Полный текст (10 772 стр.). Показаны 7036–7075 · переход к 7041.
стр. 7036
أَكْتَتَبها» بهمزةٍ مقطوعةٍ مفتوحةٍ للاستفهام كقولِه: ﴿أفترى عَلَى الله كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: ٨] . ويمكنُ أن يُعْتَذَرَ عنه: أنه حَذَفَ الهمزةَ للعلمِ بها كقولِه تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] . وقول الآخر:
٣٤٧٣ - أَفْرَحُ أَنْ أُرْزَأَ الكرامَ وأَنْ ... أُوْرَثَ ذَوْداً شَصائِصا نَبْلا
يريدُ: أو تلك، وأَأَفْرَحُ، فُحُذِفَ لدلالةِ الحالِ، وحَقُّه أَنْ يقفَ على «الأوَّلين» . قال الزمخشري: «كيف قيل: اكْتَتَبها فهي تُمْلَى عليه، وإنما يُقال: أَمْلَيْتُ عليه فهو يكتتبها؟ قلت: فيه وجهان، أحدُهما: أراد اكتتابَها وطَلَبه فهي تُمْلَى عليه أو كُتِبَتْ له وهو أُمِّيٌّ فهي تُمْلَى عليه أي: تُلْقَى عليه مِنْ كتابٍ يَتَحفَّظُها؛ لأنَّ صورةَ الإِلقاءِ على الحافظِ كصورة الإِلقاءِ على الكاتبِ» .
وقرأ عيسى وطلحة «تُتْلَى» بتاءَيْن مِنْ فوقُ، من التلاوة. و ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ ظرفا زمان للإِملاء. والياءُ في «تملَى» بدلٌ من اللامِ كقولِه: ﴿فَلْيُمْلِلْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وقد تقدَّمَ.
стр. 7037
قوله: ﴿مَالِ هذا﴾ : «ما» استفهاميةٌ مبتدأةٌ. والجارُّ بعدَها خبرٌ. «ويَأْكل» جملةٌ حاليةٌ، وبها تَتِمُّ فائدةُ الإِخبار كقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ . وقدت تقدم في النساء أنَّ الجرِّ كُتِبَتْ مفصولةً من مجرورِها وهو خارجٌ عن قياسِ الخطِّ.
/ والعاملُ في الحالِ الاستقرارُ العاملُ في الجارِّ، أو نفسُ الجارِّ، ذكرَه أبو البقاء.
قوله: ﴿فَيَكُونَ﴾ العامَّةُ على نصبِه. وفيه وجهان، أحدُهما: نصبٌ على جوابِ التحضيضِ. والثاني قال أبو البقاء: فيكونَ منصوبٌ على جوابِ الاستفهام «وفيه نظرٌ؛ لأنَّ ما بعدَ الفاءِ لا يَتَرَتَّبُ على هذا الاستفهامِ. وشرطُ النصبِ: أن ينعقدَ منها شرطٌ وجزاءٌ. وقُرِىء» فيكونُ «بالرفعِ، وهو معطوفٌ على» أُنْزِل «. وجاز عطفُه على الماضي؛ لأنَّ المرادَ بالماضي المستقبلُ، إذ التقدير: لولا نُنَزِّلُ.
стр. 7038
قوله: ﴿أَوْ يلقى﴾ : «أو تكونُ» معطوفان على «أُنْزِلَ» لِما تقدَّم مِنْ كونِه بمعنى نُنَزِّل. ولا يجوزُ أَنْ يُعْطفا على «فيكونَ» المنصوبِ في الجواب، لأنهما مُنْدَرجان في التحضيض في حكم الواقعِ بعد «لولا» . وليس المعنى على أنهما جوابٌ للتحضيضِ فيعطفا على جوابِه. وقرأ الأعمش وقتادةُ «أو يكونُ له» بالياء من تحتُ؛ لأن تأنيثَ الجنةِ مجازيٌّ.
стр. 7039
قوله: ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ الجملةُ في موضعِ الرفعِ صفةً ل «جنةٌ» . وقرأ الأخَوان «نَأْكُلُ» بنون الجمعِ. والباقون بالياء من تحتُ أي: الرسول.
قوله: ﴿وَقَالَ الظالمون﴾ وَضَعَ الظاهرَ موضعَ المضمرِ، إذ الأصل: وقالوا. قال الزمخشري: «وأرادَ بالظالمين إياهم بأعيانهم» . قال الشيخ: «وقوله ليس تركيباً سائغاً، بل التركيبُ العربيُّ أَنْ يقولَ: أرادَهم بأعيانِهم» .
стр. 7040
قوله: ﴿جَنَّاتٍ﴾ : يجوز أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ «خيراً» ، وأَنْ يكونَ عطفَ بيانٍ عند مَنْ يُجَوِّزه في النكراتِ، وأَنْ يكونَ منصوباً بإضمارِ أعني. و ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ صفةٌ.
قوله: ﴿وَيَجْعَل لَّكَ﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر برفع «ويجعَلُ» والباقون بإدغامِ لامِ «يَجْعَلْ» في لام «لك» . وأمَّا الرفعُ ففيه وجهان، أحدُهما: أنَّه مستأنفٌ. والثاني: أنه معطوفٌ على جوابِ الشرط. قال الزمخشري: «لأنَّ الشرطَ إذا وقع ماضياً جاز في جوابِه الجزمُ، والرفعُ كقولِه:
٣٤٧٤ - وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مَسْألةٍ ... يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ
стр. 7041
قال الشيخ:» وليس هذا مذهبَ سيبويه، بل مذهبُه: أنَّ الجوابَ محذوفٌ، وأنَّ هذا المضارعَ مَنْوِيُّ به التقديمُ، ومذهبُ المبرد والكوفيين أنه جوابٌ على حَذْفِ الفاءِ. ومذهبُ آخرين: أنه جوابٌ لا على حَذْفِها، بل لمَّا كان الشرطُ ماضياً ضَعُفَ تأثيرُ «إنْ» فارتفع «. قلت: فالزمخشريُّ بنى قولَه على هذين المذهبين. ثم قال الشيخ:» وهذا التركيبُ جائزٌ فصيحٌ. وزعم بعضُ أصحابِنا أنه لا يجيءُ إلاَّ في ضرورة «.
