← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.

стр. 5741

قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾ ألفُ «أَصْفى» عن واوٍ، لأنَّه من صفا يَصْفو، وهو استفهامُ إنكارٍ وتوبيخٍ. قوله: «واتَّخَذَ» يجوز أن يكونَ معطوفاً على «أَصْفاكم» فيكونَ داخلاً في حَيِّز الإِنكار، ويجوز أن تكونَ الواوُ للحالِ، و «قد» مقدرةٌ عند قومٍ. و «اتَّخذ» يجوز أَنْ تكونَ المتعديةَ لاثنين، فقال أبو البقاء: «إنَّ ثانيَهما محذوفٌ، أي: أولاداً، والمفعولُ الأولُ هو» إناثاً «. وهذا ليس بشيءٍ، بل المفعولُ الثاني هو ﴿مِنَ الملائكة﴾ قُدِّم على الأولِ، ولولا ذلك لَزِمَ أن يُبتدأ بالنكرةِ من غير مسوِّغ، لأنَّ ما صَلُح أن يكونَ مبتدأً صَلُح أن يكونَ مفعولاً أول في هذا الباب، وما لا فلا. ويجوز أن تكونَ متعدِّيةً لواحدٍ كقولِه: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الله وَلَداً﴾ [البقرة: ١١٦] ، و ﴿مِنَ الملائكة﴾ متعلِّقٌ ب» اتَّخذ «أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ من النكرةِ بعده.

стр. 5742

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ : العامَّةُ على تشديد الراء، وفي مفعول «صَرَّفْنا» وجهان، أحدُهما: أنه مذكورٌ، و «في» مزيدةٌ فيه،

стр. 5743

أي: ولقد صَرَّفْنا هذا القرآنَ، كقولِه: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفرقان: ٥٠] ، ومثله: ٣٠٦ - ٨-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . يَجْرَحْ في عَراقيبِها نَصْلِيْ وقوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحْ لِي فِي ذريتي﴾ [الأحقاف: ١٥] ، أي: يَجْرَحْ عراقيبَها، وأَصْلح لي ذريتي. ورُدَّ هذا بأنَّ «في» لا تُزاد، وما ذُكِرَ متأول، وسيأتي إنْ شاءَ الله تعالى في الأحقاف. الثاني: أنَّه محذوفٌ تقديرُه: ولقد صَرَّفْنا أمثالَه ومواعظَه وقصصَه وأخبارَه وأوامره. وقال الزمخشري في تقدير ذلك: «ويجوز أن يُراد ب» هذا القرآن «إبطالُ إضافتِهم إلى الله البناتِ؛ لأنه ممَّا صرَّفه وكرَّر ذِكْرَه، والمعنى: ولقد صَرَّفْنا القولَ في هذا المعنى، وأوقَعْنا التصريفَ فيه، وجَعَلْناه مكاناً للتكرير، ويجوز أن يريد ب ﴿هذا القرآن﴾ التنزيلَ، ويريد: ولقد صَرَّفناه، يعني هذا المعنى في مواضعَ من التنزيل، فترك الضميرَ لنه معلومٌ» . قلت: وهذا التقديرُ الذي قدَّره الزمخشريُّ أحسنُ؛ لأنه مناسِبٌ لما دَلَّتْ عليه الآيةُ وسِيْقَتْ

стр. 5744

لأجلِه، فقدَّرَ المفعولَ خاصَّاً، وهو: إمَّا القولُ، وإمَّا المعنى، وهو الضميرُ الذي قدَّره في «صَرَّفْناه» بخلافِ تقديرِ غيرِه، فإنَّ جَعَلَه عامَّاً. وقيل: المعنى: لم نُنَزِّلْه مرةً واحدة بل نجوماً، والمعنى: أَكْثَرْنا صَرْفَ جبريلَ إليك، فالمفعولُ جبريل ﵇. وقرأ الحسن بتخفيفِ الراء فقيل: هي بمعنى القراءةِ الأولى، وفَعَل وفَعَّل قد يَشْتركان. وقال ابنُ عطية: «أي: صَرَفْنا الناسَ فيه إلى الهدى» . قوله: «لِيَتَذَّكَّروا» متعلقٌ ب «صَرَّفْنا» . وقرأ الأخَوان هنا وفي الفرقان بسكون الذال وضمِّ الكاف مخففةً مضارع «ذكر» من الذِّكر أو الذُّكر، والباقون بفتح الذال والكافُ مشددةٌ، والأصلُ: يتذكَّروا، فأدغم التاءَ في الذال، وهو من الاعتبار والتدبُّر. قوله: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ﴾ ، أي: التصريفُ، و «نُفوراً» مفعولٌ ثانٍ.

стр. 5745

قوله تعالى: ﴿كَمَا يَقُولُونَ﴾ : الكافُ في موضعِ نصبٍ، وفيهما وجهان: أحدُهما: أنها متعلقةٌ بما تعلَّقَتْ به «مع» من الاستقرار، قاله الحوفي. والثاني: أنها/ نعتٌ لمصدر محذوف، أي: كوناً كقولكم قاله أبو البقاء.

