ إخالُ أَدْرِي ... أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نِساءُ
وأما قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الشعراء: ١٠٥] و ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ﴾ [الشعراء: ١٦٠] ، والمكذِّبون رجالٌ ونساء فإنما ذلك من باب التغليب، ولا يجوزُ أن يُطْلَقَ
стр. 395
على النساءِ وَحْدَهُنَّ البتةَ، وإن كانَتْ عبارةُ بعضِهم تُوهِمُ [ذلك] .
قوله: ﴿باتخاذكم العجل﴾ الباءُ للسببيةِ، متعلِّقَةٌ ب «ظَلَلْتُم» وقد تقدَّم الخلافُ في هذه المادةِ: هل أصلُها أَخَذَ أو تَخِذَ. و «العجل» مفعولٌ أولُ والثاني محذوفٌ أي: إلهاً كما تقدَّم. والمصدرُ هنا مضافٌ للفاعِلِ وهو أحسنُ الوجهينِ، فإنَّ المصدَرَ إذا اجتمع فاعلُه ومفعولُه فالأَوْلَى إضافتُه إلى الفاعل لأنَّ رُتْبَته التقديمُ، وهذا من الصورِ التي يَجِبُ فيها تقديمُ الفاعل. فأمَّا: ﴿قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَآؤُهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٧] فسيأتي [القول فيها مُشْبعاً] إن شاء الله تعالى.
والعِجْلُ معروفٌ وهو وَلَدُ البقرة. قال الراغب: «العِجْلُ وَلَدُ البقرةِ لِتَصوُّرِ عَجَلَتِها التي تَعْدَمُ منه إذا صارَ ثَوْراً» . وقيل: إنما سُمِيَّ عِجْلاً لأنهم تَعَجَّلُوا عبادتَه قبل مجيء موسى، ويُرْوى عن عليّ، وهذا لا يَصِحُّ عنه فإنَّ هذا الاسمَ معروفٌ قبلَ ذلك، والجمع عَجاجِيل وعُجُول.
قوله: «إلى بارِئِكم» متعلِّقٌ ب «تُوبوا» والمشهورُ كَسْرُ الهمزة، لأنها حركةُ إعرابٍ، ورُوي عن أبي عمرو ثلاثةُ أوجهٍ أُخَرَ: الاختلاسُ، وهو
стр. 396
الإِتيانُ بحركةٍ خفيَّة، والسكونُ المَحْضُ، وهذه قد طَعَنَ عليها جماعةٌ من النحويين، ونسبوا راويَها إلى الغَلَطِ على أبي عمرو، قال سيبويه: «إنما اختلسَ أبو عمرو فظنَّه الروايَ سَكَّن ولم يَضْبِط» ، وقال المبردُ: «لا يجوزُ التسكينُ مع توالي الحركات في حرف الإِعراب في كلامٍ ولا شعر، وقراءةُ أبي عمروٍ لَحْنٌ» وهذه جرأةٌ من المبرِّد وجَهْلٌ بأشعارِ العرب، فإنَّ السكونَ في حركاتِ الإِعراب قد وَرَدَ في الشعرِ كثيراً، ومنه قولُ امرئِ القيس:
٤٧٠ - فاليومَ أشربْ غيرَ مُسْتَحْقِبٍ ... إثْماً مِن اللهِ ولا واغِلِ
فسكَّن «أَشْرَبْ» ، وقال جرير:
٤٧١ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ونهرُ تيرى فما تَعْرِفْكُمُ العَرَبُ
وقال أخر:
٤٧٢ - رُحْتِ وفي رِجْلَيْكِ ما فيهما ... وقد بَدَا هَنْكِ من المِئْزَرِ
стр. 397
يريد: هَنُك، وتَعْرِفُكم، فهذه حركاتُ إعرابٍ وقد سُكِّنَتْ، وقد أنشد ابنُ عطية وغيرُه رَدَّاً عليه:
٤٧٣ - قالت سُلَيْمى اشْتَرْ لنا سَويقا ... وقول الآخر:
٤٧٤ - إذا اعْوَجَجْنَ قلتُ صاحِبْ قَوِّمِ ... وقول الآخر:
٤٧٥ - إنما شِعْريَ شَهْدٌ ... قد خُلْطَ بِجُلْجُلانْ
ولا يَحْسُن ذلك لأنها حركاتُ بناء، وإنما مَنَع هو ذلك في حركاتِ الإِعراب، وقراءةُ أبي عمرو صحيحةٌ، وذلك أنَّ الهمزةَ حرفٌ ثقيل، ولذلك اجْتُرِئَ عليها بجميع أنواعِ التخفيفِ، فاسْتُثْقِلَتْ عليها الحركةُ فقُدِّرَت، وهذه القراءة تشبه قراءة حمزة - رحمه الله تعالى- في قوله تعالى: ﴿وَمَكْرَ
стр. 398
السيىء وَلاَ﴾ فإنه سَكَّن هَمزة «السيء» وَصْلاً، والكلامُ عليهما واحد، والذي حسَّنه هنا أنَّ قبلَ كسرةِ الهمزةِ راءً مكسورةً، والراءُ حرفُ تكريرٍ، فكأنه توالى ثلاثُ كَسَرات فَحَسُنَ التسكينُ، وليت المبردَ اقتدى بسيبويهِ في الاعتذار عن أبي عمرو وفي عَدَم الجرأة عليه:
٤٧٦ - وابنُ الَّلُبونِ إذا ما لُزَّ في قَرَنٍ ... لم يَسْتَطِعْ صَوْلَةَ البُزْل القَنَاعِيْسِ
وجميعُ روايةِ أبي عمروٍ دائرةٌ على التخفيفِ، ولذلك يُدْغِمُ المِثْلَيْن والمتقارِبَيْن ويُسَهِّلُ الهمزة ويُسكِّنُ نحو: ﴿يَنصُرْكُمُ﴾ [آل عمران: ١٦٠] ، و ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ [البقرة: ٦٧] ، و ﴿بِأَعْلَمَ بالشاكرين﴾ [الأنعام: ٥٣] على تفصيلٍ معروفٍ عند القرَّاء. ورُوِيَ [عنه] إبدالُ هذه الهمزةِ الساكنةِ ياءً كأنه لم يَعْتَدَّ بالحركةِ المقدَّرةِ، وبعضُهم يُنْكِرُ ذلك [عنه] ، فهذه أربعُ قراءات لأبي عمروٍ. وروى ابنُ عطية عن الزهري «بارِيِِكم» بكسر الياء من غيرِ هَمْزٍ، قال: «ورُوِيَتْ عن نافع» ،
стр. 399
قلت: من حقَّ هذا القارئ أن يُسَكِّنَ الياءَ لأنَّ الكسرةَ ثقيلةٌ عليهَا، ولا يجوزُ ظهورُها إلا في ضرورةِ شعرٍ كقول أبي طالب:
٤٧٧ - كَذَبْتُمْ وبَيْتِ اللهِ نُبْزِي مُحَمَّداً ... ولم تَخْتَصِبْ سُمْرُ العَوالِيِّ بالدَّمِ
وقرأ قتادة: «فاقْتالوا» وقال: هي من الاستقالةِ، قال ابن جني: «اقتال: افْتَعَل، ويُحَتمل أنْ تكونَ عينُها واواً [كاقتادوا] أو ياءً كاقتاس، والتصريفُ يُضْعِفُ أن تكونَ من الاستقالة» ، ولكن قتادةَ ينبغِي أن يُحْسَنَ الظَّنُّ به في أنه لم يُوْرِدْ إلا بحُجَّةٍ عنده.
