← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.

стр. 8366

تقديرُه: أمَّنْ يَعْصي أمَّن هو مطيعٌ فيستويان. وحُذِفَ الخبرُ لدلالةِ قولِه: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ﴾ . والثاني: أنَّها منقطعةٌ فتتقدَّرُ ب بل والهمزةِ أي: بل أمَّن هو قانِتٌ كغيرِه أو كالكافر المقولِ له: تمتَّعْ بكفرِك. وقال أبو جعفر:» هي بمعنى بل، و «مَنْ» بمعنى الذي تقديرُه: بل الذي هو قانتٌ أفضلُ مِمَّنْ ذُكِرَ قبله «. وانتُقِدَ عليه هذا التقديرُ: من حيث إنَّ مَنْ تَقَدَّم ليس له فضيلةٌ البتةَ حتى يكونَ هذا أفضلَ منه. والذي ينبغي أَنْ يُقَدَّرَ:» بل الذي هو قانِتٌ مِنْ أصحاب الجنة «؛ لدلالة ما لقسيمِه عليه مِنْ قولِه: ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النار﴾ . و» آناءَ «منصوبٌ على الظرفِ. وقد تقدَّم اشتقاقُه والكلامُ في مفردِه. قوله:» ساجِداً وقائماً «حالان. وفي صاحبهما وجهان، الظاهر منهما: أنه الضميرُ المستتر في» قانِتٌ «. والثاني: أنه الضميرُ المرفوعُ ب» يَحْذَرُ «قُدِّما على عامِلهما. والعامَّةُ على نصبِهما. وقرأ الضحاك برفعهما على أحد وجهين: إمَّا النعتِ ل» قَانِتٌ «، وإمَّا أنهما خبرٌ بعد خبر. قوله:» يَحْذَر «يجوز أن يكونَ حالاً من الضمير في» قانتٌ «وأن يكونَ/ حالاً من الضمير في» ساجداً وقائماً «، وأَنْ يكونَ مستأنفاً جواباً لسؤالٍ مقدرٍ كأنه قيل: ما شأنُه يَقْنُتُ آناءَ الليل ويُتْعِبُ نفسَه ويُكُدُّها؟ فقيل: يَحْذَرُ الآخرَة ويَرْجُو رحمةَ ربِّه، أي: عذابَ الآخرةِ. وقُرِئ ﴿إِنَّمَا يَذَّكَّرُ أُوْلُو﴾ بإدغامِ التاءِ في الذَّال.

стр. 8367

قوله: ﴿فِي هذه الدنيا﴾ : يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بالفعل قبله؛ وحُذِفَت صفةُ «حسنةٌ» ، إذ المعنى: حسنة عظيمة؛ لأنه لا يُوْعَدُ مَنْ عمل حسنةً في الدنيا، حسنةً مطلقاً بل مقيَّدةً بالعِظَم، وأنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها حالٌ مِنْ حسنة كانَتْ صفةً لها، فلمَّا تَقَدَّمَتْ بقيَتْ حالاً. و «بغيرِ حسابٍ» حالٌ: إمَّا مِنْ «أَجْرَهم» ، وإمَّا من «الصابرون» أي: غيرَ محاسَبٍ عليه، أو غيرَ محاسَبين.

стр. 8368

قوله: ﴿وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ﴾ : في هذه اللامِ وجهان، أحدهما: أنها للتعليلِ تقديره: وأُمِرْتُ بما أُمِرْتُ به لأَنْ أكونَ. قال الزمخشري: «فإن قلتَ: كيف عَطَفَ» أُمِرْت «على» أُمِرت «وهما واحدٌ؟ قلت: ليسا بواحدٍ لاختلافِ جهتيهما: وذلك أنَّ الأمرَ بالإِخلاصِ وتكليفَه شيءٌ، والأمرَ به ليُحْرِز به قَصَبَ السَّبْقِ في الدين شيءٌ آخرُ. وإذا اختلفَ وجها الشيء وصفتاه يُنَزَّل بذلك مَنْزِلَةَ شيئين مختلفين» . والثاني أن تكونَ اللامُ مزيدةً في «أَنْ» . قال الزمخشري: «ولك أن تَجْعَلَ اللامَ مزِيدَةً، مَثَلُها في قولك:» أَرَدْتُ لأَنْ أفعلَ «ولا تُزاد إلاَّ مع» أَنْ «خاصةً دونَ الاسمِ الصريح، كأنها زِيْدَتْ عوضاً من تَرْكِ الأصل إلى ما يقومُ مَقامَه، كما عُوِّض السينُ في» اسطاع «عوضاً من تَرْكِ الأصل الذي هو أَطْوَعَ. والدليلُ على هذا الوجهِ مجيئُه بغيرِ لامٍ في قولِه: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين﴾ [يونس: ٧٢] ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين﴾ [يونس: ١٠٤] ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ [الأنعام: ١٤] انتهى.

