← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 6091–6130 · переход к 6096.

стр. 6091

الأولِ، وهو «عبدَه» والفاعلُ: إمَّا ضميرُ القرآنِ، أو ضميرُ الباري تعالى. والتقدير: أَنْ ذكَّر القرآنُ المتلُوُّ - أو ذَكَّر اللهُ - عَبْدَه رحمتَه، أي: جَعَلَ العبدَ يَذْكرُ رحمتَه. ويجوز على المجازِ المتقدِّمِ أن تكون «رحمةَ ربك» هو المفعولَ الأولَ، والمعنى: أنَّ اللهَ جَعَلَ الرحمةَ ذاكرةً للعبدِ. وقيل: الأصلُ: ذكَّرَ برحمةٍ، فلمَّا انْتُزِعَ الجارُّ نُصِب مجرورُه، ولا حاجةَ إليه. وقرأ الكلبيُّ «ذَكَرَ» بالتخفيفِ ماضياً، «رحمةَ» بالنصبِ على المفعول به، «عبدُه» بالرفع فاعلاً بالفعلِ قبلَه، «زكريَّا» بالرفعِ على البيانِ او البدلِ او على إضمارِ مبتدأ، وهو نظيرُ إضمار الناصب في القراءة الأولى. وقرأ يحيى بن يعمر - فيما نقله عنه الدانيُّ - «ذَكَّرْ» فعلَ أمرٍ، «رحمةَ» و «عبدةَ» بالنصب فيهما على أنهما مفعولان، وهما على ما تقدَّم مِنْ كونِ كلِّ واحدٍ يجوز أَنْ يكونَ المفعولَ الأولَ أو الثاني، بالتأويلِ المتقدِّم في جَعْلِ الرحمة ذاكرةً مجازاً.

стр. 6092

قوله: ﴿إِذْ نادى﴾ : في ناصبه ثلاثةُ أوجهٍٍ، أحدُها: أنَّه «ذِكْرُ» ولم يذكر الحوفيُّ غيرَه. والثاني: أنَّه «رحمة» ، وقد ذكر الوجهين أبو البقاء. والثالث: أنَّه بدلٌ مِنْ «زكريَّا» بدلُ اشتمالٍ لأنَّ الوقتَ مُشْتملٌ عليه وسيأتي مِثْلُ هذا عند قولِه ﴿واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ﴾ [مريم: ١٦] ونحوِه.

стр. 6093

قوله: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ : لا مَحَلَّ لهذهِ الجملةِ لأنها تفسيرٌ

стр. 6094

لقولِه «نادى ربَّه» وبيانٌ، ولذلك تُرِكَ العاطفُ بينهما لشدَّة الوَصْلِ. قوله: «وَهَنَ» العامَّةُ على فتحِ الهاء. وقرأ الأعمشُ بكسرِها. وقُرِئ بضمِّها، وهذه لغاتٌ في هذه اللفظةِ. ووَحَّد العظمَ لإِرادةِ الجنسِ، يعني أنَّ هذا الجنسَ الذي هو عَمُوْدُ البدنِ، وأشدُّ ما فيه وأَصْلَبُه، قد أصابه الوَهْنُ، ولو جُمع لكان قصداً أخرَ: وهو أنه لم يَهِنْ منه بعضُ عظامه ولكن كلُّها، قاله الزمخشري: وقيل: أُطْلِقَ المفردُ، والمرادُ به الجمعُ كقولِه: ٣٢٠ - ٨- بها جِيَفُ الحَسْرى فأمَّا عِظامُها ... فبِيضٌ وأمَّا جِلْدُها فَصَلِيْبُ أي: جلودُها، ومثلُه: ٣٢٠ - ٩- كُلوا في بعضِ بطنِكُم تَعِفُّوا ... فإنَّ زمانَكُمْ زَمَنٌ خَمِيصُ أي: بطونكم. و «مَنَّي» حالٌ من «العَظْمِ» . وفيه رَدُّ على مَنْ يقول: إن الألفَ واللامَ تكونُ عِوَضاً من الضميرِ المضافِ إليه؛ لأنه قد جُمع بينهما هنا وإن كان الأصلُ: وَهَنَ عَظْمِي. ومثلُه في الدَّلالةِ على ذلك ما أنشدوه شاهداً على ما ذَكَرْتُ: ٣٢١ - ٠- رَحِيبٌ قِطابُ الجَيْبِ منها رَفْيقَةٌ ... بجَسِّ النَّدامى بَضَّةُ المُتَجَرِّدِ قوله: «شَيْباً» في نصبه ثلاثةُ اوجهٍ، احدُها: - وهو المشهورُ- أنه

