Полный текст (10 772 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.
стр. 4761
قوله تعالى: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ﴾ : لم تَمْنَعْ «لا» من عمل الجازم كما لم تمنعْ مِنْ عمل الجارِّ في نحو: «جِئْتُ بلا زادٍ» . قال أبو البقاء: «لأنها كالجزء من الفعل وهي غيرُ عاملة في النفي، وهي تنفي
стр. 4762
ما في المستقبل، وليس كذلك» ما «فإنها تنفي ما في الحال، فلذلك لم يَجُزْ أَنْ تَدْخُلَ» إنْ «عليها» .
стр. 4763
قوله تعالى: ﴿قِيلَ يانوح﴾ : الخلافُ المتقدم في قوله ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ﴾ [البقرة: ١٣] وشبهِه عائدُ هنا، أي: في كونِ القائمِ مقامَ الفاعل الجملة المحكيةَ أو ضميرَ مصدرِ الفعل.
قوله: ﴿بِسَلاَمٍ﴾ حال من فاعل «اهبط» ، أي: ملتسباً بسلام. و «منا» صفةٌ ل «سلام» فيتعلَّق بمحذوف أو هو متعلقٌ بنفسِ سلام، وابتداءُ الغايةِ مجازٌ، وكذلك «عليك» يجوز أن يكونَ صفةً لبركات أو متعلقاً بها.
قوله: ﴿مِّمَّن مَّعَكَ﴾ يجوزُ في «مَنْ» أن تكونَ لابتداء الغاية، أي: ناشئة من الذين معك، وهم الأمم المؤمنون إلى آخر الدهر، ويجوزُ أن تكونَ «مِنْ» لبيان الجنس، فيراد الأمم الذين كانوا معه في السفينة، لأنهم كانوا جماعاتٍ. وقُرىء «اهبُط» بضم الباء، وقد تقدم أول البقرة. وقرأ الكسائي فيما نُقِل عنه «وبركة» بالتوحيد.
قوله: ﴿وأُمَمٍ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأ، و «سنمتِّعهم» خبره، وفي مسوِّغ الابتداءِ وجهان، أحدهما: الوصفُ التقديري، إذ التقديرُ: وأممٌ منهم، أي: ممَّن معك كقولهم «السَّمْن مَنَوان بدرهم» فمنوان مبتدأٌ وُصِف ب «منه» تقديراً. والثاني: أنَّ المسوِّغ لذلك التفصيلُ نحو: «الناسُ رجلان: رجلٌ أَهَنْتُ، وآخَرُ
стр. 4764
أكرمتُ» ومنه قولُ امرىء القيس:
٢٦٧٠ - إذا ما بكى مِنْ خَلْفِها انحرفَتْ له ... بشقٍّ وشِقٌّ عندنا لم يُحَوَّل
ويجوز أن يكونَ مرفوعاً بالفاعلية عطفاً على الضمير المستتر في «اهبط» وأغنى الفصلُ عن التأكيد بالضمير المنفصل، قاله أبو البقاء قال الشيخ: «وهذا التقديرُ والمعنى لا يصلحان، لأن الذين كانوا مع نوح في السفينة إنما كانوا مؤمنين لقوله:» ومَنْ آمنَ «ولم يكونوا كفَّاراً ومؤمنين، فيكون الكفار مأمورِين بالهبوط، إلا إنْ قُدِّر أنَّ مِن المؤمنين مَنْ يكفر بعد الهبوط، وأخبر عنهم بالحال التي يَؤُولون إليها فيمكن على بُعْدٍ» . قلت: وقد تقدَّم أنَّ مثلَ ذلك لا يجوز، في قول ﴿اسكن أَنْتَ وَزَوْجُكَ﴾ [البقرة: ٣٥] لأمرٍ صناعي، و «سنمتِّعُهم» على هذا صفةٌ ل «أمم» ، والواوُ يجوز أن تكونَ للحال. قال الأخفش: «كما تقول:» كلَّمْتُ زيداً وعمروٌ جالس «ويجوز أن تكونَ لمجردِ النَّسَق» .
стр. 4765
وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب﴾ : كقوله: ﴿ذلك مِنْ أَنَبَآءِ الغيب﴾ [الآية: ٤٤] في آل عمران. قوله: ﴿مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ﴾ يجوز في هذه الجملةُ أن تكونَ حالاً من الكاف في «إليك» ، وأن تكون حالاً من المفعول في «نُوحيها» وأن تكونَ خبراً بعد خبر.
