← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

٥٢٦ - قَدْنيَ مِنْ نَصْرِ الخُبَيْبَيْنِ قَدي ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وإذا كانت حرفاً جاز حَذْفُ الفعلِ بعدَها كقولِه: ٥٢٧ - أَفِدَ الترحُّلُ غيرَ أنَّ رِكابَنا ... لمَّا تَزُلْ برِحالِنا وكَأنَّ قَدِ أي: قد زالت، وللقسم وجوابِه أحكامٌ تأتي إنْ شاء الله تعالى مفصَّلةً. و «عَلِمْتُمِ» بمعنى عَرَفْتُم، فيتعدَّى لواحدٍ فقط، والفرقُ بين العلم والمعرفة أنَّ العلمَ يستدعي معرفةَ الذاتِ وما هي عليه من الأحوال نحو: عَلمتُ زيداً قائماً أو ضاحكاً، والمعرفةُ تستدعي معرفةَ الذاتِ، وقيل: لأنَّ المعرفةَ يسبقها جهلٌ، والعلمُ قد لا يَسْبِقُه جهلٌ، ولذلك لا يجوزُ إطلاقُ المعرفةِ عليه سبحانه. ﴿الذين اعتدوا﴾ الموصولُ وصلتُه في محلِّ النصبِ مفعولاً به، ولا حاجةَ إلى حَذْفِ مضافٍ، كما قدَّره بعضُهم، أي: أحكامُ الذين اعتدوا، لأنَّ المعنى عَرَقْتم أشخاصَهم وأعيانَهم. وأصلُ اعتَدَوْا: اعتَدَيُوا، فأُعِلَّ بالحذف ووزنه افْتَعَوا، وقد عُرِفَ تصريفُه ومعناه. قوله: «منكم» في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الضميرِ في «اعتدَوا» ويجوز أن يكونَ من «الذين» أي: المعتدين كائنين منكم، و «مِنْ» للتبعيض. قوله: ﴿فِي السبت﴾ متعلِّقٌ باعتَدَوا، والمعنى: في حُكْم السبت، وقال أبو البقاء: وقد قالوا: اليومَ السبتُ، فجعلوا «اليومَ» خبراً عن السبت، كما يقال، اليومَ القتالُ، فعلى ما ذكرنا يكونُ في الكلامِ حَذْفٌ تقديرُه في يوم السبت «. والسبتُ في الأصل مصدرُ سَبَتَ، أي: قَطَعَ العمل. وقال ابن عطية:» والسَّبتُ: إمَّا مأخوذٌ من السُّبوت الذي هو الراحة والدَّعَة،

стр. 457

وإمَّا من السَّبْت وهو القطع، لأن الأشياء فيه سَبَتَتْ وتَمَّتْ خِلْقَتُها، ومنه قولُهم: سَبَتَ رأسَه أي: حَلَقه. وقال الزمخشري: «والسبتُ مصدرُ سَبَتَتِ اليهودُ إذا عَظَّمت يومَ السبتِ» وفيه نظرٌ، فإنَّ هذا اللفظ موجودٌ واشتقاقُه مذكورٌ في لسان العرب قبل فِعْل اليهودِ ذلك، الهم إلا أَنْ يريدَ هذا السبتَ الخاصَّ المذكورَ في هذه الآيةِ. والأصلُ فيه المصدرُ كما ذكرتُ، ثم سُمِّي به هذا اليومُ من الأسبوع لاتفاقِ وقوعِه فيه كما تقدَّم أنَّ خَلْقَ الأشياء تَمَّ وقُطِعَ، وقد يقال يومُ السبتِ فيكونُ مصدراً، وإذا ذُكِرَ معه اليومُ أو مع ما أشبهه من أسماءِ الأزمنة مِمَّا يتضمَّن عَمَلاً وحَدَثاً جاز نصبُ اليومِ ورفعُه نحو: اليوم الجمعةُ، اليوم العيدُ، كما يقال: اليوم الاجتماعُ والعَودُ، فإنْ ذُكِرَ مع «الأحد» وأخواتِه وَجَب/ الرفعُ على المشهورِ، وتحقيقُها مذكورٌ في كتبِ النحوِ. قوله: ﴿قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ يجوز فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدُها أن يكونا خبرين، قال الزمخشري: «أي: كونوا جامعين بين القِرَدِيَّة والخُسُوء» وهذا التقديرُ بناءً منه على على أنَّ الخبرَ لا يتعدَّدُ، فلذلك قَدَّرهما بمعنى خبرٍ واحدٍ من باب: هذا حُلْوٌ حامِضٌ، وقد تقدَّم القول فيه. الثاني: أن يكون «خاسئين» نعتاً لقِردة، قاله أبو البقاء. وفيه نظرٌ مِنْ حيث إن القردةَ غيرُ عقلاءَ، وهذا جَمْعُ العقلاء. فإنْ قيل: المخاطبون عُقَلاء. فالجوابُ أنّ ذلك لا يُفيد، لأنَّ التقديرَ عندكم حينئذٍ: كونوا مثلَ قِرَدةٍ مِنْ صفتِهِم الخُسُوء، ولا تعلُّقَ للمخاطَبِين بذلك، إلا أنه يمكنُ أَنْ يقالَ إنهم مُشَبَّهون بالعقلاء، كقوله: ﴿لِي

стр. 458

سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] ، ﴿أَتَيْنَا طَآئِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] . الثالث: أن يكون حالاً من اسم «كونوا» والعاملُ فيه «كونوا» وهذا عندَ مَنْ يُجيز ل «كان» أن تعملَ في الظروفِ والأحوالِ. وفيه خلافٌ سيأتي تحقيقُه عند قولِه تعالى: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً﴾ [يونس: ٢] إن شاء الله تعالى. الرابع وهو الأجْوَدُ أن يكونَ حالاً من الضميرِ المستكنِّ في «قِرَدَةً» لأنه في معنى المشتقِّ، أي: كونوا مَمْسُوخِينَ في هذه الحالةِ، وجَمْعُ فِعْل على فِعَلة قليلٌ لا ينقاس. ومادة القرد تدل على اللصوق والسكون، تقول: «قَرَد بمكان كذا» أي: لَصِق به وسكن، ومنه الصوفُ القَرَد «أي المتداخلُ، ومنه أيضاً:» القُراد «هذا الحيوانُ المعروف. ويقال: خَسَأْتُه فَخَسَأَ، فالمتعدي والقاصر سواء نحو: زاد وغاض، وقيل: يُقال خَسَأْتُه فَخَسِىءَ وانْخَسَأَ؛ والمصدر الخُسُوء والخَسْءُ. وقال الكسائي:» خَسَأْتُ الرجلَ خَسْئاً، وخَسَأَ هو خُسُوءاً ففرَّقَ بين المصدَرَيْن، والخُسُوءُ: الذِّلَّة والصَّغارُ والطَّرْدُ والبُعْدُ ومنه خَسَأْتُ الكلبَ.

стр. 459

قوله تعالى: ﴿نَكَالاً﴾ : مفعولٌ ثانٍ لجَعَلَ التي بمعنى صَيَّر والأولُ هو الضميرُ وفيه أقوالٌ، أحدُها: يعود على المَسْخَة. وقيل: على القريةِ لأنَّ الكلامَ يقتضيها كقولِه: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ [العاديات: ٤] أي بالمكانِ. وقيل على العقوبة، وقيل على الأمَّة. والنَّكالُ: المَنْعُ، ومنه النِّكْلُ اسمٌ للقيد من الحديد واللِّجام لأنه يُمْنَعُ به، وسُمِّي العِقابُ نكالاً لأنه يُمْنَعُ به غيرُ المعاقب أن يفعلَ فِعْلَه، ويَمْنَعُ المُعاقَبَ أن يعودَ إلى فِعْلِه الأولِ. والتنكيلُ: إصابةُ الغيرِ بالنَّكالِ ليُرْدَعَ غيرُه، ونَكَلَ عن كَذا يَنْكُل نُكولاً امتنع، وفي

стр. 460

الحديثِ: «إنَّ الله يحبُ الرجلَ النَّكَل» أي: القوي على الفرس. والمَنْكَلُ ما يُنَكَّل به الإِنسان قال: ٥٢٨ - فارمِ على أَقْفائِهم بِمَنْكَلِ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . والضميرُ في يديهَا وخلفها كالضميرِ في ﴿جَعَلْنَاهَا﴾ . قوله: ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ عطفٌ على ﴿نَكَالاً﴾ وهي مَفْعِلَة من الوعظ وهو التخويف، وقال الخليل: «التذكيرُ بالخيرِ فيما يَرِقُّ له القَلْبُ، والاسمُ: العِظَةُ كالعِدَة والزِنَة. و» للمتقين «متعلقٌ بِمَوْعِظة. واللامُ للعلة، وخُصَّ المتقين بالذِّكْرِ، وإن كانَتْ موعظةً لجميعِ العالَم: البَرِّ والفاجِرِ، لأن المنتفعَ بها هم هؤلاء دونَ مَنْ عَدَاهم، ويجوزُ أَنْ تكونَ اللامُ مقويةً، لأنَّ» موعظة «فَرْعٌ على الفِعْلِ في العملِ فهو نظيرٌ ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ، فلا تعلُّق لها لزيادتها، ويجوز أَنْ تكونَ متعلقةً بمحذوفٍ لأنها صفةٌ لموعظةً، أي: موعظةً كائنةً للمتقين.