стр. 6095

تمييزٌ منقولٌ من الفاعلية؛ إذ الأصلُ: اشتعلَ شيبُ الرأسِ. قال الزمخشري: «شبَّه الشيبَ بشُواظِ في بياضِه وانتشارِه في الشعر وفُشُوِّه فيه، وأَخْذِه منه كلَّ مَأْخَذٍ باشتعال النار، ثم أخرجه مُخْرَجَ الاستعارةِ، ثم أَسْنَدَ الاشتعالَ إلى مكانِ الشِّعْر ومَنْبَتِه وهو الرأسُ، وأخرج الشَّيْبَ مميَِزاً، ولم يُضِفِ الرأسَ اكتفاءً بعِلْم المخاطب أنه رأسُ زكريا، فمِنْ ثَمَّ / فَصُحَتْ هذه الجملةُ وشُهِد لها بالبلاغةِ» . انتهى. وهذا مِنْ استعارةِ محسوسٍ لمحسوسٍ، ووجهُ الجمع: الانبساطُ والانتشارُ. والثاني: أنه مصدرٌ على غيرِ الصَّدْرِ، فإنَّ معنى «اشتعلَ الرأسُ» شابَ. الثالث: أنه مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحالِ، اي: شائباً أو ذا شيبٍ. قوله: «بدُعائِك» فيه وجهان، أظهرُهما: أنَّ المصدرَ مضافٌ لمفعولِه، أي: بدعائي إياك. والثاني: أنه مضافُ لفاعلِه، أي: لم أكنْ بدعائِك لي إلى الإِيمانِ شَقِيَّا.

стр. 6096

قوله: ﴿خِفْتُ الموالي﴾ : العامَّةُ على «خَفْتُ» بكسر الحاء وسكونِ الفاء، وهو ماضٍ مسندٌ لتاءِ المتكلم. و «المَوالي» مفعولٌ به بمعنى: أنَّ مَوالِيه كانوا شِرارَ بني إسرائيل، فخافَهم على الدِّين. قاله الزمخشري.

стр. 6097

قال أبو البقاء: «لا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ، أي: عَدَمَ المَوالي أو جَوْرَ المَوالي» . وقرأ الزُّهري كذلك، إلا أنه سَكَّن ياءَ «المَواليْ» وقد تَقَدَّم أنَّه قد تُقَدَّر الفتحةُ في الياء والواو، وعليه قراءةُ زيدِ بنِ عليّ ﴿تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] . وتقدَّم إيضاحُ هذا. وقرأ عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن جبير وسعيد بن العاص ويحيى بن يعمر وعلي بن الحسين في آخرين: «خَفَّتِ» بفتحِ الخاءِ والفاءِ مشددةً وتاءِ تأنيثٍ، كُسِرَتْ لالتقاءِ السَّاكنين. و «المَوالِيْ» فاعلٌ به، بمعنى دَرَجُوا وانقرضُوا بالموت. قوله: ﴿مِن وَرَآئِي﴾ هذا متعلِّقٌ في قراءةِ الجُمهورِ بما تضمنَّه المَوالي مِنْ معنى الفِعْلِ، أي: الذين يَلُوْن الأمرَ بعدي. ولا يتعلق ب «خَفْتُ» لفسادِ المعنى، وهذا على أَنْ يُرادَ ب «ورائي» معنى خلفي وبعدي. وأمَّا في قراءةِ «خَفَّتْ» بالتشديد فيتعلَّق الظرفُ بنفسِ الفعل، ويكونُ «ورائي» بمعنى قُدَّامي. والمرادُ: أنهم خفُّوا قدَّامَه ودَرَجُوا، ولم يَبْقَ منهم مَنْ به تَقَوٍّ واعْتِضادٌ. ذكر هذين المعنيين الزمخشري.

стр. 6098

والمَوالي: بنو العمِّ يدلُّ على ذلك تفسيرُ الشاعرِ لهم بذلك في قوله: ٣٢١ - ١- مَهْلاً بني عَمَّنا مَهْلاً مَواليَنا ... لا تَنْبُشوا بَيْنَنا ما كان مَدْفُوْنا وقال آخر: ٣٢١ - ٢- ومَوْلَىً قد دَفَعْتُ الضَّيْمَ عنهُ ... وقد أمْسَى بمنزلةِ المَضِيْمِ والجمهورُ على «ورائي» بالمدِّ. وقرأ ابنُ كثير - في روايةٍ عنه - «وَرايَ» بالقصر، ولا يَبْعُدُ ذلك عنه فإنه قَصَرَ «شُرَكاي» في النحل كما تقدَّم، وسيأتي أنَّه قَرَأ ﴿أَنْ رَاْه اسْتَغْنى﴾ في العَلَق، كأنه كان يُؤْثِرُ القَصْر على المدِّ لخفَّتِهن ولكنه عند البصريين لا يجوزُ سَعَةً. و ﴿مِن لَّدُنْكَ﴾ يجوز أَنْ يتعلَّقَ ب «هَبْ» . ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِنْ «وَليَّاً» لأنه في الأصل صفةٌ للنكرةِ فقُدِّمَ عليها.

стр. 6099

قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ : قرأ أبو عمروٍ والكسائي بجزمِ الفعلين على أنَّهما جوابٌ للأمر إذ تقديرُه: إن يَهَبْ يَرِثْ. والباقون برفِعهما على أنَّهما صفةٌ ل «وليَّاً» .