стр. 4766
قوله تعالى: ﴿وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ : معطوفان على قوله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥] : مرفوعٌ على مرفوع، ومجرور على مجرور،
стр. 4767
كقولك: «ضرب زيد عمراً وبكر خالداً» ، وليس من باب ما فُصِل فيه بين حرف العطف والمعطوف بالجارِّ/ والمجرور نحو: «ضربت زيداً وفي السوق عمراً» فيجيءُ الخلاف المشهور. وقيل: بل هو على إضمارِ فعلٍ، أي: وأَرْسَلْنا هوداً، وهذا أوفق لطول الفصل. و «هوداً» بدلٌ أو عطفٌ بيان لأخيهم.
وقرأ ابن محيصن «يا قومُ» بضم الميم، وهي لغةٌ للعرب يَبْنونَ المضافَ للياء على الضم كقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احكم﴾ [الأنبياء: ١١٢] بضمِّ الباء، ولا يجوزُ أن يكونَ غيرَ مضاف للياء لما سيأتي في موضعه إن شاء اللَّه.
وقوله: ﴿مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾ قد ذُكر في الأعراف ما يتعلق به قراءةً وإعراباً.
стр. 4768
قوله تعالى: ﴿فطرني﴾ : قرأ نافع والبزي بفتح الياء، وأبو عمرو وقنبل بإسكانها.
стр. 4769
قوله تعالى: ﴿مِّدْرَاراً﴾ : منصوبٌ على الحال، ولم يؤنِّثْه وإن كانَ مِنْ مؤنث لثلاثةِ أوجه، أحدُهما: أن المراد بالسماء السحاب فذكَّر على المعنى. والثاني: أن مِفْعالاً للمبالغة فيستوي فيه المذكر والمؤنث كصبور وشكور وفعيل. الثالث: أن الهاء حُذِفَتْ مِنْ مِفْعال على طريق النَّسَب قاله مكي، وقد تقدَّم إيضاحُه في الأنعام.
стр. 4770
قوله: ﴿إلى قُوَّتِكُمْ﴾ يجوز أن يتعلَّقَ ب «يَزِدْكم» على التضمين، أي: يُضِف إلى قوتكم قوةً أخرى، أو يُجعل الجار والمجرور صفةً ل «قوة» فيتعلَّق بمحذوف. وقدَّره أبو البقاء «مضافةً إلى قوتكم» وهذا يأباه النحاة لأنهم لا يقدِّرون إلا الكونَ المطلقَ في مثله، أو تُجْعل «إلى» بمعنى مع أي: مع قوتكم كقولِه تعالى: ﴿إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] .
стр. 4771
قوله تعالى: ﴿بِبَيِّنَةٍ﴾ : يجوز أن تكونَ الباء للتعدية، فيتعلَّق بالفعل قبلها، أي: ما أظهرْتَ لنا بينةً قط. والثاني: أن يتعلَّق بمحذوف على أنها حالٌ، إذ التقدير: مستقراً أو ملتبساً ببينة.
قوله: ﴿عَن قَوْلِكَ﴾ حالٌ من الضمير في «تاركي» ، أي: وما نترك آلهَتنا صادرين عن قولك. ويجوز أن تكون «عن» للتعليل، كهي في قولِه تعالى ﴿إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] ، أي: إلا لأجل موعدة. والمعنى هنا: بتاركي آلهتِنا لقولك، فيتعلَّق بتاركي. وقد أشار إلى التعليل ابنُ عطية، ولكنَّ المختارَ الأول، ولم يذكر الزمخشري غيره.
стр. 4772
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ اعتراك﴾ : الظاهرُ أن ما بعد «إلا» مفعول بالقول قبله، إذ المرادُ: إن نقول إلا هذا اللفظَ فالجملةُ محكيةٌ نحو قولك: «ما قلت إلا زيد قائم» . وقال أبو البقاء: «الجملةُ مفسرةٌ لمصدرٍ محذوف،
стр. 4773
التقدير: إن نقول إلا قولاً هو اعتراك، ويجوز أن يكونَ موضعُها نصباً، أي: ما نذكر إلا هذا القول» وهذا غير مُرْضٍ؛ لأن الحكاية بالقول معنى ظاهر لا يَحْتاج إلى تأويل، ولا إلى تضمينِ القولِ بالذِّكْر.
