Полный текст (10 772 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
وقرأ أبو عبدِ الرحمن السُّلَّمي: «حَرُمَ» بضمِّ الراء مخففةً، و «الميتةُ» رفعاً «و» ما «تحتملُ الوجهين أيضاً، فتكونُ مهيئةً، و» الميتةُ «فاعلٌ بحَرُم، أو موصولةً، والفاعلُ ضميرٌ يعودُ على» ما «، وهي اسمُ» إنَّ «، و» الميتةُ «خبرُها.
والجمهورُ على تخفيفِ» المَيْتَة «في جميع القرآنِ، وأبو جَعْفَرٍ بالتشديدِ وهو الأصل، وهذا كما تقدَّم في أنَّ» المَيْت «مخفَّفٌ من» الميِّت «وأن أصلَه: مَيْوِت، وهما لغتان، وسيأتي تحقيقُ ذلك عند قولِهِ ﴿وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت﴾ [الآية: ٢٧] في آلِ عمران. ويُحْكَى عن قدماءِ النحاة أن» المَيْت «بالتخفيف مَنْ فارقَتْ روحُهُ جسدَه، وبالتشديد مَنْ عايَنَ أسبابَ الموتِ ولم يَمُتْ. وحكى ابنُ عطية عن أبي حاتم أنَّ ما قد ماتَ يُقالان فيه، وما لم يَمُتْ بعدُ لا يقال فيه بالتخفيفِ، ثم قال:» ولم يَقْرَأ أحدٌ بتخفيفِ ما لم يَمُتْ إلا ما رَوَى البزي عن ابنِ كثير: ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: ١٧] . وأمَّا قولُه:
٨١٦ - إذا ما ماتَ مَيْتٌ من تميمٍ ... فَسَرَّكَ أن يعيشَ فَجِىءْ بِزادِ
[فقد حُمِل على مَنْ شارَفَ الموتَ، وحَمْلُه على الميتِ حقيقةً أبلغُ في الهجاء] .
стр. 877
وأصل «مَيِّتة» : مَيْوِتَة، فَأُعِلَّتْ بقَلْبِ الواوِ ياءً وإدغامِ الياءِ فيها، وقال الكوفيون: أصلُه: مَوِيت، ووزنُه فَعيل.
واللحمُ معروفٌ، وجمعه لُحوم ولُحْمان، يُقال: لَحُمَ الرجلُ بالضم لحامةً فهو لَحِيم، أي: غَلُظَ، ولَحِمَ بالكسر يَلْحَم بالفتح فهو لَحِم: اشتاق إلى اللَّحْم وألحمَ الناسُ فهو لاحِمٌ، أي: أَطعَمَهم اللحمَ، وأَلْحَمَ كثُر عنده اللحمُ.
والخنزير حيوانٌ معروفٌ، وفي نونِه قولانِ؛ أصحُّهما أنَّها أصليةٌ ووزنُه فِعْليل كغِرْبيب. والثاني: أنها زائدةٌ اشتقُّوه من خَزَر العَيْنِ أي: ضيقها لأنه كذلك يَنْظُر. وقيل: الخَزَرُ النظرُ بمؤخَّرِ العَيْنِ، يقال: هو أَخْزَرُ بيِّنُ الخَزَرِ.
قوله: ﴿وَمَآ أُهِلَّ بِهِ﴾ «ما» موصولةٌ بمعنى الذي، ومَحَلُّهما: إمَّا النصبُ وإمَّا لرفعُ عطفاً على «الميِّتة» ، والرفعُ: إمَّا على خبر إنَّ، وإمَّا على الفاعلية على حَسَبِ ما تقدَّم من القراءاتِ. و «أُهِلَّ» مبنيٌّ للمفعول، والقائمُ مقامَ الفاعلِ هو الجارُّ والمجرورُ في «به» ، والضميرُ يعودُ على «ما» ، والباءُ بمعنى «في» . ولا بُدَّ من حَذْفِ مضافٍ أي: في ذَبْحِه، لأنَّ المعنى وما صَحَّ في ذَبْحِه لغَيْرِ اللهِ. والإِهلالُ: مصدرُ أَهَلَّ أي: صَرَخَ ورفَع صوتَه ومنه: الهِلال لأنه يُصرَخُ عند رؤيتِه، واستهَلَّ الصبيُّ. قال ابن أحمر:
٨١٧ - يُهِلُّ بالغَرْقَدِ رُكْبَانُها ... كما يُهِلُّ الراكبُ المُعْتَمِرُ
стр. 878
قال النابغة:
٨١٨ - أو دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غَوَّاصُها ... بَهِجٌ متى يَرَها يَهِلُّ ويَسْجُدُ
وقال:
٨١٩ - تَضْحَكُ الضَّبْعُ لقتلى هُذَيْلٍ ... وترى الذئبَ لها يَسْتَهِلُّ
قوله: ﴿فَمَنِ اضطر﴾ في «مَنْ» وجهان، أحدُهما: أن تكونَ شرطيةً. والثاني: أن تكونَ موصولةً بمعنى الذي، فعلى الأولِ يكونُ «اضطُرَّ» في محلِّ جَزْم بها.
وقوله: ﴿فلا إِثْمَ﴾ جوابُ الشرطِ، والفاءُ فيه لازمةٌ. وعلى الثاني لا محلَّ لقولِه: «اضطُّرَّ» من الإِعرابِ لوقوعهِ صلةً، ودخَلَتِ الفاءُ في الخبرِ تشبيهاً للموصولِ بالشرطِ. ومحلُّ ﴿فلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الجزمُ على الأولِ والرفعُ على الثاني.
والجمهورُ على «اضْطُرَّ» بضمِّ الطاءِ وهي أصلُها، وقرأ أبو جعفر بكسرها لأنَّ الأصل: «اضْطُرِرَ» بكسرِ الراءِ الأولى، فلمّا أُدْغِمَتِ الراءُ في الراءِ نُقِلَت حركتُها إلى الطاءِ بعد سَلْبِها حَرَكَتَها. وقرأ ابن محيصن: «اطُّرَّ» بإدغام الضادِ في الطاء. وقد تقدَّم الكلامُ في هذه المسألةِ بأشبعَ مِنْ هذا عند قولِه: ﴿ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار﴾ [البقرة: ١٢٦] .
وقرأ أبو عمرو وعاصمٌ وحمزةٌ بكسرِ نون «مَنْ» على أصلِ التقاءِ
стр. 879
الساكنين، وضَمَّها الباقون إتباعاً لضمِّ الثالث. وليس هذا الخلافُ مقصوراً على هذه الكلمةِ، بل إذا التقى ساكنان من كلمتين، وضُمَّ الثالثُ ضَمَّاً لازماً نحو: ﴿وَلَقَدِ استهزىء﴾ [الأنعام: ١٠] ﴿قُلِ ادعوا﴾ [الإسراء: ١١٠] قالتِ اخْرُجْ جرى الخلافُ المذكورُ. إلاَّ أنَّ أبا عمروٍ خرجَ عن أصلِه في ﴿أو﴾ [المزمل: ٣] و ﴿قل﴾ [١١٠: الإسراء] فضمَّهما، وابنَ ذكوان خرجَ عن أصلِه فكسر التنوين خاصة نحو: ﴿مَحْظُوراً انظر﴾ [٢٠-٢١: الإسراء] ، واختُلف عنه في: ﴿بِرَحْمَةٍ ادخلوا﴾ [الأعراف: ٤٩] ، واختُلف عنه في: ﴿خَبِيثَةٍ اجتثت﴾ [إبراهيم: ٢٦] ، وسيأتي بيان الحكمةِ في ذلك عند ذكره إنْ شاء الله تعالى.
قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ نصبٌ على الحالِ، واختُلِفَ في صاحبها، فالظاهر أنه هو الضميرُ المستتر في «اضطُرَّ» ، وجَعَلَه القاضي وأبو بكر الرازي من فاعل فعلٍ محذوفٍ بعد قولِه: «اضطُرَّ» ، قالا: تقديرُه: فمَنْ اضطُرَّ فأكلَ غيرَ باغ، كأنهما قصدا بذلك أن يَجْعلاه قيداً في الأكلِ لا في الاضطرارِ.
قال الشيخ «ولا يتعيَّن ما قالاه، إذا يُحْتَملُ أَنْ يكونَ هذا المقدَّرُ بعد قولِه: ﴿غَيْرَ
стр. 880
بِاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ بل هو الظاهرُ والأَولى، لأنَّ في تقديره قبل» غيرَ باغ «فصلاً بين ما ظاهرُه الاتصالُ بما بعده، وليس ذلك في تقديره بعد قوله:» غيرَ باغ «.
و» عادٍ «اسمُ فاعلٍ من عدا يَعْدُو إذا تجاوزَ حَدَّه، والأصلُ: عادِوٌ، فَقُلبت الواوُ ياءٌ لانكسارِ ما قبلها كغازٍ من الغَزْو. وهذا هو الصحيحُ، وفيه قولٌ ثانٍ: أنه مقلوبٌ من عادَ يعودُ فهو عائدٌ، فَقُدِّمَتِ اللامُ على العينِ فصارِ اللفظُ: عادِو، فأُعِلَّ بما تقدَّم، ووزنُه: فالِع، كقولهم: شاكٍ في شائِك من الشوكة، وهارٍ والأصل هائر، لأنه من هار يَهُور، قال أبو البقاء:» ولو جاء في غيرِ القرآن منصوباً عطفاً على موضعِ «غير» جاز «يعني فكان يقال: ولا عادياً.
