Полный текст (10 772 стр.). Показаны 7736–7775 · переход к 7741.
стр. 7736
بالكسرةِ. وهذا الخلافُ بعينِه جارٍ في المجادلة أيضاً والطلاق.
قوله: «تُظاهِرون» قرأ عاصمٌ «تُظاهِرون» بضم التاء وكسر الهاءِ بعد ألفٍ، مضارعَ ظاهَرَ. وابنُ عامرٍ «تَظَّاهرون» بفتح التاء والهاء وتشديد الظاء مضارعَ تَظاهَر. والأصل «تتظاهرون» بتاءَيْن فأدغم. والأخوان كذلك، إلاَّ أنهما خَفَّفا الظاءَ. والأصل أيضاً بتاءَيْن. إلاَّ أنهما حَذَفا إحداهما، وهما طريقان في تخفيف هذا النحو: إمَّا الإِدغامُ، وإمَّا الحَذْفُ. وقد تقدَّم تحقيقُه في نحو: «يَذَّكَّرْ» و «تَذَكَّرُون» مثقلاً ومخففاً. وتقدَّم نحوُه في البقرة أيضاً.
والباقون «تَظَّهَّرون» بفتح التاءِ والهاءِ وتشديدِ الظاء والهاء دونَ ألفٍ. والأصل: تَتَظَهَّرُوْن بتاءَيْن فأدغَم نحو: «تَذَكَّرون» . وقرأ الجميع في المجادلة كقراءتِهِم هنا في قوله: ﴿يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] إلاَّ الأخَوَيْن، فإنَّهما خالَفا أصلهما هنا فقرآ في المجادلة بتشديدِ الظاءِ كقراءةِ ابنِ عامر. والظِّهارُ مشتقٌّ من الظَّهْرِ. وأصلُه أن يقولَ الرجلُ لامرأتِه: «أنتِ علي كظهرِ أمي» ، وإنما لم يَقْرأ الأخَوان بالتخفيفِ في المجادلة لعدم المسوِّغِ له وهو الحذفُ؛ لأنَّ الحذفَ إنما كان لاجتماع مِثْلَيْن وهما التاءان، وفي المجادِلة ياءٌ من تحتُ
стр. 7737
وتاءٌ من فوقُ، فلم يجتمعْ مِثْلان فلا حَذْفَ، فاضْطُرَّ إلى الإِدغام.
هذا ما قُرِئ به متواتراً.
وقرأ ابنُ وثَّاب «تُظْهِرُون» بضم التاء وسكون الظاء وكسرِ الهاء مضارعَ أَظْهَرَ. وعنه أيضاً «تَظَهَّرُون» بفتح التاء والظاءِ مخففةً، وتشديدِ الهاء، والأصل: تَتَظَهَّرون، مضارعَ تَظَهَّر مشدداً فحذف إحدى التاءين. وقرأ الحسن «تُظَهِّرون» بضمِّ التاء وفتح الظاءِ مخففةً وتشديد الهاء مكسورةً مضارعَ ظَهَّر مشدداً. وعن أبي عمروٍ «تَظْهَرُون» بفتحِ التاء والهاء وسكونِ الظاءِ مضارعَ «ظهر» مخففاً. وقرأ أُبَي - وهي في مصحفِه كذلك - تَتَظَهَّرون بتاءَيْن. فهذه تسعُ قراءات: أربعٌ متواترةٌ، وخمسٌ شاذةٌ. وأَخْذُ هذه الأفعالِ مِنْ لفظِ الظَّهْر كأَخْذِ لَبَّى من التَّلْبية، وتأَفَّفَ مِنْ أُفٍّ. وإنما عُدِّي ب «مِنْ» لأنه ضُمِّن معنى التباعد. كأنه قيل: يتباعَدُون مِنْ نسائِهم بسببِ الظِّهار كما تقدَّم في تعديةِ الإِيلاء ب «مِنْ» في البقرة.
قوله: «ذلكمْ قولُكم» مبتدأٌ وخبرٌ أي: دعاؤكُم الأدعياءَ أبناءً مجردُ قولِ لسانٍ مِنْ غيرِ حقيقةٍ. والأَدْعياءُ: جمعُ دَعِيّ بمعنى مَدْعُوّ فَعيل بمعنى مَفْعول. وأصلُه دَعِيْوٌ فأُدْغم ولكن جَمْعَه على أَدْعِياء غيرُ مَقيس؛ لأنَّ أَفْعِلاء إنما يكونُ جمعاً لفَعيل المعتلِّ اللامِ إذا كان بمعنى فاعِل نحو: تقِيّ وأَتْقِياء، وغَنيّ
стр. 7738
وأغنياء، وهذا وإنْ كان فَعيلاً معتلَّ اللام إلاَّ أنه بمعنى مَفْعول، فكان قياسُ جمعِه على فَعْلَى كقتيل وقَتْلَى وجريح وجَرْحى. ونظيرُ هذا في الشذوذِ قولُهم: أَسير وأُسَراء، والقياس أَسْرَى، وقد سُمِع فيه الأصل.
стр. 7739
قوله: ﴿هُوَ أَقْسَطُ﴾ : أي: دعاؤُهم لآبائهم، فأضمرَ المصدرَ لدلالةِ فعلِه عليه كقوله: ﴿اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ﴾ [المائدة: ٨] .