стр. 5746

وقرأ ابنُ كثيرٍ وحفصٌ «يقولون» بالياءِ مِنْ تحت، والباقون بالتاء مِنْ فوقُ، وكذا قولُه بعد هذا ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ﴾ [الإِسراء: ٤٣] ، قرأه بالخطابِ الأخَوان، والباقون بالغيب، فتحصَّل من مجموع الأمر أنَّ ابنَ كثير وحفصاً يَقْرآنهما بالغيب، وأن الأخوين قرآ بالخطاب فيهما، وأن الباقين قرؤوا بالغيب في الأول، وبالخطاب في الثاني. فالوجهُ في قراءةِ الغيبِ فيهما أنه: حَمَل الأولَ على قولِهِ: ﴿وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً﴾ [الإِسراء: ٤١] ، وحَمَل الثاني عليه. وفي الخطاب فيهما أنه حمل الأولَ على معنى: قل لهم يا محمد لو كان معه آلهةٌ كما تقولون، وحَمَل الثاني عليه. وفي قراءة الغيبِ في الأولِ أنَّه حَمَله على قوله «وما يزيدهم» والثاني التفت فيه إلى خطابهم. قوله: «إذَنْ» حرفُ جوابٍ وجزاءٍ. قال الزمخشري: «وإذن دالَّةٌ على أنَّ ما بعدها وهو» لابتَغَوا «جوابٌ لمقالةِ المشركين وجزاءٌ ل» لو «. وأدغم أبو عمروٍ الشينَ في السين، واستضعفها النحاةُ لقوةِ الشين.

стр. 5747

قوله تعالى: ﴿وتعالى﴾ : عطفٌ على ما تضمَّنه المصدرُ، تقديرُه: تنزَّه وتعالى. و «عن» متعلقة به. أو ب «سبحان» على

стр. 5748

الإِعمال لأنَّ «عن» تعلَّقت به في قوله ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: ١٨٠] و «عُلُوّاً» مصدرٌ واقع موقعَ التعالي، كقولِه: ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] في كونِه على غيرِ الصدرِ.

стр. 5749

قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ﴾ : قرأ أبو عمروٍ والأخَوان وحفصٌ بالتاء، والباقون بالياء مِنْ تحت، وهما واضحتان؛ لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ ولوجودِ الفصلِ أيضاً. وقال ابن عطية: «ثم أعاد على السماواتِ والأرض ضميرَ مَنْ يَعْقِلُ لَمَّا أَسْنَدَ إليها فعلَ العاقلِ وهو التسبيحُ» ، وهذا بناءً منه على أنَّ «هُنَّ» مختصٌّ بالعاقلات، وليس كما زَعَمَ، وهذا نظيرُ اعتذارِه عن الإِشارة ب «أولئك» في قوله ﴿كُلُّ أولئك﴾ وقد تقدَّم. وقرأ عبدُ الله والأعمشُ «سبَّحَتْ» ماضياً بتاء التأنيث.

стр. 5750

قوله تعالى: ﴿مَّسْتُوراً﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: أنه على بابه بمعنى: مستور عن أعينِ الكفار فلا يَرَوْنه. وقيل: هو على النسب، أي: ذو سِتْرٍ كقولِهم: مكان مَهُول وجاريةٌ مَغْنُوجة، أي: ذو هَوْل وذات غُنْجٍ، ولا يُقال فيهما: هُلْتُ المكانَ ولا غَنَجْتُ الجارية. وقيل:

стр. 5751

هو وصفٌ على جهة المبالغة كقولهم: «شِعْرٌ شاعِر» . ورُدَّ هذا: بأنَّ ذلك إنما يكون في اسمِ الفاعلِ ومِنْ لفظِ الأولِ. والثاني: أنَّه بمعنى فاعِل كقولهم: مَشْؤُوم ومَيْمون بمعنى: شائِم ويامِن، وهذا كما جاء اسمُ الفاعلِ بمعنى مفعول كماء دافِق، وهذا قولُ الأخفش في آخرين.

стр. 5752

قوله تعالى: ﴿وَحْدَهُ﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أنَّه منصوبٌ على الحال، وإن كان معرفةً لفظاً، لأنه في قوةِ النكرة؛ إذ هو في معنى «منفرداً» ، وهل هو مصدرٌ أو اسمٌ موضوعٌ موضعَ المصدرِ الموضوعِ موضعَ الحال، ف «وَحْدَه» وُضِعَ موضعَ «إيحاد» و «إيحاد» وُضع موضعَ «مَوْحَد» وهو مذهب سيبويه، أو هو مصدرٌ على حَذْف الزوائد، إذ يقال: أَوْحَدَه يُوْحِدُه إيحاداً، أو هو مصدرٌ بنفسِه ل «وَحَد» ثلاثياً. قال الزمخشري: «وَحَدَ يَحِدُ وَحْداً وحِدَة نحو: وَعَد يَعِد وَعْداً وعِدَة، و» وَحْدَه «من باب:» رَجَع عَوْدَه على بَدْئه، و «افعَلْه جهدَك وطاقتَك» في أنه مصدرٌ سادٌّ مَسَدَّ الحال، أصلُه يَحِدُ وَحْدَه، بمعنى واحداً «. قلت: وقد عرفْتُ أن هذا ليس مذهبَ سيبويه. والثاني: أنه منصوبٌ على الظرفِ، وهو قولُ يونس. واعلمْ أنَّ هذه الحالَ بخصوصِها -أعني لفظة» وحده «- إذا وَقَعَتْ بعد فاعلٍ ومفعولٍ نحو: ضَرَبَ زيدٌ عمراً وَحْده» فمذهبُ سيبويه: أنه حالٌ من الفاعل، أي:

стр. 5753

مُوَحِّداً له بالضرب. ومذهبُ المبردِ: أنه يجوز أن يكونَ حالاً من المفعول. قال الشيخ: «فعلى مذهب سيبويه يكون التقدير: وإذا ذكرْتَ ربَّك مُوَحِّداً لله، وعلى مذهب المبرد يجوز أن يكونَ التقديرُ: مُوَحَّداً بالذِّكْر» . قوله: نُفوراً «فيه وجهان: أحدُهما: أنه مصدرٌ على غيرِ الصَّدْر؛ لأنَّ التولِّيَ والنفور بمعنى. والثاني: أنه حال مِنْ فاعل» وَلَّوا «وهو حينئذ جمع نافرٍ، كقاعِد وقُعود وجالس وجلوس. والضميرُ في» وَلَّوا «الظاهر/ عودُه على الكفارِ. وقيل: يعود على الشياطين، وإن لم يَجْرِ لهم ذِكْرٌ.