стр. 8369

قوله:» ولا تُزاد إلا مع أنْ «فيه نظرٌ، من حيث إنها تُزاد باطِّرادٍ إذا كان المعمولُ متقدماً، أو كان العامل فرعاً. وبغير اطِّرادٍ في غيرِ الموضعين، ولم يَذْكُرْ أحدٌ من النحويين هذا التفصيلَ. وقوله:» كما عُوِّض السينُ في اسْطاع «هذا على أحد القولين. والقول الآخر أنَّه استطاع فحُذِفَتْ تاءُ الاستفعالِ. وقوله:» والدليلُ عليه مجيئُه بغير لامٍ «قد يُقال: إنَّ أصلَه باللامِ، وإنما حُذِفَتْ لأنَّ حَرْفَ الجرِّ يَطَّرِدُ حَذْفُه مع» أنْ «و» أنَّ «، ويكون المأمورُ به محذوفاً تقديرُه: وأُمِرْت أن أعبدَ لأَنْ أكونَ.

стр. 8370

قوله: ﴿قُلِ الله أَعْبُدُ﴾ : قُدِّمَتِ الجلالةُ عند قومٍ لإِفادةِ الاختصاصِ. قال الزمخشريُّ: «ولدلالتِه على ذلك قَدَّمَ المعبودَ على فِعْلِ العبادةِ هنا، وأَخَّره في الأول، فالكلامُ أولاً واقعٌ في الفعل نفسِه وإيجادِه، وثانياً فيمن يفعلُ الفعلَ مِنْ أجلِه، فلذلك رَتَّبَ عَليه قولَه: ﴿فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ﴾ » .

стр. 8371

قوله: ﴿لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ الخبرُ أحدَ الجارَّيْنِ المتقدِّمَيْنِ، وإن كان الظاهرُ جَعْلَ الأولِ هو الخبرَ، ويكون «مِنْ فوقِهم» إمَّا حالاً مِنْ «ظُلَل» فيتعلَّقُ بمحذوفٍ، وإمَّا متعلقاً بما تعلَّق به الخبرُ، و «مِن النار» صفةٌ ل «ظُلَل» . وقوله: ﴿وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ كما تقدَّم، وسَمَّاها ظلالاً بالنسبة لمَنْ تَحْتهم.

стр. 8372

قوله: ﴿أَن يَعْبُدُوهَا﴾ : الضميرُ عائدٌ على الطاغوتِ لأنها تُؤَنَّثُ، وقد تقدَّم القولُ عليها مستوفىً في البقرة. و «أَنْ يعبدوها» في محلِّ نصبٍ على البدل من الطاغوت بدلِ اشتمالٍ، كأنه قيل: اجْتَنِبُوا عبادةَ الطاغوتِ. والموصولُ مبتدأٌ. والجملةُ مِنْ «لهم البشرى» الخبرُ. وقيل: «لهم» هو الخبرُ بنفسِه. «والبُشْرى» فاعلٌ به وهذا أَوْلَى لأنه مِنْ بابِ الإِخبار بالمفرداتِ. وقوله: «فبَشِّرْ عبادي» من إيقاع الظاهرِ مَوْقِعَ المضمرِ أي: فبَشِّرْهُمْ أي: أولئك المجتَنبين، وإنما فُعِلَ ذلك تصريحاً بالوصفِ المذكور.

стр. 8373

قوله: ﴿الذين يَسْتَمِعُونَ﴾ : الظاهرُ أنه نعتٌ لعبادي، أو بدلٌ منه، أو بيانٌ له. وقيل: يجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأً. وقوله: ﴿أولئك الذين﴾ إلخ خبرُه. وعلى هذا فالوقفُ على قولِه: «عبادي» والابتداءُ بما بعدَه.

стр. 8374

قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ : في «مَنْ» هذه وجهان، أظهرهما: أنها موصولةٌ في محلِّ رفعٍ بالابتداء. وخبرُه محذوفٌ، فقدَّره أبو البقاء «كمَنْ نجا» . وقَدَّره الزمخشري: «فأنت تُخَلِّصُه» قال: «حُذِفَ لدلالةِ» أفأنت تُنْقِذُ «عليه. وقَدَّره غيرُه» تتأسَّفُ عليه «. وقدَّره آخرون» يَتَخَلَّص منه «أي: من العذاب/ وقدَّر الزمخشريُّ على عادته جملةً بين الهمزة والفاء. تقديرُه: أأنت مالِكُ أَمْرِهم، فمَنْ حَقَّ عليه كلمةُ العذاب. وأمَّا غيرُه فيدَّعي أن الأصلَ تقديمُ الفاءِ وإنما أُخِّرَتْ لِما تستحقُّه الهمزةُ من التصديرِ. وقد

