Полный текст (10 772 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
والمرادُ به جبريلُ ﵇ لقولِ حَسَّان:
٦٠٤ - وجبريلٌ رسولُ الله فينا ... وروحُ القُدْسِ ليس له كِفَاءُ
سُمِّي بذلك لأنَّ بسببه حياةَ القلوب.
قوله: ﴿أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ﴾ الهمزةُ هنا للتوضيحِ والتقريعِ، والفاءُ للعطفِ عَطَفَتْ هذه الجملةَ على ما قبلَها، واعتُنِيَ بحرفِ الاستفهام فقُدِّمَ، وقد مَرَّ تحقيقُ ذلك، وأنَّ الزمخشري يُقَدِّر بين الهمزةِ وحرفِ العطْفِ جملةً ليَعْطِفَ عليها. وهذه الجملةُ يجوز أَنْ تكونَ معطوفةً على ما قبلها من غيرِ حَذْفِ شيء، كأنه قال: ولقد آتَيْنا يا بني إسرائيلَ أنبياءَكم ما آتيناهُمْ فكلما جاءَكم رسُولٌ. ويجوز أَنْ يُقَدَّر قبلَها محذوفٌ أي: فَفَعَلْتُم ما فَعَلْتُم فكلما جاءَكم رسولٌ. وقد تقدَّم الكلام في» كلما «عند قولِه:
﴿كُلَّمَا أَضَآءَ﴾ [البقرة: ٢٠] . والناصبُ لها هنا «استكبرتم» ، و «رسول» فَعُول بمعنى مَفْعُول أي مُرْسَل، وكونُ فَعُول بمعنى المَفْعُول قليلٌ، جاء منه الرَّكُوب والحَلُّوب أي: المَرْكُوب والمَحْلُوب، ويكون مصدراً بمعنى الرسالة قاله الزمخشري. وأنشد:
٦٠٥ - لقد كَذَبَ الواشون ما فُهْتُ عندَهم ... بِسِرٍّ ولا أَرْسَلْتُهُمْ برَسول
أي: برسالة، ومنه عنده: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾ [الشعراء: ١٦] .
قوله: ﴿بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُكُمْ﴾ متعلِّق بقوله «جاءكم» ، و «جاء» يتعدى بنفسِه تارةً كَهذِه الآية، وبحرفِ الجرِّ أُخْرى نحو: جِئْتُ إليه، و «ما» موصولةٌ
стр. 562
بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ لاستكمالِ الشروط، والتقديرُ: بما لا تهواه، و «تهوى» مضارعُ هَوِي بكسر العين ولامُه من ياءٍ لأنَّ عينَه واوٌ، وباب طَوَيْتُ وشَوَيْتُ أكثرُ من بابُ قوَّة وحُوَّة. ولا دليلَ في «هَوِيَ» لانكسار العين وهو مثل «شَقِي» من الشَّقاوة، وقولُهم في تثنيةِ مصدرِه هَوَيان أدلُّ دليلٍ على ذلك، ومعنى تَهْوَى: تُحِبُّ وتختار. وأصل الهَوَى: المَيْلُ، سُمِّي بذلك لأنه يَهْوي بصاحبِه في النار ولذلك لا يُسْتعمل غالباً إلا فيما لا خَيْرَ فيه، وقد يُستعمل فيما هو خيرٌ، ففي الحديث الصحيح قولُ عمرَ في أُسارى بدر: «فَهَوِي رسولُ الله ﷺ ما قالَ أبو بكر ولم يَهْوَ ما قلت. وعن عائشة ﵂:» واللهِ ما أَرى ربَّك إلا يُسارع في هَوَاك «وجمعُه أَهْواء، قال تعالى: ﴿بِأَهْوَائِهِم﴾ [الأنعام: ١١٩] ولا تُجْمع على أَهْوِية وإنْ كان قد جاء: نَدَى وأَنْدِية قال الشاعر:
٦٠٦ - في ليلةٍ من جُمادى ذاتِ أَنْدِيَةٍ ... لا يُبْصِرُ الكلبُ في ظَلْمائها الطُّنُبا
وأمَّا» هوى يَهْوي «بفتحها في الماضي وكسرِها في المضارع فمعناهُ السقوطُ، والهَوِيُّ بفتح الهاءُ ذهابٌ في انحدارِ، والهُوِيُّ ذهابٌ في صعود، وسيأتي تحقيقُ كلِّ ذلك، وأسندَ الفعلَ إلى الأنفس دونَ المخاطبِ فلم يَقُلْ:» بما لا تَهْوون «تنبيهاً أنَّ النفسَ يُسْنَدُ إليها الفعلُ السَّيِّء غالباً نحو: ﴿
стр. 563
إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء﴾ [يوسف: ٥٣] ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ﴾ [يوسف: ١٨] ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ [المائدة: ٣٠] واستكبر بمعنى تَكَبَّرَ.
قوله: ﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ﴾ الفاءُ عاطفةٌ جملةَ» كَذَّبْتم «على» استكبرتم «و» فريقاً «مفعولٌ مقدَّم قُدِّم لتتفقَ رؤوسَ الآي، وكذا ﴿وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ ، ولا بُدَّ من محذوفٍ أي: فريقاً منهم، والمعنى أنه نشأ عن استكبارهم مبادرةُ فَرِيقٍ من الرسلِ بالتكذيب ومبادَرَةُ آخرين بالقتلِ، وقَدَّم التكذيبَ لأنه/ أولُ ما يفعلونه من الشرِّ ولأنه مشتركٌ بين المقتولِ وغيره، فإنَّ المقتولِين قد كذَّبوهم أيضاً، وإنما لم يُصَرِّحْ به لأنه ذَكَرَ أقبحَ منه في الفعلِ. وجيء ب» تقتلون «مضارعاً: إمَّا لكونِه مستقبلاً لأنهم كانوا يَرُومون قَتْلَ رسولِ الله ﷺ ، ولِما فيه من مناسبة رؤوسِ الآيِ والفواصِل، وإمَّا أن يُرادَ به الحالُ الماضيةُ أن الأمرَ فظيعٌ فأُريد استحضارُه في النفوس وتصويرُه في القلوب. وأجازَ الراغب أَنْ يكونَ ﴿فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ﴾ معطوفاً على قوله» وأَيَّدْناه «ويكونُ» أفكلما «مع ما بعده فَصْلاً بينهما على سبيلِ الإِنكار، والأظهرُ هو الأولُ، وإنْ كان ما قاله محتملاً.
стр. 564
قوله تعالى: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ . . مبتدأٌ وخبر، والجملةُ في محلِّ نصبِ بالقول قبلَه، وقرأ الجمهورُ: «غُلْفٌ» بسكون اللام، وفيها وجهان، أحدهما وهو الأظهرُ: أن يكونَ جمع «أَغْلَف» كأحمر وحُمْر وأصفر وصُفْر، والمعنى على هذا: أنها خُلِقَتْ وجُبِلت مُغَشَّاةً لا يَصِلُ إليها الحقُّ استعارةً من الأغلف الذي لم يُخْتَتَنْ. والثاني: أن يكونَ جمعَ «
стр. 565
غِلاف» ، ويكونُ أصلُ اللامِ الضمَّ فخُفِّفَ نحو: حِمار وحُمُر وكتاب وكُتُب، إلاَّ أنَّ تخفيفَ فُعُل إنما يكون في المفرد غالباً نحو عُنْق في عُنُق، وأمَّا فُعُل الجمع فقال ابن عطية: «لا يجوز تخفيفُه إلا في ضرورةٍ» ، وليس كذلك، بل هو قليل، وقد نصّ غيرُه على جوازه، وقرأ ابن عباس ويُروى عن أبي عمرو بضمِّ اللامِ وهو جمع «غِلاف» ، ولا يجوز أن يكون فُعُل في هذه القراءة جمعَ «أَغْلف» لأنَّ تثقيلَ فُعُل الصحيحِ العينِ لا يجوز إلاَّ في شِعْر، والمعنى على هذه القراءة أنَّ قلوبَنا أوعيةٌ للعلمِ فهي غيرُ محتاجةٍ إلى علمٍ آخر، والتغليفُ كالتغشِيَة في المعنى.
قوله: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ الله﴾ «بل» حرفُ إضرابٍ، والإِضرابُ راجعٌ إلى ما تَضَمَّنه قولُهم من أن قلوبَهم غُلْف، فردَّ الله عليهم ذلك بأنَّ سببَه لَعْنُهم بكفرهم السابق. والإِضرابُ على قسمين: إبطالٍ وانتقالٍ، فالأول نحو: ما قام زيدٌ بل عمروٌ، ولا تَعْطِفُ «بل» إلا المفردات، وتكونُ في الإِيجاب والنفي والنهي، ويُزاد قبلها «لا» تأكيداً. واللَّعْنُ: الطَّرْدُ والبُعْدُ، ومنه: شَأْوٌ لعين أي بعيد: قال الشمَّاخ.
٦٠٧ - ذَعَرْتُ به القَطا ونَفَيْتُ عنه ... مقامَ الذئبِ كالرَّجُلِ اللَّعينِ
أي: البعيد، وكان وجهُ الكلام أن يقول: «مقام الذئب اللعين كالرجل» . والباءُ في «بكفرهم» للسببِ، وهي متعلِّقَةٌ بلَعَنَهُمْ. وقال الفارسي: «النية به التقديمُ أي: وقالوا: قُلوبنا غلفٌ بسببِ كفرهم، فتكونُ الباءُ متعلقةً بقالوا وتكونُ» بل لعنهم «جملةً معترضةً» ، وفيه بُعْدٌ، ويجوز أن تكونَ حالاً
стр. 566
من المفعولِ في «لَعَنهم» أي لعَنهم كافرين أي: مُلتبسين بالكفرِ كقوله: ﴿وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر﴾ [المائدة: ٦١] .
