Полный текст (10 772 стр.). Показаны 5006–5045 · переход к 5011.
стр. 5006
وسَكَّن الكوفيون الياء من «آبائي» ، ورُوِيَتْ عن أبي عمروٍ أيضاً. و «إبراهيم» وما بعده بدلٌ أو عطفُ بيان، أو منصوب على المدح.
стр. 5007
قوله تعالى: ﴿ياصاحبي السجن﴾ : يجوز أن يكون من باب الإِضافة للظرف، إذ الأصل يا صاحبي في السجن. ويجوز أن تكون
стр. 5008
من باب الإِضافة إلى المشبه بالمفعول به، والمعنى: يا ساكني السجن كقوله: ﴿أَصْحَابُ النار﴾ [البقرة: ٣٩] .
قوله ﴿مِن شَيْءٍ﴾ [يوسف: ٣٨] يجوز أن يكون مصدراً، أي: شيئاً من الإِشراك. ويجوز أن يكون واقعاً على المُشْرَك، أي: ما كان لنا أَنْ نُشْرك شيئاً غيرَه مِنْ مَلَك وإنْسِيّ وجني فكيف بصنم؟ و «مِنْ» مزيدة على التقديرين لوجودِ الشرطين.
قوله: ﴿أَمِ الله﴾ هنا متصلةٌ عطفت الجلالة على «أرباب» .
стр. 5009
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَسْمَآءً﴾ : إمَّا أن يُراد بها المُسَمَّياتُ أو على حذف مضاف، أي: ذوات لمُسَمَّيات. و «سَمَّيْتموها» صفةٌ، وهي متعدية لاثنين حُذِف ثانيهما، أي: سمَّيْتموها آلهة و «ما أنزل» صفةٌ ل «أسماء» و «مِنْ» زائدة في «منْ سلطان» ، أي: حُجَّة. و «إنِ الحكم» : «إنْ» نافية. ولا يجوز الإِتباعُ لضمة الحاء كقوله: قالتُ اخْرُجْ «ونحوه، لأنَّ الألف واللامَ كلمةٌ مستقلة فهي فاصلةٌ بينهما.
قوله: ﴿أَمَرَ أَلاَّ﴾ يجوز في» أَمَر «أن يكون مستأنفاً، وهو الظاهر، وأن يكون حالاً و» قد «معه مرادةٌ عند بعضهم. قال أبو البقاء:» وهو ضعيفٌ لضعف العامل فيه «قلت: يعني بالعامل ما تضمَّنه الجارُّ في قولِه:» إلا للَّه «من الاستقرار.
стр. 5010
قوله تعالى: ﴿فَيَسْقِي﴾ : العامَّةُ على فتح الياء، مِنْ سقاه يَسْقيه. وقرأ عكرمة في رواية «فَيُسْقي» بضم حرف المضارعة مِنْ أسقى وهما لغتان، يقال: سَقَاه وأَسْقاه، وسيأتي أنهما قراءتان في السبعة: «نَسْقيكم ونُسْقيكم مما [في] بطونه» . وهل هما بمعنىً أم بينهما فرق؟ ونقل ابن عطية عن عكرمة والجحدري أنهما قرآ «فَيُسقَى ربُّه» مبنياً للمفعول ورفع «ربُّه» . ونسبه الزمخشري لعكرمة فقط.
قوله: ﴿قُضِيَ الأمر﴾ قال الزمخشري: «ما اسْتَفْتَيَا في أمرٍ واحد. بل في أمرين مختلفين، فما وجه التوحيد؟ قلت: المراد بالأمر ما اتُّهما به من سَمِّ المَلِك وما سُجِنا من أجله» .
стр. 5011
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِي ظَنَّ﴾ : فاعلُ «ظنَّ» يجوز أن يكون يوسف ﵇ إن كان تأويلُه بطريقة الاجتهاد، وأن يكون الشرَّابيُّ إن كان تأويله بطريق الوحي، أو يكون الظنُّ بمعنى اليقين، قاله الزمخشري.
قلت: يعني أنه إنْ كان الظنُّ على بابه فلا يستقيم إسناده إلى يوسفَ إلا أن يكون تأويلُه بطريق الاجتهاد؛ لأنه متى كان بطريق الوحي كان يقيناً فيُنْسَب الظن حينئذ للشَّرابي لا له ﵇، وأمَّا إذا كان الظنُّ بمعنى
стр. 5012
اليقين فتصِحُّ نسبتُه إلى يوسف وإن كان تأويله بطريق الوحي، وهو حَسَنٌ وإلى كونِ الظنِّ على بابه وهو مسندٌ ليوسف إن كان تأويله بطريق الاجتهاد ذهب قتادة، فإنه قال: «الظنُّ هنا على بابه لأنَّ عبارة الرؤيا ظنٌّ» .
قوله: ﴿مِّنْهُمَا﴾ يجوز أن يكونَ صفةً ل «ناج» ، وأن يتعلَّقَ بمحذوف على أنه حال من الموصول. قال أبو البقاء: «ولا يكون متعلقاً ب» ناجٍ «لأنه ليس المعنى عليه» قلت: لو تعلَّق ب «ناجٍ» لأَفْهَمَ أنَّ غيرَهما نجا منهما، أي: انفلت منهما، والمعنى: أنَّ أحدهما هو الناجي، وهذا المعنى الذي نبَّه عليه بعيدٌ تَوَهُّمُه. والضمير في «فَأَنْساه» يعود على الشرَّابي. وقيل: على يوسف، وهو ضعيفٌ.
