Полный текст (10 772 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
قلت: قد منع مكي أن تكونَ «ما» موصولةً على قراءة أبي عمرو فقال: «وقد قرأ أبو عمرو» آلسحرُ «بالمد، فعلى هذه القراءةِ تكون» ما «استفهاماً مبتدأ، و» جئتم به «الخبر، و» السحر «خبرُ ابتداء محذوف، أي: أهو السحر، ولا يجوزُ أن تكونَ» ما «بمعنى الذي على هذه القراءةِ إذا لا خبر لها» . قلت: ليس كما ذكر، بل خبرُها الجملةُ المقدَّرُ أحدُ جُزْأيها، وكذلك الزمخشري وأبو البقاء لم يُجيزا كونَها موصولةً إلا في قراءة غيرِ أبي عمرو، لكنهما لم يتعرَّضا لعدمِ جوازه.
الخامس: أن تكونَ «ما» استفهاميةً في محلِّ نصب بفعل مقدرٍ بعدها لأنَّ لها صدرَ الكلام، و «جئتم به» مفسِّر لذلك الفعل المقدر، وتكون المسألةُ حينئذٍ من باب الاشتغال، والتقدير: أيُّ شيءٍ أَتَيْتُمْ جئتم به، و «السحر» على ما تقدم، ولو قرىء بنصب «السحر» على أنه بدلٌ مِنْ «ما» بهذا التقديرِ لكان له وجه، لكنه لم يُقرأ به فيما عَلِمْت، وسيأتي ما حكاه مكي عن الفراء مِنْ جواز نصبِه لمَدْرَكٍ آخرَ على أنها قراءةٌ منقولة [عن الفرَّاء] .
وأمَّا قراءةُ الباقين ففيها أوجهٌ أيضاً، أحدها: أن تكون «ما» بمعنى الذي في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و «جئتم به» صلةٌ وعائدُه، و «السحرُ» خبرهُ، والتقدير: الذي جئتم به السحرُ، ويؤيِّد هذا التقديرَ قراءةُ أُبَيّ وما في مصحفه: ﴿ما أتيتم به سحرٌ﴾ وقراءةُ عبد الله والأعمش ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر﴾ .
الثاني: أن تكونَ «ما» استفهاميةً في محلِّ نصبٍ بإضمارِ فعل على ما تقرَّر، و «السحر» خبر ابتداء مضمر أو مبتدأٌ مضمرُ الخبر. الثالث: أن تكونَ «ما»
стр. 4622
في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، و «السحر» على ما تقدَّم مِنْ كونِه مبتدأً أو خبراً، والجملةُ خبر «ما» الاستفهامية. قال الشيخ بعدما ذكر الوجه الأول: «ويجوز عندي أن تكونَ في هذا الوجهِ استفهاميةً في موضع رفع بالابتداء، أو في موضع نصبٍ على الاشتغال، وهو استفهامٌ على سبيل التحقيرِ والتقليلِ لِما جاؤوا به، و» السحر «خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو السحر» .
قلت: ظاهرُ عبارتِه أنه لم يَرَه غيرُه، حيث قال «عندي» ، وهذا قد جوَّزه أبو البقاء ومكي. قال أبو البقاء: لمَّا ذكر قراءة غير أبي عمرو «ويُقرأ بلفظِ الخبر، وفيه وجهان» ، ثم قال: «ويجوزُ أن تكونَ» ما «استفهاماً، و» السحر «خبر مبتدأ محذوف» . وقال مكي في قراءةِ غيرِ أبي عمرو بعد ذِكره كونَ «ما» بمعنى الذي: «ويجوز أن تكونَ» ما «رفعاً بالابتداء وهي استفهامُ، و» جئتم به «الخبر، و» السحر «خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو السحر، ويجوز أن تكونَ» ما «في موضعِ نصبٍ على إضمارِ فعلٍ بعد» ما «تقديرُه: أيُّ شيء جئتم [به] ، و» السحرُ «خبر ابتداء محذوف» .
الرابع: أن تكونَ هذه القراءةُ كقراءة أبي عمرو في المعنى، أي: إنها على نيةِ الاستفهام، ولكن حُذِفَتْ أداتُه للعلم بها، قال أبو البقاء: «ويُقرأ بلفظِ الخبر، وفيه وجهان، أحدُهما: أنه استفهامٌ في المعنى أيضاً: وحُذِفَتْ الهمزةُ للعِلْم بها» ، وعلى هذا الذي ذكره يكونُ الإِعرابُ على ما تقدم. واعلم أنَّك إذا جَعَلْتَ «ما» موصولةً بمعنى الذي امتنع نصبُها بفعلٍ مقدرٍ على الاشتغال. قال مكي: «ولا يجوز أن تكونَ» ما «بمعنى الذي في
стр. 4623
موضعِ نصبٍ لأن ما بعدها صلتُها، والصلةُ لا تعملُ في الموصول، ولا يكون تفسيراً للعامل في الموصول» ، وهو كلامٌ صحيح، فتلخَّص من هذا أنها إذا كانَتْ استفهاميةً جاز أن تكونَ في محل رفع أو نصب، وإذا كانت موصولةً تعيَّن أن يكون مَحَلُّها الرفع بالابتداء.
وقال مكي: «وأجاز الفراءُ نصبَ» السحر «، تجعل» ما «شرطاً، وتنصِبُ» السحرَ «على المصدر، وتضمرُ الفاء مع» إن الله سيُبْطِله «، وتجعلُ الألفَ واللامَ في» السحر «زائدتين، وذلك كلُّه بعيدٌ، وقد أجاز علي ابن سليمان حَذْفَ الفاءِ من جواب الشرط في الكلام، واستدلَّ على جوازه بقوله تعالى: / ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] ، ولم يُجِزْه غيره إلا في ضرورة شعر» . قلت: وإذا مَشَيْنا مع الفراء فتكون «ما» شرطاً يُراد بها المصدرُ، تقديره: أيَّ سحر جئتم به فإن الله سيبطله، ويُبَيِّن أن «ما» يراد بها السحر قولُه: «السحر» ، ولكن يَقْلَقُ قولُه: «إن نصب» السحر «على المصدرية» ، فيكون تأويله أنه منصوبٌ على المصدرِ الواقعِ موقعَ الحال، ولذلك قدَّره بالنكرة، وجَعَلَ أل مزيدةً منه.