стр. 8375

تقدَّمَ تحقيق هذين القولين غيرَ مرةٍ. والثاني: أَنْ تكون» مَنْ «شرطيةً، وجوابُها: أفأنت. فالفاء فاءُ الجوابِ دَخَلَتْ على جملةِ الجزاءِ، وأُعيدتِ الهمزةُ لتوكيد معنى الإِنكار، وأوقع الظاهرَ وهو ﴿مَن فِي النار﴾ موقعَ المضمرِ، إذ كان الأصلُ: أفأنت تُنْقِذُه. وإنما وَقَعَ موقعَه شهادة عليه بذلك. وإلى هذا نحا الحوفيُّ والزمخشري. قال الحوفي:» وجيْءَ بألف الاستفهام لَمَّا طَال الكلامُ توكيداً، ولولا طولُه لم يَجُزْ الإِتيانُ بها؛ لأنه لا يَصْلُحُ في العربيةِ أَنْ يأتيَ بألف الاستفهام في الاسمِ وألفٍ أخرى في الجزاء. ومعنى الكلام: أفأنت تُنْقِذُه. وعلى القول بكونِها شرطيةً يترتَّبُ على قولِ الزمخشري وقولِ الجمهور مسألةٌ: وهو أنَّه على قولِ الجمهورِ يكونُ قد اجتمع شرطٌ واستفهامٌ. وفيه حينئذٍ خلافٌ بين سيبويه ويونسَ: هل الجملة الأخيرةُ جواب الاستفهام وهو قولُ يونسَ، أو جوابٌ للشرط، وهو قولُ سيبويه؟ وأمَّا على قَوْلِ الزمخشريِّ فلم يَجْتمع شرطٌ واستفهامٌ؛ إذ أداةُ الاستفهامِ عندَه داخلةٌ على جملةٍ محذوفةٍ عُطِفَتْ عليها جملةُ الشرط، ولم يَدْخُلْ على جملةِ الشرطِ. وقوله: «أفأنت تُنْقِذُ» استفهامُ توقيفٍ وقُدِّم فيها الضميرُ إشعاراً بأنك لست قادراً على إنقاذِه إنَّما القادرُ عليه اللَّهُ وحدَه.

стр. 8376

قوله: ﴿لكن الذين اتقوا﴾ : استدراكٌ بين شيئين نقيضَيْن أو ضِدَّيْن، وهما المؤمنون والكافرون. وقوله: «وَعْدَ اللَّهِ» مصدرٌ مؤكِّدٌ لمضمونِ الجملةِ، فهو منصوبٌ بواجبِ الإِضمار.

стр. 8377

قوله: ﴿ثُمَّ يَجْعَلُهُ﴾ : العامَّةُ على رَفْعِ الفعلِ نَسَقاً على ما قبلَه. وقرأ أبو بشر «ثم يَجْعَلَه» منصوباً. قال الشيخ: «قال صاحب الكامل:» وهو ضعيفٌ «انتهى. يعني بصاحب الكامل» الهذليَّ «ولم يُبَيِّنْ هو ولا صاحبُ الكامل وَجْهَ ضَعْفِه ولا تخريجَه. فأمَّا ضعفُه فواضحٌ حيث لم يتقدَّم ما يَقْتَضي نصبَه في الظاهر. وأمَّا تخريجُه فقد ذكر أبو البقاء فيه وجهين، أحدُهما: أَنْ ينتصِبَ بإضمار» أن «ويكونَ معطوفاً على قولِه: ﴿أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ في أولِ الآيةِ، والتقدير: ألم تَرَ إنزالَ اللَّهِ ثم جَعْلَه. والثاني: أَنْ يكونَ منصوباً بتقدير تَرَى أي: ثم تَرَى جَعْلَه حُطاماً، يعني أنه يُنْصَبُ ب» أنْ «مضمرةً، وتكونُ» أنْ «وما في حَيِّزِها مفعولاً به بفعلٍ مقدرٍ وهو» تَرَى «لدلالة» ألم تَرَ «عليه.

стр. 8378

قوله: ﴿أَفَمَن شَرَحَ الله﴾ : ﴿أَفَمَن يَتَّقِي﴾ [الزمر: ٢٤] كما تقدَّم في ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾ [الزمر: ١٩] . والتقديرُ: أفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صدرَه للإِسلامِ كمَنْ قسا قلبُه، أو كالقاسي المُعْرِضِ، لدلالةِ ﴿فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ عليه. وكذا التقديرُ

стр. 8379

في: أفَمَنْ يَتَّقِي أي: كمن أَمِنَ العذابَ، وهو تقديرُ الزمخشريِّ، أو كالمُنْعَمِيْنَ في الجنةِ، وهو تقديرُ ابنِ عطية.

стр. 8380

قوله: ﴿كِتَاباً﴾ : فيه وجهان، أظهرهما: أنه بدلٌ مِنْ «أحسنَ الحديث» . والثاني: أنه حالٌ منه. قال الشيخ - لَمَّا نقله عن الزمخشري -: «وكأنَّه بناءً على أنَّ» أَحْسَن الحديث «معرفةٌ لإِضافتِه إلى معرفةٍ، وأفعلُ التفضيلِ إذا أُضيف إلى معرفةٍ فيه خلافٌ. فقيل: إضافتُه مَحْضَةٌ. وقيل: غيرُ محضة» . قلت: وعلى تقديرِ كونِه نكرةً يَحْسُنُ أيضاً أَنْ يكونَ حالاً؛ لأنَّ النكرةَ متى أُضيفَتْ ساغ مجيءُ الحالِ منها بلا خلافٍ. والصحيحُ أنَّ إضافةَ أَفْعَلَ محضةٌ. و «مُتَشابِهاً» نعتٌ ل «كتاب» وهو المُسَوِّغُ لمجيءِ الجامدِ حالاً، أو لأنَّه في قوةِ مكتوب. وقرأ العامَّةُ «مثانيَ» بفتح الياء صفةً ثانية أو حالاً أخرى أو تمييزاً منقولاً من الفاعلية أي متشابهاً مثانيه وإلى هذا ذهب الزمخشري. وقرأ هشام عن ابن عامر وأبو بِشْرٍ بسكونها، وفيها وجهان، أحدُهما: أنه مِنْ تسكِينِ حرفِ العلةِ استثقالاً للحركةِ عليه كقراءة «تُطْعِمُوْن أهاليْكم» . [وقوله] : ٣٨٩٢ - كأنَّ أَيْدِيْهِنَّ. . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8381

