← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

قوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ هذا الضميرُ يجوز أن يعودَ على «أحد» لأنه في معنى الجمع، وأنْ يكونَ عائداً على «أهل» المضاف لضمير المدينة، قاله الزمخشري. ويجوز أَنْ يعودَ على قومِهم لدلالةِ السِّياقِ عليهم. وقرأ زيدُ بن علي «يُظْهِروا» مبنيّاً للمفعول و «إذن» جوابٌ وجزاءٌ، أي: إنْ ظَهَروا فلن تُفْلِحوا.

стр. 5917

قوله: ﴿وكذلك أَعْثَرْنَا﴾ : أي: وكما أَنَمْناهم وبَعَثْناهم أَعْثَرْنا، أي: أَطْلَعْنا. وقد تقدَّم الكلامُ على مادة «عثر» في المائدة

стр. 5918

و «لِيَعْلَموا» متعلقٌ بأَعْثَرْنا. والضمير: قيل: يعود على مفعول «أَعْثَرْنا» المحذوفِ تقديرُه: أَعْثَرْنا الناسَ. وقيل: يعود على أهل الكهف. قوله: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ﴾ يجوز أَنْ يعملَ فيه «أَعْثَرنا» أو «لِيَعْلَموا» أو لمعنى «حَقٌّ» أو ل «وَعْدَ» عند مَنْ «يَتَّسع في الظرف. وأمَّا مَنْ لا يَتَّسعُ، فلا يجوز الإِخبارُ عن الموصولِ قبل تمامِ صِلَتِه. قوله:» بُنْياناً «يجوز أَنْ يكونَ مفعولاً به، جمعَ يُنْيَانَه، وأن يكونَ مصدراً. قوله: ﴿رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ يجوز أن يكونَ مِنْ كلام الباري تعالى، وأن يكونَ من كلامِ المتنازِعَيْنِ فيهم. قوله:» غَلَبوا «قرأ عيسى الثقفي والحسن بضم الغين وكسرِ اللام.

стр. 5919

قوله: ﴿سَيَقُولُونَ﴾ : قيل: إنما أُتي بالسِّينِ في هذا لأنَّ في الكلامِ طَيَّاً وإدْماجاً تقديرُه: فإذا أَجَبْتَهم عن سؤالِهم عن قصةِ أهلِ الكهفِ فَسَلْهُمْ عددِهم فإنهم سيقولون. ولم يأتِ بها في باقيةِ الأفعالِ لأنها معطوفةٌ على ما فيه السينُ فأُعْطِيَتْ حُكْمَه من الاستقبَال.

стр. 5920

وقرأ ابنُ محيصن «ثَلاثٌّ» بإدغامِ الثاءِ المثلثةِ في تاء التأنيث لقربِ مَخْرَجَيْهما، ولأنهما مهموسان، ولأنهما بعد ساكنٍ معتلٍّ. قوله: ﴿رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ الجملةُ في محلِّ رفعٍ صفةً ل «ثلاثة» . قوله: «خَمْسَةٌ» قرأ ابن كثير في روايةٍ بفتحِ الميم، وهي لغةٌ كعشَرَة. وقرأ ابن محيصن بكسرِ الخاءِ والميمِ، وبإدغامِ التاءِ في السين، يعني تاءَ «خمسة» في سين «سادسهم» وعي قراءةٌ ثقيلةٌ جداً، تتوالى كسرتان وثلاثُ سيناتٍ، ولا أظنُّ مثلَ هذا إلا غلطاً على مثلِه. ورُوِيَ عنه إدغامُ التنوينِ في السين مِنْ غيرِ غُنَّة. و «ثلاثةٌ» و «خمسةٌ» و «سبعةٌ» إخبارٌ لمبتدأ مضمرٍ، أي: هم ثلاثةٌ، وهم خمسةٌ، وهم سبعةٌ. وما بعد «ثلاثة» و «خمسة» من الجملةِ صفةٌ لهما، كما تقدَّم. ولا يجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ حالاً لعدم عاملٍ فيها، ولا يجوزُ أن يكونَ التقديرُ: هؤلاء ثلاثةٌ، وهؤلاء خمسةٌ، ويكون العاملُ اسمَ الإِشارة أو التنبيه. قال أبو البقاء: «لأنَّها إشارةٌ إلى حاضرٍ، ولم يُشيروا إلى حاضر» . قوله: ﴿رَجْماً بالغيب﴾ فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مفعولٌ مِنْ أجله؛ يقولون ذلك لأجل الرمي بالغَيْب. والثاني: أنه في موضعِ الحال، أي:

стр. 5921

ظانِّين. والثالث: أنَّه منصوبٌ ب «يقولون» لأنه بمعناه. والرابع: أنه منصوبٌ بمقدَّرٍ مِنْ لفظه، أي: يَرْجُمون بذلك رَجْماً. والرَّجْمُ في الأصلِ: الرَّمْيُ بالرِّجامِ وهي الحجارةُ الصِّغارُ، ثم عُبِّر به عن الظنِّ. قال زهير: ٣١٣ - ٩- وما الحربُ إلا ما عَلِمْتُمْ وذُقْتُمُ ... وما هو عنها بالحديثِ المُرَجَّمِ أي: المَظْنُون. قوله: «وثامِنُهُم» في هذه الواوِ أوجهٌ، أحدُها: أنها عاطفةٌ، عَطَفَتْ هذه الجملةَ على جملةِ قولِه «هم سبعة» فيكونون قد أَخبَرو بخبرين، أحدُهما: أنهم سبعةُ رجالٍ على البَتِّ. والثاني أنَّ ثامنَهم كلبُهم، وهذا يُؤْذِنُ بأنَّ جملةَ قولِه ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ مِنْ كلام المتنازِعِيْنَ فيهم. الثاني: أنَّ الواوَ للاستئنافِ، وأنَّه مِنْ كلامِ الله تعالى أخبر عنهم بذلك. قال هذا القائلُ: وجيءَ بالواوِ لتعطي انقطاعَ هذا ممَّا قبله. الثالث: أنها الواوُ الداخلةُ على الصفةِ تأكيداً، ودلالةً على لَصْقِ الصفةِ بالموصوفِ. وإليه ذهب الزمخشري، ونَظَّره بقولِه: ﴿مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ [الحجر: ٤] . ورَدَّ الشيخ عليه: بأنَّ أحداً من النحاة لم يَقُلْه، وقد تقدَّم القولُ في ذلك.