стр. 6100

وقرأ عليٌّ أميرُ المؤمنين ﵁ وابن عباس والحسن ويحيى بن يعمر والجحدري وقتادة في آخرين: «يَرِثُني» بياء الغيبة والرفع، وأَرثُ «مُسْنداً لضمير المتكلم. قال صاحب» اللوامح «: في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ. والتقديرُ: يَرِثُ نبوَّتي إن مِتُّ قبلَه وأَرِثُه مالَه إنْ مات قبلي» . ونُقِل هذا عن الحسن. وقرأ عليٌّ أيضاً وابن عباس والجحدري «يَرِثُني وارثٌ» جعلوه اسمَ فاعلٍ، أي: يَرِثُني به وارِثٌ، ويُسَمى هذا «التجريدَ» في علم البيان. وقرأ مجاهد «أُوَيْرِثٌ» وهو تصغيرُ «وارِث» ، والأصلُ وُوَيْرِث بواوين. وَجَبَ قَلْبُ أولاهما همزةً لاجتماعهما متحركتين أولَ كلمةٍ، ونحو «أُوُيْصِل» تصغيرَ «واصل» . والواو الثانية بدلٌ عن ألفِ فاعِل. وأُوَيْرِث مصروفٌ. لا يُقال: ينبغي أن يكونَ غيرَ مصروفٍ لأنَّ فيه علتين الوصفيةَ ووزنَ الفعل، فإنه بزنة أُبَيْطِر مضارع بَيْطَر، وهذا مِمَّا يكون الاسم فيه منصرفاً في التكبير ممتنعاً في التصغير. لا يُقال ذلك لأنه غَلَطٌ بَيِّنٌ؛ لأنَّ «أُوَيْرِثاً» وزنُه فُوَيْعِل لا أُفَيْعِل بخلافِ «أُحَيْمِر» تصعير «أَحْمَر» .

стр. 6101

وقرأ الزُّهْري «وارِث» بكسرِ الواو، ويَعْنون بها الإِمالةَ. قوله: «رَضِيَّا» مفعولٌ ثانٍ، وهو فَعِيْل بمعنى فاعِل، وأصلُه رَضِيْوٌ لأنه مِنَ الرِّضْوان.

стр. 6102

قوله: ﴿يحيى﴾ : فيه قولان: أحدُهما: أنه سامٌ أعجميٌّ لا اشتقاقَ له، وهذا هو الظاهرُ، ومَنْعُه من الصَّرْفِ للعَلَمِيَّةِ والعُجْمة. وقيل: بل هو منقولٌ من الفعلِ المضارعِ كما سَمَّوْا بيَعْمُرَ ويَعيشَ ويَموتَ، وهو يموتُ بنُ المُزَرَّع. والجملةُ مِنْ قولِه: ﴿اسمه يحيى﴾ في محلِّ جَرٍّ صفةً ل «غُلام» وكذلك ﴿لَمْ نَجْعَل﴾ . و «سَمِيَّا» كقوله: «رَضِيَّا» إعراباً وتصريفاً لأنَّه من السُّمُوِّ، وفيه دلالةٌ لقول البصريين: أنَّ الاسمَ من السُّمُوِّ، ولو كان من الوَسْم لقيل: وَسِيما.

стр. 6103

قوله: ﴿عِتِيّاً﴾ : فيه أربعةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه مفعولٌ به، أي: بَلَغْتُ عِتِيَّاً من الكِبَرِ، فعلى هذا ﴿مِنَ الكبر﴾ يجوز أَنْ يتعلَّقَ ب «بَلَغْتُ» ، ويجوز أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ «عِتِيَّا» لأنه في الأصلِ صفةٌ له كما قَدَّرْتُه لك. الثاني: أن يكونَ مصدراً مؤكِّداً مِنْ الفعل، لأنَّ / بلوغَ

стр. 6104

الكِبرَ في معناه. الثالث: أنَّه مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحالِ من فاعل «بَلَغْتُ» ، أي: عاتياً أو ذاعِتِيّ. الرابع: أنه تمييزٌ. وعلى هذه الأوجهِ الثلاثةِ ف «مِنْ» مزيدةٌ، ذكره أبو البقاء، والأولُ هو الوجهُ. والعُتُوُّ: بزنة فُعُوْل، وهو مصدرُ عَتا يَعْتُو، أي: يَبِس وصَلُب. قال الزمخشري: «وهو اليُبْس والجَسَاوَةُ في المفاصِلِ والعظام كالعُوْدِ القاحِل يُقال: عَتا العُوْدُ وجَسا، أو بَلَغْتُ مِنْ مدارجِ الكِبَر ومراتبِه ما يُسَمَّى عِتِيَّا» يريد بقوله: «أو بَلَغْتُ» أنه يجوزُ أَنْ يكونَ مِنْ عتا يَعْتُو، أي: فَسَدَ. والأصل: عُتُوْوٌ بواوين فاسْتُثْقِل واوان بعد ضمتين، فَكُسِرَتِ التاءُ تخفيفاً فانقلبت الواوُ الأولى ياءً لسكونها وانكسارِ ما قبلها، فاجتمع ياءٌ وواوٌ، وسَبَقَتْ إحداهما بالسكون، فَقُلبت الواوُ ياءً وأُدْغِمت فيها الياءُ الأُولى. وهذا الإِعلالُ جارٍ في المفرد كهذا، والجمعِ نحو: «عِصِيّ» إلا أنَّ الكثيرَ في المفردِ التصحيحُ كقولِه: «وعَتَوْا عُتُوَّاً كبيراً» وقد يُعَلُّ كهذه الآية، والكثيرُ في الجمع والإِعلالُ، وقد يُصَحَّحُ نحو: «إنكم لتنظرون في نُحُوّ كثيرة» وقالوا: فُتِيَ وفُتُوّ.