قوله: ﴿فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ في نصبِ «قليلاً» ستةُ أوجهٍ، أحدُها وهو الأظهرُ: أنه نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي: فإيماناً قليلاً يُؤمنون. الثاني: أنه حالٌ من ضمير ذلك المصدرِ المحذوفِ أي: فيؤمنونه أي الإِيمانَ في حالِ قلَّته، وقد تقدَّم أنه مذهب سيبويه وتقدَّم تقريره. الثالث: أنه صفةٌ لزمان محذوفٍ، أي: فزماناً قليلاً يؤمنون، وهو كقوله: ﴿آمِنُواْ بالذي أُنْزِلَ عَلَى الذين آمَنُواْ وَجْهَ النهار واكفروا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] . الرابع: أنه على إسقاطِ الخافض والأصل: فبقليل يؤمنون، فلمَّا حُذِفَ حرفُ الجرِّ انتصب، ويُعْزَى لأبي عبيدة.
الخامس: أن يكونَ حالاً من فاعل «يؤمنون» ، أي فَجَمْعاً قليلاً يؤمنون أي المؤمِنُ فيهم قليلٌ، قال معناه ابنُ عباس وقتادة. إلا أن المهدوي قال: «ذهب قتادة إلى أنَّ المعنى: فقليلٌ منهم مَنْ يؤمن، وأنكره النحويون، وقالوا: لو كانَ كذلك لَلَزِمَ رفعُ» قليل «. قلت: لا يلزمَ الرفعُ مع القول بالمعنى الذي ذهب إليه قتادة لِما تقدَّم من أنَّ نصبَه على الحالِ وافٍ بهذا المعنى: و» ما «على هذه الأقوالِ كلها مزيدةٌ للتأكيد. السادس: أن تكونَ» ما «نافيةً أي: فما يؤمنون قليلاً ولا كثيراً، ومثلُه: ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: ١٠] ، ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] ، وهذا قويٌ من جهة المعنى، وإنما يَضْعُفُ شيئاً من جهةٍ تقدُّم ما في حَيِّزها عليها، قاله أبو البقاء، وإليه ذهب ابن الأنباري، إلا أنَّ تقديمَ
стр. 567
ما في حَيِّزها عليها لم يُجْزِه البصريون، وأجازه الكوفيون. قال أبو البقاء:» ولا يَجُوز أَنْ تكونَ «ما» مصدريةً، لأن «قليلاً» يبقى بلا ناصبٍ «. يعني أنَّك إذا جَعَلْتَها مصدريةً كان ما بعدَها صلتَها، ويكون المصدرُ مرفوعاً ب» قليلاً «على أنه فاعلٌ به فأين الناصبُ له؟ وهذا بخلافِ قولِه ﴿كَانُواْ قَلِيلاً مِّن الليل مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧] فإنَّ» ما «هناك يجوزُ أن تكونَ مصدريةً لأنَّ» قليلاً «منصوبٌ ب كان. وقال الزمخشري:» ويجوز أن تكونَ القِلَّةُ بمعنى العَدَم «. قال الشيخ:» وما ذهبَ إليه من أنَّ «قليلاً» يُراد به النفيُ فصحيحٌ، لكنْ في غيرِ هذا التركيب، أعني قوله تعالى: ﴿فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ لأنَّ «قليلاً» انتصبَ بالفعلِ المثبتِ فصار نظيرَ «قُمْتُ قليلاً» أي: قمتُ قياماً قليلاً، ولا يَذْهَبُ ذاهبٌ إلى أنَّك إذا أَتَيْتَ بفعلٍ مُثْبَتٍ وجَعَلْتَ «قليلاً» منصوباً نعتاً لمصدرِ ذلك الفعلِ يكونُ المعنى في المُثْبَتِ الواقعِ على صفةٍ أو هيئةٍ انتفاءَ ذلك المُثْبَتِ رأساً وعدَمَ قوعِه بالكلِّية، وإنما الذي نَقَل النحويون: أنَّه قد يُراد بالقلة النفيُ المَحْضُ في قولهم: «أقَلُّ رجلٍ يقول ذلك، وقَلَّما يقوم زيد» ، وإذا تقرَّر هذا فَحَمْلُ القلةِ على النفي المَحْضِ هنا ليس بصحيحٍ «. انتهى. / قلت: ما قاله أبو القاسم الزمخشري ﵀ من أنَّ معنى التقليلِ هنا النفيُ قد قال به الواحديُّ قبلَه، فإنه قال:» أَيْ: لا قليلاُ ولا كثيراً، كما تقول: قَلَّما يفعلُ كذا، أي: ما يفعله أصلاً «.
стр. 568
قوله تعالى: ﴿مِّنْ عِندِ الله﴾ . . فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه في محلِّ رفع صفةً لكتاب، فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، أي كتابٌ كائنٌ من عندِ الله.
стр. 569
والثاني: أن يكونَ في محلِّ نصبٍ لابتداءِ غايةِ المجيء قالَه أبو البقاء. وقد ردَّ الشيخ هذا الوجهَ فقال: «لا يُقال إنه يُحْتمل أن يكونَ ﴿مِّنْ عِندِ الله﴾ متعلقاً بجاءهم، فلا يكونُ صفةً، للفصلِ بين الصفةِ والموصوفِ بما هو معمولٌ لغير أحدهِما» يعني أنه ليس معمولاً للموصوفِ ولا للصفةِ فَلا يُغْتَفَرُ الفصلُ به بينهما.
والجمهورُ على رفع «مُصَدِّقٌ» على أنه صفةٌ ثانيةٌ، وعلى هذا يُقال: قد وُجِدَ صفتان إحداهُما صريحةٌ والأخرى مؤولةٌ، وقد قُدِّمَتِ المؤولةُ، وقد تقدَّم أنَّ ذلك غيرُ ممتنع وإنْ زَعَمَ بعضُهم أنه لا يجوزُ إلا ضرورةً. والذي حَسَّنَ تقديمَ غير الصريحة أنَّ الوصفَ بكينونَتِه مِنْ عندِ الله آكدُ، وأنَّ وصفَه بالتصديقِ ناشىءٌ عن كونه من عندِ الله. وقرأ ابن أبي عبلة «مُصَدِّقاً» نصباً، وكذلك هو في مصحفِ أُبيّ، ونصبُه على الحال، وفي صاحِبها قولان، أحدُهما أنه «كتاب» . فإنْ قيل: كيفَ جاءت الحالُ مِن النكرة؟ فالجوابُ أنها قد قَرُبَتْ من المعرفة لتخصيصِها بالصفةِ وهي ﴿مِّنْ عِندِ الله﴾ كما تقدَّم. على أنَّ سيبويهِ أجاز مجيئَها منها بلا شرطٍ، وإلى هذا الوجه أشار الزمخشري. والثاني: أنه الضمير الذي تَحَمَّله الجارُّ والمجرورُ لوقوعِه صفةً، والعاملُ فيها إمَّا:
стр. 570
الظرفُ أو ما يتعلَّق به على الخلاف لمشهور، ولهذا اعترَضَ بعضُهم على سيبويه في قوله:
٦٠٨ - لِمَيَّةَ موحِشاً طَلَلٌ ... يَلُوح كأنَّه خِلَلُ
إنَّ «موحشاً» حالٌ من «طَلَل» ، وساغَ ذلك لتقدُّمِهِ، فقال: لا حاجةَ إل ذلك، إذ يمكنُ أن يكونَ حالاً من الضمير المستكنِّ في قوله: «لميَّةَ» الواقعَ خبراً لطلل، وللجوابِ، عن ذلك موضعٌ آخرُ. واللام في ﴿لِّمَا مَعَهُمْ﴾ مقويةٌ لتعدية «مُصَدِّق» لكونِه فَرْعاً، و «ما» موصولةٌ، والظرفُ صلتُها.
قوله: ﴿وَكَانُواْ﴾ يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ معطوفاً على «جاءهم» فيكونُ جوابُ «لَمَّا» مرتَّباً على المجيءِ والكونِ. والثاني: أن يكونَ حالاً أي: وقد كانُوا، فيكونُ جوابُ «لَمَّا» مرتَّباً على المجيءِ بقيدٍ في مفعولِه وهم كونُهم يَسْتَفْتِحون. قال الشيخ: «وظاهرُ كلامِ الزمخشري أن» وكانوا «ليسَتْ معطوفةً على الفعلِ بعد» لَمَّا «ولا حالاً، لأنه قدَّر جوابَ» لَمَّا «محذوفاً قبل تفسيره» يستفتحون «، فَدلَّ على أنَّ قوله» وكانوا «جملةٌ معطوفةٌ على مجموعِ الجملةِ من قولِه: ولَمَّا، وهذا هو الثالثُ.
و ﴿مِن قَبْلُ﴾ متعلقٌ بيَسْتَفْتِحون، والأصل، من قبلِ ذلك، فلمَّا قُطِعَ بُنِيَ على الضمِّ.
و «يَسْتَفْتحون» في محلِّ النصبِ على خبر «كان» . واختلف النحويون في جوابِ «لَمَّا» الأولى والثانية. فَذَهَبَ الأخفش والزجاج إلى أنَّ
стр. 571
جوابَ الأولى محذوفٌ تقديرُه: ولَمَّا جاءهم كتابٌ كفروا به. وقَدَّره الزمخشري: «كَذَّبوا به واستهانوا بمجيئه» وهو حَسَنٌ. وذهب الفراء إلى أنَّ جوابَها الفاءُ الداخلةُ على لَمَّا، وهو عندَه نظير ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ﴾ [البقرة: ٣٨] قال: «ولا يجوزُ أن تكونَ الفاءُ ناسقةً إذ لا يَصْلُح موضِعَهَا الواوُ» و «كفروا» جوابُ لَمَّا الثانية على القولَيِْن. وقال أبو البقاء: «في جواب لَمَّا الأولى وجهانِ، أحدُهما: جوابُها» لَمَّا «الثانية وجوابُها. وهذا ضعيفٌ لأنَّ الفاءَ مع» لمَّا «الثانيةِ، و» لمَّا «لا تُجَابُ بالفاءِ إلا أَنْ يُعْتقدَ زيادةُ الفاءِ على ما يُجيزه الأخفش» قلت: ولو قيل برأي الأخفش في زيادةِ الفاءِ من حيث الجملةُ فإنه لا يمكنُ ههنا لأنَّ «لَمَّا» لا يُجابُ بمثلِها، لا يُقال: «لَمَّا جاء زيدٌ لَمَّا قَعَد أكرمتُك» على أن يكونَ «لَمَّا قعد» جوابَ «لمَّا جاء» . والله أعلم.