والبارئ هو الخالقُ، بَرَأَ اللهُ الخَلْقَ أي خَلَقَهم، وقد فَرَّق بعضُهم بين الخالق والبارئ بأنَّ البارئَ هو المُبْدِعُ المُحْدِثُ، والخالِقُ هو المُقَدِّرُ الناقلُ من حالٍ إلى حال. وأصَلُ هذه المادةِ يَدُلُ على الانفصالِ والتميُّزِ، ومنه: بَرَأَ المريضُ بُرْءاً وبَرْءاً وبَرِئْتُ وَبَرَأْتُ أيضاً من الدَّيْن بَراءةً، والبَرِيَّةُ الخَلْق، لأنهم انفصلوا من العَدَمِ إلى الوجودِ، إلا أنَّه لا يُهْمَزُ، وقيل: أصلُه من البَرَى وهو التراب، وسيأتي تحقيقُ القَوْلَيْنِ في موضعِه إن شاء الله تعالى.
قوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ قال بعضُهم: «ذلكم» مفردٌ واقعٌ موقعَ «ذانكم»
стр. 400
المثنَّى، لأنه قد تقدَّم اثنان: التوبة والقتلُ. قال أبو البقاء: «وهذا ليس بشيءٍ، لأنَّ قولَه: ﴿فاقتلوا﴾ تفسيرُ التوبةِ فهو واحدٌ» و «خَيْر» أفعلُ تفضيلٍ وأصلُه: أًَخْيَرُ، وإنما حُذِفَتْ همزتُه تخفيفاً ولا تَرْجِعُ هذه الهمزةُ إلا في ضرورةٍ، قال:
٤٧٨ - بلالُ خيرُ الناسِ وابنُ الأَخْيَرِ ... ومثلُه شَرّ، لا يجوز أَشَرّ، إلا في ندور، وقد قُرىء: ﴿مَن الكّذَّابُ الأَشَرُّ﴾ [القمر: ٢٦] وإذا بُني من هذه المادةِ فعلُ تعجُّبٍ على أَفْعَل فلا تُحْذَفُ همزتُه إلا في ندورٍ كقولِهم: «ما خَيْرَ اللبنِ للصحيحِ، وما شَرَّه للمبطونِ» فخيرٌ وشَرٌّ قد خَرَجَا عن نظائرهما في بابِ التفضيل والتعجُّب، و «خَيْر» أيضاً مخفَّفَةٌ من خَيَّر على فَيْعِل ولا يكونُ من هذا البابِ، ومنه: «فيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ» قال بعضهم: «مُخَفَّف من خَيِّرات» . والمفضَّلُ عليه محذوفٌ للعلمِ به، أي: خيرٌ لكم من عدم التوبة. ولأَفْعَلِ التفضيلِ أحكامٌ كثيرةٌ وشروطٌ منتشرةٌ لاَ يَحْتملها [هذا] الكتابُ، وإنما نأتي منها بما نضطرُّ إليه.
стр. 401
قولُه تعالى: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ في الكلامِ حَذْفٌ، وهو «فَفَعَلْتُم ما أُمِرْتُمْ به من القتلِ فتابَ عليكم. والفاءُ الأولى في قوله:» فتوبوا «للسببية، لأن الظلمَ سَببُ التوبةِ، والثانيةُ للتعقيبِ، لأنَّ المعنى: فاعْزِموا على التوبة، فاقتلوا أنفسَكم، والثالثةُ متعلقةٌ بمحذوفٍِ، ولا يخلو: إمَّا أن ينتظمَ في قول موسى لهم فيتعلَّقَ بشرطٍ محذوفٍ كأنه: وإنْ فَعَلْتُم فقد تابَ عليكم، وإمَّا أَنْ يكونَ خطاباً من الله لهم على طريقةِ الالتفاتِ، فيكونُ التقديرُ: فَفَعَلْتُم ما أَمركم به موسى فتابَ عليكُم، قاله الزمخشري.
стр. 402
قولُه تعالى: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ﴾ : إنَّما تعدَّى باللامِ دونَ الباءِ لأحدِ وجهين: إمَّا أَنْ يكونَ التقديرُ: لَن نُؤْمِنَ لأجلِ قولِك، وإمَّا أَنْ يُضَمَّنَ مَعنى الإِقرارِ، أي: [لَنْ] نُقِرَّ لك بما ادَّعَيْتَه، وقرأ أبو عمرو بإدغام النونِ في اللامِ لتقاربُهِما.
قولُه تعالى: «جَهْرَةً» فيه قولان: أحدُهما: أنها مصدرٌ وفيها حينئذٍ قولان، أحدُهما أنَّ ناصبَها محذوفٌ، وهو من لفظِها، تقديرُه: جَهَرْتُمْ جَهْرةً نقله أبو البقاء، والثاني: أنها مصدرٌ من نوعِ الفعلِ فَتَنْتَصِبُ انتصابَ
стр. 403
القُرْفُصاء من قولك: «قَعَدَ القُرْفُصاء» ، «واشتمل الصَمَّاء» ، فإنها نوعٌ من الرؤيةِ، وبه بدأ الزمخشري. والثاني: أنها مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحالِ، وفيها حينئذ أربعةُ أقوالٍ، أحدُهما: أنه حالٌ من فاعل «نرى» أي: ذوي جَهْرَةٍ، قاله الزمخشري. والثاني: أنَّها حالٌ من فاعل «قُلْتم» ، أي: قلتم ذلك مجاهِرين، قاله أبو البقاء، وقال بعضُهم: فيكونُ في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، أي: قُلْتم جهرةً لن نؤمِنَ لك، ومثلُ هذا لا يُقال فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، بل أتى بمفعولِ القولِ ثم بالحالِ من فاعِلِه، فهو نظيرُ: «ضَرَبْتُ هنداً قائماً» . والثالثُ: أنَّها حَالٌ من اسمِ اللهِ تعالى، أي: نَرَاه ظاهراً غيرَ مستورٍ. والرابعُ: أنَّها حالٌ من فاعلِ «نؤمن» نقله ابنُ عطية، ولا معنى له، والصحيحُ من هذه الأقوالِ الستةِ الثاني.