قوله: ﴿ولكن مَّا تَعَمَّدَتْ﴾ يجوزُ في «ما» وجهان، أحدُهما: أنها مجرورةُ المحلِّ عطفاً على «ما» قبلها المجرورةِ ب «في» ، والتقديرُ: ولكنَّ الجُناحَ فيما تعمَّدت. والثاني: أنها مرفوعةُ المحلِّ بالابتداءِ، والخبرُ محذوفٌ. تقديرُه: تُؤَاخَذُون به، أو عليكم فيه الجُناحُ. ونحوُه.
стр. 7740
قوله: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ : أي: مثلُ أمِّهاتهم في الحكمِ. ويجوزُ أن يُتناسى التشبيهُ، ويُجْعلون أمَّهاتِهم مبالغةً.
قوله: «بعضُهم» يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ بدلاً من «أُوْلُو» . والثاني: أنه مبتدأٌ وما بعده خبرُه، والجملةُ خبرُ الأولِ.
قوله: ﴿فِي كِتَابِ الله﴾ يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ ب «أَوْلَى» ؛ لأنَّ أَفْعَلَ التفضيلِ يعملُ في الظرفِ. ويجوزُ أَنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها حالٌ من الضمير في «أَوْلَى» والعاملُ فيها «أَوْلَى» لأنها شبيهةٌ بالظرفِ. / ولا جائزٌ أَنْ يكونَ حالاً مِنْ «أُوْلُو» للفَصْلِ بالخبرِ، ولأنَّه لا عامِلَ فيها.
قوله: «من المؤمنين» يجوز فيه وجهان، أحدهما: أنها «مِنْ» الجارَّةُ للمفضولِ كهي في «زيدٌ أفضلُ من عمروٍ» المعنى: وأُولو الأرحامِ أَوْلَى بالإِرثِ من المؤمنين والمهاجرين الأجانب. والثاني: أنَها للبيانِ جيْءَ بها بياناً
стр. 7741
لأُوْلي الأرحامِ، فتتعلَّق بمحذوف أي: أعني. والمعنى: وأُولوا الأرحام من المؤمنين أَوْلَى بالإِرث مِن الأجانب.
قوله: ﴿إِلاَّ أَن تفعلوا﴾ هذا استثناءٌ مِنْ غيرِ الجنس، وهو مستثنىً مِنْ معنى الكلامِ وفحواه، إذ التقديرُ: أُولو الأرحامِ بعضُهم أَوْلَى ببعض في الإِرث وغيرِه، لكن إذا فَعَلْتُمْ مع غيرِهم مِنْ أوليائِكم خيراً كان لكم ذلك. وعُدِّي «تَفْعَلوا» ب «إلى» لتضمُّنِه معنى تَدْخُلوا.
стр. 7742
قوله ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا﴾ : يجوزُ فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ منصوباً ب اذكر. أي: واذْكُرْ إذ أَخَذْنا. والثاني: أَنْ يكونَ معطوفاً على محلِّ «في الكتاب» فيعملَ فيه «مَسْطُوراً» أي: كان هذا الحكمُ مَسْطوراً في الكتاب ووقتِ أَخْذِنا.
قوله: «ميثاقاً غليظاً» هو الأولُ، وإنما كُرِّر لزيادةِ صفتِه وإيذاناً بتوكيده.
стр. 7743
قوله: ﴿لِّيَسْأَلَ﴾ : فيها وجهان، أحدُهما: أنها لامُ كي أي: أَخَذْنا ميثاقَهم ليَسْأل المؤمنين عن صدقهم، والكافرين عن تكذيبهم، فاستغنى عن الثانِي بذِكْر مُسَبِّبه وهو قولُه: «وأَعدَّ» . والثاني: أنها للعاقبة أي: أَخَذَ الميثاقَ على الأنبياء ليصيرَ الأمرُ إلى كذا. ومفعولُ «صدقِهم» محذوفٌ أي: صِدْقِهم عهدَهم. ويجوز أن يكون «صِدْقِهم» في معنى «تَصْديقهم» ، ومفعولُه محذوفٌ أيضاً أي: عن تصديقِهم الأنبياءَ.
قوله: «وأَعَدَّ» يجوزُ فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ معطوفاً على ما دَلَّ عليه «ليَسْألَ الصادقين» ؛ إذ التقديرُ: فأثاب الصادقين وأعَدَّ للكافرين. والثاني: أنه معطوفٌ على «أَخَذْنا» لأنَّ المعنى: أنَّ اللَّهَ تعالى أكَّدَ على الأنبياءِ الدعوةَ
стр. 7744
إلى دينه لإِثابة المؤمنين وأعَدَّ للكافرين. وقيل: إنه قد حَذَفَ من الثاني ما أثبت مقابلَه في الأول، ومن الأولِ ما أثبتَ مقابلَه في الثاني. والتقدير: ليسألَ الصادقينِ عن صِدْقِهم فأثابهم، ويَسْألَ الكافرين عَمَّا أجابوا به رُسُلَهم، وأعَدَّ لهم عذاباً أليماً.
стр. 7745
قوله: ﴿إِذْ جَآءَتْكُمْ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً ب «نعمةَ» أي: النعمة الواقعة في ذلك الوقتِ. ويجوز أَنْ يكونَ منصوباً ب اذكروا على أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ «نعمة» بدلَ اشتمال.
стр. 7746
قوله: ﴿إِذْ جَآءُوكُمْ﴾ : بدلٌ من «إذ» الأولى. وقرأ الحسنُ «الجَنود» بفتح الجيم. والعامَّةُ بضمِّها. و «جنوداً» عطفٌ على «ريحاً» . و «لم تَرَوْها» صفةٌ لهم. ورُوِي عن أبي عمرو وأبي بكرة «لم يَرَوْها» بياءِ الغَيْبة.