وقال الزمخشري: «اعتراك» مفعول «نقول» و «إلا» لغوٌ، أي: ما نقول إلا قولنا «اعتراك» . انتهى. يعني بقولَه «لَغُو» أنه استثناءٌ مفرغ، وتقديره بعد ذلك تفسيرُ معنى لا إعراب، إذ ظاهرُه يقتضي أن تكونَ الجملةُ منصوبةً بمصدر محذوف، ذلك المصدرُ منصوبٌ ب «نقول» هذا الظاهر. ويُقال: اعتراه بكذا يَعْتريه، وهو افتعلَ مِنْ عَراه يَعْرُوه إذا أصابَه، والأصل: اعْتَرَوَ من العَرَوْ، مثل: اغتَرَوا مِن الغَزْو، فتحرك حرفُ العلة وانفتح ما قبله فقُلب ألفاً، وهو يتعدَّى لاثنين ثانيهما بحرف الجر.
قوله: ﴿أَنِّي برياء﴾ يجوز أن يكون من باب الإِعمال لأنَّ «أُشْهِدُ» يطلبُه، و «اشْهدوا» يطلبه أيضاً، والتقدير: أُشْهد اللَّه على أنه بريء، واشهدوا أنتم عليه أيضاً، ويكون من إعمال الثاني، لأنه لو أَعْمل الأول لأضمر في الثاني: ولا غَرْو في تنازع المختلفين في التعدي واللزوم.
و «مِمَّا تُشْركون» يجوز أن تكونَ «ما» مصدريةً، أي: مِنْ إشراككم آلهةً مِنْ دونه، أو بمعنى الذي، أي: مِن الذين تشركونه مِن آلهةٍ مِن دونه، أي أنتم الذين تجعلونها شركاءَ.
стр. 4774
وقوله تعالى: ﴿جَمِيعاً﴾ : حالٌ من فاعل «فكيدون» . وأثبت سائرُ القراء ياء «فكيدوني» في الحالين، وحَذَفوها في المرسلات.
стр. 4775
والناصِيَةُ مَنْبِتُ الشَّعْر في مُقَدَّم الرأس، ويُسَمَّى الشعرُ النَّابِتُ أيضاً «ناصِية» باسم محلِّه، ونَصَوْتُ الرجل: أَخَذْتُ بناصِيته، فلامُها واو، ويقال: ناصاة بقَلْبِ يائها ألفاً، وفي الأَخْذِ بالناصية عبارةٌ عن الغَلَبة والتسلُّط وإن لم يكن آخذاً بناصيته، ولذلك كانوا إذا مَنُّوا على أسيرٍ جَزُّوا ناصيتَه.
стр. 4776
قوله تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ : أي: تَتَوَلَّوا فحذف إحدى التاءَيْن، ولا يجوز أن يكونَ ماضياً كقوله: «أَبْلَغْتكم» ، ولا يجوزُ أن يدعى فيه الالتفات، إذ هو رَكاكَةٌ في التركيب وقد جَوَّزَ ذلك ابنُ عطية فقال: «ويُحْتمل أن يكون» تولَّوا «ماضياً، ويجيءُ في الكلام رجوعٌ من غَيْبة إلى خطاب» . وقلت: ويجوزُ أن يكونَ ماضياً لكن لمَدْرَكٍ آخرَ غيرِ الالتفات: وهو أن يكونَ على إضمار القول، أي: فقل لهم: قد أبلغْتُكم. ويترجَّح كونُه ماضياً بقراءة عيسى والثقفي والأعرج «فإن تُوَلُّوا» بضم التاء واللام، مضارعَ ولى بضم التاءِ واللام مضارعَ وَلي، والأصل تُوَلِّيُوا فأُعِلَّ.
قال الزمخشري: «فإن قلتَ: الإِبلاغ كان قبل التولِّي فكيف وقع جزاءً للشرط؟ قلت: معناه فإنْ تتولَّوا لم أعاتِبْ على تفريطٍ على الإِبلاغ، وكنتم محجوجين بأنَّ ما أَرْسَلْتُ به إليكم قد بلغكم فأبيتم إلا التكذيب.
قوله: ﴿وَيَسْتَخْلِفُ﴾ العامَّةُ على رفعِه استئنافاً. وقال أبو البقاء» هو معطوفٌ على الجواب بالفاء «. وقرأ عبد اللَّه بن مسعود بتسكينه، وفيه
стр. 4777
وجهان: أحدهما: أن يكون سُكِّن تخفيفاً لتوالي الحركات: والثاني: أن يكونَ مجزوماً عطفاً على الجواب المقترن بالفاء، إذ مَحَلُّه الجزمُ وهو نظيرُ قولِه: ﴿فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ وقد تقدَّم تحقيقُه، إلا أن القراءتين ثَمَّ في المتواتر.