وقد نُقِلَ عن الفراء أن هذه الألف واللام للتعريف، وهو تعريف العهد، قال الفراء: «وإنما قال» السحر «بالألف واللام لأنَّ النكرةَ إذا أُعيدت أعيدَتْ بالألِفِ واللام» ، يعني أن النكرةَ قد تَقَدَّمَتْ في قوله: ﴿إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ ، وبهذا شَرَحَه ابنُ عطية. قال ابن عطية: «والتعريفُ هنا في»
стр. 4624
السحر «أَرْتَبُ لأنه قد تقدَّم منكَّراً في قولهم:» إنَّ هذا لسِحْر «، فجاء هنا بلام العهد، كما يقال أول الرسالة» سلامٌ عليك «. قال الشيخ:» وما ذكراه هنا في «السحر» ليس مِنْ تقدُّم النكرة، ثم أخبر عنها بعد ذلك، لأنَّ شَرْطَ هذا أن يكون المعرَّفُ بأل هو المنكَّرَ المتقدَّمَ، ولا يكون غيره، كقوله تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: ١٥-١٦] ، وتقول: «زارني رجلٌ فأكرمت الرجل» لَمَّا كان إياه جاز أن يُؤْتى بضميره بَدَلَه، فتقول: فأكرمتُه، والسحرُ هنا ليس هو السحرَ الذي في قولهم: «إنَّ هذا لسحر» لأن الذي أخبروا عنه بأنه سحرٌ هو ما ظهر على يَدَي موسى من معجزة العصا والسحر الذي في قولِ موسى، إنما هو سحرهم الذي جاؤوا به، فقد اختلف المدلولان، إذ قالوا هم عن معجزة موسى، وقال موسى عَمَّا جاؤوا به، ولذلك لا يجوز أن يُؤْتى هنا بالضمير بدلَ السحر، فيكونَ عائداً على قولهم: «لسِحْر» .
قلت: والجوابُ أن الفراء وابن عطية إنما أراد السحر المتقدمَ الذِّكر في اللفظ، وإن كان الثاني هو غيرَ عينِ الأول في المعنى، ولكن لمَّا أُطْلِق عليهما لفظ «السحر» جاز أن يُقال ذلك، ويدلُّ على هذا أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿والسلام عَلَيَّ﴾ [مريم: ٣٣] : إن الألفَ واللام للعهد لتقدُّم ذكر السلام في قوله تعالى: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ﴾ [مريم: ١٥] ، وإن كان السلامُ الواقعُ على عيسى هو غيرَ السلام الواقع على يحيى، لاختصاص كلِّ سلام بصاحبه من حيث اختصاصُه به، وهذا النقل المذكورُ عن الفراء في الألف واللام ينافي ما نَقَله عنه مكيٌّ فيهما،
стр. 4625
اللهم إلا أن يُقال: يُحتمل أن يكونَ له مقالتان، وليس ببعيدٍ فإنه كلما كَثُر العلمُ اتسعت المقالاتُ.
وقوله: ﴿المفسدين﴾ مِنْ وقوع الظاهرِ موقعَ ضمير المخاطب إذ الأصلُ: لا يُصلح عملَكم، فأبرزهم في هذه الصفةِ الذَّميمةِ شهادةً عليهم بها.
стр. 4626
وقرىء «بكلمته» بالتوحيد، وقد تقدَّم نظيرُه.
стр. 4627
قوله تعالى: ﴿فَمَآ آمَنَ﴾ : الفاءُ للتعقيب، وفيها إشعارٌ بأن إيمانَهم لم يتأخر عن الإِلقاء، بل وقع عقيبه، لأنَّ الفاءَ تفيد ذلك، وقد تقدَّم توجيهُ تَعْدِيةِ «آمن» باللام. والضمير في «قومه» فيه وجهان، أحدهما: وهو الظاهرُ عودُه على موسى لأنه هو المحدَّث عنه، ولأنه أقربُ مذكورٍ، ولو عاد على فرعون لم يكرِّر لفظَه ظاهراً، بل كان التركيب «على خوفٍ منه» ، وإلى هذا ذهب ابنُ عباس وغيرُه.
والثاني: أنه يعود على فرعون، ويُروى عن ابن عباس أيضاً، ورَجَّح ابنُ عطية هذا، وضَعَّف الأول فقال: «ومما يُضَعِّف عودَ الضمير على موسى أن المعروفَ من أخبارِ بني إسرائيل أنهم كانوا قد فَشَتْ فيهم النبواتُ، وكانوا قد نالهم ذلٌّ مُفْرِط، وكانوا يَرْجُوْن كَشْفَه بظهورِ مولود، فلمَّا جاءهم موسى أَصْفقوا عليه وتابعوه، ولم يُحْفَظ أن طائفةً من بني إسرائيل كفرت بموسى، فكيف تعطي هذه الآيةُ أنَّ الأقلَ منهم كان الذي آمن؟ ، فالذين يَتَرَجَّح عَوْدُه على فرعون، ويؤيِّده أيضاً ما تقدَّم مِنْ محاورة/ موسى ورَدِّه عليهم وتوبيخهم» .
стр. 4628
قوله: ﴿على خَوْفٍ﴾ حال، أي: آمنوا كائنين على خوف، والضمير في «وملئهم» فيه أوجه، أحدُها: أنه عائدٌ على الذرِّيَّة، وهذا قولُ أبي الحسن واختيارُ ابن جرير، أي: خوفٍ من مَلأَ الذرية، وهم أشرافُ بني إسرائيل.
الثاني: أنه يعودُ على قومِه بوجهيه، أي: سواءٌ جَعَلْنا الضمير في «قومه» لموسى أو لفرعون، أي: وملأ قوم موسى أو ملأ قوم فرعون.
الثالث: أن يعودَ على فرعون، واعتُرِضَ على هذا بأنه كيف يعودُ ضميرُ جمعٍ على مفرد؟ وقد اعتذر أبو البقاء عن ذلك بوجهين، أحدُهما: أنَّ فرعونَ لمَّا كان عظيماً عندهم عاد الضمير عليه جميعاً، كما يقول العظيم، نحن نأمرُ، وهذا فيه نظرٌ، لأنه لو وَرَدَ ذلك مِنْ كلامهم مَحْكيَّاً عنهم لاحتمل ذلك. والثاني: أنَّ فرعونَ صار اسماً لأتباعه، كما أن ثمودَ اسمٌ للقبيلة كلها «. وقال مكي وجهين آخرين قريبين من هذين، ولكنهما أخلصُ منهما، قال:» إنما جُمع الضميرُ في «مَلَئهم» لأنه إبخار عن جبّار، والجبَّار يُخْبَر عنه بلفظِ الجمع، وقيل: لَمَّا ذُكِرَ فرعونُ عُلِمَ أنَّ معه غيرَه، فَرَجَع الضميرُ عليه وعلى مَنْ معه «. قلت: وقد تقدَّم نحوٌ مِنْ هذا عند قوله: ﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس﴾ [آل عمران: ١٧٣] ، والمرادُ بالقائل نعيم بن مسعود، لأنه لا يَخْلو من مُساعدٍ له على ذلك القول.