وقرأ ابنُ عباس «جَهَرَةً» بفتح الهاء وفيها قولان، أحدُهما: أنها لغةٌ في جَهْرة، قال ابن عطية: «وهي لغةٌ مسموعةٌ عند البصريين فيما فيه حَرْفُ الحلقِ ساكنٌ قد انفتح ما قبله، والكوفيون يُجيزون فيه الفتحَ وإنْ لَمْ يَسْمعوه» ، وقد تقدَّم تحريرُ القولِ في ذلِك. والثاني: أنها جمعُ «جاهر» ، نحو: خادِم وخَدَم والمعنى: حتى نرى الله كاشفين هذا الأمر، وهي تُؤَيِّدُ كونَ «جهرةً» حالاً من فاعل «نَرى» .
стр. 404
والجَهْرُ: ضدُّ السِّرِّ وهو الكَشْفُ والظهورُ، ومنه جَهَرَ بالقراءةِ أي: أظهرَها: قال الزمخشري: «كأنَّ الذي يَرى بالعين جاهرٌ بالرؤيةِ، والذي يَرَى بالقلبِ مُخافِتٌ بها» .
стр. 405
قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام﴾ : تقديرُه: وجَعَلْنا الغَمَامَ يُظَلِّلُكُمْ، قال أبو البقاء: «ولا يكونُ كقولِك:» ظَلَّلْتُ زيداً يُظَلُّ «لأن ذلك يقتضي أن يكونَ الغمامُ مستوراً بظِلٍّ آخَرَ» وقيل: التقديرُ: بالغَمامِ، وهذا تفسيرُ معنىً لا إعرابٍ، لأنَّ حَذْفَ حرفِ الجرِّ لا ينقاسُ.
والغَمامُ: السَّحابُ لأنه يَغُمُّ وجهَ السماء، أي يستُرُها، وكلُّ مستورٍ مغموم أي مُغَطَّى، وقيل: الغمامُ: السحابُ الأبيضُ خاصةً، ومثلُه الغَيْمُ والغَيْن بالميم والنونِ، وفي الحديثِ «إنه لَيُغَانُ على قَلْبِي» ، وواحدتُه غَمامةٌ فهو اسمُ جنسٍ.
والمَنُّ قيل: هو التَّرَّنْجِبين والطَّرَّنْجِيِِن بالتاء والطاء، وقيل: هو مصدرٌ يعني به جميعَ ما منَّ الله تعالى به على بني إسرائيل من النِّعَمِ، وكذلك قِيل في السَّلْوى، إنها مصدرٌ أيضاً، أي: إنَّ لهم بذلك التَّسَلِّيَ، نقلَه الراغبُ، والمَنُّ أيضاً مِقْدارٌ يُوزَنُ به، وهذا يجوزُ إبدالُ نونِه الأخيرةِ حرفَ
стр. 406
علَّة، فيقالُ: «مَنا» مثلَ عَصا، وتثنيتُه مَنَوان، وجمعُه أمْناء. والسَّلْوى المشهورُ أنها السمانى بتخفيفِ الميمِ، طائرٌ معروف. والمَنُّ لا واحدَ له من لفظِه، والسَّلْوى مفردُها سَلْواة، وأنشدوا:
٤٧ - ٩- وإني لَتَعْروني لِذِكْراكِ سَلْوَةٌ ... كما انتفضَ السَّلْواةُ مِنْ بَلَلِ القَطْرِ
فيكونُ عندَهم من باب: قمح وقمحة، وقيل: «سَلْوى» مفردٌ وجمعُها سَلاوى، قاله الكسائي، وقيل: سَلْوى يُستعمل للواحدِ والجمعِ، كدَقَلى وشُكاعى وقيل: السَّلْوى: العَسَلُ، قال الهذلي:
٤٨٠ - وقاسَمَها بالله جَهْداً لأنتمُ ... أَلَذُّ من السَّلْوَى إذا ما نَشُورُها
وغَلَّطه ابنُ عطية، وادَّعَى الإِجماعَ على أن السَّلْوى طائر، وهذا غيرُ مُرْضٍ من القاضي أبي محمد، فإن أئمةَ اللغةِ نقلوا أن السلوى العَسَلُ، ولم يُغْلِّطوا هذا الشاعرَ، بل يستشهدونَ بقولِه.
قوله: «كُلُوا» هذا على إضمار القَوْلِ، أي: وقُلْنَا لهم: كُلوا: وإضمارُ القولِ كثيرٌ في لسانِهم، ومنه: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣-٢٤] أي: يقولونَ سلامٌ، «والذينَ اتَّخَذوا من دونِهِ أولياءَ ما نعبدُهم
стр. 407
إلا» أي: يقولون ذلك، «وأمَّا الذين اسْوَدَّتْ وجوهُهم أَكَفَرْتم أي: فيُقال لهم ذلك وقد تقدَّم القولُ في» كل «وتصريفِه.
قوله: ﴿مِن طَيِّبَاتِ﴾ » مِنْ «لابتداءِ الغايةِ أو للتبعيضِ، وقال أبو البقاء:» أو لبيانِ الجنسِ والمفعولُ محذوفٌ أي: كُلوا شيئاً من طيبات «وهذا غيرُ مُرْضٍ، لأنه كيف يُبَيَّنُ شيءٌ ثم يُحْذَفُ؟
قوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يجوزُ في» ما «أن تكونَ بمعنى الذي، وما بعدها صلةٌ لها والعائدُ محذوفٌ، أي: رزقناكموه، وأن تكونَ نكرةً موصوفةً. فالجملةُ لا محلَّ لها على الأولِ ومحلُّها الجرُّ على الثاني، والكلامُ في العائدِ كما تقدَّم، وأن تكونَ مصدريةً والجملةُ صلتُها، ولم يُحْتَجْ إلى عائدٍ على ما عُرِفَ قبلَ ذلك، ويكونُ هذا المصدرُ واقعاً موقعَ المفعولِ، أي: مِنْ طيباتِ مَرْزُوقِنا.