стр. 461

قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾ . . الجمهور على ضمِّ الراء لأنه مضارعٌ مُعْرَبٌ مجرَّدٌ من ناصبٍ وجازمٍ. ورُوِيَ عن أبي عمرو سكونُها سكوناً مَحْضاً واختلاسُ الحركةِ، وذلك لتوالي الحركات، ولأنَّ الراءَ حرفُ تكريرٍ فكأنها حرفان، وحركتُها حركتان، وقيل: شبَّهها بعَضْد، فسُكِّن أَوْسَطُه

стр. 462

إجراءً للمنفصلِ مجرى المتصلِ، وهذا كما تَقَدَّم في قراءة «بارِئْكم» ، وقد تقدَّم ذِكْرُ من اسْتَضْعَفها من النحويين، وتقدَّم ذكرُ الأجوبةِ عنه بما أَغْنَى عن إعادتِه هنا، ويجوز في همز «يَأْمركم» إبدالُه ألفاً وهذا مطَّرِدٌ. و «يَأْمركم» هذه الجملةُ في محلِّ رفعٍ خبراً لإِنَّ، وإنَّ وما في حَيِّزها في مَحلِّ نصب مفعولاً بالقول، والقولُ وما في حَيِّزِه في محلِّ جرٍّ بإضافة الظرف إليه، والظرفُ معمولٌ لفعل محذوفٍ أي: اذكُرْ. قوله: ﴿أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً﴾ «أَنْ» وما في حَيِّزِها مفعولٌ ثانٍ ليَأْمركم، فموضِعُها يجوزُ أن يكونَ نصباً وإن يكونَ جرَّاً حَسْبَما مضى من ذِكْرِ الخلافِ، لأنَّ الأصلَ على إسقاطِ حرفِ الجرّ أي: بأَنْ تَذْبَحوا، ويجوزُ أن يُوافِقَ الخليلُ هنا على أَنَّ موضِعَها نَصبٌ لأنَّ هذا الفعلَ يجوز حذفُ الباءِ معه، ولو لم تكنِ الباءُ في «أَنْ» نحو: أمرتُكَ الخيرَ. والبقرةُ واحدة البَقَر، تقعُ على الذكَرِ والأنثى نحو حَمامة، والصفةُ تُمَيِّزُ الذكر من الأنثى، تقول: بقرةٌ ذكرٌ وبقرةٌ أنثى، وقيل: بقرةٌ اسمٌ للأنثى خاصةً من هذا الجِنس مقابلةً لثور، نحو: ناقةٌ وجَمَل، وأَتان وحمار، وسُمِّي هذا الجنسُ بذلك لأنه يَبْقُر الأرض أي يَِشُقُّها بالحرث، ومنه: بَقَر بطنَه، والباقر أبو جعفر لشَقِّه العلمَ، والجمع: بَقَر وباقِر وبَيْقُور وبَقِيرِ. قوله: ﴿هُزُواً﴾ مفعول ثان ل « ﴿أَتَتَّخِذُنَا﴾ . وفي وقوعِ» هُزُوا «مفعولاً ثانياً ثلاثةُ أقوالٍ. أحدُها: أنه على حَذْفِ مضافٍ أي ذوي هُزْء. الثاني: أنه مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعولِ به أي مَهْزُوءاً بنا. الثالث: أنهم جُعِلوا نفس الهُزْءِ

стр. 463

مبالغةً. وهذا أولى، وقال الزمخشري وبدأ به:» أَتَجْعَلُنا مكانَ هُزْءٍ «وهو قريبٌ من هذا. وفي ﴿هُزُواً﴾ قراءاتٌ سِتٌّ، المشهورُ منها ثلاثٌ: هُزُؤاً بضمتين مع الهمز، وهُزْءاً بسكونِ العين/ مع الهمز وَصْلاً وهي قراءة حمزة ﵀، فإذا وَقَفَ أبدلَها واواً، وليس قياسَ تخفيفها، وإنما قياسُه إلقاءُ حركتِها على الساكنِ قبلَها. وإنما اتَّبع رسمَ المصحف فإنها رُسِمَتْ فيه واواً، ولذلك لم يُبْدلها في» جزءاً «واواً وقفاً، لأنها لم تُرْسَمْ فيه واواً كما سيأتي عن قريب، وقراءتُه أصلُها الضمُّ كقراءةِ الجماعةِ إلا أنه خُفِّفَ كقولِهم في عُنُق: عُنْق. وقيل: بل هي أصلٌ بنفسِها، ليست مخففةً من ضم، حَكَى مكي عن الأخفش عن عيسى بن عمر:» كلُّ اسمٍ ثلاثي أولُه مضمومٌ يجوزُ فيه لغتان: التثقيل والتخفيفُ «. و «هُزُواً» بضمتين مع الواوِ وَصْلاً وَوَقْفاً وهي قراءةُ حَفْص عن عاصم، كأنه أَبْدَلَ الهمزةَ واواً تخفيفاً، وهو قياسٌ مطَّرد في كلِّ همزة مفتوحةٍ مضمومٍ ما قبلَها نحو جُوَن في جُؤَن، و ﴿السفهآء ولا إِنَّهُمْ﴾ [البقرة: ١٣] وحكمُ «كُفُواً» في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] حكمُ «هُزُواً» في جميع ما تقدم قراءةً وتوجيهاً. و «هُزَاً» بإلقاء حركة الهمزة على الزاي وحذفها

стр. 464

وهو أيضاً قياسٌ مطرد، وهُزْواً بسكون العين مع الواو، وهُزَّاً بتشديد الزاي من غيرِ همزةٍ، ويروى عن أبي جعفر، وتقدَّم معنى الهُزْء أول السورة. قوله: ﴿أَعُوذُ بالله﴾ تقدَّم إعرابُه في الاستعاذَةِ، وهذا جوابٌ لاستفهامِهم في المعنى كأنه قال: لا أَهْزَأُ مستعيذاً باللهِ من ذلك فإنَّ الهازِئَ جاهِلٌ. وقوله ﴿أَنْ أَكُونَ﴾ أي: مِن أَنْ أكونَ، فيجيءُ فيه الخلافُ المعروف. و «مِن الجاهلين» خبرُها، وهو أَبْلَغُ من قولِك: «أن أكونَ جاهِلاً، فإنَّ المعنى: أن أنتظمَ في سلكِ قَوْمٍ اتَّصفوا بالجهل.