стр. 5922

الرابع: أنَّ هذه تُسَمَّى واوَ الثمانية، وأنَّ لغةَ قريش إذا عَدُّوا يقولون: خمسة ستة سبعة وثمانية تسعة، فيُدْخلون الواوَ على عَقْدِ الثمانيةِ خاصة. ذكر ذلك ابن خالويه وأبو بكر راوي عاصم. قلت: وقد قال ذلك بعضُهم في قولِه تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الآية: ٧٣] في الزمر فقال: دخلَتْ في أبوابِ الجنة لأنها ثمانيةٌ، ولذلك لم يُجَأْ بها في أبوابِ جهنم لأنها سبعةٌ وسيأتي هذا إن شاء الله. وقُرِئ: «كالبُهم» ، أي: صاحبُ كلبِهم. ولهذه القراءةِ قدَّرَ بعضُهم في قراءةِ العامة: وثامنُهم صاحبُ كلبِهم. وثلاثة وخمسة وسبعة مضافةٌ لمعدودٍ محذوفٍ فقدَّره الشيخ: ثلاثة أشخاص، قال: «وإنما قدَّرْنا أشخاصاً لأنَّ رابعَهم اسمُ فاعلٍ أُضيف إلى الضمير، والمعنى: أنه رَبَعَهم، أي: جَعَلَهم أربعةً، وصَيَّرهم إلى هذا العددِ، فلو قدَّرْناه رجالاً استحال أن يُصَيِّر ثلاثةَ رجالٍ أربعةً لاختلافِ الجنسين» . وهو كلامٌ حسنٌ. وقال أبو البقاء: «ولا يَعْمل اسمُ الفاعلِ هنا لأنه ماضٍ» . قلت: يعني أن رابعَهم فيما مضى، فلا يعمل النصبَ تقديراً، والإِضافة محضة. وليس كما زعم فإنَّ المعنى على: يَصير الكلبُ لهم أربعةً، فهو ناصبٌ تقديراً، وإنما عَمِلَ وهو ماضٍ لحكاية الحالِ كباسِط.

стр. 5923

قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ : قاله أبو البقاء: «في المستثنى منه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: هو مِنَ النَّهْيِ. والمعنى: لا تقولَنَّ: أفعل غداً، إلا أَنْ يُؤْذَنَ لك في القول. الثاني: هو من» فاعلٌ «، أي: لا تقولَنَّ إني فاعلٌ غداً حتى تَقْرِنَ به قولَ» إن شاء الله «. والثالث: أنه منقطعٌ. وموضعُ» أَنْ يشاء اللهُ «نصبٌ على وجهين، أحدُهما على الاستثناءِ، والتقدير: لا تقولَنَّ ذلك في وقتٍ إلا وقتَ أنْ يشاء الله، أي: يَأْذَنَ، فحذف الوقتَ وهو مُرادٌ. والثاني: هو حالٌ والتقدير: لا تقولَنَّ أفعل غداً إلا قائلاً: إن شاء الله، وحَذْفُ القولِ كثيرٌ، وجَعَل قولَه إلا أن يشاء في معنى: إن شاء وهو ممَّا حُمِلَ على المعنى. وقيل: التقدير إلا بأَنْ يشاءَ اللهُ، أي: ملتبساً بقولِ:» إن شاء الله «. قلت: قد رَدَّ الزمخشريُّ الوجهَ الثاني، فقال:» إلا أَنْ يشاء «متعلقٌ بالنهي لا بقولِه» إنِّي فاعلٌ «لأنَّه لو قال: إني فاعلٌ كذا إلا أَنْ يشاء اللهُ كان معناه: إلا أن تَعْتَرِضَ مشيئةُ اللهِ دونَ فِعْلِه، وذلك ممَّا لا مَدْخَلَ فيه للنهي» . قلت: يعني أنَّ النهي عن مثلِ هذا المعنى لا يَحْسُن. ثم قال: «وتعلُّقُه بالنهي مِنْ وجهين، أحدهما: ولا تقولنَّ ذلك القولَ إلا أَنْ يشاءَ الله أَنْ تقولَه بأَنْ يَأْذَنَ لك فيه. والثاني: ولا تقولَنَّه إلا بأَنْ يشاءَ الله أَي: إلا بمشيئته، وهو في موضعِ الحال، أي: ملتبساً بمشيئةِ الله قائلاً إنْ شاء الله. وفيه وجهٌ ثالث: وهو أَنْ يكونَ» إلا أَنْ يشاء «في معنى كلمةِ تأبيد كأنَّه قيل: ولا تقولَنَّه أبداً، ونحوُه: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلاَّ

стр. 5924

أَن يَشَآءَ الله رَبُّنَا﴾ [الأعراف: ٨٩] لأنَّ عَوْدَهم في ملَّتِهم ممَّا لم يَشَأ الله» . وهذا الذي ذكره الزمخشريُّ قد رَدَّه ابنُ عطية بعد أنْ حكاه عن الطبري وغيرِه ولم يوضِّح وجهَ الفسادِ. وقال الشيخ: «وإلا أَنْ يشاءَ اللهُ استثناءٌ لا يمكن حَمْلُه على ظاهرِه، لأنه يكونُ داخلاً تحت القول فيكونُ من المقول، ولا ينهاه اللهُ أَنْ يقول: إني فاعل ذلك غداً إلا أَنْ يشاءَ اللهُ، لأنه كلامٌ صحيحٌ في نفسِه لا يمكنُ أَنْ يَنْهى عنه، فاحتيج في تأويلِ هذا الظاهرِ إلى تقديرٍ. فقال ابن عطية:» في الكلامِ حَذْفٌ يَقْتضيه الظاهرُ، ويُحَسِّنه الإيجازُ، تقديرُه: إلا أَنْ تقولَ: إلا أَنْ يشاءَ الله، أو إلا أَنْ تقولَ: إنْ شاء الله. والمعنى: إلا أَنْ تذكُرَ مشيئةَ الله، فليس «إلا أن يشاءَ اللهُ» من القولِ الذي نَهَى عنه «.