قوله تعالى: ﴿أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ » أنفسَهم «مفعولٌ مقدَّمٌ، و» يَظْلِمُون «في محلِّ النصْبِ لكونِه خبرَ» كانوا «، وقُدِّم المفعولُ إيذاناً باختصاصِ الظلم بهم وأنَّه لا يتعدَّاهم. والاستدراكُ في» لكنْ «واضحٌ. ولا بُدَّ من حَذْفِ جملةٍ قبل قوله ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ ، فقدَّره ابنُ عطية: فَعَصَوْا ولم يقابلوا النِّعَمَ بالشكر. وقال الزمخشري:» تقديرُه: فَطَلمُونا بأَنْ كفروا هذه النِّعَمَ وما ظلمونا، فاختصرَ الكلامَ بحذْفِه لدلالةِ ﴿وَمَا ظَلَمُونَا﴾ عليه.
стр. 408
قوله تعالى: ﴿هذه القرية﴾ : هذه: منصوبةٌ عند سيبويه على الظرف وعند الأخفشِ على المفعولِ به، وذك أنَّ كلَّ ظَرْفِ مكانٍ مختصٍّ لا يتَعَدَّى إليه الفعلُ إلا ب «في» تقول: صَلَّيْتُ في البيتِ، ولا تقولُ: صَلَّيْتُ البيتَ؛ إلا ما اسْتُثْني. ومِنْ جملةِ ما اسْتُثْنِي «دَخَلَ» مع كلِّ مكانٍ مختصٍّ، نحو: دَخَلْتُ البيتَ والسوقَ، وهذا مذهبُ سيبويهِ. وقال الأخفشُ: «الواقعُ بعد» دَخَلْتُ «مفعولٌ به كالواقعِ بعد هَدَمْتُ في قولِك:» هَدَمْتُ البيتَ «فلو جاء» دَخَلَ «مع غيرِ الظرفِ تَعَدَّى [بفي، نحو: دَخَلْتُ في الأمر، ولا تقولُ: دَخَلْتُ الأمرَ، وكذا لو جاءَ الظرفُ المختصُّ مع غيرِ» دَخَلَ «تَعَدَّى] ب» في «إلا ما شَذَّ كقولِه:
٤٨١ - جَزَى اللهُ ربُّ الناسِ خيرَ جزائِه ... رفيقَيْن قالا خَيْمَتَيْ أمِّ مَعْبَدِ
و» القريةَ «نعتٌ ل» هذه «، أو عطفُ بيانٍ كما تقدَّم، والقريةُ مشتقةٌ من قَرَيْتُ أي: جَمَعْتُ: تقولُ: قَرَيْتُ الماءَ في الحوضِ، أي: جَمَعْتُه، واسمُ ذلك الماء: قِرَىً بكسر القاف. والمِقْراةُ: الجَفْنَةُ العظيمةُ، وجمعُها مَقارٍ، قال:
٤٨٢ - عِظام المَقاري ضَيْفُهُمْ لا يُفَزَّعُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والقَرْيان: اسمٌ لمُجْتَمَعِ الماءِ، والقريةُ في الأصلِ اسمٌ للمكانِ
стр. 409
الذي يَجْتمع فيه القومُ، وقد يُطْلَقُ عليهم مجازاً، وقوله تعالى:» واسألِ القريةَ «يَحْتَمِلُ الوَجْهين. وقال الراغبُ:» إنها اسمٌ للموضعِ وللناسِ جميعاً، ويُسْتعملَ في كلِّ واحدٍ منهما «.
قولُه تعالى: ﴿الباب سُجَّداً﴾ » سُجَّدا «حالٌ من فاعلِ» ادْخُلوا «، وهو جمع ساجدِ. قال أبو البقاء:» وهو أَبْلَغُ من السجود «يعني أنَّ جَمْعَه على فُعَّل فيهِ من المبالغةِ ما ليسَ في جَمْعِهِ على فُعُول، وفيه نَظَرٌ. وأصلُ» باب «: بَوَب لقولهم أَبْواب، وقد يُجْمَعُ على أَبْوِية لازدواجِ الكلامِ، قال الشاعر:
٤٨٣ - هَتَّاكُ أَخْبِيَةٍ ولاَّجُ أبوبةٍ ... يَخْلِطُ بالبِرِّ منه الجِدِّ والِّلْينا
قوله: حِطَّة» قُرِئ بالرفع والنصب، فالرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوف، أي: مسألتُنا حِطَّة أو أمرُك حِطَّة، قال الزمخشري: والأصلُ النصبُ، بمعنى حُطَّ عنا ذنوبَنا حِطَّةً، وإنما رُفِعَتْ لتعطِيَ [معنى] الثباتِ، كقوله:
٤٨٤ - شَكا إليَّ جَمَلي طُولَ السُّرَى ... صَبْرٌ جميلٌ فكِلانا مُبْتَلَى
стр. 410
والأصلُ: صَبْراً عليَّ، اصبرْ صبراً «، فَجَعَلَه من بابِ ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٤] ، وتكون الجملةُ في محلِّ نصبٍ بالقولِ، وقال ابنُ عطية:» وقيل: أُمِروا أن يقولوها مرفوعةً على هذا اللفظِ «يعني على الحكايةِ، فعلى هذا تكونُ هي وحدَها من غيرِ تقديرِ شيءٍ مَعَها في مَحلِّ نصبٍ بالقول، وإنما مَنَعَ النصبَ حركةُ الحكايةِ. وقال أيضاً:» وقال عكرمة: أُمِروا أن يقولوا لا إله إلا اللهُ، لتُحَطَّ بها ذنوبهُم «وحكى قَوْلَيْن آخرين بمعناه، ثم قال:» فعلى هذه الأقوالِ تقتضي النصبَ، يعني أنه إذا كان المعنى على أنَّ المأمورَ به لا يتعيَّنُ أن يكونَ بهذا اللفظِ الخاصِّ، بل بأيِّ شيء يقتضي حَطَّ الخطيئةِ فكان ينبغي أن ينتصبَ ما بعد القول مفعولاً به نحو: قُلْ لزيد خيراً، المعنى: قل له ما هو من جنس الخُيور.