стр. 465

قوله تعالى: ﴿قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنَ لَّنَا﴾ . . كقوله: ﴿فادع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا﴾ [البقرة: ٦١] وقد تقدَّم. قوله: «ما هي» ؟ ما استفهاميةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ تقديرُه: أيُّ شيءٍ هي، و «ما» الاستفهاميةُ يُطْلَبُ بها شَرْحُ الاسم تارةً نحو: «ما العنقاءُ؟ [و] ماهيَّةُ المُسَمَّى أخرى نحو: ما الحركةُ. وقال السكاكي:» يَسْأَلُ ب «ما» عن الجنسِ، تقولُ: ما عندك؟ أي: أيُّ أجناسِ الأشياءِ عندك، وجوابُه: كتابٌ ونحوه، أو عن الوصف، تقول: ما زيدٌ؟ وجوابه: كريمٌ «وهذا هو المرادُ في الآية. و» هي «ضميرٌ مرفوعٌ منفصلٌ في محلِّ رفع خبراً ل» ما «، والجملةُ في محلِّ نصب بيبيِّن، لأنه مُعَلَّقٌ عن الجملةِ بعده، وجاز ذلك لأنَّه شبيهٌ بأفعالِ القلوبِ. قوله: ﴿لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ﴾ لا نافيةٌ، و» فارضٌ «صفةٌ لبقرة، واعترض ب» لا «بين الصفةِ والموصوفِ، نحوٍ: مَرَرْتُ برجلٍ لا طويلٍ ولا قصيرٍ. وأجاز أبو البقاء أن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوفٍ أي: لا هي فارضٌ. وقولُه: ﴿

стр. 466

وَلاَ بِكْرٌ﴾ مثلُ ما تقدَّم، وتكرَّرت» لا «لأنها متى وقعت قبل خبرٍ أو نعتٍ أو حالٍ وَجَب تكريرُها، تقول: زيدٌ لا قائمٌ ولا قاعدٌ، ومررت به لا ضاحكاً ولا باكياً، ولا يجوز عدمُ التكرارِ إلا في ضرورةٍ خلافاً للمبرد وابن كيسان، فمن ذلك: ٥٢٩ - وأنتَ امرؤٌ مِنَّا خُلِقْتَ لغيرِنا ... حياتُك لا نفعٌ وموتُك فاجِعُ وقولُه: ٥٣٠ - قَهَرْتَ العِدَى لا مُسْتَعيناً بعُصْبَةٍ ... ولكنْ بأنواعِ الخدائعِ والمَكْرِ فلم يكرِّرها في الخبر ولا في الحالِ. والفارضُ: المُسِنَّةُ الهَرِمة، قال الزمخشري:» كأنَّها سُمِّيَتْ بذلك لأنها فَرَضَتْ سِنَّها، أي قَطَعَتْها وبَلَغَتْ آخرَها «قال الشاعر: ٥٣١ - لَعَمْرِي لقد أَعْطَيْتَ جارَك فارِضاً ... تُساقُ إليه ما تقومُ على رِجْلِ ويقال لكلِّ ما قَدُم: فارضٌ، قال: ٥٣٢ - شَيَّبَ أصداغِي فرأسي أبيضُ ... محامِلٌ فيها رجالٌ فُرَّضُ

стр. 467

أي: كبارٌ قدماء، وقال آخر: ٥٣٣ - يا رُبَّ ذي ضِغْنٍ عليَّ فارضِ ... له قُروءٌ كقُروءِ الحائِضِ وقال الراغب:» سُمِّيَتْ فارِضاً لأنها تقطعُ الأرضَ، والفَرْضُ في الأصل: القَطْع وقيل: لأنها تحملُ الأحمَالَ الشاقةَ. وقيل: لأن فريضة البقر تَبِيعٌ ومُسِنَّة، قال: فعلى هذا تكونُ الفارضُ اسماً إسلامياً «ويقال فَرَضَتْ تفرِضُ بالفتح فُروضاً، وقيل: فَرُضَتْ بالضمِّ أيضاً. والبِكْرُ ما لم تَحْمِل، وقيل: مَا وَلَدَتْ بطناً واحداً وذلك الولدُ بِكْرٌ أيضاً، قال: ٥٣٤ - يا بِكْرَ بَكْرَيْنِ ويا خِلْبَ الكَبِدْ ... أصبحْتَ مني كذراعٍ من عَضُدْ والبِكْرُ من الحيوان: مَنْ لم يَطْرُقْه فَحْل، والبَكْر بالفتح: الفَتِيُّ من الإِبل، والبَكارة بالفتح: المصدر. قوله: ﴿عَوَانٌ﴾ صفةٌ لبقرة، ويجوز أن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوفٍ أي: هي عوانٌ، كما تقدَّم في ﴿لاَّ فَارِضٌ﴾ والعَوانُ، النَّصَفُ، وهو التوسُّطُ بين الشيئينِ، وذلك أقوى ما يكونُ وأحسنُه، قال: ٥٣٥ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... نواعِمُ بين أبكارٍ وعُونِ

стр. 468

وقيل: هي التي وَلَدَت مرةً بعد أخرى، ومنه الحَرْبُ العَوانُ، أي: التي جاءت بعدَ حربٍ أخرى، قال زهير: ٥٣٦ - إذا لَقِحَتْ حربٌ عَوانٌ مُضِرَّةٌ ... ضَروسٌ تُهِرُّ الناسَ أنيابُها عُصْلُ والعُون بسكونِ الواو: الجمعُ، وقد تُضَمُّ ضرورةً كقوله: ٥٣٧ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . في الأكُفِّ اللامِعاتِ سُوُرْ بضمِّ الواو. ونظيرُه في الصحيح: قَذَال وقُذُل، وحِمار وحُمُر. قوله: ﴿بَيْنَ ذلك﴾ صِفةٌ لعَوان، فهو في محلِّ رفعٍ ويتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: كائنٌ بين ذلك، و «بين» إنما تُضاف لشيئين فصاعداً، وجاز أن تضافَ هنا إلى مفرد، لأنه يُشارُ بِهِ إلى المثنى والمجموع، كقوله: ٥٣٨ - إنَّ للخيرِ وللشَّرِّ مَدَى ... وكِلا ذلك [وَجْهٌ وقَبَلْ] كأنه قيل: بين ما ذُكِر من الفارضِ والبِكْر. قال الزمخشري: «فإن قلت: كيف جازَ أن يُشارَ به إلى مؤنَّثَيْن وإنما هو لإِشارةِ المذكر؟ قلت: لأنه في تأويلِ ما ذُكر وما تقدَّم» ، وقال: «وقد يَجْري الضمير مَجْرى اسم الإِشارةِ في هذا/ قال أبو عبيدة: قلت لرؤبة في قوله:

стр. 469

٥٣٩ - فيها خطوطٌ من سَوادٍ وبَلَقْ ... كأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ إن أردْتَ الخطوطَ فقل: كأنها، وإن أردْتَ السوادَ والبَلَق فقل: كأنهما، فقال: أردْتُ: كأنَّ ذاكَ. وَيْلَك» . والذي حَسَّنَ منه أنَّ أسماءَ الإِشارةِ تَثْنِيتُها وجَمْعُها وتأنيثُها ليسَتْ على الحقيقة، وكذلك الموصولاتُ، ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع. قوله: ﴿مَا تُؤْمَرونَ﴾ «ما» موصولةٌ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ تقديره: تُؤْمَرون بِه، فحُذِفَت الباءُ وهو حذفٌ مطَّردٌ، فاتصل بالضميرِ فحُذِفَ. وليس هو نظيرَ ﴿كالذي خاضوا﴾ [التوبة: ٦٩] فإنَّ الحذف هناك غيرُ مقيسٍ، ويضعُف أن تكونَ «ما» نكرةً موصوفةً. قال أبو البقاء: «لأنَّ المعنى على العُمومِ وهو بالذي أَشْبَهُ» ، ويجوزُ أن تكونَ مصدريةً أي: أَمَرَكم بمعنى مأمورَكم، تسميةً للمفعولِ بالمصدرِ كضَرْبِ الأمير، قاله الزمخشري. و «تُؤْمَرون» مبنيٌّ للمفعول والواوُ قائمٌ مقامَ الفاعلِ، ولا محلَّ لهذه الجملةِ لوقوعِها صلةً.