قوله: ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ منصوبٌ على الظرف الزماني وفيه خلافٌ: فقال قتادة: «هو بين الثلاث إلى التسع» . وقال أبو عبيد: «البِضْعُ لا يَبلُغُ العِقْدَ ولا نصفَ العقدِ، وإنما هو من الواحد إلى العشر» . وقال مجاهد: «هو من الثلاثة إلى السبعة» . وقال الفراء: «لا يُذكر البِضْعُ إلا مع العشرات ولا يُذكر مع مِئَة ولا ألف» . وقال الراغب: / «البِضْع: بالكسر المُقَتَطَعُ من العشرة، ويقال ذلك لِما بين الثلاثة إلى العشرة وقيل: بل هو فوق الخمسة ودون العشرة» . قلت: فَجَعَلَه مشتقاً مِنْ مادة البَضْع وهي القَطْع، ومنه: بَضَعْتُ اللحمَ، أي: قَطَعْتُه، والبِضاعة: قطعةُ مالٍ للتجارة، والمِبْضَعُ: ما يُبْضَعُ به، والبَعْض قد تقدَّم أنه من هذا المعنى عند ذكر «البعوضة» .
стр. 5013
قوله تعالى: ﴿سِمَانٍ﴾ : صفة لبقرات وهو جمع سمينة، ويُجْمع سمين أيضاً عليه يقال: رجال سِمان كما يقال نِساء كِرام ورجال كِرام. و «السِّمَنُ» مصدرُ سَمِن يَسْمَن فهو سمين فالمصدر واسم [الفاعل] جاءا على غير قياس، إذ قياسُهما «سَمَن» بفتح الميم، فهو سَمِن بكسرها، نحو فَرِح فَرَحاً فهو فَرِح.
قال الزمخشري: «هل مِنْ فرقٍ بين إيقاع» سمان «صفة للمميِّز وهو» بقراتٍ «دون المُمَيَّز وهو» سبعَ «، وأن يقال: سبعَ بقراتٍ سِماناً؟ قلت: إذا أوقَعْتَها صفةً ل» بقرات «فقد قَصَدْتَ إلى أَنْ تُمَيِّز السبعَ بنوع من البقرات وهو السِّمانُ منهنَّ لا بجنسهنَّ، ولو وَصَفْتَ بها السبع لَقَصَدْت إلى تمييز السبع بجنس البقرات لا بنوعٍ منها، ثم رَجَعْتَ فَوَصَفْتَ المميَّز بالجنس بالسِّمَنِ. فإن قلت: هَلاَّ قيل» سبعَ عجافٍ «على الإِضافة. قلت: التمييزُ موضوعٌ لبيان الجنس، والعِجافُ وصفٌ لا يقع البيانُ به وحدَه. فإن قلت فقد يقولون: ثلاثة فرسان وخمسة أصحاب. قلت: الفارس والصاحب والراكب ونحوها صفاتٌ جَرَتْ مَجْرى الأسماء فأخَذَتْ حُكْمَها، وجاز فيها ما لم يَجُزْ في غيرها. ألا تراك لا تقول: عندي ثلاثةُ ضخامٍ ولا أربعةُ غلاظٍ. فإن قلت: ذاك مِمَّا يُشْكِلُ وما نحن بسبيلهِ لا إشكال فيه ألا ترى أنه لم يَقُلْ» وبقرات سبعَ عجافٍ «لوقوع العلم بأن المرادَ البقرات. قلت: تَرْكُ الأصلِ لا يجوز مع وقوع الاستغناء عَمَّا ليس بأصلٍ، وقد وقع الاستغناء عن قولك» سبع عجافٍ «عمَّا تقترحه من التمييز بالوصف» .
стр. 5014
قلت: وهي أسئلة وأجوبة حسنة. وتحقيق السؤال الأول وجوابه: أنه يلزم مِنْ وَصْفِ التمييز بشيء وَصْفُ المميَّزِ به، ولا يلزم من وصف المُمَيَّز وَصْفُ التمييز بذلك الشيءِ، بيانُه أنك إذا قلت: «عندي أربعةُ رجالٍ حسانٍ» بالجرِّ كان معناه: أربعة من الرجال الحسان، فيلزم حُسْنُ الأربعة؛ لأنهم بعض الرجال الحسان، وإذا قلت: «عندي أربعةُ رجالٍ حسانٌ» برفع «حسان» كان معناه: أربعة من الرجال حِسان، وليس فيه دلالةٌ على وَصْف الرجال بالحُسْن.
وتحقيقُ الثاني وجوابه: أن أسماءَ العدد لا تُضاف إلى الأوصاف إلا في ضرورة، وإنما يُجاء بها تابعةً لأسماء العدد فيقال: «عندي ثلاثة قرشيون» ولا يُقال: ثلاثةُ قرشيين بالإِضافة إلا في شعر. ثم اعترض بثلاثة فرسان وأجاب بجريان ذلك مجرى الأسماء.
