← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 6441–6480 · переход к 6446.

стр. 6441

قوله: ﴿فتشقى﴾ : منصوبٌ بإضمار «أَنْ» في جواب النهي. والنهيُ في الصورةِ لإِبليس، والمرادُ به هما أي: لا تتعاطيا أسبابَ الخروجِ فيحصُلَ لكما الشقاءُ، وهو الكَدُّ والتعبُ الدنيوي خاصة. ويجوزُ أَنْ يكونَ مرفوعاً على الاستئنافِ أي: فأنت تَشْقَى. كذا قَدَّره الشيخ. وهو بعيدٌ أو ممتنع؛ إذ ليس المقصودُ الإِخبارَ بأنه يشْقَى، بل إنْ وَقَع الإِخراجُ لهما من إبليسَ حَصَلَ ما ذكر. وأسند الشقاوةَ إليه دونَها؛ لأنَّ الأمورَ معصوبةٌ برؤوس الرجال. وحسَّن ذلك كونُه رأسَ فاصلةٍ.

стр. 6442

قوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ﴾ في محلِّ نصب اسماً ل «إنَّ» . والخبرُ «لك» . والتقديرُ: إنَّ لك عَدَمَ الجوع والعريِ. ف «تعرى» منصوبٌ تقديراً نَسَقاً على «تجوعَ» . والعُرْيُ: تجرُّدُ الجِلْدِ عن شيءٍ يَقيه. يُقال منه: عَرِي يعرى عُرِيَّاً قال الشاعر:

стр. 6443

٣٣٢٥ - وإنْ يَعْرَيْنَ إن كُسِيَ الجَواري ... فَتَنْبُو العينُ عن كَرَمٍ عِجافِ

стр. 6444

قوله: ﴿وَأَنَّكَ لاَ تَظْمَأُ﴾ : قرأ نافع وأبو بكر و «إنك» بكسرِ الهمزةِ. والباقون بفتحها. فَمَنْ كَسَرَ فيجوز أن يكونَ ذلك استئنافاً، وأن يكونَ نَسَقاً على «إنَّ» الأولى. ومَنْ فتح فلأنَّه عَطَفَ مصدراً مؤولاً على اسمِ «إنَّ» الأولى. والخبرُ «لك» المتقدمُ. والتقديرُ: إنَّ لك عَدَمَ الجوعِ وعدمَ العُرِيِّ وعَدَمَ الظمأ والضُّحا. وجاز أن تكون «أنَّ» بالفتح أسماً ل «إنَّ» بالكسر للفصل بينهما، ولولا ذلك لم يَجُزْ. لو قلت: «إن إنَّ زيداً قائم/ حَقٌّ» لم يَجُزْ فلمَّا فُصِل بينهما جاز. وتقول: «إنَّ عندي أن زيداً قائم» ف «عندي» هو الخبرُ قُدِّم على الاسمِ وهو «أنَّ» وما في تأويلِها لكونِه ظرفاً، والآيةُ من هذا القبيل؛ إذ التقديرُ: وإنَّ لك أنَّك لا تظمأ. وقال الزمخشري: «فإنْ قلت:» إنَّ «لا تدخل على» أنَّ «فلا يُقال:» إنَّ أنَّ زيداً منطلق «، والواوُ نائبةٌ عن» أنَّ «، وقائمةٌ مقامَها فِلمَ دَخَلَتْ عليها؟ قلت: الواوُ لم تُوْضَعْ لتكون أبداً نائبةً عن» أنَّ «إنما هي نائبةٌ عن كلِّ عاملٍ، فلمَّا لم تكنْ حرفاً موضوعاً للتحقيق خاصة ك» إنَّ «لم يمتنعْ اجتماعُهما كما [امتنع اجتماع] إنَّ وأنَّ» . وضحى يَضْحَى أي: برز للشمسِ. قال عمر بن أبي ربيعة:

стр. 6445

٣٣٢٦ - رَأَتْ رجلاً أَيْما إذا الشمسُ عارَضَتْ ... فيضحى وأيْما بالعَشِيِّ فَيَخْصَرُ وذكر الزمخشريُّ هنا معنًى حسناً في كونِه تعالى ذكر هذه الأشياءَ بلفظ النفي، دونَ أَنْ يذكرَ أضدادَها بلفظِ الإِثباتِ. فيقول: إنَّ لك الشِّبَعَ والكِسْوةَ والرِّيَّ والاكتنانَ في الظلِّ فقال: «وَذَكَرها بلفظِ النفيِ لنقائضِها التي هي الجوعُ والعُرِيُّ والظمأُ والضَّحْوُ ليطرُقَ سمعَه بأسامي أصنافِ الشِّقْوَةِ التي حَذَّره منها حتى يَتحامى السببَ الموقعَ فيها كراهةً لها.