стр. 5754

قوله تعالى: ﴿بِمَا يَسْتَمِعُونَ﴾ : متعلقٌ ب «أَعْلَمُ» . وما كان من باب العلمِ والجهلِ في أَفْعَلِ التفضيلِ وأفعلَ في التعجب تعدَّى بالباء نحو: أنت أعلمُ به، وما أعلمك به!! وهو أجهلُ به، وما أجهلَه به!! ومن غيرِهما يتعدَّى في البابين باللام نحو: أنت أَكْسَى للفقراء. و «ما» بمعنى الذي، وهي عبارةٌ عن الاستخفاف والإِعراض فكأنه قال: نحن أعلمُ بالاستخفافِ والاستهزاءِ الذي يستمعون به. قاله ابنُ عطية. قوله: «به» فيه أوجهٌ، أحدها: أنه حالٌ، فيتعلق بمحذوف. قال الزمخشري: «وبه في موضع الحالِ كما [تقول:] يستمعون بالهُزْء، أي: هازئين» . الثاني: أنها بمعنى اللامِ، أي: بما يستمعون له. الثالث:

стр. 5755

أنَّهما على بابها، أي: يستمعون بقلوبهم أو بظاهرِ أسماعهم، قالهما أبو البقاء. الرابع: قال الحوفيُّ: «لم يَقُلْ يَسْتعونه ولا يستمعونك؛ لَمَّا كان الغرضُ ليس الإِخبارَ عن الاستماعِ فقط، وكان مُضَمَّناً أنَّ الاستماعَ كان على طريق الهُزْء بأن يقولوا: مجنون أو مسحور جاء الاستماع به وإلى، لِيُعْلَمَ أنَّ الاستماعَ ليس المرادُ به تَفَهُّمَ المسموعِ دون هذا المقصد» ، فعلى هذا أيضاً تتعلق الباء ب «يستمعون» . قوله: «إذ يستمعون» فيه وجهان: أحدُهما: أنه معمولٌ ل «أَعْلَمُ» . قال الزمخشريُّ: «إذ يستمعون نصبٌ ب» أَعْلَمُ «، أي: اَعْلَمُ وقتَ استماعِهم بما به يستمعون، وبما يتناجَوْن به، إذ هم ذَوُو نجوى» . والثاني: أنه منصوبٌ ب «يَستمعون» الأولى. قال ابن عطية: «والعاملُ في» إذ «الأولى وفي المعطوف» يستمعون «الأول. وقال الحوفي:» ف إذ الأولى تتعلق ب «يستمعون» وكذا ﴿وَإِذْ هُمْ نجوى﴾ لأنَّ المعنى: نحن أعلمُ بالذي يستمعون إليك وإلى قراءتِك وكلامِك، إنما يستمعون لسَقْطِك، وتتبُّعِ عيبِك، والتماسِ ما يَطْعنون به عليك، يعني في زعمهم؛ ولهذا ذكر تعديتَه بالباء و «إلى» . قوله: «نَجْوى» يجوز أن يكونَ مصدراً فيكونَ من إطلاقِ المصدرِ على العينِ مبالغةً، أو على حَذْفِ مضاف، أي: ذوو نجوى، كما قاله الزمخشريُّ. ويجوز أَنْ يكونَ جمعَ نَجِيّ كقتيل وقَتْلَى. قاله أبو البقاء.

стр. 5756

قوله: ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ بدلٌ مِنْ «إذ» الأولى في أحَد القولين، والقولُ الآخر: أنها معمولةٌ ل «اذكُر» مقدراً. قوله: «مَسْحوراً» الظاهرُ أنه اسمُ مفعولٌ من «السِّحْر» بكسرِ السين، أي: مَخْبولَ العقلِ أو مخدوعَه. وقال أبو عبيدة: «معناه أن له سَحْراً» أي: رِئة بمعنى أنه لا يَستَغني عن الطعام والشرابِ، فهو بشرٌ مثلُكم. وتقول العرب للجبان: «قد انتفخ سَحْره» بفتح السين، ولكلِّ مَنْ أكل وشرب: مَسْحُور، ومُسْحَر. فمِنْ الأولِ قولُ امرئ القيس: ٣٠٦ - ٩- أرانا مُوْضَعِيْنَ لأمرِ غَيْبٍ ... ونُسْحَرُ بالطعامِ وبالشرَّابِ أي: نُغَذَّى ونُعَلَّلُ. ومِن الثاني قول لبيد: ٣٠٧ - ٠- فإنْ تَسْأَلِينا فيمَ نحنُ فإنَّنا ... عصافيرُ مِنْ هذا الأَنامِ المُسَحَّرِ ورَدَّ الناسُ على أبي عبيدة قولَه لبُعْدِه لفظاً ومعنى. قال ابن قتيبة: «لا أَدْري ما الذي حَمَل أبا عبيدةَ على هذا التفسيرِ المستكرَهِ مع ما فسَّره السلفُ بالوجوهِ الواضحةِ» . قلت: وأيضاً فإن «السَّحْر» الذي هو الرِّئَة لم يُضْرَبْ له فيه مَثَلٌ بخلاف «السَّحْر» ، فإنهم ضربوا له فيه المَثَلَ، فما بعد الآيةِ مِنْ قولِه «انظر كيف ضَرَبُوا لك الأمثالَ» لا يناسِبُ إلا «السِّحْر» بالكسرِ.

