Полный текст (10 772 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وقال ابنُ عطية:» وقَدَّم المفعولَ للاهتمامِ بمَنْ وَقَع الابتلاءُ [به] ، إذ معلومٌ أنَّ اللهَ هو المبتلي، واتصالُ ضميرِ المفعولِ بالفاعلِ موجِبٌ للتقديم «يعني أنَّ الموجِبَ للتقديمِ سببان: سببٌ معنويٌّ وسببٌ صناعي.
و» إبراهيم «عَلَمٌ أَعْجَمي، قيل: معناه قبل النقلِ: أبٌ رحيمٌ، وفيه لغاتٌ تسعٌ، أشهرُها: إبراهيم بألف وياء، وإبراهام بألِفَيْن، وبها قرأ هشام وابنُ ذكوان في أحدِ وَجْهَيْهِ في البقرةِ، وانفرَدَ هشام بها في ثلاثةِ مواضعَ من آخرِ النساءِ وموضِعَيْنِ في آخرِ بَراءة وموضعٍ في آخرِ الأنعام وآخرِ العنكبوت، وفي النجم والشورى والذاريات والحديد والأول من الممتحنة، وفي إبراهيم وفي النحل موضعين وفي مريم ثلاثة، فهذه ثلاثة وثلاثون موضعاً منها خمسةَ عشرَ في البقرة وثمانيةَ عشرَ في السور المذكور. ورُوي عن ابن عامر قراءة جميع ما في القرآن كذلك. ويروى أنه قيل لمالكِ بنِ أنس: إنَّ أهلَ الشامِ يقرؤون ستةً وثلاثين موضعاً: إبراهام بالألف، فقال: أهلُ دمشقِ بأكل البطيخ أبصرُ منهم بالقرآءة. فقيل: إنَّهم يَدَّعون أنها قراءةُ عثمانَ، فقال: هذا مصحفُ عثمانَ فَأَخْرجه فوجَدَه كما نُقِل له. الثالثة: إبراهِم بألفٍ بعد الراء وكسرِ الهاءِ دون ياءٍ، وبها قرأ أبو بكر، وقال زيدٌ بن عمرو بن نفيل:
٧٠٨ - عُذْتُ بما عاذَ به إبراهِمُ ... إذ قالَ وَجْهي لك عانٍ رَاغِمُ
الرابعة: كذلك، إلا أنه بفتحِ الهاءِ. الخامسة: كذلك إلا أنه بضمِّها.
стр. 702
السادسة: إبْرَهَم بفتح الهاء من غير ألفٍ وياء، قال عبد المطلب:
٧٠٩ - نحنُ آلُ اللهِ في كَعْبته ... لم نَزَلْ ذاكَ على عهد ابْرَهَمْ
السابعة: إبراهوم بالواو. قال أبو البقاء: «ويُجْمع على أَباره عند قومٍ وعند آخرين بَراهم. وقيل: أبارِهَة وبَراهِمَة، ويجوز أَبَارهة» وقال المبرِّد: «لا يقال: بَراهِمَة فإنَّ الهمزةَ لا يَجُوز حَذْفُها» . وحكى ثعلب في جمعِه: بَراه، كما يُقال في تصغيره: «بُرَيْه» بحذفِ الزوائدِ.
والجمهورُ على نصبِ «إبراهيم» ورفعِ «ربُّه» كما تقدَّم، وقرأ ابن عباس وأبو الشعثاء وأبو حنيفة بالعكس. قالوا: وتأويلُها دَعَا ربَّه، فسَمَّى دعاءَه ابتلاءً مجازاً لأنَّ في الدعاءِ طلبَ استكشافٍ لِما تجري به المقاديرُ. والضميرُ المرفوعُ في «فَأَتَّمَّهُنَّ» فيه قولان: أحدُهما أنه عائدٌ على «ربه» أي: فأكملهنَّ. والثاني: أنه عائدٌ على إبراهيم أي: عَمِل بهنَّ وَوَفَّى بهنَّ.
قوله: ﴿قَالَ إِنِّي﴾ هذه الجملةُ القولية يجوز أَنْ تكونَ معطوفةً على ما قبلَها، إذا قلنا بأنها عاملةٌ في «إذ» لأن التقديرَ: وقالَ إني جاعِلُكَ إذا ابتلى، ويجوزُ أن تكونَ استئنافاً إذا قلنا: إنَّ العاملَ في «إذ» مضمرٌ، كأنه قيل: فماذا قال له ربُّه حين أتَمَّ الكلماتِ؟ فقيل: قال: إني جاعِلُك. ويجوزُ فيها أيضاً على هذا القولِ أن تكونَ بياناً لقوله: «ابتلى» وتفسيراً له، فيُرادُ بالكلماتِ
стр. 703
ما ذَكَره من الإِمامةِ وتَطْهِيرِ البيتِ ورَفْعِ القواعدِ وما بعدَها، نَقَل ذلك الزمخشري.
قوله: ﴿جَاعِلُكَ﴾ هو اسمُ فاعلٍ من «جَعَلَ» بمعنى صَيَّر فيتعدَّى لاثنين أحدُهما: الكافُ وفيها الخلافُ المشهورُ: هل هي في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ؟ وذلك أن الضميرَ المتصل باسمِ الفاعلِ فيه ثلاثة أقوال، أحدُها: أنه في محلِّ جرٍّ بالإِضافة. والثاني: أنه في محلِّ نصبٍ، وإنَّما حُذِفَ التنوينُ لشدةِ اتصالِ الضميرِ، قالوا: ويَدُلُّ على ذلك وجودُه في الضرورةِ كقوله:
٧١٠ - فما أَدْري وظني كلَّ ظَنِّ ... أَمُسْلِمُني إلى قومي شُراحي
وقال آخر:
٧١١ - هُمُ الفاعلونَ الخيرَ والآمِرُونه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا على تسليمِ كونِ نون «مُسْلِمُني» تنويناً، وإلاَّ فالصحيحُ أنها نونُ وقايةٍ. الثالث - وهو مذهبُ سيبويه -/ أنَّ حكمَ الضميرِ حكمُ مُظْهره فما جاز في المُظْهَرِ يجوزُ في مضمرِه. والمفعولُ الثاني إماماً.
قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه متعلِّقٌ بجاعل أي لأجلِ الناس. والثاني: انه حالٌ من «إماماً» فإنه صفةُ نكرةٍ قُدِّم عليها. فيكونُ حالاً منها، إذ الأصلُ: إماماً للناسِ، فعلى هذا يتعلقُ بمحذوفٍ. والإِمامُ:
стр. 704
اسمُ ما يُؤْتَمُّ به أي يُقْصَدُ ويُتَّبَعُ كالإِزار اسمُ ما يُؤْتَزَرُ به، ومنه قيل لخيط البَنَّاء: «إمام» ، ويكون في غيرِ هذا جَمْعاً لآمّ اسمِ فاعلٍ من أَمَّ يَؤُمُّ نحو: قائم وقِيام: ونائِم ونِيام وجائِع وجِياع.
قوله: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾ فيه ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُها، أَنَّ «مِنْ ذريتي» صفةً لموصوفٍ محذوفٍ هو مفعولٌ أولُ، والمفعولُ الثاني والعاملُ فيهما محذوفٌ تقديرُه: «قال واجْعَلْ فريقاً من ذريتي إماماً» قاله أبو البقاء. الثاني: أنَّ «ومِنْ ذُرِّيَّتي» عطفٌ على الكافِ، كأنَّه قال: «وجاعلُ بعضِ ذريتي» كما يُقال لك: سَأُكْرمك، فتقول: وزيداً. قال الشيخ: «لا يَصِحُّ العطفُ على الكافِ لأنَّها مجرورةٌ، فالعطفُ عليها لا يكونُ إلا بإعادة الجارّ، ولم يُعَدْ، ولأنَّ» مِنْ «لا يُمْكِنُ تقديرُ إضافةِ الجارِّ إليها لكونِها حرفاً، وتقديرُها مرادفةً لبعض حتى تَصِحَّ الإِضافةُ إليها لا يَصِحُّ، ولا يَصِحُّ أن يقدَّرَ العطفُ من باب العطفِ على موضعِ الكاف لأنَّه نصبٌ فَتُجْعَلَ» مِنْ «في موضعِ نصبٍ لأنَّه ليسَ مِمَّا يُعْطَفُ فيه على الموضعِ في مذهبِ سيبويهِ لفواتِ المُحْرِزِ، وليسَ نظيرَ ما ذَكَر لأن الكاف في» سأكرمك «في موضعِ نصبٍ. الثالث: قال الشيخ:» والذي يَقْتضيه المعنى أن يكونَ «مِنْ ذرّيَّتي» متعلقاً بمحذوفٍ، التقديرُ: واجْعَلْ مِنْ ذرِّيّتي إماماً لأنَّ «إبراهيم» فَهِمَ من قولِه: «إني جاعلُك للناسِ إماماً الاختصاصَ، فسأل أَنْ يَجْعل مِنْ ذريتِه إماماً» فإنْ أرادَ الشيخُ التعلُّق الصناعيُّ فيتعدَّى «جاعل» لواحدٍ، فهذا ليسَ بظاهرٍ، وإن أرادَ التعلُّقَ المعنويَّ فيجوزُ أَنْ يريدَ ما يريده أبو البقاء. ويجوزُ أَنْ يكونَ «مِنْ ذرِّيَّتي» مفعولاً ثانياً قُدِّم على الأولِ فيتعلَّقَ بمحذوفٍ، وجاز ذلك لأنه يَنْعَقِدُ من هذين الجزأين مبتدأُ وخيرُ.