وقد اختلف القُرَّاء في حركةِ التقاء الساكنين مِنْ نحو: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ ، وبابِِِِه فأبو عمرو وحمزة وعاصم على كسرِ الأولِ منهما، والباقون على الضم إلا ما يُسْتثنى لبعضهم. وضابطُ محلِّ اختلافهم: كلُّ ساكنين التقيا من كلمتين ثالثُ ثانيهما مضمومٌ ضمةً لازمةً، نحو:» فَمَنِ اضطُرَّ « ﴿فَمَنِ اضطُرَّ﴾ ﴿أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ [المزمل: ٣] ﴿وَقَالَتِ اخرج عَلَيْهِنَّ﴾ [يوسف: ٣١] ﴿قُلِ ادعوا الله﴾ [الإسراء: ١١٠] ﴿أَنِ اعبدوا﴾ [المائدة: ١١٧] ﴿وَلَقَدِ
стр. 881
استهزىء﴾ [الأنعام: ١٠] » محظوراً انظر «: وفُهِم من قولي» كلمتين «الاحترازُ من أن يُفْصَلَ بينهما بكلمةٍ أخرى نحو: ﴿إِنِ الحكم﴾ [الأنعام: ٥٧] فإنَّ هذا وإنْ صَدَقَ عليه أنَّ الثالثَ مضمومٌ ضماً لازماً؛ إلا أنه قد فُصِلَ بينهما بكلمةٍ أخرى وهي أل المعرفة. ومِنْ قولي:» ضمةً لازمةً «الاحترازُ من نحو: ﴿أَنِ امشوا﴾ [ص: ٢٦] فإنَّ الشين أصلُها الكسرُ، فَمَنْ كَسَرَ فعلى أصلِ التقاءِ الساكنين، ومَنْ ضَمَّ فللإِتباع.
واسْتُثْنِي لأبي عمروٍ موضعان فضمَّهما: وهما:» قُل ادْعُوا «» أو انْقُصْ منه «، واسْتُثْنِي لابن ذكوان عن ابن عامر التنوينُ فكسره نحو:» محظوراً نظر «، واختلف عنه في لفظتين: ﴿خَبِيثَةٍ اجتثت﴾ [إبراهيم: ٢٦] ﴿بِرَحْمَةٍ ادخلوا الجنة﴾ [الأعراف: ٤٩] / والمقصودُ بذلك الجمعُ بين اللغتين.
стр. 882
قوله تعالى: ﴿مِنَ الكتاب﴾ : في محلِّ نصبٍ على الحالِ، وفي صاحبِها وجهان، أحدُهما: أنه العائدُ على الموصولِ، تقديرُه: أنزله اللهُ حالَ كونِه من الكتابِ، فالعاملُ فيه «أَنْزَلَ» ، والثاني: أنه الموصولُ نفسه، فالعاملُ في الحالِ «يكتمون» .
قوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ﴾ الضميرُ في «به» يُحْتَمَلُ أن يعودَ على «ما» الموصولةِ، وأَنْ يعودَ على الكَتْمِ المفهومِ من قولِه: «يكتمون» وأَنْ يعودَ على الكتابِ، أظهرها أوَّلُها، ويكونُ ذلك على حَذْفِ مضافٍ، أي: يشترون بكَتْمِ ما أَنْزل.
стр. 883
قوله: ﴿إِلاَّ النار﴾ استثناءٌ مفرغٌ؛ لأن قبلَه عاملاً يَطلُبه، وهذا من مجاز الكلام، جَعَل ما هو سببٌ للنار كقولِهم: «أكل فلانٌ الدمَ» يريدون الدِّية التي بسببها الدمُ، قال:
٨٢٠ - فلو أَنَّ حَيَّاً يقبلُ المالَ فِدْيةً ... لَسُقْنا إليه المالَ كالسيلِ مُفْعَما
ولكنْ أبى قومٌ أُصيب أخوهمُ ... رِضا العارِ واختاروا على اللبنِ الدِّما
وقال:
٨٢١ - أَكَلْتُ دماً إنْ لم أَرْعُكِ بِضَرَّةٍ ... بعيدةِ مَهْوى القِرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ
وقال:
٨٢٢ - يَأْكُلْن كَلَّ ليلةٍ إكافا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يريد: ثمن إكاف.
وقوله: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجه، أظهرُها: أَنْ يتعلَّقَ بقولِه: «يأكلون» فهو ظرفٌ له. قال أبو البقاء: «وفيه حَذْفُ مضافٍ أي طريق بطونهم، ولا حاجةَ إلى ما قاله من التقدير. والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على
стр. 884
أنه حالٌ من النارِ. قال أبو البقاء:» والأجْوَدُ أن تكونَ الحالُ هنا مقدرةً لأنها وقتَ الأكلِ ليسَتْ في بطونِهم، وإنما تَؤُولُ إلى ذلك، والتقدير، ثابتةً أو كائنةً في بطونهم قال: «وَيَلْزَمُ من هذا تقديمُ الحالِ على حرف الاستثناءِ وهو ضعيفٌ، إلا أن يُجْعَلَ المفعولُ محذوفاً، و» في بطونِهم «حالاً من أو صفةً له، أي: في بطونهم شيئاً يعني فيكونُ» إلا النار «منصوباً على الاستثناءِ التام، لأنه مستثنى من ذلك المحذوفِ. إلا أنه قال بعد ذلك» وهذا الكلامُ في المعنى على المجازِ، وللإِعرابِ حكمُ اللفظ. والثالثُ: أن يكونَ صفةً أو حالاً من مفعول «كُلوا» محذوفاً كما تقدَّم تقريرُه.
стр. 885
قوله تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ﴾ : في «ما» هذه خمسةُ أقوالٍ، أحدها: - وهو قولُ سيبويه والجمهور - أنها نكرةٌ تامةٌ غيرُ موصولةٍ ولا موصوفةٍ، وأنَّ معناها التعجب، فإذا قلت: ما أحسنَ زيداً، فمعناه: شيءٌ صَيَّر زيداً حسناً. والثاني: - وإليه ذهب الفراء - أنَّها استفهاميةٌ صَحِبها معنى التعجب، نحو: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٨] . والثالث: - ويُعْزَى للأخفش - أنها موصولةٌ. والرابعُ: - ويُعْزَى له أيضاً - أنها نكرةٌ موصوفةٌ. وهي على الأقوالِ الأربعةِ في محلِّ رفعٍ بالابتداءِ، وخبرُها على القولين الأوَّلين الجملةُ الفعليةُ بعدها، وعلى قولَيْ الأخفش يكون الخبرُ محذوفاً، فإنَّ الجملةَ بعدها إمَّا صلةٌ أو صفةٌ. وكذلك اختلفوا في «أَفْعل» الواقع بعدَها أهو اسمٌ - وهو قولُ الكوفيين - أم فعلٌ؟ وهو الصحيحُ. ويترتبُ على هذا الخلافِ خلافٌ في
стр. 886
نَصْبِ الاسمِ بعدَه: هل هو مفعولٌ به أو مُشَبَّهٌ بالمفعولِ به. ولهذا المذاهبِ دلائلُ واعتراضاتُ وأجوبةٌ ليس هذا موضوعَها.
والمرادُ بالتعجبِ هنا وفي سائرِ القرآنِ الإِعلامُ بحالهم أنها ينبغي أن يُتَعجَّب منها، وإلا فالتعجُّبُ مستحيلٌ في حَقِّه تعالى. ومعنى «على النار» [أي] على عَمَل أهلِ النارِ، وهذا من مجازِ الكلام.
الخامس: أنَّها نافيةٌ، أي: فما أصبرَهم اللهُ على النار، نقله أبو البقاء وليس بشيءٍ.
стр. 887
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله﴾ : اختلفوا في محلِّ «ذلك من الإِعراب. فقيل: رفعٌ، وقيل: نصبٌ. والقائلون بأنه رفعٌ اختلفوا على ثلاثةِ أقوال، أحدُهما: أنه فاعلٌ بفعل محذوفٍ، أي: وَجَبَ لهم ذلك. والثاني: أنَّ» ذلك «مبتدأٌ، و» بأنَّ الله «خبرُه، أي: ذلك العذابُ مستحقٌّ بما أَنْزَل اللهُ في القرآنِ من استحقاقِ عذابِ الكافر. والثالث: أنه خبرُ والمبتدأ محذوفٌ، أي الأمرُ ذلك، والإِشارةُ إلى العذابِ، ومَنْ قاله بأنه نصبٌ قدَّره. فَعَلْنا ذلك، والباءُ متعلقةٌ بذلك المحذوفِ ومعناها السببيةٌ.
стр. 888
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله﴾ : قرأ الجمهور برفع «البر» ، وحمزة وحَفْص عن عاصم بنصبه. فقراءةٌ الجمهور على أنه اسمُ «ليس» ، و «أن تُوَلُّوا» خبرها في تأويلِ مصدرٍ، أي: ليس البرُّ توليتكم. ورُجِّحَتْ هذه القراءةُ من حيث إنه ولي الفعلُ مرفوعَه قبل منصوبِه. وأمّا قراءةُ حمزةَ وحفص فالبرَّ خبرٌ مقدَّمٌ، و «أن تُوَلُّوا» اسمها في تأويلِ مصدرٍ. ورُجِّحَتْ هذه القراءةُ بأنّ المصدر المؤولَ أَعْرَفُ من المُحَلّى بالألفِ واللام،
стр. 889
لأنه يُشْبِهُ الضميرَ من حيث إنه لا يُوصَف ولا يُوْصَفُ به، والأعرافُ ينبغي أن يُجْعَلَ الاسمَ، وغيرُ الاعرفِ الخبرَ. وتقديمُ خبرِ ليس على اسمِها قليلٌ حتى زَعَم مَنْعَه جماعةٌ، منهم ابن دَرَسْتَوَيْه قال: لأنها تُشْبه «ما» الحجازية، ولأنها حرفٌ على قولِ جماعةٍ، ولكنه محجوجٌ بهذه القراءة المتواترةٍ وبقول الشاعر:
٨٢٣ - سَلِي إْن جَهِلْتِ الناسَ عَنَّا وعنهم ... وليس سواءً عالِمٌ وجَهُولُ
وقال آخر:
٨٢٤ - أليسَ عظيماً أَنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ ... وليس علينا في الخُطوبِ مُعَوَّلُ
وفي مصحفِ أُبَيّ وعبد الله: «بأن تُوَلُّوا» بزيادةِ الباءِ وهي واضحةٌ، فإنَّ الباءَ تُزاد في خبرِ «ليس» كثيراً.