стр. 6446

قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ﴾ : وَسْوَسَ إليه أي: أنهى إليه الوسوسةَ. وأمَّا وَسْوس له فمعناه لأجلِه. الزمخشري: «فإنْ قلتَ: كيف عدى» وَسْوس «تارة باللامِ في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان﴾ [الأعراف: ٢٠] وأخرى ب إلى؟ قلت: وَسْوَسَةُ الشيطانِ كوَلْوَلَةِ الثَّكْلى ووَقْوَقَةِ الدجاجة في أنها حكاياتٌ للأصواتِ، فحكمُها حكمُ صوتٍ أو جَرْسٍ. ومنه وَسْوَسة المُبَرْسَم، وهو مُوَسْوِس بالكسر. والفتحُ لحنٌ. وأنشد ابن الأعرابي: ٣٣٢٧ - وَسْوَسَ يَدْعو مُخْلِصاً رَبَّ الفَلَقْ ... فإذا قلت: وَسْوَسَ له فمعناه لأجلِه كقوله:

стр. 6447

٣٣٢٨ - أجْرِسْ لها يا ابنَ أبي كِباشِ ... ومعنى وَسْوس إليه: أنهى إليه الوَسْوَسة لكونِه بمعنى ذكر له. ويكون بمعنى لأجله.

стр. 6448

قوله: ﴿فغوى﴾ : الجمهورُ على فتحِ الواوِ وبعدها ألفٌ. وتفسيرُها واضحٌ. وقيل: معناه بَشِمَ. من قولهم: «غَوِي البعير» بكسر الواو، والياء، إذا أصابه ذلك. وقد حكى أبو البقاء هذه قراءةً وفسَّروها بهذا المعنى. قال الزمخشريُّ: «وعن بعضِهم: فَغَوى فبشِم من كثرةِ الأكل. وهذا وإن صَحَّ على لغةِ مَنْ يَقْلِبُ الياءَ المكسورَ ما قبلَها ألفاً فيقولُ في فَنِي وبَقِي: فَنا وبَقا وهم بنو طيِّىء تفسيرٌ خبيثٌ» . قلت: كأنه لم يَطَّلِعْ على أنه قُرِىء بكسر الواو، ولو اطَّلع عليها لَرَدَّها. وقد فَرَّ القائلُ بهذه المقالةِ مِنْ نسبةِ آدمَ ﵇ إلى الغَيِّ.

стр. 6449

قوله: ﴿ضَنكاً﴾ : صفةٌ ل «معيشة» ، وأصلُه المصدرُ فلذلك لم يُؤَنَّثْ. ويقع للمفردِ والمثنى والمجموعِ بلفظٍ واحدٍ. وقرأ الجمهورُ «ضَنْكاً» بالتنوينَ وَصْلاً وإبدالِه ألفاً وقفاً كسائِرِ المعربات. وقرأتْ فرقةٌ قوله: «ضنكى» بألفٍ كسكرى. وفي هذه الألف احتمالان،

стр. 6450

أحدهما: أنها بدلٌ من التنوين، وإنما أجرى الوصلَ مجرى الوقف كنظائرَ له مَرَّتْ. وسيأتي منها بقيةٌ إن شاء الله تعالى. والثاني: أن تكونَ ألفَ التأنيث، بُني المصدرُ على فَعْلى نحو دعوى. والضَّنْكُ: الضِّيقُ والشِّدة. يُقال منه: ضَنُكَ عيشُه يَضْنُك ضَنَاكة وضَنْكاً. وامرأة ضِناك كثيرةُ لحمِ البدنِ، كأنهم تخيَّلوا ضِيْقَ جِلْدِها به. وقرأ العامَّةُ «ونَحْشُرُه» بالنونِ ورَفْعِ الفعلِ على الاستئناف. وقرأ أبانُ ابن تغلب في آخرين بتسكينِ الراءِ. وهي محتملةٌ لوجهين، أحدُهما: أن يكونَ الفعلُ مجزوماً نَسَقاً على مَحَلِّ جزاء الشرط، وهو الجملةُ مِنْ قولِه ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً﴾ فإنَّ محلَّها الجزمُ، فه كقراءةِ ِ ﴿مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ وَيَذَرْهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦] بتسكين الراء. والثاني: أَنْ يكونَ السكونُ سكونَ تخفيفٍ نحو ﴿يَأْمُرْكُمْ﴾ [البقرة: ٦٧] وبابِه. وقرأ فرقةٌ بياءِ الغَيْبة وهو اللهُ تعالى أو المَلَك. وأبان بن تغلب في رواية «ونَحْشُرهْ» بسكونِ الهاء وصلاً. وتخريجُها: إمَّا على لغةِ بني عقيل وبني كلاب، وإمَّا على إجراء الوصل مُجرى الوقف. و «أعمى» نصب على الحال.

стр. 6451

قوله: ﴿وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً﴾ : جملةٌ حالية من مفعولِ «حَشَرْتني» . وفَتَحَ الياءَ مِنْ «حَشَرْتني» قبل الهمزةِ نافعٌ وابن كثير.

стр. 6452

قوله: ﴿كذلك أَتَتْكَ﴾ : قال أبو البقاء: / «كذلك» في موضعِ نصبٍ أي: حَشْراً مثلَ ذلك، أو فَعَلْنا مثلَ ذلك، أو إتياناً مثلَ ذلك، أو جزاءً مثلَ إعراضِك أو نِسْياناً «. وهذه الأوجهُ التي قالها تكون الكافُ في بعضها نصباً على المصدر، وفي بعضها نَصْباً على المفعول به. ولم يذكر الزمخشريُّ فيه غيرَ المفعولِ به فقال:» أي: مثلَ ذلك فَعَلْتَ أنت، ثم فُسِّر بأنَّ آياتِنا أَتَتْك واضحةً مستنيرةً فلم تنظر إليها بعينِ المُعْتَبِرِ «.