الرابع: أنْ يعودَ على مضافٍ محذوف وهو آل، تقديره: على خوفٍ مِنْ آل فرعون ومَلَئهم، قاله الفراء، كما حُذِف في قوله
﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢] .
стр. 4629
قال أبو البقاء بعد أن حكى هذا ولم يَعْزُه لأحد: «وهذا عندنا غَلَط، لأنَّ المحذوفَ لا يعود إليه ضمير، إذ لو جاز ذلك لجاز أن يقول:» زيد قاموا «وأنت تريد» غلمان زيد قاموا «. قلت: قوله» لأن المحذوف لا يعودُ إليه ضمير «ممنوعٌ، بل إذا حُذِف مضافٌ فللعرب فيه مذهبان: الالتفاتٌ إليه وعَدَمُه وهو الأكثر، ويدل على ذلك أنه قد جَمَع بين الأمرين في قوله ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: ٤] أي: أهل قريةٍ، ثم قال:» أو هم قائلون «وقد حَقَّقْتُ ذلك في موضعِه المشارِ إليه. وقوله:» لجاز زيد قاموا «ليس نظيرَه، فإنَّ فيه حَذْفاً من غيرِ دليلٍ بخلاف الآية.
وقال الشيخ بعد أن حكى كلامَ الفراء» ورُدَّ عليه بأن الخوفَ يُمكن مِنْ فرعون، ولا يمكن سؤالُ القرية، فلا يُحْذَفُ إلا ما دلَّ عليه الدليل، وقد يقال: ويَدُلُّ على هذا المحذوفِ جَمْعُ الضمير في «ومَلَئهم» . قلت: يعني أنهم رَدُّوا على الفراء بالفرق بين ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ وبين هذه الآيةِ بأنَّ سؤالَ القرية غيرُ ممكنٍ فاضْطُرِرْنا إلى تقدير المضاف بخلاف الآية، فإن الخوف تَمَكَّن مِنْ فرعونَ فلا اضطرارَ بنا يَدُلُّنا على مضاف محذوف. وجوابُ هذا أنَّ الحَذْفَ قد يكون لدليلٍ عقلي أو لفظي، على أنه قيل في «واسأل القرية» إنه حقيقةٌ، إذ يمكنُ النبيُّ أن يسألَ القريةَ فتجيبَه.
الخامس: أن ثمَّ معطوفاً محذوفاً حُذِف للدلالة عليه، والدليلُ كونُ المَلِك لا يكونُ وحدَه، بل له حاشية وعساكر وجندٌ، فكان التقدير: على خَوْفٍ مِنْ فرعون وقومه ومَلَئهم، أي: ملأ فرعون وقومه، وهو منقولٌ عن الفراء أيضاً. قلت: حَذْفُ المعطوفِ قليلٌ في كلامهم، ومنه عند بعضهم
стр. 4630
قولُه تعالى ﴿تَقِيكُمُ الحر﴾ [النحل: ٨١] أي: والبرد، وقول الآخر:
٢٦١٩ - كأن الحصى مِنْ خلفها وأمامِها ... إذا حَذَفَتْه رِجْلُها حَذْفُ أَعْسَرا
أي: ويدُها.
قوله: ﴿أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه في محلِّ جرٍ على البدل مِنْ «فرعون» ، وهو بدلُ اشتمالٍ تقديره: على خوفٍ من فرعون فِتْنَتِه كقولك: «أعجبني زيد علْمُه» . الثاني: أنه في موضعِ نصبٍ على المفعول به بالمصدر أي: خوفٍ فتنتَه، وإعمالُ المصدرِ المنوَّنِ كثيرٌ كقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: ١٤-١٥] . وقولِ الآخر:
٢٦٢٠ - فلولا رجاءُ النصرِ منك ورَهْبَةٌ ... عقابَك قد كانوا لنا بالمَوارد
الثالث: أنه منصوبٌ على المفعول من أجله بعد حَذْفِ اللام، ويَجْري فيها الخلافُ المشهورُ.
وقرأ الحسن ونبيح «يُفْتِنَهم» بضمِّ الياء وقد تقدَّم ذلك.
و «في الأرض» متعلقٌ ب «عالٍ» أي: قاهر فيها أو ظالم كقوله:
٢٦٢١ - فاعمِدْ لِما تَعْلُوا فمالك بالذي ... لا تَسْتطيع من الأمور يَدانِ
أي: لِما تَقْهر. ويجوز أن يكون «في الأرض» متعلقاً بمحذوف لكونه صفة ل «عالٍ» فيكون مرفوع المحل، ويُرَجِّح الأولَ قولُه: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض﴾ .
стр. 4631
قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلوا﴾ : جوابُ الشرط الأول، والشرطُ الثاني وهو إن كنتم مسلمين شرطٌ في الأول، وذلك أن الشرطين متى لم يترتبا في الوجود فالشرطُ الثاني شرطٌ في الأول، ولذلك يجب تقدُّمُه على الأول، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك.
стр. 4632
قوله تعالى: ﴿أَن تَبَوَّءَا﴾ : يجوز في «أَنْ» أن تكون المفسِّرة؛ لأنه قد تقدَّمها ما هو بمعنى القول وهو الإِيحاء، ويجوز أن تكونَ المصدريةَ فتكونَ في موضع نصب بأوحينا مفعولاً به أي: أَوْحَيْنا إليهما التبوُّءَ.
والجمهورُ على الهمزة في «تبوَّآ» . وقرأ حفص «تَبَوَّيا» بياءٍ خالصة، وهي بدلٌ عن الهمزة، وهو تخفيفٌ غيرُ قياسي، إذ قياسُ تخفيفِ مثلِ هذه الهمزة أن تكونَ بين الهمزة والألف، وقد أنكر هذه الروايةَ عن حفص جماعةٌ من القراء، وقد خَصَّها بعضُهم بحالةِ الوقف، وهو الذي لم يَحْكِ أبو عمرو الداني والشاطبي غيرَه. وبعضُهم يُطْلق إبدالَها عنه ياءً وصلاً ووقفاً، وعلى الجملةِ فهي قراءةٌ ضعيفة في العربية وفي الرواية، وتركتُ نصوصَ أهل القراءة خوفَ السآمة، واستغناءً بما وضَعْتُه في «شرح القصيد» .