قوله: ﴿وَلاَ تَضُرُّونَهُ﴾ العامَّة على النون، لأنه مرفوعٌ على ما تقدَّم، وابنُ مسعودٍ بحذفها، وهذا يُعَيِّن أن يكونَ سكونُ» يستخلف «جزماً، ولذلك لم يذكر الزمخشري غيره؛ لأنه ذكر جزمَ الفعلين، ولمَّا لم يذكرْ أبو البقاء الجزم في» تَضُرُّونه «جَوَّز الوجهين في» يَسْتخلف «.
و» شيئاً «مصدرٌ، أي: شيئاً من الضرر.
стр. 4778
قوله تعالى: ﴿جَحَدُواْ﴾ : جملةٌ مستأنفة سِيقت للإِخبار عنهم بذلك، وليسَتْ حالاً مِمَّا قبلها، و «جَحَد» يتعدى بنفسه، ولكنه ضُمِّن معنى كفر، فيعدى بحرفه، كما ضَمَّن «كفر» معنى «جحد» فتعدى بنفسه في قوله بعد ذلك في قوله: ﴿كَفَرُواْ رَبَّهُمْ﴾ [هود: ٦٠] . وقيل: إنَّ «كفر» ك شكر «في تعدِّيه بنفسِه تارةً وبحرف الجر أخرى.
والجبَّار تقدَّم اشتقاقه والعنيد: / الطاغي المتجاوزُ في الظلم مِنْ
стр. 4779
قولهم» عَنَد يَعْنِد «إذا حادَ عن الحق من جانبٍ إلى جانب. قيل: ومنه» عندي «الذي هو ظرف؛ لأنه في معنى جانِب، من قولك: عندي كذا، أي في جانبي. وعن أبي عبيد: العنيد والعنود والعاند والمُعاند كلُّه المعارِض بالخلاف.
стр. 4780
قوله تعالى: ﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ﴾ : كالذي قبله. والعامَّة على مَنْع «ثمود» الصرفَ هنا لعلتين: وهما العلمية والتأنيث، ذهبوا به مذهبَ القبيلة، والأعمش ويحيى بن وثاب صرفوه، ذهبا به مذهب الحيّ. وسيأتي بيان الخلاف في غير هذا الموضع.
قوله: ﴿مِّنَ الأرض﴾ : يجوز أن تكونَ لابتداء الغاية، أي: ابتداء إنشائكم منها: إمَّا إنشاءُ أصلكم وهو آدم، أو لأن كلَّ واحد خُلق مِنْ تُرْبته، أو لأن غذاءَهم وسببَ حياتهم من الأرض. وقيل: «مِن» بمعنى «في» ولا حاجة إليه.
стр. 4781
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّنَا﴾ : هذا هو الأصل، ويجوز «وإنَّا» بنونٍ واحدة مشددة كما في السورة الأخرى. وينبغي أن يكون المحذوفُ النونَ الثانية من «إنَّ» لأنه قد عُهِد حَذْفُها دون اجتماعِها مع «ن» فَحَذْفُها مع «ن» أولى، وأيضاً فإنَّ حَذْف بعضِ الأسماء ليس بسهلٍ. وقال الفراء: «مَنْ قال» إننا «أَخْرج الحرفَ على أصله؛ لأنَّ كتابةَ المتكلمين» ن «فاجتمع ثلاثُ نونات، ومَنْ قال:» إنَّا «استثقل اجتماعَها فأسقط الثالثة، وأبقى الأوَّلَيْن» . انتهى. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك أولَ هذا الموضوع.
стр. 4782
قوله: ﴿مُرِيبٍ﴾ اسم فاعل مِنْ أراب، و «أراب» يجوز أن يكونَ متعدِّياً مِنْ «أرابه» ، أي: أوقعه في الريبة أو قاصراً مِنْ «أراب الرجلُ» ، أي: صار ذا ريبة. ووُصِف الشكَّ بكونه مُريباً بالمعنيين المتقدمين مجازاً.
стр. 4783
قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ : إلى آخره: قد تقدَّم نظيره، والمفعول الثاني هنا محذوفٌ تقديره: أأَعْصيه، ويدلُّ عليه «إن عصيته» . وقال ابن عطية: «هي مِنْ رؤية القلب، والشرط الذي بعده وجوابه يَسُدُّ مَسَدَّ مفعولَيْنِ ل» أرأيتم «. قال الشيخ:» والذي تقرَّر أنَّ «أرأيت» ضُمِّن معنى أخبرْني، وعلى تقدير أن لا يُضَمَّن، فجملةُ الشرط والجواب لا تسدُّ مسدَّ مفعولَيْ علمت وأخواتها.