стр. 470

قوله تعالى: ﴿مَا لَوْنُهَا﴾ : كقولِه «هي» ؟ وقال أبو البقاء: «ولو قُرئ» لونَها «بالنصب لكان له وجهٌ، وهو أن تكونَ» ما «زائدة كهي في قوله: ﴿أَيَّمَا الأجلين قَضَيْتُ﴾ [القصص: ٢٨] ويكون التقديرُ: يبين لنا لونَها، وأمَّا» ما هي «فابتداءٌ وخبرٌ لا غيرُ إذ لا يُمْكِنُ جَعْلُ» ما «زائدةً لأنَّ» هي «لا يَصِحُّ أن تكونَ مفعولَ يبيِّن» يعني أنها بصيغةِ الرفع، وهذا ليس من مواضعِ

стр. 471

زيادةِ «ما» فلا حاجةَ إلى هذا. واللونُ عبارةٌ عن الحمرةِ والسوادِ ونحوِهما. واللونُ أيضاً النوعُ وهو الدَّقَل نوعٌ من النحل، قال الأخفش: «هو جَماعةٌ واحدها: لِينة» وسيأتي. وفلان يَتَلَوَّن أي: لا يثبُتُ على حالٍ، قال الشاعر: ٥٤٠ - كلَّ يومٍ تتلوَّنْ ... غيرُ هذا بك أَجْمَلْ قوله: ﴿صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا﴾ بجوز أن يكونَ «فاقعٌ» صفةً و «لونُها» فاعلٌ به، وأن يكونَ خبراً مقدماً، و «لونُها» مبتدأ مؤخرٌ والجملةُ صفةٌ، ذكرها أبو البقاء. وفي الوجهِ الأول نظرٌ، وذلك أن بعضَهم نقلَ أن هذه التوابعَ للألوانِ لا تعملُ عَمَلَ الأفعال. فإنْ قيل: يكونُ العملُ لصفراء لا لفاقع كما تقول: مررتُ برجلٍ أبيضَ ناصعٍ لونُه، فلونُه مرفوعٌ بأبيض لا بناصع، فالجوابُ: أنَّ ذلك ههنا ممنوعٌ من جهةٍ أخرى، وهو أنَّ صفراء مؤنثٌ اللفظِ، ولو كانَ رافعاً ل «لونُها» لقيل: أصفرُ لونُها، كما تقول: مررت بامرأةٍ أصفرَ لونُها، ولا يجوز: صفراءَ لونُها، لأنَّ الصفةَ كالفِعْل، إلا أن يُقال: إنه لمَّا أُضيف إلى مؤنثٍ اكتسَب منه التأنيثَ فعُومِل معاملتَه كما سيأتي ذِكْرُه. ويجوز أن يكونَ «لونُها» مبتدأً، و «تَسُرُّ» خبرَه، وإنما أَنَّث الفعلَ لاكتسابِه بالإِضافةِ معنى التأنيث: كقوله:

стр. 472

٥٤١ - مَشَيْنَ كما اهتَزَّتْ رماحٌ تَسَفَّهَتْ ... أعاليهَا مَرُّ الرياحِ النَّواسِمِ وقول الآخر: ٥٤٢ - وتَشْرَقُ بالقولِ الذي قد أَذَعْتَه ... كما شَرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدمِ أنَّث فعلَ المَرِّ والصدرِ لَمَّا أُضيفا لمؤنثٍ، وقُرئ ﴿تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة﴾ [يوسف: ١٠] وقيل: لأنَّ المرادَ باللونِ هنا الصفرةُ، وهي مؤنثةٌ فَحُمِل على المعنى في ذلك، ويقال: أصفرُ فاقعٌ، وأبيضُ ناصعٌ وَيَقِقٌ ولَهِقٌ، ولِهاقٌ وأخضرُ ناصعٌ، وأحمرُ قانئٌ وأسودُ حالِكٌ وحائِك وحَلَكُوك وحُلْكُوك ودَجُوجيّ وغِرْبيب وبهيم، وقيل: «البهيم الخالصُ من كل لون» . وبهذا يَظْهر أن صفراء على بابها من اللون المعروفِ لا سوداء كما قاله بعضهم، فإنَّ المفقوعَ من صفةِ الأصفرِ خاصةً، وأيضاً فإنه مجازٌ بعيدٌ، ولا يُسْتَعمل ذلك إلا في الإِبِلِ لقُرْب سوادها من الصفرةِ كقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٣] . وقال: ٥٤٣ - تلك خَيْلِيْ منه وتلكَ رِكابي ... هُنَّ صُفْرٌ أولادُها كالزَّبيبِ قوله: ﴿تَسُرُّ الناظرين﴾ جملةٌ في محلِّ رفعٍ صفةً ل «بقرة» أيضاً، وقد تقدَّم أنه يجوز أن تكونَ خبراً عن «لونها» بالتأويلين المذكورين. والسرورُ لَذَّةٌ في

стр. 473

القلب عند حصولِ نَفْعِ أو توقُّعِه، ومنه «السريرُ» الذي يُجْلَسُ عليه إذا كان لأولي النِّعمةِ، وسريرُ الميِّت تشبيهاً به في الصورة وتفاؤلاً بذلك.

стр. 474

قوله تعالى: ﴿مَا هِيَ﴾ ؟ . . مرةً ثانيةً، تكريرٌ للسؤال عن حالِها وصفتِها واستكشافٌ زائدٌ ليزدادوا بياناً لوَصْفِها. قوله: ﴿إِنَّ البقر تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ «البقر» اسمُ إنَّ وهو اسمُ جنسٍ كما تقدَّم. وقرئ «الباقِرُ» وهو بمعناه كما تقدم. و «تَشَابه» جملةٌ فعلية في محلِّ رفعٍ خبراً لإِنَّ، وقرئ: «تَشَّابَهُ» مشدَّداً ومخففاً وهو مضارعٌ، فالأصلُ: تَتَشابهُ بتاءين، فَأُدْغِمَ وحُذِفَ منه أخرى، وكِلا الوجهين مقيس. وقُرئ أيضاً: يَشَّابَهُ بالياء من تحت وأصله يتشابه فَأُدغم أيضاً، وتذكيرُ الفعل وتأنيثُه جائزان لأن فاعلَه اسمُ جنس وفيه لغتان: التذكيرُ والتأنيثُ، قال تعالى: ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾ [الحافة: ٧] فَأَنَّث، و ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ [القمر: ٢٠] فذكَّر، ولهذا موضعٌ نستقصي منه، يأتي إن شاء الله تعالى. وتَتَشَابَهُ بتاءين على الأصل، وتَشَّبَّهُ بتشديد الشين والباء من غير ألف، والأصلُ: تَتَشَبَّهُ. وتَشَّابَهَتْ،

стр. 475

ومُتَشَابِهَة، ومُتَشَابِه، ومُتَشَبِّه على اسم الفاعل من تشابه وتَشَبَّه، وقُرئ: تَشَبَّهَ ماضياً. وفي مصحف أُبَيّ: «تَشَّابَهَتْ» بتشديد الشين. قال أبو حاتم: «هو غلط لأن التاءَ في هذا الباب لا تُدْغَمُ إلا في المضارعِ» ، وهو معذورٌ في ذلك. وقرئ: تَشَّابَهَ كذلك إلا أنه بطرح تاء التأنيث، ووجهُها على إشكالها أن يكونَ الأصل: إن البقرة تشابَهَتْ فالتاء الأولى من البقرة والتاء الثانية من الفعل، فلمَّا اجتمع متقاربان أَدْغَم نحو: الشجرةُ. . . إلا أنه يُشْكِل أيضاً في تَشَّابه من غير تاء، لأنه كان يَجبُ ثبوتُ/ علامةِ التأنيثِ، وجوابُه أنه مثلُ: ٥٤٤ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا أرضَ أَبْقَلَ إبْقالَها مع أن ابنَ كَيْسان لا يلتزم ذلك في السَّعَة. قوله: ﴿إِن شَآءَ الله﴾ هذا شرطٌ جوابُه محذوفٌ لدلالةِ إنْ وما في حَيِّزها عليه، والتقدير: إن شاء اللهُ هدايتَنا للبقرة اهتدَيْنا، ولكنهم أَخرجُوه في جملةٍ اسميةٍ مؤكَّدة بحرفَيْ تأكيدٍ مبالغةً في طَلَب الهداية، واعترضوا بالشرطِ تيمُّناً بمشيئةِ الله تعالى. و «لمهتدونَ» اللامُ لامُ الابتداءِ داخلةٌ على خبرِ «إنَّ» ، وقال أبو البقاء: «جوابُ الشرط إنَّ وما عملت فيه عند سيبويه، وجاز ذلك