стр. 5925

قوله: ﴿ثَلاثَ مِئَةٍ سِنِينَ﴾ : قرأ الأخَوان بإضافة «مِئَةِ» إلى سنين. والباقون بتنوين «مِئَةٍ» . فأمَّا الأولى فأوقع فيها الجمعَ موقعَ المفردِ كقولِه: ﴿بالأخسرين أَعْمَالاً﴾ [الكهف: ١٠٣] . قاله الزمخشري يعني أنه أوقع «أَعْمالاً» موقعَ «عَمَلاً» . وقد أنحى أبو حاتم على هذه القراءةِ ولا يُلْتَفَتُ إليه. وفي مصحفِ عبد الله «سَنَة» بالإِفراد. وبها قرأ أُبَيّ. وقرأ الضحاك «سِنُون» بالواو على أنها خبرٌ مبتدأ مضمرٍ، أي: هي سنُون.

стр. 5926

وأمَّا الباقون: فلمَّا لم يَرَوا إضافةَ «مِئَة» إلى جمعٍ نَوَّنُوا، وجعلوا «سِنين» بدلاً مِنْ «ثلثمئة» أو عطفَ بيان. ونَقَل أبو البقاء أنَّه بدلٌ مِنْ «مِئَة» لأنها في معنى الجمع. ولا جائزٌ أَنْ يكونَ «سنين» في هذه القراءةِ مميِّزاً، لأنَّ ذلك إنما يجيءُ في ضرورةٍ مع إفرادِ التمييز، كقوله: ٣١٤ - ٠- إذا عاش الفَتَى مِئَتين عاماً ... [فقد] ذَهَب اللَّذاذَةُ والفَتاءُ قوله: «تِسْعاً» ، أي: تسعَ سنين، حَذَفَ المُمَيَّزَ لدلالةِ ما تقدَّمَ عليه، إذ لا يُقال: عندي ثلثمئة درهم وتسعة، إلا وأنت تعني: تسعة دراهم، ولو أَرَدْتَ ثياباً ونحوَها لم يَجُزْ لأنه إلغازٌ. و «تِسْعاً» مفعولٌ به. وازداد: افتَعَلَ، أُبْدِلَتِ التاءُ دالاً بعد الزاي، وكان متعدِّياً لاثنين نحو: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣] ، فلمَّا بُنِي على الافتعال نَقَص واحداً. وقرأ الحسن وأبو عمروٍ في وراية «تَسْعا» بفتح التاء كعَشْر.

стр. 5927

قوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ﴾ : صيغةُ تعجبٍ بمعنى ما أبصرَه، على سبيل المجاز، والهاءُ للهِ تعالى. وفي مثلِ هذا ثلاثةُ مذاهبَ: الأصحُّ أنه بلفظِ الأمرِ ومعناه الخبرُ، والباءُ مزيدةٌ في الفاعل إصلاحاً للَّفْظ. والثاني: أنَّ الفاعلَ ضميرُ المصدرِ. والثالث: أنه ضميرُ المخاطبِ، أي: أَوْقِعْ أيها المخاطبُ. وقيل: هو أمرٌ حقيقةً لا تعجبٌ، وأن الهاءَ تعودُ على الهُدَى المفهوم من الكلام.

стр. 5928

وقرأ عيسى: «أَسْمَعَ» و «أَبْصَرَ» فعلاً ماضياً، والفاعلُ الله تعالى، وكذلك الهاءُ في «به» ، أي: أبصرَ عبادَه وأَسْمعهم. قوله: «مِنْ وليّ» يجوز أَنْ يكونَ فاعلاً، وأَنْ يكونَ مبتدأً. قوله: «ولا يُشْرك» ، قرأ ابن عامر بالتاءِ والجزم، أي: ولا تُشْرِكْ أنت أيها الإِنسانُ. والباقون بالياء من تحتُ ورفعِ الفعلِ، أي: ولا يُشْرك اللهُ في حكمِه أحداً، فهو نفيٌ مَحْضٌ. وقرأ مجاهد: «ولا يُشْرِكْ» بالتاء من تحتُ والجزم. قال يعقوب: «لا أعرفُ وجهه» . قلت: وجهُه أنَّ الفاعلَ ضميرُ الإِنسانِ، أُضْمِرَ للعِلْمِ به. والضميرُ في قولِه/ «مالهم» يعود على معاصري رسولِ الله ﷺ . قال ابن عطية: «وتكون الآيةُ اعتراضاً بتهديد» . كأنَّه يعني بالاعتراضِ أنهم ليسوا ممَّن سَبَق الكلامُ لأجلهم، ولا يريد الاعتراضَ الصناعيِّ.

стр. 5929

قوله: ﴿واصبر نَفْسَكَ﴾ : أي: احبِسْها وثَبِّتْها، قال أبو ذؤيب: ٣١٤ - ١- فصبَرْتُ عارفةً لذلك حُرَّة ... تَرْسُو إذا نَفْسُ الجبانِ تَطَلَّعُ

стр. 5930

وقوله: «بالغَداة» تقدَّم الكلامُ عليها في الأنعام. قوله: ﴿وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنَّ مفعولَه محذوفٌ، تقديرُه: ولا تَعْدُ عيناك النظرَ. والثاني: أنه ضُمِّنَ معنى ما يتعدَّى ب «عَنْ» . قال الزمخشري: «وإنما عُدِّيَ ب» عَنْ «لتضمين» عَدا «معنى نبا وعلا في قولِك: نَبَتْ عنه عيْنُه، وعلَتْ عنه عَيْنُه، إذا اقتحَمَتْه ولم تَعْلَقْ به. فإن قلت: أيُّ غرضٍ في هذا التضمين؟ وهَلاَّ قيل: ولا تَعْدُهم عيناك، أو: ولا تَعْلُ عيناك عنهم؟ قلت: الغرضُ فيه إعطاءُ مجموعِ معنيين، وذلك أقوى من إعطاءِ معنى فَذّ. ألا ترى كيف رَجَعَ المعنى إلى قولك: ولا تَقْتَحِمْهُمْ عيناك متجاوزتَيْنِ إلى غيرهم. ونحوه ﴿وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَهُمْ إلى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ، أي: ولا تَضُمُّوها إليها آكلين لها» . ورَدَّه الشيخُ: بأنَّ مذهبَ البصريين أن التضمينَ لا ينقاس، وإنما يُصار إليه عند الضرورة. فإذا أمكن الخروجُ عنه فلا يُصار إليه. وقرأ الحسن «ولا تُعْدِ عَيْنَيْكَ» مِنْ أَعْدى رباعياً. وقرأ هو وعيسى والأعمش «ولا تُعَدِّ» بالتشديد من عَدَّى يُعَدَّي مُضَعَّفاً، عدَّاه في الأولى بالهمزةِ وفي الثانيةِ بالتثقيلِ، كقولِ النابغة: ٣١٤ - ٢-