стр. 705
لو قلتَ: «مِنْ ذُرِّيَّتي إمامٌ» لصَحَّ. وقال ابن عطية: «وقيل هذا منه على جهةِ الاستفهامِ عنهم أي: ومِنْ ذريتي يا ربِّ ماذا يكون؟ فيتعلَّقُ على هذا بمحذوفٍ، ولو قَدَّره قبل» مِنْ ذريتي «لكانَ أَوْلى لأنَّ ما في حَيِّز الاستفهامِ لا يتقدَّم عليه.
وفي اشتقاق» ذُرِّيَّة «وتصريفها كلامٌ طويلٌ يَحْتاج الناظرُ فيه إلى تأمُّل. اعلم أنَّ في» ذرية «ثلاثَ لغاتٍ: ضَمَّ الذالِ وكسرَها وفتحَها، وبالضمِّ قرأ الجمهورُ، وبالفتحِ قرأ أبو جعفر المدني، وبالكسر قرأ زيد بن ثابت. فأمّا اشتقاقُها ففيه أربعةُ مذاهبَ، أحدُها: أنها مشتقةٌ من ذَرَوْتُ، الثاني: مِنْ ذَرَيْتُ، الثالث: من ذَرَأَ اللهُ الخَلْقَ، الرابع: من الذرّ. وأَمَّا تصريفُها: فَذُرِّيَّة بالضمِّ إن كانَتْ من ذَرَوْتُ فيجوز فيها أَنْ يكونَ وزنها فُعُّولَة، والأصلُ: ذُرُّوْوَة فاجتمع واوان: الأولى زائدةٌ للمدِّ والثانيةُ لامُ الكلمةِ، فَقُلِبَتْ لامُ الكلمةِ ياءً تخفيفاً فصار اللفظُ ذُرُّوْيَة، فاجتمع ياءٌ وواوٌ، وَسَبَقَتْ إحداهما بالسكون، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياء التي هي منقلبةٌ من لامِ الكلمةِ، وكُسِرَ ما قبل الياءَ وهي الراءُ للتجانُسِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ وزنُها فُعِّيْلَة، والأصلُ: ذُرِّيْوَة، فاجتمعَ ياءُ المدِّ والواوُ التي هي لامُ الكلمةِ وسَبَقَتْ إحداهما بالسكونِ فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً وأُدغمت فيها ياءُ المدِّ.
وإن كانت من ذَرَيْتُ لغةً في ذَرَوْتُ فيجوز فيها أيضاً أن يكون وزنُها فُعُّولَة أو فُعِّيلة كما تقدَّم، وإنْ كانَتْ فُعُّولة فالأصلُ ذُرُّوْيَة فَفُعِل به ما تقدَّم من القلبِ والإِدغامِ، وإنْ كانَتْ فُعِّيْلَة فالأصلُ: ذُرِّيْيَة، فَأُدْغِمَتِ الياءُ الزائدةُ في الياءِ التي [هي] لامٌ. وإنْ كانَتْ من ذَرَأَ
стр. 706
مهموزاً فوزنُها فُعِّيْلة والأصلُ: ذُرِّيْئَة فَخُفَّفتِ الهمزةُ بأَنْ أُبْدِلَتْ ياءً كهمزةِ خطيئة والنسيء، ثم أُدْغِمَتِ الياءُ الزائدةُ في الياء المُبْدَلَةِ من الهمزةِ.
وإن كانَتْ من الذَّرِّ فيجوزُ في وزنها أربعةُ أوجه، أحدُها: فُعْلِيَّة وتَحْتمل هذه الياءُ أَنْ تكونَ للنسَبِ وغَيَّروا الذالَ من الفتحِ إلى الضمِّ كما قالوا في النَسَبِ إلى الدَّهْر: دُهْري وإلى السَّهْل: سُهْلي بضمِّ الدال والسين، وأَنْ تكونَ لغيرِ النسَبِ فتكونُ كقُمْرِيَّة. الثاني: أن يكونَ: فُعِّيْلَة كمُرِّيقَة، والأصلُ: ذُرِّيْرةً، فَقُلِبَتِ الراءُ الأخيرةُ ياءً لتوالي الأمثال، كما قالوا تَسَرَّيْتُ وتَظَنَّيْتُ في تَسَرَّرْتُ وتَظَنَّنْتُ. الثالث: أن تكونَ فُعُّولة كَقُدُّوس وسُبُّوح، والأصلُ: ذُرُّْوَرة، فَقُلِبَتِ الراءُ لِما تقدَّم، فصارَ ذُرُّوْيَة، فاجْتَمَعَ واوٌ وياءٌ، فجاء القلبُ والإدغامُ كما تقدَّم. الرابع: أن تكونَ فُعْلُولة والأصل: ذُرُّوْرَة، فَفُعِلَ بها ما تقدّم في الوجهِ الذي قبله.
وأمَّا ذِرِّيَّة بكسر الذال فإن كانت مِنْ ذَرَوْتُ فوزنُها فِعِّيْلَة، والأصل: ذِرِّيْوَة، فَأُبْدِلَتِ الواوُ ياءً وأُدْغَمَتْ في الياءِ بعدَها، فإنْ كانَتْ من ذَرَيْتُ فوزنها فِعِّيْلة أيضاً، وإنْ كانَتْ من ذَرَأَ فوزنُها فِعِّيْلة أيضاً كبِطِّيْخة، والأصل ذِرِّيْئَة فَفُعِل فيها ما تقدَّم في المضمومةِ الدالِ، وإن كانَتْ من الذَّرِّ فتحتمل ثلاثة أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ وزنُها فِعْلِيَّة نسبةً إلى الذرّ على غيرِ قياسٍ في المضمومةِ. الثاني: أَنْ تكونَ فِعِّيْلَة، الثالث: أن تكونَ فِعْلِيلَة كحِلْتيت والأصلُ فيها: ذِرِّيْرَة فَفُعِل فيهما ما تقدَّم من إبدالِ الراءِ الأخيرةِ ياءُ والإِدغامِ فيها.
وأمَّا «ذَرِّيَّة» بفتحِ الذال: فإن كانَتْ مِنْ ذَرَوْتُ أو ذَرَيْتُ فوزنُها: فَعِّيْلَة كسَكِّينة، والأصلُ: ذَرِّيْوَة أو ذَرِّيْيَة، أو فَعُّولة والأصلُ: ذَرُّوْوَة أو ذَرُّوْيَة،
стр. 707
فَعُعِل به ما تقدَّم في نَظيرهِ، وإنْ كانَتْ مِنْ ذَرَأَ فوزنُها: إمّا فَعِّيْلَة كسَكِّينة والأصلُ: ذَرِّيْئَة، وإمّا فَعُّولة كخَرُّوبة والأصلُ: ذَرَّوْءةَ ففُعِل به ما تقدَّم في نظيره. وإنْ كانَتْ من الذرّ ففي وَزْنِها أيضاً أربعة أوجهٍ أحدُها فَعْلِيَّة، والياءُ أيضاً تَحْتَمِلُ أَنْ تكونَ للنسَبِ ولم يَشِذُّوا فيه بتغيير كما شّذُّوا في الضم والكسرِ وأَنْ لا يكون نحو: بَرْنِيَّة، الثاني: فَعُّولة كَخرُّوبة والأصلُّ ذَرُّوْرَة، الثالث: فَعِّلية كسَكِّينة والأصلُ: ذَرِّيْرَة، الرابع: فَعْلُولة كبَكُّولَة والأصلُ: ذَرُّوْرَة أيضاً فَفُعِل به ما تقدَّم في نظيره، من إبدالِ الراءِ الأخيرةِ وإدغامِ ما قبلَها فيها وكُسِرَتِ الذالُ اتباعاً. وبهذا الضبطِ الذي فعلتُه اتَّضح القولُ في هذه اللفظةِ لغةً واشتقاقاً وتصريفاً، فإنَّ الناس قد استشكلوا هذه اللفظةَ بالنسبةِ لما ذكرْتُ، وغلِط أكثرهُم في تصريفِها بالنسبةِ إلى الأعمال التي قَدَّمْتُها والحمد لله.
وأمَّا مَنْ بناها على فَعْلَة مثلَ جَفْنَة فإنها عنده من ذَرَيْتُ. والذُّرِّيَّةُ: النَّسْلُ يقع على الذكور والإِناث والجمع الذَراري، وزعم بعضُهم أنها تقع على الآباء كوقوعِها على الأبناء مستدلاً بقوله ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الفلك المشحون﴾ [يس: ٤١] يعني نوحاً ومَنْ معه وسيأتي ذلك في موضِعِه.
قوله: ﴿قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين﴾ الجمهورُ على نصبِ «الظالمين» مفعولاً و «عَهْدي» فاعلٌ، أي: لا يَصِلُ عهدي إلى الظالمين فيدرِكَهم. وقرأ قتادة والأعمش وأبو رجاء/: «والظالمون» بالفاعلية، و «عهدي»
стр. 708
مفعولٌ به، والقراءتان ظاهرتان، إذ الفعلُ يَصِحُّ نسبتُه إلى كلٍّ منهما فإنَّ مَنْ نالَكَ فقد نِلْتَه. والنَّيْلُ: الإدراك وهو العَطاءُ أيضاً، نال ينال نَيْلاً فهو نائل.
стр. 709
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا البيت﴾ : «إذ» عَطْفٌ على «إذْ» قبلَها، وقد تقدَّم الكلامُ فيها، و «جَعَلْنا» يحتمل أن يكونَ بمعنى «خَلَقَ» و «وَضَعَ» فيتعدَّى لواحدٍ وهو «البَيْت» ، ويكون «مَثَابةً» نصباً على الحالِ، وأن يكونَ بمعنى صَيَّر فيتعدَّى لاثنين، فيكون «مثابةً» هو المفعولُ الثاني.
