← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

قوله: ﴿أَفَمَن كَانَ﴾ : مبتدأٌ، والخبر «كَمَنْ زُيِّنَ» ، وحُمِل على لفظ «مَنْ» فأُفْرِدَ في قوله: ﴿لَهُ سواء عَمَلِهِ﴾ وعلى المعنى فجُمِعَ في قوله: ﴿واتبعوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ ، والجملةُ مِنْ «اتَّبعوا» عطفٌ على «زُيِّنَ» فهو صلةٌ.

стр. 8927

قوله: ﴿مَّثَلُ الجنة﴾ : فيه أوجهٌ، أحدها: أنه مبتدأٌ، وخبرُه مقدرٌ. فقدَّره النضر بن شميل: مثلُ الجنةِ ما تَسْمعون، ف «ما تَسْمعون» خبرُه، و «فيها أنهارٌ» مُفَسِّرٌ له. وقَدَّره سيبويه: «فيما يُتْلَى عليكم مَثَلُ الجنة» ، والجملةُ بعدَها أيضاً مُفَسِّرةٌ للمَثل. الثاني: أن «مَثَل» زائدةٌ تقديرُه: الجنة التي وُعِدَ المتقون فيها أنهارٌ. ونظيرُ زيادةِ «مَثَل» هنا زيادةُ «اسم» في قولِه:

стр. 8928

٤٠٥٥ - إلى الحَوْلِ ثم اسْمُ السَّلامِ عليكما ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . الثالث: أنَّ «مَثَل الجنة» مبتدأٌ، والخبر قولُه: «فيها أنهارٌ» ، وهذا ينبغي أَنْ يمتنعَ؛ إذ لا عائدَ من الجملةِ إلى المبتدأ، ولا ينْفَعُ كونُ الضميرِ عائداً على ما أُضيف إليه المبتدأ. الرابع: أنَّ «مَثَل الجنة» مبتدأٌ، خبرُه « ﴿كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النار﴾ ، فقَدَّره ابنُ عطية:» أمَثَلُ أهلِ الجنة كمَنْ هو خالدٌ «، فقدَّر حرفَ الإِنكارِ ومضافاً ليصِحَّ. وقدَّره الزمخشري:» أَمَثَلُ الجنةِ كمَثَلِ جزاءِ مَنْ هو خالدٌ «. والجملةُ مِنْ قولِه:» فيها أنهارٌ «على هذا فيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: هي حالٌ من الجنة أي: مستقرَّةٌ فيها أنهارٌ. الثاني: أنها خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ أي: هي فيها أنهارٌ، كأنَّ قائلاً قال: ما مَثَلُها؟ فقيل: فيها أنهار. الثالث: أَنْ تكونَ تكريراً للصلة؛ لأنَّها في حكمِها ألا ترى إلى أنَّه يَصِحُّ قولُك: التي فيها أنهار، وإنما عَرِيَ قولُه:» مَثَلُ الجنةِ «من حرفِ الإِنكار تصويراً لمكابرةِ مَنْ يُسَوِّي بين المُسْتَمْسِكِ بالبيِّنَةِ وبين التابِع هواه كمَنْ يُسَوِّي بين الجنة التي صفتُها كيتَ وكيتَ، وبين النارِ التي صفتُها أَنْ يُسْقَى أهلُها الحميمَ. ونظيرُه قولُ القائلِ: ٤٠٥٦ - أَفْرَحُ أَنْ أُرْزَأَ الكرامَ وأَنْ ... أُوْرَثَ ذَوْداً شَصائِصاً نَبْلا هو كلامٌ مُنْكِرٌ للفرح برُزْئِه الكرامَ ووِراثةِ الذَّوْدِ، مع تَعَرِّيه من حرف الإِنكارِ، ذكر ذلك كلَّه الزمخشريُّ بأطولَ مِنْ هذه العبارةِ.

стр. 8929

وقرأ عليُّ بن أبي طالب» مثالَ الجنةِ «. وعنه أيضاً وعن ابن عباس وابن مسعود» أمثالُ «بالجمع. قوله:» آسِنٍ «قرأ ابنُ كثير» أَسِنٍ «بزنة حَذِرٍ وهو اسمُ فاعلٍ مِنْ أَسِنَ بالكسرِ يَأْسَنُ، فهو أَسِنٌ ك حَذِرَ يَحْذَر فهو حَذِرٌ. والباقون» آسِنٍ «بزنةِ ضارِب مِنْ أَسَنَ بالفتح يَأْسِن، يقال: أَسَن الماءُ بالفتح يَأْسِن ويَأْسُن بالكسرِ والضمِّ أُسُوْناً، كذا ذكره ثعلب في» فصيحه «. وقال اليزيدي:» يقال: أَسِن بالكسرِ يَأْسَنُ بالفتح أَسَناً أي: تَغَيَّر طعمُه. وأمَّا أسِن الرجلُ - إذا دَخَل بئراً فأصابه مِنْ ريحِها ما جعل في رأسِه دُواراً - فأَسِن بالكسرِ فقط. قال الشاعر: ٤٠٥٧ - قد أترُكُ القِرْن مُصْفَرَّاً أنامِلُه ... يَميد في الرُّمْح مَيْدَ المائِح الأَسِنِ وقُرِئَ «يَسِنٍ» بالياء بدلَ الهمزةِ. قال أبو علي: «هو تَخفيفُ أَسِنٍ» وهو تخفيفٌ غريبٌ. قوله: ﴿لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ صفةٌ ل «لبنٍ» . قوله: «لذة» يجوز أَنْ يكونَ تأنيثَ