قوله: «الحَناجرَ» جمع حَنْجَرة وهي رأسُ الغَلْصَمَة، والغَلْصَمَةُ مُنتهى الحُلْقوم، والحُلْقُوْمُ مَجْرى الطعامِ والشرابِ. وقيل: الحُلْقُوم مَجْرى النَّفَس، والمَرِي: مَجْرى الطعام والشراب وهو تحت الحُلْقوم. وقال الراغب: «رأسُ الغَلْصَمَة من خارج» .
стр. 7747
وقوله: «الظنونا» قرأ نافع وابنُ عامر وأبو بكر بإثبات ألفٍ بعد نون «الظُّنونا» ولامِ «الرسول» في قوله: ﴿وَأَطَعْنَا الرسولا﴾ [الأحزاب: ٦٦] ولام «السَّبيل» في قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السبيلا﴾ [الأحزاب: ٦٧] وَصْلاً ووَقْفاً موافقةً للرسمِ؛ لأنهنَّ رُسِمْنَ في المصحف كذلك. وأيضاً فإنَّ هذه الألفَ تُشْبه هاءَ السكتِ لبيانِ الحركة، وهاءُ السكتِ تَثْبُتُ وقفاً، للحاجة إليها. وقد ثَبَتَتْ وصلاً إجراءً للوصل مُجْرى الوقف كما تقدَّم في البقرة والأنعام. فكذلك هذه الألفُ. وقرأ أبو عمروٍ وحمزةُ بحَذْفِها في الحالَيْن؛ لأنها لا أصلَ لها. وقولُهم: «أُجْرِيَتْ الفواصلُ مُجْرى القوافي» غيرُ مُعْتَدٍّ به؛ لأنَّ القوافي يَلزَمُ الوقفُ عليها غالباً، والفواصلُ لا يَلْزَمُ ذلك فيها فلا تُشَبَّهُ بها. والباقون بإثباتِها وَقْفاً وحَذْفِها وَصْلاً إجراءً للفواصلُ مُجْرى القوافي في ثبوتِ ألفِ الإِطلاق كقولِه:
٣٦٧٦ - اسْتأثَرَ اللَّهُ بالوفاءِ وبال ... عَدْلِ ووَلَّى المَلامَةَ الرَّجُلا
وقوله:
٣٦٧٧ - أقِلِّي اللومَ عاذلَ والعِتابا ... وقُولي إن أَصَبْتُ لقد أصابا
ولأنها كهاءِ السكت، وهي تَثْبُتُ وقفاً وتُخَفَّفُ وصلاً. قلت: كذا يقولون
стр. 7748
تشبيهاً للفواصلِ بالقوافي، وأنا لا أحب هذه العبارةَ فإنها مُنْكَرَة لفظاً ولا خلافَ في قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السبيل﴾ [الأحزاب: ٤] أنه بغيرِ ألفٍ في الحالين.
قوله: «هنالك» منصوبٌ ب «ابْتُلِيَ» وقيل: ب «تَظُنُّون» . واسْتَضْعَفَه ابنُ عطية. وفيه وجهان، أظهرهما: أنه ظرفُ مكانٍ/ بعيدٍ أي: في ذلك المكان الدَّحْضِ وهو الخندقُ. الثاني: أنه ظرفُ زمانٍ، وأنشد بعضُهُم على ذلك:
٣٦٧٨ - وإذا الأمورُ تَعاظَمَتْ وتشاكَلَتْ ... فهناك يَعْتَرفون أين المَفْزَعُ
قوله: «وزُلْزِلُوا» قرأ العامَّةُ بضمِّ الزاي الأولى وكسرِ الثانية على أصل ما لم يُسَمَّ فاعلُه. ورَوَى غيرُ واحدٍ عن أبي عمروٍ كَسْرَ الأولى. وروى الزمخشريُّ عنه إشمامَها كسراً. ووجهُ هذه القراءةِ أَنْ يكونَ أتبعَ الزايَ الأولى للثانيةِ في الكسرِ، ولم يَعْتَدَّ بالساكنِ لكونِه غيرَ حصينٍ، كقولهم: «مِنْتِن» بكسرِ الميم، والأصل ضمُّها.
قوله: «زِلْزالاً» مصدر مُبَيِّنٌ للنوعِ بالوصف. والعامَّةُ على كسر الزاي.
стр. 7749
وعيسى والجحدري فتحاها. وهما لغتان في مصدرِ الفعل المضعَّفِ إذا جاء على فِعْلال نحو: زِلْزال وقِلْقال وصِلْصال. وقد يُراد بالمفتوح اسمُ الفاعل نحو: صَلْصال بمعنى مُصَلْصِل، وزَلزال بمعنى مُزَلْزِل.