ونحوِهما. والثاني: أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: هو مثاني، كذا ذكره الشيخ. وفيه نظرٌ مِنْ حيث إنه كان ينبغي أَنْ يُنَوَّنَ وتُحْذَفَ ياؤُه لالتقاءِ الساكنين فيقال: مثانٍ، كما تقول: هؤلاء جوارٍ. وقد يُقال: إنه وُقِفَ عليه. ثم أُجْرِيَ الوصلُ مُجْرى/ الوقفِ لكنْ يُعْتَرَضُ عليه: بأنَّ الوَقْفَ على المنقوصِ المنونِ بحَذْفِ الياءِ نحو: هذا قاضٍ، وإثباتُها لغةٌ قليلةٌ. ويمكن الجوابُ عنه: بأنَّه قد قُرِئ بذلك في المتواترِ نحو: ﴿مِنْ والي﴾ و ﴿باقي﴾ و ﴿هادي﴾ في قراءة ابن كثير. قوله: «تَقْشَعِرُّ» هذه الجملةُ يجوزُ أَنْ تكونَ صفةً ل «كتاب» ، وأَنْ تكونَ حالاً منه لاختصاصِه بالصفةِ، وأَنْ تكونَ مستأنفةً. واقشعرَّ جِلْدُه إذا تقبَّضَ وتَجَمَّعَ من الخوف، وقَفَّ شعرُه. والمصدرُ الاقشعرارُ والقُشَعْرِيرة أيضاً. ووزن اقْشَعَرَّ افْعَلَلَّ. ووزنُ القُشَعْرِيرة: فَعَلِّيْلَة. و «مَثاني» جمعُ مَثْنى؛ لأنَّ فيه تثنيةَ القصصِ والمواعظِ، أو جمعُ مَثْنى مَفْعَل مِنْ التثنية بمعنى التكرير. وإنما وُصِفَ «كتاب» وهو مفردٌ بمثاني، وهو جمعٌ؛ لأنَّ الكتابَ مشتملٌ على سورٍ وآياتٍ، أو هو من باب: بُرْمَةٌ أعشارٌ وثَوْبٌ أخلاقٌ. كذا قال الزمخشري: وقيل: ثَمَّ موصوفٌ محذوفٌ أي: فصولاً مثانيَ حُذِفَ للدلالةِ عليه.

стр. 8382

قوله: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ يكونَ منصوباً على المدح؛ لأنه لَمَّا كان نكرةً امتنع إتباعُه للقرآن. الثاني: أَنْ

стр. 8383

ينتصِبَ ب «يتذكَّرون» أي: يتذكَّرون قرآناً. الثالث: أن ينتصبَ على الحال مِن القرآن على أنَّها حالٌ مؤكِّدةٌ، وتُسَمَّى حالاً موطئة لأنَّ الحالَ في الحقيقةِ «عربياً» و «قرآناً» توطئةٌ له نحو: «جاء زيدٌ رجلاً صالحاً» . رضي الله عن R> قوله: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ نعتٌ ل «قرآناً» أو حالٌ أخرى. قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: فهلاَّ قيل: مستقيماً أو غيرَ مُعْوَج. قلت: فيه فائدتان، إحداهما: نفيُ أَنْ يكونَ فيه عِوَجٌ قط كما قال: ﴿وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا﴾ [الكهف: ١] . والثاني: أنَّ العِوَجَ يختصُّ بالمعاني دونَ الأعيان. وقيل: المرادُ بالعِوَجِ الشكُّ واللَّبْسُ» . وأنشد: ٣٨٩٣ - وقد أتاكَ يقينٌ غيرُ ذي عِوَجٍ ... من الإِلهِ وقولٌ غيرُ مَكْذوبِ

стр. 8384

قوله: ﴿فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ هذا جملةً مِنْ مبتدأ وخبرٍ في محلِّ نصب صفةً لرجل، ويجوزُ أَنْ يكونَ الوصفُ الجارَّ وحدَه، و «شركاءُ» فاعلٌ به، وهو أَوْلَى لقُرْبه من المفردِ و «مُتَشاكِسُوْن» صفةٌ لشركاء. والتشاكُسُ: التخالُفُ. وأصلُه سوءُ الخُلُقِ وعُسْرُه، وهو سببُ التخالُفِ والتشاجُر. ويقال: التَّشاكس والتشاخُسُ بالخاء موضع الكاف. وقد تقدَّم الكلامُ على نصب المثل وما بعده الواقعين بعد «ضَرَب» . وقال الكسائي: انتصَبَ «رجلاً» على إسقاط الجارِّ أي: لرجل أو في رجل. وقوله: «فيه» أي: في رِقِّه. وقال أبو البقاء كلاماً لا يُشْبه أَنْ يَصْدُرَ مِنْ