وتحقيق الثالث: أنه إنما امتنع «ثلاثةُ ضِخام» ونحوه لأنه لا يُعْلَمُ موصوفُه، بخلاف الآية الكريمة فإنَّ الموصوفَ معلومٌ ولذلك لم يُصَرِّحْ به. وأجاب عن ذلك بأن الأصلَ عدمُ إضافةٍ العددِ إلى الصفة كما تقدَّم فلا يُتْرك هذا الأصلُ مع الاستغناءِ بالفرع، وعلى الجملة ففي هذه العبارة قلق هذا ملخصها، ولم يذكر الشيخُ نصَّه ولا اعترض عليه، بل لَخَّصَ بعضَ معانيه وتركه على إشكاله.
وجَمْعُ عَجْفاء على عِجاف. والقياس: عُجُف نحو: حمراء وحُمُر، حَمْلاً له على «سِمان» لأنه نقيضُه، ومِنْ دَأْبهم حَمْل النظير على النظير والنقيض على النقيض، قاله الزمخشري: «والعَجَفُ شِدَّة الهُزالِ الذي ليس بعده قال:
стр. 5015
٢٧٩٤ - عمرُو الذي هَشَم الثريدَ لقومِه ... ورجالُ مكةَ مُسْنِتون عِجافُ
وقال الراغب:» هو من قولهم نَصْلٌ أعجفُ، أي: دقيق، وعَجَفَتْ نفسي عن الطعام، وعن فلان إذا نَبَتْ عنهما، وأَعْجف الرجلُ، أي: صادف ماشِيَتَه عِجافاً «.
قوله: ﴿وَأُخَرَ﴾ » أُخَرَ «نسقٌ على» سبعَ «لا على» سنبلات «، ويكون قد حَذَف اسمَ العددِ من قوله» وأُخَر يابسات «والتقدير: وسبعاً أُخَرَ، وإنما حَذَف لأنَّ التقسيمَ في البقرات يقتضي التقسيمَ في السنبلات.
قال الزمخشري:» فإنْ قلت: هل في الآية دليل على أنَّ السنبلاتِ اليابسةَ كانت سبعاً كالخضر؟ قلت: الكلامُ مبنيٌّ على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السمان والعِجافِ والنسبلاتِ الخُضْر، فَوَجَبَ أن يتناول معنى الأُخر السبع، ويكون قوله «وأُخَرَ يابسات» بمعنى وسبعاً أُخَرَ «انتهى. وإنما لم يَجُزْ عَطْفُ» أُخر «على التمييز وهو» سنبلات «فيكون/» أُخَر «مجروراً لا منصوباً؛ لأنه من حيث العطفُ عليه يكونُ مِنْ جملة مُمَيَّز» سبعَ «، ومِنْ جهةِ كونه آخر يكون مبايناً ل» سبع «فتدافعا، ولو كان تركيبُ الآية الكريمة:» سبع سنبلاتٍ خضرٍ ويابسات «لصَحَّ العطفُ، ويكون مِنْ توزيع السنبلات إلى هذين الوصفين أعني الاخضرارَ واليُبْس.
وقد أوضح الزمخشري هذا حيث قال:» فإن قلتَ: هل يجوز أن يُعْطَفَ قولُه «وأُخَرَ يابساتٍ» على «سنبلاتٍ خَضْرٍ» فيكون مجرورَ المحل؟ قلت: يؤدي إلى تدافُعٍ، وهو أنَّ عَطْفَها على «سنبلات خضر» يقتضي أن
стр. 5016
يكونَ داخلاً في حكمها، فتكون معها مميِّزاً للسبع المذكور، ولفظُ الأُخَر يقتضي أن تكونَ غيرَ السبع. بيانُه أنك تقول: «عنده سبعة رجالٍ قيامٍ وقعودٍ بالجرِّ؛ فيصحُّ لأنك مَيَّزْتَ السبعة برجال موصوفين بالقيام والقعود، على أنَّ بعضَهم قيامٌ وبعضَهم قعودٌ، فلو قلت:» عنده سبعةٌ رجال قيام وآخرين قعود «تدافعَ ففسد» .
قوله ﴿لِلرُّؤْيَا﴾ : فيه أربعة أوجه، أحدها: أن اللام فيه مزيدةٌ فلا تَعَلٌّق لها بشيء، وزِيْدت لتقدُّم المعمولِ مقويةً للعامل، كما زِيْدَتْ فيه إذا كان العامل فرعاً كقوله: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ، ولا تُزاد فيما عدا ذينك إلا ضرورةَ كقوله:
٢٧٩٥ - فَلَمَّا أَنْ تواقَفْنا قليلاً ... أَنَخْنا للكلاكلِ فارْتَمَيْنا
يريد: أنخنا الكلاكل، فزيدت مع فقدان الشرطين، هكذا عبارة بعضهم يقول إلا في ضرورة، وبعضُهم يقول: الأكثر ألاَّ تُزادَ، ويتُحَرَّزُ مِنْ قوله تعالى ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢] فإن الأصلَ: رَدِفَكم فزيدت فيه اللام، ولا تَقَدُّم ولا فرعية، ومَنْ أطلق ذلك جَعَل الآية من باب التضمين، وسيأتي في مكانِه، وقد تقدَّم لك من هذا طرفٌ جيدٌ في تضاعيف هذا التصنيف.
الثاني: أن يُضَمَّن «تَعْبُرون» معنى ما يتعدى باللام، تقديره: إن كنتم تَنْتَدِبون لعبارة الرؤيا.