والأصلُ في «مَثَابة» مَثْوَبة، فَأُعِلَّ بالنقلِ والقلبِ، وهل هو مصدرٌ أو اسمُ مكانٍ قولان؟ وهل الهاءُ فيه للمبالغةِ كعَلاَّمة ونسَّابة لكثرةِ مَنْ يَثُوب إليه أي يرجع أو لتأنيث المصدرِ كمقامة أو لتأنيثِ البقعة؟ ثلاثةُ أقوال، وقد جاء حَذْفُ هذه الهاءِ قال ورقة بن نوقل:
٧١٢ - مَثَابٌ لأَفْناءِ القبائلِ كلِّها ... تَخُبُّ إليها اليَعْمَلاتُ الذَّوامِلُ
وقال:
٧١٣ - جَعَلَ البيتَ مثاباً لهُمُ ... ليس منه الدهرَ يَقْضُون الوطَرْ
وهل معناه من ثابَ يَثُوب أي: رَجَع، أو من الثوابِ الذي هو الجزاء؟ قولان أظهرُهما أوَّلُهما. وقرأ الأعمش وطلحة: «مَثَابَاتٍ» جَمْعاً، ووجهُه أنه مثابةٌ لكلِّ واحدٍ من الناس.
стр. 710
قوله: ﴿لِّلنَّاسِ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لمثابة ومَحَلُّه النصبُ. والثاني: أنه متعلِّقٌ بجَعَلَ أي: لأجلِ الناسِ يعني مناسكَهم.
قوله: ﴿وَأَمْناً﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنه عَطْفٌ على «مَثَابة» وفيه التأويلاتُ المشهورةُ: إمَّا المبالغةُ في جَعْلِه نفس المصدر، وإمَّا على حَذْفِ مضافٍ أي: ذا أَمْن، وإمَّا على وقوعِ المصدرِ موقعَ اسمِ الفاعل أي: آمِنَاً، على سبيل المجاز كقوله: «حَرَماً آمِناً» . والثاني: أنه معمولٌ لفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: وإذ جَعَلْنَا البيتَ مثابةً فاجْعَلوه آمِناً لا يعتدي فيه أحدٌ على أحد. والمعنى: أن الله جَعَلَ البيتَ محترماً بحكمه، وربما يُؤَيَّد هذا بقراءَةِ: «اتَّخِذُوا» على الأمرِ فعلى هذا يكونُ «وأَمْناً» وما عَمِل فيه من باب عطفِ الجملِ عُطِفَت جملةٌ أمريةٌ على خبريةٍ، وعلى الأول يكون من عطف المفردات.
قوله: ﴿واتخذوا﴾ قرأ نافعٌ وابنُ عامر: «واتَّخذوا» فعلاً ماضياً على لفظ الخبر، والباقون على لفظِ الأمرِ. فأمَّا قراءةُ الخبرِ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ: أحدُها: أنه معطوفٌ على «جَعَلْنا» المخفوض ب «إذ» تقديراً فيكون الكلامُ جملةً واحدةً. الثاني: أنه معطوفٌ على مجموعِ قولِه: «وإذ جَعَلْنا» فيحتاجُ إلى تقديرِ «إذ» أي: وإذ اتخذوا، ويكون الكلامُ جملتين. الثالث: ذكره أبو البقاء أن يكونَ معطوفاً على محذوفٍ تقديرُه: فثابوا واتخذوا.
وأمَّا قراءةُ الأمرِ ففيها أربعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّها عَطفٌ على «اذكروا» إذا قيل بأنَّ الخطابَ هنا لبني إسرائيل، أي: اذكروا نعمتي واتخذوا. والثاني:
стр. 711
أنها عطفٌ على الأمر الذي تَضَمَّنه قولُه: «مثابةً» كأنه قال: ثُوبوا واتَّخِذوا، ذكرَ هذين الوجهين المهدوي.
الثالث: أنه معمولٌ لقولٍ محذوفٍ أي: وقُلْنا اتَّخِذوا إن قيل بأنَّ الخطابَ لإِبراهيمَ وذرّيَّتِه أو لمحمدٍ ﵇ وأمَّتِه. الرابع: أن يكونَ مستأنفاً ذكرَه أبو البقاء.
قوله: ﴿مِن مَّقَامِ﴾ في «مِنْ» ثلاثة أوجه: أحدُها: أنها تبعيضيةٌ وهذا هو الظاهرُ. الثاني: أنها بمعنى في. الثالث: أنها زائدةٌ على قولِ الأخفش. وليسا بشيء. والمَقامُ هنا مكانُ القيامِ، وهو يَصْلُح للزمانِ والمصدر أيضاً واصلُه: «مَقْوَم» فأُعِلَّ بنَقْلِ حركةِ الواوِ إلى الساكنِ قبلَها وقَلْبِها ألفاً، ويُعَبَّرُ به عن الجماعةِ مجازاً كما يُعَبَّر عنهم بالمجلسِ قال زهير:
٧١٤ - وفيهمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وجوهُهمْ ... وأَنْدِيَةٌ يَنْتابُها القولُ والفِعْلُ
قوله: ﴿مُصَلًّى﴾ مفعولُ «اتَّخِذُوا» ، وهو هنا اسمُ مكانٍ أيضاً، وجاءَ في التفسير بمعنى قِبْلة. وقيل: هو مصدرٌ: فلا بُدَّ من حَذْفِ مضافٍ أي: مكانَ صلاة، وألفهُ منقلبةٌ عن واوٍ، والأصلُ: «مُصَّلَّوَ» لأنَّ الصلاةَ من ذواتِ الواوِ كما تقدَّم أولَ الكتابِ.
قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ﴾ إسماعيل عَلَمٌ أعجميٌّ وفيه لغتان: اللام والنونُ وعليه قولُ الشاعر:
٧١٥ - قال جواري الحَيِّ لمَّا جِينا ... هذا وربِّ البيتِ إسماعينا
стр. 712
ويجمع على: سَماعِلة وسَماعيل وأساميع. ومن أَغْرَبِ ما نُقِلَ في التسمية به أنَّ إبراهيمَ ﵇ لمَّا دعا الله أَنْ يرزقَه ولداً كان يقول: اسْمَعْ إيل اسْمَعْ إيل، وإيل هو الله تعالى فَسَمَّى ولدُه بذلك.
قوله: ﴿أَن طَهِّرَا﴾ يَجوزُ في «أَنْ» وَجْهان، أحدُهما أنَّها تفسيريةٌ لجملةِ قولِه: «عِهِدْنا» فإنَه يتضمَّنُ معنى القولِ لأنَّه بمعنى أَمَرْنا أو وَصَّيْنا فهي بمنزلةِ «أي» التي للتفسيرِ، وشرطُ «أَنْ» التفسيريةِ أَنْ تَقَعَ بعدما هو بمعنى القولِ لا حروفِه. وقال أبو البقاء: «والمفسِّرةُ تقعُ بعد القولِ وما كان في معناه. وقد غَلِطَ في ذلك، وعلى هذا فلا محلَّ لها من الإِعرابِ. والثاني: أن تكونَ مصدريةً وخَرَجَتْ عن نظائرِها في جوازِ وَصْلِها بالجملةِ الأمريَّة قالوا:» كتبْتُ إليه بأَنْ قُمْ «وفيها بحثٌ ليس هذا موضعَه، والأصلُ: بأَنْ طَهِّرا، ثم حُذِفَتِ الباءُ فيَجيءُ فيها الخلافُ المشهورُ من كونِها في محل نصبِ أو خفضٍ. و» بيتي «مفعولٌ به أُضيف إليه تعالى تشريفاً. والطائفُ اسم فاعلٍ من طَاف يَطُوف، ويقال: أَطَاف رباعياً، قال:
٧١٦ - أَطَافَتْ به جَيْلانُ عند قِطاعِه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا من باب فَعَل وأَفْعَل بمعنىً. والعُكوفُ لغةً: اللزومُ والَّلْبثُ، قال:
٧١٧ -. . . . . . . . . . . . . . . . ... عليه الطيرُ ترقبُه عُكوفا
стр. 713
وقال:
٧١٨ - عَكْفَ النَّبِيطِ يَلْعَبُون الفَنْرَجا ... ويقال: عَكَفَ يَعْكُف ويعكِف، بالفتحِ في الماضي والضمِّ والكسرِ في المضارع، وقد قُرِىء بهما. و» السجودُ «يجوز فيه وجهان، أحدُهُما: أنه جمع ساجِد نحو: قاعِد وقُعود، وراقِد ورُقُود، وهو مناسبٌ لِما قبله. والثاني: أنه مصدرٌ نحو: الدُّخول والقُعُود، فعلى هذا لا بُدَّ من حَذْفِ مضافٍ أي: ذوي السجودِ ذكرَه أبو البقاء.
وعَطَفَ أحد الوصفينِ على الآخر في قوله: الطائفين والعاكفين لتباينِ ما بينهما، ولم يَعْطِفْ إحدى الصفتينِ على الأخرى في قوله: الرُّكَّعِ السجودِ، لأنَّ المرادَ بهما شيءٌُ واحدٌ وهو الصلاةُ إذ لو عَطَفَ لَتُوُهِّم أنَّ كلَّ واحدٍ منهما عبادةٌ على حِيالها، وجَمَعَ صفتين جَمْع سلامة وأُخْرَيَيْنِ جمع تكسيرٍ لأجلِ المقابلةِ وهو نوعٌ من الفَصاحةِ، وأخَّر صيغةَ فُعول على فُعَّلَ لأنها فاصلة.