стр. 476

لمَّا كان الشرطُ متوسطاً، وخبرُ إنَّ هو جوابُ الشرط في المعنى، وقد وقع بعدَه، فصار التقديرُ: إنْ شاء اللهُ اهتدينا. وهذا الذي قاله لا يَجُوز، فإنه متى وقعَ جواب الشرطِ ما لا يَصْلُح أنْ يكونَ شرطاً وجَبَ اقترانُه بالفاء، وهذه الجملةُ لا تَصْلح أن تقعَ شرطاً، فلو كانَتْ جواباً لَزِمَتْها الفاءُ، ولا تُحْذَفُ إلا ضرورةً، ولا جائزٌ أنْ يريدَ أبو البقاء أنه دالٌّ على الجواب وسَمَّاه جواباً مجازاً، لأنه جَعَلَ ذلك مذهباً للمبرد مقابلاً لمذهب سيبويه، فقال:» وقالَ المبرد: الجوابُ محذوفٌ دَلَّتْ عليه الجملةُ، لأنَّ الشرط معترضٌ فالنيةُ به التأخيرُ، فيصيرُ كقولِك: «أنت ظالم إنْ فَعَلْتَ» وهذا الذي نقلَه عن المبرد هو المنقولُ عن سيبويه، والذي نقله عن سيبويه قريبٌ مما نُقِل عن الكوفيين وأبي زيد من أنه يجوزُ تقديمُ جوابِ الشرطِ عليه، وقد ردَّ عليهم البصريون بقول العرب: «أنتَ ظالمٌ إنْ فعلْتَ» إذ لو كانَ جواباً لوَجَبَ اقترانُه بالفاءِ لِما ذكرْتُ لك. وأصلُ «مُهْتَدُون» مُهْتَدِيُون، فأُعِلَّ بالحَذْفِ، وهو واضحٌ مما تقدَّم.

стр. 477

قوله تعالى: ﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ : المشهورُ «ذلولٌ» بالرفع على أنها صفةٌ لبقرة، وتوسَّطت «لا» للنفي كما تقدَّم في ﴿لاَّ فَارِضٌ﴾ ، أو على أنها خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: لا هي ذلولٌ. والجملةُ من هذا المبتدأ والخبرِ في محلِّ رفعٍ صفةً لبقرة. وقرئ: «لا ذَلولَ» بفتح اللام على أنها «لا» التي للتبرئة والخبرُ محذوف، تقديره: لا ذلولَ ثَمَّ، أو ما أشبهه، وليس المعنى على هذه

стр. 478

القراءةِ، ولذلك قال الأخفشُ: «لا ذلولٌ نعت ولا يجوز نصبُه» . والذَّلولُ: التي ذُلِّلَتْ بالعمل، يقال: بَقَرةٌ ذَلول بَيَِّنَةُ الذِّل بكسر الذال، ورجلٌ ذَليل بيِّنُ الذُّل بضمها، وقد تقدَّم عند قوله: ﴿الذلة﴾ [البقرة: ٦١] . قوله: ﴿تُثِيرُ الأرض﴾ في هذه الجملةِ أقوالٌ كثيرٌ، أظهرهُا أنها في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ من الضمير المستكنِّ في «ذلول» تقديرُه: لا تُذَلُّ حالَ إثارتِها [الأرضَ] . وقال ابن عطية: «وهي عند قومٍ جملةً في موضعِ الصفةِ لبقرة، [أي] : لا ذلولٌ مثيرةٌ، وقالَ أيضاً: ولا يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ في موضعِ الحالِ لأنها من نكرةٍ» ، أمَّا قولُه: «في موضع الصفةِ» فإنه يلزم منه أنَّ البقرةَ كانت مثيرةً للأرض، وهذا لم يَقُلْ به الجمهور، بل قال به بعضُهم، وسيأتي بيانُه قريباً. وأمَّا قولُه: «لا يجوز أن تكونَ حالاً يعني من» بقرة «لأنها نكرةٌ. فالجوابُ: أنَّا لا نُسَلِّم أنها حالٌ من بقرة، بل من الضميرِ في» ذلولٌ «كما تقدَّم شرحه، أو نقولُ: بل هي حالٌ من النكرة قد وُصِفَتْ وتخصَّصَتْ بقوله ﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ وإذا وُصِفَت النكرةُ ساغَ إتيانُ الحالِ منها اتفاقاً. وقيل: إنها مستأنفةً، واستئنافُها على وجهين، أحدُهما: أنها خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي: هي تثير، والثاني: أنها مستأنفةٌ بنفسِها من غير تقديرِ مبتدأ، بل تكونُ جملةً فعليةً ابتُدئ بها لمجرد الإِخبار بذلك. وقد مَنَعَ من القول باستئنافها جماعةٌ، منهم الأخفش علي بن سليمان، وعلَّل ذلك بوجهين، أحدُهما: أنَّ بعدَه: ﴿وَلاَ تَسْقِي الحرث﴾ فلو كان مستأنفاً لما صَحَّ دخولُ» لا «بينه وبين الواوِ. الثاني: أنها لو كانت تثير الأرضَ لكانَتِ

стр. 479

الإِثارةُ قد ذَلَّلَتْها، واللهُ تعالى نفى عنها ذلك بقولِه: لا ذلولٌ. انتهى. وهذا المعنى هو الذي منعتُ به أن يكون» تثيرُ «صفةً لبقرة لأن اللازمَ مشتركٌ، ولذلك قال أبو البقاء:» ويجوزُ على قَوْلِ مَنْ أَثْبَتَ هذا الوجهَ يعني كونها تثيرُ ولا تَسْقي أن تكونَ تُثير في موضعِ رفعٍ صفةً لبقرة «. وقد أجابَ بعضُهم عن الوجه الثاني بأن إثارةَ الأرض عبارةٌ عن مَرَحِها ونشاطِها كما قال امرؤ القيس: ٥٤٥ - يُهيلُ ويُذْري تُرْبَهُ ويُثيرُه ... إثارةَ نَبَّاثِ الهَواجِرِ مُخْمِسِ أي: تثيرُ الأرضَ مَرَحاً ونشاطاً لا حَرْثاً وعَمَلاً، وقال أبو البقاء: «وقيل هو مستأنفٌ، ثم قال:» وهو بعيدٌ عن الصحة، لوجهينِ، أحدُهما: أنه عَطَفَ عليه قوله: ﴿وَلاَ تَسْقِي الحرث﴾ فنفى المعطوفَ، فيجب أن يكونَ المعطوفُ عليه كذلك لأنه في المعنى واحدٌ، ألا ترى أنك لا تقول: مررتُ برجلٍ قائمٍ ولا قاعدٍ، بل تقول: لا قاعدٍ بغير واو، كذلك يجب أن يكون هنا، وذَكر الوجه الثاني كما تقدَّم، وأجاز أيضاً أن يكون «تُثير» في محلِّ رفعٍ صفةً لذَلول وقد تقدَّم لك خلافٌ: هل يُوصف الوصفُ أو لا؟ فهذه ستةُ أوجهٍ، تلخيصها: أنها حالٌ من الضميرِ في «ذَلولٌ» أو من «بقرة» أو صفةٌ لبقرة أو لذلولٌ أو مستأنفةٌ بإِضمارِ مبتدأ أو دونَه. قوله: ﴿وَلاَ تَسْقِي الحرث مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾ الكلام في هذه كما تقدم فيما قبلها من كونِها صفةً لبقرة أو خبراً لمبتدأ محذوفٍ. وقال الزمخشري: ولا الأولى للنفي يعني الداخلةَ على «ذلولٌ» والثانيةُ مزيدة/ لتوكيدِ