وذهب المبردُ إلى أنَّ «كفروا» جوابُ «لَمَّا» الأولى وكُرِّرت الثانيةُ لطولِ الكلام، ويُفيد ذلك تقريرَ الذنبِ وتأكيدَه، وهو حسنٌ، لولا أنَّ الفاءَ تَمْنع من ذَلك. وقال أبو البقاء بعد أن حَكَى وجهاً أولَ: «والثاني: أنَّ» كفروا «جوابُ الأولى والثانية لأنَّ مقتضاهما واحدٌ. وقيل: الثانيةُ تكريرٌ فلم يُحْتَجْ إلى جواب» قلت: «قولُه:» وقيل الثانية تكريرٌ «هو ما حَكَيْتُ عن المبرد، وهو في الحقيقة ليس مغايراً للوجه الذي ذَكَره قبله من كون» كفروا «جواباً لهما بل هو هو.
قوله: ﴿فَلَعْنَةُ الله عَلَى الكافرين﴾ جملةٌ من مبتدأ أو خبرٍ مُتَسَبِّبَةٌ عَمَّا تقدَّم. والمصدرُ هنا مضافٌ للفاعل، وأتى ب» على «تنبيهاً على أنَّ اللعنةَ قد
стр. 572
استعْلَتْ عليهم وشَمِلَتْهم. وقال: ﴿عَلَى الكافرين﴾ ولم يقُلْ» عليهم «إقامةً للظاهر مُقامَ المضمرِ لينبِّه على السبب المقتضي لذلك وهو الكفرُ.
стр. 573
قولُه تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشتروا﴾ . . بئسَ: فعلٌ ماض غيرُ متصرفٍ، معناه الذمُّ، فلا يَعْمُل إلا في معرَّفٍ بأل، أو فيما أُضيف إلى ما هما فيه، أو في مضمرٍ مفسَّرٍ بنكرةٍ، أو في «ما» على قول سيبويه. وفيه لغاتٍ: بَئِسَ بكسر العينِ وتخفيفٍ، هذا الأصلُ، وبِئِس بكسرِ الفاء إتباعاً للعينِ وتخفيفٍ، هذا الإِتباعُ، وهو أشهرُ الاستعمالاتِ، ومثلُها «نِعْمَ» في جميع ما تقدَّم من الأحكام واللغات. وزعم الكوفيون أنهما اسمان، مستدلِّين بدخول حرف الجر عليهما في قولهم: «ما هي بِنِعْمَ الولد نصرُها بكاءٌ وبِرُّها سَرِقة» ، «ونِعْمَ السيرُ على بِئس العَيْر» وقولِه:
٦٠٩ - صَبَّحَكَ اللهُ بخيرٍ باكرِ ... بنِعْمَ طيرٍ وشبابٍ فاخِرِ
وقد خَرَّجه البصريون على حَذْفِ موصوف، قامَتْ صفتُه مَقَامَه تقديرُه: ما هي بولدٍ مقولٍ فيه نِعْم الولد، ولها أحكامٌ كثيرة، ولا بُدَّ بعدَها من مخصوصٍ بالمدحِ أو الذمِّ، وقد يُحْذَفُ لقرينةٍ، هذا حكمُ بِئْسَ.
أمَّا، «ما» الواقعةُ بعدَها كهذه الآيةِ: فاختلف النحويون فيها اختلافاً كثيراً، واضطربت النقولُ عنهم اضطراباً شديداً، فاختلفوا: هَلْ لها محلٌّ من الإِعراب أم لا؟ فذهبَ الفراء إلى أنها مع «بِئْسَ» شيءٌ واحد رُكِّبَ تركيبَ «
стр. 574
حَبَّذا» نَقَلَه ابنُ عطية، ونَقَلَ عنه المهدوي أنه يُجَوِّز أن تكونَ «ما» مع بئسَ بمنزلة كُلَّما، فظاهرُ هذين النقلين أنها لا محلَّ لها. وذهب الجمهورُ إلى أنَّ لها مَحَلاً، ثم اختلفوا: / محَلُّها رفعٌ أو نصبٌ؟ فذهب الأخفشُ إلى أنها في محلِّ نصبٍ على التمييزِ والجملةُ بعدَها في محلِّ نصبٍ صفةً لها، وفاعلُ بئس مضمرٌ تُفَسِّرُه «ما» ، والمخصوصُ بالذمِّ هو قولُه: ﴿أَن يَكْفُرُواْ﴾ لأنه في تأويلِ مصدرٍ، والتقدير: بِئْسَ هو شيئاً اشتَروا به كفرُهم، وبه قال الفارسي في أحدِ قوليه، واختاره الزمخشري، ويجوزُ على هذا أن يكونَ المخصوصُ بالذمِّ محذوفاًَ، و «اشتَرَوا» صفةً له في محلِّ رفعٍ تقديرُه: بئس شيئاً شيءٌ أو كفرٌ اشتروا به، كقولِه.
٦١٠ - لنِعْمَ الفتى أَضْحَى بأَكْنافِ حَائِل ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: فتىً أَضْحى، و ﴿أَن يَكْفُرُواْ﴾ بدلٌ من ذلك المحذوفِ، أو خبرٌ مبتدأ محذوفٍ أي: هو أَنْ يكفروا. وذهبَ الكسائي إلى أنَّ «ما» منصوبةُ المحلِّ أيضاً، لكنه قَدَّر بعدها «ما» أخرى موصولةً بمعنى الذي، وجعل الجملةَ مِنْ قولِه «اشتَرَوا» صلتها، و «ما» هذه الموصولةُ هي المخصوصُ بالذمِّ، والتقديرُ: بئس شيئاً الذي اشتروا به أنفسهم، فلا محلَّ ل «اشتروا» على هذا، ويكونُ ﴿أَن يَكْفُرُواْ﴾ على هذا القولِ خبراً لمبتدأ محذوفٍ كما تقدَّم، فتلخَّص في الجملة الواقعةِ بعد «ما» على القولِ بنصبِها ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنها صفةٌ لها فتكونُ في محلِّ نصبٍ أو صلةٌ ل «ما» المحذوفةِ فلا محلَّ لها أو صفةٌ للمخصوصِ بالذم فتكونُ في محلِّ رفعٍ.
стр. 575
وذهب سيبويه إلى أَنَّ موضعَها رفعٌ على أنَّها فاعلُ بئس، فقال سيبويه: هي معرفةٌ تامةٌ، التقديرُ: بئس الشيء، ُ والمخصوصُ بالذمِّ على هذا محذوفٌ أي شيءٌ اشتَرَوا به أنفَسَهم، وعُزي هذا القولُ أيضاً للكسائي. وذهب الفراء والكسائي أيضاً إلى أنَّ «ما» موصولةٌ بمعنى الذي والجملةُ بعْدَها صلتُها، ونقلَه ابن عطية عن سيبويه، وهو أحدُ قَوْلَيْ الفارسي، والتقدير: بئسَ الذي اشتروا به أنفسَهم أَنْ يكفُروا، فأَنْ يكفروا هو المخصوصُ بالذمِّ. قال الشيخ: «وما نَقَلَه ابنُ عطية عن سيبويه وَهْمٌ عليه» . ونقل المهدوي وابن عطية عن الكسائي أيضاً أن «ما» يجوزُ أن تكونَ مصدريةً، والتقديرُ: بئسَ اشتراؤُهم، فتكونُ «ما» وما في حَيِّزها في محلِّ رفعٍ. قال ابنُ عطية: «وهذا معترضٌ بأنَّ» بِئْسَ «لا تَدْخُل على اسمٍ معيَّنٍ يتعرَّفُ بالإِضافةِ للضمير» . قال الشيخ: «وهذا لا يَلْزَم إلا إذا نَصَّ أنه مرفوعُ بئس، أمَّا إذا جعله المخصوصَ بالذمِّ وجعل فاعلَ» بئس «مضمراً والتمييزُ محذوفٌ لفهم المعنى، والتقدير: بئسَ اشتراءً اشتراؤُهم فلا يَلْزَمُ الاعتراضُ» قلت: وبهذا أَعْني بجَعْلِ فاعلِ بئسَ مضمراً فيها جَوَّز أبو البقاء في «ما» أَنْ تكونَ مصدريةً، فإنه قال: «والرابعُ أن تكونَ مصدريةً أي: بئسَ شِراؤُهم، وفاعلُ بئسَ على هذا مضمرٌ لأنَّ المصدر ههنا مخصوصٌ ليس بجنسٍ» يعني فلا يكونُ فاعلاً، لكن يُبْطِلُ هذا القولَ عَوْدُ الضمير في «به» على «ما» والمصدريةُ لا يعودُ عليها، لأنها حرفٌ عند
стр. 576
الجمهور، وتقديرُ أَدِلَّةِ كلِّ فريق مذكورٍ في المُطَوَّلات. فهذه نهايةُ القولِ في «بئسما» و «نِعِمَّا» واللهُ أعلم.