стр. 714
قوله تعالى: ﴿اجعل هذا بَلَداً آمِناً﴾ : الجَعْلُ هنا بمعنى التصيير فيتعدَّى لاثنين ف «هذا» مفعولٌ أولُ و «بلداً» مفعولٌ ثانٍ، والمعنى: اجْعَلْ هذا البلدَ أو هذا المكانَ. و «آمناً» صفةٌ أي ذا أَمْن نحو: «عيشةٌ راضيةٌ» أو آمِناً مَنْ فِيه نحو: ليلةٌ نائمٌ. / والبلدُ معروفٌ وفي تسميته قولان، أحدُهما: أنه مأخوذُ من البَلْدِ. والبَلْدُ في الأصل: الصَّدْر يقال: وضَعَتِ الناقةُ بَلْدَتها إذا
стр. 715
بَرَكَتْ أي: صدرَها، والبَلَدُ صدرُ القُرى فسُمِّي بذلك. والثاني: أنَّ البلدَ في الأصل الأثَرُ ومنه: رجلٌ بَليد لتأثير الجهل فيه، وقيل لِبَرْكَةِ البعيرِ «بَلْدَة» لتأثيرِها في الأرض إذا بَرَك قال:
٧١٩ - أُنِيخَتْ فأَلْقَتْ بَلْدَةً فوق بلْدةٍ ... قليلٌ بها الأصواتُ إلاَّ بُغامُها
قوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ بدلُ بعضٍ من كل وهو «أهلَه» ولذلك عادَ فيه ضميرٌ على المُبْدَلِ منه، و «مِنْ» في «مِن الثمرات» للتبعيضِ. وقيل: للبيانِ، وليس بشيءٍ إذ لم يتقدَّمُ مُبْهَمٌ يبيَّنُ بها.
قولُه: ﴿وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ يجوزُ في «مَنْ» ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكونَ موصولةً، وفي محلِّها حينئذٍ وجهان، أحدُهما: أنَّها في محلِّ نصبٍ بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه، قال اللهُ وأرزقُ مَنْ كَفَرَ، ويكونُ «فأمتِّعُه» معطوفاً على هذا الفعلِ المقدَّرِ. والثاني من الوجهين: أن يكونَ في محلِّ رفعٍ بالابتداء و «فأمتِّعُه» الخبرَ، دَخَلَت الفاءُ في الخبرِ تشبيهاً له بالشرطِ، وسيأتي أنَّ أبا البقاء يمنعُ هذا والردُّ عليه. الثاني من الثلاثةِ الأوجهِ: أن تكونَ نكرةً موصوفةً ذكرَه أبو البقاء، والحكمُ فيها ما تقدَّم من كونِها في محلِّ نصبٍ أو رفع. الثالث: أن تكونَ شرطيةً ومحلُّها الرفعُ على الابتداءِ فقط، و «فأمتِّعُه» جوابُ الشرط.
ولا يجوزُ في «مَنْ» في جميع وجوهِها أَنْ تكونَ منصوبةً على الاشتغال، أمَّا إذا كانَتْ شرطاً فظاهرٌ لأنَّ الشرطيةَ إنما يفسِّر عاملَها فعلُ الشرطِ لا الجزاءُ، وفعلُ الشرطِ هنا غيرُ ناصبٍ لضميرِها بل رافعُه، وأمَّا إذا كانت موصولةً فلأنَّ
стр. 716
الخبرَ الذي هو «فأمتِّعه» شبيهٌ بالجَزاء ولذلك دَخَلَتْه الفاءُ، فكما أن الجزاءَ لا يفسِّر عاملاً فما أشبهَه أَوْلى بذلك، وكذا إذا كانَتْ موصوفةً فإنَّ الصفةَ لا تُفَسِّرُ. وقال أبو البقاء: «لا يجوزُ أن تكونَ» مَنْ «مبتدأ و» فأمتِّعُه «الخبرَ، لأنَّ» الذي «لا تدخُل الفاءُ في خبرها إلا إذا كان الخبرُ مُسْتَحِقَّاً بالصلةِ نحو: الذي يأتيني فله درهمٌ، والكفرُ لا يَسْتَحِقُّ به التمتُّعُ، فإنْ جَعَلْتَ الفاءَ زائدةً على قولِ الأخفش جازَ، أو [جعلت] الخبرَ محذوفاً و» فأمتِّعُه «دليلاً عليه جاز، تقديرُه: ومَنْ كَفَرَ أرزُقُه فَأمتِّعه.
ويجوز أَنْ تكونَ «مَنْ» شرطيةً والفاءُ جوابَها. وقيل: الجوابُ محذوفٌ تقديرُه: ومَنْ كَفَرَ أرزُقْ، و «مَنْ» على هذا رفعٌ بالابتداءِ، ولا يجوزُ أَنْ تكونَ منصوبةً لأن أداةَ الشرطِ لا يَعْمل فيها جوابُها بل فعلُ الشرطِ «. انتهى.
أمَّا قولُه:» لأنَّ الكفرَ لا يَسْتِحقُّ به التمتُّعُ «فليس بِمُسَلَّم، بل التمتعُ القليلُ والمصيرُ إلى النار مُسْتَحِقَّان بالكفرِ، وأيضاً فإنَّ التمتعَ إنْ سَلَّمْنا أنَّه ليس مُسْتَحِقاً بالكفر، ولكن قد عُطِفَ عليه ما هو مُسْتَحِقٌ به وهو المصيرُ إلى النار فناسَبَ ذلك أنْ يَقَعا جميعاً خبراً، وأيضاً فقد ناقَض كلامَه لأنه جَوَّز فيها أن تكونَ شرطيةً، وهل الجزاءُ إلا مُسْتَحِقٌّ بالشرط ومُتَرَتِّبٌ عليه فكذلك الخبرُ المُشَبَّهُ به. وأما تجويزُه زيادةَ الفاءِ وحَذْفَ الخبر أو جوابَ الشرطِ فأوجهٌ بعيدة لا حاجةَ إليها. وقرىء: أُمْتِعُه مخففاً من أَمْتَع يُمْتِعُ وهي قراءةُ ابنِ عامر، وفَأُمْتِعُّه بسكونِ العينِ وفيها وجهان: أحدُهما: أنه تخفيفٌ كقولِه:
٧٢٠ - فاليومَ أشربْ غيرَ مُسْتَحْقِبٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 717
والثاني: أنَّ الفاءَ زائدةٌ وهو جوابُ الشرط فلذلك جُزِمَ بالسكونِ. وقرأ ابنُ عباس ومجاهد ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ﴾ على صيغةِ الأمر فيهما، ووجهُها أَنْ يكونَ الضميرُ في» قال «لإِبراهيم، يعني سألَ ربَّه ذلكَ، و» مَنْ «على هذه القراءة يجوز أن تكونَ مبتدأ وأن تكونَ منصوبة على الاشتغال بإضمارِ فعلٍ سواءً جَعَلْتَها موصولةً أو شرطيةً، إلا أنك إذا جَعَلْتَها شرطيةً قَدَّرْتَ الناصبَ لها متأخراً عنها لأنَّ أداة الشرط لها صدرُ الكلامِ.
وقال الزمخشري: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ عَطْفٌ على» مَنْ آمَنَ «كما عَطَفَ» ومِنْ ذريتي «على الكافِ في» جاعِلُك «. قال الشيخ: أمَّا عطفُ» مَنْ كَفَر «على» من آمَنَ «فلا يَصِحُّ لأنه يتنافى تركيبُ الكلامِ، لأنه يصيرُ المعنى: قال إبراهيم: وارزُقْ مَنْ كَفَرَ لأنه لا يكونُ معطوفاً عليه حتى يُشْرِكَه في العامل، و» من آمن «العامل فيه فعلُ الأمر وهو العاملُ في» ومَنْ كفر «، وإذا قَدَّرْتَه أمراً تنافى مع قوله» فَأُمَتِّعه «لأنَّ ظاهرَ هذا إخبارٌ من اللهِ بنسبةِ التمتع وإلجائِهم إليه تعالى وأنَّ كلاً من الفعلين تضمَّن ضميراً، وذلك لا يجوزُ إلا على بُعْدٍ بأن يكون بعد الفاء قولٌ محذوفٌ فيه ضميرٌ الله تعالى أي: قال إبراهيم وارزُقْ مَنْ كفر، فقال الله أمتِّعُه قليلاً ثم اضطرُّه، ثم ناقَضَ الزمخشري قوله هذا أنه عَطَفَ على» مَنْ «كما عَطَفَ» ومِنْ ذرِّيتي «على الكاف في» جاعِلك «فقال:» فإنْ قُلْتَ لِمَ خَصَّ إبراهيمُ المؤمنينَ حتى رَدَّ عليه؟ قلت: قاسَ الرزقَ على الإِمامة فَعَرَف الفرْقَ بينهما بأنَّ الإِمَامة لا تكون للظالِم، وأمَّا الرزقُ فربما يكون استدراجاً، والمعنى: قال وأرزقُ مَنْ كفر
стр. 718
فأمتِّعه «فظاهرُ قولِه» والمعنى قال «أنَّ الضمير ٌٌٌٌٌٌفي» قال «لله تعالى، وأنَّ» مَنْ كَفَرَ «منصوبٌ بالفعلِ المضارعِ المسندِ إلى ضميرِ المتكلِّم»
و «قليلاً نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أو زمانٍ، وقد تقدَّم له نظائرُ واختيار سيبويه فيه.