стр. 8385

مثله، بل ولا أَقَلَّ منه. قال: «وفيه شركاءُ الجملةُ صفةُ ل» رجل «و» في «متعلقٌ بمتشاكسون. وفيه دلالةٌ على جوازِ تقديمِ خبرِ المبتدأ عليه» انتهى. أمَّا هذا فلا أشُكُّ أنه سهوٌ؛ لأنه من حيث جَعَلَه جملةً كيف يقول بعد ذلك: إن «فيه» متعلقٌ ب «متشاكسون» ؟ وقد يقال: أراد مِنْ حيث المعنى، وهو بعيدٌ جداً. ثم قوله: «وفيه دلالةٌ» إلى آخره يناقضه أيضاً. وليست المسألةُ غريبةً حتى يقولَ: «وفيه دلالة» . وكأنه أراد: فيه دلالةٌ على تقديم معمولِ الخبر على المبتدأ، بناءً منه على أنَّ «فيه» يتعلق ب «مُتشاكسون» ولكنه فاسدٌ، والفاسدُ لا يُرام صَلاحُه. قوله: «سَلَماً لرَجُلٍ» قرأ ابن كثير وأبو عمروٍ «سالماً» بالألفِ وكسرِ اللام. والباقون «سَلَماً» بفتح السين واللام. وابن جبير بكسرِ السينِ وسكونِ اللام. فالقراءةُ الأولى اسمُ فاعلٍ مِنْ سَلِمَ له كذا فهو سالمٌ. والقراءاتان الأُخْرَيان سَلَماً وسِلْماً فهما مَصدران وُصِف بهما على سبيل المبالغةِ، أو على حَذْفِ مضافٍ ما، أو على وقوعِهما موقعَ اسمِ الفاعل فتعودُ كالقراءةِ الأولى. وقُرِئ «ورجلٌ سالِمٌ» برفعِهما. وفيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ مبتدأً، والخبرُ محذوفٌ تقديرُه: وهناك رجلٌ سالمٌ لرجلٍ، كذا قَدَّره الزمخشري. الثاني: أنه مبتدأٌ و «سالمٌ» خبرُه. وجاز الابتداءُ بالنكرةِ؛ لأنه موضعُ تفصيلٍ، كقولِ امرئِ القيس: ٣٨٩٤ - إذا ما بكى مِنْ خَلْفِها انصرَفَتْ له ... بشِقٍّ وشِقٌّ عندنا لم يُحَوَّلِ وقولهم: الناسُ رجلان رجلٌ أكرمْتُ، ورجلٌ أَهَنْتُ.

стр. 8386

قوله: «مَثَلاً» منصوبٌ على التمييزِ المنقولِ من الفاعليةِ إذ الأصلُ: هل يَسْتَوي مَثَلُهما. وأُفْرد التمييزُ لأنه مقتصرٌ عليه أولاً في قولِه: ﴿ضَرَبَ الله مَثَلاً﴾ . وقرِئَ «مِثْلَيْن» فطابَقَ حالَيْ الرجلين. وقال الزمخشري - فيمَنْ قرأ مِثْلين -: «إنَّ الضميرَ في» يَسْتَويان «للمِثْلين؛ لأنَّ التقديرَ: مِثْلَ رجلٍ، ومثلَ رجلٍ. والمعنى: هل يَسْتويان فيما يَرْجِعُ إلى الوصفيَّة كما تقول: كفى بهما رجلين «. قال الشيخ:» والظاهرُ أنه يعود الضميرُ في «يَسْتَويان» على «رَجُلَيْن» . وأمَّا إذا جَعَلْتَه/ عائداً إلى المِثْلَيْنِ اللذيْن ذَكَرَ أنَّ التقديرَ: مِثْلَ رجلٍ ومِثْلَ رجلٍ؛ فإنَّ التمييزَ يكون إذ ذاك قد فُهِمَ من المميَّز الذي هو الضميرُ؛ إذ يصيرُ التقدير: هل يَسْتوي المِثْلان مِثْلين «. قلت: هذا لا يَضُرُّ؛ إذ التقديرُ: هل يَسْتوي المِثْلان مِثْلَيْن في الوصفيةِ فالمِثْلان الأوَّلان مَعْهودان، والثانيان جنسان مُبْهمان كما تقول: كَفَى بهما رجلَيْن؛ فإنَّ الضميرَ في» بهما «عائدٌ على ما يُراد بالرجلين فلا فَرْقَ بين المسألتين. فما كان جواباً عن» كفَى بهما رجلين «يكونُ جواباً له.

стр. 8387

قوله: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ : العامَّةُ على «مَيِّت ومَيِّتون» . وقرأ ابنُ محيصن وابنُ أبي عبلة واليماني «مائِتٌ ومائتون» ، وهي صفةٌ مُشْعِرَةٌ بحدوثِها دون «مَيِّت» . وقد تقدَّمَ أنَّه لا خلافَ بين القرَّاءِ في تثقيلِ مثلِ هذا. «ثم إنكم» تغليباً للمخاطبِ، وإنْ كان واحداً في قوله: «إنَّك» على الغائبين في «وإنَّهم» .