والتبوُّءُ: النزولُ والرجوعُ، وقد تقدَّم تحقيق المادة في قوله ﴿تُبَوِّىءُ المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٢١] .
قوله: ﴿لِقَوْمِكُمَا﴾ يجوزُ أن تكونَ اللامُ زائدةً في المفعول الأول، و «بيوتاً» مفعولٌ ثان بمعنى بَوِّآ قومكما بيوتاً، أي: أنْزِلوهم، وفَعَّل وتفعَّل بمعنىً مثل «عَلَّقَها» و «تَعَلَّقها» قاله أبو البقاء. وفيه ضعفٌ من حيث إنه
стр. 4633
زِيدت اللام، والعاملُ غير فرع، ولم يتقدَّم المعمول. الثاني: أنها غير زائدة، وفيها حينئذ وجهان، أحدهما: أنها حالٌ من «البيوت» . والثاني: أنها وما بعدها مفعول «تَبَوَّآ» .
قوله: ﴿بِمِصْرَ﴾ جَوَّز فيه أبو البقاء أوجهاً، أحدها: أنه متعلِّق ب «تَبَوَّآ» ، وهو الظاهرُ. الثاني: أنه حالٌ من ضمير «تبوَّآء» ، واستضعفه، ولم يبيِّن وجهَ ضعفهِ لوضوحه. الثالث: أنه حالٌ من «البيوت» . الرابع: أنه حالٌ من «لِقومكما» ، وقد ثنى الضميرَ في «تبوَّآ» وجمع في قوله «واجعلوا» و «أقيموا» ، وأفرد في قوله: «وبشِّر» ؛ لأن الأولَ أمرٌ لهما، والثاني لهما ولقومهما، والثالث لموسى فقط؛ لأن أخاه تَبَعٌ له، ولمَّا كان فِعْلُ البِشارة شريفاً خَصَّ به موسى لأنه هو الأصل.
стр. 4634
قوله تعالى: ﴿لِيُضِلُّواْ﴾ : في هذه اللامِ ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها لامُ العلة، والمعنى: أنك أتيتَهم ما أتيتهم على سبيل الاستدراج فكان الإِيتاءُ لهذه العلة. والثاني: أنها لام الصيرورة والعاقبة كقوله: ﴿فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [القصص: ٨] . وقولِه:
٢٦٢٢ - لِدُوا للموت وابنُوا للخراب ... . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقولِه:
٢٦٢٣ - فللموتِ تَغْذو الوالداتُ سِخالَها ... كما لخرابِ الدُّوْرِ تُبْنَى المساكنُ
стр. 4635
وقوله:
٢٦٢٤ - وللمنايا تُرَبِّى كلُّ مُرْضِعَةٍ ... وللخرابِ يَجِدُّ الناسُ عِمْرانا
والثالث: أنها للدعاء عليهم بذلك، كأنه قال: ليثبتوا على ما هم عليه من الضلال وليكونوا ضُلاَّلاً، وإليه ذهب الحسن البصري وبدأ به الزمخشري. وقد استُبْعِد هذا التأويلُ بقراءة الكوفيين «ليُضِلُّوا» بضم الياء فإنه يَبْعُد أن يَدْعُوَ عليهم بأن يُضِلُّوا غيرهم، وقرأ الباقون بفتحها، وقرأ الشعبي بكسرها، فوالى بين ثلاث كسَرات إحداها في ياء. وقرأ [أبو] الفضل الرياشي «أإنك أَتَيْتَ» على الاستفهام. وقال الجبائي: إنَّ «لا» مقدرةٌ بين اللام والفعل تقديره: لئلا يَضِلوا «، ورأيُ البصريين في مثل هذا تقديرُ» كراهةَ «أي: كراهة أن يَضِلُّوا.
قوله: ﴿فَلاَ يُؤْمِنُواْ﴾ يحتمل النصبَ والجزم، فالنصب من وجهين، أحدُهما: عطفُه على» ليضلُّوا «. والثاني: نصبه على جواب الدعاء في قوله» اطمِسْ «. والجزم على أنَّ» لا «للدعاء كقولك:» لا تعذِّبْني يا رب «وهو قريبٌ من معنى» ليُضلوا «في كونِه دعاءً، هذا في جانب شبه النهي، وذلك في جانب شبه الأمر، و» حتى يَرَوا «غايةٌ لنفي إيمانهم، والأول قول الأخفش،
стр. 4636
والثاني بدأ به الزمخشري، والثالث قول الكسائي والفراء، وأنشد قولَ الشاعر:
٢٦٢٥ - فلا يَنْبَسِطْ من بين عينِك ما انزوى ... ولا تَلْقَني إلا وأنفُكَ راغِمُ
وعلى القول بأنه معطوفٌ على» ليَضِلُّوا «يكون ما بينهما اعتراضاً.
стр. 4637
قوله تعالى: ﴿أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ : الضمير لموسى وهرون، وفي التفسير: كان موسى يدعو وهرون يُؤَمِّن، فنسب الدعاء إليهما. وقال بعضُهم: المرادُ موسى وحدَه، ولكن كنى عن الواحد بضمير الاثنين. وقرأ السلميُّ والضحاك «دَعَواتكما» على/ الجمع. وقرأ ابن السَّمَيْفَع «قد أَجَبْتُ دعوتكما» بتاء المتكلم وهو الباري تعالى، و «دعوتَكما» نصب على المفعول به. وقرأ الربيع «أَجَبْتُ دَعْوَتَيْكما» بتاء المتكلم أيضاً. ودَعْوَتَيْكما تثنيةٌ، وهي تدلُّ لمن قال: إن هرون شارك موسى في الدعاء.