وقوله: ﴿قِبَلَ﴾ منصوبٌ على الظرفِ المكاني بقوله «تُوَلُّوا» ، وحقيقةُ قولك: «زيدٌ قِبَلك» : أي في المكانِ الذي قبلك فيه، وقد يُتَسَّع فيه فيكونُ بمعنى «عند» نحو: «قِبَل زيدٍ دَيْنٌ» أي: عندَه دَيْنٌ.
قوله: ﴿ولكن البر مَنْ آمَنَ﴾ في هذهِ الآيةِ خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّ «البِرَّ» اسمُ فاعلٍ من بَرَّ يَبَرُّ فهو بِرٌّ، والأصلُ: بَرِرٌ بكسرِ الراءِ الأولى بزنة «فَطِن» ، فلما أُريد الإِدغام نُقِلَتْ كسرةُ الراءِ إلى الباءِ بعد سَلْبِها حركتَها،
стр. 890
فعلى هذه القراءةِ لا يَحتاج الكلامُ إلى حَذْفٍ وتأويلٍ لأنَّ البِرَّ من صفاتِ الأعيان، كأنه قيل: ولكن الشخصَ البِرِّ مَنْ آمن. الثاني: أنَّ في الكلامِ حذفَ مضافٍ من الأولِ تقديرُه: «ولكنَّ ذا البِرَّ مَنْ آمن» . الثالث: أن يكونَ الحذفُ من الثاني، أي: ولكن البِرَّ بِرُّ مَنْ آمن، وهذا تخريجُ سيبويه واختيارُه، وإنما اختارَه لأنَّ السابق إنما هو نفيُ كونِ البر هو تَوْلِيَةُ الوجهِ قِبَل المشرقِ والمغربِ، فالذي يُسْتَدْرك إنما هو من جنس ما يُنْفَى، ونظيرُ ذلك: «ليس الكرمُ أن تَبْذُلَ درهماً ولكن الكرمَ بَذْلُ الآلاف» ولا يناسِبُ «ولكن الكريم مَنْ يبذُلُ الآلاف» . الرابع: أن يُطْلَقَ المصدرُ على الشخصِ مبالغةً نحو: «رجلٌ عَدْلٌ» . ويُحكى عن المبردِ: «لو كنتُ مِمَّن يقرأُ لقرأتُ:» ولكنَّ البَرَّ «بفتح الباء وإنما قال ذلك لأن» البَرَّ «اسم فاعل تقول: بَرَّ يبَرُّ فهو بارٌّ وبَرٌّ، فتارةً تأتي به على فاعِل وتارة على فَعِل.
الخامس: أن المصدرَ وقع مَوْقِع اسمِ الفاعلِ نحو: «رجل عَدْل» أي عادل، كما قد يَقَعُ اسمُ الفاعلِ موقعه نحو: «أقائماً وقد قعد الناس» في قولٍ، وهذا رأيُ الكوفيين.
والأَوْلَى فيه ادِّعاءُ أنه محذوفٌ من فاعل، وأن أصلَه بارٌّ، فجُعل «بِرَّاً» ك «سِرّ» ، وأصلُه: سارٌّ، وربٌّ أصله رابٌّ. وقد تقدَّم ذلك.
وجَعَلَ الفراء «مَنْ آمَنَ» واقعاً موقِعَ «الإِيمان» فأوقَعَ اسمَ الشخصِ على المعنى كعكسه، كأنه قال: «ولكنَّ البِرَّ الإِيمانُ بالله» . قال: «والعربُ تَجْعَلُ الاسمُ خبراً للفعلِ وأنشد:
٨٢٥ - لَعَمْرُك ما الفتيانُ أن تَنْبُت اللِّحى ... ولكنما الفتيانُ كلُّ فتىً نَدِي
стр. 891
جَعَلَ نباتَ اللحيةِ خبراً للفتيانِ، والمعنى: لَعَمْرُكَ ما الفتوةُ أَنْ تَنْبُتَ اللِّحى.
وقرأ نافع وابن عامر:» ولكنْ البِرُّ «هنا وفيما بعد بتخفيف لكن، وبرفع» البرُّ «، والباقون بالتشديد ولنصب، وهما واضحتان ممَّا تقدَّم في قولِه: ﴿ولكن الشياطين كَفَرُواْ﴾ [البقرة: ١٠٢] ، وقرىء:» ولكنَّ البارَّ «بالألف وهي تقوِّي أنَّ» البِرَّ «بالكسرِ المرادُ به اسمُ الفاعلِ لا المصدرُ.
وَوَحَّد» الكتابَ «لفظاً والمرادُ به الجمعُ، وحَسَّن ذلك كونُه مصدراً في الأصلِ، أو أرادَ به الجنسَ، أو أراد به القرآنَ، فإنَّ مَنْ آمنَ به فقد آمَنَ بكلِّ الكتبِ فإنَّه شاهدٌ لها بالصحةِ.
قوله: ﴿على حُبِّهِ﴾ في محلِّ نصبٍ على الحالِ، العاملُ في» آتى «، أي: آتى المالَ حالَ محبَّتِه له واختياره إياه. والحبُّ مصدرٌ حَبَبْتُ لغةً في أحببت كما تقدَّم، ويجوزُ أن يكونَ مصدرَ الراعي على حَذْف الزوائد، ويجوز أن يكونَ اسمَ مصدرٍ وهو الإِحباب كقوله: ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأرض نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧] .
والضميرُ المضافُ إليه هذا المصدرُ فيه أربعةُ أقوالٍ. أظهرُها: أنه يعودُ على المالِ لأنه أبلغُ من غيرِه كما ستقف عليه. الثاني: أنه يعودُ على الإِيتاء المفهومِ من قوله:» آتى «أي: على حُبِّ الإِيتاء، وهذا بعيدٌ من حيث
стр. 892
المعنى. أمّا من حيث اللفظُ. فإنَّ عَوْدَ الضميِر على غيرِ مذكورٍ بل مدلولٌ عليه بشيءٍ خلافُ الأصل. وأما من حيث المعنى فإن المدح لا يَحْسُنُ على فعل شيء يحبه الإِنسان لأنَّ هواه يساعده على ذلك وقال زهير:
٨٢٦ - تَراهُ إذا ما جِئتَه مُتَهَلِّلاً ... كأنَّك تُعْطيه الذي أنت سائلُهُ
والثالث: أن يعودَ على الله تعالى، وعلى هذه الأقوالِ الثلاثةِ يكون المصدرُ مضافاً للمفعولِ، وعلى هذا فالظاهِرُ أَنَّ فاعلَ هذا المصدرِ هو ضميرُ/ المُؤتي. وقيل: هو ضمير المؤتَوْن. أي: حُبِّهم له واحتياجِهِم إليه، وليس بذاك.
و «ذي القربى» على هذه الأقوالِ الثلاثةِ منصوبٌ بآتى فقط، لا بالمصدرِ لأنه قد استوفى مفعولَه. الرابع: أن يعودَ على «مَنْ آمن» ، وهو المُؤْتِي للمال، فيكون المصدرُ على هذا مضافاً للفاعِلِ، وعلى هذا فمفعولُ هذا المصدرِ يُحْتمل أن يكونَ محذوفاً، أي: «حُبِّه المال» ، وأن يكونَ «ذوي القربى» ، إلا أنه لا يكونُ فيه تلك المبالغَةُ التي فيما قبله.
قال ابن عطية: «ويجيء قولُه:» على حُبِّه «اعتراضاً بليغاً في أثناء القولِ» . قال الشيخ: «فإن أراد بالاعتراضِ المصطلحَ عليه فليس بجيد، فإن ذلك من خصوصياتِ الجملة التي لا مَحَلَّ لها، وهذا مفردٌ وله محلٌّ، وإن أراد به الفصلَ بالحال بين المفعولين، وهما» المال «و» ذوي «فَيَصِحُّ إلا أنه فيه إلباسٌ» .
قوله: ﴿ذَوِي﴾ فيه وجهان، أحدُهما - وهو الظاهر - أنه مفعولُ بآتى، وهل هو الأولُ و «المالَ» هو الثاني - كما هو قول الجمهور - وقُدِّم للاهتمام، أو هو الثاني فلا تقديمَ ولا تأخير كما هو قول السهيلي؟ والثاني: أنه منصوبٌ ب «حُبِّه» على أنَّ الضميرَ يعودُ على «مَنْ آمن» كما تقدَّم.
стр. 893
قوله: ﴿واليتامى﴾ ظاهرُهُ أنه منصوبٌ عطفاً على «ذوي» . وقال بعضُهم: «هو عطفٌ على» القُرْبى «، أي: آتى ذوي اليتامى، أي: أولياءَهم، لأن الإِيتاءَ إلى اليتامى لا يَصِحُّ» ولا حاجةَ إلى هذا فإن الإِيتاء يَصْدُق وإن لم يباشر مَنْ يؤتيه بالإِيتاء، يقال: «أتيتُ السلطانُ الخراجَ» وإنما أعطيتُ أعوانَهُ.