стр. 8388

قوله: ﴿والذي جَآءَ﴾ : بالصدق لَفْظُه مفردٌ، ومعناه جمعٌ لأنه أُريد به الجنسُ. وقيل: لأنه قُصِدَ به الجزاءُ، وما كان كذلك كَثُرَ فيه وقوعُ «الذي» موقع «الذين» ، ولذلك رُوْعي معناه فجُمِع في قولِه: ﴿أولئك هُمُ المتقون﴾ كما رُوْعِيَ معنى «مَنْ» في قولِه: «للكافرين» ؛ فإنَّ الكافرين ظاهرٌ واقعٌ موقعَ المُضْمرِ؛ إذ الأصلُ: مثوىً لهم. وقيل: بل الأصلُ: والذين جاء بالصدق، فحُذِفَتِ النونُ تخفيفاً، كقولِه: ﴿وَخُضْتُمْ كالذي خاضوا﴾ [التوبة: ٦٩] . وهذا وهمٌ؛ إذ لو قُصِد ذلك لجاء بعده ضميرُ الجمع، فكان يُقال: والذي جاؤوا، كقوله: «كالذي خاضُوا» . ويَدُلُّ عليه أنَّ نونَ التثنيةِ إذا حُذِفَتْ عاد الضميرُ مَثْنى، كقولِه: ٣٨٩٥ - أَبَني كُلَيْبٍ إنَّ عَمَّيَّ اللَّذا ... قَتَلا الملوكَ وفَكَّكا الأَغْلالا ولجاءَ كقوله: ٣٨٩٦ - وإنَّ الذيْ حانَتْ بفَلْجٍ دماؤُهُمْ ... همُ القومُ كلُّ القومِ يا أمَّ خالدِ وقرأ عبدُ الله ﴿والذي جَآؤوا بالصدق وَصَدَّقَوا بِهِ﴾ وقد تقدَّم تحقيقُ مثلِ هذه الآيةِ في أوائلِ البقرة وغيرها. وقيل: «الذي» صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ

стр. 8389

بمعنى الجمعِ، تقديرُه: والفريق أو الفوج ولذلك قال: ﴿أولئك هُمُ المتقون﴾ . وقيل: المرادُ بالذي واحدٌ بعينِه وهو محمدٌ ﷺ ، ولكن لَمَّا كان المرادُ هو وأتباعُه اعْتُبر ذلك فجُمِعَ، فقال: «أولئك هم» كقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٩] . قاله الزمخشري وعبارتُه: «هو رسولُ الله ﷺ أراد به إياه ومَنْ تبعه، كما أراد بموسى إياه وقومَه» . وناقشه الشيخ في إيقاعِ الضميرِ المنفصلِ موقعَ المتصلِ قال: «وإصلاحُه أَنْ يقولَ: أراده به كما أراده بموسى وقومِه» . قلت: ولا مناقَشَةَ؛ لأنَّه مع تقديم «به» و «بموسى» لغرضٍ من الأغراض استحالَ اتصالُ الضميرِ، وهذا كما تقدَّم لك بحثٌ في قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [النساء: ١٣١] ، وقوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرسول وَإِيَّاكُمْ﴾ [الممتحنة: ١] : وهو أنَّ بعضَ الناسِ زَعَمَ أنه يجوزُ الانفصالُ مع القدرةِ على الاتصال، وتقدَّم الجوابُ بقريبٍ مِمَّا ذكَرْتُه هنا، وبَيَّنْتُ حكمةَ التقديمِ ثمةَ. وقولُ الزمخشريِّ: «إن الضميرَ في» لعلهم يَهْتدون «لموسى وقومِه» فيه نظرٌ، بل الظاهرُ خصوصُ الضميرِ بقومِه دونَه؛ لأنَّهم هم المطلوبُ منهم الهدايةُ. وأمَّا موسى ﵇ فمهتدٍ ثابتٌ على الهداية. وقال الزمخشري أيضاً: «ويجوز أن يريدَ: والفوج أو الفريق الذي جاء بالصدقِ وصَدَّق به، وهم: الرسولُ الذي جاء بالصدقِ وصحابتُه الذين صَدَّقوا به» . قال الشيخ: «وفيه توزيعُ الصلةِ، والفوجُ هو الموصولُ، فهو

стр. 8390

كقولِك: جاء الفريقُ الذي شَرُفَ وشَرُفَ، والأظهرُ عَدَمُ التوزيعِ بل المعطوفُ على الصلةِ صلةٌ لمَنْ له الصلة الأولى» . وقرأ أبو صالح وعكرمة بن سليمان/ ومحمد بن جُحادة مخففاً بمعنى صَدَقَ فيه، ولم يُغَيِّرْه. وقُرِئ «وصُدِّق به» مشدَّداً مبنياً للمفعول.