الثالث: أن يكونَ «للرُّؤْيا» هو خبر «كنتم» كما تقول: «كان فلان لهذا الأمر» إذا كان مستقلاًّ به متمكِّناً منه، وعلى هذا فيكون في «تعبرُون» وجهان،
стр. 5017
أحدهما: أنه خبرٌ ثانٍ ل «كنتم» والثاني: أنه حالٌ مِن الضمير المرتفع بالجار لوقوعه خبراً.
الرابع: أنْ تتعلَّقَ اللامُ بمحذوفٍ على أنها للبيانِ كقوله تعالى: ﴿وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ الزاهدين﴾ [يوسف: ٢٠] تقديرُه: أعني فيه، وكذلك هذا، تقديرُه: أعني للرؤيا، وعلى هذا فيكون مفعول «تعبُرون» محذوفاً تقديرُه: تعْبُرونها.
وقرأ أبو جعفر «الرُّؤْيا» وبابَها «الرُّيَّا» بالإِدغام، وذلك أنه قَلَبَ الهمزةَ واواً لسكونِها بعد ضمةٍ فاجتمعت ياءٌ وواو، وسَبَقَتْ إحداهما بالسكون، فَقُلِبَتْ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ الياءُ في الياء. وهذه القراءةُ عندهم ضعيفةٌ؛ لأنَّ البدلَ غيرُ لازمٍ فكأنه لم تُوْجَدْ واو نظراً إلى الهمزة.
وعَبَرْتُ الرؤيا بالتخفيف قال الزمخشري: «هو الذي اعتمده الأثباتُ، ورَأَيْتُهم يُنْكرون» عَبَّرت «بالتشديد والتعبير والمعبِّر» قال: «وقد عَثَرْتُ على بيت أنشده المبرد في كتاب» الكامل «لبعض الأعراب:
٢٧٩٦ - رَأَيْتُ رُؤْيا ثم عَبَّرْتُها ... وكنتُ للأحلام عَبَّارا
قال:» وحقيقةُ عبرت الرؤيا: ذكرتَ عاقبَتها وآخر أمرها كما تقول: عَبَرْتُ النهر إذا قطعتَه حتى تبلغَ آخرَ عَرْضه «.
стр. 5018
قوله تعالى: ﴿أَضْغَاثُ﴾ : «أَضْغاث» خبر مبتدأ مضمر، أي: هي أضغاث، يَعْنُون ما قَصَصْته علينا، والجملةُ منصوبةٌ بالقول.
стр. 5019
والأضغاث جمع «ضِغْث» بكسر الضاد، وهو ما جُمِع من النبات سواء كان جنساً واحداً أو أجناساً مختلطة وهو أصغرُ مِن الحُزْمة وأكبر من القَبْضة، فمِنْ مجيئه من جنسٍ واحد قولُه تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾ [ص: ٤٤] رُوِي في التفسير أنه أخذ عِثْكالاً مِنْ نخلة. وفي الحديث: «أنه أُتي بمريض وَجَبَ عليه حَدٌّ ففُعِل به ذلك» . وقال ابن مقبل:
٢٧٩٧ - خَوْدٌ كأن فِراشَها وُضِعَتْ به ... أضغاثُ رَيْحانٍ غَداةَ شَمَالٍ
/ ومِنْ مجيئه مِنْ أخلاط النبات قولهم في أمثالهم: «ضِغْثٌ على إبَّالة» ، وقد خَصَّصه الزمخشري بما جُمِع مِنْ أخلاط النبات، فقال: «وأصلُ الأَضْغاث ما جُمِع مِنْ أخلاط النبات، وحِزَم الواحِد ضِغْثٌ» . وقال الراغب: «الضِّغْث قَبْضَةُ رَيْحانٍ أو حَشيش أو قُضْبان» . قلت: وقد تقدَّم أنه أكثرُ من القَبْضة، واستعمالُ الأَضْغاث هنا من باب الاستعارة. والإِضافة في «أَضْغاث أحلام» إضافةٌ بمعنى «مِنْ» إذ التقديرُ: أضغاثٌ من أحلام.
والأَحْلام جمع حُلُم. والباء في «بتأويل» متعلقةٌ ب «عالمين» ، وفي «بعالمين» لا تعلُّقَ لها لأنها زائدةٌ: إمَّا في خبرِ الحجازيَّة أو التميمية.
стр. 5020
وقولهم ذلك يُحتمل أن يكونَ نفياً للعلم بالرؤيا مطلقاً، وأن يكونَ نفياً للعلم بتأويل الأضغاث منها خاصةً دونَ المنام الصحيح. وقال أبو البقاء: «بتأويل أضغاث الأحلام لا بد من ذلك [لأنهم لم يَدَّعوا الجهلَ بعبارة الرؤيا» انتهى. وقوله «الأحلام» وإنما كان واحداً، قال الزمخشري كما تقول: «فلان يركب الخيل ويلبس عَمائم الخَزِّ، لمَنْ لا يركب إلا فرساً واحداً ولا يتعمَّم إلا بعمامة واحدة] تَزَيُّداً في الوصف» ، ويجوز أن يكونَ قَصَّ عليهم مع هذه الرؤيا غيرها.
стр. 5021
قوله تعالى: ﴿وادكر﴾ : فيه وجهان، أظهرهما: أنها جملةٌ حاليةٌ: إمَّا مِن الموصول، وإمَّا مِنْ عائده وهو فاعل «نجا» . والثاني: أنها عطفٌ على «نجا» فلا مَحَلَّ لها لنسَقِها على ما لا محلًّ له.