стр. 6105

وقرا الأخَوان «عِتِيَّا» و «صِلِيَّا» و «بِكِيَّا» و «جِثِيَّا» بكسر الفاء للإِتباع، والباقون بالضمِّ على الأصل. وقرأ عبدُ الله بن مسعود بفتح الأول مِنْ «عَتِيَّا» و «صَلِيَّا» جَعَلَهما مصدَرَيْن على زنة فَعيل كالعَجيج والرَّحيل. وقرأ عبد الله ومجاهد «عُسِيَّا» بضم العين وكسر السينِ المهملة. وتقدَّم اشتقاقُ هذه اللفظة في الأعراف وتصريفُها.

стр. 6106

قوله: ﴿كذلك﴾ : في محلِّ هذه الكاف وجهان، أحدهما: أنه رفعٌ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ، أي: الأمرُ كذلك، ويكون الوقف على: «كذلك» ثم يُبْتَدَأ بجملة أخرى. والثاني: أنها منصوبةُ المحلِّ، فَقَدَّره أبو البقاء ب «أَفْعَلُ مثلَ ما طلبْتَ، وهو كنايةٌ عن مطلوبِه، فَجَعَلَ ناصبَه مقدَّراً، وظاهرُه أنَّه مفعولٌ به. وقال الزمخشري:» أو نصبٌ ب «قال» و «ذلك» إشارةٌ إلى مُبْهم

стр. 6107

يُفَسِّره ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ ، ونحوُه: ﴿وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآءِ مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ﴾ [الحجر: ٦٦] . وقرأ الحسن ﴿وهُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ ولا يُخَرَّجُ هذا إلا على الوجه الأول، أي: الأمرُ كما قلت، وهو على ذلك يَهُون عليَّ. ووجهٌ آخرُ: وهو أَنْ يُشارَ ب «ذلك» إلى ما تقدَّم من وَعْدِ الله، لا إلى قولِ زكريَّا. و «قال» محذوفٌ في كلتا القراءتين. - في كلتا القراءتين: يعني قراءةَ العامة وقراءةَ الحسنِ - أي: قال هو عليَّ هيِّن، قال: وهو عَلَيَّ هَيِّن، وإن شئتَ لم تَنْوِه، لأنَّ اللهَ هو المخاطَبَ، والمعنى أنه قال ذلك، ووَعْدُه وقولُه الحق «. وفي هذا الكلامِ قَلَقٌ؛ وحاصلُه يَرْجع إلى أنَّ» قال «الثانيةَ هي الناصبةُ للكاف. وقوله:» وقال محذوفٌ «يعني تفريغاً على أنَّ الكلامَ قد تَمَّ عند» قال ربك «ويُبْتَدأ بقولِه: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ . وقوله:» وإنْ شِئْتَ لم تَنْوِه «أي: لم تَنْوِ القولَ المقدَّرَ، لأنَّ اللهَ هو المتكلَّمُ بذلك. وظاهرُ كلامِ بعضهِم: أنَّ» قال «الأولى مُسْنَدةٌ إلى ضميرِ المَلَكِ، وقد صَرَّح بذلك ابنُ جريرٍ، وتبعه ابن عطية. قال الطبري:» ومعنى قولِه «قال كذلك» ، أي: الأمران اللذان ذكرْتَ مِنَ المرأةِ العاقرِ والكِبَرِ هو كذلك، ولكم قال ربُّكِ، والمعنى عندي: قال المَلَكُ: كذلك، أي: على هذه الحال، قال ربك: هو عليَّ هَيِّنٌ «انتهى. وقرأ الحسن البصري» عَلَيِّ «بكسر ياء المتكلم كقوله: ٣٢١ - ٣-

стр. 6108

عَلَيَّ لعمروٍ نِعْمَةٌ بعد نِعْمةٍ ... لوالدِه ليسَتْ بذاتِ عَقَارِبِ أنشدوه بالكسر. وقد أَمْنَعْتُ الكلامَ في هذه المسألة في قراءةِ حمزةَ ﴿بِمُصْرِخِيِّ﴾ . قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ﴾ هذه جملة مستأنفة. وقرأ الأخَوان» خَلَقْناك «أسنده إلى الواحدِ المعظِّمِ نفسَه. والباقون» خَلَقْتُكَ «بتاءِ المتكلم. وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُ شَيْئاً﴾ جملةٌ حاليةٌ، ومعنى نَفْيِ كونِه شيئاً، أي: شيئاً يُعْتَدُّ به كقوله: ٣٢١ - ٤-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... إذا رَأَى غيرَ شَيْءٍ ظَنَّه رَجُلاً وقالوا: عَجِبْتُ مِنْ لا شيء. ويجوز أن يكونَ قال ذلك؛ لأنَّ المعدومَ ليس بشيءٍ.