و «ابن السبيل» اسمُ جنسٍ أو واحدٌ أُريد [به] الجمعُ، وسُمِّي ابنُ السبيلِ - لملازمتِهِ إياها في السفرِ، أو لأنَّه تُبْرِزُهُ فكأنها وَلَدَتْهُ.
قوله: ﴿وَفِي الرقاب﴾ متعلِّقٌ بآتى. وفيه وجهان، أحدُهما: أن يكونَ ضَمَّنَ «آتى» معنى فِعْلٍ يتعدَّى لواحدٍ، كأنه قال: وَضَع المالَ في الرقاب. والثاني: أن يكونَ مفعولُ «آتى» الثاني محذوفاً، أي: آتى المالَ أصحابَ الرقاب في فكِّها أو تخليصِها، فإنَّ المرادَ بهم المكاتَبون أو الأُسارى أو الأرِقَّاءُ يُشْتَرُوْن فيُعْتَقُون. وكلُّ هذه أقوالٌ قيل بها.
قوله: ﴿وَأَقَامَ الصلاة﴾ عَطْفٌ على صلةِ «مَنْ» وهي: آمن وآتى، وإنما قَدَّم الإِيمانَ لأنه رأسُ الأعمالِ الدينيةِ، وثَنَّى بإيتاء المالِ لأنه أَجِلُّ شيء عند العرب وبه يَتَمَدَّحُون ويفتخرون بفكِّ العاني وقِرى الضِّيفان، يَنْطِقُ بذلك نظمُهم ونثرُهم.
قوله: ﴿والموفون﴾ في رفعه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: - ولم يذكر الزمخشري غيرَه - أنه عطفٌ على «مَنْ آمن» ، أي: ولكنَّ البِرَّ المؤمنون
стр. 894
والموفون. والثاني: أن يَرْتفعَ على خبرِ مبتدأٍ محذوفٍ، أي: هم المُوفون. وعلى هذينِ الوجهين فنصْبُ «الصابرين» على المدحِ بإضمارِ فعلٍ، وهو في المعنى عَطْفٌ على «مَنْ آمن» ، ولكنْ لَمَّا تكرَّرت الصفاتُ خُولف بين وجوه الإِعرابِ.
قال الفارسي: «وهو أبلغُ لأنَّ الكلامَ يَصِيرُ على جملٍ متعددةٍ، بخلافِ اتفاق الإِعراب فإنه يكونُ جملةً واحدةً، وليس فيها من المبالغةِ ما في الجملِ المتعددةِ.
فإن قيل: لِمَ لا يجوزُ على هذين الوجهين أن يكونَ معطوفاً على» ذوي القربى «أي: وآتى المالَ الصابرين؟ قيل: لئلاَّ يلزمَ من ذلك محذورٌ وهو الفصلُ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه الذي هو في حكمِ الصلة بأجنبي وهو الموفون. والثالث: أن يكونَ» الموفون «عطفاً على الضمير المستتر في» آمَنَ «، ولم يُحْتَجْ إلى التأكيدِ بالضميِر المرفوعِ المنفصلِ لأنَّ طولَ الكلامِ أغنى عن ذلك. وعلى هذا الوجهِ يجوزُ في» الصابرين «وجهان، أحدُهما: النصبُ بإضمارِ فعلٍ كما تقدَّم، والثاني: العطفُ على» ذوي القربى «، ولا يَمْنَعُ من ذلك ما تقدَّم من الفصلِ بالأجنبي، لأنَّ الموفين على هذا الوجه داخلٌ في الصلةِ فهو بعضُها لا أجنبيٌّ منها.
وقوله: ﴿إِذَا عَاهَدُواْ﴾ » إذا «منصوبٌ بالموفُون، أي: الموفون وقتَ العهدِ من غيرِ تأخيرِ الوفاءِ عن وقتِهِ.
وقرأ الحسنُ والأعمشُ ويعقوبُ:» والصابرون «، وحكى الزمخشري قراءَة:» والموفين «و» الصابرين «.
стр. 895
قال الراغب: وإنما لم يَقُلْ:» وأوفى «كما قال» وأقام «لأمرين، أحدُهما: اللفظُ، وهو أنَّ الصلةَ متى طالت كان الأحسنُ أن تُعْطَفَ على الموصولِ دون الصلة لئلا تطولَ وَتَقْبُحَ. والثاني: أنه ذكر في الأولِ ما هو داخلٌ في حَيِّز الشريعةِ وغيرُ مستفادٍ إلاَّ منها، والحكمةُ العقليةُ تقتضي العدالةَ دون الجَوْر، ولمَّا ذكرَ وفاءَ العهدِ وهو مِمَّا تقضي به العُقولُ المجردةُ صار عطفُهُ على الأولِ أحسنَ، ولَمَّا كان الصبرُ من وجهٍ مبدَأَ الفضائِلِ ومن وجهٍ جامعاً للفضائلِ إذ لا فضيلَةَ إلا وللصبرِ فيها أثرٌ بليغٌ غَيَّر إعرابَهُ على هذا المَقْصِد» وهذا كلامٌ حَسَنٌ طائِلٌ.
و «حين البأسِ» منصوبٌ بالصابرين، أي: الذين صَبَروا وقتَ الشدةِ.
والبأساءُ والضراءُ فيهما قولان، أحدُهما: - وهو المشهورُ - أنهما اسمان مشتقان من البُؤْس والضُرّ، وألفُهما للتأنيث، والثاني: أنهما وَصْفان قائمانِ مقام موصوف. والبؤس والبأساء: الفقر، يقال: بَئِس يَبْأَس إذا افتقر. قال الشاعر:
٨٢٧ - ولم يَكُ في بُؤْسٍ إذا بات ليلةً ... يناغي غَزالاً ساجيَ الطَّرْفِ أَكْحَلاَ
وأما البأسُ فشدةُ القتالِ خاصةً، بَؤُسَ الرجلُ أي: شَجُع.
قوله: ﴿أولئك الذين صَدَقُوا﴾ مبتدأٌ وخبرٌ، وأتى بخبر «أولئك» الأولى موصولاً بصلةٍ وهي فعلٌ ماضٍ لتحقُّقِ اتِّصافهم به، وأنَّ ذلك قد وَقَع منهم واستقرَّ، وأتى بخبرِ الثانيةِ بموصولٍ صلتُه اسمُ فاعل ليدلَّ على الثبوت، وأنه ليس متجدِّداً بل صار كالسَّجِيَّةِ لهم، وأيضاً فلو أتى به فعلاً ماضياً لَمَا حَسُنَ وقوعُه فاصلةً.
стр. 896
قوله تعالى: ﴿القصاص فِي القتلى﴾ : أي: بسببِ القتلى، و «في» تكون للسببية كقوله ﵇: «إنَّ امرأة دخلت النارَ في هرة» أي: بسببها. و «فَعْلَى» يَطَّرد أن يكون جمعاً لفَعِيل بمعنى مفعول وقد تقدَّم شيءٌ من هذا عند قولِه: ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أسارى﴾ [البقرة: ٨٥] .
قوله: ﴿الحر بِالْحُرِّ﴾ مبتدأٌ وخبرٌ، والتقديرُ: الحُرُّ مأخوذٌ بالحُرِّ، أو مقتولٌ بالحُرِّ، فَتُقَدِّر كوناً خاصاً حُذِفَ لدلالةِ الكلامِ عليه، فإن الباءَ فيه للسبب، ولا يجوزُ أن تقدِّره كوناً مطلقاً، إذ لا فائدةَ فيه لو قلت: الحُرَّ كائنٌ بالحر، إلا أنْ تُقَدِّر مضافاً، أي: قتلُ الحرِّ كائنٌ بالحر. وأجاز الشيخ أن يكونَ «الحُرُّ» مرفوعاً بفعلٍ محذوفٍ تقديرُه: يُقْتَلُ الحُرُّ بالحر، يَدُلُّ عليه قولُه: ﴿القصاص فِي القتلى﴾ فإنَّ القِصاصَ يُشْعِرُ بهذا الفعلِ المقدِّر، وفيه بَعْدٌ.
والقِصاص مصدرُ قاصَّهُ يُقاصُّه قِصاصاً ومُقَاصَّةً، نحو: قاتَلْتُهُ قِتالاً ومُقَاتَلَةً، وأصلُهُ من قَصَصْتُ الشيءَ اتَّبَعْتَ أثرَه، لأنه اتباعُ دمِ المقتول.
والحُرُّ وصفٌ، و «فُعْل» الوصف جَمْعُه على أفعال لا ينقاس، قالوا: حُرّ وأحرار، ومُرّ وأمرار، والمؤنثة حُرَّة، وجمعها على «حرائِر» محفوظُ أيضاً، يقال: حَرَّ الغلام يَحَرُّ حُرِّيَّةً.
قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ﴾ يجوزُ في «مَنْ» وجهان، أحدُهما: أن تكونَ شرطيةً. والثاني: أن تكونَ موصولةً. وعلى كلا التقديرين فموضعُهما رفعٌ بالابتداء. وعلى الأول يكونُ «عُفِي» في محلِّ جزمٍ بالشرطِ، وعلى الثاني لا محلَّ له وتكونُ الفاءُ واجبةً في قولِه: «فاتِّباع» على الأول، ومحلُّها وما بعدها الجزمُ،
стр. 897
وجائزةٌ في الثاني، ومحلُّها وما بعدَها الرفعُ على الخبر. والظاهرُ أنَّ «مَنْ» هو القاتلُ، والضميرُ في «له» و «أخيه» عائدٌ على «مَنْ و» شيءٌ «هو القائمُ مقامَ الفاعلِ، والمرادُ به المصدرُ، وبُني» عُفِي «للمفعولِ وإن كان قاصراً، لأنَّ القاصِرَ يتعدَّى للمصدرِ كقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [المؤمنون: ١٠١] . والأخ هو المقتولُ أو وليُّ الدمِ، وسَمَّاه أخاً للقاتل استعطافاً له عليه، وهذا المصدرُ القائمُ مقامَ الفاعلِ المرادُ به الدمُ المعفوُّ عنه. وعَفَا يتعدَّى إلى الجاني وإلى الجنايةِ ب» عن «، تقول: عَفَوْتُ عن زيد، وعَفَوْتُ عن ذنبِ زيدٍ، فإذا عُدِّي إليهما معاً تعدَّى إلى الجاني باللام وإلى الجناية بعَنْ، تقول: عَفَوْتُ لزيدٍ عن ذنبِهِ، والآيةُ من هذا الباب/ أي: فَمَنْ عُفِيَ له عن جِنايَتِهِ. وقيل» مِنْ «هو وليُّ الدمِ. أي: مَنْ جُعِلَ له من دمِ أخيه بَدَلُ الدمِ وهو القصاصُ أو الدِّيةُ والمرادُ ب» شيء «حينئذٍ ذلك المستحِقُّ، والمرادُ بالأخِ المقتولُ، ويُحتمل أَنْ يُرَاد به على هذا القولِ أيضاً القاتلُ، ويُراد بالشيء الديةُ و» عُفِي «بمعنى يُسِّر على هذين القَولين، وقيل: بمعنى تُرِكَ.
وشَنَّع الزمخشري على مَنْ فَسَّر «عُفِيَ» بمعنى «تُرِكَ» قال: فإنْ قلت: هَلاَّ فَسَّرْت «عُفي» بمعنى «تُركَ» حتى يكونَ «شيء» في معنى المفعول به. قلت: لأنَّ عَفَا الشيء بمعنى تَرَكَه ليس يَثْبُتُ، ولكن «أعفاه» ومنه: «وَأَعْفوا اللَّحى» فإنْ قلت: قد ثَبَتَ قولُهم: عفا أَثَرُه إذا مَحاه وأَزاله، فَهَلاَّ جَعَلْتَ معناه: فَمَنْ مُحِيَ لَهُ مِنْ أخيه شيءٌ. قلت: عبارةٌ قلقةٌ في مكانِها، والعفُو في باب الجنايات عبارةٌ متداولةٌ مشهورةٌ في الكتابِ والسنةِ واستعمالِ الناسِ فلا يُعْدَلُ عنها إلى أخرى قلقةٍ نابيةٍ عن مكانِها، وترى كثيراً مِمَّن
стр. 898
يتعاطى هذا العلمَ يَجْتَرِىءُ إذا أُعْضِلَ عليه تخريجُ وجهٍ للمُشْكلِ مِنْ كَلامِ الله على اختراعِ لغةٍ وادِّعاءٍ على العربِ ما لم تَعْرفه، وهذه جرأةٌ يُستعاذُ باللَّهِ منها.
قال الشيخ: «إذا ثَبَتَ أنَّ» عَفَا «بمعنى مَحا فَلاَ يَبْعُدُ حَمْلُ الآية عليه ويكونُ إسنادُ» عَفَا «لمرفوعِهِ إسناداً حقيقياً؛ لأنه إذا ذاك مفعولٌ به صريحٌ، وإذا كان لا يتعدَّى كان إسنادُهُ لمرفوعِهِ مجازاً لأنَّه مصدرٌ مشبَّهٌ بالمفعولِ به، فقد يتعادَلُ الوجهان: أعنى كونَ عفا اللازمِ لشهرتِهِ في الجناياتِ و» عفا «المتعدِّي بمعنى» مَحَا «لتعلقِهِ بمرفوعِهِ تعلقاً حقيقياً» فإن قيل: تُضَمِّنُ «عَفَا» معنى «تَرك» فالجوابُ أنَّ التضمينَ لا يَنْقاس، وقد أجاز أبنُ عطية أَنْ يكونَ عَفا بمعنى تَرَكَ. وقيل: إن «عُفِيَ» بمعنى فَضِلَ، والمعنى: فَمَنْ فَضِلَ له من الطائفتين على الأخرى شيءٌ من تلك الدِّيات، مِنْ قَوْلِهِم: عَفَا الشيءُ إذا كَثُرَ. وأَظْهَرُ هذه الأقوالِ أوَّلُها.
قوله: ﴿فاتباع بالمعروف﴾ في رَفْع «اتباع» ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها: أن يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ، فقدَّرَهُ ابنُ عطية: فالحكمُ أو الواجبُ الاتِّباعُ، وَقَدَّره الزمخشري: فالأمرُ اتِّباع. قال ابنُ عطية: «وهذا سبيلُ الواجباتِ، وأمَّا المندوباتُ فتجيءُ منصوبةً كقوله: ﴿فَضَرْبَ الرقاب﴾ [محمد: ٤] . قال الشيخ» ولا أدري ما الفرقُ بين النصبِ والرفعِ إلا ما ذكروه من أنَّ الجملةَ الاسميَّةَ
стр. 899
أثبَتُ وأكدُ، فيمكنُ أن يكونَ مستندُ ابنِ عطية هذا، كما قالوا في قوله: ﴿قَالُواْ سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ﴾ [هود: ٦٩] .
الثاني: أن يرتفع بإضمارِ فعلٍ، وقَدَّرَهُ الزمخشري: فليكن اتِّباعُ. قال الشيخ: «هو ضعيفٌ إذ» كان «لا تُضْمَرُ غالباً إلا بعد» إنْ «- الشرطية و» لو «لدليلٍ يَدُلُّ عليه» .
الثالث: أن يكونَ مبتدأً محذوفَ الخبر، فمنهم مَنْ قَدَّره متقدماً عليه، أي: فعليه اتِّباع، ومنهم مَنْ قَدَّره متأخراً عنه، أي: فاتِّباع بالمعروفِ عليه.
قوله: ﴿بالمعروف﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يتعلَّقَ باتِّباعِ فيكونَ منصوبَ المحلّ. الثاني: أن يكونَ وصْفاً لقوله «اتِّباع» فيتعلَّق بمحذوفٍ ويكونُ مَحلُّه الرفعَ. الثالث: أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من الهاءِ المحذوفةِ تقديرُهُ: فعليه اتِّباعُه عادلاً، والعاملُ في الحالِ معنى الاستقرار.
قوله: ﴿وَأَدَآءٌ﴾ في رفعِهِ أربعة أوجهٍ، الثلاثةُ المقولةُ في قولِه «فاتِّباعٌ» لأنه معطوفٌ عليه. والرابعُ: أن يكونَ مبتدأ خبرُه الجارُّ والمجرورُ بعدَه، وهو «بإحسان» وهو بعيدٌ. و «إليه» في محلِّ نصبٍ لتعلُّقِهِ «بأداء» ويجوزُ أن يكونَ في محلِّ رفعٍ صفةً لأداء، فيتعلَّقَ بمحذوفٍ، أي: وأداءٌ كائنٌ إليه.
و «بإحسانٍ» فيه أربعةُ أوجه: الثلاثةُ المقولةُ في «بالمعروف» ، والرابعُ:
стр. 900
أن يكونَ خبرَ «الأداء» كما تقدَّم في الوجهِ الرابع مِنْ رفعِ «أداء» . والهاءُ في «إليه» تعودُ إلى العافي وإنْ لَمْ يَجْرِ له ذِكْرٌ، لأنَّ «عَفَا» يَسْتَلْزِمُ عافياً، فهو من بابِ تفسيرِ الضميرِ بمصاحبٍ بوجهٍ ما، ومنه: ﴿حتى تَوَارَتْ بالحجاب﴾ أي الشمس، لأنَّ في ذِكْرِ «العشيّ» دلالةً عليها، ومثله:
٨٢٨ - فإنَّك والتأبينَ عروةَ بعدَما ... دَعَاكَ وأيدينا إليه شَوارعُ
لكالرجلِ الحادي وقد تَلع الضحى ... وطيرُ المنايا فوقَهُنَّ أواقِعُ
فالضميرُ في «فوقهُنَّ» للإِبل، لدلالةِ لفظِ «الحادي» عليها لأنها تُصاحِبُه بوجهٍ ما.
قوله: ﴿ذلك تَخْفِيفٌ﴾ الإِشارةُ بذلك إلى ما شَرَعه من العفوِ والديةِ و «من ربكم» في محلِّ رفعٍ لأنه صفةٌ لِما قبلَه فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. و «رَحمة» صفتُها محذوفةٌ أيضاً أي: ورحمةٌ من ربكم.
وقوله: ﴿فَمَنِ اعتدى﴾ يجوز في «مَنْ» الوجهان الجائزان في قولِهِ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ من كونِها شرطية وموصولةً، وجميعُ ما ذُكِرَ ثَمَّةَ يعودُ هنا.
قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حَيَاةٌ﴾ يجوزُ أنْ يَكُونَ «لكم» الخبر وفي القصاص يتعلق بالاستقرار الذي تضمنه «لكم» ، ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّهُ حالٌ من «حياةٌ» ، لأنه كان في الأصل صفةً لها، فلمَّا قُدِّم عليها نُصِبَ حالاً، ويجوزُ أن يكونَ «في القصاص» هو الخبرَ، و «لكم» متعلقٌ بالاستقرارِ المتضمِّن له، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في قولِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: ٣٦] ، وهناك أشياءُ لا تَجِيءُ هنا.