стр. 5931

فَعَدَّ عَمَّا تَرَى إذ لا ارْتِجاعَ له ... وانْمِ القُتُوْدَ على عَيْرانَةٍ أُجُدِ كذا قال الزمخشري وأبو الفضلِ. ورَدَّ عليهما الشيخ: بأنه لو كان تعدِّيه في هاتين القراءتين بالهمزةِ أو التضعيفِ لَتَعَدَّى لاثنين، لأنه قبل ذلك متعدٍّ لواحدٍ بنفسه. وقد أقرَّ الزمخشري بذلك حيث قال: «يقال: عَدَاه إذا جاوزه، وإنما عُدِّي ب عن لتضمُّنِه معنى علا ونبا، فحينئذٍ يكون أَفْعَل وفَعَّلَ مِمَّا وافقا المجردَ» وهو اعتراضٌ حسنٌ. قوله: «تُريد» جملةٌ حالية. ويجوز أن يكونَ فاعلُ «تريد» المخاطبَ، أي: تريد أنت. ويجوز أن يكون ضمير العينين، وإنما وُحِّد لأنهما متلازِمان يجوز أَنْ يُخْبِرَ عنهما خبرُ الواحد. ومنه قولُ امرئ القيس: ٣١٤ - ٣- لِمَنْ زُحْلُوقَةٌ زُلَّ ... بها العَيْنان تَنْهَلُّ وقولُ الآخر: ٣١٤ - ٤- وكأنَّ في العينين حَبَّ قَرَنْفُلٍ ... أو سُنْبُلاً كُحِلَتْ به فانهَلَّتِ وفيه غيرُ ذلك. ونسبةُ الإِرادةِ إلى العينين مجازٌ. وقال الزمخشري: «

стр. 5932

الجملةُ في موضعِ الحال» . قال الشيخ: «وصاحبُ الحالِ إنْ قُدِّرَ» عَيْناك «فكان يكون التركيبُ: تريدان» . قلت: غَفَل عن القاعدةِ التي ذكرْتُها: من أنَّ الشيئين المتلازمين يجوز أن يُخْبَرَ عنهما إخبارُ الواحدِ. ثم قال: «وإن قَدَّر الكافَ فمجيءُ الحالِ من المجرورِ بالإِضافةِ مثلَ هذا فيه إشكالٌ، لاختلافِ العامل في الحالِ وذي الحال. وقد أجاز ذلك بعضُهم إذا كان المضافُ جزءاً أو كالجزءِ، وحَسَّن ذلك أنَّ المقصودَ نهيُه هو ﵇. وإنما جِيْءَ بقوله: «عيناك» والمقصودُ هو لأنهما بهما تكونُ المراعاةُ للشخصِ والتلفُّتُ له «. قلت: وقد ظهر لي وَجْهٌ حسنٌ لم أرَ غيري ذَكَرَه: وهو أن يكون» تَعْدُ «مُسنداً لضميرِ المخاطب ﷺ ، و» عيناك «بدلٌ من الضميرِ بدلُ بعضٍ من كل. و» تُرِيدُ «على وَجهَيْها: مِنْ كونها حالاً مِنْ» عيناك «أو من الضمير في تَعُدْ. إلا أنَّ في جَعْلِها حالاً من الضمير في» ولا تَعْدُ «ضَعفاً: من حيث إنَّ مراعاةَ المبدلِ منه بعد ذِكْرِ البدلِ قليلٌ جداً تقول:» الجارية حسنُها فاتِنٌ «ولا يجوز» فاتنةٌ «إلا قليلاً، كقولِه: ٣١٤ - ٥- فكأنَّه لِهقُ السَّراةِ كأنَّه ... ما حاجِبَيْهِ مُعَيَّنٌ بسَوادِ فقال:» مُعَيَّنٌ «مراعاةً للهاء في» كأنه «، وكان الفصيحُ أن يقولَ:» مُعَيَّنان «مراعاةً لحاجبَيْه الذي هو البدلُ. قوله: ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ العامَّة على إسنادِ الفعل ل» ن «و» قلبَه «مفعول به.

стр. 5933

وقرأ عمرو بن عبيد بن فائد وموسى الأسواري بفتح اللام ورفع» قلبُه «أَسْندوا الإِغفالَ إلى القلبِ. وفيه أوجهٌ. قال ابن جني: مَنْ ظَنَّنَا غافِلين عنه» . وقال الزمخشري: «مَنْ حَسِبْنا قلبُه غافلين، مِنْ أَغْفَلْتُه إذا وَجَدْتَهُ غافلاً،. وقال أبو البقاء:» فيه وجهان، أحدُهما: وَجَدْنا قلبُه مُعْرِضين عنه. والثاني: أهملَ أَمْرَنا عن تَذَكُّرِنا «. قوله:» فُرُطاً «يحتمل أَنْ يكون وصفاً/ على فُعُل كقولِهم:» فرسٌ فُرُطُ «، أي: متقدِّمٌ على الخيل، وكذلك هذا، أي: متقدَّماً للحقِّ. وأن يكونَ مصدراً بمعنى التفريط أو الإِفراط. قال ابنُ عطية:» الفُرُطُ: يحتمل أن يكون بمعنى التفريط والتضييع، أي: أمرَه الذي يجب أن يَلْزَم، ويُحتمل أَنْ يكونَ بمعنى الإِفراط والإِسراف.