وأمَّا القراءةُ الثانيةُ فتحتمل وجهين، أحدُهما: أنَّ سكونَ اللامِ للجزمِ عطفاً على مَحَلِّ» جَعَل «؛ لأنَّه جوابُ الشرط. والثاني: أنه مرفوعٌ، وإنما سُكِّن لأجلِ الإِدغام. قال الزمخشري وغيرُه وفيه نظرٌ؛ من حيث إنَّ مِنْ جملةِ مَنْ قرأ بذلك وهو نافعٌ والأخَوان وحفصٌ ليس مِنْ أصولِهم الإِدغامُ، حتى يدعى لهم في هذا المكانِ. نعم أبو عمرو أصلُه الإِدغامُ وهو يقرأ هنا بسكونِ اللامِ، فيُحتمل ذلك على قراءته، وهذا من محاسِنِ علمِ النحوِ والقراءاتِ معاً.
وقرأ طلحةُ بن سليمان» ويَجْعَلَ «بالنصبِ؛ وذلك بإضمارِ» أنْ «على
стр. 7042
جوابِ الشرطِ، واستضعفها ابنُ جني. ومثلُ هذه القراءة:
٣٤٧٥ - فإنْ يَهْلَكْ أبو قابوسَ يَهْلَكْ ... رَبيعُ الناسِ والبَلدُ الحرامُ
ونَأْخُذْ بعدَه بذِنابِ عيشٍ ... أَجبَّ الظهرِ ليسَ له سَنامُ
بالتثليث في» نَأْخذ «.
стр. 7043
قوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ : هذه الجملةُ الشرطيةُ في موضعِ نصبٍ صفةً ل «سَعيراً» لأنَّه مؤنَّثٌ.
قوله: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ إنْ قيل: التغيُّظُ لا يُسْمع. فالجوابُ من ثلاثةِ أوجه، أحدُها: أنه على حَذْفِ مضافٍ أي: صوتَ تغيُّظِها. والثاني: أنه على حَذْفٍ تقديرُه: سَمِعوا وَرَأَوْا تغيُّظاً وزفيراً، فيرتفع كلُّ واحدٍ إلى ما يَليقُ به أي: رَأَوْا تغيُّظاً وسَمِعوا زَفيراً. والثالث: أَنْ يُضَمَّن «سمعوا» معنىً يَشْمَلُ الشيئين أي: أَدْرَكوا لها تغَيُّظاً وزفيراً. وهذان الوجهان الأخيران منقولان من قولِه:
٣٤٧٦ - يا ليتَ زوجَك قد غَدا ... متقلِّداً سيفاً ورُمْحاً
ومن قوله:
٣٤٧٧ - فَعَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 7044
أي: ومُعْتَقِلاً رمحاً، وسَقَيْتُها ماءً، أو تضمِّنُ «مُتَقَلِّداً» معنى مُتَسَلِّحاً، و «عَلَفْتُها» معنى: أَطْعَمْتُها تِبْناً وماءً بارداً.
стр. 7045
قوله: ﴿مَكَاناً﴾ : منصوب على الظرف و «منها» في محلِّ نصبٍ على الحالِ مِنْ «مكان» لأنه في الأصل صفةٌ له. و «مُقَرَّنين» حال مِنْ مفعول «أُلْقُوا» . و «ثُبوراً» مفعول به. فيقولون: يا ثُبوراه. ويجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً من معنى «دُعُوا» وقيل: منصوبٌ بفعلٍ من لفظِه مقدرٍ تقديرُه: ثَبَرْنا ثُبوراً. وقرأ/ معاذ بن جبل «مُقَرَّنُوْنَ» بالواو. ووجهُها أَنْ تكونَ بدلاً من مفعول «أُلْقُوا» .
وقرأ عمر بن محمد «ثَبورا» بفتح الثاء. والمصادرُ التي على فَعُوْل بالفتح قليلةٌ جداً. ينبغي أن يُضَمَّ هذا إليها، وقد ذكرْتُها في البقرةِ عند قولِه ﴿وَقُودُهَا الناس﴾ [البقرة: ٢٤] .
стр. 7046
قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ : منصوبٌ على الحالِ: إمَّا مِنْ فاعل «يَشاؤون» وإمَّا مِنْ فاعل «لهم» لوقوعِه خبراً. والعائدُ على «ما» محذوفٌ أي: لهم فيها الذي يَشاؤُونه حالَ كونِهم خالدين.
قوله: ﴿كَانَ على رَبِّكَ﴾ في اسمِ كان وجهان، أحدهما: أنه ضميرُ «
стр. 7047
ما يَشاؤون» ، ذكره أبو البقاء. والثاني: أَنْ يعودَ على الوَعْدَ المفهومِ مِنْ قولِه ﴿وُعِدَ المتقون﴾ . و ﴿مَّسْئُولاً﴾ على المجازِ أي: يُسْأَلُ: هل وُفِّي بك أم لا؟ أو يَسْأله مَنْ وُعِدَ به؟ .