стр. 6453

قوله تعالى: ﴿وكذلك نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ : أي: ومثلَ ذلك الجزاءِ نَجْزي مَنْ أسرف.

стр. 6454

قوله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ : في فاعل «يَهْدِ» أوجهٌ، أحدها: أنه ضميرُ الباري تعالى. ومعنى يَهْدي: يُبَيِّن. ومفعولُ يهدي محذوفٌ تقديرُه: أفلم يُبَيِّنِ اللهُ لهم العبرَ وفِعْلَه بالأمم المكذبة. قال أبو البقاء: «وفي فاعلِه وجهان، أحدهما: ضميرُ اسم الله تعالى، وعَلَّق» بَيَّن «هنا إذا كانَتْ بمعنى اعلمْ، كما عَلَّقه في قولِه تعالى: ﴿وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٤٥] . قال

стр. 6455

الشيخ: و» كم «هنا خبريةٌ ل تعَُلِّق العاملَ عنها» . وقال الزمخشري: «ويجوز أَنْ يكونَ فيه ضميرُ اللهِ أو الرسولِ. ويدلُّ عليه القراءةُ بالنونِ. الوجه الثاني: أنَّ الفاعلَ مضمرٌ يُفَسِّره ما دَلَّ عليه من الكلام بعدَه. قال الحوفي:» كم أَهْلكنا «قد دَلَّ على هلاك القرونِ. التقدير: أفلم يَتَبَيَّن لهم هلاكُ مَنْ أَهْلكنا من القرن ومَحْوُ آثارِهم فيتَّعِظوا بذلك. وقال أبو البقاء:» الفاعلُ ما دَلَّ عليه قوله: ﴿أَهْلَكْنَا﴾ أي إهلاكنا والجملةُ مفسِّرةٌ له «. الوجه الثالث: أنَّ الفاعلَ نفسُ الجملة بعده. قال الزمخشري:» فاعلُ «لم يَهْدِ» الجملةُ بعده. يريدُ: ألم يَهْدِ لهم هذا بمعناه ومضمونِه. ونظيرُه قولُه تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين﴾ [الصافات: ٧٩] أي تَرَكْنا عليه هذا الكلامَ «. قال الشيخ:» وكَوْنَ الجملةِ فاعلَ «يَهْدِ» هو مذهبٌ كوفي. وأمَّا تشبيهُه وتنظيرُه بقولِه: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين﴾ فإنَّ «تركْنا» معناه معنى القول، فحُكِيَتْ به الجملةُ كأنه قيل: وقُلْنا عليه وأَطْلقنا عليه هذا اللفظ، والجملةُ تحكى بمعنى القولِ كما تُحْكَى بالقولِ «.

стр. 6456

الوجهُ الرابعُ: أنه ضميرُ الرسولِ ﷺ ؛ لأنه هو المُبَيِّن لهم بما يوحى إليه من أخبار الأممِ السالفةِ والقرونِ الماضية. وهذا الوجهُ تقدَّم نَقْلُه عن أبي القاسم الزمخشري. الوجهُ الخامسُ: أنَّ الفاعلَ محذوفٌ، قال ابنُ عطية نقلاً عن غيره:» إن الفاعلَ مقدرٌ تقديرُه: الهدى أو الأمرُ أو النظرُ والاعتبار «قال ابن عطية:» وهذا عندي أحسنُ التقادير «. قال الشيخ:» وهو قولُ المبردِ، وليس بجيدٍ؛ إذ فيه حَذْفُ الفاعلِ وهو لا يجوز عند البصريين، وتحسينُه أَنْ يقالَ: الفاعل مضمر تقديره: يهد هو أي الهدى «، قلت: ليس في هذا القولِ أنَّ الفاعلَ محذوفٌ، بل فيه أنه مقدرٌ، ولفظٌ» مقدرٌ «كثيراً ما يُستعمل في المضمر. وأما مفعولُ» يَهْدِ «ففيه وجهان أحدهما: أنه محذوف. والثاني: أن يكونَ الجملةَ من» كم «وما في حَيِّزها؛ لأنها معلِّقَةٌ له فهي سادَّة مَسَدَّ مفعولِه. الوجه السادس: أنَّ الفاعلَ» كم «، قاله الحوفي وأنكره على قائله؛ لأنَّ» كم «استفهامٌ لا يَعْمل فيها ما قبلها. قال الشيخ: «وليست هنا استفهاماً بل هي خبرية» . واختار الشيخ أن يكون الفاعلُ ضميرَ الله تعالى فقال: «وأحسنُ التخاريجِ أن يكونَ الفاعلُ ضميراً عائداً على الله تعالى فكأنه قال: أفلم يبيِّنِ الله. ومفعول» يُبَيِّن «محذوفٌ أي: العبر بإهلاك القرونِ السابقة. ثم قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ أي: كثيراً أَهْلَكْنا ف» كم «مفعولةٌ بأهلكنا، والجملةُ كأنها مفسِّرةٌ للمفعولِ المحذوف ل» يَهْدِ «.