стр. 6109

قوله: ﴿سَوِيّاً﴾ : حالٌ مِنْ فاعل «تُكَلِّمَ» . وعن ابن عباس: أنَّ «سَوِيَّاً» من صفةِ الليالي بمعنى كاملات، فيكونُ نصبُه على النعتِ للظرف. والجمهورُ على نصب ميم «تُكَلَّم» جعلوها الناصبةَ. وابن أبي عبلة بالرفعِ، جَعَلها المخففةَ من الثقيلة، واسمُها ضميرُ شانٍ محذوف، و «لا» فاصلةٌ. وتقدَّم تحقيقُه.

стр. 6110

قوله: ﴿أَن سَبِّحُواْ﴾ : يجوز في «أَنْ» أَنْ تكونَ مفسِّرةً لأَوْحى، وأَنْ تكونَ مصدريةًَ مفعولةً بالإِيحاء. و ﴿بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ ظرفا زمانٍ للتسبيح. وانصرفَتْ «بُكْرَة» لأنه لم يُقْصَد بها العَلَمِيَّةُ، فلو قُصِد بها العَلَميةُ امتنعت عن الصرف. وسواءً قُصد بها وقتٌ بعينه نحو: لأسيرنَّ الليلةَ إلى بكرةَ، أم لم يُقصد نحو: بكرةُ وقتٌ نشاط [لأنَّ عَلَمِيَّتها جنسيَّة كأُسامة] ، ومثلُها في ذلك كله «غدوة» . وقرأ طلحة «سَبَّحوه» بهاءِ الكناية. وعنه أيضاً: «سَبِّحُنَّ» بإسناد الفعل إلى ضمير الجماعة مؤكَّداً بالثقيلة وهو كقولِه: ﴿لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] وقد تقدَّم تصريفه.

стр. 6111

قوله: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ : حالٌ من الفاعل أو المفعول، أي: ملتبساً أنت، أو ملتبساً هو بقوة. و «صَبِيَّا» حال من هاء «آتيناه» .

стр. 6112

﴿وَحَنَاناً﴾ : يجوز أَنْ يكونَ مفعولاً به نَسَقاً على «الحُكْمَ» ، أي: وآتيناهُ تَحَنُّناً. والحنانُ: الرحمةُ واللِّيْن، وأنشد أبو / عبيدة: ٣٢١ - ٥- تحنَّنْ عليَّ هداك المليكُ ... فإنَّ لكلِّ مقامٍ مَقالا

стр. 6113

قال: «وأكثر استعمالِه مثنَّى كقولِهم: حَنَانَيْكَ، وقولِه: ٣٢١ - ٦-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... حَنَانَيْكَ بعضُ الشرِّ أهونُ مِنْ بعضِ وجوَّز فيه أبو البقاء أَنْ يكونَ مصدراً، كأنَّه يريد به المصدرَ الواقعَ في الدعاء نحو: سَقْياً ورَعْياً، فنصبُه بإضمارِ فِعْلٍ كأخواتِه. ويجوز أَنْ يرتفعَ على خبر ابتداءٍ مضمرٍ نحو: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: ١٨] و ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الاعراف: ٤٦، الرعد: ٢٤، الزمر: ٧٣] في أحد الوجهين: وأنشد سيبويه: ٣٢١ - ٧- وقالَتْ حَنانٌ ما أَتَى بك هَهنا ... أذو نَسَبٍ أَمْ أنتَ بالحَيِّ عارِفُ وقيل لله تعالى: حَنان، كما يقال له» رَحيم «قال الزمخشري:» وذلك على سبيل الاستعارة «. و ﴿مِّن لَّدُنَّا﴾ صفةٌ له.

стр. 6114

قوله: ﴿وَبَرّاً﴾ : يجوز أن يكون نَسَقاً على خبر «كان» ، أي: كان تقيَّاً بَرَّاً. ويجوز أَنْ يكون منصوباً بفعلٍ مقدر، أي: وجَعَلْناه بَرَّاً. وقرأ الحسن «بِرَّاً» بكسر الباء في الموضعين. وتأويلُه واضح كقوله: ﴿

стр. 6115

ولكن البر مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: ١٧٧] وتقدَّم تأويلُه. و «بِوالِدَيْهِ» متعلِّقٌ ب «بَرَّاً» . و «عَصِيَّا» يجوز أَنْ يكونَ وزنُه فَعُولاً، والأصل: عَصُوْيٌ فَفُعِل فيه ما يُفْعَل في نظائره، وفَعُول للمبالغة كصَبُوْر. ويجوز أَنْ يكونَ وزنُه فَعِيلاً، وهو للمبالغة أيضاً.