стр. 7048
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ : قرأ ابنُ عامر «نَحْشُرهم» ِ «فنقول» بالنون فيهما. وابنُ كثير وحفصٌ بالياء مِنْ تحت فيهما. والباقون بالنونِ في الأولِ، وبالياءِ في الثاني. وهنَّ واضحاتٌ. وقرأ الأعرج «نَحْشِرُهم» بكسر الشين في جميع القرآن. قال ابن عطية: «هي قليلةٌ في الاستعمالِ قويةٌ في القياس؛ لأنَّ يَفْعِلِ بكسرِ العين في المتعدِّي أَقْيَسُ مِنْ يَفْعُل بضمِّ العين» . وقال أبو الفضل الرازي: «وهو القياس في الأفعالِ الثلاثيةِ المتعديةِ؛ لأنَّ يَفْعُل بضهم العين قد يكونُ من اللازمِ الذي هو فَعُل بضمِّها في الماضي» . قال الشيخ: «وليس كما ذكرا، بل فِعْلُ المتعدِّي الصحيحُ جميعُ حروفِه، إذا لم يكن للمغالبةِ ولا حلقيَّ عينٍ ولا لامٍ فإنه جاء على يَفْعِل ويَفْعُل
стр. 7049
كثيراً. فإنْ شُهرِ أحدُ الاستعمالين اتُّبعَ، وإلاَّ فالخيارُ. حتى إنَّ بعضَ أصحابِنا خَيَّر فيهما: سُمِعا للكلمة أو لم يُسْمَعا» . قلت: الذي خَيَّرَ في ذلك هو ابنُ عصفور فيُجيزُ أَنْ تقولَ: «زيد يَفْعِل» بكسرِ العينِ، و «يَضْرُب» [بضمِّ] الراءِ مع سماعِ الضمِّ في الأول والكسرِ في الثاني. وسبَقَه إلى ذلك ابنُ درستويهِ، إلاَّ أنَّ النحاةَ على خلافِه.
قوله: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ عطفٌ على مَفْعولِ «نَحْشُرهم» ويَضْعُفُ نصبُه على المعيَّة. وغَلَّب غيرَ العاقلِ فأتى ب «ما» دونَ «مَنْ» .
قوله: ﴿هَؤُلاَءِ﴾ يجوزُ أن يكونَ نعتاً لعِبادي، أو بدلاً، أو بياناً.
قوله: ﴿ضَلُّوا السبيل﴾ على حَذْفِ الجرِّ وهو «عن» ، كما صَرَّح به في قوله ﴿يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١١٧] ثم اتُّسِع فيه فَحُذِف نحو: «هَدَى» ، فإنه يتعدَّى ب «إلى» ، وقد يُحْذَفُ اتِّساعاً. و «ظَلَّ» مطاوعُ أَضَلَّ.
стр. 7050
قوله: ﴿يَنبَغِي﴾ : العامَّةُ على بنائِه للفاعل. وأبو عيسى الأسودُ القارىء «ينبغى» مبنياً للمفعولِ. قال ابنُ خالويه: «
стр. 7051
زعم سيبويه أن ينبغى لغة» .
قوله: ﴿أَن نَّتَّخِذَ﴾ فاعلُ «ينبغي» أو مفعولٌ قائمٌ مقامَ الفاعلِ في قراءةِ الأسود. وقرأ العامَّةُ «نَتَّخِذَ» مبنياً للفاعل. و «من أولياء» مفعولُه، وزِيْدَتْ فيه «مِنْ» . ويجوز أن يكونَ مفعولاً أولَ على أنَّ «اتَّخَذَ» متعديةٌ لاثنين، ويجوز أَنْ لا تكون المتعديةَ لاثنين بل لواحدٍ، فعلى هذا «مِنْ دونِك» متعلِّقٌ بالاتِّخاذ، أو بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِنْ «أولياء» .
وقرأ أبو الدَّرْداء وزيد بن ثابت وأبو رجاء والحسن وأبو جعفر في آخرين «نُتَّخَذَ» مبنيَّاً للمفعول. وفيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّها المتعديةُ لاثنينِ، والأولُ همز ضمير المتكلمين. والثاني: قولُه: «مِنْ أولياء» و «مِنْ» للتبعيضِ أي: ما كان ينبغي أَنْ نَتَّخِذَ بعضَ أولياء، قاله الزمخشري. الثاني: أنَّ «مِنْ أولياء» هو المفعولُ الثاني ايضاً، إلاَّ أنَّ «مِنْ» مزيدةٌ في المفعولِ الثاني. وهذا مردودٌ: بأنَّ «مِنْ» لا تُزاد في المفعول الثاني، إنما تُزاد في الأولِ. قال ابن عطية: «ويُضْعِفُ هذه القراءةَ دخولُ» مِنْ «في قوله:» مِنْ أولياء «. اعتَرَض بذلك سعيدُ بن جبير وغيرُه» . الثالث: أَنْ يكونَ «مِنْ أولياء» في موضعِ الحالِ. قاله ابن جني إلاَّ أنه قال: «ودَخَلَتْ» مِنْ «زيادةً لمكانِ النفيِ المتقدم، كقولك: ما اتَّخذت زيداً مِنْ وكيل» . قلت: فظاهرُ هذا أنه جَعَلَ
стр. 7052
الجارَّ والمجرورَ في موضعِ الحالِ، وحينئذٍ يَسْتحيلُ أَنْ تكونَ «مِنْ» مزيدةً، ولكنه يريدُ أنَّ هذا المجرورَ هو الحالُ نفسُه و «مِنْ» مزيدةٌ فيه، إلاَّ أنه لا تُحفظ زيادةُ «مِنْ» في الحالِ وإنْ كانَتْ منفيةً، وإنما حُفِظ زيادةُ الباءِ فيها على خلافٍ في ذلك.
وقوله: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ﴾ ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا﴾ إنما قَدَّم الاسمَ على الفعل لمعنىً ذكرْتُه في قولِه تعالى: ﴿أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦] .
وقرأ الحَجَّاج «نتخذ مِنْ دونِك [أولياءَ] » فبلغ عاصماً فقال: «مُقِتَ المُخْدِجُ. أَوَ عَلِم أنَّ فيها» مِنْ «؟
قوله: ﴿ولكن مَّتَّعْتَهُمْ﴾ لَمَّا تََضَمَّن كلامُهم أنَّا لم نُضِلَّهم، ولم نَحْمِلْهم على الضلالِ، حَسُن هذا الاستدراكُ وهو أَنْ ذَكَرُوا سبَبَه أي: أَنْعَمْتَ عليهم وتَفَضَّلْتَ فَجَعَلوا ذلك ذَرِيْعةً إلى ضلالهم عكسَ القضية.