стр. 7750
قوله: ﴿ياأهل يَثْرِبَ﴾ : يثرب اسمُ المدينةِ. وامتناعُ صَرْفها إمَّا: للعلميةِ والوزنِ، أو للعلميَّةِ والتأنيثِ، وأمَّا «يَتْرَب» بالتاء المثناة وفتح الراء فموضعٌ آخرُ قال:
٣٦٧٩ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... مواعيدَ عُرْقوبٍ أخاه بيَتْرَبِ
قوله: ﴿لاَ مُقَامَ لَكُمْ﴾ قرأ حفصٌ بضم الميم، ونافع وابن عامر بضم ميمِه أيضاً في الدخان في قوله: ﴿إِنَّ المتقين فِي مَقَامٍ﴾ [الدخان: ٥١] ولم يُخْتَلَفْ في الأول أنه بالفتح وهو ﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان: ٢٦] والباقون بفتح الميم في الموضعين. والضمُّ والفتح مفهومان من سورة مريم عند قوله: ﴿خَيْرٌ مَّقَاماً﴾ [مريم: ٧٣]
стр. 7751
قوله: «عَوْرَةٌ» أي: ذاتُ عَوْرة. وقيل: منكشِفةٌ للسارقِ. قال الشاعر:
٣٦٨٠ - له الشَّدَّةُ الأُوْلى إذا القِرْنُ أَعْورا ... وقرأ ابن عباس وابن يعمر وقتادة وأبو رجاء وأبو حيوة وآخرون «عَوِرة» بكسرِ الواو، وكذلك ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ وهي اسمُ فاعلٍ يُقال: عَوِر المنزلُ يَعْوَر عَوْراً وعَوْرَة فهو عَوِر وبيوتٌ عَوْرَةٌ. قال ابن جني: «تصحيحُ الواوِ شاذٌ» يعني حيث تحرَّكَتْ وانفتح ما قبلها، ولم تُقْلَبْ ألفاً. وفيه نظرٌ لأنَّ شرطَ ذاك في الاسم الجاري على الفعلِ أَنْ يَعْتَلَّ فِعْلُه نحو: مَقام ومَقال. وأمَّا هذا ففعلُه صحيحٌ نحوَ: عَوِر. وإنما صَحَّ الفعلُ وإنْ كان فيه مُقْتضى الإِعلال لِمَدْرَكٍ آخرَ: وهو أنه في معنى ما لا يُعَلُّ وهو أَعْوَر ولذلك لم يُتَعَجَّبْ مِنْ عَوِر وبابه. وأَعْوَرَ المنزلُ: بَدَتْ عَوْرَتُه، وأَعْوَرَ الفارسُ: بدا منه خَلَلٌ للضربِ. قال الشاعر:
٣٦٨١ - متى تَلْقَهم لم تَلْقَ في البيتِ مُعْوِراً ... ولاَ الضيفَ مَسْجوراً ولا الجارَ مُرْسَلاً
стр. 7752
قوله: ﴿مِّنْ أَقْطَارِهَا﴾ : الأَقْطار جمع قُطْر بضمِّ
стр. 7753
القاف، وهي الناحيةُ. وفيه لغةٌ: قُتْر وأَقْتار بالتاء. والقُطْر: الجانب أيضاً. ومنه قَطَرْتُه أي: أَلْقَيْتُه على قُطْرِه فَتَقَطَّر أي: وقع عليه. قال الشاعر:
٣٦٨٢ - قد عَلِمَتْ سَلْمى وجاراتُها ... ما قَطَّر الفارسَ إلاَّ أنا
وفي المَثَل «الانفضاض يقطر الحلب» تفسيرُه: أنَّ القومَ إذا انَفَضُّوا أي: فَني زادُهم احتاجوا إلى حَلْبِ الإِبلِ. وسُمِّي القَطْرا قَطْراً لسقوطِه.
قوله: «ثم سُئِلوا» قرأ مجاهد «سُوْيِلُوا» بواوٍ ساكنة ثم ياءٍ مكسورةٍ كقُوتلوا. حكى أبو زيد هما يَتَساوَلان بالواو. والحسنُ «سُوْلُوا» بواوٍ ساكنةٍ فقط، فاحتملت وجهين، [أحدهما] : أَنْ يكونَ أصلُها سُئِلوا كالعامَّةِ ثم خُفِّفَتِ الكسرةُ فسَكَنَتْ، كقولِهم في «ضَرِب» بالكسر: ضَرْب بالسكون فَسَكَنت الهمزةُ بعد ضمة فقُلِبت واواً نحو: بُوْس في بُؤْس. والثاني: أن تكونَ مِنْ لغة الواو. ونُقل عن أبي عمرو أنه قرأ «سِيْلُوا» بياءٍ ساكنةٍ بعد كسرةٍ نحو: مِيْلُوا.
قوله: «لأَتَوْها» قرأ نافعٌ وابن كثيرِ بالقصر بمعنى لَجأْؤُوْها
стр. 7754
وغَشِيُوها. والباقون بالمدِّ بمعنى: لأَعْطَوْها. ومفعولُه الثاني محذوفٌ تقديره: لآتَوْها السَّائلين. والمعنى: ولو دَخَلْتَ البيوتَ أو المدينة مِنْ جميع نواحيها، ثم سُئِل أهلُها الفتنةَ لم يمتنعوا من إعطائِها. وقراءةُ المَدِّ تَسْتَلْزِمُ قراءةَ القصرِ من غيرِ عكسٍ بهذا المعنى الخاص.
قوله: «إلاَّ يَسِيراً» أي: إلاَّ تَلَبُّثاً أو إلاَّ زماناً يسيراً. وكذلك قولُه: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: ١٦] أي: إلا تَمَتُّعاً أو إلاَّ زماناً قليلاً.