стр. 8930

لَذّ، ولَذٌّ بمعنى لذيذ، ولا تأويلَ على هذا، ويجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً وُصِفَ به. وفيه التأويلاتُ المشهورةُ. والعامَّةُ على جرِّ «لَذَّةٍ» صفةً ل «خَمْرٍ» وقُرِئ بالنصب على المفعولِ له، وهي تؤيِّدُ المصدريةَ في قراءةِ العامَّةِ، وبالرفع صفةً ل «أنهارٌ» ، ولم تُجْمَعْ لأنها مصدرٌ إنْ قيلَ به، وإنْ لا فلأنَّها صفةٌ لجمعٍ غيرِ عاقلٍ، وهو يُعامَلُ معاملةَ المؤنثةِ الواحدةِ. قوله: «مِنْ عَسَلٍ» نقلوا في «عَسَل» التذكيرَ والتأنيثَ، وجاء القرآنُ على التذكيرِ في قوله: «مُصَفَّى» . والعَسَلان: العَدْوُ. وأكثرُ استعمالِه في الذئبِ، يقال: عَسَل الذئبُ والثعلبُ، وأصلُه مِنْ عَسَلانِ الرُّمح وهو اهتزازُه، فكأنَّ العادِيَ يهزُّ أعضاءَه ويُحَرِّكها قال الشاعر: / ٤٠٥٨ - لَدْنٌ بِهَزِّ الكفِّ يَعْسِلُ مَتْنُه ... فيه كما عَسَل الطريقَ الثعلبُ وكُنِي بالعُسَيْلة عن الجماعِ لِما بينهما. قال ﵇: «حتى تَذوقي عُسَيْلَتَه ويذوقَ عُسَيْلَتَك» . قوله: ﴿مِن كُلِّ الثمرات﴾ فيها وجهان، أحدهما: أن هذا الجارَّ صفةٌ لمقدرٍ، ذلك المقدَّرُ مبتدأٌ، وخبرُه الجارُّ قبلَه وهو «لهم» . و «فيها» متعلِّقٌ بما تعلَّقَ به. والتقديرُ: ولهم فيها زوجان مِنْ كلِّ الثمراتِ، كأنه انَتَزَعَه مِنْ قولِه

стр. 8931

تعالى: ﴿فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن: ٥٢] وقَدَّره بعضُهم: صِنْفٌ، والأولُ أليقُ. والثاني: أن: «مِنْ» مزيدةٌ في المبتدأ. قوله: «ومَغْفِرَةٌ» فيه وجهان، أحدُهما: أنه عطفٌ على ذلك المقدر لا بقَيْدِ كونِه في الجنة أي: ولهم مغفرةٌ، لأن المغفرةَ تكون قبلَ دخولِ الجنة أو بُعَيْدَ ذلك. ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ حينئذٍ أي: ونعيمُ مغفرةٍ؛ لأنه ناشِئٌ عن المغفرةِ، وهو في الجنة. والثاني: أن يُجْعَلَ خبرُها مقدَّراً أي: ولهم مغفرةٌ. والجملةُ مستأنفةٌ. والفرقُ بين الوجهَيْنِ: أنَّ الوجهَ الذي قبل هذا فيه الإِخبارُ ب «لهم» الملفوظِ به عن سَنَنِ ذلك المحذوف، و «مغفرةٌ» ، وفي الوجه الآخر الخبر جارٌّ آخرُ، حُذِفَ للدلالةِ عليه. قوله: «كمَنْ هو» قد تقدَّم أنَّه يجوزُ أَنْ يكونَ خبراً عن «مَثَلُ الجنة» بالتأويلَيْن المذكورَيْن عن ابنِ عطيةَ والزمخشريِّ. وأمَّا إذا لم نجعَلْه خبراً عن «مَثَلُ» ففيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنَّه خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديرُه: أحال هؤلاء المتَّقين كحالِ مَنْ هو خالدٌ. وهذا تأويلٌ صحيحٌ. وذكر فيه أبو البقاء الأوجهَ الباقيةَ وقال: «وهو في موضعِ رفعٍ أي: حالُهم كحالِ مَنْ هو خالدٌ في النارِ. وقيل: هو استهزاءٌ بهم. وقيل: هو على معنى الاستفهامِ، أي: أكمَنْ هو خالدٌ. وقيل: في موضعِ نصبٍ أي: يُشْبِهون حالَ مَنْ هو خالدٌ في النار «انتهى. معنَى قولِه:» وقيل هو استهزاءٌ «أي: أن الإِخبار بقولِك: حالُهم كحالِ مَنْ، على سبيلِ الاستهزاءِ والتهكُّمِ.

стр. 8932

قوله:» وسُقُوا «عطفٌ على الصلةِ، عَطَفَ فعليةً على اسمية، لكنه راعى في الأولِ لفظ» مَنْ «فأَفْرَدَ، وفي الثانيةِ معناها فجَمَعَ. والأَمْعاءُ: جمع مِعىً بالقصرِ، وهو المُصْرانُ الذي في البطن وقد وُصِفَ بالجمع في قوله: ٤٠٥٩ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . ومِعَىً جياعا على إرادةِ الجنسِ. وألفُه عن ياءٍ بدليلِ قولهم: مِعَيان.