والعامَّةُ على «ادَّكَرَ» بدالٍ مهملة مشددة وأصلها: اذْتَكَرَ افتعل مِنْ الذِّكر، فوقعت تاءُ الافتعال بعد الذال فأُبْدِلت دالاً فاجتمع متقاربان فأُبْدِلَ الأول مِنْ جنس الثاني وأُدغم. وقرأ الحسن البصري بذالٍ معجمة. ووجَّهوها بأنه أبدل التاءَ ذالاً مِنْ جنس الأولى وأدغم، وكذا الحكم في ﴿مُّدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٥] كما سيأتي في سورته إنْ شاء اللَّه تعالى.
والعامَّةُ على «أُمَّة» بضم الهمزة وتشديد الميم وتاء منونة، وهي المدة الطويلة. وقرأ الأشهب العقيلي بكسر الهمزة، وفسَّروها بالنعمة، أي: بعد
стр. 5022
نعمةٍ أنعم بها عليه وهي خَلاصُه من السجن ونجاتُه من القتل، وأنشد الزمخشري لعديّ:
٢٧٩٨ - ثم بعد الفَلاَح والمُلْكِ والإِمْ ... مَةِ وارَتْهُمُ هناك القبورُ
وأنشد غيره:
٢٧٩٩ - ألا لا أرى ذا إمَّةٍ أصبحَتْ به ... فَتَتْركه الأيامُ وهي كما هيا
وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وقتادة والضحاك وأبو رجاء «أَمَهٍ» بفتح الهمزة وتخفيف الميم وهاء منونة من الأَمَهِ، وهو النسيان، يقال: أَمِهَ يَأْمَهُ أَمَهاً وأمْهاً بفتح الميم وسكونها، والسكونُ غيرُ مَقيسٍ.
وقرأ مجاهد وعكرمة وشُبَيْل بن عَزْرَة: «بعد أَمْهٍ» بسكون الميم، وقد تقدَّم أنه مصدرٌ لأَمِه على غير قياس. قال الزمخشري: «ومَنْ قرأ بسكون الميم فقد خُطِّىء» . قال الشيخ: «وهذا على عادتِه في نسبته الخطأ إلى القراء» قلت: لم يَنْسِبْ هو إليهم خطأً؛ وإنما حكى أنَّ بعضَهم خطَّأ هذا القارىء فإنه قال: «خُطِّىء» بلفظِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولم يقل فقد أخطأ، على أنه إذا صَحَّ أنَّ مَنْ ذكره قرأ بذلك فلا سبيلَ إلى الخطأ إليه البتةَ. و «بعد» منصوب ب «ادَّكر» .
قوله: ﴿أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ هذه الجملةُ هي المحكية بالقول. وقرأ العامَّةُ من
стр. 5023
الإِنباء. والحسن «أنا آتيكم» مضارع أتى من الإِتيان، وهو قريبٌ من معنى الأول.
стр. 5024
والصِّدِّيق بناء مبالغة كالشِّرِّيب.
стр. 5025
قوله تعالى: ﴿تَزْرَعُونَ﴾ : ظاهرُه أن هذا إخبارٌ من يوسف ﵇ بذلك. وقال الزمخشري: «تَزْرعون» خبر في معنى الأمر كقوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ﴾ [الصف: ١١] وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب المأمورِ المأمورَ به، فَيُجعل كأنه وُجِد فهو يُخْبر عنه، والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ . قال الشيخ: «ولا يدلُّ الأمرُ بتَرْكِه في سنبلِه على أنَّ» تزرعون «في معنى ازرعوا، بل تَزْرعون إخبار غيبٍ، وأمَّا» فَذَرُوه «فهو أمرُ إشارةٍ بما ينبغي أنْ يَفْعلوه» . قلت: هذا هو الظاهرُ، ولا مَدْخَلَ لأمره لهم بالزِّراعة؛ لأنهم يَزْرعون على عادتهم، أَمَرَهم أو لم يأمرهم، وإنما يحتاج إلى الأمر فيما لم يكن من عادة الإِنسان أن يفعلَه كتَرْكِه في سُنْبله.
قوله: ﴿دَأَباً﴾ قرأ حفص بفتح الهمزة، والباقون بسكونها، وهما لغتان في مصدر دَأَب يَدْأَبُ، أي: داوَمَ على الشيء ولازَمَه. وهذا كما قالوا: ضَأْن وضَأَن، ومَعْز ومَعَز بفتح العين وسكونها. وفي انتصابه أوجهٌ، أحدها وهو قول
стр. 5026
سيبويه: أنه منصوبٌ بفعل مقدر تقديره تَدْأَبون. والثاني وهو قول أبي العباس: أنه منصوب بتزرعون لأنه من معناه، فهو من باب «قَعَدْتُ القُرْفُصاء» . وفيه نظر لأنه ليس نوعاً خاصاً به بخلاف القرفصاء مع القعود. / والثالث: أنه واقعٌ موقع الحال فيكون فيه الأوجه المعروفة: إمَّا المبالغةُ، وإمَّا وقوعُه موقعَ الصفة، وإمَّا على حذف مضاف، أي: دائِبين أو ذوي دأب، أو جَعَلهم نفسَ الدَأَب مبالغة. وقد تقدَّم الكلامُ على «الدأب» في آل عمران عند قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [الآية: ١١] .