стр. 7755
قوله: ﴿لاَ يُوَلُّونَ﴾ : جوابٌ لقولِه «عاهَدوا» لأنَّه في معنى أَقْسَموا. وجاء على حكايةِ اللفظ فجاء بلفظِ الغَيْبة/ ولو جاء على حكايةِ المعنى لقيل: لا يُوَلِّي. والمفعولُ الأولُ محذوفٌ أي: لا يُوَلُّون العَدُوَّ الأدبارَ. وقال أبو البقاء: «ويُقرأ بتشديد النون وحَذْفِ الواوِ على تأكيدِ جواب القسم» . قلت: ولا أظنُّ هذا إلاَّ غلطاً منه، وذلك أنه: إمَّا أَنْ يُقْرأ مع ذلك ب «لا» النافية أو بلامِ التأكيد. الأولُ لا يجوزُ؛ لأنَّ المضارع المنفيَّ ب «لا» لا يؤكَّد بالنون إلاَّ ما نَدَر، مِمَّا لا يُقاس عليه. والثاني فاسدُ المعنى.
стр. 7756
قوله: ﴿إِن فَرَرْتُمْ﴾ : جوابُه محذوفٌ لدلالةِ النفيِ قبلَه عليه، أو متقدِّمٌ عند مَنْ يرى ذلك.
قوله: ﴿وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ﴾ «إذن» جوابٌ وجزاءٌ. ولمَّا وقعَتْ بعد عاطفٍ جاءَتْ على الأكثر، وهو عدمُ إعمالِها، ولم يَشِذَّ هنا ما شَذَّ في الإِسراء فلم
стр. 7757
يُقْرأ بالنصب. والعامَّةُ على الخطاب في «تُمَتَّعون» . وقُرِئ بالغَيْبة.
стр. 7758
قوله: ﴿مَن ذَا الذي﴾ : قد تقدَّم في البقرة. قال الزمخشريُّ: «فإن قلتَ: كيف جُعِلَتِ الرحمةُ قرينةَ السوءِ في العِصْمة، ولا عِصْمَةَ إلاَّ من السوء؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوءٍ إنْ أرادَ بكم رحمةً، فاختصر الكلامَ وأجري مُجْرى قولِه:
٣٦٨٣ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحاً
أو حُمِلَ الثاني على الأول، لِما في العِصْمة من معنى المَنْع» . قال الشيخ: «أمَّا الوجهُ الأولُ ففيه حَذْفُ جملةٍ لا ضرورةَ تَدْعو إلى حَذْفِها، والثاني هو الوجهُ، لا سيما إذا قُدِّر مضافٌ محذوفٌ أي: يَمْنَعُكم مِنْ مراد الله» قلت: وأين الثاني مِن الأول ولو كان معه حَذْفُ جُمَلٍ؟
стр. 7759
قوله: ﴿هَلُمَّ﴾ : قد تقدَّم الكلامُ فيه آخرَ الأنعام. وهو هنا لازمٌ وهناك متعدٍّ لنصبِه مفعولَه وهو «شُهداءَكم» بمعنى: أَحْضِروهم
стр. 7760
وههنا بمعنى احْضَروا وتعالَوْا، وكلامُ الزمخشريِّ هنا مُؤْذِنٌ بأنه متعدٍّ أيضاً، وحُذِفَ مفعولُه فإنه قال: وَهلمُّوا إلينا أي: قَرِّبوا أنفسَكم إلينا قال: وهي صوتٌ سُمِّي به فعلٌ متعدٍّ مثل: أحضِرْ وقََرِّب. وفي تسميته إياه صَوْتاً نظرٌ؛ إذ أسماءُ الأصواتِ محصورةٌ ليس هذا منها.
стр. 7761
قوله: ﴿أَشِحَّةً﴾ : العامَّةُ على نصبه. وفيه وجهان، أحدهما، أنَّه منصوبٌ على الشتم. والثاني: على الحال. وفي العاملِ فيه أوجهٌ، أحدها: «ولا يأتون» قاله الزجاج. الثاني: «هلمَّ إلينا» . قاله الطبري. الثالث: يُعَوِّقُون مضمراً. قاله الفراء. الرابع: المُعَوِّقين. الخامس: «القائلين» . ورُدَّ هذان الوجهان الأخيران: بأنَّ فيهما الفصلَ بين أبعاضِ الصلة بأجنبي. وفي الردِّ نظرٌ؛ لأنَّ الفاصلَ بين أبعاضِ الصلةِ مِنْ متعلَّقاتها. وإنما يظهر الردُّ على الوجه الرابعِ لأنه قد عُطِفَ على الموصولِ قبل تمامِ صلتِه فتأمَّلْه فإنه حَسَنٌ. وأمَّا «ولا يأتُون» فمعترِضٌ، والمعترضُ لا يمنعُ من ذلك.
وقرأ ابن أبي عبلة «أَشِحَّةٌ» بالرفع على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هم أَشِحَّةٌ. وأشحَّة جَمْعُ شَحيح، وهو جمعٌ لا ينقاس؛ إذ قياسُ فَعِيل الوصفِ الذي عينُه ولامُه مِنْ وادٍ واحدِ أن يُجْمَعَ على أفْعِلاء نحو: خليل وأَخِلاَّء، وظَنين وأَظِنَّاء وضَنين وأَضِنَّاء. وقد سُمِعَ أشِحَّاء، وهو القياس. والشُّحُّ: البخل. وقد تقدَّم في آل عمران.
стр. 7762
قوله: «يَنْظُرون» في محلِّ حالٍ مِنْ مفعول «رَأَيْتَهم» لأن الرؤيةَ بَصَرية.