قوله: ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ الظاهرُ أنَّ «غيرَ» مفعولٌ ثانٍ لتَزيدونني. قال أبو البقاء: «الأقوى هنا أن تكون» غير «استثناءً في المعنى، وهي مفعولٌ ثانٍ ل» تزيدونني «، أي: فما تزيدونني إلا تخسيراً» . ويجوز أن تكون «غير» صفةً لمفعولٍ محذوف، أي: شيئاً غير تخسير، وهو جيد في المعنى. ومعنى التفعيل هنا النسبةُ، والمعنى: غيرَ أن أُخْسِرَكم، أي: أَنْسبكم إلى التخسير، قاله الزمخشري. وقيل: هو على حَذْفِ مضافٍ، أي: غير بضارِّه تخسيركم، قاله ابن عباس.
стр. 4784
قوله تعالى: ﴿آيَةً﴾ : نصب على الحال بمعنى علامة، والناصب لها: إمَّا ها التنبيه أو اسمُ الإِشارة؛ لِما تضمَّناه من معنى الفعل، أو فعلٍ محذوف.
قوله: ﴿لَكُمْ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحال من «آيةٍ» ؛ لأنه لو تأخَّر لكان نعتاً لها، فلما قُدِّم انتصبَ حالاً. قال الزمخشري: «فإن قلت بم تتعلَّقُ» لكم «؟ قلت:» بآية «حالاً منها متقدمة، لأنها لو تأخَّرَتْ لكانت صفة لها، فلما تقدَّمت انتصبت على الحال» . قال الشيخ: «وهذا متناقض لأنه من حيث تعلَّق» لكم «ب» آية «كان معمولاً ل» آية «، وإذا كان معمولاً لها امتنع أن يكون حالاً منها، لأنَّ الحال تتعلَّق بمحذوف» . قلت: ومثل هذا كيف يُعترض به على مِثْل الزمخشري بعد إيضاحه المعنى المقصودَ بأنه التعلُّقُ المعنويُّ؟
وقرأت فرقة: «تأكلُ» بالرفع: إمَّا على الاستئناف، وإمَّا على الحال.
стр. 4785
قوله تعالى: ﴿فِي دَارِكُمْ﴾ : قيل: هو جمعُ «دارَة» كساحة وساح وسُوح، وأنشدوا لأمية بن أبي الصلت:
٢٦٧١ - له داعٍ بمكةَ مُشْمَعِلٌّ ... وآخرُ فوق دارَتِه يُنادي
قوله: ﴿مَكْذُوبٍ﴾ يجوز أن يكونَ مصدراً على زِنة مفعول، وقد جاء منه أُلَيْفاظ نحو: «المَجْلود والمَعْقول والميسور والمفتون، ويجوز أن يكونَ اسمَ مفعولٍ على بابه، وفيه حينئذ تأويلان، أحدُهما: غيرُ مكذوبٍ فيه، ثم حُذف
стр. 4786
حرف الجر فاتصل الضمير مرفوعاً مستتراً في الصفةِ، ومثلُه ﴿يَوْمٌ مَّشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] وقوله:
٢٦٧٢ - ويومٍ شَهِدْناه سليمى وعامراً ... قليلٌ سوى الطَّعْنِ النِّهالِ نوافلُهْ
والثاني: أنه جُعل هو نفسُه غيرَ مكذوب، لأنه قد وُفِّي به فقد صُدِّق.
стр. 4787
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ : متعلقٌ بمحذوفٍ، أي: ونَجَّيْناهم مِنْ/ خزي. وقال الزمخشري: «فإن قلت: علام عُطِف؟ قلت: على» نَجَّيْنا «لأنَّ تقديرَه: ونجَّيْناهم من خزيِ يومئذ كما قال: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] ، أي: وكانت التنجيةُ مِنْ خزي: وقال غيره:» إنه متعلقٌ ب «نَجَّيْنا» الأول «. وهذا لا يجوزُ عند البصريين غيرَ الأخفش، لأن زيادةَ الواوِ غيرُ ثابتة.