قوله: ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ﴾ «ما» يجوز أن تكونَ شرطيةً أو موصولةً. وقرأ أبو عبد الرحمن «يأكلون» بالغَيْبة، أي: الناس، ويجوز أن يكونَ التفاتاً.
стр. 5027
وقوله تعالى: ﴿سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ : حُذِف المميِّز وهو الموصوف لدلالة ما تقدَّم عليه. ونَسَبَ الأكلَ إليهنَّ مجازاً كقوله: ﴿والنهار مُبْصِراً﴾ [يونس: ٦٧] لمَّا كان الأكلُ والإِبصارُ فيهما جُعِلا كأنهما واقعان فيهما.
стр. 5028
قوله تعالى: ﴿يُغَاثُ الناس﴾ : يجوز أن تكون الألف عن واو، وأن تكون عن ياء: إمَّا مِن الغَوْث وهو الفَرَج، وفعلُه رباعيٌّ يُقال: أغاثَنا اللَّه، مِن الغَوْث، وإمَّا مِن الغَيْث وهو المطرُ يُقال: «غِيْثَتِ البلاد» ، أي: مُطِرَتْ، وفعلُه ثلاثي يقال: غاثنا اللَّه مِن الغَيْث. وقالت أعرابية: «غِثْنا ما شِئْنا» ، أي: مُطِرْنا ما أَرَدْنا «.
стр. 5029
قوله: ﴿يَعْصِرُونَ﴾ قرأ الأخوان» تَعْصِرون «بالخطاب، والباقون بياء الغيبة، وهما واضحتان، لتقدُّم مخاطبٍ وغائب، فكلُّ قراءةٍ تَرْجِعُ إلى ما يليق به. و» يَعْصِرون «يحتمل أوجهاً، أظهرُها: أنه مِنْ عَصَرَ العِنَبَ أو الزيتون أو نحو ذلك. والثاني: أنه مِنْ عَصَر الضَّرْع إذا حَلَبَه. والثالث: أنه من العُصْرة وهي النجاة، والعَصَر: المَنْجى. وقال أبو زبيد في عثمان ﵁:
٢٨٠٠ - صادِياً يَسْتغيث غيرَ مُغَاثٍ ... ولقد كان عُصْرَة المَنْجودِ
ويَعْضُد هذا الوجهَ مطابقةُ قولِه ﴿فِيهِ يُغَاثُ الناس﴾ يُقال: عَصَره يَعْصِرُه، أي: أنجاه.
وقرأ جعفر بن محمد والأعرج:» يُعْصَرون «بالياء من تحت، وعيسى البصرة بالتاء من فوق، وهو في كلتا القراءتين مبنيٌّ للمفعول. وفي هاتين القراءتين تأويلان، أحدهما: أنها مِنْ عَصَره، إذا أنجاه، قال الزمخشري:» وهو مطابِقٌ للإِغاثة «. والثاني: قاله قطرب أنها من الإِعصار، وهو إمطار السحابة الماءَ كقولِه: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ المعصرات﴾ [النبأ: ١٤] . قال الزمخشري:» وقرىء «يُعْصَرون» : يُمْطَرون مِنْ أَعْصَرَتِ السَّحابة، وفيه وجهان: إمَّا أن يُضَمَّن أَعْصَرت معنى مُطِرَتْ فيُعَدَّى تعديتَه، وإمَّا أن يقال: الأصل: أُعْصِرَتْ
стр. 5030
عليهم فَحَذَفَ الجارَّ وأوصل الفعلَ [إلى ضميرهم، أو يُسْنَدُ الإِعصارُ إليهم مجازاً فجُعِلوا مُعْصَرين «] .
وقرأ زيد بن علي:» تِعِصِّرون «بكسر التاء والعين والصادِ مشددَّة، وأصلها تَعْتصرون فأدغم التاء في الصاد، وأتبع العينَ للصاد، ثم أتبع التاء للعين، وتقدَّم تحريره في ﴿أَمَّن لاَّ يهدي﴾ [يونس: ٣٥] .
ونقل النقاش قراءةَ» يُعَصِّرون «بضم الياء وفتح العين وكسر الصادِ مشددةً مِنْ» عَصَّر «للتكثير. وهذه القراءةُ وقراءةُ زيدٍ المتقدمة تحتملان أن يكونا مِن العَصْر للنبات أو الضرع، أو النجاة كقول الآخر:
٢٨٠١ - لو بغيرِ الماءِ حَلْقي شَرِقٌ ... كنت كالغَصَّانِ بالماءِ اعتصاري
أي: نجاتي.
стр. 5031
قوله تعالى: ﴿مَا بَالُ النسوة﴾ : العامَّةُ على كسر نون النسوة، وضَمَّها عاصم في روايةِ أبي بكرٍ عنه، وليست بالمشهورة، وكذلك قرأها أبو حيوة. وقُرِىء «اللائي» وكلاهما جمعٌ ل «التي» .
стр. 5032
والخَطْبُ: الأمر والشأن الذي فيه خطرٌ. قال امرؤ القيس:
٢٨٠٢ - وما المَرْءُ ما دامَتْ حُشاشَةُ نفسِه ... بمُدْرِكِ أَطْرافِ الخُطوبِ ولا آلِ
стр. 5033
وهو في الأصلِ مصدرُ خَطَب يَخْطُبُ، وإنما يُخْطب في الأمور العظام.