стр. 5934

قوله: ﴿وَقُلِ الحق﴾ : يجوز فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ، أي: هذا، أي: القرآن، أو ما سمعتم الحقُّ. الثاني «أنه فاعلٌ بفعلٍ مقدرٍ دَلَّ عليه السياقُ، أي: جاء الحقُّ، كما صَرَّح به في موضعٍ آخرَ، إلاَّ أنَّ الفعلَ لا يُضمر إلا في مواضعَ تقدَّم التنبيهُ عليها، منها: أَنْ

стр. 5935

يُجَابَ به استفهامٌ، أو يُرَدَّ به نفيٌ، أو يقعَ فعل مبنيّ للمفعول، لا يَصْلُح إسنادُه لما بعده كقراءة ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو﴾ كما سيأتي إنْ شاء الله تحقيقُه في موضعِه. الثالث: أنه مبتدأٌ وخبرُه الجارُّ بعده. وقرأ أبو السَّمَّال قعنب:» وقُلُ الحقَّ «بضمِّ اللامِ حيث وقع، كأنه إتباعٌ لحركةِ القاف. وقرأ أيضاً بنصب» الحقَّ «. قال صاحب» اللوامح «:» هو على صفةِ المصدرِ المقدَّر؛ لأن الفعلَ يَدُلُّ على مصدره وإن لم يُذْكَرْ، فتنصِبُه معرفةً كما تنصِبُه نكرةً، وتقديرُه: وقل القولَ الحقَّ وتُعَلَّقُ «مِنْ» بمضمرٍ على ذلك. أي: جاء مِنْ ربكم «انتهى. وقرأ الحسن والثقفي بكسرِ لامَيْ الأمرِ في قوله:» فَلْيُؤْمِنْ «، و» فَلْيَكْفُرْ «وهو الأصل. قوله: ﴿فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن﴾ يجوز في» مَنْ «أن تكونَ شرطيةً، وهو الظاهرُ، وأَنْ تكونَ موصولةً، والفاءُ لشَبَهِه بالشرط. وفاعلُ» شاء «الظاهرُ أنه ضميرٌ يعود على» مَنْ «. وقيل: ضميرٌ يعودُ على الله، وبه فَسَّر ابنُ عباس، والجمهورُ على خلافِه.

стр. 5936

قوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ في محلِّ نصبٍ صفةً ل» ناراً «. والسَّرادِقُ: قيل: ما أحاط بشيءٍ كالمَضْرِب والخِباء. وقيل للحائط المشتمل على شيء: سُرادِق. قاله الهَرَوِيُّ. وقيل: هو الحُجْرَةُ تكونُ حول الفُسْطاط. وقيل: هو ما يُمَدُّ على صحنِ الدار. وقيل: كلُّ بيتٍ من كُرْسُفِ فهو سُرادِق، قال رؤبة: ٣١٤ - ٦- يا حَكَمُ بنَ المنذرِ بن الجارُوْدْ ... سُرادِقُ المجدِ عليك مَمْدودْ ويُقال: بيت مُسَرْدَق. قال الشاعر: ٣١٤ - ٧- هو المُدْخِلُ النُّعْمانَ بيتاً سماؤُه ... صدورُ الفُيولِ بعد بيتٍ مُسَرْدَقِ وكان أبرويز ملكُ الفرس قد قتل النعمان بن المنذر تحت أَرْجُلِ الفِيلة. والفُيول: جمع فِيل. وقيل: السُّرادق: الدِّهليز. قال الفرزدق: ٣١٤ - ٨- تَمَنَّيْتَهم حتى إذا ما لَقِيْتَهُمْ ... تركْتَ لهم قبلَ الضِّراب السُّرادقا والسُّرادق: فارسيٌّ معرَّبٌ أصله: سرادَة، قاله الجواليقي، وقال

стр. 5937

الراغب:» فارسيٌّ معرَّبٌ، وليس في كلامهم اسمٌ مفردٌ، ثالثُ حروفِه ألفٌ بعدها حرفان «. قوله: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ﴾ ، أي: يَطْلُبوا العَوْنَ. والياءُ عن واوٍ، إذ الأصل: يستَغْوِثوا، فقُلبت الواو ياءً لتصريفٍ ذُكِر في الفاتحة عند قوله: ﴿نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ، وهذا الكلامُ من المشاكلةِ والتجانُسِ، وإلا فأيُّ إغاثةٍ لهم في ذلك؟ أو من باب التهكُّم كقولِه: ٣١٤ - ٩-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . فَأُعْتِبُوا بالصَّيْلَمِ [وكقولِه] : ٣١٥ - ٠-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... تَحِيَّةُ بينِهم ضَرْبٌ وَجيعُ وهو كثير. و «كالمُهْلِ» صفةٌ ل «ماء» . والمُهْلُ: دُرْدِيُّ الزيت، وقيل: ما أُذِيْب من الجواهر كالنُّحاس والرصاص. والمَهَل بفتحتين: التُّؤَدَة والوَقار. قال: ﴿فَمَهِّلِ الكافرين﴾ [الطارق: ١٧] .

стр. 5938

قوله: ﴿يَشْوِي الوجوه﴾ يجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ صفةً ثانيةً، أن تكونَ حالاً مِنْ «ماء» لأنه تخصَّصَ بالوصف، ويجوز أَنْ تكونَ حالاً من الجارِّ وهو الكاف. والشَّيُّ: الإِنضاجُ بالنارِ من غيرِ مَرَقَةٍ تكون مع ذلك الشيءِ المَشْوِيَّ. قوله: ﴿بِئْسَ الشراب﴾ المخصوصُ محذوفٌ تقديره: هو، أي: ذلك الماءُ المستغاثُ به. قوله: ﴿وَسَآءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ «ساءَتْ» هنا متصرفةٌ على بابها. وفاعلُها ضميرُ النار. ومُرْتَفَقَا تمييز منقولٌ من الفاعلية، أي: ساء وقَبُحَ مُرْتَفَقُها. والمُرْتَفَقُ: المُتَّكأ. وقيل: المنزل، وقيل: هو مصدرٌ بمعنى الارتفاق، وهو من بابِ المقابلة أيضاً كقوله في وصفِ الجنة بعدُ: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً﴾ [الكهف: ٣١] ، وإلاَّ فأيُّ ارتفاقٍ في النار؟ قال الزمخشري: إلا أَنْ يكون من قوله: ٣١٥ - ١- إني أَرِقْتُ فَبِتُّ الليلَ مُرْتَفِقا ... كأنَّ عَيْنِيَ فيها الصابُ مَذْبوحُ يعني من باب التهكُّم.