وقرأ الجمهور: «أضطَرُّه» خبراً. وقرأ يحيى بن وثاب: «إضطرُّه» بكسر الهمزة، ووجهُها كسرُ حرفِ المضارعةِ كقولهم في أخال: إخالُ. وقرأ ابن مُحَيْصِن: «أطَّرُّه» بإدغامِ الضادِ في الطاءِ نحو: اطّجع في اضطجع، وهي مرذولةٌ لأن الضادَ من الحروفِ الخمسةِ التي يُدْغَمُ فيها ولا تُدْغَم هي في غيرها وهي حُروف: ضم شغر نحو: اطَّجع في اضطجع، وهي مرذولةٌ لأن الضادَ من الحروفِ الخمسةِ التي يُدْغَمُ فيها ولا تُدْغَم هي في غيرها وهي حُروف: ضم شغر نحو: اطَّجع في اضطجع [قاله الزمخشري، وفيه نظرٌ، فإن هذه الحروف قد أدغمت في غيرها، أدغم أبو عمرو الداني اللام في ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [نوح: ٤] ، والضاد في الشين: ﴿لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ﴾ [النور: ٦٢] ، والشين في السين: ﴿العرش سَبِيلاً﴾ [الإسراء: ٤٢] ، وأدغم الكسائي الفاء في الباء: ﴿نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض﴾ [سبأ: ٩] ، وحكى سيبويه أن «مُضَّجعاً» أكثر فدل على أن «مُطَّجعاً كثير. وقرأ يزيد بن أبي حبيب:» أضطُّرُّه «بضم الطاء كأنه للإِتباع. وقرأ أُبَيّ:» فَنُمَتِّعُه ثم نَضَطَرُه «بالنون.
стр. 719
واضْطَرَّ افتعَل من الضُرِّ، وأصلُه: اضْتَرَّ فأُبدلت التاءُ طاءً لأن تاء الافتعال تُبْدل طاءً بعد حروفِ الإِطباق وهو متعدٍّ، وعليه جاء التنزيل، وقال:
٧٢١ - اضطَرَّكَ الحِرْرُ مِنْ سَلْمى إِلى أَجَأٍ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والاضطرارُ: الإِلجاءُ والإِلزازُ إلى الأمرِ المكروهِ.
قوله:» وبئس المصيرُ «» المصير «فاعل والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي: النارُ. ومصير: مَفْعِل من صار يصير، وهو صالحٌ للزمان والمكانِ، وأمَّا المصدرُ فقياسُه الفتحُ لأنَّ ما كُسِر عينُ مضارِعِه فقياسُ ظرفِيَّة الكسرُ ومصدرُه الفتحُ/. ولكن النحويين اختلفوا فيما كانَتْ عينُه ياءً على ثلاثةِ مذاهبَ، أحدها: أنه كالصحيحِ وقد تقدَّم. والثاني: أنه مُخَيَّرٌ فيه. والثالث: مذاهبَ، أحدها: أنه كالصحيحِ وقد تقدَّم. والثاني: أنه مُخَيَّرٌ فيه. والثالث: أن يتُبع المسموعُ فما سُمِعَ بالكسرِ أو الفتح لا يَتَعَدَّى، فإنْ كان» المصيرُ «في الآية اسمَ مكانٍ فهو قياسي اتفاقاً، والتقدير: وبِئْسَ المصيرُ النارُ كما تقدَّم، وإن كان مصدراً على رأي مَنْ أجازه فالتقدير: وبِئْسَ الصيرورةُ صَيْرورتُهم إلى النار.
стр. 720
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ﴾ : «إذ» عطفٌ على «إذ» قبلها فالكلامُ فيهما واحِدٌ، و «يرفعُ» في معنى رفَعَ ماضياً، لأنَّها من الأدواتِ المخلِّصةِ المضارعَ للمُضِيّ. وقال الزمخشري: «هي حكايةُ حالٍ ماضية» قال الشيخ: «وفيه نظرٌ» . والقواعدُ: جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لِما فوقُ، وهي صفةٌ غالبة ومعناها الثابتة، ومنه «قَعَّدك الله» أي: أسأل الله
стр. 721
تَثْبيتك، ومعنى رَفْعِها البناءُ عليها، لأنه إذا بُني عليها نُقِلَتْ من هيئة الانخفاض إلى الارتفاع. وأمّا القواعدُ من النساء فمفردُها «قاعِد» من غير تاءٍ لأنَّ المذكر لاحظَّ له فيها إذ هي من: قَعَدَتْ عن الزوج. ولم يقل «قواعد البيت» بالإِضافة لِما في البيان بعد الإِبهام من تفخيمِ شَأْنِ المبيَّن.
قوله: ﴿مِنَ البيت﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه متعلِّقٌ ب «يرفع» ومعناها ابتداءُ الغايةِ. والثاني: أنَّها في محلِّ نصبٍ على الحالِ من «القواعدِ» فيتعلَّقُ بمحذوفٍ تقديرُه: كائنةً من البيت، ويكون معنى «مِنْ» التبعيضَ.
قوله: ﴿وَإِسْمَاعِيلُ﴾ فيه قولان، أحدُهما - وهو الظاهرُ - أنَّه عطفٌ على «إبراهيم» فيكونُ فاعلاً مشاركاً له في الرفعِ، ويكونُ قولُه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ﴾ في محلِّ نَصْب بإضمار القولِ، ذلك القولُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ منهما أي: يَرْفَعان يقولان: ربَّنَا تقبَّلْ، ويؤيِّد هذا قراءةُ عبد الله بإظهار فعلِ القولِ، قرأ: «يقولان ربَّنا تقبَّلْ، ويؤيِّد هذا قراءةُ عبد الله بإظهار فعلِ القولِ، قرأ:» يقولان ربَّنا تقبَّلْ «أي: قائِلين ذلك، ويجوز ألاَّ يكونَ هذا القولُ حالاً بل هو جملةٌ معطوفةٌ على ما قبلها، ويكونُ هو العاملَ في» إذ «قبله، والتقديرُ: يقولان ربَّنا تقبَّلْ إذ يرفعان أي: وقتَ رَفْعِهما.
والثاني: الواوُ واو الحالِ، و» إسماعيلُ «مبتدأٌ وخبرهُ قولٌ محذوفٌ هو العاملُ في قولِه:» ربَّنا تَقبَّلْ «فيكونُ» إبراهيم «هو الرافعَ، و» إسماعيلُ «هو الداعيَ فقط، قالوا: لأنَّ إسماعيلَ كان حينئذٍ طفلاً صغيراً، وَرَوْوه عن علي ﵇. والتقديرُ: وإذ يرفع إبراهيمُ حالَ كونِ إسماعيل يقول: ربَّنا تقبَّلْ منا. وفي المجيء بلفظِ الربِّ تنبيهٌ بذِكْرِ هذه الصفةِ على التربية والإصلاح. وتقبَّلْ بمعنى اقبْلَ، فتفعَّلْ هنا بمعنى المجرَّد. وتقدَّم الكلام على نحوِ ﴿إِنَّكَ أَنتَ السميع﴾ من كون» أنت «يجوزُ فيه التأكيدُ والابتداءُ
стр. 722
والفصلُ، وتقدَّمت صفةُ السمع وإن كان سؤالُ التقبُّلِ متأخراً عن العمل للمجاوَرَةِ، كقولِه: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الذين اسودت﴾ [آل عمران: ١٠٦] وتأخَّرت صفةُ العِلْمِ لأنَّها فاصلةٌ، ولأنَّها تَشْمَل المسموعاتِ وغيرَها.
قوله: ﴿مُسْلِمَيْنِ﴾ مفعولٌ ثان للجَعْل لأنَّه بمعنى التصيير، والمفعولُ الأولُ هو «ن» وقرأ ابن عباس «مسلمِين» بصيغةِ الجمع، وفي ذلك تأويلان أحدُهما: أنهما أَجْرَيَا التثنية مُجْرَى الجمعِ، وبه استدلَّ مَنْ يَجْعَلُ التثنيةَ جمعاً. والثاني: أنهما أرادا أنفسهما وأهلَهما كهاجر.
قوله ﴿لَّكَ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلَّق بمُسْلِمَيْن، لأنه بمعنى نُخْلِصُ لك أوجهَنَا نحو: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ للَّهِ﴾ فيكونَ المفعولُ محذوفاً لفَهْمِ المعنى. والثاني: أنه نعتٌ لِمُسْلِمَيْن، أي: مُسْلِمَيْن مستقرَّيْنِ لك أي: مستسلمَيْن، والأولُ أقوى معنىً.
قوله: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً﴾ فيه قولان، أحدهُما - وهو الظاهر - أنَّ «مِنْ ذريتنا» صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ هو مفعولٌ أولُ، و «أمة مسلمة» مفعولٌ ثان تقديرُه: واجْعَلْ فريقاً من ذريتنا أمةً مسلمةً. وفي «من» حينئذ ثلاثة أقوالٍ، أحدُها: أنها للتبعيض، والثاني - أجازه الزمخشري - أن تكونَ لتبيين، قال: كقولِه: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ﴾ [النور: ٥٥] . الثالث: أن تكون لابتداءِ غايةِ الجَعْل، قاله أبو البقاء.