стр. 6116

قوله: ﴿إِذِ انتبذت﴾ : في «إذ» أوجهٌ، أحدُها: أنَّها منصوبةٌ ب «اذكُرْ» على أنها خَرَجَتْ عن الظرفية، إذ يستحيل أنْ تكونَ باقيةً على مُضِيِّها. والعاملُ فيها ما هو نَصٌّ في الاستقبال. الثاني: أنَّه منصوبٌ بمحذوفٍ مضافٍ لمريم تقديره: واذكر خبرَ مريم، أو نَبَأَها، إذ انْتَبَذَتْ، ف «إذ» منصوبٌ بذلك الخبر أو النبأ. والثالث: أنه منصوبٌ بفعلٍ محذوف تقديره: وبَيَّنَ، أي: اللهُ تعالى، فهو كلامُ آخرُ. وهذا كما قال سيبويه في قوله: ﴿انتهوا خَيْراً لَّكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] وهو في الظرف أقوى وإنْ كان مفعولاً به. والرابع: أن يكونَ منصوباً على الحال مِنْ ذلك المضافِ المقدَّر، أي: خبر مريم أو نبأ مريم. وفيه بُعْدٌ. قاله أبو البقاء. والخامس: أنه بدلٌ مِنْ «مريمَ» بدلُ اشتمال. قال الزمخشري: «لأنَّ الأحيانَ مشتملةٌ على ما فيها، وفيه: أنَّ المقصودَ بِذِكْر مريم ذِكْرُ وقتها هذا لوقوع هذه القصةِ العجيبةِ فيه» . قال أبو البقاء: - بعد أن حكى عن الزمخشريِّ هذا الوجهَ - «وهو

стр. 6117

بعيدٌ؛ لأنَّ الزمانَ إذا لم يكنْ حالاً من الجثة ولا خبراً عنها ولا صفةً لها لم يكن بَدَلاً منها» . وفيه نظرٌ لأنَّه لا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ صحةِ ما ذَكَرَ عَدَمُ صحةِ البدلية، ألا ترى نحو: «سُلِبَ زيدٌ ثوبُه» ف «ثوبُه» لا يَصِحُّ جَعْلُه خبراً عن «زيد» ولا حالاً منه ولا وصفاً له، ومع ذلك فهو بدلٌ اشتمالٍ. السادس: أنَّ «إذ» بمعنى «أَنْ» المصدرية كقولك: «لا أُكْرِمُك إذ لم تكرِمْني» ، أي: لأنَّك لا تُكْرِمُني، فعلى هذا يَحْسُن بدلُ الاشتمال، أي: واذكر مريمَ انتباذَها. ذكره أبو البقاء. والانْتِباذُ: افتعالٌ من النَّبْذِ وهو الطَّرْحُ، وقد تقدَّم بيانُه.

стр. 6118

والجمهورُ على ضَمِّ الراء مِنْ «رُوْحِنا» وهو ما يَحْيَوْن به. وقرأ أبو حيوة وسهلٌ بفتحها، أي: ما فيه راحةٌ للعباد كقوله: ﴿فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ﴾ [الواقعة: ٨٩] . وحكى النقاش أنه قد قُرِئ «رُوْحَنَّا» بتشديدِ النون، وقال: هو اسم مَلَكٍ من الملائكة. قوله: ﴿بَشَراً سَوِيّاً﴾ حالٌ مِنْ فاعل «تَمَثَّلَ» . وسَوَّغ وقوعَ الحالِ جامدة وَصْفُها، فلمَّا وُصِفَتِ النكرةُ وقعت حالاً.

стр. 6119

قوله: ﴿لأَهَبَ﴾ : قرأ نافع وأبو عمرو «لِيَهَبَ» بالياء

стр. 6120

والباقون «لأَِهَبَ» بالهمزة. فالأُوْلَى: الظاهرُ فيها أنَّ الضميرَ للربِّ، أي: ليَهَبَ الرَّبُّ. وقيل: الأصلُ: لأَهَبَ بالهمز، وإنما قُلِبَتِ الهمزةُ ياءً تخفيفاً؛ لأنها مفتوحةٌ بعد كسرةٍ فتتَّفِقُ القراءتان وفيه بُعْدٌ. وأمَّا الثانيةُ فالضميرُ للمتكلم، والمرادُ به المَلَكُ وأسنده لنفسِه لأنه سببٌ فيه. ويجوز أَنْ يكونَ الضمير لله تعالى ويكون على الحكاية بقولٍ محذوف. ويُقَوِّي الذي قبله أنَّ في بعض المصاحف: أَمَرَني أَنْ أَهَبَ لك. وقوله: ﴿إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ [مريم: ١٨] جوابُه محذوفٌ أو متقدم.

стр. 6121

قوله: ﴿بَغِيّاً﴾ : في وزنِه قولان، أحدُهما - وهو قولُ المبردِ - أنَّ وزنَه فُعول، والأصل بَغُوْيٌ فاجتمعت الياء والواو فَفُعِل فيه ما هو معروفٌ. قال أبو البقاء: «ولذلك لم تَلْحَقْ تاءُ التأنيث كما لم تَلْحَقْ في صبور وشكور» . ونَقَل الزمخشري عن أبي الفتح أنها فَعِيْل، قال: «ولو كانَتْ فَعُولاً لقيل: بَغُوٌ، كما يقال: فلان نَهُوٌ عن المنكر» ولم يُعْقِبْه بنكير. ومَنْ قال: إنها فَعِيْل فهل هي بمعنى فاعِل او بمعنى مَفعول؟ فإنْ كانَتْ بمعنى فاعِل فينبغي أَنْ تكونَ بتاء التأنيث نحو: امراةٌ قديرةٌ وبَصيرة. وقد أُجيب عن ذلك: بأنها بمعنى النسب كحائِض وطالِق، أي ذات بَغْي. وقال أبو البقاء حين جَعَلَها بمعنى فاعِل: «ولم تَلْحَقِ التاءُ أيضاً لأنها للمبالغة» فجعل العلةَ

стр. 6122

في عدم اللِّحاق كونَه للمبالغة. وليس بشيءٍ. وإن قيل بأنها بمعنى مَفْعول فَعَدَمُ الياءِ واضحٌ.