стр. 5939

قوله: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ خبرَ ﴿إِنَّ الذين﴾ والرابطُ: إمَّا تَكَرُّرُ الظاهرِ بمعناه، وهو قولُ الأخفش. ومثلُه في الصلة /

стр. 5940

جائزٌ. ويجوز ان يكونَ الرابطُ محذوفاً، أي: منهم، ويجوز أن يكونَ الرابطُ العمومَ، ويجوز أن يكونَ الخبرُ قولَه: ﴿أولئك لَهُمْ جَنَّاتُ﴾ ، ويكونَ قولُه: ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ﴾ اعتراضاً. قال ابن عطية: ونحوُه في الاعتراض قولُه: ٣١٥ - ٢- إنَّ الخليفةَ إنَّ اللهَ أَلْبَسَه ... سِرْبالَ مُلْكٍ به تُزْجى الخواتِيمُ قال الشيخ: «ولا يتعيَّنُ أن يكونَ» إنَّ اللهَ ألبسَه «اعتراضاً لجوازِ أَنْ يكونَ خبراً عن» إنَّ الخليفة «. قلت: وابن عطيةَ لم يَجْعَلْ ذلك متعيِّناً بذلك هو نحوه في أحد الجائزين فيه. ويجوز أن تكون الجملتان - أعني قولَه ﴿إِنَّا لاَ نُضِيعُ﴾ وقولَه ﴿أولئك لَهُمْ جَنَّاتُ﴾ - خَبَريْن ل» إنَّ «عند مَنْ يرى جوازَ ذلك، أعني تعدُّدَ الخبر، وإنْ لم يكونا في معنى خبرٍ واحد. وقرأ الثقفيُّ» لا نُضَيِّع «بالتشديدِ، عَدَّاه بالتشديد كما عَدَّاه الجمهورُ بالهمزة.

стр. 5941

قوله: ﴿مِنْ أَسَاوِرَ﴾ : في «مِنْ» هذه أربعةُ أوجه، أحدُها: أنَّها للابتداءِ. والثاني: أنها للتعيض. والثالث: أنها لبيان الجنسِ، لأي: شيئاً مِنْ أساور. والرابع: أنها زائدةٌ عند الأخفش، ويَدُلُّ عليه قولُه: ﴿

стр. 5942

وحلوا أَسَاوِرَ﴾ [الإِنسان: ٢١] . ذكر هذه الثلاثةَ الأخيرةَ أبو البقاء. وأساوِر جمع أَسْوِرة، وأَسْوِرة جمعُ سِوار، كحِمار وأَحْمِرة، فهو جمعُ الجمع. جمع إسْوار. وأنشد: ٣١٥ - ٣- واللهِ لولا صِبْيَةٌ صِغارُ ... كأنَّما وجوهُهمْ أَقْمارُ - أخافُ أَنْ يُصِيبهم إقتارُ ... أو لاطِمٌ ليسَ له إسْوارُ - لمَّا رآني مَلِكٌ جَبَّارُ ... ببابِه ما طَلَعَ النَّهارُ وقال أبو عبيدة: «هو جمعُ» إسوار «على حذف الزيادة، وأصله أساوِيرْ. وقرأ أبان بن عاصم» أَسْوِرة «جمعَ سِوار وستأتي إنْ شاء الله تعالى في الزخرف هاتان القراءتان في المتواتر، وهناك أذكُر إن شاء الله تعالى الفرقَ.

стр. 5943

والسَّوارُ يُجمع في القِلَّة على» أَسْوِرة «وفي الكثرة على» سُور «بسكون الواو، وأصلُها كقُذُل وحُمُر، وإنما سُكِّنَتْ لأجلِ حرفِ العلة. وقد يُضَمُّ في الضرورة، وقال: ٣١٥ - ٤- عن مُبْرِقاتٍ بالبُرِيْنَ وتَبْ ... دُو في الأكفِّ اللامعاتِ سُوُرْ وقال أهل اللغة: السَّوار ما جُعِلَ في الذِّراعِ مِنْ ذهبٍ أو فضة أو نُحاس، فإن كان مِنْ عاج فهو قُلْبٌ. قوله: ﴿مِن ذَهَبٍ﴾ يجوز أن تكونَ للبيان، وأَنْ تكونَ للتبعيض. ويجوز أَنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ صفةً لأساوِر فموضعُه جر، وأن تتعلَّقَ بنفس» يُحَلُّوْنَ «فموضعها نصب. قوله: ﴿وَيَلْبَسُونَ﴾ عطفٌ على» يُحَلَّوْن «. وبُني الفعل في التحلية للمفعول إيذاناً بكرامتِهم، وأنَّ غيرَهم يَفعل لهم ذلك ويُزَيِّنُهم به، كقولِ امرئِ القيس. ٣١٥ - ٥- غرائرُ في كِنٍّ وصَوْنٍ ونَعْمةٍ ... يُحَلِّيْنَ ياقُوتاً وشَذْراً مُفَقَّراً بخلافِ اللَّبس فإنَّ الإِنسان يتعاطاه بنفسه. وقُدِّم التحلِّي على الِّلباس لأنه أَشْهَى للنفسِ. وقرأ أبان بن عاصم» وَيَلْبِسُونَ «بكسر الباء. قوله: ﴿مِّن سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ » مِنْ «لبيانِ الجنس وهي نعتٌ لثياب.