وقرأ نافع والكسائي بفتح ميم» يومئذ «على أنها حركةُ بناء لإِضافته إلى غير متمكن كقوله:
٢٦٧٣ - على حينَ عاتَبْتُ المشيبَ على الصِّبا ... فقلت ألمَّا أَصْحُ والشيبُ وازع
وقرأ الباقون بخفض الميم. وكذلك الخلافُ جارٍ في ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ﴾ [المعارج: ١] .
стр. 4788
وقرأ طلحة وأبان بن تغلب بتنوين» خزي «و» يومئذ «نصب على الظرف بالخزي.
وقرأ الكوفيون ونافع في النمل ﴿مِّن فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ بالفتح أيضاً، والكوفيون وحدهم بتنوين» فزع «ونصب» يومئذ «به.
ويحتمل في قراءة مَنْ نوَّن ما قبل» يومئذ «أن تكون الفتحةُ فتحةَ إعرابٍ أو فتحةَ بناء، و» إذ «مضافةٌ لجملة محذوفة عُوِّض منها التنوينُ تقديرُه: إذْ جاء أمرُنا. وقال الزمخشري:» ويجوز أن يُراد يومُ القيامة، كما فُسِّر العذاب الغليظ بعذاب الآخرة «. قال الشيخ:» وهذا ليس بجيدٍ؛ لأنه لم يتقدَّم ذِكْرُ يومِ القيامة، ولا ما يكون فيها، فيكون هذا التنوين عوضاً من الجملةِ التي تكون في يوم القيامة «. قلت: قد تكون الدلالةُ لفظيةً، وقد تكون معنويةً وهذه من المعنوية.
стр. 4789
قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الذين﴾ : حُذِفت تاءُ التأنيث: إما لكونِ المؤنث مجازياً، أو للفصل بالمفعول، أو لأنَّ الصيحةَ بمعنى الصياح، والصَّيْحة: فَعْلة تدل على المَرَّة من الصياح، وهي الصوتُ الشديد: صاح يصيح صِياحاً، أي: صوَّت بقوة.
стр. 4790
وقرأ حمزة وحفص: ﴿أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ﴾ هنا، وفي الفرقان: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ﴾ [الآية: ٣٨] ، وفي العنكبوت: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم﴾ [الآية: ٣٨] ، وفي
стр. 4791
النجم: ﴿وَثَمُودَ فَمَآ أبقى﴾ [الآية: ٥١] جميعُ ذلك بمنعِ الصرفِ، وافقهم أبو بكر على الذي في النجم.
وقوله: ﴿أَلاَ بُعْداً لِّثَمُودَ﴾ منعه القراءُ الصرفَ إلا الكسائيَّ فإنه صَرَفَه. وقد تقدم أنَّ مَنْ منع جعله اسماً للقبيلة، ومَنْ صَرَف جعله اسماً للحيّ، وأنشد على المنع:
٢٦٧٤ - ونادى صالحٌ يا ربِّ أنزلْ ... بآلِ ثمودَ منك عذاباً
وأنشد على الصرف:
٢٦٧٥ - دَعَتْ أمُّ عمروٍ أمرَ شرٍّ علمتُه ... بأرضِ ثمودٍ كلِّها فأجابها
وقد تقدَّم الكلامُ على اشتقاق هذه اللفظة في سورة الأعراف.
стр. 4792
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾ : في نصبه وجهان، أحدهما: أنه مفعول به، ثم هو محتملٌ لأمرين، أحدهما: أن يراد قالوا هذا اللفظ بعينه، وجاز ذلك لأنه يتضمَّن معنى الكلام. والثاني: أنه أراد قالوا معنى هذا اللفظ، وقد تقدم ذلك في نحو قولِه تعالى: ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨] . وثاني الوجهين: أن يكون منصوباً على المصدر بفعل محذوف، وذلك الفعل في محل نصب بالقول، تقديرُه: قالوا: سَلَّمْنا سلاماً، وهو من باب ما ناب فيه المصدرُ عن العامل فيه، وهو واجبُ الإِضمار.