قوله: «تَدُورُ» إمَّا حالٌ ثانية، وإمَّا حالٌ مِنْ «يَنْظُرون» .
قوله: «كالذي يُغْشَى» يجوز فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ تكونَ حالاً مِنْ «أعينُهم» أي: تدورُ أعينُهم حالَ كونِها مُشْبِهَةً عينَ الذي يُغْشى عليه من الموتِ. الثاني: أنه نعتُ مصدرٍ مقدَّرٍ لقوله «يَنْظُرون» تقديرُه: ينظرون إليك نَظَراً مثلَ نَظَرِ الذي يُغْشى عليه من الموت، ويُؤَيَّدُهُ الآيةُ الأخرى «يَنْظُرون إليك نَظَرَ المَغْشِيِّ عليه من الموت» . الثالث: أنه نعتٌ لمصدرٍ مقدَّرٍ أيضاً ل «تدورُ» أي: دَوَراناً مثلَ دَوَرانِ عَيْنِ الذي. وهو على الوجهين مصدرٌ تشبيهيٌّ.
قوله: «سَلَقوكم» يقال: سَلَقه أي: اجترأ عليه في خِطابه، وخاطبه مُخاطبةً بليغةً. وأصلُه البَسْط ومنه: سَلَقَ امرأتَه أي: بَسَطَها وجامَعَها. قال مسيلمةُ لسجاح لعنهما الله تعالى: /
٣٦٨٤ - ألا هُبِّي إلى المضجَعْ ... فإنْ شِئْتِ سَلَقْنَاك ... وإن شِئْتِ على أربعْ
والسَّليقَةُ: الطبيعةُ المتأتِّيَةُ. والسَّلِيقُ: المَطمئنُّ من الأرض. وخطيبٌ مِسْلاق وسَلاَّق. ويقال بالصاد قال الشاعر:
стр. 7763
٣٦٨٥ - فَصَلَقْنا في مُرادٍ صَلْقَةً ... وصُداءٍ أَلْحَقَتْهُمْ بالثَّلَلْ
و «أشحةً» نصب على الحال مِنْ فاعلِ «سَلَقُوكم» . وابن أبي عبلة على ما تقدَّم في أختها.
стр. 7764
قوله: ﴿يَحْسَبُونَ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً أي: هم من الخوفِ بحيث إنهم لا يُصَدِّقُوْن أن الأحزابَ قد ذهبوا عنهم. ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً مِنْ أحدِ الضمائر المتقدمةِ إذا صَحَّ المعنى بذلك، ولو بَعُدَ العاملُ، كذا قال أبو البقاء.
قوله: «بادُوْن» هذه قراءةُ العامَّةِ جمعُ بادٍ. وهو المُقيم بالباديةِ. وقرأ عبد الله وابن عباس وطلحة وابن يعمر «بُدَّى» بضم الباءِ وتشديدِ الدالِ مقصوراً كغازٍ وغُزَّى، وسارٍ وسُرَّى. وليس بقياسٍ. وإنما قياسُه في التكسير «بُداة» كقُضاة وقاضٍ. ولكنْ حُمِلَ على الصحيح كقولِهم: «ضُرَّب» . ورُوِي عن ابن عباس أيضاً قراءةٌ ثانيةٌ «بَدِيْ» بزنةِ عَدِي، وثالثةٌ «بَدَوْا» فعلاً ماضياً.
قوله: «يَسْألون» يجوز أَنْ يكونَ مستأنفاً، وأن يكونَ حالاً مِنْ فاعِل «يَحْسَبُون» . والعامَّةُ على سكونِ السين بعدها همزةٌ. ونَقَل ابن عطية عن أبي عمرو وعاصم بنَقْلِ حركةِ الهمزةِ إلى السينِ كقولِه: ﴿سَلْ بني إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٢١١] . وهذه ليسَتْ بالمشهورةِ عنهما، ولعلها نُقِلَتْ عنهما شاذَّةً، وإنما
стр. 7765
هي معروفةٌ بالحَسَنِ والأعمش. وقرأ زيد بن علي والجحدري وقتادة والحسن «يَسَّاءَلُون» بتشديدِ السين والأصلُ: يتساءَلون فأدغم أي: يَسْأَلُ بعضُهم بعضاً.
стр. 7766
قوله: ﴿أُسْوَةٌ﴾ : قرأ عاصم بضمِّ الهمزة حيث وقعَتْ هذه اللفظةُ. والباقون بالكسر. وهما لغتان كالعِدْوَة والعُدْوَة، والقِدوة والقُدْوَة.
والأُسْوة بمعنى الاقتداء. وهي اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المصدرِ وهو الائْتِساء، فالأُسْوَةُ من الائتساء كالقُدْوة من الاقتداء. وائْتَسَى فلانٌ بفلانٍ أي اقتدى به. و «أسوةٌ» اسمُ «كان» . وفي الخبرِ وجهان، أحدهما: هو «لكم» فيجوزُ في الجارِّ الآخرِ وجوهٌ: التعلُّقُ بما يتعلَّقُ به الخبرُ، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ «أُسْوَة» ، إذ لو تأخَّر لكان صفةً، أو ب «كان» على مذهبِ مَنْ يراه. والثاني: أنَّ الخبرَ هو ﴿فِي رَسُولِ الله﴾ ، و «لكم» على ما تَقَدَّم في ﴿فِي رَسُولِ الله﴾ ، أو تتعلَّقُ بمحذوفٍ على التبيين أي: أَعْني لكم.