стр. 6123

قوله: ﴿كذلك﴾ : تقدَّم نظيرُه. قوله: «وَلِنَجْعَلَه» يجوز أن يكونَ علةً، ومُعَلَّلُه محذوفٌ تقديره: لنجعلَه آيةً للناسِ فَعَلْنا ذلك. ويجوز أَنْ يكونَ نَسَقاً على علةٍ محذوفةٍ تقديره: لِنُبَيِّنَ به قُدْرَتَنا ولنجعَله آيةً. والضميرُ عائدٌ على الغلام، واسم «كان» مضمرٌ فيها، أي: وكان الغلامُ، أي: خَلْقُه وإيجادُه أمراً لا بُدَّ منه/.

стр. 6124

قوله: ﴿فانتبذت بِهِ﴾ : الجارُّ والمجرورُ في محل نصب على الحال، أي: انتبذَتْ وهو مصاحبٌ لها، كقولِه: ٣٢١ - ٨-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... تَدْوْسُ بنا الجَماجِمَ والتَّرِيْبا

стр. 6125

قوله: ﴿فَأَجَآءَهَا﴾ : الأصلُ في «جاء» أَنْ يتعدَّى لواحدٍ بنفسه، فإذا دَخَلَتْ عليه الهمزةُ كان القياسُ يقتضي تَعَدِّيَه لاثنين. قال الزمخشري: «إلا أنَّ استعمالَه قد تغيَّر بعد النقلِ إلى معنى الإِلْجاء، ألا تراكَ لا تقول: جِئْتُ المكانَ وأَجَاْءَنْيهِ زيدٌ، كما تقول: بَلَغْتُه وأَبْلَغَنِيْه، ونظيرُه» آتى «حيث لم يُستعمل إلا في الإِعطاء ولم تَقُلْ: أتيت المكانَ وآتانِيه فلان» . وقال أبو البقاء: الأصلُ «جاءها» ثم عُدِّيَ بالهمزة إلى مفعولٍ ثانٍ، واسْتُعمل بمعنى أَلْجَأَها «.

стр. 6126

قال الشيخ:» قوله وقولُ [غيرِه] : إنَّ «أجاءها» بمعنى أَلْجَأَها يحتاج إلى نَقْلِ أئمةِ اللغة المستقرئين لذلك مِنْ لسانِ العرب. والإِجاءةُ تدلُّ على المُطلق، فَتَصْلُح لِما هو بمعنى الإِلجاءِ ولِما هو بمعنى الاختيار، كما تقول: «أَقَمْتُ زيداً» فإنه يَصْلُحُ أَنْ تكونَ إقامتُك له قَسْراً أو اختياراً. وأمَّا قوله: «ألا ترك لا تقول» إلى آخره فَمَنْ رَأَى أنَّ التعديةَ بالهمزة قياسٌ أجاز ذلك وإنْ لم يُسْمَعْ، ومَنْ منع فقد سُمِع ذلك في «جاء» فيُجيز ذلك. وأمَّا تنظيرُه ذلك ب «آتى» فليس تنظيراً صحيحاً؛ لأنَّه بناه على أنَّ همزتَه للتعديةِ، وأنَّ أصلَه «أتى» ، بل «آتى» ممَّا بُني على أَفْعَل، ولو كان منقولاً مِنْ «آتى» المتعدِّي لواحد لكان ذلك الواحدُ هو المفعولَ الثاني، والفاعلُ هو الأولُ، إذا عَدَّيْتَه بالهمزةِ تقولُ: «أتى المالُ زيداً» و «آتى عمروٌ زيداً المالَ» فيختلف التركيب بالتعدية لأنَّ «زيداً» عند النحويين هو المفعولُ الأول، و «المالُ» هو المفعولُ الثاني، وعلى ما ذكره الزمخشري كان يكون العكس، فَدَلَّ على أنَّه ليس على ما قاله، وأيضاً فآتى مُرادِفٌ لأَعْطَى، فهو مخالِفٌ من حيث الدَّلالةُ في المعنى. وقوله: «ولم تَقُلْ: أتيت المكانَ وآتانِيْه» هذا غيرُ مُسَلَّمٍ بل تقول: «أتيتُ المكانَ» كما تقول: «جئت المكان» . وقال الشاعر: ٣٢١ - ٩-