стр. 8933

قوله: ﴿آنِفاً﴾ : فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ على الحالِ، فقدَّره أبو البقاء: «ماذا قال مُؤْتَنِفا» . وقَدَّره غيرُه: مُبْتَدِئاً أي: ما القولُ الذي ائْتَنَفه الآن قبلَ انفصالِه عنه. والثاني: أنه منصوبٌ على الظرفِ أي: ماذا قال الساعةَ، قاله الزمخشري. وأنكره الشيخ قال: «لأنَّا لم نعلَمْ أحداً عَدَّه من الظروف» . واختلفَتْ عبارتُهم في معناه: فظاهرُ عبارةِ الزمخشري أنه ظرفٌ حاليٌّ ك الآن، ولذلك فَسَّره بالساعة. وقال ابن عطية: «والمفسِّرون يقولون: آنِفاً معناه الساعةُ الماضيةُ القريبةُ منَّا وهذا تفسيرٌ بالمعنى» . وقرأ البزيُّ بخلافٍ عنه «أَنِفاً» بالقصرِ. والباقون بالمدِّ، وهما لغتان

стр. 8934

بمعنىً واحدٍ، وهما اسما فاعِل ك حاذِر وحَذِر، وآسِن وأَسِن، إلاَّ أنَّه لم يُسْتعمل لهما فِعْلٌ مجردٌ، بل المستعملُ ائْتَنَفَ يَأْتَنِفُ، واسْتَأْنف يَسْتأنف. والائْتِنافُ والاسْتِئْناف: الابتداء. قال الزجَّاج: «هو مِنْ اسْتَأْنَفْتُ الشيءَ إذا ابتدَأْتَه أي: ماذا قال في أولِ وقتٍ يَقْرُب مِنَّا» .

стр. 8935

قوله: ﴿والذين اهتدوا﴾ : يجوزُ فيه الرفعُ بالابتداءِ، والنصبُ على الاشتغالِ. و «تَقْواهم» مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه. والضمير في «آتاهم» يعودُ على اللَّهِ أو على قولِ المنافقين؛ لأنَّ قولهم ذلك مِمَّا يزيدُ المؤمنينَ تقوى، أو على الرسول.

стр. 8936

قوله: ﴿أَن تَأْتِيَهُمْ﴾ : بدلٌ من الساعة بدلُ اشتمالٍ. وقرأ أبو جعفر الرؤاسي: «إنْ تَأْتِهم» ب إنْ الشرطيةِ، وجزمِ ما بعدها. وفي جوابِها وجهان، أحدهما: أنَّه قولُه: «فأنَّى لهم» قاله الزمخشريُّ. ثم قال: «فإنْ قلت: بِمَ يتصلُ قولُه: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾ على القراءتَيْن؟ قلت: بإتيان السَّاعةِ، اتصالَ العلةِ بالمعلولِ كقولك: إنْ أكرَمَني زيدٌ فأنا حقيقٌ بالإِكرامِ أُكْرِمْه» . والثاني: أنَّ الجوابَ قولُه: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَاطُهَا﴾ ، وإتيانُ الساعةِ، وإنْ كان متحققاً، إلاَّ أنهم عُوْمِلوا مُعاملةَ الشاكِّ، وحالُهم كانت كذا. والأَشْراط: جمع شَرْط بسكونِ/ الراءِ وفتحِها. قال أبو الأسود: ٤٠٦٠ - فإن كنتِ قد أَزْمَعْتِ بالصَّرْمِ بَيْنَنَا ... فقد جَعَلَتْ أَشْراطُ أَوَّلِه تَبْدو

стр. 8937

والأشراطُ: العلاماتُ، ومنه أَشْراط الساعةِ. وأَشْرَطَ الرجلُ نفسَه أي: ألزمها أموراً. قال أوس: ٤٠٦١ - فأَشْرَطَ فيها نَفْسَه وهو مُعْصِمٌ ... فأَلْقَى بأسبابٍ له وتَوَكَّلا والشَّرْطُ: القَطْعُ أيضاً، مصدرُ شَرَطَ الجلدَ يَشْرِطُه (يَشْرُطُه) شَرْطاً. قوله: «فَأَنَّى لهم» «أنَّى» خبرٌ مقدمٌ و «ذِكْراهم» مبتدأٌ مؤخرٌ أي: أنَّى لهم التذكيرُ. وإذا وما بعدها معترضٌ وجوابُها محذوفٌ أي: كيف لهم التذكيرُ إذا جاءَتْهم الساعةُ؟ فيكف يتذكَّرون؟ ويجوز أن يكونَ المبتدأُ محذوفاً أي: أنَّى لهم الخَلاصُ، ويكون «ذِكْراهم» فاعلاً ب «جاءَتْهم» . وقرأ أبو عمروٍ في رواية «بَغَتَّةً» بفتح الغينِ وتشديدِ التاء، وهي صفةٌ، فنصبُها على الحال، ولا نظيرَ لها في الصفات ولا في المصادر، وإنما هي في الأسماء نحو: الجَرَبَّة للجماعةِ، والشَّرَبَّة للمكان. قال الزمخشري: «ما أَخْوَفني أن تكونَ غَلْطَةً من الراوي عن أبي عمرو، وأَنْ يكونَ الصوابُ» بَغَتَةً «بالفتح دون تشديد» .