وقال النحاس: «الرفعُ أَوْلى لِما حُكي عن العرب في معنى بَدَّل، قال أحمد بن يحيى:» يقال: بَدَّلْتُهُ أي غَيَّرْتُهُ ولم أُزِلْ عينَه، وأَبْدَلْتُه أَزَلْتُ عينَه وشخصَه كقوله:
٤٨٥ - عَزْلَ الأميرِ للأميرِ المُبْدَلِ ... وقال تعالى: ﴿ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هاذآ أَوْ بَدِّلْهُ﴾ [يونس: ١٥] ، ولحديث ابن مسعود «
стр. 411
قالوا حِنْطة» تفسيرٌ على الرفع يعني أنَّ الله تعالى قال: «فبدَّل» الذي يقتضي التغييرَ لا زوالَ العَيْنِ، وهذا المعنى يَقْتضي الرفعَ لا النصبَ.
وقرأ ابنُ أبي عبلة «حِطَّةً» بالنصب، وفيها وجهان: أحدُهما: أنها مصدرٌ نائبٌ عن الفعلِ، نحو: ضَرْباً زيداً، والثاني: أن تكونَ منصوبةً بالقولِ أي: قولوا هذا اللفظَ بعينِه، كما تقدَّم في وجهِ الرفعِ، فهي على الأوَّلِ منصوبةٌ بالفعلِ المقدِّرِ، وذلك الفعلُ المقدَّرُ ومنصوبُه في محلِّ نصبٍ بالقولِ، ورجَّحَ الزمخشري هذا الوجهَ.
والحِطَّةُ: اسمٌ للهيئةِ من الحَطِّ كالجِلْسَةِ والقِعْدَة، وقيل: هي لفظةٌ أُمِروا بها ولا ندري مَعْناها، وقيل: هي التوبةُ، وأنشد:
٤٨٦ - فاز بالحِطَّة التي جَعَلَ الل ... هُ بها ذنبَ عبدهِ مَغْفُورا
قوله: «نَغْفِرْ» هو مجزومٌ في جوابِ الأمر، وقد تقدَّم الخلافُ: هل الجازمُ نفسُ الجملةِ أو شرطٌ مقدَّرٌ؟ أي: إنْ يقولوا نَغْفِرْ. وقُرئ «نَغْفِرْ» بالنون وهو جارٍ على ما قبله من قولِه «وإذ قلنا» و «تُغْفَرْ» مبنياً للمفعول بالتاءِ
стр. 412
والياء. و «خَطاياكم» مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعِلُه، فالتاءُ لتأنيثِ الخَطايا، والياءُ لأن تأنيثَها غيرُ حقيقي، وللفصلِ أيضاً ب «لكم» . وقُرئ «يَغْفِرْ» مبنياً للفاعل وهو الله تعالى، وهي في معنى القراءةِ الأولى، إلا أنَّ فيه التفاتاً. و «لكم» متعلق ب «نَغْفِرْ» . وأدغم أبو عمرو الراءَ في اللام، والنحاةُ يَسْتَضْعِفُونها، قالوا: لأنَّ الراءَ حرفُ تكريرٍ فهي أقوى من اللامِ، والقاعدةُ أنَّ الأضعفَ يُدْغَمُ في الأقوى من غيرِ عَكْسٍ، وليسَ فيها ضَعْفٌ؛ لأنَّ انحرافَ اللامِ يقاوِمُ تكريرَ الراءِ. وقد طَوَّل أبو البقاء وغيرُه في بيانِ ضَعْفِها وقد تقدَّم جوابُه.
قوله: «خَطَايَاكُمْ» : إمّا منصوبٌ بالفعل قبلَه، أو مرفوعٌ حَسْبما تقدَّم من القراءاتِ، وفيها أربعةُ أقوال، أحدُها: وهو قولُ الخليل ﵀ أن أصلَها: خطايِئٌ، بياء بعد الألف ثم همزةٍ، لأنها جمعُ خطيئة مثل: صحيفة وصحايف، فلو تُرِكت على حالِها لوجَبَ قلبُ الياءِ همزةً لأنَّ مَدَّةَ فعايل يُفْعَلُ بها كذا، على ما تقرَّر في علمِ التصريف، فَفَرَّ من ذلك لئلا يَجْتَمع همزتان [بأنْ] قَلَبَ فَقَدَّم اللامَ وأَخَّر عنها المَدَّة فصارت: خَطائِي،
стр. 413
فاسْتُثْقِلَتْ على حرفٍ ثقيلٍ في نفسِه وبعده ياءٌ من جِنْسِ الكسرةِ، فَقَلبوا الكسرةَ فتحةً، فتحرَّك حرفُ العلَّةِ وانفتحَ ما قبلَه فَقُلِبَ ألفاً، فصارتْ: خطاءَا، بهمزةٍ بين ألفين، فاسْتُثْقِل ذلك فإنَّ الهمزةَ تشبه الألفَ، فكأنه اجتمع ثلاثُ ألفاتٍ، فقلبوا الهمزةَ ياءً، لأنها واقعةٌ موقِعَها قبل القلبِ، فصارَتْ خطايا على وزن فَعَالَى، ففيها أربعةُ أعمالٍ، قلبٌ، وإبدالُ الكسرةِ فتحةً، وقلبُ الياءِ ألفاً، وإبدالُ الهمزةِ ياءً، هكذا ذكر التصريفيون، وهو مذهبُ الخليلِ.
الثاني وعزاه أبو البقاء إليه أيضاً إنه خطائِئ بهمزتين الأولى منهما مكسورةٌ وهي المنقلبةُ عن الياءِ الزائدةِ في خطيئة، فهو مثل صحيفة وصَحائف فاسْتُثْقِل الجمعُ بين الهمزتين، فَنَقلوا الهمزةَ الأولى إلى موضع الثانية فصار وزنُه: فعالِئ، وإنما فعلوا ذلك لتصيرَ المكسورةُ طرفاً، فتنقلبَ ياءً فتصيرَ فَعالِئ، ثم أَبْدَلوا من كسرةِ الهمزةِ الأولى فتحةً، فانقلبتِ الياءُ بعدها ألفاً كما قالوا: يا لَهَفى ويا أسفى، فصارت الهمزةُ بين ألفين، فأُبْدل منها ياءٌ لأن الهمزةَ قريبةٌ من الألفِ، فاستكرهوا اجتماعَ ثلاثة ألفاتٍ. فعلى هذا فيها خمسةُ تغييراتٍ: تقديمُ اللامِ، وإبدالُ الكسرةِ فتحةً، وإبدال الهمزةِ الأخيرة ياءً، ثم إبدالُها ألفاً، ثم إبدالُ الهمزةِ التي هي لامٌ ياءً. والقولُ الأولُ أَوْلَى لقلةِ العملِ، فيكون للخليلِ في المسألةِ قولان.