قوله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ﴾ قرأ العامة بتشديد التاء والنون، وقرأ حفص بتخفيف النونِ مكسورةً مع تشديد التاء وتخفيفها، وللقُرَّاء في ذلك كلامٌ مضطربٌ بالنسبة للنقل عنه. فأمَّا قراءةُ العامَّة ف «لا» فيها للنهي ولذلك أَكَّد الفعلَ بعدها، ويَضْعُف أن تكونَ نافيةً لأنَّ تأكيدَ المنفيِّ ضعيفٌ، ولا ضرورة
стр. 4638
بنا إلى ادِّعائه، وإن كان بعضُهم قد ادعى ذلك في قولِه: ﴿لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ﴾ [الأنفال: ٢٥] لضرورةٍ دَعَتْ إلى ذلك هناك، وقد تقدَّم تحريرُه ودليلُه في موضعه، وعلى الصحيح تكون هذه جملةَ نهيٍ معطوفةً على جملة أمر.
وأمَّا قراءة حفص ف «لا» تحتمل أن تكون للنفي وأن تكونَ للنهي. فإن كانت للنفي كانت النونُ نونَ رفعٍ، والجملةُ حينئذٍ فيها أوجه، أحدُها: أنها في موضع الحال أي: فاستقيما غيرَ مُتَّبِعَيْنِ، إلا أنَّ هذا معترَض بما قَدَّمْتُه غيرَ مرة مِنْ أنَّ المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في كونِه لا تباشره واوُ الحال، إلا أنْ يُقَدَّر قبلَه مبتدأ فتكونَ الجملةُ اسميةً أي: وأنتما لا تَتَّبعان. والثاني: أنه نفيٌ في معنى النهي كقولِه تعالى: ﴿لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله﴾ [البقرة: ٨٣] . الثالث: أنه خبرٌ محضٌ مستأنف لا تَعَلُّقَ له بما قبله، والمعنى: أنهما أُخْبِرا بأنهما لا يتَّبعانِ سبيل الذين لا يعلمون، وإن كانت للنهي كانت النونُ للتوكيد، وهي الخفيفة، وهذا لا يَراه سيبويه والكسائي، أعني وقوعَ النونِ الخفيفة بعد الألف، سواءً كانت الألفُ ألفَ تثنية أو ألفَ فصلٍ بين نونِ الإِناث ونونِ التوكيد نحو: «هل تَضْرِبْنان يا نسوة» . وقد أجاز يونس والفراء وقوعَ الخفيفةِ بعد الألف وعلى قولِهما تتخرَّج القراءةُ. وقيل: أصلُها التشديد وإنما خُفِّفت للثقل فيها كقولهم: «رُبَ» في «رُبَّ» . وأمَّا تشديدُ التاء وتخفيفُها فلغتان مِن اتَّبع يَتَّبع وتَبع يَتْبَع، وقد تقدم هل هما بمعنى واحد أو مختلفان في المعنى؟ وملخصُه أنَّ تَبِعه بشيءٍ: خَلَفه، واتَّبَعَه كذلك، إلا أنه حاذاه في المَشْي، وأَتْبعه: لحقه.
стр. 4639
قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا ببني﴾ : قد تقدَّم الكلام فيه. وقرأ الحسن «وجَوَّزْنا» بتشديدِ الواو، قال الزمخشري: «وجَوَّزْنا: مِنْ أجاز المكان وجاوَزَه وجَوَّزه، وليس مِنْ جَوَّز الذي في بيت الأعشى:
٢٦٢٦ - وإذا تُجَوِّزُها حبالُ قبيلة ... أَخَذْتَ من الأخرى إليك حبالَها
لأنه لو كان منه لكان حَقُّه أن يقال: وجَوَّزْنا بني إسرائيل في البحر كما قال:
٢٦٢٧ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كما جَوَّز السَّكَّيَّ في الباب فَيْتَقُ
يعني أن فَعَّل بمعنى فاعَلَ وأَفْعَل، وليس التضعيفُ للتعدية، إذ لو كان كذلك لتعدَّى بنفسه كما في البيت المشار إليه دون الباء.
وقرأ الحسن» فاتَّبَعَهُم «بالتشديد، وقد تقدم الفرق.
قوله: ﴿بَغْياً وَعَدْواً﴾ يجوز أن يكونا مفعولين مِنْ أجلهما أي: لأجلِ البَغْي والعَدْوِ، وشروطُ النصب متوفرةٌ، ويجوزُ أن يكونا مصدرين في موضع الحال أي: باغين متعدِّين. وقرأ الحسن» وعُدُوَّاً «بضم العين والدال المشددة، وقد تقدَّم ذلك في سورة الأنعام.
стр. 4640
قوله: ﴿حتى إِذَآ﴾ غايةٌ لاتِّباعه.
قوله: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ﴾ قرأ الأخَوان بكسر إنَّ وفيها أوجه، أحدها: أنها استئنافُ إخبار، فلذلك كُسِرت لوقوعِها ابتداءَ كلام. والثاني: أنه على إضمار القول أي: فقال إنه، ويكون هذا القولُ مفسراً لقوله آمنت. والثالث: أن تكون هذه الجملةُ بدلاً من قوله:» آمنت «، وإبدالُ الجملةِ الاسمية من الفعلية جائزٌ لأنها في معناها، وحينئذ تكون مكسورةً لأنها محكيَّة ب» قال «هذا الظاهر. والرابع: أن» آمنتُ «ضُمِّن معنى القول لأنه قولٌ. وقال الزمخشري:» كَرَّر المخذولُ المعنى الواحدَ ثلاثَ مرات في ثلاث عبارات حِرْصاً على القبول «يعني أنه قال:» آمنتُ «، فهذه مرة، وقال: ﴿أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ﴾ فهذه ثانيةٌ، وقال: ﴿وَأَنَاْ مِنَ المسلمين﴾ فهذه ثالثةٌ، والمعنى واحد» وهذا جنوحٌ منه إلى الاستئنافِ في «إنه» .
وقرأ الباقون بفتحِها وفيها أوجهٌ أيضاً، أحدُها: أنها في محلِّ نصب على المفعولِ به أي: آمَنْتُ توحيدَ، لأنه بمعنى صدَّقْتُ. الثاني: أنها في موضع نصبٍ بعد إسقاط الجارِّ أي: لأنه. الثالث: أنها في محل جر بذلك الجارِّ وقد عَرَفْتَ ما فيه من الخلاف.
стр. 4641
قوله تعالى: ﴿الآنَ﴾ : منصوبٌ بمحذوفٍ أي: آمنْتَ الآن، أو/ أتؤمن الآن. وقوله: «وقد عَصَيْتَ» جملةٌ حالية، وقد تقدَّم نظيرُ ذلك قريباً.