قوله: ﴿بُوراً﴾ يجوز فيه وجهان أحدُهما: أنه جمعُ بائرِ كعائذِ وعُوذ. والثاني: أنه مصدرٌ في الأصلِ، فَيَسْتوي فيه المفردُ والمثنى والمجموعُ والمذكرُ والمؤنثُ. وهو مِنْ البَوارِ وهو الهَلاكُ. وقيل: من الفسادِ. وهي لغةٌ للأزد يقولون: / بارَتْ بضاعتُه أي: فَسَدَتْ. وأمرٌ بائِرٌ أي: فاسدٌ. وهذا
стр. 7053
معنى قولِهم:» كَسَدَتِ البضاعةُ «. وقال الحسن:» وهو مِنْ قولِهم: أرضُ بُوْرٌ أي: لا نباتَ بها. وهذا يَرْجعُ إلى معنى الهلاكِ والفساد «.
стр. 7054
قوله: ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ : هذه الجملةُ من كلامِ اللهِ تعالى اتفاقاً، فهي على إضمارِ القولِ والالتفاتِ. قال الزمخشري: «هذه المفاجأةُ بالاحتجاجِ والإِلزامِ حسنةٌ رائعةٌ، وخاصةً إذا انضمَّ إليها الالتفاتُ وحَذْفُ القولِ. ونحُوها قولُه ﴿يَا أَهْلَ الكتاب قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل أَن تَقُولُواْ مَا جَآءَنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ [المائدة: ١٩] وقولُ القائل:
٣٤٧٨ - قالوا خُراسانُ أَقْصى ما يُرادُ بنا ... ثم القُفُوْلُ فقد جِئْنا خُرسانا
انتهى. يريد: أن الأصلَ في الآيةِ الكريمة: فقُلْنا: قد كَذَّبوكم، وفي البيت فقلنا: قد جِئْنا. والخطابُ في» كَذَّبوكم «للكفارِ، فالمعنى: فقد كَذَّبكم المعبودون بما تقولون مِنْ أنَّهم أَضَلُّوكم. وقيل: المعنى: فقد كَذَّبوكم فيما تقولون من الافتراءِ عليهم أنَّهم أَضَلُّوكم وقيل: هو خطابٌ للمؤمنين في الدنيا أي: فقد كَذَّبكم أيَّها المؤمنون الكفارَ بما تقولون من التوحيدِ في الدنيا.
وقرأ أبو حيوة وقنبل في رواية ابن أبي الصلت عنه بالياءِ مِنْ تحتُ
стр. 7055
أي: فقد كَذَّبكم الآلهةُ بما يقولون ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ إلى آخِرِه. وقيل: المعنى: فقد كَذَّبكم أيها المؤمنونَ الكفَّارُ بما يقولون من الافتراءِ عليكم.
قوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ قرأ حفص بتاءِ الخطاب والمرادُ عبادُها. والباقون بياءِ الغَيْبة. والمرادُ الآلهةُ التي كانوا يعبُدونها مِنْ عاقلٍ وغيرِه؛ ولذلك غَلَّب العاقَل فجيْءَ بواوِ الضميرِ.
قوله: ﴿نُذِقْهُ﴾ العامَّةُ بنونِ العظمةِ، وقرىء بالياءِ وفي الفاعلِ وجهان، أظهرهُما: أنَّه اللهُ تعالى لدلالةِ قراءةِ العامَّةِ على ذلك. والثاني: أنه ضميرُ الظلمِ المفهومِ من الفعل. وفيه تَجَوُّزُ بإسناد إذاقةِ العذابِ إلى سببِها وهو الظلمُ.
стр. 7056
قوله: ﴿إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ﴾ : في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها في محلِّ نصبٍ صفةً لمفعولٍ محذوفٍ، فقدِّره الزمخشريُّ تابعاً للزجَّاج: «وما أَرْسَلْنا قبلَك أحداً من المرسلين إلاَّ آكلين وماشِين» وإنما حُذِف لمكانِ الجارِّ بعدَه. وقَدَّره ابنُ عطية: «رجالاً أو رُسُلاً» . والضميرُ في «إنهم» وما بعدَه عائدٌ على هذا الموصوفِ المحذوفِ. والثاني: أنه لا محلَّ لها من الإِعرابِ، وإنما هي صلةٌ لموصولٍ محذوفٍ هو المفعولُ لأَرْسَلْنا، تقديرُه: إلاَّ مَنْ إنهم، فالضميرُ في «إنهم» وما بعدَه عائدٌ
стр. 7057
على معنى «مَنْ» المقدرةِ، وإليه ذهب الفراء. وهو مردودٌ: بأنَّ حَذْفَ الموصولِ لا يجوزُ إلاَّ في مواضعَ تَقَدَّم التنبيهُ عليها في البقرةِ. الثالث: أنَّ الجملةَ محلُّها النصبُ على الحالِ. وإليه ذهب أبو بكر بن الأنباري. قال: التقديرُ: إلاَّ وإنهم، يعني أنَّها حاليةٌ، فقدَّر معها الواوَ بياناً للحالية. ورُدَّ: بكونِ ما بعدَ «إلاَّ» صفةً لِما قبلَها. وقدَّره أبو البقاء أيضاً.
والعامَّةُ على كسرِ «إنَّ» لوجودِ اللامِ في خبرِها، ولكونِ الجملةِ حالاً على الراجحِ. قال أبو البقاء: «وقيل: لو لم تكنِ اللامُ لكُسِرَتْ أيضاً؛ لأنَّ الجملةَ حاليةٌ، إذ المعنى: إلاَّ وهم [يأْكلون» ] . وقُرِىء «أنهم» بالفتح على زيادةِ اللامِ، و «أَنْ» مصدريةٌ. التقدير: إلاَّ لأنَّهم. أي: ما جَعَلْناهم رسلاً إلى الناسِ إلاَّ لكونِهم مِثْلَهم.