стр. 480

الأولى، لأن المعنى: لا ذلولٌ تثيرُ وتَسْقي، على أن الفعلينِ صفتانِ لذَلول، كأنه قيل: لا ذلولٌ مثيرةٌ وساقيةٌ «. وقُرئ» تُسْقي «بضم التاء من أَسْقى. وإثارةُ الأرضِ تحريكُها وبَحْثُها، ومنه ﴿وَأَثَارُواْ الأرض﴾ [الروم: ٩] أي: بالحرثِ والزراعةِ، وفي الحديث:» أثيروا القرآن، فإنه عِلْمُ الأولين والآخرِين «، وفي روايةٍ،» مَنْ أرادَ العِلمَ فَلْيُثَوِّرِ القرآن «ومُسَلَّمةٌ من سَلِمَ له كذا أي: خَلُص. و» شية «مصدرٌ وَشَيْتُ الثوبَ أَشِيْهُ وَشْياً وشِيَةً، فحُذفت فاؤها لوقوعِها بين ياءٍ وكسرةٍ في المضارع، ثم حُمِلَ باقي البابِ عليه، ووزنُها: عِلة، ومثلُها: صِلة وعِدة وزِنة، وهي عبارةٌ عن اللمعةِ المخالفةِ للَّوْنِ، ومنه ثَوْبٌ مَوْشِيٌّ أي منسوجٌ بلونينِ فأكثرَ، وثور مَوْشِيُّ القوائم أي: أَبْلَقُها قال الشاعر: ٥٤٦ - من وحشِ وَجْرَةَ مَوْشِيٍّ أَكارِعُه ... طاوِي المصيرِ كسَيْفِ الصيْقَلِ الفَرِدِ ومنه:» الواشي «للنمَّام، لأنه يَشي حديثَه أي: يُزَيِّنُه ويَخْلِطُه بالكذب، وقال بعضهم: ولا يقال له واشٍ حتى يُغَيِّرَ كلامَه ويُزَيِّنَه. ويقال: ثورٌ أَشْيَهُُ، وفرس أَبْلَقُ وكبشٌ أَخْرَجُ وتيسٌ أَبْرَقُ وغرابٌ أَبْقَعُ، كلُّ ذلك بمعنى البُلْقَةِ، و» شِيَةَ «اسم لا، و» فيها «خبرها. قوله: ﴿الآن جِئْتَ﴾ » الآن «منصوبٌ بجِئْتَ، وهو ظرفُ زمانٍ يقتضي الحالَ ويُخَلِّصُ المضارع له عند جمهور النحويين، وقال بعضُهم: هذا هو

стр. 481

الغالبُ وقد جاء حيثُ لا يُمْكِنُ أن يكونَ للحالِ كقولِه: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآن﴾ [الجن: ٩] ﴿فالآن بَاشِرُوهُنَّ﴾ [البقرة: ١٨٧] فلو كان يقتضي الحالَ لَما جاء مع فعل الشرط والأمرِ اللذين هما نصٌّ في الاستقبالِ، وعَبَّر عنه هذا القائلُ بعبارةٍ توافقُ مذهبَه وهي:» الآن «لوقتٍ حُصِر جميعُه أو بعضُه» يريد بقولِه: «أو بعضُه» نحوَ: ﴿فَمَن يَسْتَمِعِ الآن يَجِدْ لَهُ﴾ وهو مبنيٌّ. واختُلِفَ في علَّة بِنائِه، فقال الزجاج: «لأنَّه تضمَّن معنى الإِشارة، لأنَّ معنى أفعلُ الآن أي: هذا الوقتَ» . وقيل: لأنه أَشْبَهَ الحرفَ في لزومِ لفظٍ واحدٍ، من حيث إنه لا يُثَنَّى ولا يُجْمَعُ ولا يُصَغَّرُ. وقيل: لأنَّ تضمَّن معنى حرفِ التعريفِ وهو الألفُ واللامُ كأمسِ، وهذه الألفُ واللامُ زائدةٌ فيه بدليلِ بنائِه ولم يُعْهَدْ معرَّفٌ بأل إلاَّ مُعْرباً، ولَزِمَت فيه الألفُ واللامُ كما لَزِمَت في الذي والتي وبابهما، ويُعْزى هذا للفارسي. وهو مردودٌ بأنَّ التضمينَ اختصار، فكيف يُخْتصر الشيءَ، ثم يُؤْثى بمثلِ لفظِه. وهو لازمٌ للظرفيَّة ولا يَتَصَرَّفُ غالباً، وقد وَقَع مبتدأ في قوله ﵇: «فهو يَهْوى في قَعْرِها الآنَ حينَ انتهى» فالآن مبتدأ وبني على الفتح لِما تقدَّم، و «حين» خبره، بُني لإِضافتِه إلى غيرِ متمكِّنٍ، ومجروراً في قوله: ٥٤٧ - أإلى الآن لا يَبِينُ ارْعِواءُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 482

وادَّعى بعضُهم إعرابَه مستدلاًّ بقوله: ٥٤٨ - كأنَّهما مِلآْنِ لم يتَغَيَّرا ... وقد مَرَّ للدارَيْنِ من بعدنا عَصْرُ يريد: «من الآن» فجَرَّه بالكسرة، وهذا يَحْتمل أن يكونَ بُني على الكسر. وزعم الفراء أنه منقولٌ من فعلٍ ماضٍ، وأن أصلَه آنَ بمعنى حانَ فَدَخَلَتْ عليه أل زائدةً واسْتُصْحِبَ بناؤُه على الفتح، وجَعَله مثلَ قولهم: «ما رأيته مذ شَبَّ إلى دَبَّ» وقولِه ﵇: «وأَنْهاكم عن قيلَ وقال» ، ورُدَّ عليه بأنَّ أل لا تدخُل على المنقولِ من فعلٍ ماضٍ، وبأنه كان ينبغي أن يجوزَ إعرابُه كنظائرِه، وعنه قولٌ آخر أنَّ أصلَه «أوان» فحُذِفَتِ الألفُ ثم قًُلبت الواو ألفاً، فعلى هذا ألفُه عن واو، وقد أدخله الراغبُ في باب «أين» فتكون ألفُه عن ياء، [والصواب الأول] . وقُرئ «قالوا الآن» بتحقيق [الهمزةِ] من غير نَقْل، وهي قراءةُ الجمهورِِ، و «قالُ لان» بنقل حركة الهمزة على اللام قبلها وحَذْفِ الهمزة، وهو قياسٌ مطَّرد، وبه قرأ نافع وحمزة باختلافٍ عنه، و «قالو لاَن» بثبوتِ الواوِ مِنْ قالوا لأنها إنما حُذِفَتْ لالتقاءِ الساكنين وقد تحرَّكَتِ اللامُ لنقلِ حركةِ الهمزةِ إليها، واعتدُّوا بذلك كما قالوا في الأحمر: «لَحْمَر» . وسيأتي تحقيقُ

стр. 483

هذا إن شاء اللهُ تعالى في ﴿عَاداً الأولى﴾ [النجم: ٥٠] ، وحُكي وجه رابع: «قالوا ألآن» بقطعِ همزةِ الوصلِ وهو بعيدٌ. قوله: «بالحقِّ» يجوزُ فيه وجهانِ، أحدُهما أن تكونَ باءَ التعدية كالهمزة كأنه قيل: أَجَأْتَ الحقَّ أي: ذَكَرْتَه. الثاني: أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من فاعلِ «جِئْتَ» أي: جِئْتَ ملتبساً بالحقِّ أو ومعك الحقُّ. قوله ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾ كادَ واسمُها وخبرُها، والكثيرُ في خبرها تَجَرُّدُه من أَنْ، وشَذَّ قولُه: ٥٤٩ - قد كادَ من طولِ البِلى أَنْ يَمْحَصا ... عكسَ عسى، ومعناها مقاربةُ الفعلِ، وقد تقدَّم جملةٌ صالحةٌ من أحكامِها، وكونُ نفيها إثباتاً وأثباتِها نفياً، والجوابُ عن ذلك عند قوله: ﴿يَكَادُ البرق﴾ [البقرة: ٢٠] فَلْيُلْتَفتْ إليه.