стр. 5757

قوله تعالى: ﴿أَإِذَا كُنَّا﴾ : قد تقدَّم خلافُ القراء في الاستفهامين كهذه الايةِ في سورة الرعد، وتحقيقُ ذلك. والعاملُ في «إذا» محذوفٌ تقديرُه: أنُبْعَثُ أو أنُحْشَرُ إذا كنَّا، دلَّ عليه «لمَبْعوثون» ، ولا يعملُ فيها «مَبْعوثون» هذا؛ لأنَّ ما بعد «إنَّ» لا يعملُ فيما قبلها، وكذا ما بعدَ الاستفهامِ لا يعملُ فيما قبله، وقد اجتمعا هنا، وعلى هذا التقديرِ الذي ذَكرْتُه تكون «إذا» متمحِّضةً للظرفيةِ، ويجوز أَنْ تكونَ شرطيةً فَيُقَدَّرُ العاملُ فيها جوابَها، تقديرُه: أإذا كنا عظاماً ورُفاتاً نُبْعَثُ أو نُعادُ، ونحو ذلك، فهذا المحذوفُ جوابُ الشرطِ عند سيبويه والذي انصبَّ عليه/ الاستفهامُ عند يونس. قوله: «ورُفاتاً» الرُّفات: ما بُوْلِغَ في دَقِّه وتَفْتِيتِه وهو اسمٌ لأجزاءِ ذلك الشيءِ المُفَتَّتِ. وقال الفراء: «هو التراب» . ويؤيِّده أنه قد تكرَّر في القرآن «تُرابا وعظاماً» . ويقال رََفَتَ الشيءَ يَرْفِت بالكسرِ، أي: كَسرَه. والفُعال يغلب في التفريق كالحُطام والدُّقاق والفُتات. قوله: «خَلْقاً» يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أنه مصدرٌ من معنى الفعلِ لا مِنْ لفظِه، أي: نُبْعَثُ بَعْثاً جديداً. والثاني: أنه في موضع الحالِ، أي: مَخْلوقين.

стр. 5758

قوله تعالى: ﴿الذي فَطَرَكُمْ﴾ : فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه مبتدأٌ وخبرُه محذوف، أي: الذي فطركم يعيدُكم. وهذا التقديرُ فيه مطابقةٌ بين السؤالِ والجوابِ. والثاني: أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: مُعِيْدُكم.

стр. 5759

الذي فطركم. الثالث: أنه فاعلٌ بفعلٍ مقدر، أي: يعيدُكم الذي فطركم، ولهذا صُرِّح بالفعل في نظيره عند قولِه: ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم﴾ [الزخرف: ٩] . و ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ ظرفُ زمان ناصبُه «فَطَركم» . قوله: «فسَيُنْغِضُون» ، أي: يُحَرِّكونها استهزاءً. يقال: أَنْغَضَ رأسَه يُنْغِضها، أي: حَرَّكها إلى فوقُ، وإلى أسفلَ إنغاضاً، فهو مُنْغِضٌ، قال: ٣٠٧ - ١- أَنَغَضَ نحوي رأسَه وأَقْنَعا ... كأنه يطلُبُ شيئاً أَطْمعا وقال آخر: ٣٠٧ - ٢- لَمَّا رَأَتْنِي أَنْغَضَتْ لِي الرَّأْسا ... وقال أبو الهيثم: «إذا أُخْبِرَ بشيءٍ فَحَرَّك رأسَه إنكاراً له فقد أَنْغَضَ» . قال ذو الرمة: ٣٠٧ - ٣- ظَعائِنُ لم يَسْكُنَّ أَكْنافَ قريةٍ ... بِسِيْفٍ ولم تَنْغُضْ بهنَّ القَنَاطِرُ أي: لم تُحَرَّك، وأمَّا نَغَضَ ثلاثياً، يَنْغَضُ ويَنْغُضُ بالفتح والضم، فبمعنى تَحَرَّك، لا يتعدَّى يقال: نَغَضَتْ سِنَّه، أي: تَحَرَّكت، تَنْغُضُ نَغْضاً

стр. 5760

ونُغوضاً. قال: ٣٠٧ - ٤- ونَغَضَتْ مِنْ هَرَمٍ أسنانُها ... قوله: ﴿عسى أَن يَكُونَ﴾ يجوز أن تكونَ الناقصة، واسمُها مستترٌ فيها يعودُ على البعثِ والحشرِ المدلولِ عليهما بقوة الكلام، أو لتضمُّنِه في قوله «مَبْعوثون» ، و «أن يكونَ» خبرُها، ويجوز أن تكونَ التامَّةَ مسندةً إلى «أنَّ» وما في حيِّزها، واسمُ «يكونَ» ضميرُ البعثِ كما تقدَّم. وفي «قريباً» وجهان، أحدُهما: أنه خبر «كان» وهو وصفٌ على بابِه. والثاني: أنه ظرفٌ، أي: زماناً قريباً، وأن يكونَ «على هذا تامةٌ، أي: عسى أن يقع العَوْد في زمانٍ قريب.