وقرأ العامَّةُ «يَمْشُوْن» خفيفةً. وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعبد الله «يُمَشَّوْن» مشدَّداً مبنياً للمفعولِ. أي: تُمَشِّيهم حوائجُهم أو الناسُ. وقرأ [أبو] عبد الرحمن «يُمَشُّون» بالتشديدِ مبنياً للفاعل، وهي بمعنى «يَمْشُون» . قال الشاعر:
٣٤٧٩ - ومشى بأعطانِ المَبَأءَةِ وابتغى ... قلائِصَ مِنْها صَعْبَةٌ ورَكُوْبُ
стр. 7058
قال الزمخشري: «ولو قُرِىء» يُمَشُّون «لكان أوجهَ، لولا الروايةُ» يعني بالتشديد. قلت: قد قرأ بها السُّلَمِيُّ ولله الحمد.
قوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ المعادِلُ محذوفٌ أي: أم لا تصبرون. وهذه الجملةُ الاستفهاميةُ قال الزمخشري: «موقعُها بعد الفتنةِ موقع» أيُّكم «بعد الابتلاءِ في قولهِ ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ﴾ [الملك: ٢] يعني أنها معلَّقةٌ لِما فيها مِنْ معنى فِعْلِ القلبِ، فتكونُ منصوبةَ المحلِّ على إسقاطِ الخافضِ.
стр. 7059
قوله: ﴿عُتُوّاً﴾ : مصدرٌ. وقد صَحَّ هنا، وهو الأكثرُ، وأُعِلَّ في سورة مريم في ﴿عِتِيّاً﴾ [الآية: ٨] لمناسبةٍ ذُكِرَتْ هناك وهي تواخي رؤوسِ الفواصلِ.
стр. 7060
قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه منصوبٌ بإضمار فعلٍ يَدُلُّ عليه قوله: «لا بشرى» أي: يُمْنعون البشرى يومَ يَرَوْن. الثاني: أنه منصوبٌ باذْكُرْ، فيكونُ مفعولاً به. الثالث: أنه منصوبٌ ب «يُعَذَّبون» مقدَّراً. ولا يجوز أَنْ يعملَ فيه نفسُ البشرى/ لوجهين، أحدهما: أنها مصدرٌ، والمصدرُ لا يعملُ فيما قبله. والثاني: أنها منفيةٌ ب «لا» ، وما بعدَها لا يَعْمل فيما قبلَها.
قوله: ﴿لاَ بشرى﴾ هذه الجملةُ معمولةٌ لقولٍ مضمرٍ أي: يَرَوْنَ الملائكةَ يقولون: لا بشرى، فالقولُ حالٌ من الملائكة. وهو نظيرُ التقديرِ في قولِه
стр. 7061
تعالى: ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣] . قال الشيخ: «واحْتَمَلَ» بُشْرَى «أَنْ يكونَ مبنياً مع» لا «، واحْتَمَل أن يكونَ في نيةِ التنوينِ منصوبَ اللفظِ، ومُنِع من الصرفِ للتأنيثِ اللازمِ. فإنْ كان مبنياً مع» لا «احْتَمَلَ أَنْ يكونَ» يومئذٍ «خبراً، و» للمجرمين «خبرٌ بعد خبرٍ، أو نعتاً ل» بشرى «، أو متعلقاً بما تَعَلَّق به الخبرُ، وأَنْ يكونَ» يومئذٍ «صفةً ل» بُشْرَى «، والخبرُ» للمجرمين «ويجيءُ خلافُ سيبويهِ والأخفشِ: هل الخبرُ لنفسِ لا، أو الخبرُ للمبتدأ الذي هو مجموعُ» لا «وما بُني معها؟ وإن كان في نيةِ التنوينِ وهو معربٌ جاز أن يكونَ» يومئذٍ «و» للمجرمين «. خبرين، وجاز أَنْ يكونَ» يومئذٍ «خبراً و» للمجرمين «صفةً. والخبرُ إذا كان الاسمُ ليس مبنيَّاً لنفسِ» لا «بإجماع» .
قلت: قوله: «واحْتَمَلَ أَنْ يكونَ في نيةِ التنوينِ» إلى آخره لا يتأتى إلاَّ على قولِ أبي إسحاقَ. وهو أنَّه يرى أنَّ اسمَ «لا» النافيةِ للجنسِ معربٌ، ويَعْتَذِرُ عن حذفِ التنوينِ بكثرةِ الاستعمالِ، ويَسْتَدِلُّ عليه بالرجوعِ إليه في الضرورةِ. ويُنشِد:
٣٤٨٠ - أَلا رجلاً جزاهُ اللهُ خيراً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 7062
ويتأَوَّلُه البصريون على إضمار: ألا تَرَوْنَني رجلاً. وكان يمكنُ الشيخُ أنْ يجعلَه معرباً كما ادَّعى بطريق أخرى: وهي أن يَجْعَلَ «بشرَى» عاملةً في «يومَئذٍ» أو في «للمجرمين» فيصيرُ من قبيلِ المُطَوَّل، والمُطوَّلُ معربٌ، لكنه لم يُلِمَّ بذلك. وسيأتي شيءٌ من هذا في كلام أبي البقاء ﵀. ويجوز أَن يكونَ «بُشرى» معرباً منصوباً بطريقٍ أخرى. وهي أن تكونَ منصوبةً بفعلٍ مقدرٍ أي: لا يُبَشَّرون بشرى كقولِه تعالى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾ [ص: ٥٩] ، «لا أهلا ولا سهلاً» . إلاَّ أنَّ كلامَ الشيخِ لا يمكنُ تنزيلهُ على هذا لقولهِ: «جاز أَنْ يكونَ» يومَئذٍ «و» للمجرمين «خبرين» فقد حكمَ أنَّ لها خبراً.