الثاني من القولَيْن: أن يكونَ «أمَّةً» هو المفعولَ الأولَ، و «مِنْ ذريتنا»
стр. 723
حالٌ منها؛ لأنه في الأصل صفةٌ نكرةٍ فلمَّا قُدِّم عليها انتصَبَ حالاً، و «مُسْلِمَةً» هو المفعولُ الثاني، والأصل: «واجعَلْ أمةً من ذريتنا مسلمةً» ، فالواو داخلةٌ في الأصلِ على «أمة» وإنما فَصَلَ بينهما بقولِه: «مِنْ ذرِّيَّتنا» وهو جائزٌ لأنَّه من جملةِ الكلام المعطوفِ، وفي إجازتِه ذلك نظرٌ، فإنَّ النحويين كأبي علي وغيره منعوا الفصلَ بالظرفِ بين حرفِ العطفِ إذا كان على حرفٍ واحدٍ وبين المعطوفِ، وجَعَلوا قولَه:
٧٢٢ - يوماً تَراها كشِبْه أَرْدِيَةِ ال ... عَصْبِ ويوماً أَديمَها نَغِلاً
ضرورةً فالفصلُ بالحالِ أبعدُ، وصار ما أجازه نظيرَ قولِك: «ضَرَبَ الرجلَ ومتجردةً المرأةَ زيدٌ» وهذا غيرُ فصيحٍ، ولا يجوزُ أن يكونَ «اجعَلْ» المقدرةُ بمعنى اخلُقْ وأوجِدْ، فيتعدَّى لواحدٍ ويتعلَّقَ «من ذريتنا» به، ويكونُ «أمةً» مفعولاً به؛ لأنه إنْ كان مِنْ عطفِ المفردات لَزِمَ التشريكُ في العاملِ الأولِ والعاملُ الأولُ ليس معناه «اخلُقْ» إنما معناه صيِّر، وإن كان من عطفِ الجملِ فلا يُحْذَفُ إلا ما دَلَّ عليه المنطوقُ، والمنطوقُ ليس بمعنى الخَلْقَ فكذلك المحذوفُ، ألا تراهم مَنَعوا في قولِه: ﴿هُوَ الذي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] أن يكونَ التقديرُ: وملائكتُه يُصَلُّون لاختلافِ مدلولِ الصلاتين، وتأوَّلوا ذلك على قَدْرٍ مشتركٍ بينهما، وقوله «لكَ» فيه الوجهان المتقدمان بعد «مسلِمَيْنِ» .
قوله: ﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ الظاهرُ أن الرؤيةَ هنا بَصَرِيَّة، فرأى في الأصلِ يتعدَّى لواحدٍ، فلمّا دَخَلَتْ همزةُ النقلِ أَكْسبتها مفعولاً ثانياً، ف «ن» مفعولٌ أولُ، و «مناسِكَنا» مفعولٌ ثانٍ.
وأجاز الزمخشري أن تكون منقولةً من «رأى»
стр. 724
بمعنى عَرَفَ فتتعدَّى أيضاً لاثنينِ كما تقدَّم، وأجاز قومٌ فيما حكاه ابن عطية أنها هنا قلبيَّةٌ، والقلبيةُ قبلَ النقلِ تتعدَّى لاثنين، كقوله:
٧٢٣ - وإنَّا لَقومٌ ما نرى القَتْلَ سُبَّةً ... إذا ما رَأَتْه عامرٌ وسَلُولُ
وقال الكميت:
٧٢٤ - بأيِّ كتابٍ أم بأيَّةِ سُنَّةٍ ... ترى حُبَّهم عاراً عليَّ وتَحسِبُ
وقال ابن عطية: «ويلزَمُ قائلَه أَنْ يتعدَّى الفعلُ منه إلى ثلاثةٍ: وينفصلُ عنه بأنّه يوجدُ مُعَدَّىً بالهمزةِ من رؤيةِ القلب كغيرِ المُعَدَّى وأنشد قولَ حطائط بن يعفر:
٧٢٥ - أَريني جواداً مات هَزْلاً لأَنني ... أرى ما تَرَيْنَ أَوْ بخيلاً مُخَلَّدا
يعني: أنه قد تَعدَّت» عَلِم «القلبيةُ إلى اثنين سواءً كانت مجردةً من الهمزةِ أم لا، وحينئذٍ يُشْبه أن يكونَ ما جاء فيه فَعِل وأَفْعل بمعنىً وهو غريبٌ، ولكنَّ جَعْلَه بيتَ حطائط من رؤيةِ القلبِ ممنوعٌ بل معناه من رؤيةِ البصرِ، ألا ترى أن قولَه» جواداً ماتَ «من متعلِّقات البصر، فيَحْتاجُ في إثباتِ تعدِّي» أعلَم «القلبية إلى اثنين إلى دليلٍ. وقال بعضهم:» هي هنا بَصَريَّةٌ قلبيةٌ
стр. 725
معاً لأنّ الحَجَّ لا يَتِمُّ إلا بأمورٍ منها ما هو معلومٌ ومنها ما هو مُبْصَر «، ويلزَمُه على هذا الجمعُ بين الحقيقةِ والمجاز أو استعمالُ المشتركِ في معنييه معاً.
وقرأ الجمهور:» أَرِنَا «بإشباعِ كسرِ الراءِ هنا وفي النساء وفي الأعرافِ.» أَرِني أنظرْ «، وفي فُصّلت: ﴿أَرِنَا الذين﴾ [فصلت: ٢٩] ، وقرأ ابن كثير بالإِسكان في الجميعِ ووافقه في فصلت ابنُ عامر وأبو بكر عن عاصم/، واختُلِف عن أبي عمرو فروى عنه السوسي موافقةَ ابنِ كثير في الجميع، وروى عنه الدوري اختلاسَ الكسرِ فيها. أمَّا الكسرُ فهو الأصلُ، وأمَّا الاختلاسُ فَحَسَنٌ مشهور، وأما الإِسكان فللتخفيفِ، شَبَّهوا المتصلَ بالمنفصلِ فسكَّنوا كسره، كما قالوا في فَخِذ: فَخْذ وكتِف: كتْف.
وقد غَلَّط قومٌ راويَ هذه القراءةِ وقالوا: صار كسرُ الراءِ دليلاً عَلى الهمزةِ المحذوفةِ فإنَّ أصلَه:» أَرْءِنا «ثم نُقِل، قاله الزمخشري تابعاً لغيره. قال الفارسي:» التغليطُ ليس بشيءٍ لأنَّها قراءةُ متواترةٌ، وأمّا كسرةُ الراءِ فصارَتْ كالأصلِ لأنَّ الهمزةَ مرفوضةُ الاستعمالِ «وقال أيضاً:» ألا تراهم أَدْغموا في ﴿لَّكِنَّ هُوَ الله رَبِّي﴾ [الكهف: ٣٨] ، والأصل: «لكنْ أنا» «نَقَلوا الحركةَ وحذفوا ثم أدغموا، فذهابُ الحركةَ في» أَرِنا «ليس بدونِ ذهابِها في الإِدغامِ، وأيضاً فقد سُمِع الإِسكانُ في هذا الحرفِ نَصَّاً عن العرب قال:
стр. 726
٧٢٦ - أَرْنا إدواةَ عبْدِ الله نَمْلَؤُها ... من ماءِ زمزمَ إن القومَ قد ظَمِئوا
وأصل أَرِنَا: أَرْءِنا، فنُقِلَتْ حركةُ الهمزةِ إلى الراء وحُذِفَتْ هي، وقد تقدّم الكلامُ بأشبع مِنْ هذا عند قولِه: ﴿حتى نَرَى الله﴾ [البقرة: ٥٥] .
والمناسِكُ واحدُها: مَنْسَك بفتح العين وكسرِها، وقد قرىء بهما والمفتوحُ هو المقيسُ لانضمامِ عينِ مضارعه. والمنسَكُ: موضعُ النسُك وهو العبادة.
قوله: ﴿فِيهِمْ﴾ في هذا الضميرِ قولان: أحدُهما: أنه عائدٌ على معنى الأمة، إذ لو عادَ على لفظِها لقال:» فيها «قاله أبو البقاء، والثاني: أنه يعودُ على الذريةِ بالتأويلِ. المتقدِّم. وقيل: يعودُ على أهل مكة، ويؤيده: ﴿الذي بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً﴾ [الجمعة: ٢] .
стр. 727
قوله تعالى: ﴿مِّنْهُمْ﴾ : في محلِّ نصبٍ لأنه صفةٌ لرسولاً فيتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: رسولاً كائناً منهم.
قوله: ﴿يَتْلُواْ﴾ في محلِّ هذه الجملة ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها في محلِّ نصبٍ صفةً ثانيةً لرسولاً، وجاء هذا على الترتيبِ الأحْسَنِ إذ تقدَّم ما هو شبيهٌ بالمفردِ وهو المجرورُ على الجملةِ. والثاني: أنها في محلِّ نَصْبٍ على الحالِ من «رسولا» لأنه لَمَّا وُصِفَ تخصَّصَ. الثالث: أنها حالٌ من الضميرِ في «مِنْهم» والعاملُ فيها الاستقرارُ الذي تعلَّق به «منهم» لوقوعِه صفةً.
وتقدَّم قولُه «العزيزُ» لأنها صفةُ ذاتٍ وتأخَّر «الحكيمُ» لأنها صفةُ فِعْل.
стр. 728
ويقال: عَزَّ يَعُزَّ، وَيَعَزُّ، ويَعِزُّ، ولكنْ باختلافِ معنىً، فالمضمومُ بمعنى غَلَب ومنه: ﴿وَعَزَّنِي فِي الخطاب﴾ [ص: ٢٣] والمفتوحُ بمعنى الشدةِ، ومنه: عَزَّ لحمُ الناقة أي: اشتدَّ، وعَزَّ عليَّ هذا الأمرُ، والمكسورُ بمعنى النَّفاسةِ وقلةِ النظري.
стр. 729
قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْغَبُ﴾ : «مَنْ» اسمُ استفهامٍ بمعنى الإِنكار فهو نفيٌ في المعنى، ولذلك جاءَتْ بعده «إلاَّ» التي للإِيجابِ، ومحلُّه رفعٌ بالابتداءِ، و «يَرْغَبُ» خبرُه، وفيه ضميرٌ يعودُ عليه، والرغبةُ أصلُها الطلبُ، فإنْ تَعَدَّت ب «في» كانَتْ بمعنى الإِيثارِ له والاختيارِ نحو: رَغِبْت في كذا، وإن تَعَدَّت ب «عن» كانت بمعنى الزَّهادة نحو: رَغِبْت عنك.