стр. 6457

قوله: ﴿مِّنَ القرون﴾ في محلِّ نصبٍ نعتاً ل» كم «لأنها نكرة. ويَضْعُفُ جَعْلُه حالاً من النكرة. ولا يجوزُ أن يكونَ تمييزاً على قواعد البصريين، و» مِنْ «داخلةٌ عليه على حَدِّ دخولِها على غيرِه من التمييزات لتعريفِه. وقرأ العامَّةُ» يَهْدِ «بياءِ الغَيْبة. وتقدَّم الكلامُ في فاعِله. وقرأ ابن عباس وأبو عبد الرحمن بالنونِ المُؤْذِنَةِ بالتعظيم، وهي مؤيدةٌ لكونِ الفاعلِ في قراءةِ العامَّةِ ضميرَ الله تعالى. قوله: ﴿يَمْشُونَ﴾ حالٌ من القرون أو مِنْ مفعولِ» أهلَكْنا «. والضميرُ على هذين عائدٌ على القرونِ المُهْلَكَة. ومعناه: إنَّا أهلكناكم وهم في حالِ أَمْنٍ ومَشْيٍ وتَقَلُّبٍ في حاجاتهم كقوله: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] ويجوز أَنْ يكونَ حالاً من الضمير في» لهم «. والضميرُ في» يَمْشُون «على هذا عائدٌ على مَنْ عاد عليه الضمير في» لهم «، وهم المشركون المعاصرون لرسول الله ﷺ . والعاملُ فيها» يَهْدِ «. / و [المعنى] : أنكم تَمْشُون في مساكن الأمم السالفةِ، وتتصرَّفون في بلادهم، فينبغي أَنْ تعتبروا لئلاَّ يَحُلَّ بكم ما حلَّ بهم. وقرأ ابن السميفع» يُمَشَّوْن «مبنياً للمفعول مضعَّفاً؛ لأنه لَمَّا تعدى بالتضعيف جاز بناؤه للمفعول.

стр. 6458

قوله: ﴿وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾ : في رفعِه وجهان، أظهرُهما: عطفُه على «كلمةٌ» أي: ولولا أجلٌ مُسَمَّى لكان العذابُ لازماً لهم.

стр. 6459

الثاني: جَوَّزه الزمخشريُّ وهو أَنْ يكونَ مرفوعاً عطفاً على الضمير المستتر. والضميرُ عائدٌ على الأخذِ العاجلِ المدلولِ عليه بالسياقِ. وقام الفصلُ بالجرِّ مَقامَ التأكيدِ. والتقدير: ولولا كلمةٌ سَبَقَتْ مِنْ ربك لكان الأخذُ العاجل وأجلٌ مُسَمَّى لازِمَيْن لهم، كما كانا لازِمَيْنِ لعادٍ وثمودَ، ولم ينفردِ الأجلُ المسمى دون الأخذِ العاجل. قلت: فقد جعل اسمَ «كان» عائداً على ما دَلَّ عليه السياقُ، إلاَّ أنه قد تُشْكِلُ عليه مسألةٌ: وهو أنه قد جَوَّز في «لزام» وجهين، أحدهما: أَنْ يكونَ مصدرَ لازَمَ كالخِصام، ولا إشكال على هذا. والثاني: أن يكون وصفاً على فِعال بمعنى مُفْعِل أي: مُلْزِم، كأنه آلةُ اللُّزوم لفَرْطِ لُزومه كما قالوا: لِزازُ خَصْمٍ، وعلى هذا فيُقال: كان ينبغي أَنْ يطابق في التثنية فيقال: لِزَامَيْنِ بخلاف كونه مصدراً فإنه يُفْرَدُ على كل حال. وجَوَّز أبو البقاء أن يكونَ «لزاماً» جمعَ لازم كقِيام جمعَ قائِم.

стр. 6460

قوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ : حالٌ أي: وأنت حامدٌ له. قوله: ﴿وَمِنْ آنَآءِ الليل﴾ متعلِّقٌ ب «سَبِّحْ» الثانيةِ، وقد تقدَّم ما في هذه الفاء. قوله: ﴿وَأَطْرَافَ﴾ العامَّةُ علت نصبِه. وفيه وجهان أحدُهما: أنه عطفٌ

стр. 6461

على محلِّ ﴿وَمِنْ آنَآءِ الليل﴾ . والثاني: أنه عطفٌ على «قبلَ» . وقرأ الحسنُ وعيسى بنُ عمر «وأطرافِ» بالجرِّ عَطْفاً على «آناءِ الليل» . وقوله هنا «أطرافَ» وفي هود ﴿طَرَفَيِ النهار﴾ [الآية: ١١٤] فقيل: هو مِنْ وَضْعِ الجمعِ موضعَ التثنيةِ كقوله: ٣٣٢٩ - ظَرْاهما مثلُ ظُهورِ التُّرْسَيْنْ ... وقيل: هو على حقيقتِه. والمرادُ بالأَطْراف: الساعات. قوله: ﴿ترضى﴾ قرأ الكسائي وأبو بكر عن عاصم تُرْضَى «مبنياً للمفعول. والباقون مبنياً للفاعلِ، وعليه ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فترضى﴾ [الضحى: ٥] .