стр. 8938

قوله: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَتْ﴾ : هذه بمعنى: هَلاَّ، ولا التفاتَ إلى قول بعضِهم: إنَّ «لا» زائدةٌ والأصلُ: لو نُزِّلَتْ. والعامَّةُ على رفع «سورةٌ مُحْكَمَةٌ» لقيامِها مقامَ الفاعل. وزيد بن علي بالنصبِ فيهما على الحالِ

стр. 8939

والقائمُ مَقامَ الفاعلِ ضميرُ السورة المتقدمةِ، وسوَّغ وقوع الحال كذا وَصْفُها كقولك: الرجل جاءني رجلاً صالحاً. وقُرئ: ﴿فَإِذَآ نَزَلَتْ سُورَةٌ﴾ . وقرأ زيدُ بن علي وابن عمير «وذَكَرَ» مبنياً للفاعل أي: اللَّه تعالى. «القتالَ» نصباً. قوله: «نَظَرَ المَغْشِيِّ» الأصلُ: نَظَراً مِثْلَ نَظَر المَغْشِيِّ. قوله: ﴿فأولى لَهُمْ طَاعَةٌ﴾ اختلف اللغويون والمُعْربون في هذه اللفظةِ، فقال الأصمعي: إنها فعلٌ ماضٍ بمعنى: قارَبَ ما يُهْلِكه وأنشد: ٤٠٦٢ - فعادَى بينَ هادِيَتَيْنِ مِنْها ... وَأَوْلَى أَنْ يزيدَ على الثلاثِ أي: قارَبَ أن يزيدَ. قال ثعلب: «لم يَقُلْ أحدٌ في» أَوْلَى «أحسنَ مِنْ قولِ الأصمعيِّ» ، ولكنْ الأكثرون على أنه اسمٌ. ثم اختلف هؤلاء فقيل: هو مشتقٌّ من الوَلْيِ وهو القُرْبُ كقوله: ٤٠٦٣ - يُكَلِّفُني لَيْلَى وقد شَطَّ وَلْيُها ... وعادَتْ عَوادٍ بيننا وخُطُوْبُ وقيل: هو مشتقُّ مِن الوَيْلِ. والأصلُ: فيه أَوْيَل فقُلبت العين إلى ما بعدَ اللام فصارَ وزنُه أَفْلَع. وإلى هذا نحا الجرجانيُّ. والأصلُ عدم القَلْبِ. وأمَّا معناها فقيل: هي تهديدٌ ووعيدٌ كقولِه:

стр. 8940

٤٠٦٤ - فأَوْلَى ثم أَوْلَى ثم أَوْلَى ... وهَلْ للدَرِّ يُحْلَبُ مِنْ مَرَدِّ وقال المبرد: يُقال لمَنْ هَمَّ بالغضبِ: أَوْلَى لك، كقولِ أعرابي كان يُوالي رَمْيَ الصيدِ فيَفْلَتُ منه فيقول: أَوْلى لك، ثم رمى صيداً فقارَبَه فأفلتَ منه، فقال: ٤٠٦٥ - فلو كان أَوْلَى يُطْعِمُ القومَ صِدْتُهم ... ولكنَّ أَوْلى يَتْرُكُ القومَ جُوَّعا هذا ما يتعلَّقُ باشتقاقِه ومعناه. أمَّا الإِعرابُ: فإن قلنا بقول الجمهور ففيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّ «أَوْلَى» مبتدأٌ، و «لهم» خبرُه، تقديرُه: فالهلاكُ لهم. وسَوَّغَ الابتداءَ بالنكرة كونُه دعاءً نحو: ﴿ويْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١] . الثاني: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه العقابُ أو الهلاكُ أَوْلَى لهم، أي: أقربُ وأَدْنى. ويجوز أن تكونَ اللامُ بمعنى الباءِ أي: أَوْلَى وأحَقُّ بهم. الثالث: أنه مبتدأٌ، و «لهم» متعلِّقٌ به، واللامُ بمعنى الباء. و «طاعةٌ» خبره، والتقدير: أولَى بهم طاعةٌ دونَ غيرِها. وإنْ قلنا بقول الأصمعيِّ فيكون فعلاً ماضياً وفاعلُه مضمر، يَدُلُّ عليه السِّياقُ كأنه قيل: فأَوْلَى هو أي: الهلاكُ، وهذا ظاهرُ عبارةِ الزمخشري حيث قال: «ومعناه الدعاءُ عليهم بأَنْ يَلِيَهم المكروهُ» . وقال ابن عطية: / «المشهورُ من استعمالِ العرب أنك تقول: هذا أَوْلَى بك مِنْ هذا أي: أحقُّ. وقد تَسْتعملُ العربُ» أَوْلَى «فقط على جهةِ الحذفِ والاختصارِ لِما معها من القول فتقول:

стр. 8941

أَوْلَى لك يا فلانُ على جهةِ الزَّجْرِ والوعيد» انتهى. وقال أبو البقاء: «أَوْلَى مؤنثة أَوْلات» وفيه نظر لأن ذلك إنما يكون في التذكير والتأنيث الحقيقيَيْن، أمَّا التأنيثُ اللفظيُّ فلا يُقال فيه ذلك. وسيأتي له مزيدُ بيانٍ في سورة القيامة إنْ شاء الله. قوله: ﴿طَاعَةٌ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه خبرُ «أَوْلَى لهم» على ما تقدَّم. الثاني: أنها صفةٌ ل «سورةٌ» أي: فإذا أُنْزِلَتْ سورةٌ مُحْكَمَةٌ طاعةٌ أي: ذاتُ طاعةٍ أو مُطاعةٌ. ذكره مكيٌّ وأبو البقاء وفيه بُعْدٌ لكثرةِ الفواصلِ. الثالث: أنها مبتدأٌ و «قولٌ» عطفٌ عليها، والخبرُ محذوفٌ تقديرُه: أَمْثَلُ بكم مِنْ غيرِهما. وقَدَّره مكي: مِنَّا طاعةٌ، فقدَّره مقدَّماً. الرابع: أن يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ أي: أَمْرُنا طاعةٌ. الخامس: أنَّ «لهم» خبرٌ مقدمٌ، و «طاعةٌ» مبتدأٌ مؤخرٌ، والوقف والابتداء يُعْرَفان مِمَّا قدَّمْتُه فتأمَّلْه. قوله: «فإذا عَزَمَ» في جوابِها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: قولُه: «فلو صَدَقُوا» نحو: «إذا جاءني طعامٌ فلو جِئْتَني أطعمتُك» . الثاني: أنه محذوفٌ تقديره: فاصْدُقْ، كذا قَدَّره أبو البقاء. الثالث: أن تقديرَه: فاقْضُوا. وقيل: تقديره: كَرِهوا ذلك و «عَزَمَ الأمرُ» على سبيل الإِسنادِ المجازيِّ كقولِه:

стр. 8942

٤٠٦٦ - قد جَدَّتِ الحربُ بكم فَجُدُّوا ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . أو يكونُ على حَذْفِ مضافٍ أي: عَزَمَ أهلُ الأمرِ.

стр. 8943

قوله: ﴿أَن تُفْسِدُواْ﴾ : خبرُ «عسى» ، والشرطُ معترضٌ بينهما، وجوابُه محذوفٌ لدلالةِ «فهل عَسَيْتُم» عليه أو هو يُفَسِّره «فهل عَسَيْتُمْ» عند مَنْ يرى تقديمَه. وقرأ عليٌّ «إنْ تُوُلِّيْتُمْ» بضم التاءِ والواوِ وكسرِ اللام مبنياً للمفعول مِن الوِلاية أي: إنْ وَلَّيْتُكم أمورَ الناس. وقُرئ «وُلِّيْتُمْ» من الوِلاية أيضاً. وهاتان تَدُلاَّن على أنَّ «تَوَلَّيْتُمْ» في العامَّةِ من ذلك. ويجوز أن يكونَ من الإِعراضِ وهو الظاهرُ. وفي قوله: «عَسَيْتُمْ» إلى آخره التفاتٌ مِنْ غَيْبة في قوله: ﴿الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ إلى خطابِهم بذلك زيادةً في توبيخِهم. وقرأ العامَّةُ «وتُقَطِّعوا» بالتشديد على التكثير. وأبو عمروٍ في روايةٍ وسلام ويعقوب بالتخفيف، مضارعَ قَطَعَ. والحسن بفتح التاء والطاءِ مشددةً. وأصلُها تَتَقَطَّعوا بتاءَيْن حُذِفَتْ أحداهما. وانتصابُ «أرحامَكم» على هذا على إسقاط الخافض أي: في أرحامكم.

стр. 8944

قوله: ﴿أولئك﴾ : مبتدأ، والموصولُ خبرُه. والتقدير: أولئك المُفْسِدون، يَدُلُّ عليه ما تقدَّم. وقوله: «فأَصَمَّهم» . ولم يَقُلْ: فَأَصَمَّ آذانَهم، و «أَعْمى أَبْصَارهم» ولم يَقُلْ: أَعْماهم. قيل: لأنَّه لا يَلزَمُ مِنْ ذهابِ الأُذُنِ ذَهابُ السماع فلم يتعرَّضْ لها، والأَبْصار - وهي الأعينُ - يَلْزَمُ مِنْ

стр. 8945

ذهابِها ذهابُ الإِبصارِ ولا يَرِد عليك ﴿في آذَانِهِمْ وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٤٤] ونحوه لأنه دونَ الصَّمَمِ، والصَّممُ أعظمُ منه.

стр. 8946

قوله: ﴿أَمْ على قُلُوبٍ﴾ : أم منقطعةٌ. وقد عَرَفْتَ ما فيها. والعامَّةُ «على أَقْفالُها» بالجمع على أَفْعال. وقُرئ «أَقْفُلُها» على أَفْعُل. وقُرِئ «إقْفالُها» بكسرِ الهمزةِ مصدراً كالإِقبال. وهذا الكلامُ استعارةٌ بليغةٌ جُعِلَ ذلك عبارةً عن عَدَمِ وصولِ الحقِّ إليها.

стр. 8947

قوله: ﴿الشيطان سَوَّلَ﴾ : هذه الجملةُ خبرُ ﴿إِنَّ الذين ارتدوا﴾ . وقد تقدَّم الكلامُ على «سَوَّل» معنًى واشتقاقاً. وقال الزمخشري هنا: «وقد اشتقَّه من السُّؤْل مَنْ لا عِلْمَ له بالتصريفِ والاشتقاقِ جميعاً» كأنَّه يُشير إلى ما قاله ابن بحر: مِنْ أنَّ المعنى: أعطاهم سُؤْلَهم. ووجهُ الغلطِ فيه أنَّ مادةَ السُّؤْلِ من السؤال بالهمز، ومادةَ هذا بالواوِ فافترقا، فلو كان على ما قيل لقيل: سَأَّل بتشديد الهمزة لا بالواو. وفيما قاله الزمخشريُّ نَظَرٌ؛ لأن السؤالَ له مادتان: سَأَل بالهمز، وسال بالألفِ المنقلبةِ عن واوٍ، وعليه قراءةُ «سال سايل» وقوله: ٤٠٦٧ - سالَتْ هُذَيْلٌ رسولَ الله فاحِشةً ... ضَلَّتْ هُذَيْلٌ بما سالَتْ ولم تُصِبِ