стр. 5761

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ : فيه أوجهٌ: أحدُها: أنه بدلٌ من «قريباً» ، إذا اَعْرَبْنا «قريباً» ظرفَ زمان كما تقدم. الثاني: أنه منصوبٌ ب «يَكونَ» قاله أبو البقاء، وهذا مَنْ يُجيز إعمالَ الناقصةِ في الظرفِ، وإذا جَعَلْناها تامَّةً فهو معمولٌ لها عند الجميع. الثالث: أنه منصوبٌ بضميرِ المصدرِ الذي هو اسمُ «يكون» أي: عسى أن يكونَ العَوْدُ يوم يَدْعوكم. وقد منعه أبو البقاء قال: «لأنَّ الضميرَ لا يعمل» يعني عند البصريين، وأمَّا الكوفيون فيُعملون ضميرَ المصدرِ كمُظْهِرِه فيقولون: مروري بزيدٍ حَسَنٌ، وهو بعمروٍ قبيحٌ «وعندهم متعلِّق ب» هو «لأنَّه ضمير المرور، وأنشدوا قول زهير على ذلك: ٣٠٧ - ٥-

стр. 5762

وما الحربُ إلا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمْ ... وما هو عنها بالحديثِ المُرَجَّمِ ف» هو «ضميرُ المصدرِ، وقد تَعَلَّق به الجارُّ بعده، والبصريون يُؤَوِّلونه. الرابع: أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدر، أي: اذكُرْ يومَ يَدْعوكم. الخامس: أنه منصوبٌ بالبعثِ المقدَّر، قالهما أبو البقاء. قوله: بحَمْدِه» فيه قولان، أحدُهما: أنها حالٌ، أي: تستجيبون حامِدِين، أي: منقادين طائعين. والثاني: أنها متعلقةٌ ب «يَدْعوكم» قاله أبو البقاء وفيه قَلَقٌ. قوله: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ﴾ «إنْ» نافيةٌ، وهي معلِّقَةٌ للظنِّ عن العمل، وقلَّ مَنْ يذكرُ «إنْ» النافيةَ، في أدواتِ تعليق هذا الباب. و «قليلاً» يجوز أن يكونَ نعتَ زمانٍ أو مصدرٌ محذوفٌ، أي: إلا زماناً قليلاً، أو إلا لُبْثاً قليلاً.

стр. 5763

قوله تعالى: ﴿وَقُل لِّعِبَادِي﴾ : تقدَّم نظيرُه في إبراهيم. قوله: ﴿إِنَّ الشيطان يَنزَغُ﴾ يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ اعتراضاً بين المفسَّر والمفسِّر، وذلك أنَّ قولَه: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ وَقَعَ تفسيراً لقوله ﴿التي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وبياناً لها، ويجوز أن لا تكونَ معترِضَةً بل مستأنفةٌ.

стр. 5764

وقرأ طلحة «يَنْزِغ» بكسر الزاي وعما لغتان، كيَعرِشون ويَعْرُشون، قاله الزمخشري. قال الشيخ: «ولو مَثَّل ب» يَنْطَح «و» يَنْطِح «/ كأنه يعني من حيث إن لامَ كلٍ منهما حرفُ حَلْقٍ، وليس بطائلٍ.

стр. 5765

قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السماوات﴾ : في هذه الباءِ قولان، أظهرُهما: أنها تتعلَّقُ ب «أَعْلَمُ» كما تَعَلَّقَتْ الباءُ ب «أَعْلَمُ» قبلها، ولا يلزمُ مِنْ ذلك تخصيصُ علمِه بمَنْ في السماوات والأرض فقط. والثاني: أنها متعلِّقَةٌ ب «يَعْلَمُ» مقدراً. قاله الفارسي محتجاً بأنه يَلْزَمُ مِنْ ذلك تخصيصُ عِلْمِه بمَنْ في السماوات والأرض، وهو وَهْمٌ، لأنه لا يَلْزَمُ من ذِكْرِ الشيءِ نَفْيُ الحكمِ عَمَّا عداه. وهذا هو الذي يقول الأصوليون: إنه مفهومُ اللقَب، ولم يَقُلْ به إلا أبو بكر الدقاق في طائفةٍ قليلة. قوله: «زَبُورا» قد تقدَّم خلافُ القراءِ فيه، ونكَّره هنا دلالةً على التبعيضِ، أي: زَبُوراً من الزُّبُر، أو زَبُوراً فيه ذِكْرُ رسولِ الله ﷺ ، فأُطْلِقَ على القطعةِ منه زَبورٌ، كما يُطْلَقُ على بعضِ القرآن، ويجوزُ أَنْ يكونَ «زَبُور» عَلَماً، فإذا دَخَلَتْ عليه أل كقولِه: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور﴾ [الأنبياء: ١٠٥]

стр. 5766

كانت لِلَمْحِ الأصلِ كعبَّاس والعبَّاس، وفَضْل والفضل.

стр. 5767

قوله تعالى: ﴿الذين زَعَمْتُم﴾ : مفعولا الزُّعم محذوفان لفَهْمِ المعنى، أي: زَعَمْتوهم آلهةً، وحَذْفُهما اختصاراً جائزٌ، واقتصاراً فيه خلافٌ.