стр. 6462

قوله: ﴿أَزْوَاجاً﴾ : في نصبِه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ على المفعولِ به وهو واضح. والثاني: أنه منصوبٌ على الحالِ من الهاء في «به» . راعى لفظَ «ما» مرةً، ومعناها أخرى، فلذلك جَمَع. قال الزمخشري: «ويكون الفعلُ واقعاً على» منهم «. قال الزمخشري:» كأنه قيل: إلى الذي مَتَّعْنا به وهو أصنافُ بعضِهم وناساً منهم «. قوله: ﴿زَهْرَةَ﴾ في نصبه تسعة أوجه، أحدُها: أنه مفعولٌ ثانٍ لأنه ضَمَّن مَتَّعْنا معنى أَعْطَيْنا. ف» أزواجاً «مفعولٌ أولُ، و» زهرةَ «هو الثاني. الثاني: أن يكونَ بدلاً من» أَزْواجاً «، وذلك: إمَّا على حَذْفِ مضافٍ أي: ذوي زهرة، وإمَّا

стр. 6463

على المبالغةِ جُعِلوا نفسَ الزهرة. الثالث: أن يكونَ منصوباً بفعلٍ مضمرٍ دَلَّ عليه» مَتَّعْنا «تقديرُه: جَعَلْنا لهم زهرةً. الثالث: نَصْبُه على الذَّمِّ، قال الزمخشري:» وهو النصبُ على الاختصاص «. الرابع: أن يكونَ بدلاً من موضعِ الموصولِ. قال أبو البقاء:» واختاره بعضُهم. وقال آخرون: لا يجوزُ لأنَّ قولَه ﴿لِنَفْتِنَهُمْ﴾ مِنْ صلة «مَتَّعْنا» فيلزمُ الفصلُ بين الصلةِ والموصولِ بالأجنبي «. وهو اعتراضٌ حسنٌ. الخامس: أن ينتصبَ على البدلِ من محلِّ» به «. السادس: أن ينتصِبَ على الحال مِنْ» ما «الموصولةِ. السابع: أنه حالٌ من الهاء في» به «وهو ضميرُ الموصولِ فهو كالذي قبله في المعنى، فإنْ قيل: كيف تقع الحالُ معرفةً؟ فالجوابُ أن تجعلَ» زهرةَ «منونةً نكرة، وأنما حُذِفَ التنوينُ لالتقاء الساكنين نحو: ٣٣٣٠ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا ذاكرَ اللَّهَ إلاَّ قليلا وعلى هذا: فيم جُرَّتِ الحياة؟ فقيل: على البدل مِنْ» ما «الموصولة. الثامن: أنه تمييزٌ ل» ما «أو للهاءِ في» به «قاله الفراء. وقد رَدُّوه عليه بأنه

стр. 6464

معرفةٌ، والمميِّزُ لا يكون معرفة. وهذا غيرُ لازمٍ له؛ لأنه يجوزُ تعريفُ التمييز على أصول الكوفيين. التاسع: أنه صفةٌ ل» أَزْواجاً «بالتأويلين المذكورَيْن في نصبِه حالاً. وقد منع أبو البقاء من هذا الوجهِ بكونِ الموصوفِ نكرةً، والوصفِ معرفةً، وهذا يُجابُ عنه بما أُجيب في تسويغِ نصبهِ حالاً، أعني حذفَ التنوينِ لالتقاءِ الساكنين. والعامَّةُ على تسكينِ الهاء. وقرأ الحسن وأبو البرهسم وأبو حيوةَ بفتحِها، فقيل: بمعنى، ك جَهْرَة وجَهَرَة. وأجاز الزمخشري أَنْ يكونَ جمعَ زاهر كفاجِر وفَجَرة وبارّ وبَرَرَة، وروى الأصمعي عن نافع» لنُفْتِنَهم «بضمِّ النون مِنْ أَفْتَنَه إذا أوقعه في الفتنةِ. والزَّهْرَةُ: بفتحِ الهاء وسكونِها كنَهْر ونَهَر، ما يَرُوْقُ من النَّوْر. وسِراجٌ زاهِرٌ لبريقِه، ورجلٌ أزهرُ وأمرأةٌ زهراءُ من ذلك. والأنجمُ الزهرُ هي المضيئةُ.

стр. 6465

قوله: ﴿للتقوى﴾ : أي: لأهلِ التقوى. ويؤيد هذا قولُه في موضعٍ أخرَ ﴿والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ، وقرأ ابن وثاب «نَرْزقُك» بإدغام

стр. 6466

القاف في الكاف. / والمشهورُ عنه أنه لا يدُغِمُ إلاَّ إذا كانَتِ الكافُ متصلةً بميمٍ جمعٍ نحو ﴿خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] وقد تقدم.

стр. 6467

قوله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ﴾ : قرأ نافع وأبو عمرو وحفص «تأتهم» بالتأنيثِ والباقون بالياء مِنْ تحت؛ لأنَّ التأنيثَ مجازي. وقرأ العامَّةُ «بَيِّنَةُ ما» بإضافة «بَيِّنَة» إلَى «ما» مرفوعةً وهي واضحةٌ. وقرأ أبو عمروٍ فيما رواه أبو زيدٍ بتنوينِ «بَيِّنَةٌ» مرفوعةً. وعلى هذه القراءةِ ففي «ما» أوجهٌ، أحدُها: أنها بدلٌ من «بَيِّنَةٌ» بدل كل من كل. والثاني: أن تكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: هي ما في الصحف الأولى. والثالث أَنْ تكونَ «ما» نافيةً. قال صاحب: اللوامح «:» وأُريدَ بذلك ما في القرآن من الناسخ والفصلِ ممَّا لم يكنْ في غيرِه من الكتب «. وقرأَتْ جماعةٌ» بَيِّنَةً «بالتنوين والنصب. ووجهُها أَنْ تكونَ» ما «فاعلةً، و» بَيِّنَةً «نصب على الحال، وأنَّث على معنى» ما «. ومَنْ قرأ بتاء التأنيث فحملاً على معنى» ما «، ومَنْ قرأ بياءِ الغَيْبة فعلى لفظِها. وقرأ ابنُ عباس بسكونِ الحاء.