قوله: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنها باءُ المصاحبةِ بمعنى مصاحباً لبدنك وهي الدِّرْع، وفي التفسير: لم يُصَدِّقوا بغرقه، وكانت له دِرْعُ تُعْرَفُ
стр. 4642
فأُلقي بنَجْوة من الأرض وعليه دِرْعُه ليعرفوه، والعربُ تطلِقُ البدنَ على الدرع، قال عمرو بن معد يكرب:
٢٦٢٨ - أعاذِلُ شِكَّتي بدني وسيفي ... وكلّ مُقَلَّصٍ سَلِس القِيادِ
وقال آخر:
٢٦٢٩ - ترى الأبْدانَ فيها مُسْبَغَاتٍ ... على الأبطالِ واليَلَبَ الحصينا
وقيل: ببدنك أي عُرْيانَ لا شيءَ عليه، وقيل: بدناً بلا روح.
والثاني: أن تكونَ سببيةً على سبيل المجاز؛ لأنَّ بدنه سبب في تنجيته، وذلك على قراءةِ ابن مسعود وابن السَّمَيْفَع «بندائك» من النداء وهو الدعاءِ أي: بما نادى به في قومه من كفرانه في قولِه ﴿ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿فَحَشَرَ فنادى فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ [النازعات: ٢٣-٢٤] ﴿ياأيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] .
وقرأ يعقوب «نُنْجِيْك» مخففاً مِنْ أنجاه. وقرأ أبو حنيفة «بأبدانك» جمعاً: إمَّا على إرادة الأدْراع لأنه كان يلبس كثيراً منها خوفاً على نفسِه، أو جعل
стр. 4643
كلَّ جزء مِنْ بدنه بدناً كقوله: «شابت مَفارِقُه» قال:
٢٦٣٠ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... شابَ المَفارِقُ واكتَسَيْنَ قَتِيرا
وقرأ ابن مسعود وابن السَّمَيْفَع ويزيد البربري «نُنَحِّيْكَ» بالحاء المهملةِ من التَّنْحِيَة أي: نُلْقيك بناحيةٍ فيما يلي البحر، وفي التفسير: أنَّه رماه إلى ساحل البحر كالثور. وهل ننجِّيك من النجاة بمعنى نُبْعدك ممَّا وقع فيه قومُك مِنْ قعر البحر وهو تهكُّم بهم، أو مِنْ ألقاه على نَجْوة أي: رَبْوة مرتفعة، أو مِن النجاة وهو التَّرْكُ أو من النجاء وهو العلامة، وكلُّ هذه معانٍ لائقة بالقصة. والظاهر أن قوله: «فاليوم نُنَجِّيك» خبرٌ محض. وزعم بعضهم أنه على نية همزةِ الاستفهام وفيه بُعْدٌ لحَذْفِها من غيرِ دليل، ولأنَّ التعليلَ بقوله «لتكونَ» لا يناسب الاستفهام.
و «لتكون» متعلِّقٌ ب «نُنَجِّيك» و «آية» أي: علامة، و «لمَنْ خلفك» في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ «آية» لأنه في الأصلِ صفةٌ لها.
стр. 4644
وقوله تعالى: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ : يجوز أن يكونَ منصوباً على المصدر تقديرُه: بَوَّأناهم مُبَوَّأ صِدْقٍ، وأن يكونَ مكاناً أي: مكان تبوُّء صدق. وقرىء «لمَنْ خَلَفَك» بفتح اللام جعله فعلاً ماضياً، والمعنى: لمَنْ خَلَفَك
стр. 4645
من الجبابرة ليتَّعِظوا بذلك. وقرىء «لمَنْ خَلَقَك» بالقاف فعلاً ماضياً وهو الله تعالى أي: ليجعلك الله آيةً في عباده. ويجوز أن ينتصب «مُبَّوَّأ» على أنه مفعولٌ ثانٍ كقولِه تعالى: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ الجنة غُرَفَاً﴾ أي: لنُنْزِلَنَّهُمْ.
стр. 4646
قوله تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ﴾ : في «إنْ» هذه وجهان، الظاهر منهما: أنها شرطيةٌ، ثم استشكلوا على ذلك أن رسول الله ﷺ لم يكنْ في شك قط. قال الزمخشري: «فإن قلت كيف قال لرسوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ﴾ مع قوله للكفرة: ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾ [هود: ١١٠] ؟ قلت: فرقٌ عظيم بين إثباته الشكَّ لهم على سبيل التوكيد والتحقيق، وبين قوله:» فإن كنت «بمعنى الفَرَض والتمثيل» . وقال الشيخ: «وإذا كانت شرطيةً فقالوا: إنها تدخُل على الممكنِ وجودُه أو المحقَّقِ وجودُه المبهمِ زمنُ وقوعِه كقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِّتَّ فَهُمُ الخالدون﴾ [الأنبياء: ٣٤] . قال» والذي أقولُه إنَّ «إنْ» الشرطية تقتضي تعليق شيءٍ على شيء، ولا تستلزمُ تحتُّمَ وقوعِه ولا إمكانَه، بل قد يكون ذلك في المستحيل عقلاً كقولِه تعالى: ﴿إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾ [الزخرف: ٨١] ، ومستحيلٌ أن يكونَ له ولدٌ فكذلك [هذا] ، مستحيلٌ أن يكون في شك، وفي المستحيل عادةً كقوله تعالى: ﴿فَإِن استطعت أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأرض﴾ [الأنعام: ٣٥] لكنَّ وقوعَها في تعليق المستحيل قليلٌ «. ثم قال:» ولمَّا خَفِي هذا
стр. 4647
الوجه على أكثر الناس اختلفوا في تخريج هذه الآية، فقال ابن عطية: «الصواب أنها مخاطبةٌ، والمرادُ مَنْ سواه مِنْ أمته ممَّن يمكن أن يَشُكَّ أو يعارِض» . وقيل: كنى بالشك عن الضيق. وقيل: كنى به عن العجب، ووجه المجازِ فيه أن كلاً منهما فيه تَرَدُّد، وقال الكسائي: إنْ كنت في شك أنَّ هذا عادتُهم مع الأنبياء فَسَلْهُمْ كيف كان صبر موسى ﵇؟
الوجه الثاني مِنْ وجهي «إنْ» أنها نافية. قال الزمخشري: «أي: فما كنت في شك فاسأل، يعني لا نأمرك بالسؤال لكونِك شاكَّاً ولكن لتزداد يقيناً كما ازدادَ إبراهيم ﵇ بمعاينة إحياء الموتى. وهذا القولُ سبقه إليه الحسنُ البصري والحسين بن الفضل وكأنه فرارٌ من الإِشكال المتقدِّم في جَعْلها شرطيةً، وقد تقدَّم جوابُه مِنْ وجوهٍ.