стр. 484

قوله تعالى: ﴿فادارأتم فِيهَا﴾ : فعلٌ وفاعلٌ، والفاءُ للسببية، لأنَّ التدارُؤَ كان مُسَبَّباً عن القتلِ، ونسبَ القتلَ إلى الجميعِ وإنْ لم يَصْدُرْ إلاَّ من واحدٍ أو اثنين كما قيل، لأنه وُجِدَ فيهم، وهو مجازٌ شائعٌ. وأصل ادَّارأتم: تَدارَأْتُم تفاعَلْتم من الدَّرْءِ وهو الدفعُ، فاجتمعَتِ التاءُ مع الدال وهي مقارِبتُها فأريدَ الإِدغامُ فَقُلبت التاءُ دالاً وسُكِّنتْ لأجلِ الإِدغامِ، ولا يمكنُ الابتداءُ بساكنٍ فاجتُلِبَتْ همزةُ الوصلِ ليُبتدأ بها فبقي ادَّارأتم، والأصل: «ادْدَارَأْتم» فأدغم، وهذا مطردٌ في كلِّ فعل على تَفَاعَل أو تفعَّل فاؤُه دالٌ نحو: «تَدَايَنَ

стр. 485

وادَّايَنَ، وتَدَيَّن وادَّيَّن، أو ظاء أو طاء أو ضاد أو صادٌ نحو: تَطَاير واطَّاير، وتَطّيَّر واطَّيَّر، وتَظَاهَرَ واظَّاهر، وتَطَهَّر واطَّهَّر، والمصدرُ على التفاعُلِ أو التفعُّل نحو: تدارؤ وتطهُّر نظراً إلى الأصلِ، وهذا أصل نافعٌ في جميعِ الأبوابِ فليُتأمَّلْ. قوله: ﴿والله مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ » الله «رفعٌ بالابتداء و» مُخْرجٌ «خبرُه، وما موصولةٌ منصوبةٌ المحلِّ باسمِ الفاعلِ، فإنْ قيل: اسمُ الفاعلِ لا يَعْمَل بمعنى الماضي إلا مُحَلَّى بالألف واللام. فالجواب/ أنَّ هذه حكايةُ حالٍ ماضيةٍ، واسمُ الفاعل فيها غير ماضٍ، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨] ، والكسائي يُعْمِلُه مطلقاً ويستدلُّ بهذا ونحوهِ. و» ما «يجوز أَنْ تكونَ موصولةً اسميةً، فلا بد من عائدٍ، تقديره: مُخْرِجُ الذي كنتم تكتمونَه، ويجوز أن تكونَ مصدريةً، والمصدرُ واقعٌ موقعَ المفعول به أي مُخْرِجٌ مكتومَكم، وهذه الجملةُ لا محلَّ لها من الإِعرابِ لأنها معترضةٌ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه، وهما:» فادَّارَأْتم «» فقلنا اضرِبوه «قاله الزمخشري. والضميرُ في» اضربوه «يعودُ على النفس لتأويلِها بمعنى الشخص والإِنسان، أو على القتيلِ المدلولِ عليه بقوله: والله مُخْرِجٌ ما كنتم تكتمون» . والجملةُ من «اضربوه» محلِّ نصبٍ بالقولِ.

стр. 486

قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي الله﴾ : «كذلك» في محلِّ نصب لأنه نعتٌ لمصدرٍ محذوف تقديرُه: يُحْيي الله الموتى إحياءً مثلَ ذلك الإِحياءِ، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي إحياءً كائناً كذلك الإِحياءِ، أو لأنه حالٌ من المصدرِ المعرَّفِ، أي: ويريكم الإِراءةَ حالَ كونِها مُشْبِهةً ذلك الإِحياءَ، وقد تقدَّم أنه مذهبُ سيبويه، والموتى جمع «مَيِّت» وقد تقدَّم.

стр. 487

قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ الرؤيةُ هنا بَصَريَّةٌ فالهمزةُ للتعديةِ أَكْسَبَتِ الفعلَ مفعولاً ثانياً، وهو «آياتِه، والمعنى: يَجْعلكم مُبْصِرينَ آياتِه. و» كم «هو المفعولُ الأولُ، وأصلُ يُريكم: يُأَرْإيكم، فَحُذِفَت همزةَ أَفْعل في المضارعةِ لِما تقدَّم في» يُؤْمنون «وبابه، فبقي يُرئيكم، فَنُقِلت حركةُ الهمزة على الراءِ، وحُذِفَتِ الهمزةُ تخفيفاً، وهو نقل لازمٌ في مادةِ» رأى «وبابِه دون غيره ممَّا عينُه همزةٌ نحو: نَأَى يَنْأَى، ولا يجوز عدمُ النقلِ في رأى وبابِه إلا ضرورةً كقوله: ٥٥٠ - أُري عَيْنَيَّ ما لم تَرْأَياهُ ... كِلانا عالمٌ بالتُّرَّهاتِ

стр. 488

قوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ : «أو» هذه ك «أو» في قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: ١٩] فكلُّ ما قيلَ فيه ثَمَّةَ يمكنُ القولُ به هنا، ولمَّا قال أبو الأسود: ٥٥١ - أُحِبُّ محمداً حُبَّاً شديداً ... وعَبَّاساً وحمزةَ أو عَلِيَّا اعترضوا عليه في قوله «أو» التي تقتضي الشكَّ، وقالوا له: أَشَكَكْتَ؟ فقال: كَلاَّ، واستدلَّ بقولِه تعالى: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ﴾ [سبأ: ٢٤] وقال: أَوَ كان شاكَّاً مَنْ أَخْبر بهذا؟ وإنما قَصَد ﵀ الإِبهامَ على المخاطب. و «أشدُّ» مرفوعٌ لعطفِه على محلِّ «كالحجارة» أي: فهي مثلُ الحجارةِ أو أشدُّ. والكافُ يجوزُ أن تكونَ حرفاً فتتعلَّقَ بمحذوفٍ وأن تكونَ

стр. 489

اسماً فلا تتعلَّقَ بشيء، ويجوز أن تكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ أي: أو هي أشدُّ. و «قسوة» نصبٌ على التمييزِ؛ لأنَّ الإِبهامَ حَصَلَ في نسبةِ التفضيلِ إليها، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ للدلالةِ عليه أي: أشدُّ قسوةً من الحجارةِ. وقُرئ «أشدَّ» بالفتح، ووجهُها أنه عَطَفَها على «الحجارة» أي: فهي كالحجارة أو كأشدَّ منها. قال الزمخشري مُوَجِّهاً للرفعِ: «وأشدُّ معطوفٌ على الكاف: إمَّا على معنى: أو مثلُ أشدَّ فَحُذِف المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه، وتَعْضُده قراءة الأعمش بنصبِ الدال عطفاً على الحجارة» . ويجوز على ما قاله أن يكونَ مجروراً بالمضافِ المحذوفِ تُرِكَ على حاله، كقراءة: ﴿والله يُرِيدُ الآخرة﴾ [الأنفال: ٦٧] بجرِّ الآخرةِ، أي: ثوابَ الآخرةِ، فيحصُلُ من هذا أنَّ فتحةَ الدالِ يُحْتَمَلُ أن تكونَ للنصبِ وأن تكونَ للجرِّ. وقال الزمخشري أيضاً: «فإنْ قلت: لِمَ قيل» أشدُّ قسوةً «وفعلُ القسوةِ ممَّا يخرُج منه أفعلُ التفضيلِ وفعلُ التعجبِ؟ يعني أنه مستكملٌ للشروطِ مِنْ كونِه ثلاثياً تاماً غيرَ لَونٍ ولا عاهةٍ متصرفاً غيرَ ملازمٍ للنفيِ ثم قال:» قلت: لكونِه أَبْيَنَ وأدلَّ على فرطِ القسوةِ، ووجهٌ آخرُ وهو أنه لا يَقْصِدُ معنى الأقسى، ولكنه قَصَد وصفَ القسوةِ بالشدة، كأنه قيل: اشتدَّتْ قسوةُ الحجارةِ وقلوبُهم أشدُّ قسوةً «وهذا كلامٌ حسنٌ جداً، إلا أنَّ كونَ القسوةِ يجوزُ بناءُ التعجبِ منها فيه نظرٌ من حيثُ إنَّها من الأمورِ الخَلْقيَّةِ أو من العيوبِ، وكلاهما ممنوعٌ منه بناءُ البابَيْنِ. وقُرئ: قَساوة. قوله: ﴿لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ﴾ اللامُ لامُ الابتداء دَخَلَت على اسم» إنَّ «، لتقدُّمِ