стр. 6468

والهاءُ في «قَبْلِهِ» يجوزُ أَنْ تعودَ للرسول بدليلِ قولِه: ﴿لولا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ . وجَوَّز الزمخشري وغيرُه أَنْ تعودَ على «بَيِّنَةٍ» باعتبارِ أنها في معنى البرهان والدليل.

стр. 6469

قوله: ﴿فَنَتَّبِعَ﴾ نصبٌ بإضمار «أَنْ» في جوابِ التخصيص. وفي إعراب أبي البقاء: «في جوابِ الاستفهام» وهو سهوٌ. وقرأ ابنُ عباس وابنُ الحنفية والحسن وجماعةٌ كثيرة «نُذَلَّ ونخزى» . مبنيين للمفعول.

стр. 6470

و «مُتَرَبِّصٌ» خبرُ «كل» ، أَفرَدَ حملاً على لفظ «كل» . قوله: ﴿مَنْ أَصْحَابُ﴾ يجوز في «مَنْ» هذه وجهان، أظهرهما: أَنْ تكونَ استفهاميةً مبتدأةً، و «أصحابُ» خبره. والجملةُ في محلِّ نصبٍ سادَّة مَسَدَّ المفعولَيْن. والثاني ويعزى للفراء أن تكونَ موصولةً بمعنى الذين. و «أصحابُ» خبر مبتدأ مضمر أي: هم أصحاب، وهذا على مقتضى مذهبِهم، يحذفون مثلَ هذا العائدِ وإن لم تَطُلِ الصلةُ. ثم «عَلِمَ» يجوز أَنْ تكونَ عرفانيةً فتكتفيَ بهذا المفعولِ، وأن تكون على بابها فلا بُدَّ مِنْ تقديرِ ثانيهما. وقرأ العامَّةُ: «السَّوِيِّ» على وزن فَعيل بمعنى المُسْتَوي. وقرأ أبو مجلز وعمران بن حدير «السَّواء» بفتحِ السينِ والمدِّ، بمعنى الوسط الجيِّد. وقرأ يحيى بن يعمر والجحدري «السوءى» على فعلى باعتبار أن الصراط يُذَكَّرُ ويؤنث. وقرأ ابن عباس «السَّوْء» بفتح السين بمعنى الشرِّ.

стр. 6471

ورُوي عنهما «السوى» بضم السين وتشديد الواو. ويحتمل ذلك وجهين، أحدُهما: أَنْ يكونَ قَلَبَ الهمزةَ واواً، وأدغم الواوَ في الواو، وأَنْ يكونَ فُعْلَى من السَّواء. وأصلُه السُّوْيا فقُلِبَتِ الياءُ واواً وأُدْغم أيضاً. وكان قياسُ هذه السُّيَّا؛ لأنه متى اجتمع ياءٌ وواوٌ وسَبَقت إحداهما بالسكون قُلبت الواوُ ياءً وهنا فُعِل بالعكس. وقُرِىء «السُّوَيِّ» بضم السين وفتح الواو وتشديد الياءِ تصغيرَ «سُوْء» قاله الزمخشري. قال الشيخ: «وليس بجيدٍ إذ لو كانَ كذلك لثَبَتَتْ همزةُ» سوء «. والأجودُ أَنْ يكونَ تصغيرَ» سواء «، كقولِهم عُطَيّ في عَطاء» . قلت: وقد جعله أبو البقاء أيضاً تصغيرَ السَّوْء يعني بفتح السين. ويَرِدُ عليه ما تقدَّم إيرادُه على الزمخشريِّ، وإبدالُ مثلِ هذه الهمزةِ جائزٌ فلا إيرادَ. قوله: ﴿وَمَنِ اهتدى﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أَنْ تكونَ استفهاميةً، وحكمُها كالتي قبلها إلاَّ في حَذْفِ العائِد. الثاني: أنها في محلِّ رفعٍ على ما تقدَّم في الاستفهاميةِ. الثالث: أنها في محلِّ جرٍّ نَسَقاً على «الصراطِ» أي: وأصحابُ مَنِ اهتدى. وعلى هذين الوجهين تكونُ موصولةً، قال أبو البقاء في الوجه الثاني: «وفيه عَطْفُ الخبرِ على الاستفهام، وفيه تقويةٌ قولِ الفرَّاءِ» يعني أنه إذا جَعَلَها موصولةً كانت خبريةً.