قوله: ﴿إِذْ رَاوَدتُنَّ﴾ هذا الظرفُ منصوبٌ بقوله «خَطْبُكُنَّ» لأنه في معنى الفعل؛ إذ المعنى: ما فعلتنَّ وما أَرَدْتُنَّ به في ذلك الوقتِ؟
قوله: ﴿الآن حَصْحَصَ﴾ «الآن» منصوبٌ بما بعدَه، وحَصْحَصَ معناه تَبيَّنَ وظهر بعدَ خَفَاءٍ، قاله الخليل. قال بعضهم: هو مأخوذٌ مِن الحِصَّة والمعنى: بانَتْ حِصَّةُ الحَقِّ مِنْ حِصَّةِ الباطل كما تتميَّز حِصَصُ الأراضي وغيرِها. وقيل: بمعنى ثبت واستقرَّ. وقال الراغب: «حَصْحَصَ الحقُّ، وذلك بانكشافِ ما يَغْمُره، وحَصَّ وحَصْحَصَ نحو: كَفَّ وكَفْكَفَ وكَبَّ وكَبْكَبَ، وحَصَّه: قَطَعه: إمَّا بالمباشرة وإمَّا بالحكم، فمِنَ الأول قولُ/ الشاعر:
٢٨٠٣ - قد حَصَّتِ البيضة رأسي. . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنه رَجُلٌ أَحَصُّ: انقطع بعضُ شَعْره، وامرأة حَصَّاءُ، والحِصَّة القطعةُ من الجملة ويُسْتعمل استعمالَ النصيب. وقيل: هو مِنْ» حَصْحَصَ البعير «إذا أَلْقَى ثَفِناتِه للإِناخِةِ، قال الشاعر:
стр. 5034
٢٨٠٤ - فَحَصْحَصَ في صُمِّ الصَّفَا ثَفِناتِه ... وناءَ بسلمى نَوُءَةً ثم صَمَّما
стр. 5035
قوله تعالى: ﴿ذلك﴾ : خبر مبتدأ مضمر، أي: الأمر ذلك. و «ليعلم» متعلقٌ بمضمرٍ، أي: أظهر اللَّه ذلك ليعلم، أو مبتدأ وخبره محذوفٌ، أي: ذلك الذي صَرَّحْتُ به عن براءته أمرٌ من اللَّه لا بدَّ منه، و «لِيَعْلمَ» متعلقٌ بذلك الخبرِ، أو يكون «ذلك» مفعولاً لفعلٍ مقدر يتعلَّقُ به هذا الجارُّ أيضاً، أي: فَعَلَ اللَّه ذلك، أو فَعَلْتُه أنا بتيسير اللَّه ليعلمَ.
قوله: ﴿بالغيب﴾ يجوز أن تكونَ الباءُ ظرفيةً. قال الزمخشري: «أي» : بمكان الغَيْب وهو الخَفَاءُ والاستتار وراءَ الأبوابِ السبعة المُغَلَّقة «. ويجوز أن تكون الباء للحال: إمَّا مِنَ الفاعل على معنى: وأنا غائب عنه خفيٌّ عن عينه، وإمَّا من المفعول على معنى: وهو غائب عني خفيٌّ عن عيني، وهذا مِنْ كلامِ يوسُفَ، وبه بدأ الزمخشري كالمختار له. وقال غيرُه: إنه مِنْ كلامِ امرأة العزيز وهو الظاهر. وقوله:» وأنَّ اللَّه «نَسَقٌ على» أني «أي ليَعلمَ الأمرين.
стр. 5036
قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا رَحِمَ﴾ : فيه أوجه، أحدُها: أنه مستثنى من الضمير المستكنِّ في «أمَّارَةٌ» كأنه قيل: إن النفس لأمَّارة بالسوءِ إلا نَفْساً رحمها ربِّي، فيكون أراد بالنفس الجنسَ، فلذلك ساغ الاستثناء منها كقولِه تعالى: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ [العصر: ٢-٣] ، وإلى هذا نحا الزمخشري فإنه قال: «إلا البعضَ الذي رحمه ربي بالعِصْمة كالملائكة» وفيه نظرٌ مِنْ حيث إيقاعُ «ما» على مَنْ يَعْقِلُ والمشهورُ خِلافُه.
стр. 5037
والثاني: أنَّ «ما» في معنى الزمان فيكون مستثنى من الزمن العام المقدَّر. والمعنى: إنَّ النفس لأمَّارَةٌ بالسوء في كلِّ وقتٍ وأوانٍ إلا وقتَ رحمةِ ربي إياها بالعِصْمة. ونظرَّه أبو البقاء بقوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ﴾ [النساء: ٩٢] . وقد تقدَّم أن الجمهورَ لا يُجيزون أن تكون «أنْ» واقعةً موقعَ ظرفِ الزمان.
والثالث: أنه مستثنى من مفعول «أمَّارة» ، أي: لأمَّارةٌ صاحبَها بالسوءِ إلا الذي ﵀. وفيه إيقاعُ «ما» على العاقل.