стр. 8948

وقد تقدَّم هذا في البقرةِ مُسْتوفى. قوله: «وأَمْلَى» العامَّةُ على «أَمْلَى» مبنياً للفاعل، وهو ضمير الشيطان. وقيل: هو للباري تعالَى. قال أبو البقاء: «على الأول يكونُ معطوفاً على الخبر، وعلى الثاني يكونُ مُسْتأنفاً» . ولا يَلْزَمُ ما قاله بل هو معطوفٌ على الخبر في كلا التقديرَيْن، أخبر عنهم بهذا وبهذا. وقرأ أبو عمروٍ في آخرين «أُمْلِيَ» مبنياً للمفعول، والقائمُ مَقامَ الفاعلِ الجارُّ. وقيل: القائم مَقامَه ضميرُ الشيطان، ذكره أبو البقاء، ولا معنى لذلك. وقرأ يَعْقُوبُ وسلام ومجاهد/ «وأُمْلِيْ» بضمِ الهمزةِ وكسرِ اللام وسكونِ الياءِ. فاحتملَتْ وجهَيْن، أحدُهما: أَنْ يكونَ مضارعاً مُسْنداً لضمير المتكلم أي: وأُمْلِي أنا لهم، وأَنْ يكونَ ماضياً كقراءة أبي عمروٍ سُكِّنَتْ ياؤه تخفيفاً. وقد مضى منه جملةٌ.

стр. 8949

قوله: ﴿إِسْرَارَهُمْ﴾ : قرأ الأخَوان وحفصٌ بكسرِ الهمزة مصدراً، والباقون بفتحها جمعَ «سِرّ» .

стр. 8950

قوله: ﴿فَكَيْفَ﴾ : إمَّا خبرٌ مقدمٌ أي: فكيف عِلْمُه بإسْرارِهم إذا تَوَفَّتْهم؟ وإمَّا منصوبٌ بفعلٍ محذوفٍ أي: فكيف يَصْنعون؟ وإمَّا خبرٌ ل «كان» مقدرةً أي: فكيف يكونون؟ والظرفُ معمولٌ لذلك المقدَّرِ.

стр. 8951

وقرأ الأعمش «تَوَفَّاهم» دونَ تاءٍ فاحتملَتْ وجهين: أن يكونَ ماضياً كالعامَّةِ، وأن يكونَ مضارعاً حُذِفَت إحدى ياءَيْه. قوله: «يَضْرِبُون» حالٌ: إمَّا من الفاعلِ، وهو الأظهرُ، أو مِن المفعولِ.

стр. 8952

قوله: ﴿أَن لَّن يُخْرِجَ﴾ : «أنْ» هذه مخففةٌ و «لن» وما بعدها خبرُها، واسمُها ضميرُ الشأن. والأَضْغان: جمعُ ضِغْن، وهي الأحقاد والضَّغِينة كذلك قال: ٤٠٦٨ - وذي ضِغْنٍ كَفَفْتُ الوُدَّ عنه ... وكنتُ على إساءَتِه مُقِيتا وقال عمرو بن كلثوم: ٤٠٦٩ - فإنَّ الضِّغْنَ بعد الضِّغْنِ يَغْشُو ... عليكَ ويُخْرِجُ الداء الدَّفينا وقيل: الضِّغْنُ العداوةُ. وأُنْشِد: ٤٠٧٠ - قُلْ لابنِ هندٍ ما أردْتَ بمنطقٍ ... ساء الصديقَ وشَيَّد الأضغانا يقال: ضَغِنَ بالكسرِ يَضْغَنُ بالفتح وقد ضُغِنَ عليه. واضْطَغَنَ القومُ وتَضاغنوا، وأصل المادة من الالتواءِ في قوائم الدابةِ والقناة قال:

стр. 8953

٤٠٧١ - إنَّ قناتي مِنْ صَليباتِ القَنا ... ما زادَها التثقيفُ إلاَّ ضَغَنا وقال آخر: ٤٠٧٢ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... كذاتِ الضِّغْنِ تَمْشي في الرِّفاقِ والاضْطِّغانُ: الاحتواءُ على الشيء أيضاً. ومنه قولُهم: اضْطَغَنْتُ الصبيَّ أي: اختصَصْتُه وأنشد: ٤٠٧٣ - كأنه مُضْطَغِنٌ صَبِيَّا ... وقال آخر: ٤٠٧٤ - وما اضْطَغَنْتُ سِلاحي عند مَغْرِضِها ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وفرسٌ ضاغِنٌ: لا يَجْري إلاَّ بالضرب.