стр. 4793
قوله: ﴿قَالَ سَلاَمٌ﴾ في رفعه وجهان، أحدهما: أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوفٌ، أي: سلامٌ عليكم. والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: أمري أو قولي سلام. وقد تقدَّم أولَ هذا الموضعِ أن الرفعَ أدلُّ على الثبوت من النصب، والجملة بأسرها وإن كان أحدُ جُزْأيها محذوفاً في محل نصب بالقول كقوله:
٢٦٧٦ - إذا ذُقْتُ فاها قلت طعمُ مُدامةٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقرأ الأخوان: «قال سِلْم» هنا وفي سورة الذاريات بكسر السين وسكون اللام. ويلزم بالضرورة سقوطُ الألف فقيل: هما لغتان كحِرْم وحَرام وحِلٌّ وحَلال، وأنشد:
٢٦٧٧ - مَرَرْنا فقُلنا إيه سِلْمٌ فسَلَّمَتْ ... كما اكْتَلَّ بالبرق الغمامُ اللوائحُ
يريد: سلام، بدليل: فسلَّمت. وقيل: «السِلْم» بالكسر ضد الحرب، وناسَب ذلك لأنه نَكِرَهم فقال: أنا مسالمكم غيرُ محارِب لكم
قوله: ﴿فَمَا لَبِثَ﴾ يجوزُ في «ما» هذه ثلاثة أوجه، أظهرها: أنها نافيةٌ، وفي فاعل «لَبث» حينئذ وجهان، أحدهما: أنه ضميرٌ إبراهيم ﵇، أي: فما لبث إبراهيم، وإن جاء على إسقاطِ الخافض، فقدَّروه بالباء وب «عن» وب «في» ، أي: فما تأخر في أَنْ، أو بأن، أو عن أن. والثاني: أن
стр. 4794
الفاعل قوله: «أن جاء» ، والتقدير: فلما لبث، أي: ما أبطأ ولا تأخَّر مجيئُه بعجل سمين.
وثاني الأوجه: أنها مصدريةٌ، وثالثها: أنها بمعنى الذي. وهي في الوجهين الأخيرين مبتدأ، وإن جاء خبرُه على حَذْف مضاف تقديره: فلُبْثُه أو الذي لَبِثه قَدْرَ مجيئه.
والحَنيذ: المَشْويُّ بالرصْف في أخدود. حَنَذْتُ الشاةَ أَحْنِذُها حَنْزاً فهي حَنيذ، أي محنوذة. وقيل: حنيذ بمعنى يَقْطُرُ دَسَمُه من قولهم: حَنَذْتُ الفرس، أي: سُقْتُه شوطاً أو شوطين وتضع عليه الجُلَّ في الشمس ليَعْرَق.
стр. 4795
قوله تعالى: ﴿نَكِرَهُمْ﴾ : أي: أنكرهم، فهما بمعنى وأنشدوا:
٢٦٧٨ - وأَنْكَرَتْني وما كان الذي نَكِرَتْ ... من الحوادثِ إلا الشَّيْبَ والصَّلعا
وفرَّق بعضهم بينهما فقال: / الثلاثي فيما يرى بالبصر، والرباعي فما لا يُرى من المعاني، وجعل البيتَ من ذلك، فإنها أَنْكَرَتْ مودَته وهي من المعاني التي لا ترى، ونَكِرَتْ شيبتَه وصَلَعه، وهما يُبْصَران، ومنه قولُ أبي ذؤيب:
٢٦٧٩ - فَنَكِرْنَه فَنَفَرْنَ وامْتَرَسَتْ به ... هَوْجاءُ هادِيَةٌ وهادٍ جُرْشُعُ
والإِيجاس: حديث النفس، وأصلُه من الدخول كأن الخوف داخله.
стр. 4796
وقال الأخفش: «خامَرَ قلبه» . وقال الفراء: «استشعر وأحسَّ» . والوجيس: ما يَعْتري النفس أوائل الفزع، ووَجَسَ في نفسه كذا أي: خَطَر بها، يَجِسُ وَجْساً ووُجوساً ووَجيساً، ويَوْجَس ويَجِس بمعنى يسمع، وأنشدوا،
٢٦٨٠ - وصادقتا سَمْعِ التوجُّسِ للسُّرى ... لِلَمْحِ خَفِيٍّ أو لصوتٍ مُنَدَّد
فخيفةً مفعول به أي: أحسَّ خيفة أو أضمر خيفة.
стр. 4797
قوله تعالى: ﴿وامرأته قَآئِمَةٌ﴾ : في محلِّ نصب على الحال من مرفوع «أُرْسِلْنا» . وقال أبو البقاء: «من ضمير الفاعل في» أرسلنا «وهي عبارةٌ غيرُ مشهورة، إذ مفعولُ ما لم يُسَمَّ فاعلُه لا يُطْلَقُ عليه فاعلٌ على المشهور، وعلى الجملة فَجَعْلُها حالاً غيرُ واضح بل هي استئنافُ إخبار، ويجوز جَعْلُها حالاً من فاعل» قالوا «أي: قالوا ذلك في حال قيام امرأته.