стр. 5768

قوله تعالى: ﴿أولئك الذين يَدْعُونَ﴾ : «أولئك» مبتدأٌ، وفي خبره وجهان، أظهرُهما: أنه الجملةُ مِنْ «يبتغون» ويكون الموصولُ نعتاً أو بياناً أو بدلاً، والمرادُ باسم الإِشارة الأنبياءُ الذين عُبِدوا مِنْ دون الله. والمرادُ بالواوِ العبَّادُ لهم، ويكون العائدُ على «الذين» محذوفاً، والمعنى: أولئك الأنبياءُ الذين يَدْعُونهم المشركون لكَشْفِ ضُرِّهم - أو يَدْعُونهم آلهةً، فمفعولها أو مفعولاها محذوفان - يَبْتَغون. ويجوز أن يكونَ المرادُ بالواوِ ما أُريد بأولئك، أي: أولئك الأنبياءُ الذين يَدْعُون ربَّهم أو الناسَ إلى الهدى يَبْتغون، فمفعولُ «يَدْعُون» محذوف. والثاني: أن الخبرَ نفسُ الموصولِ، و «يَبْتَغُون» على هذا حالٌ مِنْ فاعل «يَدْعُون» أو بدلٌ منه. وقرأ العامَّةُ «يَدْعُون» بالغيبِ، وقد تقدَّم الخلافُ في الواو: هل تعودُ على الأنبياء أو على عابِدِيْهم. وزيد بن علي بالغَيْبة أيضاً، إلا أنه بناه للمفعول. وقتادةُ وابنُ مسعودٍ بتاء الخطاب. وهاتان القراءتان تقويَّان أن الواوَ للمشركين لا للأنبياءِ في قراءة العامَّة. قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ في «أيُّ» هذه وجهان، أحدُهما: أنها استفهاميةٌ.

стр. 5769

والثاني: أنها موصولةٌ بمعنى الذي، وإنما كَثُرَ كلامُ المُعْرِبين فيها من حيث التقديرُ. فقال الزمخشري: «وأيُّهم بدلٌ مِنْ واو» يَبْتغون «و» أيُّ «موصولةٌ، أي: يبتغي مَنْ هو أقربُ منهم وأَزْلَفُ، أو ضُمِّن [يَبْتَغُون] الوسيلةَ معنَى يَحْرِصُون، فكأنه قيل: يَحْرِصُون أيُّهم يكون أقربَ» . قلت: فَجَعَلَها في الوجهِ الأولِ موصولةً، وصلتُها جملةٌ مِنْ مبتدأ وخبر، حُذِف المبتدأ وهو عائدُها، و «أَقْرَبُ» خبرُ «هو» واحتملت «أيُّ» حينئذٍ أن تكونَ مبنيةً، وهو الأكثرُ فيها، وأن تكونَ مُعْرَبةً، ولهذا موضعٌ هو أليقُ به في مريم. وفي الثاني جَعَلَها استفهاميةً بدليل أنه ضَمَّن الابتغاءَ معنى شيء يُعَلَّقُ وهو «يَحْرُصون» ، فيكون «أيُّهم» مبتدأً و «أقربُ» خبرَه، والجملةُ في محلِّ نصبٍ على إسقاطِ الخافض؛ لأنَّ «يَحْرِص» يتعدَّى ب «على» قال تعالى: ﴿إِن تَحْرِصْ على هُدَاهُمْ﴾ [النحل: ٣٧] ﴿أَحْرَصَ الناس على حَيَاةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] . وقال أبو البقاء: «أيُّهم» مبتدأ، و «أقربُ» خبرُه وهو استفهامٌ في موضع نصب ب «يدْعُونَ» ، ويجوز أن يكونَ «أيُّهم» بمعنى الذي، وهو بدلٌ مِنَ الضميرِ في «يَدْعُوْن» . قال الشيخ: «علًّق» يَدْعُون «وهو ليس فعلاً قلبياً، وفي الثاني فَصَلَ

стр. 5770

بين الصلةِ ومعمولِها بالجملةِ الحاليةِ، ولا يَضُرُّ ذلك لأنها معمولةٌ للصِّلة» . قلت: أمَّا كونُ «يَدْعُون» لا يُعَلِّق هو مذهبَ الجمهور. وقال يونس: يجوز تعليقُ الأفعالِ مطلقاً، القلبيةِ وغيرِها. وأمَّا قولُه «فَصَل بالجملة الحالية» يعني بها «يَبْتَغُون» فَصَل بها بين «يَدْعون» الذي هو صلةُ «الذين» وبين معمولِه وهو ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ لأنه مُعَلَّقٌ عنه كما عَرَفْتَه، إلا أنَّ الشيخَ لم يتقدَّم في كلامِه أعرابُ «يبتغون» حالاً، بل لم يُعْرِبْها إلا خبراً للموصول، وهذا قريب. وجعل أبو البقاء أيَّاً الموصولة بدلاً من واو «يَدْعُون» ولم أرَ أحداً وافقه على ذلك، بل كلُّهم يجعلونها مِنْ واو «يَبْتَغون» وهو الظاهر. وقال الحوفي: «أَيُّهُمْ أَقْرَبُ» ابتداءٌ وخبر، والمعنى: ينظرون أيُّهم أقربُ فيتوسَّلون به، ويجوز أن يكونَ «أَيُّهُمْ أَقْرَبُ» / بدلاً من واو «يَبْتغون» . قلت: فقد أضمر فعلاً معلَّقاً وهو «ينظرون» ، فإن كان مِنْ نَظَرِ البصَرِ تَعَدَّى ب «إلى» ، وإن كان مِنْ نظَرِ الفِكْرِ تعدَّى ب «في» ، فعلى التقديرين الجملةُ الاستفهامية في موضعِ نصبٍ بإسقاطِ الخافضِ، وهذا إضمارُ ما لا حاجةَ إليه. وقال ابن عطية: «وأيُّهم ابتداءٌ، و» أقربُ «خبرُه، والتقدير: نَظَرُهم ووَكْدُهم أيُّهم أقربُ، ومنه قولُ عمرَ بنِ الخطاب ﵁:» فبات الناس يَدُوكون أيُّهم يُعطاها «، أي: يتبارَوْن في القُرْبِ» . قال الشيخ: «