وإذا جُعِلَتْ منصوبةً بفعلٍ مقدرٍ لا يكون ل «لا» حينئذٍ خبرٌ، لأنها داخلةٌ على ذلك الفعلِ المقدرِ. وهذا موضعٌ حَسَنٌ فتأمَّلْه.
قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ قد تقدَّم من «يومئذٍ» أوجهٌ. وجَوَّز أبو البقاء أَنْ يكونَ منصوباً ب «بشرى» قال: «إذا قَدَّرْتَ أنها منونةٌ غيرُ مبنيةٍ مع» لا «ويكونُ الخبرُ» للمجرمين «.
وجَوَّز أيضاً هو والزمخشريُّ أَنْ يكونَ» يومئذٍ «تكريراً ل» يومَ يَرَوْن «. ورَدَّه الشيخ سواءً أُريد بالتكريرِ التوكيدُ اللفظيُّ أم أريد به البدلُ قال:» لأنَّ
стр. 7063
يومَ منصوبٌ بما تقدَّم ذِكْرُه مِنْ «اذْكُر» ، أو مِنْ يَعْدِمون البشرى. وما بعد «لا» العاملةِ في الاسمِ لا يَعْمَل فيه ما قبلَها. وعلى تقدير ما ذكراه يكون العاملُ فيه ما قبل لا «. قلت: وما رُدَّ به ليس بظاهرٍ؛ وذلك لأنَّ الجملةَ المنفيَّةَ معمولةٌ للقولِ المضمرِ الواقعِ حالاً مِنَ» الملائكة «، والملائكةُ معمولةٌ ل» يَرَوْن «، ويَرَوْن معمولٌ ل» يوم «خفضاً بالإِضافة، ف» لا «وما في حَيِّزها مِنْ تتمةِ الظرفِ الأولِ من حيث إنَّها معمولةٌ لبعضِ ما في حَيِّزِه فليسَتْ بأجنبيةٍ ولا مانعةٍ مِنْ أَنْ يعملَ ما قبلَها فيما بعدَها. والعجبُ له كيف تَخَيَّلَ هذا، وغَفَلَ عَمَّا قُلْتُه فإنه واضحٌ مع التأمُّل؟
و» للمُجْرمين «مِنْ وَضْعِ الظاهرِ مَوْضِعَ المضمرِ شهادةً عليهم بذلك. والضميرُ في» يقولون «يجوزُ عَوْدُه للكفارِ و» للملائكة «.
و» حِجْراً «من المصادرِ المُلْتَزَمِ إضمارُ ناصبها، ولا يُتَصَرَّف فيه. قال سيبويه:» ويقولُ الرجلُ للرجل: أَتفعل كذا؟ فيقول: حِجراً «. وهي مِنْ حَجَره إذا مَنَعَه؛ لأن المستعيذَ طالبٌ من اللهِ أن يمنعَ المكروهَ لا يَلْحَقُه. وكأن المعنى: أسأل اللهَ أَنْ يمنعَه مَنْعاً ويَحْجُرَه حَجْراً.
والعامَّةُ على كسرِ الحاء. والضحاك والحسن وأبو رجاء على ضَمِّها وهو لغةٌ فيه. قال الزمخشري:» ومجيئُه على فِعْل أو فُعْل في قراءةِ الحسنِ تَصَرُّفٌ فيه لاختصاصِه بموضعٍ واحد، كما كان قَعْدَك وعَمْرك كذلك.
стр. 7064
وأنشدتُ لبعض الرُجاز:
٣٤٨١ - قالَتْ وفيها حَيْدَةٌ وذُعْرُ ... عَوْذٌ بربِّي منكُمُ وحُجْرُ
وهذا الذي أنشده الزمخشريُّ يقتضي تَصَرُّفَ «حجراً» وقد تقدَّم نصُّ سيبويهِ على أنَّه يلزمُ النصبَ. وحكى أبو البقاءِ فيه لغةً ثالثةً وهي الفتحُ. قال: «وقد قُرِىء بها» . فَعَلى هذا كَمَلَ فيه ثلاثُ لغاتٍ مقروءٌ بهنَّ.
ومَحْجُوْراً صفةٌ مؤكَّدةٌ للمعنى كقولهم: ذَيْل ذائِل، ومَوْت مائتِ. والحِجْر: العقلُ لأنه يمنعُ صاحبَه.
стр. 7065
قوله: ﴿هَبَآءً﴾ : الهَباءُ والهَبْوَة: الترابُ الدقيق قاله ابن عرفة. قال الجوهري: «يُقال منه: هبا يَهْبو إذا ارتفع وَأَهْبَيْتُه أنا إهْباءً» . وقال الخليل والزجَّاج: «هو مثلُ الغبارِ الداخلِ في الكُوَّة يتراءَى مع ضوءِ الشمس» . وقيل: الهَباء ما تطايَرَ مِنْ شَرَرِ النارِ إذا أُضْرِمَتْ. والواحدةُ هَباءة على حَدّ تَمْر وتمرة. ومَنْثوراً أي مُفَرَّقاً، نَثَرْتُ الشيء: فَرَّقْتُه. والنَّثْرَة:
стр. 7066
لنجومٍ متفرقة. والنَّثْرُ: الكلامُ غيرُ المنظوم على المقابلةِ بالشعرِ. وفائدةُ الوصفِ به أنَّ الهباءَ تراه منتظماً مع الضوء/ فإذا حَرَّكْتُه تَفَرَّقَ فجِيِْءَ بهذه الصفةِ لتفيدَ ذلك. وقال الزمخشري: «أو مفعولٌ ثالثٌ لجَعَلْناه أي: فَجَعَلْناه جامِعاً لحقارةِ الهَباء والتناثُرِ كقوله تعالى: ﴿كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥] أي: جامعين للمَسْخِ والخَسْءِ» . قال الشيخ: «وخالَفَ ابنُ درستويه، فخالف النحويين في مَنْعِه أن يكونَ لكان خبران وأزيدُ، وقياسُ قولِه في» جَعَلَ «أَنْ يمنعَ أن يكونَ لها خبرٌ ثالث» . قلت: مقصودُه أنَّ كلامَ الزمخشريِّ مردودٌ قياساً على ما مَنَعَه ابنُ درستويه مِنْ تعديدِ خبر «كان» .