قوله: ﴿أَن يَكْفُرُواْ﴾ قد تقدَّم فيه أنه يجوزُ أن يكونَ هو المخصوصَ بالذمِّ فتكونُ الأوجهُ الثلاثة: إمَّا مبتدأ وخبرُه الجملةُ قبلَه، ولا حاجةَ إلى الرابطِ، لأنَّ العمومَ قائمٌ مَقامَه إذ الألفُ واللامُ في فاعلِ نِعْم وبئسَ للجنسِ، أو لأنَّ الجملةَ نفسُ المبتدأ، وإمّا خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، وإمَّا مبتدأٌ وخبره محذوف، وتقدَّم أنه يجوزُ أن يكونَ بدلاً أو خبراً لمبتدأ محذوفٍ حَسْبما تقرَّر وتحرَّر. وأجاز الفراء أن يكونَ في محلِّ جَرِّ بدلاً من الضميرِ في «به» إذا جَعَلْتَ «ما» تامَّة.
قوله: ﴿بِمَآ أنَزَلَ الله﴾ متعلِّق بيكفُروا، وقد تقدَّم أنَّ «كفر» يتعدَّى بنفسِه تارةً وبحرفِ الجرِّ أخرى، و «ما» موصولةٌ بمعنى الذي والعائدُ محذوفٌ تقديرُه: أَنْزله، ويَضْعُفُ جَعْلُها نكرةً موصوفةً، وكذلك جَعْلُها مصدريةً والمصدرُ قائمٌ مقامَ المفعولِ أي بإنزالِه يعني بالمُنَزَّل.
قوله: ﴿بَغْيَاً﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه مفعولٌ مِنْ أَجْله وهو مستوفٍ لشروطِ النصبِ، وفي الناصبِ له قولان، أحدُهما وهو الظاهر أنه «يكفروا» أي علةُ كفرِهم البغيُ. والثاني أنه ﴿اشتروا﴾ ، وإليه يَنْحو كلامُ الزمخشري، فإنه قال: «وهو علةُ ﴿اشتروا﴾ . والثاني من الأوجهِ الثلاثة: أنه منصوبٌ على المصدرِ بفعلٍ يَدُلُّ عليه ما تَقَدَّم أي بَغَوْا بَغْيَاً. والثالث: أنه في موضعِ حالٍ، وفي صاحِبها القولان المتقدَّمان: إمَّا فاعلُ ﴿اشتروا﴾ وإمَّا فاعلُ ﴿يَكْفُرُواْ﴾ ، تقديرُه: اشْتَرَوا باغِين، أو يَكْفُروا باغِين.
стр. 577
والبَغْيُ: أصلُه الفَسادُ مِنْ قَوْلِهم: بَغَى الجُرْحُ أي فَسَدَ قاله الأصمعيْ وقيل: هو شِدَّةُ الطلبِ، ومنه قولُه تعالى: ﴿مَا نَبْغِي﴾ [يوسف: ٦٥] ، وقال الراجز:
٦١١ - أُنْشِدُ والباغي يُحِبُّ الوِجْدانْ ... قلائِصاً مختلفاتِ الألْوانْ
ومنه» البَغِيُّ «لشدة طلبها له.
قوله ﴿أَن يُنَزِّلُ الله﴾ فيه قولان، أحدُهما: أنَّه مفعولٌ من أجلِه والناصبُ له» بَغْياً «أي: عِلَّةُ البغيِ إنزالُ الله فَضْلَه على محمدٍ ﵇. والثاني أنَّه على إسقاطِ الخافضِ والتقديرُ: بَغْياً على أَنْ يُنَزِّلَ، أي: حَسَدَاً على أَنْ يُنَزِّلَ، فيجيءُ فيه الخلافُ المشهورُ: أهي في موضعِ نصبٍ أو في موضعِ جرِ؟ والثالثُ: أنَّه في محلِّ جرٍّ بدلاً من» ما «في قوله: ﴿بِمَآ أنَزَلَ الله﴾ بدلَ اشتمال، أي: بإنزال الله فيكونُ مثلَ قولِ امرئ القيس:
٦١٢ - أَمِنْ ذِكْر سلمى أَنْ نَأَتْكَ تَنُوصُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقرأ أبو عمرو وابن كثير جميعَ المضارع من» أَنْزَل «مخففاً إلا ما وقع الإِجماع على تشديدِه في الحجرِ ﴿وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ﴾ [الحجر: ٢١] ، وقد خالفا هذا الأصلَ: أمَّا أبو عمرو فإنه شدَّد ﴿على أَن يُنَزِّلٍ آيَةً﴾ [الآية: ٣٧] / في الأنعام، وأمَّا ابن كثير فإنه شَدَّد في الإِسراء، ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن﴾ [الإسراء: ٨٢] ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً﴾ [الإسراء: ٩٣] والباقون
стр. 578
بالتشديد في جميع المضارع إلا حمزة والكسائيَّ فإنهما خالفا هذا الأصلَ فخَفَّفا: ﴿وَيُنَزِّلُ الغيث﴾ [الآية: ٣٤] آخر لقمان، ﴿وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث﴾ [الآية: ٢٨] في الشورى. والهمزةُ والتضعيفُ للتعديَةِ، وقد تقدَّم: هل بينهما فرقٌ؟ وتحقيقُ كلٍّ من القولين، وقد ذَكَر القُرَّاءُ مناسباتٍ للإِجماعِ على التشديد في ذلك الموضعِ ومخالفةِ كلِّ واحدٍ أصلَه لماذا؟ بما يطول ذكره، والأظهرُ من ذلك كلِّه أنه جَمْعٌ بين اللغات.
قوله: ﴿مِن فَضْلِهِ﴾ :» مِنْ «لابتداءِ الغايةِ، وفيه قولان، أحدُهما: أنه صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ هو مفعولُ» يُنَزِّل «أي: أَنْ يُنَزِّل الله شيئاً كائناً من فضلِه فيكونُ في محلِّ نصب. والثاني: أنَّ» مِنْ «زائدةٌ، وهو رأيُ الأخفش، وحينئذٍ فلا تَعَلُّقَ له، والمجرورُ بها هو المفعولُ أي: أَنْ يُنَزِّلُ الله فضله.
قوله ﴿على مَن يَشَآءُ﴾ متعلقٌ بيُنَزِّلَ. و» مَنْ «يجوزُ أن تكونَ موصولةً أو نكرةً موصوفةً، والعائدُ على الموصولِ أو الموصوفِ محذوفٌ لاستكمالِ الشروطِ المجوِّزةِ للحَذْفِ، والتقديرُ: على الذي يشاؤُه أو على رجلٍ يشاؤه، وقَدَّره أبو البقاء مجروراً فإنه قال بعد تجويزِه في» مَنْ «أن تكونَ موصوفةً أو موصولةً» ومفعولُ «يشاء» محذوفٌ أي: يَشَاءُ نزولَه عليه، ويجوزُ أَنْ يكونَ يشاءُ يختارُ ويصطفي «انتهى.
وقد عَرَفْت أن العائدَ المجرورَ لا يُحْذَفُ إلا بشروطٍ وليسَتْ موجودةٌ هنا فلا حاجةَ إلى هذا التقديرِ.
قوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ فيه قولان: أحدُهما: أنَّه حالٌ من الضميرِ المحذوفِ
стр. 579
الذي هو عائدٌ على الموصولِ أو الموصوفِ، والإِضافةُ تقتضي التشريفَ. والثاني: أَنْ يكونَ صفةً ل «مَنْ» بعدَ صفةٍ على القولِ بكونِها نكرةً، قاله أبو البقاء. وهو ضعيفٌ لأنَّ البداءة بالجارِّ والمجرورِ على الجملةِ في باب النعتِ عند اجتماعهما أَوْلَى لكونِه أقربَ إلى المفردِ، فهو في محلِّ نصبٍ على الأولِ وجَرٍّ على الثاني، وفي كِلا القولين يتعلَّق بمحذوفٍ وجوباً لِما عَرَفْتَ.
قوله: ﴿فَبَآءُو بِغَضَبٍ﴾ الباءُ للحال، أي: رَجَعوا ملتبسين بغضبٍ أي مغضوباً عليهم وقد تقدم ذلك. قوله ﴿على غَضَبٍ﴾ في محل جر لأنه صفة لقوله «بغضب» أي: كائن على غضب أي بغضبٍ مترادفٍ. وهل الغضبانِ مختلفانِ لاختلافِ سببهما، فالأولُ لعبادةِ أسلافِهم العجلَ والثاني لكفرِهم بمحمدٍ السلام، أو الأولُ لكفرِهم بعيسى والثاني لكفرِهم بمحمدٍ صلى الله وسلم عليهما، أو هما شيءٌ واحدٌ وذُكِرا تشديداً للحال وتأكيداً؟ خلافٌ مشهور.
قوله: ﴿مُّهِينٌ﴾ صفة لعذاب، وأصلُه: «مُهْوِن» لأنه من الهَوان وهو اسمُ فاعلٍ من أَهان يُهين إهانةً، مثل أَقامَ يُقيم إقامةً، فنُقِلَتْ كسرةُ الواوِ على الساكن قبلَها، فَسَكَنَتِ الواوُ بعدَ كسرةٍ فَقُلِبَتْ ياءً. والإِهانةُ: الإِذلالُ والخِزْيُ، وقال: «وللكافرين» ولم يَقُلْ: «ولهم» تنبيهاً على العلةِ المقتضيةِ للعذابِ المُهينِ.
стр. 580
قوله تعالى: ﴿وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ﴾ : يجوزُ في هذه الجملةِ وجهانِ، أحدُهما: أَنْ تكونَ استئنافيةً استؤنِفَتْ للإِخبارِ بأنَّهم يكفرُون بما عدا التوراةَ فلا محلَّ لها من الإِعراب. والثاني أن تكون خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أي: وهم يكفرون، والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، والعاملُ فيها «قالوا» أي قالوا: نؤمنُ حالَ كونِهم كافرين بكذا، ولا يجوزُ أَنْ
стр. 581
يكونَ العاملُ فيها «نؤمن» ، قال أبو البقاء: «إذ لو كان كذلك لكان لفظُ الحال ونكفر أو ونحن نكفر» يعني فكان يجبُ المطابَقةُ. ولا بد من إضمار هذا المبتدأ لِما تقدَّم من أن المضارعَ المُثْبَتَ لا يقترن بالواوِ وهو نظيرُ قوله:
٦١٣ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... نَجَوْتُ وأَرْهَنُهُمْ مالِكا
وحُذِفَ الفاعلُ من قولِه: ﴿بِمَا أَنْزَلَ﴾ وأُقيم المفعولُ مُقامَه للعلم به، إذ لا يُنَزِّلُ الكتبَ السماويةَ إلا اللهُ، أو لتقدُّمِ ذكره في قولِه: ﴿بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ .
قوله: ﴿بِمَا وَرَآءَهُ﴾ متعلَّق بيَكْفرون، وما موصولةٌ، والظرفُ صلتُها، فمتعلَّقه فعلٌ ليس إلا. والهاءُ في «وراءه» تعودُ على «ما» في قوله: ﴿نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ﴾ . ووراءَ من الظروف المتوسطةِ التصرُّفِ، وهو ظرفُ مكانٍ، والمشهورُ أنه بمعنى خَلْف وقد يكونُ بمعنى أَمام، فهو من الأَضْداد، وفَسَّره الفراء هنا بمعنى «سِوَى» التي بمعنى «غَيْر» ، وفَسَّره أبو عبيدة وقتادة بمعنى «بعد» . وفي همزه قولان، أحدُهما: أنه أصلٌ بنفسِه وإليه ذهبَ ابن جني مُسْتَدِلاًّ بثُبوتِها في التصغيرِ في قولهم: وُرَيْئَة. والثاني: أنها من ياء لقولهم: تَوَارَيْتَ قاله أبو البقاء، وفيه نظرٌ. ولا يجوز أن تكونَ الهمزةُ بدلاً من واو لأنَّ ما فاؤُه واوٌ لا تكونُ لامُه واواً إلا ندوراً نحو «واو» اسمِ حَرْفِ الهجاء، وحكمُه حكمُ قبلُ
стр. 582
وبعدُ في كونِه إذا أُضيف أُعْرِبَ، وإذا قُطِعَ بُني على الضم وأنشد الأخفش على ذلك قول الشاعر:
٦١٤ - إذا أنا لم أُومِنْ عليكَ ولم يَكُنْ ... لقاؤُك إلا مِنْ وراءُ وراءُ وراءُ
وفي الحديثِ عن إبراهيم ﷺ : «كنتُ خليلاً مِنْ وراءُ وراءُ» ، وثبوتُ الهاء في مصغَّرِها شاذٌ، لأن ما زاد من المؤنث على ثلاثة لا تَثْبُتُ الهاءُ في مصغَّره إلا في لفظتين شَذَّتا وهما: وُرَيْئَة وقُدَيْدِيمة: تصغير: وراء وقُدَّام. قال ابن عصفور: «لأنَّهما لم يتصرَّفا فلو لم يُؤَنَّثا في التصغير لَتُوُهِّمَ تذكيرهُما» .
قوله: ﴿وَهُوَ الحق﴾ مبتدأٌ وخبر، والجُملةُ في محلِّ نصب على الحال والعاملُ فيها قولُه: «ويَكفرون» وصاحبُها فاعلُ يكفرون. وأجازَ أبو البقاء أن يكونَ العاملُ الاستقرارَ الذي في قولِه ﴿بِمَا وَرَآءَهُ﴾ أي: بالذي استقر وراءَه وهو الحقُّ.
قوله: ﴿مُصَدِّقاً﴾ حالٌ مؤكِّدة لأنَّ قولَه ﴿وَهُوَ الحق﴾ قد تضمَّن معناها والحالُ المؤكِّدةُ: إمَّا أَنْ تُؤَكِّدَ عاملها نحو:
﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٦٠] ، وإمَّا أَنْ تُؤَكِّدَ مضمونَ جملةٍ. فإن كانَ الثاني التُزِم إضمارُ عاملِها وتأخيرها عن الجملة، ومثلُه ما أنشدَ/ سيبويه:
стр. 583
٦١٥ - أنا ابنُ دارةُ مَعْروفاً بها نَسَبي ... وهَلْ بدارةَ لَلنَّاسِ مِنْ عَارِ
والتقديرُ: وهو الحقُّ أَحُقُّه مصدقاً، وابنُ دارَة أُعْرَفُ معروفاً، هذا تقديرُ كلامِ النحويين. وأمّا أبو البقاء فإنه قال: «مصدقاً حالٌ مركِّدةٌ، والعاملُ فيها ما في» الحقّ «من معنى الفعل إذ المعنى: وهو ثابِتٌ مصدِّقاً، وصاحب الحالِ الضميرُ المستترُ في» الحقّ «عند قومٍ، وعند آخرين صاحبُ الحالِ ضميرٌ دَلَّ عليه الكلامُ، و» الحقّ «مصدرٌ لا يتحَمَّلُ الضميرَ على حَسَبِ تحمُّلِ اسمِ الفاعلِ له عندهم، فقولُه» عند آخرين «هذا هو الذي قَدَّمْتُه أوَّلاً وهو الصواب.
قوله: ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ﴾ الفاءُ جوابُ شرطٍ مقدرٍ تقديرُه: إنْ كنتم آمنتم بما أُنزِلَ عليكم فَلِمَ قَتَلتم الأنبياءَ؟ وهذا تكذيبٌ لهم، لأن الإِيمانَ بالتوراةِ منافٍ لقتلِ أَشْرَفِ خَلْقِه. و» لِمَ «جارٌّ ومجرورٌ، اللامُ حرفٌ جرِ وما استفهاميةٌ في محلِّ جَرٍّ أي: لأي شيء؟ ولكنْ حُذِفَتْ ألِفُها فَرْقَاً بينَها وبين» ما «الخبريةِ. وقد تُحْمَلُ الاستفهاميةُ على الخبريةِ فَتَثْبُتُ أَلفُها، قالَ الشاعر:
٦١٦ - على ما قامَ يَشْتِمُني لئيمٌ ... كخنزيرٍ تمرَّغَ في رَمادِ
وهذا ينبغي أَنْ يُخَصَّ بالضرورةِ كما نصَّ عليه بعضُهم، والزمخشري يُجيز ذلك، ويُخَرِّج عليه بعضَ آي القرآن، كما قد تُحْمَلُ الخبريةُ على الاستفهاميةِ في الحذفِ في قولِهم: اصنعْ بِمَ شِئْتَ، وهذا لمجردِ الشَّبَهِ اللفظيِّ. وإذا وُقف على» ما «الاستفهاميةِ المجرورة: فإنْ كانَتْ مجرورةً باسمٍ وَجَبَ لَحاقُ هاءِ السكتِ نحو: مَجيء مَهْ، وإن كانَتْ مجرورةً بحرْفٍ فالاختيارُ اللَّحاقُ. والفرقُ أنَّ الحرفَ يمتزجُ بما يَدْخُلُ عليه فَتَقْوَى به
стр. 584
الاستفهاميةُ بخِلافِ الاسمِ المضافِ إليها فإنه في نيةِ الانفصالِ، وهذا الوقفُ إنما يجوز ابتلاءً أو لقَطْعِ نفسٍ، ولا جَرمَ أنَّ بعضَهم مَنَع الوقفَ على هذا النحوِ، قال:» لأنه إنْ وُقف بغيرِ هاءٍ كان خطأً لنقصانِ الحَرْفِ، وإنْ وُقِفَ بهاءٍ خالفَ السوادَ «، لكن البزي قد وقف بالهاء، ومثلُ ذلك لا يُعَدُّ مخالفةً للسواد، ألا ترى إلى إثباتِهم بعضَ ياءاتِ الزوائدِ. والجارُّ متعلقٌ بقولِهِ:» تقتلون «، ولكنه قُدِّمَ عليه وجوباً لأنَّ مجرورَه له صدُر الكلامِ، والفاءُ وما بعدها من» تَقْتُلون «في محلِّ جزم، وتَقتلون وإن كان بصيغةِ المضارعِ فهو في معنى الماضي لفَهْمِ المعنى، وأيضاً فمعه قولُه» من قبل «، وجاز إسنادُ القتلِ إليهم وإنْ لم يَتَعاطَوْه لأنهم لَمَّا كانوا راضِينَ بفعلِ أسلافِهم جُعِلوا كأنَّهم فَعَلوا هم أنفسهم.
قوله: ﴿إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ في» إنْ «قولان أحدهما: أنها شرطية وجوابُها محذوفٌ تقديرُه: إنْ كنتُمْ مؤمنينَ فلِمَ فَعَلْتُم ذلك، ويكونُ الشرط وجوابُه قد كُرِّر مرتين، فَحُذِفَ الشرطُ من الجملةِ الأولى وبقي جوابُه وهو: فَلِمَ تقتلون، وحُذِفَ الجوابُ من الثانيةِ وبقي شرطُه، فقد حُذِفَ مِنْ كلِّ واحدةٍ ما أُثْبت في الأخرى. وقال ابن عطية:» جوابُها متقدِّمٌ، وهو قوله: فَلِمَ «وهذا إنما يتأتَّى على قولِ الكوفيين وأبي زيد. والثاني: أَنَّ» إنْ «نافيةٌ بمعنى ما، أي: ما كنتم مؤمنين لمنافاةِ ما صَدَر منكم الإِيمانَ.
стр. 585
قوله تعالى: ﴿بالبينات﴾ : يجوز فيه وجهان، أحدُهما أن يكونَ حالاً من «موسى» ، أي: جاءكم ذا بيناتٍ وحُجَجٍ أو ومعه البيناتُ. والثاني: أن يكونَ مفعولاً أي: بسبب إقامةِ البيناتِ، وما بعدَه من الجملِ قد تقدَّم مِثْلُه فلا حاجةَ إلى تكريرِه.