وقرأ يحيى وإبراهيم:» يَقْرؤون الكتب «بالجمع، وهي مبينة أن المرادَ بالكتاب الجنسُ لا كتابٌ واحد.
стр. 4648
قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ﴾ : «لولا» هنا تحضيضية وفيها معنى التوبيخ، كقول الفرزدق:
٢٦٣١ - تَعُدُّون عقر النيبِ أفضلَ مَجْدِكُمْ ... بني ضَوْطَرى لولا الكَمِيَّ المقنَّعا
وفي مصحف أُبَي وعبد الله وقرأ كذلك «فهلاَّ» وهي نصُّ في التحضيض. و «كانت» هنا تامة، و «آمنَتْ» صفة لقرية، و «فَنَفَعَها» نسقٌ على الصفة.
стр. 4649
قوله: ﴿إِلاَّ قَوْمَ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه استثناء منقطعٌ وإليه ذهبَ سيبويه والكسائي والأخفش/ والفراء، ولذلك أدخله سيبويه في باب ما لا يكون فيه إلا النصبُ لانقطاعِه، وإنما كان منقطعاً؛ لأن ما بعد «إلا» لا يندرجُ تحت لفظ «قرية» . والثاني: أنه متصل. قال الزمخشري: «استثناءٌ من القرى لأن المرادَ أهاليها، ويجوز أن يكون متصلاً، والجملةُ في معنى النفي كأنه قيل: ما آمنت قريةٌ من القرى الهالكة إلا قوم يونس» .
وقال ابن عطية: «هو بحسب اللفظ استثناءٌ منقطع، وكذلك رسمه النحويون، وهو بحسبِ المعنى متصلٌ لأن تقديره: ما آمنَ أهل قريةٍ إلا قومَ يونس» . قلت: وتقديرُ هذا المضافِ هو الذي صَحَّح كونَه استثناء متصلاً، وكذلك قال أبو البقاء ومكي وابن عطية وغيرهُم. وأمَّا الزمخشري فإن ظاهرَ عبارتِه أنَّ المصحِّحَ لكونه متصلاً كونُ الكلام في معنى النفي، وليس كذلك بل المسوِّغ كونُ القرى يراد بها أهاليها من بابِ إطلاق المحلِّ على الحالِّ، وهو أحد الأوجهِ المذكورة في قوله: ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢] .
وقرأت فرقة: «إلا قومُ» بالرفع. قال الزمخشري «وقُرىء بالرفعِ
стр. 4650
على البدل، رُوي ذلك عن الجرميّ والكسائي. وقال المهدوي:» والرفعُ على البدل من «قرية» . فظاهر هاتين العبارتين أنها قراءةٌ منقولةٌ، وظاهرُ قول مكي وأبي البقاء أنها ليسَتْ قراءة، وإنما ذلك من الجائز، وجعلا الرفعَ على وجهٍ آخرَ غيرِ البدل وهو كونُ «إلا» بمعنى: «غير» في وقوعها صفةً. قال مكي: «ويجوزُ الرفعُ على أن تُجْعل» إلا «بمعنى» غير «صفةً للأهل المحذوفين في المعنى ثم يُعْرَبَ ما بعد» إلا «بإعراب» غير «لو ظهَرَتْ في موضع» إلا «. وقال أبو البقاء: وأظنه أخذه منه» ولو كان قد قُرىء بالرفع لكانت «إلا» فيه بمنزلة «غير» فتكون صفة «. وقد تقدم أن في نون يونس ثلاث قراءات قُرىء بها.
стр. 4651
قوله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ﴾ : يجوز في «أنت» وجهان أحدهما: أن يرتفعَ بفعلٍ مقدرٍ مفسَّرٍ بالظاهر بعده وهو الأرجح؛ لأن الاسمَ قد ولي أداةً هي بالفعل أولى. والثاني: أنه مبتدأ والجملة بعده خبرُه، وقد عُرِف ما في ذلك من ذلك من كون الهمزة مقدمةً على العاطف أو ثَمَّ جملةٌ محذوفة كما هو رأي الزمخشري. وفائدة إيلاءِ الاسمِ للاستفهام إعلامٌ بأن الإِكراه ممكنٌ مقدورٌ عليه، وإنما الشأنُ في المُكْرِه مَنْ هو؟ وما هو إلا هو وحده لا يشاركه فيه غيرُه. و «حتى» غايةٌ للإِكراه.
стр. 4652
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ﴾ : كقوله: «أن
стр. 4653
تموتَ» وقد تقدَّم ذلك في آل عمران.
قوله: ﴿وَيَجْعَلُ﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم بنون العظمة. والباقون بياء الغيبة وهو الله تعالى. وقرأ الأعمش فصرَّح به ﴿ويجعل اللَّهُ الرِّجْزَ﴾ بالزاي دون السين، وقد تقدَّم هل هما بمعنى أو بينهما فرقٌ؟
стр. 4654
قوله تعالى: ﴿مَاذَا فِي السماوات﴾ : يجوز أن يكون «ماذا» كله استفهاماً مبتدأ، و «في السموات» خبرُه أي: أيُّ شيءٍ في السموات؟ ويجوزُ أن تكونَ «ما» مبتدأً و «ذا» بمعنى الذي، و «في السموات» صلتُه وهو خبرُ المبتدأ، وعلى التقديرين فالمبتدأُ وخبرُه في محلِّ نصبٍ بإسقاط الخافضِ؛ لأن الفعلَ قبله مُعَلَّقٌ بالاستفهام، ويجوزُ على ضَعْفٍ أن يكونَ «ماذا» كله موصولاً بمعنى الذي وهو في محل نصب ب «انظروا» . ووجهُ ضعفِه أنه لا يخلو: إمَّا أن يكونَ النظر بمعنى البصر فيعدى ب «إلى» ، وإمَّا أن يكونَ قلبيَّاً فيعدَّى ب «في» وقد تقدَّم الكلام في «ماذا» .