قوله: ﴿إِلاَّ مَن سَفِهَ﴾ في «مَنْ» وجهان: أحدُهما: أنها في محلِّ رفعٍ على البدلِ من الضمير في «يَرْغَبُ» وهو المختارُ لأنَّ الكلامَ غيرُ موجبٍ، والكوفيون يَجْعَلون هذا من بابِ العطفِ، فإذا قلتَ: ما قام القومُ إلا زيدٌ، ف «إلاَّ» عندهم حرفُ عطفٍ وزيدٌ معطوفٌ على القوم، وتحقيقُ هذا مذكورٌ في كتبِ النحو. الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الاستثناء و «مَنْ» يُحتمل أن تكونَ موصولةً وأَنْ تكونَ نكرةً موصوفةً، فالجملةُ بعدَها لا محلَّ لها على الأولِ، ومحلُّها الرفعُ أو النصبُ على الثاني.
قوله: ﴿نَفْسَهُ﴾ في نصبِه سبعةُ أوجهٍ، أحدُها: - وهو المختارُ - أَنْ يكونَ مفعولاً به؛ لأنَّ ثعلباً والمبرد حكيا أنَّ سَفِه بكسر [الفاء] يتعدَّى بنفسه كما يتعدَّى سَفَّه بفتح الفاء والتشديد، وحُكي عن أبي الخطاب أنها لغةٌ، وهو اختيارُ الزمخشريُ فإنه قال: «سَفِه نفسَه: امتَهَنَها واستخَفَّ بها» ، ثم ذَكَر
стр. 730
أوجهاً أُخَرَ، ثم قال: «والوجهُ الأول، وكفى شاهداً له بما جاء في الحديث:» الكِبْرُ أَنْ تَسْفَهَ الحقَّ وتَغْمَصَ الناسَ «الثاني: أنه مفعولٌ به ولكن على تضمين» سَفِه «. معنى فِعْلٍ يتعدَّى، فقدَّره الزجاج وابنُ جني بمعنى جَهِل، وقدَّره أبو عبيدة. بمعنى أهلك. الثالث: أنه منصوبٌ على إسقاطِ حرفِ الجرِّ تقديره: سَفِه في نفسه. الرابع: توكيدٌ لمؤكَّدٍ محذوفٍ تقديره: سَفِه قولَه نفسَه، فحذَفَ المؤكَّد، قياساً على النعت والمنعوت، حكاه مكي. الخامس: أنه تمييزٌ وهو قولُ بعضِ الكوفيين، قال الزمخشري:» ويجوز أَنْ يكونَ في شذوذِ تعريفِ المُمَيِّز نحو قوله:
٧٢٧ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا بفَزارةَ الشُّعْرِ الرِّقَابا
٧٢٨ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... أجبَّ الظهرِ ليسَ له سَنامُ
فجعل الرِّقابَ والظهرَ تمييزَيْن، وليسَ كذلك، بل هما مُشَبَّهان
стр. 731
بالمفعول به لأنهما معمولاً صفةٍ مشبهةٍ، وهي الشُّعْر جمع أَشْعر، وأجَبّ وهو اسمٌ. السادس: أنه مشبّهٌ بالمفعولِ به وهو قولُ بعض الكوفيين. السابع: أنه توكيدٌ لِمَنْ سَفِه، لأنه في محلِّ نصبٍ على الاستثناء في أحد القولين، وهو تخريجٌ غريبٌ نقله صاحب «العجائب والغرائب» ، والمختارُ الأولُ لأنَّ التضمينَ لا يَنْقاسُ وكذلك حرفِ الجرِّ، وأمّا حَذْفُ المؤكَّد وإبقاءُ التوكيدِ فالصحيحُ لا يجوزُ، وأمَّا التمييزُ فلا يقع معرفةً، وما وَرَدَ نادرٌ أو مُتَأَوَّل، وأمّا النصبُ على التشبيهِ بالمفعولِ فلا يكونُ في الأفعالِ إنما يكون في الصفاتِ المشبَّهةِ خاصةً.
قوله: ﴿فِي الآخرة﴾ فيه خمسةُ أوجه، أحدُها: أنه متعلِّق بالصالحين على أن الألفِ واللامَ للتعريفِ وليستْ موصولةً. الثاني أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ أيضاً لكن مِنْ جِنسِ الملفوظِ به أي: وإنه لصالحٌ في الآخرة لَمِن الصالحين. الرابع: أن يتعلَّقَ بقولِه «الصالحين» وإنْ كانت أل موصولةً: لأنه يُغْتفر في الظروفِ وشِبْهِها ما لا يُغْتَفَرُ في غيرِها اتِّساعاً، ونظيرُه قوله:
٧٢٩ - رَبَّيْتُه حتى إذا تَمَعْدَدا ... كان جزائي بالعَصَى أَنْ أُجْلَدَا
الخامس: أن يتعلَّق ب «اصَطَفْيناه» قال الحسين بن الفضل: «في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ، مجازُه: ولقد اصطفيناه في الدنيا وفي الآخرة» وهذا ينبغي ألاَّ يجوزُ مثلُه في القرآنِ لنُبُوِّ السَّمْعِ عنه.
стр. 732
والاصطفاءُ: الاختيارُ، افتعال من صَفْوةِ الشيء وهي خِيارُه، وأصلُه: اصْتَفى، وإنما قُلِبت تاءُ الافتعال طاءً مناسبةً للصادِ لكونِها حرفَ إطباقٍ وتقدَّم ذلك عند قولِه: ﴿أَضْطَرُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٦] . وأكَّد جملةَ الاصطفاءِ باللام، والثانية بإنَّ واللام، لأنَّ الثانية محتاجةٌ لمزيدِ تأكيدٍ، وذلك أنَّ كونَه في الآخرةِ من الصالحين أمرٌ مغيَّبٌ، فاحتاجَ الإِخبارُ به إلى فَضْلِ توكيدٍ، وأمَّا اصطفاءُ الله له/ فقد شاهَدُوه منه ونَقَله جيلٌ بعد جيلٍ.
стр. 733
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ﴾ : في «إذ» خمسةُ أوجهٍ أصَحُّها أنه منصوبٌ ب «قال أَسْلَمْتُ» ، أي: قال أسلمتُ وقتَ قولِ الله له أَسْلَمْ. الثاني: أنه بَدَلٌ من قوله «في الدنيا» . الثالث: أنه منصوبٌ باصطفيناه. الرابع: أنه منصوبٌ ب «اذكر» مقدَّراً، ذكر ذلك أبو البقاء والزمخشري. وعلى تقدير كونِه معمولاً لاصطفيناه أو ل «اذكر» مقدرّاً يبقى قولُه «قال أسلمْتُ» غيرَ منتظم مع ما قبله، إلا أنْ يُقدَّرَ حذفُ حرفِ عطفٍ أي: فقال، أو يُجْعَلَ جواباً لسؤالٍ مقدَّرٍ أي: ما كان جوابُه؟ فقيل: قال أسلَمْتُ، الخامس: أبْعَدَ بعضُهم فجعله مع ما بعدَه في محلِّ نصبٍ على الحالِ والعاملُ فيه «اصطَفَيْناه» .
وفي قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ﴾ التفاتٌ إذ لو جاءَ على نَسَقِهِ لقيل: إذ قلنا، لأنَّه بعدَ «ولقَدِ اصْطَفَيْناه» وعكسُه في الخروجِ من الغَيْبةِ إلى الخطابِ قولُه:
٧٣٠ - باتَتْ تَشَكَّى إليَّ النفسُ مُجْهِشَةً ... وقد حَمَلْتُكَ سبعاً بعدَ سَبْعينا
وقوله ﴿لِرَبِّ العالمين﴾ فيه من الفخامة ما ليس في قوله «لك»
стр. 734
أو «لربّي» ، لأنه إذا اعترف بأنَّه ربُ جميعِ العالمينِ اعتَرَف بأنه ربُّه وزيادةٌ بخلافِ الأول فلذلك عَدَلَ عن العبارَتَيْنِ. وفيه قوله: «أَسْلْمِ» حَذْفُ مفعولٍ تقديرُه: أَسْلِمْ لربِّك.
стр. 735
قوله تعالى: ﴿ووصى﴾ : قُرِىء مِنْ وصَّى، وفيه معنى التكثير باعتبارِ المفعولِ المُوَصَّى، وأَوْصى رباعياً وهي قراءةُ نافعٍ وابنِ عامر، وكذلك هي في مصاحفِ المدينةِ والشام، وقيل أَوْصى ووصَّى بمعنىً.
والضميرُ في «بها» فيه ستةُ أقوالٍ، أحدُها: أنه يعودُ على المِلَّة في قوله: ﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ ، قال الشيخ: «وبه ابتدأ الزمخشري، ولم يذكُرِ [المهدوي] وغيرَه» والزمخشري ﵀ لم يذكرْ هذا، وإنما ذَكَرَ عَوْدَه على قوله «أَسَلَمْتُ» لتأويله بالكلمةِ، قال الزمخشري: «والضميرُ في» بها «لقولِه ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين﴾ على تأويلِ الكلمةِ والجملةِ، ونحوُه رجوعُ الضميرِ في قولِه: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً﴾ [الزخرف: ٢٨] إلى قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الذي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٨] وقولُه» كلمةً باقيةً «دليلٌ على أن التأنيثِ على معنى الكلمة. انتهى. الثاني: أنَّه يعودُ على الكلمةِ المفهومةِ من قولِه» أَسْلَمْتُ «كما تقدَّم تقريرُه عن الزمخشري: قال ابن عطية:» وهو أصوبُ لأنه أقربُ مذكور «. الثالثُ: أنه يَعودُ على متأخر، وهو الكلمةُ المفهومةُ مِنْ قولِه: ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ . الرابع: أنه
стр. 736
يعودُ إلى كلمةِ الإِخلاص وإن لم يَجْرِ لها [ذِكْرٌ] . الخامسُ: أنه يعودُ على الطاعةِ للعلم بها أيضاً. السادسُ: أنَّه يعودُ على الوصيَّةِ المدلولِ عليها بقوله:» ووصَّى «، و» بها «يتعلَّق لوصَّى. و» بنِيه «مفعولٌ به.