стр. 5771

فَجَعَل المحذوفَ» نَظَرُهم ووَكْدُهم «وهذا مبتدأ، فإن جعلْتَ ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ في موضعِ نصبٍ ب» نَظَرُهم «بقي المبتدأ بلا خبر، فَيَحْتاج إلى إضمار خبر، وإن جعلت ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [هو] الخبر لم يَصِحَّ؛ لأنَّ نظرَهم ليس هو أيهم أقرب، وإنْ جَعَلْتَ التقدير: نَظَرُهم في أيهم أقربُ، أي: كائنٌ أو حاصلٌ، لم يَصِحَّ ذلك؛ لأنَّ كائناً وحاصلاً ليس ممَّا يُعَلِّق» . قلت: فقد تحصَّل في الآيةِ الكريمةِ ستةُ أوجهٍ، أربعةٌ حالَ جَعْلِ «أيّ» استفهاماً. الأولُ أنها مُعَلِّقةٌ للوسيلة كما قرَّره الزمخشري. الثاني: أنها مُعَلَّقَةٌ ل «يَدْعُون» كما قاله أبو البقاء. الثالث: أنها مُعَلِّقَةٌ ل «يَنْظرون» مقدَّراً، كما قاله الحوفيُّ. الرابع: أنها مُعَلَّقةٌ ل «نَظَرُهُمْ» كما قدَّره ابن عطية. واثنان حالَ جَعْلِها موصولةً، الأول: البدلُ مِنْ واو «يَدْعُون» كما قاله أبو البقاء. الثاني: أنها بدلٌ مِنْ واو «يَبْتَغون» كما قاله الجمهور.

стр. 5772

قوله تعالى: ﴿وَإِن مِّن قَرْيَةٍ﴾ : «إن» نافيةٌ و «مِنْ» مزيدةٌ في المبتدأ لاستغراقِ الجنس. وقال ابنُ عطية: «هي لبيانِ الجنسِ، وفيه نظرٌ مِنْ وجهين، أحدهما قال الشيخ:» لأنَّ التي للبيان لا بُدَّ أَنْ يتقدَّمَها مبهمٌ ما، تُفَسّره كقوله: ﴿مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢] ، وهنا لم يتقدَّم شيءٌ مبهمٌ «. ثم قال» ولعلَّ قولَه لبيانِ الجنسِ من الناسخِ، ويكون هو قد قال: لاستغراقِ الجنس، ألا ترى أنه قال بعد ذلك: «وقيل: المرادُ الخصوصُ» . وخبرُ المبتدأ الجملةُ المحصورةُ مِنْ قولِه: ﴿إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا﴾ .

стр. 5773

والثاني: أنَّ شَرْطَ ذلك أَنْ يَسْبِقَها مُحَلَّى بأل الجنسية، وأن يَقَعَ موقعَها «الذي» كقولِه: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: ٣٠] .

стр. 5774

قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرْسِلَ بالآيات إِلاَّ أَن كَذَّبَ﴾ : «أنْ» الأولى وما في حَيِّزها في محلِّ نصبٍ أو جرٍ على اختلاف القولين؛ لأنها على حَذْفِ الجارِّ، أي: مِنْ أَنْ نُرسل، والثانية وما في حَيِّزها في محلِّ رفعٍ بالفاعلية، أي: وما مَنَعَنا مِنْ إرسال الرسلِ بالآياتِ إلا تكذيبُ الأوَّلين، أي: لو أَرْسلنا الآياتِ المقترحةَ لقريش لأُهْلِكوا عند تذكيبِهم كعادةِ مَنْ قبلَهم، لكنْ عَلِمَ الله أنه يُؤْمِنُ بعضُهم، ويكذِّبُ بعضُهم مَنْ يومن، فلذلك لم يُرْسِلِ الآياتِ لهذه المصلحةِ. وقَدَّر أبو البقاء مضافاً قبل الفاعلِ فقال: «تقديرُه: إلا إهلاكُ التكذيب، كأنه يعني أنَّ التكذيبَ نفسَه لم يمنعْ من ذلك، وإنما مَنَعَ منه ما يترتَّبُ على التكذيبِ وهو الإِهلاك، ولا حاجةَ إلى ذلك لاستقلالِ المعنى بدونه. قوله:» مُبْصِرَة «حالٌ، وزيدُ بن علي يرفعُها على إضمارِ مبتدأ، اي: هي، وهو إسنادٌ مجازيٌّ، إذ المرادُ إبصارُ أهلِها، ولكنها لمَّا كانت سبباً في

стр. 5775

الإِبصار نُسِب إليها. وقرأ قومٌ بفتحٍ الصاد، مفعولٌ على الإِسناد الحقيقي. وقتادة بفتح الميم والصاد، أي: مَحَلُّ إبصارٍ كقوله ﵇:» الولدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَة «وكقوله: ٣٠٧ - ٦-. . . . . . . . . ... والكفرُ مَخْبَثَةٌ لنفسِ المُنْعِمِ أجرى هذه الأشياءَ مُجْرى الأمكنةِ نحو: أرضٌ مَسْبَعَة ومَذْأبَة. قوله: ﴿إِلاَّ تَخْوِيفاً﴾ يجوز أَنْ يكونَ مفعولاً له، وأن يكونَ مصدراً في موضع الحال: إمَّا من الفاعل، أي: مُخَوِّفين أو من المفعولِ، أي: مُخَوِّفاً بها.