стр. 6472

قوله: ﴿اقترب لِلنَّاسِ﴾ : اللامُ متعلقٌ ب «اقترب» . قال الزمخشري: «هذه اللامُ لا تخلُو: إمَّا أَنْ تكونَ صلةً لاقترب، أو تأكيداً لإِضافةِ الحسابِ إليهم كقولك: أَزِفَ للحَيِّ رحيلُهم الأصل: أَزِفَ رحيلُ الحيِّ، ثم أَزِفَ للحيِّ الرحيلُ، ثم أزف للحيِّ رحيلُهم، ونحوه ما أوردَه سيبويه في باب» ما يثنى فيه المستقِرُّ توكيداً «نحو:» عليك زيدٌ حريصٌ عليك «، و» فيك زيد راغب فيك «، ومنه قولهم:» لا أبا لك «لأنَّ اللاَم مؤكدةٌ لمعنى الإِضافة. وهذا الوجهُ أغربُ من الأول. قال الشيخ: /» يعني بقولِه صلةً لاقتربَ أي: متعلقةً به. وأمَّا جَعْلُه اللامَ تأكيداً لإِضافة الحسابِ إليهم مع تقدُّمِ اللامِ ودخولِها على الاسمِ الظاهرِ، فلا نعلم أحداً يقول ذلك، وأيضاً فتحتاج إلى ما تتعلَّقُ به. ولا يمكن تعلُّقها ب «حسابُهم» ؛ لأنه مصدرٌ موصولٌ، لأن قُدِّم معمولُه عليه. وأيضاً فإنَّ التوكيدَ يكونُ متأخراً عن المُؤَكَّد، وأيضاً فلو أُخِّر في هذا التركيبِ لم يَصِحَّ. وأمَّا تشبيهُه بما أورد سيبويهِ فالفرقُ واضحٌ

стр. 6473

فإنَّ «عليك» معمولٌ ل «حريصٌ» ، و «عليك» المتأخرةُ تأكيدٌ، وكذلك «فيك زيدٌ راغبٌ فيك» يتعلَّقُ «فيك» ب «راغبٌ» ، و «فيك» الثانيةُ توكيدٌ. وإنما غَرَّه في ذلك صحةُ تركيبِ حسابِ الناس، وكذلك «أَزِفَ رحيلُ الحيِّ» فاعتقدَ إذا تقدَّم الظاهرُ مجروراً باللامِ وأُضيف المصدرُ لضميرِه أنَّه من بابِ «فيك زيد راغب فيك» ، فليس مثلَه. وأمَّا «لا أبا لك» فهي مسألةٌ مشكلةٌ، وفيها خلاف، ويمكن أن يقال فيها ذلك؛ لأنَّ اللامَ فيها جاوَرَتِ الإِضافةَ، ولا يُقاس عليها لشذوذِها وخروجها عن الأقيسةِ «. قلت: مسألةُ الزمخشري أشبهُ شيءٍ بمسألةِ» لا أبا لَك «، والمعنى الذي أَوْرده صحيحٌ. وأمَّا كونُها مشكلةً فهو إنما بناها على قولِ الجمهورِ، والمُشْكِلُ مقررٌ في بابِه، فلا يَضُرُّنا القياسُ عليه لتقريرِه في مكانِه. قوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ يجوز أَنْ يكونَ الجارُّ متعلقاً بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من الضميرِ في» مُعْرِضُون «، وأن يكون خبراً للضمير، و» مُعْرِضون «خبر ثانٍ. وقولُ أبي البقاء في هذا الجارِّ» إنه خبرٌ ثانٍ «يعني في العددِ، وإلاَّ فهو أولٌ في الحقيقة. وقد يقال: لَمَّا كان في تأويلِ المفرد جُعِل المفردُ الصريحُ مقدَّماً في الرتبةِ فهو ثانٍ بهذا الاعتبارِ. وهذه الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من» للناس «.

стр. 6474

قوله: ﴿مُّحْدَثٍ﴾ : العامَّةُ على جَرِّ «من» مُحْدَثٍ «نعتاً ل» ذِكْرٍ «على اللفظِ. وقوله: ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ فيه أوجهٌ، أجودُها: أن يتعلَّقَ ب» يَِأْتيهم «وتكونُ» مِنْ «لابتداءِ الغايةِ مجازاً. والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من الضمير المستترِ في» مُحْدَثٍ «. الثالث: أن يكونَ حالاً مِنْ نفسِ» ذِكْرٍ «وإنْ

стр. 6475

كان نكرةً لأنَّه قد تَخَصَّصَ بالوصفِ ب» مُحْدَثٍ «، وهو نظيرُ» ما جاءني رجلٌ قائماً منطلقٌ «فَفَصَل بالحالِ بين الصفةِ والموصوفِ. وأيضاً فإنَّ الكلامَ نفيٌ وهو مُسَوِّغٌ لمجيء الحالِ من النكرةِ. الرابع: أَنْ يكونَ نعتاً ل» ذِكْر «فيجوزُ في محلِّه الوجهان: الجرُّ باعتبارِ اللفظِ، والرفعُ باعتبارِ المحلِّ لأنه مرفوعُ المحل إذ» مِنْ «مزيدةٌ فيه، وسيأتي. وفي جَعْلِه نعتاً ل» ذِكْرٍ «إشكالٌ من حيث إنه قد تقدَّم غيرُ الصريحِ على الصريحِ. وتقدَّم تحريرُه في المائدة. الخامس: أَنْ يتعلَّقَ بمَحذوفٍ على سبيلِ البيان. وقرِأ ابنُ أبي [عَبْلة] » مُحْدَثٌ «رفعاً نعتاً ل» ذِكْرٍ «على المحلِّ لأنَّ» مِنْ «مزيدةٌ فيه لاستكمالِ الشرطين. وقال أبو البقاء:» ولو رُفِع على موضع «مِنْ ذكْر» جاز «. كأنه لم يَطَّلِعْ عليه قراءةً. وزيدُ بنُ علي» مُحْدَثاً «نصباً على الحال مِنْ» ذِكْر «، وسَوَّغ ذلك وصفُه ب» مِنْ ربِّهم «إنْ جَعَلْناه صفةً، أو اعتمادُه على النفي. ويجوز أن يكونَ من الضمير المستتر في» مِنْ ربهم «إذا جَعَلْناه صفةً. قوله: ﴿إِلاَّ استمعوه﴾ هذه الجملةُ حالٌ من مفعول» يأتيهم «، وهو استثناءٌ مفرغٌ، و» قد «معه مضمرةٌ عند قوم. قوله: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ حالٌ مِنْ فاعل» استمعوه «.