قوله: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ العامَّة على كسر الحاء، وقرأ محمد بن زياد الأعرابي رجل من مكة بفتحها، وهي لغتان، يقال: ضَحِك وضَحَكَ. وقال المهدوي:» الفتح غير معروف «. والجمهور على أن الضحك على بابه. واختلف أهلُ التفسير في سببه، وقيل: بمعنى حاضَتْ، ضحكت الأرنب: أي: حاضَتْ، وأنكره أبو عبيدة وأبو عبيد والفراء. وأنشد غيرهم على ذلك:
стр. 4798
٢٦٨١ - وضِحْكُ الأرانبِ فوق الصَّفا ... كمثلِ دمِ الجَوْفِ يوم اللِّقا
وقال آخر:
٢٦٨٢ - وعهدي بسلمى ضاحكاً في لَبانةٍ ... ولم يَعْدُ حُقَّاً ثَدْيُها أن يُحَمَّلا
أي: حائضاً. وضحِكت الكافورة: تَشَقَّقت. وضحكت الشجرة: سال صمغُها. وضَحِك الحوضُ: امتلأ وفاض. وظاهرُ كلام أبي البقاء أن ضَحَك بالفتح مختص بالحيض فإنه قال:» بمعنى حاضت، يقال: ضحَكت الأرنب بفتح الحاء «.
قوله: ﴿يَعْقُوبَ﴾ قرأ ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بفتح الباء، والباقون برفعها. فأمَّا القراءةُ الأولى فاختلفوا فيها: هل الفتحةُ علامةُ نصب أو جر؟ والقائلون بأنها علامة نصب اختلفوا: فقيل: هو منصوبٌ عطفاً على قوله:» بإسحاق «قال الزمخشري:» كأنه قيل: ووهَبْنا له إسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب على طريقة قوله:
٢٦٨٣ -. . . . . . . . . . . . ليسوا مصلحين عشيرةً ... ولا ناعِبٍ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يعني أنه عطف على التوهم فنصب، كما عطف الشَّاعرُ على توهُّم وجود الباء في خبر «ليس» فجرَّ، ولكنه لا ينقاس. وقيل: هو منصوبٌ بفعلٍ مقدر تقديرُه: ووهبْنا يعقوب، وهو على هذا غيرُ داخلٍ في البشارة. ورجَّح
стр. 4799
الفارسيُّ هذا الوجه. وقيل: هو منصوبٌ عطفاً على محل «بإسحاق» لأن موضعَه نصب كقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] بالنصب عطفاً على «برؤوسكم» . والفرق بين هذا والوجه الأول: أن الأولَ ضمَّن الفعل معنى: «وَهَبْنا» توهُّماً، وهنا باقٍ على مدلوله من غير توهُّم.
ومن قال بأنه مجرورٌ جعله عطفاً على «بإسحاق» والمعنى: أنها بُشِّرت بهما. وفي هذا الوجه والذي قبله بحثُ: وهو الفصلُ بالظرف بين حرف العطف والمعطوف، وقد تقدَّم ذلك مستوفى في النساء فعليك بالالتفات إليه.
ونسب مكي الخفضَ للكسائي ثم قال: «وهو ضعيف إلا بإعادة الخافض، لأنك فَصَلْت بين الجار والمجرور بالظرف» .
قوله: «بإعادة الخافض» ليس ذلك لازماً، إذ لو قُدِّم ولم يُفْصَل لم يُلْتزم الإِتيان به.
وأمَّا قراءةُ الرفع ففيها أوجه، أحدها: أنه مبتدأ وخبره الظرف السابق فقدَّره الزمخشري «مولود أو موجود» وقدّره غيره بكائن. ولمَّا حكى النحاس هذا قال: «والجملة حالٌ داخلة في البشارة أي: فَبَشَّرْناها بإسحاق متصلاً به يعقوبُ» . والثاني: أنه مرفوع على الفاعلية بالجارِّ قبله، وهذا يجيء
стр. 4800
على رَأْي الأخفش. والثالث: أن يرتفع بإضمار فعل أي: ويحدث من وراء إسحاق يعقوب، ولا مَدْخَلَ له في البشارة. والرابع: أنه مرفوعٌ على القطع يَعْنُون الاستئناف، وهو راجع لأحد ما تقدَّم مِنْ كونه مبتدأ وخبراً، أو فاعلاً بالجارِّ بعده، أو بفعل مقدر.
следующие страницы →