قوله: ﴿لِّمَن كَانَ يَرْجُو﴾ فيه أوجهٌ، أحدها: أنه بدلٌ من الكافِ في «لكم» ، قاله الزمخشري. وقد منعه أبو البقاء. وتابعه الشيخُ. قال أبو البقاء: «وقيل: هو بدلٌ مِنْ ضمير المخاطبِ بإعادةِ الجارِّ. ومَنَعَ منه
стр. 7767
الأكثرون؛ لأنَّ ضميرَ المخاطبِ لا يُبْدَلُ مِنْه» . وقال الشيخُ: «قال الزمخشريُّ: بدلٌ من» لكم «كقولِه: ﴿لِلَّذِينَ استضعفوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ [الأعراف: ٧٥] قال:» ولا يجوزُ على مذهب جمهورِ البصريين أن يُبْدَلَ من ضميرِ المتكلم ولا من ضمير المخاطب بدلُ شيءٍ مِنْ شيءٍ، وهما لعينٍ واحدةٍ. وأجاز ذلك الكوفيون والأخفش. وأنشد:
٣٦٨٦ - بكم قُرَيْشٍ كُفِيْنا كلَّ مُعْضِلَةٍ ... وأَمَّ نَهْجَ الهُدى مَنْ كان ضِلِّيلا
قلت: لا نُسَلِّمُ أنَّ هذا بدلُ شيءٍ مِنْ شيءٍ وهما لعينٍ واحدة، بل بدلُ بعضٍ مِنْ كل باعتبارِ الواقع؛ لأنَّ الخطابَ في قولِه «لكم» أَعَمُّ مِنْ ﴿مَن كَانَ يَرْجُو الله﴾ وغيرِه، ثم خَصَّصَ ذلك العمومَ لأنَّ المتأسِّيَ به ﵇ في الواقعِ إنما هم المؤمنون. ويَدُلُّك على ما قلتُه ظاهرُ تشبيهِ الزمخشريِّ هذه الآيةَ بآيةِ الأعراف، وآيةُ الأعرافِ البدلُ فيها بدلُ كل مِنْ كل. ويُجاب: بأنَّه إنما قَصَد التشبيهَ في مجردِ إعادةِ العاملِ.
والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ ل «حَسَنةٌ» . الثالث: أَنْ يتعلَّقَ بنفس «حَسَنة» قالهما أبو البقاء. ومَنَعَ أَنْ يَتَعَلَّقَ ب «أُسْوَة» قال: «لأنها قد وُصِفَتْ» . و «كثيراً» أي: ذِكْراً كثيراً.
стр. 7768
قوله: ﴿وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ﴾ : مِنْ تكريرِ الظاهرِ تعظيماً كقوله:
стр. 7769
٣٦٨٧ - لا أرى الموتَ يَسْبِقُ الموتَ شيءٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولأنه لو أعادَهما مُضْمَرَيْنِ لجَمَعَ بين اسمِ الباري تعالى واسمِ رسولِه في لفظةٍ واحدةٍ، فكان يُقال: وصدقا، والنبيُّ ﷺ قد كَرِه ذلك، / وردَّ على مَنْ قاله حيث قال: «مَنْ يطعِ اللَّهَ ورسولَه فقد رَشَدَ، ومَنْ يَعْصِهما فقد غَوى» . وقال له: «بِئْسَ خطيبُ القومِ أنت. قل: ومن يَعْصِ اللَّهَ ورسولَه» قصداً إلى تعظيمِ اللَّهِ. وقيل: إنما رَدَّ عليه لأنه وقف على «يَعْصِهما» . وعلى الأولِ استشكل بعضُهم قولَه [﵇] : «حتى يكونَ اللَّهَ ورسولُه أحَبَّ إليه مِمَّا سِواهما» فقد جَمَعَ بينهما في ضميرٍ واحدٍ. وأُجيبَ: بأنَّ النبيَّ ﷺ أعرفُ بقَدْرِ اللَّهِ تعالى مِنَّا فليس لنا أَنْ نقولَ كما يقول.
قوله: «وما زادَهُمْ» فاعلُ «زادهم» ضميرُ الوَعْدِ أي: وما زادهم وَعْدُ اللَّهِ أو الصدقُ. وقال مكي: «ضميرُ النظر؛ لأنَّ قولَه:» لَمَّا رأى «بمعنى: لَمَّا نظر» . وقال أيضاً: «وقيل: ضمير الرؤية. وإنما ذُكِّر لأن تأنيثها غيرُ حقيقي» ولم يَذْكُرْ غيرَهما. وهذا عجيبٌ منه؛ حيث حَجَّر واسعاً مع الغُنْيَةِ عنه.
وقرأ ابنُ أبي عبلة «وما زادُوهم» بضمير الجمع. ويعود للأحزابِ؛
стр. 7770
لأنَّ النبيَّ ﵌ أخبرهم أنَّ الأحزابَ تَأْتيهم بعد عشرٍ أو تسعٍ.