стр. 414
الثالث: قولُ سيبويهِ، وهو أنَّ أصلَهَا عنده خطايئ كما تقدم، فَأَبْدَلَ الياءَ الزائدةَ همزةً، فاجتمع همزتان، فَأَبْدَلَ الثانيةَ منهما ياءً لزوماً، ثم عَمِلَ العملَ المتقدِّم، ووزنُها عنده فعائل، مثل صحائِف، وفيها على قوله خمسةُ تغييراتٍ، إبدالُ الياءِ المزيدةِ همزةً، وإبدالُ الهمزةِ الأصليةِ ياءً، وقَلْبُ الكسرةِ فتحةً، وقلبُ الياءِ الأصليةِ ألفاً، وقَلْبُ الهمزةِ المزيدةِ ياءً.
الرابع: قولُ الفرَّاء، وهو أنَّ خَطايا عنده ليس جَمْعاً لخطيئة بالهمزةِ وإنما هو جمعٌ لخَطِيَّة كهدِيَّة وهَدايا، ورَكِيَّة ورَكايا، قال الفراء: «ولو جُمِعَت خطيئة مهموزةً لقلت خطاءَا» ، يعني فلم تُقْلَبِ الهمزةِ ياءً بل بَقَّوها على حالِها، ولم يُعُتَدَّ باجتماعِ ثلاثِ ألفاتٍ، ولكنه لم يَقُله العربُ، فَدَلَّ ذلك عنده أنه ليس جمعاً للمهموز. وقال الكسائي: ولو جُمِعَت مهموزةً أُدْغِمَتِ الهمزةُ في الهمزةِ مثل: دَوابّ. وقُرئ «يَغْفِرْ لكم خطيئَاتكم» و «خطيئَتكم» بالجَمْعِ والتوحيدِ وبالياءِ والتاءِ على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، و «خَطَأْيَاكم» بهمزِ الألفِ الأولى دونَ الثانيةِ، وبالعكسِ. والكلامُ في هذه القراءاتِ واضحٌ مِمَّا تقدَّم.
والغَفْرُ: السِّتْرُ، ومنه: المِغْفَرُ لسُتْرَةِ الرأس، وغُفْرانُ الذنوب لأنها تُغَطِّيها. وقد تقدَّم الفرقُ بينه وبين العفو. والغِفار خِرْقَةٌ تَسْتُر الخِمار [أن]
стр. 415
يَمَسَّه دُهْنُ الرأسِ. والخطيئة من الخَطَأ، وأصلُه العُدولُ عن الجهةِ، وهو أنواعٌ، أحدُها إرادَةُ غيرِ ما يُحْسِنُ إرادَته فيفعلُه، وهذا هو الخطأُ التامُّ يقال منه: خَطِئ يَخْطَأُ خِطْئاً وخَطْأَةً. والثاني: أن يريدَ ما يُحْسِنُ فِعْلَه ولكن يقع بخلافِه، يُقال منه: أَخْطَأ خَطَأً فهو مُخْطِئٌ، وجملةٌ الأمرِ أنَّ مَنْ أَرادَ شيئاً واتفق منه غيرُهُ يُقال: أخْطَأَ، وإن وقع كما أراد يُقال: أصاب، وقد يُقال لِمَنْ فَعَل فِعْلاً لا يَحْسُنُ أو أرادَ إرادةً لا تَجْمُلُ: إنه أَخْطأ، ولهذا يقال أصابَ الخطأَ وأخطأَ الصوابَ وأصابَ الصوابَ وأخطأَ الخطأَ، وسيأتي الفرقُ بينهما وبين السيئة إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
стр. 416
قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الذي قِيلَ لَهُمْ﴾ : لا بُدَّ في هذا الكلام من تأويلٍ، إذ الذَمُّ إنما يتوجَّهُ عليهم إذا بَدَّلوا القولَ الذي قيل لهم، لا إذَا بَدَّلوا قولاً غيره، فقيل: تقديرُه: فبدَّل الذين ظلموا بالذي قيل لهم [قولاً غيرَ الذي قِيل لهم] ف «بَدَّلَ» يتعدَّى لمفعولٍ واحدٍ بنفسِه وإلى آخر بالباءِ، والمجرورُ بها هو المتروكُ والمنصوبُ هو الموجودُ كقولِ أبي النجم:
٤٨٧ - وبُدِّلَتْ والدهرُ ذو تَبَدُّلِ ... هَيْفاً دَبُوراً بالصَّيا والشَّمْأَلِ
فالمقطوعُ عنها الصَّبا والحاصلُ لها الهَيْفُ، قالَه أبو البقاء. وقال: «يجوز أن يكونَ» بَدَّل مَحْمولاً على المعنى تقديره: فقال الذين ظلموا قولاً
стр. 417
غيرَ الذي قيلَ لهم، لأنَّ تبديلَ القولِ بقولٍ فنصْبُ «غير» عنده في هذين القولَيْن على النعت ل «قولاً» وقيل: تقديرُه: فَبَدَّل الذينَ ظلموا قولاً بغيرٍ الذي، فَحَذَفَ الحرفَ فانتصَبَ، ومعنى التبديلِ التغييرُ كأنه قيل: فغيَّروا قولاً بغيره، أي جاؤوا بقولٍ آخرَ مكانَ القولِ الذي أُمِروا به، كما يُرْوى في القصة أنَّهم قالوا بَدَلَ «حِطَّة» حِنْطة في شُعَيْرة.
والإِبدالُ والاستبدالُ والتبديلُ جَعْلُ الشيءِ مكانَ آخَرَ، وقد يُقال التبديل: التغييرُ وإنْ لم يَأْتِ بِبَدَلِهِ، وقد تقدَّم الفرقُ بينَ بَدَّل وأَبْدَلَ، وهو أنَّ بَدَّلَ بمعنى غيَّر مِنْ غير إزالةِ العَيْن، وأَبْدَلَ تقتضي إزالة العين، إلا أنه قُرئ: ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا﴾ [القلم: ٣٢] ﴿فَأَرَدْنَآ أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ [الكهف: ٨١] بالوجهين، وهذا يَقْتضي اتِّحادَهما معنىً لا اختلافَهما] ، والبديلُ، والبدل بمعنى واحدٍ، وبَدَّله غيرُه. ويُقال: بِدْل وبَدَل كشِبْه وشَبَه ومِثْل ومَثَل ونِكْل ونَكَل، قال أبو عبيدة: «لم يُسْمع في فِعْل وفَعَل غيرُ هذه الأحرفِ» .