стр. 6127

أَتَوْا ناري فقلتُ مَنُوَّنَ أنتُمْ ... فقالوا: الجنُّ قلتُ عِمُوا ظَلاما ومَنْ رأى التعديةَ بالهمزةِ قياساً، قال: «آتانيه» وهذه الأبحاثُ التي ذكرها الشيخُ معه ظاهرُه الأجوبة، فلا نُطَوِّلُ بذِكْرِها. وقرأ الجمهورُ «فَأَجَاْءَها» ، أي: أَلْجأها وساقَها، ومنه قولُه: ٣٢٢ - ٠- وجارٍ سارَ مُعْتَمِداً إليكم ... أَجَاْءَتْهُ المَخافةُ والرَّجاءُ وقرأ حَمَّاد بن سَلَمة «فاجَأَها» بألفٍ بعد الفاء وهمزةٍ بعد الجيم، من المفاجأة، بزنة قابَلَها. ويقرأ بألفين صريحتين كأنهم خفَّفوا الهمزةَ بعد الجيمِ، وكذلك رُوِيَت بينَ بينَ. والجمهور على فتحِ الميم من «المَخاض» وهو وَجَعُ الوِلادةِ. ورُوي عن ابن كثير بكسرِ الميمِ، فقيل: هما بمعنى. وقيل: المفتوح اسمُ مصدرٍ كالعَطاء والسَّلام، والمكسورُ مصدرٌ كالقتال واللِّقاء، والفِعال قد جاء مِنْ واحد كالعِقاب والطَّراق. قاله أبو البقاء. والميمُ أصليةٌ لأنه مِنْ تَمَخَّضَتِ الحامِلُ تتمخَّضُ. و ﴿إلى جِذْعِ﴾ يتعلقُ في قراءة العامَّة ب «أَجاءها» ، أي: ساقَها إليه.

стр. 6128

وفي قراءةِ حَمَّاد بمحذوفٍ لأنه حالٌ من المفعولِ، أي: فاجَأَها مستندةً إلى جِذْعِ النخلةِ. قوله: «نَسْيَاً» الجمهورُ على كسرِ النون وسكون السين وبصريح الياء بعدها. وقرأ حمزةُ وحفص وجماعة بفتح النون، فالمكسورُ فِعْلُ بمعنى مَفْعول كالذَّبْح والطَّحْن، ومعناه الشيءُ الحقيرُ الذي مِنْ شأنه أن يُنْسَى كالوَتِدِ والحَبْلِ وخِرْقةِ الطَّمْثِ ونحوِها. قال ابن الأنباري: «مَنْ كسر فهو اسمٌ لما يُنْسَى كالنَّقْصُ اسمٌ لما يَنْقص، والمفتوحُ مصدرٌ يَسُدُّ مَسَدَّ الوصفِ» . وقال الفراء: «هما لغتان كالوَتْر والوِتْر، الكسرُ أحَبُّ إليَّ» . وقرأ محمدُ بن كعب القَرَظيُّ «نِسْئاً» بكسر النون، والهمزةُ بدلُ الياء. ورُوي عنه أيضاً وعن بكر بن حبيب السَّهْمي فتحٌ مع الهمز. قالوا: وهو مِنْ نَسَأْتُ اللَّبَنَ إذا صَبَبْتَ فيه ماءً فاستُهْلِك فيه، فالمكسورُ أيضاً كذلك الشيءُ المُسْتَهْلَكُ، والمفتوحُ مصدر كما كان ذلك من النِّسْيان ونَقَل ابن عطية عن بكر بن حبيب «نَسَا» بفتح النون والسين والقصرِ كعَصَا، كأنه جَعَل فَعَلاً بمعنى مَفْعول كالقَبَض بمعنى المَقْبُوض. و «مَنْسِيَّاً» نعتٌ على البمالغةِ، وأصلُه مَنْسُوْي فَأُدْغم. وقرأ أبو جعفر

стр. 6129

والأعمش «مِنْسِيَّاً» بكسر الميم للإِتباع لكسرةِ السين، ولم يَعْتَدُّوا بالساكن لأنه حاجزٌ غيرُ حصينٍ كقولهم: «مِنْتِن» و «مِنْخِر» .

стр. 6130

قوله: ﴿مِن تَحْتِهَآ﴾ : قرأ الأخَوَان ونافع وحفص بكسر ميم «مِنْ» ، وجَرَّ «تحتِها» على الجار والمجرور. والباقون بفتحها ونصب «تحتَها» . فالقراءةُ الأولى تقتضي أن يكونَ الفاعلُ في «نادَى» مضمراً وفيه تأويلان، أحدهما: هو جبريل ومعنى كونِه ﴿مِن تَحْتِهَآ﴾ أنه في مكانٍ أسفلَ منها. ويَدُل على ذلك قراءةُ ابنِ عباس «فناداها مَلَكٌ مِنْ تحتها: فَصَرَّح به. و ﴿مِن تَحْتِهَآ﴾ على هذا فيه وجهان أحدهما: أنه متعلقٌ بالنداء، أي: جاء النداء مِنْ هذه الجهةِ. والثاني: أنه حالٌ من الفاعل، أي: فناداها وهو تحتَها. وثاني التأويلين: أنَّ الضمير لعيسى، لأي: فناداها المولودُ مِنْ تحت ذَيْلها. والجارُّ فيه الوجهان: مِنْ كونِه متعلِّقاً بالنداء، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ. والثاني أوضح. والقراءةُ الثانية: تكون فيها» مَنْ «موصولةً، والظرفُ صلتُها، والمرادُ بالموصولِ: إمَّا جبريلُ، وإمَّا عيسى. قوله: ﴿أَلاَّ تَحْزَنِي﴾ يجوزُ في» أَنْ «أَنْ تكونَ مفسرةً لتقدُّمِها ما هو بمعنى
следующие страницы →