стр. 8391

قوله: ﴿لِيُكَفِّرَ﴾ : في تعلُّقها وَجْهان، أحدهما: أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ أي: يَسَّرَ لهم ذلك ليُكَفِّرَ. والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ المحسنين، كأنه قيل: الذين احسنوا ليُكَفِّرَ أي: لأجلِ التكفير. قوله: «أسْوَأَ الذي» الظاهرُ أنَّه أَفْعَلُ تفضيل، وبه قرأ العامَّةُ. وقيل: ليسَتْ للتفضيل بل بمعنى سَيِّئَ الذي عمِلوا كقولِهم: «الأَشَجُّ والناقص أعدلُ بني مروان» أي: عادلاهم. ويَدُلُّ على هذا قراءةُ ابنِ كثير في رواية «أَسْواءَ» بألفٍ بين الواوِ والهمزةِ بزنَةِ أَحْمال جمعَ سُوء، وكذا قرأ في حم السجدة.

стр. 8392

قوله: ﴿بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ : العامَّةُ على توحيدِ «عبدَه» . والأخَوان «عبادَه» جمعاً وهم الأنبياءُ وأتباعُهم. وقُرِئ «بكافي عبادِه»

стр. 8393

بالإِضافة. و «يُكافى» مضارعُ كافى، «عبادَه» نُصِب على المفعولِ به. ثم المفاعلةُ هنا تحتملُ أَنْ تكونَ بمعنى فَعَل نحو: نُجازي بمعنى نَجْزي، وبُنِيَ على لفظةِ المُفاعلةِ لِما تقدَّم مِنْ أنَّ بناءَ المفاعلةِ يُشْعِ بالمبالغةِ؛ لأنه للمغالبة. ويُحتمل أَنْ يكونَ أصلُه يُكافِئ بالهمزِ، من المكافأة بمعنى يَجْزِيْهم، فخفَّف الهمزةِ. قوله: «ويُخَوِّفُونَك» يجوزُ أَنْ يكون حالاً؛ إذ المعنى: أليس كافيَك حالَ تَخْويفِهم إياك بكذا، ويَعْلَمُه. كأنَّ المعنى: أنَّه كافيه في كلِّ حالٍ حتى في هذه الحال. ويجوزُ أَنْ تكونَ مستأنفةً.

стр. 8394

قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ﴾ : هي المتعديةُ لاثنين، أوَّلُهما «ما تَدْعوْن» وثانيهما الجملةُ الاستفهاميةُ. والعائدُ على المفعول منها قولُه: «هُنَّ» وإنما أنَّثَه تحقيراً لِما يَدْعُون مِنْ دونِه، ولأنهم كانوا يُسَمُّونها بأسماءِ الإِناث: اللات ومَناة والعُزَّى. وقد تقدَّم تحقيقُ هذه مستوفىً في مواضعَ. قوله: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ قرأ أبو عمرو «كاشفاتٌ مُمْسِكاتٌ» بالتنوين ونصبِ «ضُرَّه» و «رحمتَه» ، وهو الأصلُ في اسم الفاعل. والباقون بالإِضافةِ وهو تخفيفٌ.

стр. 8395

قوله: ﴿والتي لَمْ تَمُتْ﴾ : عطفٌ على الأنفس أي: يَتَوفَّى الأنفسَ حين تموتُ، ويَتَوَفَّى أيضاً الأنفسَ التي لم تَمُتْ في مَنامِها. ففي

стр. 8396

منامِها ظرفٌ ل «يَتَوَّفَى» . وقرأ الأخَوان «قُضِيَ» مبنياً للمفعول، «الموتُ» رفعاً لقيامَه مَقامَ الفاعلِ.

стр. 8397

وقوله: ﴿أَمِ اتخذوا﴾ : «أم» منقطعةٌ فتتقدَّرُ ب بل والهمزةِ. وتقدَّم الكلامُ على نحوِ «أَوَلَوْ» وكيف هذا التركيبُ.

стр. 8398

قوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ الذين﴾ : قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: ما العاملُ في» إذا ذُكِرَ «؟ قلت: العاملُ في» إذا «الفجائية، تقديرُه: وقتَ ذِكْرِ الذين مِنْ دونِه فاجَؤوا وقتَ الاستبشار» . قال الشيخُ: «أمَّا قولُ الزمخشريِّ فلا أَعْلَمُه مِنْ قولِ مَنْ ينتمي للنحوِ، وهو أنَّ الظَّرْفَيْنِ معمولان لفاجؤوا ثم» إذا «الأولى تَنْتَصِبُ على الظرفيةِ، والثانيةُ على المفعول به» . وقال الحوفي: «إذا هم يَسْتَبشرون» إذا «مضافةٌ إلى الابتداءِ والخبر، و» إذا «مكررةٌ للتوكيد، وحُذف ما تُضاف إليه. والتقدير: إذا كانَ ذلك هم يَسْتبشِرون فيكون هم يستبشرون هو العاملَ في» إذا «، المعنى: إذا كان كذلك استبشروا» . قال الشيخ: «وهذا يَبْعُدُ جداً عن الصواب، إذا جعل» إذا «مضافةً إلى الابتداء والخبر» ، ثم قال: «وإذا مكررةٌ للتوكيد وحُذِف ما تضاف إليه» إلى آخرِ كلامه فإذا كانَتْ «إذا» حُذِف ما تُضاف إليه، فكيف تكون مضافةً إلى الابتداء