قوله: ﴿وَمَا تُغْنِي﴾ ، يجوز في «ما» أن تكون استفهامية، وهي واقعةٌ موقعَ المصدر أي: أيَّ غَناءٍ تُغْني الآيات؟ ويجوز أن تكونَ نافيةً، وهذا هو الظاهر. وقال ابن عطية: ويحتمل أن تكونَ «ما» في قوله: «وما تغني» مفعولةً بقوله: «انظروا» ، معطوفةً على قوله: «ماذا» أي: تأمَّلوا قَدْر غَناء الآيات والنُّذُر عن الكفار «. قال الشيخ:» وفيه ضعفٌ، وفي قوله: «معطوفة على» ماذا «تجُّوزٌ، يعني أن الجملةَ الاستفهامية التي هي ﴿مَاذَا فِي السماوات﴾ في موضع
стр. 4655
المفعول، إلا أن» ماذا «وحده منصوب ب» انظروا «فتكون» ماذا «موصولةً، و» انظروا «بصرية لما تقدم» يعني لِما تقدم مِنْ أنه لو كانت بصرية لتعدَّتْ ب «إلى» .
و «النُّذُرُ» يجوز أن يكونَ جمعَ نذير، والمراد به المصدر فيكونَ التقدير: وما تُغْني الآيات والإِنذارات، وأن يكونَ جمعَ «نذير» مراداً به اسمَ الفاعل بمعنى مُنْذِر فيكون التقدير: والمنذرون وهم الرسل.
стр. 4656
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي﴾ : قال الزمخشري: «هو معطوفٌ على كلامٍ محذوف يدلُّ عليه» إلا مثلَ أيامِ الذين خَلَوا من قبلهم «كأنه قيل: نُهْلك الأمم ثم ننجِّي رسلَنا، معطوفٌ على حكايةِ الأحوال الماضية.
قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ في هذه الكاف وجهان، أظهرهُما: أنه في محلِّ نصب تقديرُه: مثلَ ذلك الإِنجاء الذي نَجَّينا الرسلَ ومؤمنيهم ننجي مَنْ آمن بك يا محمد. والثاني: أنها في/ محل رفع على خبر ابتداء مضمر، وقدَّره ابن عطية وأبو البقاء بقولك: الأمر كذلك.
قوله: ﴿حَقّاً﴾ فيه أوجه، أحدها: أن يكون منصوباً بفعل مقدر أي: حَقَّ ذلك حقاً. والثاني: أن يكون بدلاً من المحذوف النائب عنه الكافُ تقديره: إنجاءً مثل ذلك حقاً والثالث: أن يكونَ» كذلك «و» حقاً «منصوبين ب» نُنْجِ «الذي بعدهما. والرابع: أن يكونَ» كذلك «منصوباً ب» نُنَجِّي «
стр. 4657
الأولى، و» حقاً «ب» نُنْج «الثانية. وقال الزمخشري:» مثلَ ذلك الإِنجاء ننجي المؤمنين منكم ونهلك المشركين، و «حَقّاً علينا» اعتراض، يعني حَقَّ ذلك علينا حقاً «.
وقرأ الكسائي وحفص» نُنْجي المؤمنين «مخففاً مِنْ أنجى يقال: أنجى ونجى كأَبْدَلَ وبَدَّل، وجمهورُ القراء لم ينقلوا الخلافَ إلا في هذا دون قوله: ﴿فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] ودونَ قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾ . وقد نقل أبو علي الأهوازي الخلافَ فيهما أيضاً، ورُسِم في المصاحف» نُنْجِ «بجيمٍ دون ياء.
стр. 4658
قوله تعالى: ﴿فَلاَ أَعْبُدُ﴾ : جواب الشرط، والفعل خبر ابتداء مضمر تقديره: فأنا لا أعبد، ولو وقع المضارعُ منفياً ب «لا» دون فاء لَجُزِمَ، ولكنه مع الفاءِ يُرْفَع على ما ذكرت لك، وكذا لو لم يُنْفَ ب «لا» كقولِه تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] . أي: فهو ينتقم.
قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ﴾ ، قال الزمخشري: «أصله بأن أكونَ» ، فحُذِفَ الجارُّ، وهذا الحذفُ يحتمل أن يكونَ مِنَ الحذف المطَّرد الذي هو حَذْفُ الحروفِ الجارَّةِ مع أَنْ [وأنَّ] ، وأن يكونَ مِن الحذفِ غيرِ المطرد وهو قوله:
٢٦٣٢ - أَمَرْتُكَ الخيرَ. . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 4659
﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] . قلت: يعني بغيرِ المطَّرد أنَّ حذفَ حرف الجر مسموعٌ في أفعالٍ لا يجوز القياسُ عليها وهي: أمر واستغفر، وقد ذكرتُها فيما تقدَّم، وأشار بقوله: «أمرتك» إلى البيت المشهور:
أَمَرْتُك الخيرَ فافعلْ ما أُمِرْت به ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقد قاس ذلك بعضُ النحويين، ولكن يُشترط أن يتعيَّن ذلك الحرف ويتعيَّن موضعُه أيضاً، وهو رأي علي بن سليمان فيُجيز «بريتُ القلمَ السكين» بخلاف «صَكَكْت الحجرَ بالخشبة» .
стр. 4660
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ﴾ : يجوزُ أن يكونَ على إضمار فعل أي: وأُوحي إليَّ أَنْ أقم. ثم لك في «أنْ» وجهان، أحدهما: أن تكونَ تفسيريةً لتلك الجملةِ المقدرة، كذا قاله الشيخ وفيه نظرٌ، إذ المفسَّرُ لا يجوز حَذْفُه، وقد رَدَّ هو بذلك في موضعٍ غير هذا. والثاني: أن تكونَ المصدرية فتكون هي وما في حَيِّزها في محل رفع بذلك الفعل المقدر. ويحتمل أن تكون «أن» مصدريةً فقط، وهي على هذا معمولةٌ لقوله: «أمرْتُ» مراعى فيها معنى الكلام، لأنَّ قوله: «أن أكون» كونٌ من أكوان المؤمنين، ووصْلُ «أَنْ» بصيغة الأمرِ جائزٌ، وقد تقدم تحرير بذلك.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: عَطْفُ قولِه:» وأَنْ أقم «على» أن أكونَ «فيه إشكالٌ؛ لأن» أنْ «لا تخلو: إمَّا أَنْ تكونَ التي للعبارة، أو التي تكونُ مع الفعل في تأويل المصدر، فلا يَصِحُّ أن تكونَ التي للعبارة وإن كان الأمر ممَّا يتضمَّن معنى القول؛ لأن عطفَها على الموصولة يأبى ذلك، والقولُ بكونِها موصولةً مثلَ الأولى لا يساعدُ عليه لفظُ الأمر وهو» أَقِمْ «؛ لأنَ الصلة
следующие страницы →