стр. 5944

والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ من الدِّيباج. والإِستبرق: ما غَلُظَ منه وهما جمعُ سُنْدُسة واسْتَبْرَقَة. وقيل: ليسا جمعَيْنِ. وهل» اسْتَبْرق «عربيُّ الأصلِ مشتق من البريق، أو معرِّبٌ أصلُه استبره؟ خلافٌ بين اللغويين. وقيل: الإِستبرق اسم للحرير. وأنشد للمرقش: ٣١٥ - ٦- تراهُنَّ يَلْبِسْنَ المشاعِرَ مَرَّةً ... وإستبرقُ الديباجُ طَوْراً لِباسُها وهو صالحٌ لِما تقدَّم. وقال ابنُ بحر:» الإِستبرق: ما نُسج بالذهب «. ووَزْنُ سُنْدُس: فُعْلُل ونونُه أصلية. وقرأ ابن محيصن» واسْتَبرقَ «بوصلِ الهمزة وفتح القافِ غيرَ منونة. فقال ابن جني: هذا سهوٌ أو كالسهوِ» . قلت: كأنه زعم أنَّه مَنَعه الصرفَ ولا وجهَ لمنعِه، لأنَّ شرطَ مَنْعِ الاسمِ الأعجمي أَنْ يكونَ عَلَماً وهذا اسمُ جنسٍ. وقد وجَّهها غيرُه على أنه جَعَلَه فعلاً ماضياً من البريق، واستَفْعَلَ بمعنى فَعَلَ المجرد نحو: قَرَّ واستقرَّ. وقال الأهوازيُّ في «الإِقناع» : «واستبرق بالوصلِ وفتحِ/ القاف حيث كان لا يَصْرِفُه» فظاهرُ هذا أنه اسمٌ، وليس بفعلٍ وليس لمنعِه وجهٌ، كما تقدَّم عن ابن جني، وصاحب «اللوامح» لمَّا ذكر وَصْلَ الهمزةِ لم يَزِد على ذلك، بل نَصَّ على بقائِه منصرفاً ولم يذكر فتح القاف أيضاً فقال: «ابن محيصن» واستبرق «يوصلِ الهمزة في جميع

стр. 5945

القرآن، فيجوز أنه حذف الهمزةَ تخفيفاً على غيرِ قياسٍ، ويجوز أنَّه جعله عربياً مِنْ بَرِق يَبْرُقُ بَرْيقاً، ووزنُه استفعل، فلمَّا سُمِّي به عامَلَه معاملَةَ الفعل في وَصْلِ الهمزةِ، ومعاملةَ الممتكنةِ من الأسماء في الصرف والتنوين، وأكثرُ التفاسيرِ على أنَّه عربية وليس بمستعربٍ، دَخَل في كلامِهم فاعربوه» . قوله: «مُتَّكئين» حال والأرائِكُ: جمعُ أَرِيْكَة وهي الأَسِرَّة بشرط أن تكونَ في الحِجالِ فإن لم تكنْ لم تُسَمَّ أَرْيْكَة. وقيل: الأرائِكُ: الفُرُش في الحَجال أيضاً. وقال الارغب: «الأَرِيْكة: حَجَلَةٌ على سريرٍ، وتسميتها بذلك: إمَّا لكونِها في الأرض مُتَّخَذَةً مِنْ أَراك، أو مِنْ كونها مكاناً للإِقامة من قولهم: أَرَك بالمكان أُرُوكاً، وأصل الأُروك الإِقامةُ على رَعْيِ الأَراكِ، ثم تُجُوِّز به في غيره من الإِقامات» . وقرأ ابن محيصن: «عَلَّرَائك» وذلك: أنَّه نَقَل حركةَ الهمزةِ إلى لامِ التعريف فالتقى مِثْلان: لامُ «على» - فإنَّ ألفها حُذفَتْ لالتقاءِ الساكنين- ولامُ التعريف، واعتدَّ بحركة النقل فأدغم اللامَ في اللامِ، فصار اللفظُ كما ترى، ومثلُه قولُ الشاعر: ٣١٥ - ٧- فما أصبحَتْ عَلَّرْضِ نَفْسٌ بريئةٌ ... ولا غيرُها إلا سليمانُ نالها يريد «على الأرض» . وقد تقدَّم قراءةٌ قريبةٌ مِنْ هذه أولَ البقرة: بما أُنْزِلَّيْكَ «، أي: أُنْزِلَ إليك.

стр. 5946

قوله: ﴿رَّجُلَيْنِ﴾ : قد تقدَّم أنَّ «ضَرَبَ» مع المَثَلِ، يجوز أن يتعدَّى لاثنين في سورةِ البقرة. وقال أبو البقاء: التقدير: مثلاً مَثَل رجلين، و «جَعَلْنَا» تفسيرٌ ل «مَثَل» فلا موضعَ له، ويجوز أن يكونَ موضعُه نصباً نعتاً ل «رَجُلِيْن» كقولك: مررت برجلين جُعِلَ لأحدِهما جنةٌ «. قوله: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا﴾ يقال: حَفَّ بالشيءِ: طاف به من جميع جوانبِه، قال النابغة: ٣١٥ - ٨- يَحُفُّه جانِباً نِيْقٍ وتُتْبِعُهُ ... مِثلَ الزجاجة لم تُكْحَلْ مِن الرَّمَدِ وحَفَّ به القومُ: صاروا طائفين بجوانبِه وحافَّته، وحَفَفْتُه به، أي: جَعَلْتُه مُطِيْفاً به.

стр. 5947

قوله: ﴿كِلْتَا﴾ : قد تقدَّم في السورة قبلها حكمُ «كلتا» وهي مبتدأ، و «آتَتْ» خبرُها. وجاء هنا على الكثير: وهو مراعاةُ لفظِها دونَ معناها. وقرأ عبد الله - وكذلك هي في مصحفِه - «كلا الجَنَّتين» بالتذكير لأنَّ التأنيثَ مجازيٌّ. ثم قرأ «آتَتْ» بالتأنيث اعتباراً بلفظ «الجنتين» فهو نظيرُ «طَلَعَ الشمسُ وأشرقَتْ» وروى الفراء عنه قراءةً أخرى: «كلُّ الجنتين آتى أُكُلَه» أعادَ الضميرَ على لفظِه.

стр. 5948

قوله: «وفجَّرْنا» العامَّةُ على التشديد وإنما كان كذلك، وهو نهر واحد مبالغةٌ فيه. وقرأ يعقوب وعيسى بن عمر بالتخفيفِ وهي قراءةُ الأعمش في سورة القمر، والتشديدُ هناك أظهرُ لقولِه «عيوناً» . والعامَّةُ على فتحِ هاء «نَهَر» وأبو السَّمال والفياض بسكونها.