стр. 901
وقرأ أبو الجوزاء «في القَصَص» والمرادُ به القرآنُ. قال ابن عطية: «ويَحتمل أن يكون مصدراً كالقِصاص، أي إنه إذا قُصّ أثرُ القاتِلِ قَصَصَاً قُتِلَ كما قَتَل» .
والقِصاصُ مصدرُ قَصَّ أي: تَتَبَّع، وهذا أصلُ المادة، فمعنى القِصاص تتَبُّعُ الدم بالقَوَد، ومنه «القصيص» لما يُتَتَبَّعُ من الكلأ بعد رَعْيِهِ، والقَصَصُ تَتَبُّع الأخبار ومثله القَصُّ، والقَصُّ أيضاً الجِصُّ، ومنه الحديث:
«نهى ﵊ عن تقصيص القبورِ» أي تَجْصيصِها.
ونظيرُ هذا الكلامِ قولُ العرب: «القتلُ أَوْفَى للقتل» ويُرْوى أَنْفَى للقتل، ويُرْوَى: أَكفُّ للقتَل. وهذا وإنْ كان بليغاً فقد أَبْدَتِ العلماءُ بينه وبين الآية الكريمةِ وجوهاً عديدةً في البلاغةِ وُجِدَتْ في الآية الكريمة دونَه، منها: أنَّ في قولِهم تكرار الاسم في جملةٍ واحدةٍ. ومنها: أنه لا بُدَّ من تقديرِ حذفٍ لأنَّ «أَنْفَى» وأَوْفَى «و» أكفُّ «أفعلُ تفضيلٍ فلا بدَّ من تقديرِ المفضَّل عليه، أي: أنفى للقتل مِنْ ترك القتل. ومنها: أنَّ القِصاصَ أَمُّ إذ يوجدُ في النفس وفي الطَّرَف. والقتلُ لا يكونُ إلا في النفس. ومنها: أنَّ ظاهرَ قولِهم كونُ وجودِ الشيء سبباً في انتفاء نفسِه. ومنها: أنَّ في الآية نوعاً من البديع يُسَمَّى الطباق وهو مقابلةُ الشيء بضده فهو يُشْبِهُ قوله تعالى: ﴿أَضْحَكَ وأبكى﴾ [النجم: ٤٣] قوله: ﴿ياأولي الألباب﴾ منادى مضافٍ وعلامةُ نصبِهِ الياءُ. واعلم أن»
стр. 902
أولي «اسمُ جمعٍ لأنَّ واحدَه وهو» ذو «من غير لفظِه. ويَجْرِي مَجْرَى جمعِ المذكرِ السالم فِي رفعِهِ بالواوِ ونصبِه وجرِّه بالياء المكسورِ ما قبلها، وحكمهُ في لزوم الإِضافة إلى اسمِ جنسٍ حكمُ مفردِه. وقد تقدَّم في قولِه: ﴿ذَوِي القربى﴾ [البقرة: ١٧٧] ويقابِلُه في المؤنث: أُولات: وكُتِبا في المصحفِ بواوٍ بعد الهمزةِ قالوا: لِيُفَرِّقوا بين» أُولي كذا «في النصبِ والجر وبين» إلى «التي هي حرفُ جر، ثم حُمِل باقي الباب عليه، وهذا كما تقدَّم في الفرقِ بين» أولئك «اسمَ إشارةٍ و» إليك «جاراً ومجروراً وقد تقدَّم. وإذا سَمَّيْتَ بأولي من أُولي كذا قلت: جاء أُلون ورأيت إلين، بردِّ النونِ لأنها كالمقدَّرة حالة الإِضافةِ فهو نظيرُ: ضارِبُو زيدٍ وضاربي زيدٍ.
والألبابُ جمعُ» لُبٍّ «وهو العقلُ الخالي من الهَوي، سُمِّيَ بذلك لأحدِ وجهين: إمَّا لبنائِه من لَبَّ بالمكانِ أقامَ به، وإمَّا من اللُّباب وهو الخالِصُ، يقال: لبُبْتُ بالمكان ولبِبْتُ بِضمِّ العينِ وكسرِها، ومجيءُ المضاعَفِ على فَعْل بضمِّ العينِ شاذ، استَغْنَوا عنه بِفَعَل مفتوح العين، وذلك في ألفاظ محصورة نحو: عَزُزْتُ/ وسَرُرْتُ ولَبُبت ودَمُمْتُ ومَلُلْتُ، فهذه بالضمِّ وبالفتح، إلا لَبُبْت فبالضمِّ والكسرِ كما تقدَّم.
стр. 903
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ﴾ : «كُتِبَ» مبنيٌّ للمفعول وحُذِفَ الفاعلُ للعلم به - وهو اللهُ تعالى - وللاختصار. وفي القائمِ مقامَ الفاعلِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ «الوصيةُ» أي: كُتِب عليكم الوصيةُ، وجاز تذكيرُ الفعلِ لوجهين، أحدُهُما: كونُ القائمِ مقامَ الفاعلِ مؤنثاً مجازياً، والثاني: الفصلُ بينه وبين مرفوعه. والثاني: أنه الإِيصاءُ المدلولُ عليه بقوله: ﴿الوصية لِلْوَالِدَيْنِ﴾ أي: كُتِب هو أي: الإِيصاء.
стр. 904
والثالث: أنه الجارُّ والمجرورُ، وهذا يتَّجِهُ على رَأي الأخفشِ والكوفيين. و «عليكم» في محلِّ رفعٍ على هذا القولِ، وفي محلِّ نصبٍ على القولين الأوَّلين.
قوله: ﴿إِذَا حَضَرَ﴾ العاملُ في «إذا» «كُتِب» على أنها ظرفٌ محضٌ، وليس متضمناً للشرطِ، كأنه قيل: كُتِب عليكم الوصيةُ وَقْتَ حضورِ الموتِ، ولا يجوزُ أن يكونَ العاملُ فيه لفظَ «الوصية» لأنها مصدرٌ، ومعمولُ المصدرِ لا يتقدَّم عليه لانحلاله لموصولٍ وصلةٍ إلا على مذهبِ مَنْ يَرى التوسُّع في الظرفِ وعديلِه، وهو أبو الحسن، فإنه لا يَمْنَعُ ذلك، فيكون التقديرُ: كُتِب عليهم أَنْ تُوصوا وَقْتَ حضورِ الموت.
وقال ابن عطية: «ويتَّجِه في إعرابِ هذه الآية أن يكونَ» كُتِب «هو العامل في» إذا «، والمعنى: توجَّه عليكم إيجابُ الله ومقتضى كتابه إذا حضر، فعبَّر عن توجُّهِ الإِيجابِ بكُتب، لينتظم إلى هذا المعنى أنه مكتوبٌ في الأزل، و» الوصيةُ «مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعلُه بكُتِب. وجوابُ الشرطَيْنِ» إنْ «و» إذا «مقدرٌ يَدُلُّ عليه ما تقدَّم من قوله كُتِب» . قال الشيخ: «وفي هذا تناقضٌ لأنه جَعَلَ العاملَ في» إذا «كُتِبَ، وذلك يَسْتَلْزم أن يكونَ» إذا «ظرفاً محضاً غيرَ متضمنٍ للشرطِ، وهذا يناقِضُ قوله:» وجوابُ «إذا» و «إنْ» محذوفٌ؛ لأنَّ إذا الشرطيةَ لا يَعْمَلُ فيها إلا جوابُها أو فعلُها الشرطِيُّ، و «كُتِب» ليس أحدَهما، فإنْ قيل: قومٌ يجيزون تقديم جوابِ الشرطِ فيكونُ «كُتب» هو الجوابَ، ولكنه تقدَّم، وهو عاملٌ في «إذا» فيكونُ ابنُ عُطية يقولُ بهذا القولِ. فالجوابُ: أنَّ ذلك لا يجوزُ، لأنه صَرَّح بأنَّ جوابَها محذوف مدلولٌ عليه بكُتب، ولم يَجْعَل كُتِبَ هو الجوابَ «.
стр. 905
ويجوز أَنْ يكونَ العاملُ في» إذا «الإِيصاء المفهوم من لفظ» الوصية «وهو القائمُ مقامَ الفاعلِ في» كُتِب «كما تقدَّم. قال ابنُ عطيةَ في هذا الوجهِ:» ويكونُ هذا الإِيصاءُ المقدَّرُ الذي يَدُلُّ عليه ذِكْرُ الوصية بعدُ هو العاملَ في «إذا» وترتفع «الوصيةُ» ، بالابتداء، وفيه جوابُ الشرطين على [نحو] ما أنشده سيبويه:
٨٢٩ - مَنْ يفعلِ الصالحاتِ اللهُ يحفظُه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويكون رفعُها بالابتداءِ، أي: فعليه الوصيةُ بتقديرِ الفاءِ فقط، كأنه قال فالوصيةُ للوالدَيْنِ «. وناقشه الشيخ من وجوهٍ، أحدُها: أنه متناقضٌ من حيث إنه إذا جَعَلَ» إذا «معمولةً للإِيصاء المقدَّر تمحَّضَتْ للظرفية فكيف يُقَدَّر لها جوابٌ كما تقدَّم تحريرُه؟ والثاني: أنَّ هذا الإِيصاء: إمَّا أَنْ تُقَدِّرَ لَفظَه محذوفاً أو تُضْمِرَه، وعلى كِلا التقديرين فلا يَعْمَلُ لأنَّ المصدرَ شَرْطُ إعماله ألاَّ يُحْذَفَ ولا يُضْمَرَ عند البصريين، وأيضاً فهو قائمٌ مقامَ الفاعلِ فلا يُحْذَفُ. الثالث: قولُه» جوابُ الشرطين «والشيءُ الواحدُ لا يكونُ جواباً لاثنين، بل جوابُ كلِّ واحد مستقلٌ بِقَدْرِه. الرابعُ: جَعْلُه حَذْفَ الفاءِ جائزاً في القرآن، وهذا نصُّ سيبويه على أنه لا يجوزُ إلا ضرورةً وأنشد:
مَنْ يفعلِ الحسناتِ اللهُ يَشْكُرها ... والشرُّ بالشرِّ عند الله سِيَّانِ
وإنشادُه» مَنْ يَفْعَلِ الصالحات اللهُ يحفظه «يجوزُ أن يكونَ روايةً،
стр. 906
إلا أنَّ سيبويهِ لم يُنْشِدْه كذا بل كما تقدَّم والمبرد رُوي عنه أَّنه لا يُجِيزُ حَذْفَ الفاءِ مطلقاً، لا في ضرورة ولا غيرها، ويَرْوِيه:» مَنْ يفعل الخيرَ فالرحمنُ يشكُره «، وردَّ الناسُ عليه بأنَّ هذه لَيسَتْ حجةً على روايةِ سيبويه.