стр. 5776

قوله تعالى: ﴿والشجرة﴾ : العامَّة على نصبِها نَسَقاً على «الرؤيا» ، و «الملعونةَ» نعت، قيل: هو مجازٌ؛ إذ المُراد: الملعونُ طاعِموها؛ لأنَّ الشجرةَ لا ذَنْبَ لها وهي شجرةُ الزقُّوم. وقيل: بل على الحقيقة، ولَعْنُها: إبعادُها مِنْ رحمة الله، لأنها تخرجُ في أصلِ الجحيم. وزيد بن علي برفعِها على الابتداء. وفي الخبر احتمالان، أحدُهما: هو محذوفٌ، أي: فتنة. والثاني: - قاله أبو البقاء- أنه قولُه ﴿فِي القرآن﴾ وليس بذاك.

стр. 5777

قوله: «ونُخَوِّفُهم» قراءةُ العامَّةِ بنون العظمة. والأعمش بياء الغيبة.

стр. 5778

قوله تعالى: ﴿طِيناً﴾ : فيه أوجهُ، أحدُها: أنه حالٌ من «لِمَنْ» فالعاملُ فيها «أَاَسْجُدُ» ، أو مِنْ عائد هذا الموصولِ، أي: خلقَته طِيْناً، فالعاملُ فيها «خَلَقْتَ» ، وجاز وقوعُ طين حالاً، وإن كان جامداً، لدلالتِه على الأصالةِ كأنه قال: متأصِّلاً من طين. الثاني: أنه منصوبٌ على إسقاطِ الخافضِ، أي: مِنْ طين، كما صَرَّح به في الآية الأخرى: / ﴿وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [ص: ٧٦] . الثالث: أن منتصبٌ على التمييز، قاله الزجاج، وتبعه ابنُ عطية، ولا يظهرُ ذلك إذ لم يتقدَّم إيهامُ ذاتٍ ولا نسبةٍ.

стр. 5779

قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ : قد ذُكِرَتْ مستوفاةً في الأنعام. وقال الزمخشري: «الكافُ ُللخطاب، و» هذا «مفعول به، والمعنى: أَخْبِرْني عن هذا الذي كَرَّمْتَه علي، أي: فَضَّلْتَه لِمَ كَرَّمْتَه وأن خيرٌ منه؟ فاختصر الكلامَ» . وهذا قريبٌ من كلام الحوفي. وقال ابنُ عطية: «والكافُ في» أَرَأَيْتُكَ «حرفُ خطابٍ لا موضعَ لها من الإِعراب، ومعنى» أَرَأَيْتَ «أتأمَّلْتَ ونحوه، كأنَّ المخاطِبَ يُنَبِّه المخاطَب ليستجمعَ لما يَنُصُّ عليه [بعدُ] . وقال سيبويه:» وهي بمعنى أَخْبِرْني، ومَثَّل بقوله: «أَرَأَيْتك زيداً أبو من هو؟» وقولُ سيبويهِ صحيحٌ، حيث يكون

стр. 5780

بعدها استفهامٌ كمثالِه، وأمَّا في الآية فهي كما قلتُ، وليست التي ذكر سيبويهِ «. قلت: وهذا الذي ذكره ليس بمُسَلَّمٍ، بل الآيةُ كمثالِه، غايةُ ما في البابِ أنَّ المفعولَ الثاني محذوفٌ وهو الجملةُ الاستفهاميةُ المقدَّرةُ، لانعقادِ الكلام مِنْ مبتدأ وخبر، لو قلت: هذا الذي كَرَّمْتَه عليَّ لِمَ كرَّمته؟ وقال الفراء:» الكافُ في محلِّ نصب، أي «أَرَأَيْتَ نفسَك كقولك: أَتَدَبَّرْتَ أخرَ أمرِك فإني صانعٌ فيه كذا ثم ابتدأ: هذا الذي كرَّمْتَ عليَّ» . وقال أبو البقاء: «والمفعولُ الثاني محذوفٌ، تقديرُه: تفضيلَه أو تكريمه» . قلت. وهذا لا يجوز لأنَّ المفعول الثاني في هذا البابِ لا يكونَ إلا جملةً مشتملةً على استفهام «. قال الشيخ:» ولو ذهبَ ذاهبٌ إلى أنَّ الجملة القسمية هي المفعولُ الثاني لكانَ حَسَناً «. قلت: يَرُدُّ ذلك التزامُ كونِ المفعولِ الثاني جملةً مشتملةً على استفهامٍ وقد تقرَّر جميعُ ذلك في الأنعام فعليك باعتباره هنا. قوله: ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾ قرأ ابن كثير بإثباتِ ياءِ المتكلمِ وصلاً ووقفاً، ونافع وأبو عمرو بإثباتِها وَصْلاً وحَذْفِها وقفاً، وهذه قاعدةُ مَنْ ذُكِرَ في الياءاتِ الزائدةِ على الرسم، والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً، هذا كلُّه في حرفِ هذه
следующие страницы →