стр. 8399

والخبرِ الذي هو هم يَسْتَبْشِرون؟ وهذا كلُّه أَوْجبه عَدَمُ الإِتقانِ لعلمِ النحوِ والتحذُّقِ فيه «انتهى. وفي هذه العبارةِ تحامُلٌ على أهلِ العلمِ المرجوعِ إليهم فيه. واختار الشيخُ أَنْ يكونَ العاملُ في» إذا «الشرطيةِ الفعلَ بعدها لا جوابَها، وأنها ليسَتْ مضافةً لِما بعدها، وإنْ كان قولَ الأكثرين، وجَعَل» إذا «الفجائيةَ معمولةً لِما بعدها سواءً كانت زماناً أم مكاناً. أمَّا إذا قيل: إنها حرفٌ فلا تحتاجُ إلى عاملٍ وهي رابِطةٌ لجملةِ الجزاءِ بالشرطِ كالفاء. والاشمِئْزازُ: النُّفورُ والتقبُّضُ. وقال أبو زيد: هو الذُّعْرُ. اشْمَأَزَّ فلانٌ: إذا ذُعِرَ، ووزن افْعَلَلَّ كاقْشَعَرَّ. قال الشاعر: ٣٨٩٧ - إذا عَضَّ الثِّقافُ بها اشْمَأَزَّتْ ... ووَلَّتْه عَشَوْزَنَةً زَبُوْنا

стр. 8400

قوله: ﴿سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ﴾ : يجوزُ أَنْ تكونَ «ما» مصدريةً أي: سَيِّئاتُ كَسْبِهم أو بمعنى الذي: سَيِّئات أعمالهم التي كَسَبوها.

стр. 8401

قوله: ﴿إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ﴾ : يجوزُ أَنْ تكونَ «ما» مهيِّئةً زائدةً على «إنَّ» نحو: إنما قام زيد، وأَنْ تكونَ موصولةً، والضميرُ عائدٌ عليها مِنْ «أُوْتِيْتُه» أي: إنَّ الذي أُوْتِيْتُه على عِلْمٍ مني أو على عِلْمٍ من الله فيَّ، أي: أستحقُّ/ ذلك.

стр. 8402

قوله: «بل هي» الضميرُ للنعمةِ. ذكَّرها أولاً في قوله: «إنما أوتيتُه لأنها بمعنى الإِنعامِ، وأنَّث هنا اعتباراً بلفظِها. وقيل: بل الحالةُ أو الإِتيانةُ.

стр. 8403

قوله: ﴿قَدْ قَالَهَا﴾ : أي: قال القولةَ المَذْكورةَ. وقُرِئَ «قد قاله» أي: هذا القولَ أو الكلامَ. وإنما عُطِفَتْ هذه الجملةُ، وهي قوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الإنسان﴾ بالفاء والتي في أول السورة بالواو؛ لأن هذه مُسَبَّبَةٌ عن قوله: «وإذا ذُكِر» أي: يَشْمَئِزُّون مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ويَسْتَبْشِرون بذِكْرِ آلهتِهم، فإذا مَسَّ أحدَهم بخلاف الأولى حيث لا تَسَبُّبَ فيها، فجيء بالواوِ التي لمطلقِ العطفِ، وعلى هذا فما [بين] السببِ والمُسَبَّبِ جملٌ اعتراضيةٌ، قال معناه الزمخشريُّ. واستبعده الشيخُ من حيث إنَّ أبا عليٍّ يمنع الاعتراضَ بجملتينِ فكيف بهذه الجملِ الكثيرةِ؟ ثم قال: «والذي يَظْهر في الرَّبْطِ أنه لَمَّا قال: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [الزمر: ٤٧] الآية كان ذلك إشعاراً بما يَنالُ الظالمين. مِنْ شِدَّةِ العذاب، وأنه يَظْهر لهم يومَ القيامة من العذاب، أَتْبع ذلك بما يَدُلُّ على ظُلمِه وبَغْيه، إذ كان إذا مَسَّه ضُرٌّ دعا اللَّهَ، فإذا أَحْسَن إليه لم يَنْسُبْ ذلك إليه» . قوله: «فما أَغْنى» يجوزُ أَنْ تكونَ «ما» نافيةً أو استفهاميةً مؤولةً بالنفيِ، وإذا احْتَجْنا إلى تأويلها بالنفيِ فَلْنَجْعَلْها نافيةً استراحةً من المجاز.

стр. 8404

قوله: ﴿قُلْ ياعبادي﴾ : قيل في هذه الآيةِ من أنواع المعاني والبيانِ أشياءُ حسنةٌ، منها: إقبالُه عليهم ونداؤهم، ومنها: إضافتُهم إليه

стр. 8405

إضافةَ تشريفٍ، ومنها: الالتفاتُ من التكلم إلى الغَيْبةِ في قوله: ﴿مِن رَّحْمَةِ الله﴾ ، ومنها: إضافةُ الرحمةِ لأجلِ أسمائِه الحُسْنى، ومنها: إعادةُ الظاهرِ بلفظِه في قولِه: «إنَّ اللَّهَ» ، ومنها: إبرازُ الجملةِ مِنْ قولِه: ﴿إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم﴾ مؤكَّدةً ب «إنَّ» ، وبالفصلِ، وبإعادة الصفتين اللتين تضَّمَنَتْهما الآيةُ السابقةُ.
следующие страницы →