والرابع: أنه استثناءٌ منقطعٌ. قال ابن عطية: «وهو قولُ الجمهور» . وقال الزمخشري: «ويجوز أن يكونَ استثناءً منقطعاً، أي: ولكنْ رحمةُ ربي هي التي تَصْرِف الإِساءةَ كقوله: ﴿وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ إِلاَّ رَحْمَةً مِّنَّا﴾ [يس: ٢٣] .
стр. 5038
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾ : يجوز أن يكونَ الفاعلُ ضميرَ المَلِك، والمفعول ضميرَ يوسفَ ﵇ وهو الظاهر، ويجوز العكس.
стр. 5039
قوله تعالى: ﴿لِيُوسُفَ﴾ : يجوز في هذه اللامِ أنْ تكونَ متعلقةً ب «مَكَّنَّا» على أن يكون مفعولُ «مَكَّنَّا» محذوفاً تقديره: مَكَّنَّا لِيوسفَ الأمورَ، أو على أن يكونَ المفعولُ به «حيث» كما سيأتي. ويجوز أن تكونَ زائدةً عند مَنْ يرى ذلك، وقد تقدم أنَّ الجمهورَ يَأْبَوْن ذلك إلا في موضعين.
стр. 5040
قوله: ﴿يَتَبَوَّأُ﴾ جملةٌ حاليةٌ من «يوسف» . و «منها» يجوز أنْ تتعلَّق ب «يَتَبوَّأ» . وأجاز أبو البقاء أَنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها حالٌ مِنْ «حيث» .
و «حيث» يجوزُ أن يكونَ ظرفاً ل «يَتَبَوَّأ» ، ويجوز أنْ يكونَ مفعولاً به وقد تقدَّم تحقيقُه في الأنعام.
وقرأ ابن كثير «نَشَاء» بالنون على أنها نونُ العظمةِ للَّه تعالى. وجَوَّز أبو البقاء أن يكونَ الفاعلُ ضميرَ يوسف قال: «لأنَّ مشيئته مِنْ مشيئة اللَّه» وفيه نظرٌ لأنَّ نَظْم الكلامِ يَأْباه. والباقون بالياء على أنه ضمير يوسف. ولا خلاف في قول ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ﴾ أنها بالنون. وجَوَّز الشيخ أن يكونَ الفاعلُ في قراءة الياء ضميرَ اللَّهِ تعالى، ويكون التفاتاً.
стр. 5041
قوله تعالى: ﴿بِجَهَازِهِمْ﴾ : العامَّةُ على فتح الجيم، وقُرىء بكسرِها، وهما لغتان فيما يحتاجه الإِنسانُ مِنْ زاد ومتاعٍ ومنه «جهاز العروس» و «جهاز البيت» .
وقوله: ﴿بِأَخٍ لَّكُمْ﴾ ولم يَقُلْ بأخيكم بالإِضافة؛ مبالغةً في عَدَم تَعَرُّفِه بهم؛ ولذلك فَرَّقوا بين «مررت بغلامك» و «بغلامٍ لك» فإنَّ الأولَ يَقْتضي عِرْفانك بالغلام، وأن بينك وبين مخاطِبك نوعَ عَهْدٍ، والثاني لا يَقْتَضي ذلك،
стр. 5042
وقد تُخْبر عن المعرفة إخبارَ النكرة فتقول: «قال رجل كذا» وأنت تعرفه لصِدْق إطلاقِ النكرةِ على المعرفة.
стр. 5043
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾ : يُحْتمل أنْ تكونَ «لا» ناهيةً فيكونَ «تَقْربون» مجزوماً، ويُحْتمل أن تكونَ «لا» نافيةً وفيه وجهان، أحدهما: أن يكونَ داخلاً في حَيِّز الجزاء معطوفاً عليه، فيكونَ أيضاً مجزوماً على ما تقدم. والثاني: أنه نفيٌّ مستقلٌّ غيرُ معطوف على جزاءِ الشرط، وهو خبر في معنى النهي كقوله: ﴿فَلاَ رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧] . /
стр. 5044
قوله تعالى: ﴿لِفِتْيَانِهِ﴾ : قرأ الأخوان وحفص: «لفتيانه» ، والباقون: «لفِتْيَتِه» ، والفِتْيان جمع كثرة، والفِتْية جمعُ قلَّة، فالتكثير بالنسبة إلى المأمورين، والقلَّة بالنسبة إلى المتناولين. و «فتى» يُجْمع على فِتْيان وفِتْيَة وقد تقدَّم: هل فِعْلَة في الجموع اسمُ جمعٍ أو جمعُ تكسير، ومثله «أخ» فإنه جُمِع على إخْوَة وإخوان.
و «يَرْجِعون» يحتمل أن يكونَ متعدِّياً وحُذِف مفعوله، أي: يَرْجعون البضاعةَ لأنه عَرَف من دينهم ذلك، وأن يكونَ قاصراً بمعنى يرجعون إلينا.
стр. 5045
وقرأ الأخوان «يَكْتَلْ» بالياء من تحت، أي: يكتل أخونا، والباقون بالنون، أي: نكتل نحن، وهو مجزومٌ على جواب الأمر.
ويُحكى أنه جرى بحضرةِ المتوكلِ أو وزيرِه ابن الزياتِ بين المازني وابن السكيت مسألةٌ: وهي ما وزنُ «نَكْتَلْ» ؟ فقال يعقوب: نَفْتَل، فَسَخِر به
следующие страницы →