стр. 8954

قوله: ﴿لأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ : مِنْ رؤيةِ البصرِ. وجاء على الأفصح من اتصالِ الضميرَيْن، ولو جاء على: أَرَيْناك إياهم جازَ. قوله: «فَلَعَرَفْتَهُمْ» عطفٌ على جوابِ لو. وقوله: «ولَتَعْرِفَنَّهم» جواب قسمٍ محذوفٍ. قوله: ﴿فِي لَحْنِ القول﴾ اللحن يُقال باعتبارَيْن، أحدُهما: الكنايةُ بالكلامِ حتى لا يفهمَه غيرُ مخاطبَكِ. ومنه قولُ القَتَّالِ الكلابي في حكاية له: ٤٠٧٥ - ولقد وَحَيْتُ لكم لكيما تَفْهموا ... ولَحَنْتُ لَحْناً ليس بالمُرْتابِ وقال آخرُ: ٤٠٧٦ - منطِقٌ صائبٌ وتَلْحَنُ أَحْيا ... ناً وخيرُ الحديثِ ما كان لَحْناً واللَّحْنُ: صَرْفُ الكلامِ من الإِعراب إلى الخطأ. وقيل: يجمعُه هو والأولَ صَرْفُ الكلامِ عن وجهِه، يقال من الأول: لَحَنْتُ بفتح الحاء أَلْحَنُ له فأنا لاحِنٌ، وألحنتُه الكلامَ: أفهمتُه إياه فلَحِنَه بالكسر أي: فَهمه فهو لاحِنٌ. ويُقال من الثاني: لَحِن بالكسر إذا لم يُعْرِبْ فهو لَحِنٌ.

стр. 8955

قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى﴾ : قرأ «ولَيَبْلوَنَّكم حتى يَعْلم ويبلوَ أخبارَكم» أبو بكر الثلاثةَ بالياءِ مِنْ أسفلَ يعني اللَّهَ تعالى. والأعمش

стр. 8956

كذلك وتسكين الواو والباقون بنون العظمةِ، ورُوَيس كذلك وتسكينُ الواوِ. والظاهرُ قَطْعُه عن الأول في قراءةِ تسكينِ الواو. ويجوزُ أَنْ يكونَ سَكَّن الواوَ تخفيفاً كقراءةِ الحسن ﴿أَوْ يَعْفُوْ الذي﴾ بسكونِ الواو.

стр. 8957

قوله: ﴿وتدعوا إِلَى السلم﴾ : يجوز جَزْمُه عطفاً على فعل النهيِ. ونصبُه بإضمار «أَنْ» في جواب النهي. وقرأ أبو عبد الرحمن بتشديدِ الدال. وقال الزمخشري: «مِنْ ادَّعَى القومُ وتداعَوْا مثلَ: ارتَمَوْا إلى الصيد وتَرَامَوْا» . وقال غيره: بمعنى تَغْتَرُّوا يعني تَنْتَسِبوا. وتقدَّم الخلافُ في «السّلم» . قوله: «وأنتم الأَعْلَوْن» جملةٌ حاليةٌ. وكذلك «والله معكم» وأصل الأعْلَوْنَ: الأَعْلَيُون فأُعِلَّ. قوله: «يَتِرَكُمْ» أي: يُنْقِصكم، أو يُفْرِدكم عنها فهو مِنْ: وَتَرْتُ الرجلَ إذا قتلْتَ له قتيلاً، أو نهبْتَ مالَه، أو من الوِتْر وهو الانفرادُ. وقيل: كلا المعنيين يَرْجِعُ إلى الإِفراد؛ لأنَّ مَنْ قُتِل له قتيلُ أو نُهِبَ له مالٌ/ فقد أُفْرِد عنه.

стр. 8958

قوله: ﴿فَيُحْفِكُمْ﴾ : عطفٌ على الشرط و «تَبْخَلوا» جوابُ الشرط. قوله: «ويُخْرِجْ أَضْغانَكم» العامَّةُ على إسنادِ الفعل إلى ضميرِ فاعلٍ: إمَّا

стр. 8959

اللَّهِ تعالى أو الرسولِ أو السؤالِ؛ لأنَّه سببٌ وهو مجزومٌ عَطْفاً على جوابِ الشرط. ورُوي عن أبي عمروٍ رفعُه على الاستئنافِ. وقرأ أيضاً بفتح الياء وضمِّ الراء ورفعِ «أَضْغانُكم» فاعلاً بفعله. وابن عباس في آخرين «وتَخْرُجْ» بالتاء مِنْ فوقُ وضم الراء «أضغانُكم» فاعلٌ به. ويعقوب «ونُخْرِجْ» بنون العظمة وكسرِ الراء «أضغانَكم» نصباً. وقُرِئ «يُخْرَجْ» بالياء على البناء للمفعولِ «أَضْغانُكم» رفعاً به. وعيسى كذلك إلاَّ أنه نَصَبه بإضمار «أَنْ» عطفاً على مصدرٍ متوهَّمٍ أي: يَكُنْ بُخْلُكُمْ وإخراجُ أضغانِكم.

стр. 8960

قوله: ﴿هَا أَنتُمْ هؤلاء﴾ : قال الزمخشري: «هؤلاء» موصولٌ صلتُه «تَدْعُوْن» أي: أنتم الذين تَدْعُون، أو أنتم يا مخاطبون هؤلاء الموصوفون، ثم استأنف وصفَهم كأنهم قالوا: وما وَصْفُنا؟ فقيل: تَدْعون «. قلت: قد تقدَّم الكلامُ على ذلك مُشْبَعاً في سورة آل عمران. قوله: ﴿يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ﴾ بَخِلَ وضَنَّ يتعديَّان ب على تارةً وب عن أخرى. والأجودُ أَنْ يكونا حالَ تَعدِّيهما ب» عن «مضمَّنَيْن معنى الإِمْساك. قوله:» وإنْ تَتَوَلَّوْا «هذه الشرطيةُ عطفٌ على الشرطية قبلها، و ﴿ثُمَّ لاَ يكونوا﴾ عطفٌ على» يَسْتَبْدِلْ «.