ويجوزُ أَنْ تكونَ» إذا «شرطيةً، فيكونَ جوابُها وجوابُ» إنْ «محذوفَيْن. وتحقيقُه: أنَّ جواب» إنْ «مقدَّرٌ، تقديرُه:» كُتب الوصيةُ على أحدكم إذا حضَرهُ الموتُ إن ترك خيراً فلْيُوص «، فقولُه» فَلْيُوصِ «جوابٌ لإِنْ، حُذِفَ لدلالةِ الكلام عليه، ويكونُ هذا الجوابُ المقدرُ دالاً على جوابِ» إذا «فيكونُ المحذوفُ دَالاً على محذوفٍ مثله. وهذا أَوْلَى مِنْ قولِ مَنْ يقول: إنَّ الشرطَ الثاني جوابُ الأول، وحُذف جوابُ الثاني، وأَوْلَى أيضاً مِنْ تقديرِ مَنْ يُقَدِّره مِنْ معنى» كُتِبَ «ماضي المعنى، إلاَّ أَنْ يُؤَوِّلَه بمعنى: يتوجَّه عليكم الكَتْبُ إن تَرَكَ خيراً.
قوله:» الوصيةُ «فيه ثلاثةُ أوجهٍ، [أحدها:] أن يكونَ مبتدأً وخبرُه» للوالدَيْن «. والثاني: أنه مفعولُ» كُتِب «وقد تقدَّم. الثالث: أنه مبتدأ خبرُه محذوفٌ أي: فعليه الوصيةُ، وهذا عندَ مَنْ يُجيز حَذْفَ فاءِ الجوابِ وهو الأخفشُ وهو محجوجٌ بنقلِ سيبويه.
قوله: ﴿الوصية﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، [أحدها:] أن يكون مبتدأً وخبرُه» للوالدَيْن «. والثاني: أنه مفعولُ» كُتِب «وقد تقدَّم. الثالث: أنه مبتدأ خبرُه محذوفٌ أي: فعليه الوصيةُ، وهذا عندَ مَنْ يُجيز حَذْفَ فاءِ الجوابِ وهو الأخفشُ وهو محجوجٌ بنقلِ سيبويه.
قوله:» بالمعروف «يجوزُ فيه وجهان، أحدُهما: أن يتعلَّق بنفسِ» الوصية «، والثاني أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الوصية، أي: حالَ كونِها ملتبسةً بالمعروفِ لا بالجَوْر.
قوله: ﴿حقاً﴾ في نصبه ثلاثةُ أوجهٍ أحدُها: أَنْ يكونَ نعتاً لمصدرٍ
стр. 907
محذوفٍ، وذلك المصدرُ المحذوفُ: إمَّا مصدرُ «كُتِب» أو مصدرُ «أَوْصى» أي كَتْباً أو إيصاءً حقاً. الثاني: أنه حالٌ من المصدَرِ المُعَرَّفِ المحذوف: [إِمَّا] مصدرُ «كُتِب» أو «أَوْصَى» كما تقدَّم. الثالث: أَنْ يَنْتَصِبَ على أنه مؤكد لمضمونِ الجملة، فيكونُ عاملُه محذوفاً، أي: حَقَّ ذلك حقاً، قاله الزمخشري وابن عطية وأبو البقاء. وقال الشيخ: «وهذا تَأْباه القواعدُ النحوية، لأنَّ ظاهرَ قولِه:» على المتقين «أن يتعلَّق ب» حقاً «أو يكونَ في موضعِ الصفة له، وكِلا التقديرين لا يجوزُ. أمَّا الأولُ فلأنَّ المصدرَ المؤكِّد لا يعملُ، وأمَّا الثاني فلأن [الوصفَ يُخْرِجُه عن التأكيد] ، وهذا لاَ يَلْزَمُهم فإنهم والحالةُ هذه لا يقولونُ إنَّ» على المتقين «متعلِّقٌ به. وقد نَصَّ على ذلك أبو البقاء فإنه قال: /» وقيل هو متعلقٌ بنفسِ المصدرِ وهو ضعيفٌ، لأنَّ المصدرَ المؤكِّد لا يعملُ، وإنما يَعْمَلُ المصدرُ المنتصِبُ بالفعلِ المحذوفِ إذ نابَ عنه كقولِك: ضرباً زيداً، أي: اضرِبْ «إلا أنه جَعَله صفَةً لحقّ، فهذا يَرِدُ عليه.
وقال بعضُ المُعْرِبين:» إنه مؤكِّدُ لِما تَضمَّنَه معنى «المتقين» كأنه قيل: على المتقين حقاً، كقوله: ﴿أولائك هُمُ المؤمنون حَقّاً﴾ [الأنفال: ٧٤] . وهذا ضعيفٌ لتقدُّمِه على عامِله الموصولِ، ولأنه لا يتبادَرُ إلى الذهن.
стр. 908
قال الشيخ: «والأَوْلى عندي أن يكونَ مصدراً مِنْ معنى» كُتب «لأنَّ معنى» كَتَبَ الوصيةَ «أي: حَقَّتْ وَوَجَبَتْ، فهو مصدرٌ على غيرِ الصَّدْر نحو: قَعَدْتُ جلوساً.
стр. 909
قوله تعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ : «مَنْ» يجوزُ أَنْ تكونَ شرطيةً وموصولةً، والفاءُ: إمّا واجبةٌ إن كانَتْ شرطاً، وإمّا جائزٌ إنْ كانت موصولةً، بلفظِ المؤنَّثِ لأنَّها في معنى المذكَّر، وهو الإِيصاءُ. أو تعود على نفس الإِيصاء المدلولِ عليه بالوصِيَّة، إلاَّ أنَّ اعتبارَ التذكير في المؤنثِ قليلٌ وإن كان مجازياً، ألا ترى أنه لا فرق بين قولك: هند خرجَتْ والشمسُ طلَعَتْ، ولا يجوزُ: الشمسُ طَلَع، كما لا يَجُوزُ: «هند خرج» إلاَّ في ضرورةٍ. وقيل: تعودُ على الأمرِ والفَرْضِ الذي أَمَرَ به اللهُ وفَرَضه. وكذلك الضميرُ في «سَمِعَه» والضميرُ في «إثمُه» يعودُ على الإِيصاء المُبَدَّلِ، أو التبديلِ المفهوم من قولِه: «بَدَّله» .
وقد راعى المعنى في قوله: ﴿عَلَى الذين يُبَدِّلُونَهُ﴾ إذ لو جَرَى على نَسَق اللفظِ الأولِ لقالَ: «فإنَّما إثمُه عليه - أو على الذي يُبَدِّله» .
وقيل: الضميرُ في «بَدَّله» يعودُ على الكَتْبِ أو الحقِّ أو المعروفِ. فهذه ستةُ أقوالٍ.
و «ما» في قولِه: ﴿بَعْدَمَا سَمِعَهُ﴾ يجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً أي: بعد: سماعِه، وأن تكون موصولةً بمعنى الذي. فالهاءُ في «سَمِعَه» على الأول تعودُ على ما عادَ عليه الهاءُ في «بَدَّله» ، وعلى الثاني تعودُ على الموصولِ، أي بعد الذي سَمِعَه من أوامرِ الله.
стр. 910
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ﴾ : يجوزُ فيها الوجهان الجائزان في «مَنْ» قبلَها. والفاءُ في «فلا إثم» هي جوابُ الشرطِ أو الداخلةُ في الخبر. و «مِنْ موصٍ» يجوزُ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن تكونَ متعلقةً بخاف على انها لابتداءِ الغاية. الثاني: أن تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها حالٌ من «جَنَفَاً» ، قُدِّمَتْ عليه، لأنها كانَتْ في الأصل صفةً له، فلمَّا تَقَدَّمَتْ نُصِبَتْ حالاً. ونظيره: «أخَذْتُ من زيد مالاً» إن شِئت عَلَّقْتُ «مِنْ زيد» ب «أَخَذْتُ» ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَه حالاً من «مالاً» لأنه صفته في الأصلِ، الثالث: أن تكونَ لبيان جنسِ الجانفين: وتتعلَّقُ أيضاً بخاف. فعلى القولين الأولين لا يكونَ الجانِفُ من الموصِين بل غيرُهم، وعلى الثالث يكونُ من الموصين.
وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي: «مُوَصٍّ» بتشديدِ الصادِ والباقون بتخفيفها. وهما من أوصى ووصَّى، وقد تقدَّم أنهما لغتان، إلاَّ أن حمزةَ والكسائي وأبا بكر هم من جملةِ الذين يَقْرؤون ﴿ووصى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٢] مضعَّفاً، وأنَّ نافعاً وابن عامر يقرآن: «أوصى» بالهمزة، فلو لم تكن القراءةُ سُنَّةً متبعةً لا تجوزُ بالرأي لكان قياسُ قراءةِ ابن كثير وأبي عمرو وحفص هناك «ووصَّى» بالتضعيف أن يقرآ هنا «مُوَصٍّ» بالتضعيف، وأما نافعٌ وابنُ عامر فإنهما قرآ هنا «مُوصٍ» مخففاً على قياس قراءتهما هناك و «أَوْصَى» على أَفْعَل. وكذلك حمزة والكسائي وأبو بكر قرؤوا: «ووصَّى» هناك بالتضعيف فقرؤوا هنا «مُوَصٍّ» بالتضعيفِ على القياس.
والخَوْفُ هنا بمعنى الخَشْيَة وهو الأصلُ، وقيل: بمعنى العِلْم وهو مجازٌ، والعلاقةُ بينهما هو أنَّ الإِنسَان لا يَخافُ شيئاً حتى يَعْلَم أنه مِمَّا يُخاف منه فهو من باب التعبير عن السبب بِالمُسَبِّبِ. ومِنْ مجيء الخوف
стр. 911
بمعنى العِلْم قولُه تعالى: ﴿إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، وقولُ أبي مِحْجن الثقفي:
٨٣٠ - إذا مُتُّ فادْفِنِّي إلى جَنْبٍ كَرْمَةٍ ... تُرَوِّي عظامي في المَمات عروقُها
ولا تَدْفِنَنِّي في الفلاةِ فإنني ... أخَافُ إذا ما مُتُّ ألاَّ أذوقُها
والجَنَفُ لأهلِ اللغةِ فيه قولان أحدُهما: المَيْلُ، قال الأعشى:
٨٣١ - تَجانَفُ عن حُجْرِ اليمَامةِ ناقتي ... وما قَصَدَتْ من أهلِها لِسِوائكا
وقال آخر:
٨٣٢ - هُمُ المَوْلى وإنْ جَنَفُوا عَلَيْنا ... وإنَّا مِنْ لقائِهِمْ لَزُورُ
وقيل: هو الجَوْرُ. قال:
٨٣٣ - إني امرؤٌ منعَتْ أَرومةُ عامرٍ ... ضَيْمي وقد جَنَفَتْ عليَّ خُصومُ
يقال: جَنِفَ بكسر النون يَجْنَفُ بفتحها فهو جَنِفٌ وجانِفٌ، وأَجْنَفَ جاء بالجَنَفِ كَألاَم جاء بما يُلام عليه.
стр. 912
والضميرُ في «بينهم» عائد على الموصي والورثةِ، أو على الموصَى لهم، أو على الورثةِ والمُوصى لهم. والظاهرُ عودُه على المَوصى لهم، إذ يدلُّ على ذلك لفظُ «المُوصى» . وهو نظيرُ ﴿وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٨] [في] أن الضمير يعودُ للعافي لاستلزام «عفا» له، ومثلُه ما أنشد الفراء:
٨٣٤ - وما أَدْري إذا يَمَّمْتُ أرضاً ... أريدُ الخيرَ أيُّهما يَليِني
فالضمير في «أيُّهما» يعودُ على الخيرِ والشرِّ، وإنْ لم يَجْرِ ذِكْرُ الشِّر لدلالةِ ضِدِّه عيله، والضميرُ في «عليه» وفي «خاف» وفي «أصلح» يعود على «مَنْ» .
стр. 913
قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام﴾ : «الصيامُ» مفعولُ لم يُسَمَّ فاعلُه وقُدِّم عليه هذه الفَضْلَةُ وإنْ كان الأصلُ تأخيرها عنه لأنَّ البداءة بذكرِ المكتوبِ عليه آكدُ مِنْ ذِكْر المكتوبِ لتعلُّق الكتب بِمَنْ يؤدِّي.
والصيام: مصدرُ صام يصوم صوماً، والأصلُ: صِواماً، فَأُبْدِلَتْ الواوُ ياءٌ والصومُ مصدرٌ أيضاً، وهذان البناءانِ - أعني فَعْل وفِعال - كثيران في كلِّ فعلٍ واويِّ العينِ صحيحِ اللامِ، وقد جاء منه شيءٌ قليل على فُعول قالوا: غار غُووراً، وإنما استكرهوه لاجتماعِ الواوَيْنِ/، ولذلك هَمَزه بعضُهم فقال: الغُؤُور. والصيام لغةً الإِمساكُ عن الشيء مطلقاً، ومنه: صامَتِ الريحُ: أمسكَتْ عن الهبوبِ، والفرسُ: أَمْسَكَتْ عن العَدْوِ، [وقال] :
٨٣٥ - خيلٌ صِيامُ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ ... تحتَ العَجاجِ وأُخْرى تَعْلِكُ اللُّجُما
стр. 914
وقال تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً﴾ [مريم: ٢٦] أي: سكوتاً لقوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً﴾ . وصامَ النهارُ أي: اشتدَّ حَرَّه، قال:
٨٣٦ - حتى إذا صامَ النهارُ واعتَدَلْ ... ومالَ للشمسِ لُعابٌ فَنَزَلْ
كأنهم تَوَهَّموا ذلك الوقتَ إمساكَ الشمسِ عن المَسِيرِ. ومَصَامُ النجومِ: إمساكُها عن السيرِ، قال امرؤ القيس:
٨٣٧ - كأنَّ الثُّرِيَّا عُلِّقَتْ في مَصامِها ... بأمراسِ كُتَّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ
قوله: ﴿كَمَا كُتِبَ﴾ فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدها: أنَّ محلَّها النصْب على نعتِ مصدرٍ محذوفٍ أي: كُتِبَ كَتْباً مثلَ ما كُتِبَ. الثاني: أنه في محلِّ حالٍ من المصدرِ المعرفةِ أي: كُتِبَ عليكم الصيامُ الكَتْبَ مُشْبِهاً ما كُتِبَ. و «ما» على هذين الوجهينِ مصدريةٌ. الثالث: أن يكون نعتاً لمصدرٍ من لفظِ الصيام، أي: صوماً مثلَ ما كُتِبَ. ف «ما» على هذا الوجه بمعنى الذي، أي: صوماً مماثلاً للصومِ المكتوبِ على مَنْ قبلكم. و «صوماً» هنا مصدر مؤكِّد في المعنى، لأنَّ الصيامَ بمعنى: أنْ تصُومُوا صوماً، قاله أبو البقاء، وفيه أنَّ المصدرَ المؤكِّد يُوصَفُ، وقد تقدَّم مَنْعُه عندَ قولِهِ تعالى ﴿بالمعروف حَقّاً عَلَى المتقين﴾ [البقرة: ١٨٠] . وقال الشيخ - بعد أَنْ حكى هذا عن ابن عطية - «وهذا فيه بُعْدٌ؛ لأنَّ تشبيهَ الصوم بالكتابةِ لا يصحُّ، هذا إن كانت» ما «مصدريةً، وأمّا إن كانت
стр. 915
موصولةً ففيه أيضاً بُعْدٌ؛ لأنَّ تشبيه الصومِ بالصومِ لا يَصِحُّ إلاَّ على تأويلٍ بعيدٍ» .
الرابع: أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من «الصيام» ، وتكونُ «ما» موصولةً، أي: مُشْبهاً الذي كُتِبَ. والعاملُ فيها «كُتِبَ» لأنه عاملٌ في صاحبِها. الخامس: أن يكونَ في محلِّ رفعٍ لأنَّه صفةٌ للصيامِ، وهذا مردودٌ بأنَّ الجارَّ والمجرورَ من قبيلَ النكرات والصيامُ معرفةٌ، فكيف تُوصَفُ المعرفةُ بالنكرةِ؟ وأجابَ أبو البقاء عن ذلك «بأنَّ الصيامَ غيرُ مُعَيَّنٍ» كأنه يعني أنَّ «أل» فيه للجنسِ والمعرَّفُ بأل الجنسيةِ عندهم قريبٌ من النكرةِ، ولذلك جازَ أن تَعْتَبِرَ لفظة مرةً ومعناه أخرى، قالوا: «أهلك الناسَ الدينارُ الحمرُ والدِرْهَمُ البيض» ومنه:
٨٣٨ - ولقد أَمُرُّ على اللئيمَ يَسُبُّنِي ... فَمَضَيْتُ ثمَّتَ قُلْتُ لا يَعْنِيني
[وقولُه تعالى:] ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار﴾ [يس: ٣٧] وقد تقدَّم الكلامُ على مثلِ قولِه: ﴿الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ كيف وُصِلَ الموصول بهذا، والجوابُ عنه في قولِه: ﴿خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١] .
قوله ﴿أَيَّاماً﴾ في نصبِه أربعةُ أوجه، أظهرُها: أنه منصوبٌ بعاملٍ مقدَّرٍ يَدُلُّ عليه سياقُ الكلامِ تقديرُه: صوموا أياماً، ويَحْتَمِلُ هذا النصبُ وجهين: إمَّا الظرفيةَ وإمَّا المفعولَ به اتساعاً.
الثاني: أنه منصوبٌ بالصيام، ولم يَذْكُرِ الزمخشري غيرَه، ونَظَّرهُ
следующие страницы →