قوله: ﴿مِّنَ السمآء﴾ [يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ متعلِّقاً بأَنْزلنا، و «مِنْ» لابتداءِ الغايةِ، أيْ: من جهةِ السماء، وهذا الوجهُ] هو
стр. 418
الظاهرُ. والثاني أن يكونَ صفةً ل «رِجْزاً» ، فيتعلَّقَ بمحذوفٍ و «مِنْ» أيضاً لابتداءِ الغايةِ. وقولُه: ﴿عَلَى الذين ظَلَمُواْ﴾ فأعادَهم بذِكْرِهم أولاً، ولم يَقُلْ «عليهم» تنبيهاً على أنَّ ظُلْمَهُم سببٌ في عقابِهم، وهو من إيقاعِ الظاهرِ مَوْقِعَ المُضْمر لهذا الغرض. وإيقاعُ الظاهرِ موقعَ المضمرِ على ضَرْبَيْنِ: ضربٍ يقعُ بعد تمامِ الكلامِ كهذهِ الآيةِ، وقول الخَنْساء:
٤٨٨ - تَعَرَّقَنِي الدَّهرُ نَهْساً وحَزَّاً ... وأَوْجَعَني الدَّهْرُ قَرْعاً وغَمْزَا
أي: أصابَتْني نوائبُه جُمَعُ، وضربٍ يقعُ في كلامٍ واحد نحو قوله: ﴿الحاقة مَا الحآقة﴾ [الحاقة: ١-٢] وقوِل الآخر:
٤٨٩ - ليتَ الغُرابَ غداةَ يَنْعَبُ دائِباً ... كان الغرابُ مُقَطَّعَ الأَوْداجِ
وقد جمع عديٌّ بنُ زيدٍ بين المعنيين فقال:
٤٩٠ - لا أرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ ... نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنَى والفَقيرا
وجاء في سورة الأعراف ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ﴾ [الأعراف: ١٣٣] فجاء هنا بلفظ الإِرسالِ، وبالمضمرِ دونَ الظاهرِ، وذلك أنه تعالى عَدَّد عليهم في هذه
стр. 419
السورة نِعَماً جَسيمةً كثيرةً فكانَ توجيهُ الذمِّ عليهم وتوبيخُهم بكُفرانِها أَبَلَغَ مِنْ ثَمَّ، حيث إنه لم يُعَدِّدْ عليهم هناك ما عَدَّد هنا، ولفظُ الإِنزالِ للعذابِ أبلغُ من لفظِ الإِرسالِ.
والرِّجْزُ: العَذَابُ، وفيه لغةٌ أخرى وهي ضَمُّ الراءِ، وقُرِئ بهما وقيل: المضمومُ اسمُ صَنَمٍ، ومنه: ﴿والرجز فاهجر﴾ [المدثر: ٥] وذلك لأنَه سببُ العذابِ. وقال الفراء: «الرِّجْزُ والرِّجْسُ بالزاي والسين بمعنَىً كالسُّدْغِ والزُّدْغِ، والصحيحُ أن الرِّجْزَ: القَذَرُ وسيأتي بيانُه، والرَّجَزُ داءٌ يُصيبُ الإِبلِ فترتعشُ منه، ومنه بَحْر الرَّجَز في الشعر.
قوله:» بما كانوا يفسُقُون متعلِّق ب ﴿أَنزَلْنَا﴾ والباءُ للسببية و «ما» يجوزُ أن تكونَ مصدريةً، وهو الظاهرُ أي: بسببِ فِسْقِهم، وأن تكونَ موصولةً اسميةً، والعائدُ محذوفٌ على التدريجِ المذكور في غير موضعٍ، والأصلُ يَفْسُقُونَه، ولا يَقْوى جَعْلُها نكرةً موصوفَةً، وقال في سورة الإِعراف: ﴿يَظْلِمُونَ﴾ [الآية: ١٦٢] تنبيهاً [على] أنهم جامِعُون بين هذين الوصفينِ القبيحين. وقد
стр. 420
تقدَّم معنى الفِسْق. وقرأ ابن وثَّاب ﴿يَفْسُقُونَ﴾ بكسر السين، وقد تقدَّم أنهما لغتان.
стр. 421
قوله تعالى: ﴿استسقى موسى لِقَوْمِهِ﴾ السينُ للطلبِ على وَجْهِ الدُّعَاءِ أي: سَأَل لهم السُّقيا، وألفُ استسقى منقلبةُ عن ياءٍ لأنه من السَّقْيِ، وقد تقدَّم معنى استفْعَلَ مستوفى في أولِ السورة. ويقال: سَقَيْتُه وأَسْقَيْتُه بمعنى وأنشد:
٤٩١ - سَقَى قومي بني بكر وأَسْقَى ... نُمَيْراً والقبائلَ من هِلالِ
وقيل: سَقَيْتُه: أَعْطَيْتُه، ما يَشْرَبُ، وأَسْقَيْته جَعَلْتُ ذلك له يتناولُه كيف شاء، والإِسقاءُ أَبْلَغُ من السَّقْي على هذا، وقيل: أَسْقَيْته دَلَلْتُه على الماءِ، وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى عند قولِه: ﴿نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ [النحل: ٦٦] .
و «لقومِه» متعلِّقٌ بالفعلِ واللامُ للعلَّة، أي: لأجلِ، أو تكونُ للبيان لَمَّا كانَ المرادُ به الدعاءَ كالتي في قولِهِم «سُقْياً لك» فتتعلَّقُ بمحذوفٍ كنظيرتِها «.