стр. 586
قوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُواْ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ معطوفاً على قولِه: «قالوا سَمِعْنا» ، ويجوزُ أن يكونَ حالاً من فاعل «قالوا» ، أي: قالوا ذلك وقد أُشْربوا ولا بدَّ من إضمار «قد» لِيَقْرُبَ الماضي إلى الحالِ خلفاً للكوفيين، حيثُ قالوا: لا يُحْتاجُ إليها. ويجوز أن يكونَ مستأنفاً لمجردِ الإِخبارِ بذلك، واستضعَفَه أبو البقاء، قال: «لأنَّه قد قالَ بعدَ ذلك: ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ﴾ ، فهو جوابُ قولِهم:» سَمِعْنا وعَصَيْنا «، فالأَوْلَى ألاَّ يكونَ بينهما أجنبيٌ» . والواوُ في «أُشْرِبوا» هي المفعولُ الأولُ قامَتْ مقامَ الفاعلِ، والثاني هو «العِجْلَ» لأنَّ «شَرِبَ» يتعدَّى بنفسه فَأَكْسَبَتْه الهمزةُ مفعولاً آخرَ، ولا بد من حَذْفِ مضافَيْنِ قبلَ «العِجْل» والتقديرُ: وأُشْرِبوا حُبَّ عبادةِ العِجْلِ. وحَسَّن حَذْفَ هذين المضافين المبالغَةُ في ذلك، حتى كأنَّه تُصُوِّر إشرابُ ذاتِ العِجْل. والإِشرابُ: مخَالَطَةُ المائع بالجامِدِ، ثم اتُّسِعَ فيه حتى قيل في الألوان نحو: أُشْرِبَ بياضُه حُمْرةً. والمعنى: أنهم داخَلَهم حُبُّ عبادتِه، كما داخَل الصبغُ الثوبَ. ومنه:
٦١٧ - إذا ما القلبُ أُشْرِبَ حُبَّ شيءٍ ... فلا تَأْمَلْ له الدهرَ انْصِرافَا
وعَبَّر بالشربِ دونَ الأكل، لأنَّ الشربَ يتغَلْغَلْ في باطنِ الشيء بخلاف
стр. 587
الأكل، فإنه مجاوزٌ، ومنه في المعنى:
٦١٨ - جَرَى حبُّها مَجْرى دَمي في مَفاصِلي ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال بعضُهم:
٦١٩ - تَغَلْغَلَ حُبُّ عَثْمَةَ في فؤادي ... فبادِيه مع الخافي يَسيرُ
تَغَلْغَلَ حيثُ لم يَبْلُغْ شرابٌ ... ولا حُزْنٌ ولم يَبْلُغْ سُرورُ
أكادُ إذا ذَكَرْتُ العهدَ مِنْها ... أطيرُ لو أن إنساناً يَطيرُ
وقيل: الإشرابُ هنا حقيقةٌ، لأنه يُروى أن موسى ﵇ بَرَدَ العِجل بالمِبْرَدِ ثم جعل تلك البُرادة في ماءٍ وأمرهم بشُرْبه، فَمَنْ كان يُحِبُّ العجل ظَهَرَتِ البُرادَةُ على شَفَتَيْه، وهذا وإنْ كان قال به السُّدِّي وابن جريج وغيرُهما فَيَرُدُّه قولُه: «في قُلوبهم» .
قوله: «بكُفْرهم» فيه وجهان، أظهرُهما: / أنَّها للسببيةِ متعلِّقَة [٤١ / ب] ب «أُشْرِبوا» ، أي: أُشْربوا بسببِ كفرِهم السابِق. والثاني: أنها بمعنى «مع» ، يَعْنُون بذلك أنَّها للحالِ، وصاحبُها في الحقيقةِ ذلك المضافُ المحذوفُ أي: أُشْرِبوا حُبَّ عبادةِ العجلِ مختلطاً بكُفْرهم. والمصدرُ مضافٌ للفاعِلِ، أي: بأَنْ كفروا. ﴿قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ كقولِه: ﴿بِئْسَمَا اشتروا﴾ [البقرة: ٩٠] فَلْيُلْتفت إليه.
стр. 588
قوله: ﴿إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ يجوزُ فيه الوجهان السابقان من كونِها نافيةً وشرطيةً، وجوابُها محذوفٌ تقديرُه: «فبِئْسَما يَأْمرُكم» . وقيلَ: تقديرُه: فلا تقتلوا أنبياءَ الله ولا تُكّذِّبوا الرسلَ ولا تكتمُوا الحقَّ، وأَسْندَ الإِيمانَ إليهم تَهَكُّماً بهم، ولا حاجةَ إلى حَذْفِ صفةٍ أي: إيمانُكم الباطلُ، أو حَذْفِ مضافٍ أي: صاحبُ إيمانكم. وقرأ الحسن: «بِهُو إيمانُكُمْ» بضم الهاءِ مع الواو وقد تقدَّم أنِّها الأصل.
стр. 589
قوله تعالى: ﴿إِن كَانَتْ لَكُمُ الدار الآخرة عِندَ الله خَالِصَةً﴾ : شَرْطٌ جوابُه: «فَتَمَنَّوُا» و «الدارُ» اسمُ كان وهي الجنةُ. والأَوْلَى أن يُقَدَّر حَذْفُ مضافٍ، أي: نَعيمُ الدارِ، لأنَّ الدارَ الآخِرةَ في الحقيقةِ هي انقضاءُ الدنيا وهي للفريقَيْن. واختلفوا في خبر «كان» على ثلاثةِ أقوالٍ، أحدُها: أنه «خالصةً» فتكون «عند» ظرفاً لخالصةً أو للاستقرار الذي في «لكم» ، ويجوزُ أن تكونَ حالاً مِن «الدار» والعاملُ فيه «كان» أو الاستقرارُ. وأمَّا «لكم» فيتعلَّقُ بكان لأنها تعملُ في الظرفِ وشِبْهِه. قال أبو البقاء «ويجوز أن تكونَ للتبيينِ فيكونَ موضعُها بعد» خالصةً «أي خالصةً لكم فَتَتَعَلَّقَ بنفسِ» خالصةً «. وهذا فيه نظرٌ، لأنه متى كانت للبيانِ تعلَّقَتْ بمحذوفٍ تقديرُه: أعني لكم نحو: سُقْياً لك، تقديرُه: أعني بهذا الدعاءِ لك. وقد صَرَّح غيرُه في هذا الموضعِ بأنها للبيانِ وأنها متعلقةٌ حينئذٍ بمحذوف كما ذكرت. ويجوز أَنْ يكونَ صفةً ل» خالصةً «في الأصل قُدِّم عليها فصار حالاً منها فيتعلَّقَ بمحذوفٍ.
стр. 590
الثاني: أنَّ الخبر» لكم «فيتعلَّقُ بمحذوفٍ ويُنْصَبُ» خالصةً «حينئذٍ على الحالِ، والعاملُ فيها: إمَّا» كان «أو الاستقرارُ في» لكم «و» عند «منصوبٌ بالاستقرارِ أيضاً.
الثالث: أنَّ الخبرَ هو الظَرْفُ، و» خالصةً «حالٌ أيضاً، والعاملُ فيها: إمَّا» كانَ «أو الاسقرارُ، وكذلك» لكم «. وقد مَنَعَ من هذا الوجهِ قومٌ فقالوا:» لا يجوزُ أن يكونَ الظرفُ خبراً لأنَّ الكلامَ لا يَسْتَقِلُّ به «. وجَوَّزَ ذلك المهدوي وابنُ عطية وأبو البقاء. واستشعر أبو البقاء هذا الإِشكالَ وأجاب عنه فإنه قال:» وسَوَّغَ أن يكونَ «عند» خبرَ كان «لكم» ، يعني لفظَ «لكم» سَوَّغَ وقوعَ «عند» خبراً، إذ كان فيه تخصيصٌ وتَبْيينٌ، ونظيرُه قولُه: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] ، لولا «له» لم يَصِحَّ أن يكونَ «كفواً» خبراً. و ﴿مِّن دُونِ الناس﴾ في محلِّ النصبِ ب «خالصةً» لأنَّك تقولُ: «خَلُصَ كذا مِنْ كذا» .
وقرأ الجمهورُ: «َتَمَنَّوُا الموتَ» بضمِّ الواو، ويُرْوَى عن أبي عمرو فتحُها تخفيفاً، واختلاسُ الضمة. وقرأ ابن أبي إسحاق بكسرها على التقاء الساكنين تشبيهاً بواو «لَوِ استطعنا» . و «إنْ كنتم» كقوله: ﴿إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ وقد تقدَّمَ.
стр. 591
قولُه تعالى: ﴿أَبَداً﴾ . . منصوبٌ بَيَتَمَنَّوْه، وهو ظرفُ زمانٍ يقعُ للقليلِ والكثيرِ، ماضياً كانَ أو مستقبلاً، تقول: ما فَعَلْتُه أبداً، وقال الراغب: «هو عبارةٌ عن مدةِ الزمانِ الممتدِّ الذي لا يَتَجزَّأ كما يتجزَّأُ الزمانُ، وذلك أنه يقال: زمانَ كذا ولا يُقال: أبدَ كذا، وكان مِنْ حَقِّه على هذا ألاَّ يُثَنَّى ولا يُجْمَعَ، وقد قالوا: آباد فجَمَعوه لاختلافِ أنواعِه، وقيل: آباد لغةٌ مُوَلَّدَةٌ، ومجيئُه بعد» لَنْ «يَدُلُّ على أن نَفْيَها لا يقتضي التأبيدَ، وقد تقدَّم ذلك، ودَعْوى التأكيدِ فيه بعيدةٌ» . وقال هنا: «ولن يَتَمَنَّوْه» فنَفى بلن وفي الجمعة ب «لا» قال صاحب المنتخب: «لأنَّ دَعْواهم هنا أعظمُ مِنْ دعواهُمْ هناك لأنَّ السعادةَ القُصْوى فوق مرتبةِ الولايةِ، لأنَّ الثانيةَ تُراد لحصولِ الأولى، والنفيُ ب» لن «أَبْلَغُ مِن النفي بِ» لا «.
قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ متعلِّقٌ بيتمنَّوْه، والباءُ للسببية أي بسببِ اجتراحِهم العظائمَ. و» ما «يجوزُ فيها ثلاثةُ أوجهٍ، أَظْهَرُها: كونُها موصولةً بمعنى الذي. والثاني: نكرةٌ موصوفةٌ والعائدُ على كلا القولَيْنِ محذوفٌ أي: بما قَدَّمَتْه، فالجملةُ لا محلَّ لها على الأولِ، ومحلُّها الجرُّ على الثاني. والثالث: أنَّها مصدريَّةٌ أي: بتَقْدِمَةِ أيديهِم. ومفعولُ» قَدَّمَتْ «محذوفٌ أي: بما قَدَّمَتْ أيدِيهم الشرَّ أو التبديلَ ونحوَه.
стр. 592
قولُه تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس﴾ . . هذه اللامُ جوابُ قسم محذوفٍ، والنونُ للتوكيدِ تقديرُه: واللهِ لَتَجِدَنَّهُم. و «وجَدَ» هنا متعديةٌ لمفعولَيْن أوَّلُهما الضميرُ، والثاني «أَحْرَصَ» ، وإذا تَعَدَّتْ لاثنين كانَتْ
стр. 593
ك «عَلِمَ» في المعنى نحو: ﴿وَإِن وَجَدْنَآ أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠] . ويجوزُ أن تكونَ متعديةً لواحدٍ ومعناها معنى لِقيَ وأصابَ، وينتصِبُ «أَحْرَصَ» على الحالِ: إمَّا على رَأْي مَنْ لا يشترطُ التنكيرَ في الحال، وإمَّا على رَأْي مَنْ يرى أنَّ إضافةَ «أَفْعَل» إلى معرفةٍ فجاءَتْ على أحدِ الجائِزَيْن، أعني عَدَمَ المطابقةِ، وذلك أنَّها إذا أُضيفَتْ إلى معرفةٍ على نيَّةِ «مِنْ» جازَ فيها وجهان: المطابقةُ لِما قبلَها نحو: الزيدان أَفْضَلا الرجالِ، والزيدون أفاضل الرجال، وهند فُضْلى النساء. والهنودُ فُضْلَياتُ النساءِ، ومنه قولُه: «أكابِرَ مجرميها» ، وعدمُها نحو: الزيدون أَفْضَلُ الرجالِ، وعليه هذه الآيةُ، وكلا الوجهين فصيحٌ، خلافاً لابن السراج حيث ادَّعى تعيُّنَ الإفرادِ، ولأبي منصور الجواليقي حيث زَعَم أنَّ المطابقةَ أفصحُ. وإذا أُضيفت لمعرفةٍ لَزِمَ أن تكونَ بعضَها، ولذلك مَنَع النحْويون: «يوسُف أَحْسَنُ إخوته» على معنى التفضيلِ، وتأوَّلوا ما يُوهِمُ غيرَه نحو: «الناقصُ والأشجُّ أعدلا بني مروان» بمعنى العادِلان فيهم، وأمَّا:
стр. 594
٦٢٠ - يا رَبَّ موسى أَظْلَمِي وَأَظْلَمُهْ ... فاصبُبْ عليه مَلِكاً لا يَرْحَمُهْ
فشاذٌّ، وسَوَّغَ ذلك / كَوْنُ «أَظْلَمَ» الثاني مقحماً كأنه قال: «أَظْلَمُنا» . وأمَّا إذا أُضيفَ لنكرةِ فقد سَبَقَ حكمُها عند قولِه: «أوَّل كافر» .
قوله: ﴿على حَيَاةٍ﴾ متعلِّق ب «أَحْرَصَ» ، لأنَّ هذا الفعلَ يتعدَّى ب «على» ، تقول: حَرَصْتُ عليه. والتنكيرُ في «حياة» تنبيه على أنه أراد حياةً مخصوصةً وهي الحياةُ المتطاولةُ، ولذلك كانت القراءةُ بها أَوْقَعَ مِنْ قراءةِ أُبَيّ «على الحياة» بالتعريفِ. وقيل: إنَّ ذلك على حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: على طُولِ حياةٍ، والظاهرُ أنه لا يَحتاج إلى تقدير صفةٍ ولا مضافٍ، بل يكونُ المعنى: أنَّهم أحرصُ الناسِ على مطلقِ حياةٍ. وإنْ قُلْتَ: فكيف وإنْ كَبُرَتْ فيكونُ أَبْلَغَ في وَصْفِهم بذلك. وأصلُ حياة: حَيَيَة تحرَّكتِ الياءُ وانفتح ما قبلها قُلِبَتْ أَلِفاً.
قولُه: ﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ﴾ يجوزُ أَنْ يَكونَ متصلاً داخلاً تحتَ أَفْعَل التفضيلِ، ويجوزُ أن يكونَ منقطعاً عنه، وعلى القولِ باتصالِه به فيه ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها: أنه حُمِل على المعنى، فإنَّ مَعْنَى أحرصَ الناس: أَحْرَصَ من الناسِ، فكأنه قيل: أحرصَ من الناسِ ومِن الذين أشركوا. الثاني: أن يكون حَذَفَ من الثاني لدلالةِ الأولِ عليه، والتقديرُ: وأحرصَ من الذين أشركوا، وعلى ما تقرَّر من كونِ ﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ﴾ متصلاً بأَفْعَلِ التفضيلِ فلا بُدَّ مِنْ ذِكْر «مِنْ» لأنَّ «أَحرصَ» جَرى على اليهودِ، فَلَوْ عُطِفَ بغيرِ «مِنْ» لكانَ معطوفاً على الناس، فيكونُ في المعنى: ولتجدنَّهم أحرصَ الذين أَشْرَكوا فيلزُم إضافةُ أَفْعَلَ إلى غيرِ ما اندَرَجَ تحتَه، لأنَّ اليهودَ ليسوا من هؤلاء المشركينَ الخاصِّينَ لأنهم قالوا في تفسيرهم إنهم المجُوس أو عَرَبٌ يَعْبُدون
стр. 595
الأصنامَ، اللهم إلا أَنْ يُقالَ إنه يَغْتفر في الثواني ما لا يُغْتفر في الأوائلِ، فحينئذٍ لو لم يُؤْتَ بمِنْ لكان جائزاً.
الثالث: أنَّ في الكلام حَذْفاً وتقديماً وتأخيراً، والتقديرُ: ولتجدنَّهم وطائفةً من الذين أشركوا أحرصَ الناسِ، فيكونُ ﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ﴾ صفةً لمحذوفٍ، ذلك المحذوفُ معطوفٌ على الضمير في «لتجدنَّهم» ، وهذا وإنْ كان صحيحاً من حيث المعنى، ولكنه يَنْبُو عنه التركيبُ لا سيما على قولِ مَنْ يَخُصُّ التقديمَ والتأخيرَ بالضرورةِ. وعلى القولِ بانقطاعهِ من «أَفْعل» يكونُ ﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ﴾ خبراً مقدَّماً.، و «يَوَدُّ أحدُهم» صفةً لمبتدأ محذوفٍ تقديرُه: ومن الذين أَشْركوا قومٌ أو فريقٌ يَوَدُّ أحدُهم، وهو من الأماكن المطَّردِ فيها حَذْفُ الموصوفِ بِجُمْلَتِه، كقولِه: ﴿وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] ، وقوله: «مِنَّا ظَعَنَ ومنَّا أقام» . والظَاهر أن الذين أشْركوا غيرُ اليهودِ كما تقدم. وأجاز الزمخشري أن يكونَ من اليهود لأنهم قالوا: عُزَيْرٌ ابنُ الله، فيكونَ إخباراً بأنَّ مِنْ هذه الطائفة التي اشتدَّ حرصُها على الحياةِ مَنْ يَوَدُّ لو يُعَمَّر ألفَ سنةٍ، ويكون من وقوعِ الظاهِرِ المُشْعِر بالغَلَبة موقعَ المضمرِ، إذا التقديرُ: ومنهم قومٌ يَوَدُّ أحدُهم. وقد ظَهَرَ مِمَّا تقدَّم أنَّ الكلامَ مِن باب عَطْفِ المفرداتِ على القولِ بدخول ﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ﴾ تحت أَفْعَل، ومن بابِ عَطْفِ الجمل على القولِ بالانقطاعِ.
قوله: «يَوَدُّ أحدُهم» هذا مبنيٌّ على ما تقدَّم، فإنْ قيل بأنَّ ﴿وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ﴾ داخلٌ تحتَ «أَفْعَلَ» كان في «يَوَدُّ» خمسةُ أوجهٍ أحدُها: أنه حالٌ من الضمير في «لَتَجِدَنَّهم» أي: لتجِدنَّهم وادَّاً أحدُهم. الثاني: أنه حالٌ من الذين أشركوا فيكونُ العاملُ فيه «أَحْرَصَ» المحذوف. الثالث: أنه حالٌ من فاعلِ «أشْركوا» . الرابع: أنه مستأنفٌ استؤنفَ للإِخبار بتبيينِ حالِ أمرِهم في
стр. 596
ازديادِ حِرْصِهِم على الحياةِ. الخامسُ وهو قولُ الكوفيين: أنه صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ، ذلك الموصولُ صفةٌ للذين أشركوا، والتقدير: ومن الذين أشركوا الذين يودُّ أحدُهم. وإنْ قيلَ بالانقطاع فيكونُ في محلِّ رفعٍ، لأنه صفةٌ لمبتدأٍ محذوفٍ كما تقدَّم. و «أحدٌ» هنا بمعنى واحد، وهمزتُه بدلٌ من واو، وليس هو «أحد» المستعملَ في النفي فإنَّ ذاك همزتُه أصلٌ بنفسِها، ولا يُستعملُ في الإِيجابِ المَحْض.
و «يودُّ» مضارعُ وَدِدْتُ بكسر العينِ في الماضي، فلذلك لم تُحْذَفْ الواوُ في المضارعِ لأنها لم تقعْ بين ياءٍ وكسرةٍ بخلافٍ «يَعِد» وبابه، وحكى الكسائي في «ودَدْت» بالفتحِ. قال بعضُهم: «فعلى هذا يُقال يَوِدُّ بكسر الواو» . والوَدادة التمني.