стр. 7067
قوله: ﴿خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ﴾ : في أفْعَل هنا قولان، أحدُهما: أنها على بابِها من التفضيل. والمعنى: أنَّ المؤمنين خيرٌ في الآخرة مستقراً مِنْ مستقرِّ الكفارِ، وأحسنُ مقيلاً مِنْ مَقِيلهم، لو فُرِض أَنْ يكونَ لهم ذلك، أو على أنهم خيرٌ في الآخرةِ منهم في الدنيا. والثاني: أَنْ تكونَ لمجردِ الوصفِ مِنْ غيرِ مفاضلةٍ.
стр. 7068
قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ : العاملُ في «يومَ» : إمَّا اذْكُرْ، وإمَّا: ينفردُ اللهُ بالمُلْك يومَ تَشَقَّقُ، لدلالة قوله: ﴿الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن﴾ [الفرقان: ٢٦] عليه.
وقرأ الكوفيون وأبو عمرو هنا وفي ق «تَشَقَّق» بالتخفيف. والباقون
стр. 7069
بالتشديدِ. وهما واضحتان. حَذَفَ الأَوَّلون تاءَ المضارعةِ، أو تاءَ التَّفَعُّلِ، على خلافٍ في ذلك. والباقون أَدْغموا تاء التَفَعُّل في الشين لِما بينهما من المقاربَةِ، وهما «كَتَظَاهَرون وتَظَّاهرون» حَذْفاً وإدغاماً. وقد مضى في البقرة.
قوله: ﴿بالغمام﴾ في هذه الباء ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: على السببيَّة أي: بسببِ الغَمام، يعني بسببِ طُلوعِه منها. ونحو ﴿السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨] كأنَّه الذي تَنْشَقُّ به السماءُ. الثاني: أنها للحالِ أي: ملتبسَةً بالغَمام. الثالث: أنها بمعنى عَنْ أي: عن الغمامِ كقوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأرض عَنْهُمْ﴾ [ق: ٤٤] .
قوله: ﴿وَنُزِّلَ الملائكة﴾ فيها اثنتا عشرة قراءة: ثِنْتان في المتواتِر، وعشرٌ في الشاذ. فقرأ ابن كثير من السبعة «ونُنْزِلُ» بنونِ مضمومةٍ ثم أُخْرى ساكنةٍ وزايٍ خفيفةٍ مكسورةٍ مضارعَ «أَنْزَلَ» ، و «الملائكةَ بالنصبِ مفعولٌ به. وكان من حَقِّ المصدرِ أَنْ يجيءَ بعد هذه القراءةِ على إنْزال. قال أبو علي:» لَمَّا كان أَنْزَل ونَزَّل يَجْريان مَجْرىً واحِداً، أجرى مصدرَ أحدِهما على مصدرِ الآخر: وأنشدَ:
٣٤٨٢ - وقد تَطَوَّيْتُ انْطِواءَ الحِضْبِ ...
стр. 7070
لأنَّ تَطَوَّيْتُ وانْطَوَيْتُ بمعنىً «. قلت: ومثلُه ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨] أي: تَبَتُّلاً. وقرأ الباقون من السبعةِ» ونُزِّل «بضمِّ النون وكسرِ الزاي المشدَّدةِ وفتحِ اللامِ، ماضياً مبنياً للمفعول.» الملائكةُ «بالرفعِ لقيامةِ مقامَ الفاعلِ. وهي موافقةٌ لمصدرِها.
وقرأ ابن مسعود وأبو رجاء» ونَزَّلَ «بالتشديد ماضياً مبنياً للفاعلِ، وهو الله تعالى،» الملائكةَ «مفعولٌ به. وعنه أيضاً» وأَنْزَل «مبنياً للفاعلِ عَدَّاه بالتضعيفِ مرةً، وبالهمزة أخرى. والاعتذارُ عن مجيء مصدرِه على التفعيلِ كالاعتذارِ عن ابنِ كثير. وعنه أيضاً» وأُنْزِل «مبنياً للمفعولِ.
وقرأ هارون عن أبي عمرٍو» وتُنَزِّل الملائكةُ «بالتاء من فوق وتشديدِ الزايِ ورفعِ اللام مضارعاً مبنياً للفاعل،» الملائكةُ «بالرفعِ، مضارعَ نَزَّل بالتشديد، وعلى هذه القراءةِ فالمفعولُ محذوفٌ أي: وتُنَزِّل الملائكةُ ما أُمِرَتْ أَنْ تُنَزِّلَه.
وقرأ الخَفَّاف عنه، وجناح بن حبيش» ونَزَل «مخففاً مبنياً للفاعلِ» الملائكةُ «بالرفع. وخارجة عن أبي عمرٍو أيضاً وأبو معاذ» ونُزِّلُ «بضم النون وتشديدِ الزاي ونصب» الملائكةَ «. والأصل: ونُنَزِّلُ بنونين حُذِفَتْ إحداهما.
وقرأ أبو عمرٍو وابنُ كثير في روايةٍ عنهما بهذا الأصلِ» ونُنَزِّل «بنونين وتشديدِ الزايِ. وقرأ أُبَيُّ و» نُزِّلَتْ «بالتشديدِ مبنياً للمفعولِ. و» تَنَزَّلَتْ «بزيادةِ تاءٍ في أولهِ، وتاءِ التأنيث فيهما.