قوله: ﴿اضرب بِّعَصَاكَ﴾ الإِدغام [هنا] واجبٌ؛ لأنه متى اجتمع مِثْلان
стр. 422
في كلمتين أو كلمةٍ أَوَّلُهما ساكنٌ وَجَبَ الإِدغامُ نحو: اضربْ بكرا. وألفُ» عصاك «منقلبةٌ عن واوٍ لقولِهم في النسب: عَصَوِيّ، وفي التثنية عَصَوانِ، قال:
٤٩٢ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... على عَصَوَيْها سابِرِيٌّ مُشَبْرَقُ
والجمع: عِصِيّ وعُصِيّ بضمِّ العَيْنِ وكَسْرِها إتباعاً، وأَعْصٍ، مثل: زَمَن وأَزْمُن، والأصل: عُصُوو، وأَعْصُو، فَأُعِلَّ. وعَصَوْتُه بالعَصا وعَصَيْتُه بالسيفِ، و» ألقى عصاه «يُعَبَّر به عن بُلوغ المنزلِ، قال:
٤٩٣ - فَأَلْقَتْ عَصاها واستقرَّ بها النَّوى ... كما قرَّ عَيْناً بالإِيابِ المسافِرُ
وانشقَّت العصا بين القومِ أي: وقع الخلافُ، قال الشاعر:
٤٩٤ - إذا كانتِ الهيجاءُ وانشَقَّتِ العَصا ... فَحَسْبُك والضحاكُ سيفٌ مُهَنَّدُ
قال الفراء:» أولُ لَحْنٍ سُمِع بالعراقِ هذه عصاتي «يعني بالتاء، و» الحَجَرَ «مفعولٌ وأل فيه للعهدِ، وقيل: للجنسِ.
стр. 423
قوله: ﴿فانفجرت﴾ » الفاءُ «عاطفةٌ على محذوفٍ لا بُدَّ منه، تقديرُه: فَضَرَبَ فانفجَرَت، وقال ابنُ عصفور:» [إن] هذه الفاءَ الموجودةَ هي الداخلةُ على ذلك الفعلِ المحذوفِ، والفاءُ الداخلةُ على «انفجَرتْ محذوفةٌ» وكأنه يقولُ: حُذِفَ الفعلُ الأولُ لدلالةِ الثاني عليه، وحُذِفَتِ الفاءُ الثانيةُ لدلالةِ الأولى عليها. ولا حاجةَ تَدْعُو إلى ذلك، بل يُقال: حُذِفَتْ الفاءُ وما عَطَفَتْه قبلها. وجَعَلَها الزمخشري جوابَ شرطٍ مقدَّرٍ، قال: «أو: فإن ضَرَبْتَ فقد انفجرَتْ، قال:» وهي على هذا فاءٌ فصيحةٌ لا تقع إلا في كلامٍ بليغ «، وكأنه يريدُ تفسيرَ المعنى لا الإِعرابِ.
والانفجارُ: الانشقاقُ والتفتُّح، ومنه الفَجْرُ لانشقاقِه بالضوءِ، وفي الأعرافِ، ﴿فانبجست﴾ [الآية: ١٦٠] ، فقيل: هما بمعنى، وقيل: الانبِجاس أضيقُ، لأنه يكونُ أولَ والانفجارُ ثانياً.
قوله: ﴿اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ فاعل» انفجرت «، والألفُ علامةُ الرفعِ لأنه مَحْمولٌ على المثنَّى، وليس بمثنَّى حقيقةً إذ لا واحد له من لفظِه، وكذلك مذكَّرهُ» اثنان «ولا يُضاف إلى تمييز لاستغنائِه بذكر المعدودِ مثنَّى، تقول:
стр. 424
رجلان وامرأتان، ولا تقول: اثنا رجلٍ ولا اثنتا امرأةٍ، إلا ما جاءَ نادراً فلا يُقاسُ عليه: قال:
٤٩٥ - كأنَّ خِصْيَيْهِ مِنَ التَّدَلْدُلِ ... ظَرْفُ عجوزٍ فيه ثِنْتا حَنْظَل
وثِنْتان مثل اثنتين، وحكمُ اثنين واثنتين في العددِ المركب أن يُعْرَبا بخلافِ سائرِ أخواتهما، قالوا: لأنه حُذِفَ معهما ما يُحْذَفُ في المعرب عند الإِضافة وهي النونُ فأشبها المعربَ فأُعْرِبا كالمثنى بالألف رفعاً وبالياء نصباً وجرَّاً، وأمَّا «عَشْرة» فمبني لتنزُّلِه منزلَةَ تاءِ التأنيثِ ولها أحكامٌ كثيرةٌ. و «عَيْناً» تمييز.
وقُرئ: «عَشِرة» بكسر الشينِ وهي لغةُ تميمٍ، قال النحاس: «وهذا عجيبٌ فإنَّ لغةَ تميم عَشِرة بالكسر، وسبيلُهم التخفيفُ، ولغةَ الحجازِ عَشْرة بالسكون وسبيلُهم التثقيلُ» . وقرأ الأعمش: عَشَرة بالفتح. والعينُ اسم مشتركٌ بين عَيْنِ الإِنسانِ وعَيْن الماء وعَيْنِ السحابة وعَيْنِ الذهبِ وعَيْنِ
стр. 425
المِيزان، والعَيْنُ: المطر الدائم ستاً أو خمساً، والعَيْنُ: الثُّقْب في المَزادَة، وبلدٌ قليلٌ العَيْن أي: قليلُ الناس.
[قوله: ﴿كُلُّ أُنَاسٍ﴾ قد تقدَّم الكلام على أنه أصلُ الناس. وقال الزمخشري في سورة الأعراف: إنه اسمُ جَمْعٍ غيرُ تكسير، ثم قال: «ويجوز أن يكونَ الأصلُ الكسرَ، والتكسيرُ والضمةُ بدلٌ من الكسرةِ، كما أُبْدِلَتْ في سُكَارى من الفتحة وسيأتي تحريرُ البحث معه إن شاء الله تعالى في السورةِ المذكورة] .
قوله: ﴿مَّشْرَبَهُمْ﴾ مفعولٌ ل» عَلِمَ «بمعنى عَرَف، والمَشْرَبُ هنا مَوْضِعُ الشُّرْبِ؛ لأنُه روي أنه كان لكلِّ سِبْطٍ عَيْنٌ من اثنتي عشرةٍ عيناً لا يَشْرَكُهُ فيها [سِبْطُ] غيرُه. وقيل: هو نفسُ المشروب. فيكون مصدراً واقعاً موقعَ المفعولِ به.
قوله: ﴿كُلُواْ واشربوا﴾ هاتان الجملتانِ في محلِّ نَصْبٍ بقولٍ مضمرٍ، تقديرُه: وقُلْنَا لهم كُلوا واشْرَبُوا، وقد تقدَّم تصريفُ» كل «وما حُذِف منه.
قولُه: ﴿مِن رِّزْقِ الله﴾ هذه من باب الإِعمال لأنَّ كلَّ واحدٍ من الفعلين يَصِحُّ تسلُّطُه عليه، وهو من باب إعمالِ الثاني للحذفِ من الأولِ، والتقديرُ: وكُلوا منه.
следующие страницы →