стр. 6476

قوله: ﴿لاَهِيَةً﴾ : يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً مِنْ فاعل «اسْتَمَعوه» عند مَنْ يُجيز تعدُّدَ الحالِ فتكونَ الحالان مترادِفَتَيْنِ، وأن تكون

стр. 6477

حالاً من فاعل «يَلْعَبون» فتكونَ الحالان متداخلتين. وعَبَّر الزمخشري عن ذلك فقال: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ حالان مترادفتان أو متداخلتان «وإذا جعلناهما حالَيْنِ مترادفتين ففيه تقديمُ الحالِ غيرِ الصريحة على الصريحة، وفيه من البحثِ كما في باب النعت. و» قلوبُهم «مرفوعٌ ب» لاهِيَةً «. والعامَّةُ على نصب» لاهِيَةً «. وابنُ أبي عبلة بالرفع على أنها خبرٌ ثانٍ بقولِه» وهم «عند مَنْ يُجَوِّز ذلك، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ عند مَنْ لا يُجَوِّزه. قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ يجوزُ في محلِّ» الذين «ثلاثةُ أوجهٍ: الرفعُ والنصبُ والجرُّ. فالرفعُ مِنْ أوجهٍ، أحدها: أنه بدلٌ من واو» أَسَرُّوا «تنبيهاً على اتِّسامهم بالظلمِ الفاحش، وعزاه ابن عطية لسيبويه، وغيره للمبرد. الثاني: أنه فاعلٌ. والواوُ علامةُ جمعٍ دَلَّتْ على جمعِ الفاعل، كما تَدُلُّ التاءُ على تأنيثه، وكذلك يفعلون في التثنية فيقولون: قاما أخواك. وأنشدوا: ٣٣٣١ - يَلُوْمونني في اشتراء النَّخي ... لِ أهلي فكلُّهُمُ أَلْوَمُ وقد تقدَّمت هذه المسألة في المائدة عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ

стр. 6478

كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [الآية: ٧١] وإليه ذهب الأخفش وأبو عبيدة. وضعَّف بعضُهم هذه اللغةَ، وبعضُهم حَسَّنها ونسبها لأزد شنوءة، وقد تقدمت هذه المسألة في المائدة عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ . الثالث: أن يكونَ» الذين «مبتدأً، و» أَسَرُّوا «جملةً خبريةً قُدِّمَتْ على المبتدأ، ويُعْزَى للكسائي. الرابع: أن يكون» الذين «مرفوعاً بفعلٍ مقدرٍ فقيل تقديره: يقولُ الذين. واختاره النحاس قال:» والقول كثيراً ما يُضْمَرُ. ويَدُلُّ عليه قولُه بعد ذلك: ﴿هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ . وقيل: تقديرُه: أَسَرَّها الذين ظلموا. الخامس: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: هم الذين ظلموا. السادس: أنه مبتدأٌ. وخبرُه الجملةُ من قوله: ﴿هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ﴾ ولا بُدَّ من إضمار القولِ على هذا القول تقديرُه: الذين ظلموا يقولون: هل هذا إلاَّ بَشَرٌ، والقولُ يُضمر كثيراً. والنصبُ مِنْ وجهين، أحدُهما: الذمُّ. الثاني: إضمار أعني. والجرُّ من وجهين أيضاً: أحدهما: النعت، والثاني: البدلُ، من «للناس» ، ويعزى هذا للفراءِ وفيه بُعْدٌ.

стр. 6479

قوله: ﴿هَلْ هاذآ﴾ إلى قوله: ﴿تُبْصِرُونَ﴾ يجوز في هاتَيْن الجملتين الاستفهاميتين أَنْ يكونا في محلِّ نصب بدلاً من «النجوى» ، وأَنْ يكونا في محلِّ نصبٍ بإضمار القول. قالهما الزمخشريُّ، وأَنْ يكونا في محلِّ نصبٍ على أنهما محكيَّتان بالنجوى، لأنها في معنى القولِ. ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ جملةٌ حاليةٌ مِنْ فاعل «تَأْتُون» .

стр. 6480

قوله: ﴿قُلْ رَبِّي﴾ : قرأ الأخَوان وحفصٌ «قال» على لفظِ الخبرِ. والضميرُ للرسولِ ﵇. والباقون «قُلْ» على الأمرِ له. قوله: ﴿فِي السمآء﴾ في أوجهٌ، أحدها: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من القول. والثاني: أنه حالٌ من فاعل «يعلمُ» . وضَعَّفَه أبو البقاء، وينبغي أَنْ يمتنعَ. والثالث: أنه متعلقٌ ب «يَعْلَمُ» ، وهو قريبٌ مِمَّا قبله. وحَذْفُ متعلَّق السميع العليم للعلمِ به.
следующие страницы →