قوله: ﴿وَيَعْقُوبُ﴾ الجمهورُ على رفعه وفيه قولان، أظهرهُما: أنه عطفٌ على» إبراهيم «ويكونُ مفعولُه محذوفاً أي: ووصَّى يعقوبُ بنيه أيضاً، والثاني: أن يكونَ مرفوعاً بالابتداءِ وخبرُه محذوفٌ تقديرُه ويعقوبُ قال: يا بَنِيَّ إنَّ الله اصطفى. وقرأ إسماعيل بن عبد الله وعمرو بن فائد بنصبه عطفاً على» بَنيه «، أي: ووصَّى إبراهيمُ يعقوبَ أيضاً.
قوله: ﴿يَا بَنِيَّ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه من مقولِ إبراهيمِ، وذلك على القولِ بعطفِ يعقوبَ على إبراهيم أو على قراءتهِ منصوباً. والثاني: أنه مِنْ مقولِ يعقوبَ إنْ قُلْنا رفعُه بالابتداءِ ويكونُ قد حَذَفَ مقولَ إبراهيم للدلالةِ عليه تقديرُه:» ووصَّى إبراهيمُ بنيه يا بَنِيَّ، وعلى كلِّ تقديرٍ فالجملةُ من قوله: «يا بَنِيَّ» وما بعدها [منصوبةٌ] بقولٍ محذوفٍ على رأيِ البصريين، أي: فقال يا بَنِيَّ، وبفعل الوصيَّةِ لأنَّها في معنى القولِ على رأيِ الكوفيين، وقال الراجز:
٧٣١ - رَجُلانِ مِنْ ضَبَّةَ أَخْبرانَا ... إنَّا رَأَيْنا رجلاً عُرْيانا
بكسر الهمزةِ على إضمارِ القولِ، أو لإِجراءِ الخبرِ مُجْرى القولِ،
стр. 737
ويؤيِّد تعلُّقَها بالوصية قراءةُ ابنِ مسعود: «أَنْ يا بَنِيَّ» ب «أَنْ» المفسرة، ولا يجوزُ أن تكونَ هنا مصدريةً لعدمِ ما يَنْسَبِكُ منه مصدرٌ، ومَنْ أبى جَعْلَها مفسرةً وهم الكوفيون يجعلونَها زائدةً.
ويعقوبُ عَلَمٌ أعجمي ولذلك لا يَنْصَرِفُ، ومَنْ زَعَم أنَّه سُمِّي يعقوب لأنه وُلِد عَقِبَ العَيْص أخيه وكانا تَوْءَمين أَوْ لأنه كَثُر عَقِبُه ونَسْلُه فقد وَهمَ؛ لأنه كان ينبغي أن ينصَرِفَ لأنه عربيٌّ مشتق. ويعقوب أيضاً ذَكَرُ الحَجَل، إذا سُمِّي به المذكرُ انصرفَ، والجمعُ يعاقِبَة ويعاقيب.
و «اصطفى» ألفُه عن ياء، تلك الياءُ منقلبةُ عن واو لأنها من الصَّفْوة، ولمَّا صارتِ الكلمةُ أربعةً فصاعداً، قُلِبَتْ ياءً ثم انقَلَبَتْ ألفاً. و «لكم» أي لأجلكم، والالفُ واللامُ في «الذين» للعهدِ.
قوله: ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إلا﴾ هذا نَهْيٌ في الصورةِ عن الموتِ، وهو في الحقيقةِ نَهْيٌ عن كونِهم على خلافِ حالِ الإِسلامِ إذا ماتوا كقولك: «لا تُصَلِّ إلا وأنت خاشع» ، فَنهْيُك له ليس عن الصلاة، إنما هو عن تَرْك الخشوع في حالِ صلاتِه، والنكتةُ في إدخالِ حرفِ النهي على الصلاةِ وهي غيرُ مَنْهِيٍّ عنها هي إظهارُ أنَّ الصلاةَ التي لا خشوعَ فيها كالصلاة، كأنه قال: أَنْهَاك عنها إذا لم تُصَلِّها على هذه الحالةِ، وكذلك المعنى في الآيةِ إظهارُ أنَّ موتهم لا على حالِ الثباتِ على الإِسلامِ موتٌ لا خيرَ فيه، وأنَّ حقَّ هذا الموتِ ألاَّ يُجْعَلَ فيهم.
وأصل تموتُنَّ: تموتُونَنَّ: النونُ الأولى علامةُ الرفعِ والثانيةُ المشدَّدةُ للتوكيدِ، فاجتمع ثلاثةُ أمثالٍ فَحُذِفَتْ نونُ الرفعِ؛ لأنَّ نونَ التوكيدِ أَوْلى
стр. 738
بالبقاءِ لدلالِتها على معنىً مستقلٍ فالتقى ساكنان: الواوُ والنونُ الأولى المُدْغمة فَحُذِفَت الواوُ لالتقاءِ الساكنين، وبقيتِ الضمةُ تَدُلُّ عليها وهكذا كلُّ ما جاء من نظائره. ﴿إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ هذا استثناءٌ مفرَّغٌ من الأحوالِ العامة، و «أنتم مسلمون» مبتدأٌ وخبرٌ في محلِّ نصلٍ على الحالِ كأنه قال تعالى «لا تَموتُنَّ على كلِّ حالٍ إلا على هذه الحالِ» ، والعاملُ فيها ما قبلَ إلاَّ.
стр. 739
قوله: ﴿أَمْ﴾ : في أم هذه ثلاثةُ أقوالٍ، أحدُهما - وهو المشهورُ -: أنها منقطعةٌ، والمنقطعةُ تُقُدَّر ب «بل» وهمزةِ الاستفهامِ وبعضُهم يقدَّرُها ببل وحدَها. ومعنى الإِضرابِ انتقالٌ من شيءٍ إلى شيءٍ لا إبطالٌ له، ومعنى الاستفهامِ الإِنكارُ والتوبيخُ فيؤُول معناه إلى النفي أي: بل أكنتم شهداءَ يعني لم تكونوا. الثاني: أنها بمعنى/ همزةِ الاستفهامِ وهو قولُ ابن عطية والطبري، إلا أنهما اختلفا في محلِّها: فإنَّ ابن عطية قال: «وأم تكون بمعنى ألفِ الاستفهامِ في صدرِ الكلامِ، لغةٌ يمانيَّة» وقال الطبري: «إنَّ أم يُستفهم بها وسْطَ كلامٍ قد تقدَّم صدرُه» ، قال الشيخ في قول ابن عطية: «ولم أقفْ لأحدٍ من النحويين على ما قال» ، وقال في قول الطبري: «وهذا أيضاً قولٌ غريبٌ» . الثالث: أنها متصلةٌ وهو قولُ الزمخشري، قال الزمخشري بعد أن جَعَلَها منقطعةً وجَعَلَ الخطابَ للمؤمنين قال بعد ذلك: «وقيل الخطابُ لليهود، لأنهم كانوا يقولون: ما مات نبيٌّ إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شَهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه لظَهَر لهم
стр. 740
حِرْصُه على مِلَّة الإِسلامِ ولَمَا ادَّعَوا عليه اليهوديةَ، فالآيةُ منافيةٌ لقولهم، فكيف يُقال لهم: أم كنتم شهداءَ؟ ولكن الوجهَ أن تكونَ» أم «متصلةً على أَنْ يُقَدَّرَ قبلَها محذوفٌ كأنه قيل: أَتَدَّعُون على الأنبياءِ اليهوديةَ أم كنتُمْ شهداءَ، يعني أنَّ أوائلكم من بني إسرائيلَ كانوا مشاهِدين له إذا أراد بَنيه على التوحيد وملَّةِ الإِسلامِ. فما لكم تَدَّعُون على الأنبياءِ ما هم منه بَراءٌ؟» .
قال الشيخ: «ولا أعلَمُ أحداً أجازِ حَذْفَ هذه الجملةِ، لا يُحْفَظُ ذلك في شعرٍ ولا غيرِه، لو قلت:» أم زيدٌ «تريد:» أقام عمروٌ أم زيدٌ «لم يَجُزْ، وإنما يجوز حَذْفُ المعطوفِ عليه مع الواوِ والفاءِ إذا دَلَّ عليه دليلٌ كقولك:» بلى وعمراً «لمَنْ قال: لم يَضرِبْ زيداً، وقوله تعالى: ﴿فانفجرت﴾ [البقرة: ٦٠] أي فضربَ فانفجَرَتْ، ونَدَرَ حَذْفُه مع أو كقوله:
٧٣٢ - فَهل لكَ أو مِنْ والدٍ لَكَ قبلنا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أي: من أخٍ أو والدٍ، ومع حتى كقوله:
٧٣٣ - فواعَجَباً حتى كُلَيْبٌ تَسُبُّني ... كأن أباها نَهْشَلٌ أو مجاشِعُ
أي: يَسُبُّني الناسُ حتى كُلَيْبٌ، على نظرٍ فيه، وإنما الجائزُ حَذْفُ» أم «مع ما عَطَفَتْ كقوله:
следующие страницы →