стр. 5949

قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ : قد تقدَّم الكلامُ فيه في الأنعام مستوفى، وتقدَّم أنَّ «الثُّمُرَ» بالضم المالُ. فقال ابنُ عباس: جميع المال مِنْ ذهبٍ وفِضَّةٍ وحيوانٍ وغير ذلك. قال النابغة: ٣١٥ - ٩- مَهْلاً فداءً لك الأقوامُ كلُّهمُ ... وما أُثَمِّرُ مِنْ مالٍ ومِنْ وَلَدِ وقيل: هو الذهب والفضة خاصةٍ. وقرأ أبو رجاء «بِثَمْرِه» بفتحة وسكون. قوله: «وهو يحاوِرُه» جملةٌ حالية مُبَيِّنة إذ لا يَلْزَمُ مِنَ القولِ المحاوَرَةُ؛ إذ المحاوَرَةُ مراجعةُ الكلام مِنْ حار، أي: رَجَعَ، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ [الانشقاق: ١٤] . وقال امرؤ القيس: ٣١٦ - ٠-

стр. 5950

وما المرءُ إلا كالشِّهابِ وضَوئِه ... يَحُوْرُ رَماداً بعد إذ هُوَ ساطِعُ ويجوز أَنْ تكونَ حالاً مِنَ الفاعل أو من المفعول.

стр. 5951

قوله: ﴿جَنَّتَهُ﴾ : / إنما أفرد بعد ذِكْرِ التثنية اكتفاءً بالواحدِ للعِلْمِ بالحال. قال أبو البقاء: «كما اكْتُفِيَ بالواحدِ عن الجمعِ في قولِ الهُذَليّ: ٣١٦ - ١- فالعينُ بعدَهُمُ كأنَّ حِداقَها ... سُمِلَتْ بشَوْكٍ فَهْيَ عُورٌ تَدْمَعُ ولقائلٍ أن يقول: إنما جاز ذلك لأنَّ جمعَ التكسيرِ يجري مَجْرى المؤنثة، فالضمير في» سُمِلَتْ «وفي» فهي «يعود على الحِداق لا على حَدَقة واحدة كما تَوَهَّم. وقال الزمخشري:» فإن قلت: لِمَ أَفْرَدَ الجنَّة بعد التثنية؟ قلت: معناه: ودخل ما هو جنتُه، ماله جنةٌ غيرُها، بمعنى: أنَّه ليس له نصيبٌ في الجنة التي وُعِدَ المتقون. فما ملكه في الدنيا هو جَنَّته لا غير، ولم يَقْصِدْ الجنتين ولا واحدةً منهما «. قال الشيخ:» ولا يُتَصَوَّر ما قال؛ لأنَّ قوله: «ودخل جَنَّته» إخبارٌ من الله تعالى بأنَّ هذا الكافرَ دَخَلَ جَنَّته فلا بُدَّ أَنْ قَصَدَ في الإِخبار أنَّه دَخَلَ إحدى جنتيه إذ لا يمكن أَنْ يَدْخُلَهما معاً في وقتٍ واحد: «. قلت: ومتى أدَّعَى

стр. 5952

دخولهما في وقتٍ واحدٍ يُلْزِمَه بهذا المستحيل في البداية. وأمَّا قوله» ولم يَقْصِدِ الجنتين ولا واحدةً «معناه لم يَقْصِدْ تعيينَ مفردٍ ولا مثنى لا أنه لم يَقْصِدْ الإِخبارَ بالدخول» . وقال أبو البقاء: «إنما أفْرَدَ لأنهما جميعاً مِلْكُه فصارا كالشيء الواحد» . قوله: «وهو ظالمٌ» حالٌ مِنْ فاعل «دَخَلَ» ، و «لنفسِه» مفعولُ «ظالمٌ» واللام مزيدةٌ فيه لكونِ العامل فرعاً. «قال له صاحبُه» يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الضميرِ في «ظالم» ، أي: وهو ظالمٌ في حالِ كونِه قائلاً، ويجوز أن يكونَ مستأنفاً بياناً لسبب الظلمِ، وهو الأحسن. قوله: «أَنْ تبيد» ، أي: تَهْلَكَ، قال: ٣١٦ - ٢- فَلَئِنْ باد أهلُه ... لبِما كان يُوْهَلُ ويقال: باد يبيدُ بُيُوداً وبَيْدٌودة، مثل «كَيْنُونة» والعملُ فيها معروفٌ وهو أنه حُذِفَت إحدى الياءين، ووزنُها فَيْعَلُولة.

стр. 5953

قوله: ﴿خَيْراً مِّنْهَا﴾ : قرأ أبو عمروٍ والكوفيون «منها» بالإِفراد نظراً إلى أقربِ مذكورٍ، وهو قولُه: «جَنَّته» وهي في مصاحفِ العراق دونَ ميمٍ. والباقون «منهما» بالتثنية نظراً إلى الأصل في قوله: «جَنَّتَيْن» و «كِلْتَا الجنتين» ورُسِمَتْ في مصاحف الحرمين والشام بالميم، فكلُّ قد وافق رَسْمَ مصحفِه «.

стр. 5954

قوله: ﴿مِن نُّطْفَةٍ﴾ : النُّطْفَةُ في الأصل: القطرةُ من الماء الصافي يقال: نَطَف يَنْطِف، أي: قَطَر يَقْطُر. وفي الحديث: «فخرجَ ورأسُه يَنْطِفُ» وفي رواية: يَقْطُر، وهي مفسِّرةٌ، وأُطْلِق على المَنِّيِّ «نُطْفَةٌ» تشبيهاً بذلك. قوله: «رَجُلاً» فيه وجهان، أحدهما: أنه حال، وجاز ذلك وإنْ [كان] غير منتقلٍ ولا مشتقٍ لأنه جاء بعد «سَوَّاك» إذ كان مِنَ الجائز أَنْ يُسَوِّيَه غيرَ رجلٍ وهو كقولِهم: «خَلَقَ اللهُ الزَّرافةَ يَدَيْها أطولَ من رجليها» وقول الآخر: ٣١٦ - ٣- فجائت به سَبْطَ العظام كأنما ... عِمامتُه بين الرِّجالِ لواءُ

стр. 5955

والثاني: أنه مفعولٌ ثانٍ ل «سَوَّاك» لتضمُّنِه معنى صَيَّرك وجعلك، وهو ظاهرُ قول الحوفي.
следующие страницы →