стр. 8961

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قوله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله﴾ : متعلقٌ بفَتَحْنا، وهي لامُ العلةِ. وقال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: كيف جُعِل فتحُ مكةَ علةً للمغفرة؟ قلت: لم يُجْعَلْ علةً للمغفرةِ، ولكن لِما عَدَّد من الأمور الأربعة وهي: المغفرةُ، وإتمامُ النعمةِ، وهدايةُ الصراطِ المستقيمِ، والنصرُ العزيزُ؛ كأنه قال: يَسَّرْنا لك فتح مكة ونَصَرْناك على عدوِّك؛ لنجمعَ لك بين عِزِّ الدارَيْن وأغراضِ العاجلِ والآجل. ويجوزُ أَنْ يكونَ فَتْحُ مكةَ من حيث إنَّه جهادٌ للعدو سبباً للغفران والثواب» . وهذا الذي قاله مخالِفٌ لظاهرِ الآية؛ فإنَّ اللامَ داخلةٌ على المغفرة، فتكونُ المغفرةُ علةً للفتح، و الفتحُ مُعَلَّلٌ بها، فكان ينبغي أَنْ يقولَ: كيف جُعِل فتحُ مكةَ مُعَلَّلاً بالمغفرةِ؟ ثم يقول: لم يُجْعَلْ مُعَلَّلاً. وقال ابنُ عطية: «المرادُ هنا أنَّ اللَّهَ تعالى فَتَح لك لكي يجعلَ الفتح علامةً لغفرانه لك، فكأنها لامُ صيرورة» وهذا كلامٌ ماشٍ على الظاهر. وقال بعضُهم: إنَّ هذه اللامُ لامُ القسمِ والأصلُ: لَيَغْفِرَنَّ فكُسِرَتْ اللامُ تشبيهاً ب لام كي، وحُذِفَتْ النونُ. ورُدَّ هذا: بأنَّ اللامَ لا تُكْسَرُ. وبأنَّها لا تَنْصِبُ المضارعَ. وقد

стр. 8962

يقال: إنَّ هذا ليس بنصبٍ، وإنما هو بقاءُ الفتحِ الذي كان قبل نونِ التوكيد، بقي ليدُلَّ عليها، ولكنه قولٌ مردودٌ.

стр. 8963

قوله: ﴿لِّيُدْخِلَ﴾ : في متعلَّق هذه اللامِ أربعةُ أوجهٍ، أحدها: محذوفٌ تقديرُه: يَبْتَلي بتلك الجنود مَنْ شاء فيقبلُ الخيرَ مِمَّنْ أهَّله له، والشرَّ مِمَّنْ قضى له به ليُدْخِلَ ويُعَذِّب. الثاني: أنها متعلقةٌ بقولِه: «إنَّا فَتَحْنا» . الثالث: أنَّها متعلقةٌ ب «يَنْصُرَك» . الرابع: أنها متعلقة ب «يَزْدادوا» . واسْتُشْكل هذا: بأنَّ قولَه تعالى: «ويُعَذِّبَ» عطفٌ عليه، وازديادُهم الإِيمانَ ليس مُسَبَّباً عن تعذيبِ اللَّهِ الكفارَ. وأجيب: بأنَّ اعتقادَهم أنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الكفارَ يزيدُ في إيمانِهم لا محالة. وقال الشيخ: «والازديادُ لا يكونُ سبباً لتعذيب الكفارِ. وأُجيب: بأنَّه ذُكِر لكونِه مقصوداً للمؤمنِ. كأنه قيل: بسببِ ازديادِكم في الإِيمانُ يُدْخِلُكم الجنة، ويُعَذِّبُ الكفار بأيديكم في الدنيا» . وفيه نظرٌ؛ كان ينبغي أن يقولَ: لا يكونُ مُسَبَّباً عن تعذيب الكفارِ، وهذا يُشْبِهُ ما تقدَّم في ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله﴾ [الفتح: ٢] . قوله: «عندَ الله» متعلقٌ بمحذوفٍ، على أنه حال مِنْ «فوزاً» لأنَّه صفتُه في الأصل. وجَوَّز أبو البقاء أَنْ يكون ظرفاً لمكانٍ، وفيه خلافٌ، وأَنْ يكونَ ظرفاً لمحذوفٍ دَلَّ عليه الفوز أي: يفوزون عند اللَّهِ. ولا يتعلَّق ب «فَوْزاً» لأنَّه مصدرٌ؛ فلا يتقدَّم معمولُه عليه. ومَنْ اغْتَفَر ذلك في الظرفِ جَوَّزَه.

стр. 8964

قوله: ﴿الظآنين بالله﴾ : صفةٌ للفريقَيْن. وتقدَّم الخلافُ في «السوء» في التوبة. وقرأ الحسن «السُّوء» بالضم فيهما.

стр. 8965

قوله: ﴿لِّتُؤْمِنُواْ﴾ : قرأ «ليؤمنوا» وما بعده بالياء مِنْ تحت ابنُ كثير وأبو عمروٍ رُجوعاً إلى قولِه: «المؤمنين والمؤمنات» . والباقون بتاءِ الخطاب. وقرأ الجحدري «تَعْزُرُوْه» بفتح التاء وضمِّ الزاي. وهو أيضاً وجعفر بن محمد كذلك إلاَّ أنهما كسرا الزاي. وابنُ عباس واليماني «ويُعَزِّرُوه» كالعامَّةُ، إلاَّ أنه بزاءَيْن من العزَّة. والضمائر المنصوبةُ راجعةٌ إلى الله تعالى. / وقيل: على الرسول إلاَّ الأخيرَ.
следующие страницы →