قوله: «لو يُعَمَّر» في «لو» هذه ثلاثةُ أقوال، أحدُها - وهو الجاري على قواعِد نحاةِ البصرة -: أنها حرفٌ لِما كان سيقَعُ لوقوعِ غيره، وجوابُها محذوفٌ لدلالةِ «يَوَدُّ» عليه، وحُذِفَ مفعولُ «يَوَدُّ» لدلالةِ «لو يُعَمَّرَ» عليه، والتقديرُ: يَوَدُّ أحدُهم طولَ العمرِ، لو يُعَمَّر ألفَ سنةٍ لَسُرَّ بذلك، فَحُذِفَ من كلِّ واحدٍ ما دَلَّ عليه الآخرُ، ولا محلَّ لها حينئذٍ من الإِعراب. والثاني - وبه قال الكوفيون وأبو علي الفارسي وأبو البقاء -: أنها مصدرية بمنزلة أَنْ الناصبةِ، فلا يكونُ لها جوابٌ، ويَنْسَبِكُ منها وما بعدَها مصدرٌ يكونُ مفعولاً ليَوَدُّ، والتقدير: يَوَدُّ أحدُهم تعميرَه ألفَ سنةٍ. واستدلَّ أبو البقاء بأنَّ الامتناعية معناها في الماضي، وهذه يَلْزَمُها المستقبل ك «أَنْ» ، وبأنَّ «يودُّ» / يتعدَّى لمفعول وليس مِمَّا يُعَلَّق، وبأنَّ «أَن» قد وَقَعَتْ بعد يَوَدُّ في قوله: ﴿أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ﴾ [البقرة: ٢٦٦] وهو كثيرٌ، وموضعُ الردِّ عليه غيرُ الكتابِ. الثالث - وإليه نحا الزمخشري -: أن يكونَ معناها التمني فلا تحتاجُ إلى جوابٍ لأنها في
стр. 597
قوة: يا ليتني أُعَمَّر، وتكونَ الجملةُ من لَوْ وما في حَيِّزها في محلِّ نصبٍ مفعولاً به على طريقِ الحكايةَ بيَوَدُّ، إجراءً له مُجْرى القول. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: كيف اتصل لو يُعَمَّر بَيَودُّ أحدُهم؟ قُلْتُ: هي حكايةٌ لوَدَادَتِهم، و» لو «في معنى التمني، وكان القياسُ:» لو أُعَمَّر «إلا أنَّه جرى على لفظِ الغَيْبَة لقوله:» يَوَدُّ أحدُهم «، كقولِك: حَلَفَ بالله ليَفْعَلَنَّ انتهى» . وقد تقدَّم شرحُه، إلا قولَه: «وكان القياسُ لو أُعَمَّر، يعني بذلك أنه كانَ مِنْ حَقِّه أَنْ يأتيَ بالفعلِ مُسْنَداً للمتكلم وحدَه وإنما أَجْرَى» يَوَدُّ «مُجْرى القولِ لأنَّ» يَوَدُّ «فعلٌ قَلبي والقولُ يَنْشَأُ عن الأمورِ القلبيَّةِ» .
و «ألفَ سَنَةٍ» منصوبٌ على الظرفِ بيُعَمَّر، وهو متعدٍّ لمفعولٍ واحد قد أٌقِيم مُقَامَ الفاعلِ. وفي «سَنَة» قولان «أحدُهما: أنَّ أصلَها: سَنَوة لقولهم: سَنَوات وسُنَيَّة وسانَيْتُ. والثاني: أنها من سَنَهَة لقولِهم: سَنَهات وسُنْيَهَة وسانَهْتُ، واللغتان ثابتتان عن العربِ كما ذَكَرْتُ لك.
قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العذاب﴾ في هذا الضميرِ خمسةُ أَقْوالٍ، أحدُها: أنه عائدٌ على» أحد «وفيه حينئذٍ وَجْهان، أحدُهما: أنه اسمُ» ما «الحجازيةِ، و» بمُزَحْزِحِه «خبرُ» ما «، فهو في محلِّ نصبٍ والباءُ زائدة.
و «أَنْ يُعَمَّر» فاعلٌ بقولِه «بمُزَحْزِحِه» ، والتقديرُ: وما أحدُهم مُزَحْزِحَه تعميرُه. الثاني من الوجهين في «هو» : أن يكونَ مبتدأ، و «بمُزَحْزِحِهِ» خبرُه، و «أَنْ يُعَمَّر» فاعلٌ به كما تقدَّم، وهذا على كَوْنِ «ما» تميميَّةً، والوجهُ الأولُ أحسنُ لنزولِ القرآنِ بلغة الحجازِ وظهورِ النصب في قولِه: ﴿مَا هذا بَشَراً﴾ [يوسف: ٣١] ، ﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] .
الثاني من الأقوال: أن يعودَ على المصدرِ المفهومِ من «يُعَمَّر» ، أي:
стр. 598
وما تعميره، ويكون قولُه: «أن يُعَمَّر» بدلاً منه، ويكون ارتفاعُ «هو» على الوَجْهَيْن المتقدِّمَين، أعني كونَه اسمَ «ما» او مبتدأ.
الثالثُ: أن يكونَ كناية عن التعميرِ، ولا يعودُ على شيء قبلَه، ويكونُ «أن يُعَمَّر» بدلاً منه مفسِّراً له، والفرقُ بين هذا وبين القولِ الثاني أنَّ ذاك تفسيرُه شيءٌ متقدِّمٌ مفهومٌ من الفعلِ، وهذا مفسَّرٌ بالبدلِ بعده، وقد تقدَّم أنَّ في ذلك خلافاً، وهذا ما عنى الزمخشري بقوله: «ويجوزُ أن يكونَ» هو «مبهماً، و» أَنْ يُعَمَّر «موضِّحَه» .
الرابع: أنه ضميرُ الأمرِ والشأنِ وإليه نحا الفارسي في «الحلبيَّات» موافقةً للكوفيين، فإنهم يُفَسِّرون ضميرَ الأمرِ بغيرِ جملةٍ إذا انتظَمَ من ذلك إسنادٌ معنويٌّ، نحو: ظَنَنْتُه قائماً الزيدانَ، وما هو بقائمٍ زيدٌ، لأنه في قوة: ظننتُه يقومُ الزيدان، وما هو يقومُ زيدٌ، والبصريُّون يَأْبَوْن تفسيرَه إلا بجملةٍ مُصَرَّحٍ بجُزْئَيْها سالمةٍ من حرفِ جرٌّ، وقد تقدَّم تحقيقُ القولين.
الخامسُ: أنَّه عِمادٌ، نعني به الفصلَ عند البصريين، نَقَلَه ابن عطية عن الطبري عن طائفةٍ، وهذا يحتاجُ إلى إيضاح: وذلك أنَّ بعض الكوفيين يُجِيزون تقديم العِماد مع الخبرِ المقدَّم، يقولون في: زيدٌ هو القائمُ: هو القائمُ زيدٌ، وكذلك هنا، فإنّ الأصلَ عند هؤلاءِ أَنْ يكونَ «بمُزَحزِحِه» خبراً مقدَّماً و «أَنْ يُعَمَّر» مبتدأً مؤخراً، و «هو» عَمادٌ، والتقديرُ: وما تعميرُه هو بمزحزحِه، فلمَّا قُدِّم الخبرُ قُدِّم معه العِمادُ. والبصريُّون لا يُجِيزون شيئاً من ذلك.
و «من العذابِ» متعلِّقٌ بقوله: «بمُزَحْزِحِه» و «مِنْ» لابتداءِ الغاية.
стр. 599
والزَّحْزَحَةُ: التنحِيَةُ، تقولُ: زَحْزَحْتُه فَزَحْزَحَ، فيكون قاصراً ومتعدِّياً، فمِنْ مجيئِه متعدِّياً قولُه:
٦٢١ - يا قباضَ الروحِ مِنْ نَفْسٍ إذا احْتَضَرَتْ ... وغافرَ الذنبِ زَحْزِحْني عَنِ النارِ
وأنشدَه ذو الرمة:
٦٢٢ - يا قابضَ الروح مِنْ جِسْم عَصَى زَمَنَاً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومن مجيِئه قاصراً قولُ الآخر:
٦٢٣ - خليلَيَّ ما بالُ الدُّجى لا يُزَحْزَحُ ... وما بالُ ضوءِ الصبحِ لا يَتَوَضَّحُ
قولُه: «أَنْ يُعَمَّر» : إمَّا أَنْ يكونَ فاعِلاً أو بدلاً من «هو» أو مبتدأً حَسْبَ ما تقدَّم من الإِعرابِ في «هو» .
﴿والله بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ مبتدأٌ وخبرُه، و «بما» متعلِّقٌ ببصير. و «ما» يجوزُ أَنْ تكونَ موصولةً اسميةً أو نكرةً موصوفةً، والعائدُ على كلا القَوْلَيْنِ محذوفٌ أي: يَعْمَلُونه، ويجوز أن تكونَ مصدريةً أي: بِعَمَلِهم. والجمهورُ «يعملون» بالياء، نَسَقَاً على ما تقدَّم، والحسنُ وغيرُه «تَعْمَلُون» بالتاء للخطاب على الالتفات، وأتى بصيغةِ المضارعِ، وإن كانَ عِلْمُه محيطاً بأعمالِهم السالفةِ مراعاً لرؤوسِ الآي، وخَتْمِ الفواصلِ.
стр. 600
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ﴾ . . . «مَنْ» شرطيةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، و «كان» خبرُه على ما هو الصحيحُ كما تقدَّم، وجوابُهُ محذوفٌ تقديرُه: مَنْ كان عدوَّاً لجبريلَ فلا وَجْهَ لعداوتِه، أو فَلْيَمُتْ
следующие страницы →