стр. 7071
وقرأ أبو عمرٍو في طريقةِ الخَفَّاف عنه «ونُزِلَ» بضمِّ النون وكسرِ الزايِ خفيفةَ مبنياً للمفعول، قال صاحب اللوامح: «فإنْ صَحَّتِ القراءةُ فإنَّه حُذِفَ منها المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه، تقديره: ونُزِل نزولُ الملائكةِ، فحُذِفَ النزولُ، ونُقِل إعرابُه إلى الملائكة. بمعنى: نُزِل نازلُ الملائكةِ؛ لأنَّ المصدرَ يجيءُ بمعنى الاسمِ. وهذا ممَّا يجيءُّ على مذهب سيبويهِ/ في ترتيب بناءِ اللازمِ للمفعولِ به؛ لأنَّ الفعلَ يَدُلُّ على مصدره» ، قلت: وهذا تَمَحُّلٌ كثيرٌ دَعَتْ إليه ضرورةُ الصناعةِ، وقال ابن جني: «وهذا غيرُ معروفٍ؛ لأنَّ نَزَلَ لا يتعدى إلى مفعولٍ فيبنى هنا للملائكة. ووجهُه: أَْنْ يكونَ مثل: زُكِم الرجلُ وجُنَّ، فإنه لا يُقال: إلاَّ: أَزْكمه وأَجَنَّه الله، وهذا بابُ سماعٍ لا قياسٍ» . قلت: ونظيرُ هذه القراءة ما تقدَّم في سورة الكهفِ في قراءةِ مَنْ قرأ ﴿فَلاَ يقوم له يَوْمَ القيامة وَزْناً﴾ [الآية: ١٠٥] بنصب «وَزْناً» من حيث تَعْدِيَةُ القاصرِ وتَقَدَّم ما فيها.
стр. 7072
قوله: ﴿الملك يَوْمَئِذٍ﴾ : فيه ِأوجهٌ، أحدها: أن يكونَ «المُلْكُ» مبتدأً، والخبر: «الحق» ، و «يومئذٍ» متعلِّقٌ بالمُلْك. و «للرحمن» متعلقٌ بالحق، أو بمحذوفٍ على التبيين، أو بمحذوفٍ على أنه صفةٌ للحق. الثاني: أنَّ الخبرَ «يومئذٍ» ، و «الحقُّ» نعتٌ للمُلْك. و «للرحمن» على ما تقدَّم. الثالث: أنَّ الخبرَ «للرحمن» و «يومئذٍ» متعلقٌ بالمُلْك، و «الحقُّ» نعتٌ للمُلك.
стр. 7073
قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ﴾ : معمولٌ لمحذوفٍ، أو معطوفٌ على «يومَ تَشَقَّقُ» . و «يَعَضُّ» مضارعُ عَضَّ، ووزنُه فَعِل بكسرِ العينِ، بدليلِ
стр. 7074
قولِهم: عَضِضْتُ أَعَضُّ، وحكى الكسائيُّ فتحَها في الماضي، فعلى هذا يُقال: أَعِضُّ بالكسر في المضارع. والعَضُّ هنا كنايةٌ عن شدَّةِ اللزومِ. ومثله: حَرَقَ نابَه، قال:
٣٤٨٣ - أبى الضَّيْمَ والنُّعمانُ يَحْرِقُ نابَه ... عليه فأفضى والسيوفُ مَعاقِلُهْ
وهذه الكنايةُ أبلغُ من تصريحِ المكنى عنه. وأَلْ في «الظالم» تحتملُ العهدَ، والجنسَ، على حَسَبِ الخلافِ في ذلك.
قوله: ﴿يَقُولُ﴾ هذه الجملةُ حال مِنْ فاعل «يَعَضُّ» . وجملةُ التمنِّي بعد القولِ مَحْكيَّةٌ به. وتقدَّم الكلامُ في مباشرة «يا» ل «ليت» في النساء.
وفلانٌ كنايةٌ عن عَلَمِ مَنْ يَعْقِل وهو منصرفٌ، وفُلُ كنايةٌ عن نكرةِ مَنْ يَعْقِل من الذكور، وفُلَةُ عَمَّن يَعْقِلُ من الإِناثِ، والفلانُ والفلانةُ بالألف واللام عن غير العاقلِ. ويختصُّ فُلُ وفُلَةُ بالنداءِ إلاَّ في ضرورةٍ كقوله:
٣٤٨٤ - في لَجَّةٍ أَمْسِكْ فُلاناً عن فُلِ ... وليس «فُلُ» مُرَخَّماً من فلان خلافاً للفراء، وزعم الشيخ أنَّ
стр. 7075
ابنَ عصفورِ وابنَ مالك وابن العلج وَهِمُوا في جَعْلهم «فُلُ» كنايةً عن عَلَم مَنْ يَعْقِلُ كفُلان. ولامُ فُل وفلان فيها وجهان، أحدهما: أنها واوٌ. والثاني: أنها ياءٌ، وقرأ الحسن «يا ويلتي» بكسرِ التاء وياءٍ صريحةٍ بعدها، وهي الأصلُ، وقرأ الدُّوريُّ بالإِمالة، قال أبو عليّ: «وتَرْكُ الإِمالةِ أحسنُ؛ لأنَّ أصلَ هذه اللفظةِ الياءُ، فبُدِّلت الكسرةُ فتحةً، والياءُ ألفاً؛ فِراراً من الياءِ. فَمَنْ أمال رَجَعَ إلى الذي منه فَرَّ أولاً» قلت: وهذا منقوضٌ بنحو «باع» فإنَّ أصلَه الياءُ ومع ذلك أمالوا، وقد أمالُوا ﴿يا حسرتى عَلَى مَا فَرَّطَتُ﴾ [الزمر: ٥٦] و ﴿يَا أَسَفَى﴾ [يوسف: ٨٤] وهما ك «يا ويلتى» في كونِ ألفِهما عن ياءِ المتكلم.
следующие страницы →