стр. 490

الخبرِ وهو ﴿مِنَ الحجارة﴾ ، وهي بمعنى الذي في محلِّ النَّصْبِ ولو لم يتقدَّم الخبرُ لم يَجُزْ دخولُ اللام على الاسم لئلا يتوالَى حرفا تأكيدٍ، وإنْ كان الأصلُ يقتضي ذلك، والضميرُ في» منه «يعودُ على» ما «حَمْلاً على اللفظ، قال أبو البقاء:» ولو كان في غيرِ القرآنِ لجازَ «منها» على المعنى «قلت: هذا الذي قد قرأ به أُبي بن كعب والضحاك. وقرأ مالك بن دينار: «يَنْفَجِرُ» من الانفجار. وقرأ قتادة: ﴿وَإِنْ مِنَ الحجارة﴾ بتخفيف إنْ من الثقيلة وأتى باللام فارقةً بينها وبين «إنْ» النافية، وكذلك ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ﴾ وهذه القراءة تحتمل أن تكونَ «ما» فيها في محل رفع وهو المشهورُ، وأن تكونَ في محلِّ نصبٍ لأنَّ «إنْ» المخففة سُمع فيها الإِعمالُ والإِهمالُ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ [هود: ١١١] في قراءة مَنْ قرأه. وقال في موضع آخر: ﴿وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ﴾ [يس: ٣٢] إلاَّ أنَّ المشهورَ الإِهمالُ. و ﴿يَشَّقَّقُ﴾ أصلُه: يَتَشَقَّقُ، فأُدْغم، وبالأصلِ قرأ الأعمشُ، وقرأ طلحة بن مصرف: «لَمَّا» بتشديد الميم في الموضعين، قال ابن عطية: «وهي قراءة غير متجهة» وقرأ أيضاً: «يَنْشَقُّ» بالنون، وفاعلُه ضمير «ما» وقال أبو البقاء: «ويجوز أن يكونَ فاعلُه ضميرَ الماء لأنَّ» يَشَّقَّقُ «يجوز أن يُجْعَلَ للماء على

стр. 491

المعنى، فيكونَ معك فعلان، فيعملُ الثاني منهما في الماء، وفاعلُ الأولِ مضمرٌ/ على شريطةِ التفسيرِ، وعند الكوفيين يَعْمَلُ الأولُ فيكون في الثاني ضميرٌ» يعني أنه من باب التنازع، ولا بد من حَذْفِ عائدٍ من «يَشَّقَّق» على «ما» الموصولة دلَّ عليه قوله «مِنْه» والتقديرُ: وإنَّ من الحجارة لما يَشَّقَّقُ الماءُ منه فيخرجُ الماءُ منه. وقال أيضاً: «ولو قُرئ» تتفجَّر «بالتاءِ جاز» قلتُ: قال أبو حاتم يجوز «لما تتفجَّر» بالتاء لأنه أَنَّثه بتأنيثِ الأنهار، وهذا لا يكون في تشَّقَّق يعني التأنيث. قال النحاس: «يجوز ما أنكره على المعنى، لأنَّ المعنى: وإنَّ منها لحجارةً تَتَشَقَّقُ» يعني فيراعي به معنى «ما» فإنَّها واقعةٌ على الحجارة. قوله: ﴿مِنْ خَشْيَةِ الله﴾ منصوبُ المحلِّ متعلقٌ ب «يَهْبِط» . و «مِنْ» للتعليل، وقال أبو البقاء: [ «مِنْ» ] في موضع نصب بيهبط، كما تقول: يهبط بخشيةِ الله، فجعلَها بمعنى الباء المُعَدِّية، وهذا فيه نظرٌ لا يَخْفَى. وخشية مصدرَ مضافٌ للمفعول تقديرُه: مِنْ أن يَخْشَى اللهَ. وإسنادٌ الهبوطِ إليها استعارةُ، كقوله: ٥٥٢ - لَمَّا أَتى خبرُ الزُّبَيْرِ تواضَعَتْ ... سُورُ المدينةِ والجبالُ الخُشَّعُ ويجوز أن يكونَ حقيقةً على معنَى أنَّ الله خلقَ فيها قابليةً لذلك. وقيل: الضميرُ في «منها» يعودُ على القلوبِ وفيه بُعْدٌ لتنافُرِ الضمائر.

стр. 492

قوله ﴿وَمَا الله بِغَافِلٍ﴾ قد تقدَّم في قوله: ﴿وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] فَلْيُلْتَفَتْ إليه. قوله: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بغافل، و «ما» موصولةٌ اسميةٌ، فلا بد من عائدٍ أي: تعملونه، أو مصدريةٌ فلا يُحتاجُ إليه، أي عن عملِكم، ويجوز أن يكونَ واقعاً موقعَ المفعولِ به، ويجوز ألاَّ يكون. وقُرِئ «يعملون» بالياءِ والتاءِ.

стр. 493

قوله تعالى: ﴿أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ﴾ . . ناصبٌ ومنصوبٌ، وعلامةُ النصبِ حَذْفُ النونِ، والأصلُ: في أَنْ، فموضعُها نصبٌ أو جَرٌّ على ما عُرِفَ غيرَ مرةَ، وعَدَّى «يؤمنوا» باللام لتضمُّنِه معنى أَنْ يُحْدِثوا الإِيمان لأجلِ دعوتِكم، قاله الزمخشري وقد تقدَّم تحقيقُه. قوله: ﴿وَقَدْ كَانَ﴾ الواو للحالِ. قالَ بعضُهم: «وعلامتُها أَنْ يَصْلُحَ موضعَها» إذ «والتقدير: أفتطمَعُون في إيمانِهم والحالُ أنهم كاذبون مُحَرِّفون لكلام الله تعالى. و» قد «مقربةٌ للماضي مِن الحال سَوَّغَتْ وقوعَه حالاً. و» يَسْمَعُون «خبراً كان، و» منهم «في محلِّ رفع صفةً لفريقٍِ، أي: فريقٌ كائنٌ منهم. وقال بعضُهم: ﴿يَسْمَعُونَ﴾ في محلِّ رفعٍ صفةً لفريق، و» منهم «في محلِّ نصبٍ خبراً لكانَ، وهذا ضعيفٌ. والفريق اسمُ جمعٍ لا واحدَ له مِن لفظِه كرهط وقوم، وكان وما في حَيِّزها في محلِّ نصبٍ على ما تقدَّم. وقُرئ ﴿كَلِمَ الله﴾ وهو اسمُ جنسٍ واحدهُ كلمة، وفَرَّق النحاة بين الكلام والكَلِم، بأنَّ الكلامَ شرطُه الإِفَادَةُ، والكَلِمُ شَرْطُه التركيبُ من ثلاثٍ

стр. 494

فصاعداً، لأنه جَمْعٌ في المعنى، وأقلُّ الجمعِ ثلاثةٌ، فيكونَ بينهما عمومٌ وخُصوصٌ من وجهٍ، وتحقيقُ هذا مذكورٌ في كتبِهم. وهل الكلامُ مصدرٌ أو اسمُ مصدر؟ خلافٌ. والمادةُ تَدُلُّ على التأثير، ومنه الكَلْمُ وهو الجرحُ، والكلامُ يؤثِّر في المخاطب قال: ٥٥٣ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... وجُرْحُ اللسانِ كجُرْحِ اليَدِ ويُطْلَقُ الكلامُ لغةً على الخطِّ والإِشارةِ كقوله: ٥٥٤ - إذا كَلَّمَتْنِي بالعيونِ الفواتِرِ ... رَدَدْتُ عليها بالدموعِ البوادِرِ وعلى النفساني، قال الأخطل: ٥٥٥ - إنَّ الكلامَ لفي الفؤادِ وإنما ... جُعِلَ اللسانُ على الفؤادِ دَلِيلا قيل: ولم يُوْجَدْ هذا البيتُ في ديوان الأخطل، وأمَّا عند النحويين فلا يُطْلَقُ إلا على اللفظِ المركَّب المفيدِ بالوَضْع. قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ متعلِّقٌ ب ﴿يُحَرِّفُونَهُ﴾ . والتحريفُ: الإِمالة والتحويلُ، و» ثم «للتراخي: إمَّا في الزمانِ أو الرتبةِ، و» ما «يجوز أن تكونَ موصولةً اسميةً أي: ثم يُحَرِّفون الكلامَ من بعدِ المعنى الذي فَهِموه وعَرفوه. ويجوزُ أن تكونَ مصدريةً والضميرُ في» عَلَقوه «يعودُ حينئذٍ على الكلامِ، أي مِنْ بعدِ تَعَقُّلِهِم إياه. قوله: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ جملةٌ حاليةٌ، وفي العاملِ فيها قولان، أحدهما: ﴿عَقَلُوهُ﴾ ، ولكنْ يلزَمُ منه أن تكونَ حالاً مؤكدةً،

стр. 495

لأنَّ معناها قد فُهِمَ مِنْ قولِه» عَلَقُوه «والثاني: وهو الظاهرُ، أنه يُحَرِّفونه، أي يُحَرِّفونه حَالَ عِلْمِهِم بذلك.
следующие страницы →