стр. 7771
قوله: ﴿صَدَقُواْ﴾ : «صَدَقَ» يتعدَّى لاثنين لثانيهما بحرفِ الجرِّ، ويجوز حَذْفُه. ومنه المثل: «صَدَقني سِنَّ بَكْرِهِ» أي في سِنِّ. والآيةُ يجوزُ أَنْ تكونَ مِنْ هذا، والأولُ محذوفٌ أي: صدقوا الله فيما عاهدوا اللَّهَ عليه. ويجوز أَنْ يتعدَّى لواحدٍ كقولك: صَدَقني زيدٌ وكَذَبني عمرو أي: قال لي الصدقَ، وقال لي الكذبَ. ويكون المعاهَدُ عليه مصدوقاً مجازاً. كأنهم قالوا للشيءِ المُعاهَد عليه: لنُوفِيَنَّ بك وقد فعلوا. و «ما» بمعنى الذي؛ ولذلك عاد عليها الضميرُ في عليه. وقال مكي: «ما» في موضعِ نصبٍ ب صَدَقوا. وهي والفعلُ مصدرٌ تقديرُه: صَدَقوا العهدَ أي: وَفَوْا به «وهذا يَرُدُّه عَوْدُ الضميرِ. إلاَّ أنَّ الأخفشَ وابنَ السراج يذهبان إلى اسميةِ» ما «المصدريةِ.
قوله:» قضى نَحْبَه «النَّحْبُ: ما التزمه الإِنسانُ، واعتقد الوفاءُ به.
قال:
٣٦٨٨ - عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثيُّون بعدَما ... قضى نَحْبَه في مُلْتَقَى القومِ هَوْبَرُ
стр. 7772
وقال آخر:
٣٦٨٩ - بطَخْفَةَ جالَدْنا الملوكَ وخَيْلُنا ... عَشيَّةَ بِسْطامٍ جَرَيْنَ على نَحْبِ
أي: على أَمْرٍ عظيمٍ؛ ولهذا يُقال: نَحَبَ فلانٌ أي: نَذَرَ نَذْراً التزمه، ويُعَبَّر به عن الموتِ كقولِهم:» قَضَى أجله «لَمَّا كان الموتُ لا بُدَّ منه جُعِل كالشيءِ الملتَزمِ. والنَّحِيْبُ: البكاءُ معه صَوْتٌ. والنُّحاب: السُّعالُ.
стр. 7773
قوله: ﴿لِّيَجْزِيَ الله﴾ : في اللام وجهان، أحدهما: أنها لامُ العلة. الثاني: أنها لامُ الصيرورةِ. وفي ما تتعلَّقُ به أوجهٌ: إمَّا ب «صَدَقوا» ، وإمَّا ب «زادهم» ، وإما ب «ما بَدَّلُوا» وعلى هذا قال الزمخشري: «جُعِل المنافقون كأنهم قَصَدوا عاقبةَ السوءِ، وأرادُوها بتبديلهم، كما قَصَدَ الصادقون عاقبةَ الصدقِ بوفائِهم؛ لأنَّ كلا الفريقَيْنِ مَسُوقٌ إلى عاقبتِه من الثوابِ والعقاب، فكأنَّهما اسْتَوَيا في طلبهما والسَّعْيِ لتحصيلهما» .
قوله: «إنْ شاءَ» جوابُه مقدَّرٌ. وكذلك مفعول «شاء» . أي: إنْ شاءَ تعذيبَهم عَذَّبهم. فإنْ قيل: عذابُهم مُتَحَتِّمٌ فكيف يَصِحُّ تعليقُه على المشيئةِ وهو قد شاءَ تعذيبَهم إذا ماتوا على النفاق؟ فأجاب ابنُ عطية: بأنَّ تعذيبَ المنافقين ثمرةُ إدامتِهم الإِقامةَ على النفاقِ إلى موتِهم، والتوبةُ موازِيَةٌ لتلك الإِقامةِ، وثمرةُ التوبةِ تَرْكُهم دونَ عذاب فهما درجتان: إقامةٌ على نفاقٍ، أو توبةٌ منه، وعنهما ثمرتان: تعذيبٌ أو رحمة. فذكر تعالى على جهةِ الإِيجازِ
стр. 7774
واحدةً من هاتين، وواحدةً مِنْ هاتين ودَلَّ ما ذكر على ما تَرَكَ ذِكْرَه. ويَدُلُّ على أنَّ معنى قولِه: «لِيُعَذِّب» ليُديمَ على النفاقِ قولُه: «إن شاء» ومعادلتُه بالتوبةِ وحرفِ أو «.
قال الشيخ:» وكأنَّ ما ذَكَر يَؤُوْلُ إلى أنَّ التقديرَ: ليُقيموا على النفاقِ فيموتُوا عليه إنْ شاء فيُعَذِّبَهم، أو يتوبَ عليهم فيرحمَهم. فحذف سببَ التعذيبِ وأثبت المسبَّب وهو التعذيبُ، وأثبت سببَ الرحمةِ والغفرانِ وحَذَفَ المُسَبَّبَ وهو الرحمةُ والغُفْران «.
стр. 7775
قوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ : يجوزُ أَنْ تكونَ سببيةً، وهو الذي عَبَّر عنه أبو البقاء بالمفعولِ أي: إنها مُعَدِّية. والثاني: أَنْ تكونَ للمصاحبة، فتكونَ حالاً أي/ مُغيظين.
قوله: ﴿لَمْ يَنَالُواْ خَيْراً﴾ حالٌ ثانيةٌ أو حالٌ من الحال الأولى فهي متداخِلَةٌ. ويجوز أَنْ تكونَ حالاً من الضمير المجرور بالإِضافة. وجَوَّز الزمخشري فيها أَنْ تكونَ بياناً للحالِ الأولى أو مستأنفةً. ولا يظهر البيانُ إلاَّ على البدل، والاستئنافُ بعيد.
следующие страницы →