Полный текст (10 772 стр.). Показаны 9206–9245 · переход к 9211.
стр. 9206
قوله: ﴿وَمَا تَهْوَى الأنفس﴾ نَسَقٌ على الظنِّ، و» ما «مصدريةٌ، أو بمعنى الذي.
قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهدى﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من فاعلِ» يَتَّبعون «أي: يَتَّبعون الظنَّ وهَوَى النفس في حالِ تنافي ذلك وهي مجيْءُ الهدى مِنْ عند ربِّهم. ويجوزُ أَنْ يكونَ اعتراضاً فإنَّ قولَه:» أم للإِنسان «متصلٌ بقولِه: ﴿وَمَا تَهْوَى الأنفس﴾ وهي أم المنقطعةُ فتتقدَّر ب بل والهمزةِ على الصحيح. قال الزمخشري:» ومعنى الهمزةِ فيها الإِنكارُ أي: ليس للإنسانِ ما تَمَنَّى «.
стр. 9207
قوله: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ﴾ : كم هنا خبريةٌ تفيد التكثيرَ، ومحلُّها الرفعُ على الابتداءِ «ولا تُغْني شفاعتُهم» هو الخبرُ. والعامَّةُ على إفراد الشفاعة وجُمِعَ الضميرِ اعتباراً بمعنى مَلَكَ وبمعنى «كم» . وزيد بن علي «شفاعتُه» بإفرادها اعتبر لفظ «كم» ، و «مَلَكَ» . وابن مقسم «شفاعاتُهم» بجمعها. و «شيئاً» مصدرٌ أي: شيئاً من الإِغناء.
стр. 9208
قوله: ﴿وَمَا لَهُم بِهِ﴾ : أي: بما يقولون أو بذلك. وقال مكي: «الهاءُ تعود على الاسمِ لأنَّ التسميةَ والاسمَ بمعنى» . وقرأ أُبي «بها» أي: بالملائكة أو بالتسمية، وهذا يُقَوِّي قولَ مكي.
стр. 9209
قوله: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ﴾ : قال الزمخشري: «هو
стр. 9210
اعتراض أي: فأَعْرِضْ عنه ولا تُقابِلْه، إنَّ ربك هو أعلمُ [بالضالِّ] » . قال الشيخ: «كأنه يقول: هو اعتراضٌ بين» فأعرِضْ «وبين» إنَّ ربك «، ولا يظهر هذا الذي يقولُه من الاعتراضِ» . قلت: كيف يقولُ: كأنه يقول هو اعتراضٌ وما بمعنى التشبيه، وهو قد نَصَّ عليه وصرَّح به فقال: أي فأعرِضْ عنه ولا تقابِلْه، إنَّ ربك؟ وقوله: «ولا يَظْهر» ، ما أدري عدمَ الظهورِ مع ظهور أنَّ هذا علةٌ لذاك، أي: قوله: «إنَّ ربَّك» علةٌ لقولِه: «فأعْرِضْ» والاعتراضُ بين العلةِ والمعلولِ ظاهرٌ، وإذا كانوا يقولون: هذا معترضٌ فيما يجيءُ في أثناء قصةٍ فكيف بما بين علةٍ ومعلول؟
وقوله: ﴿أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ﴾ جوَّزَ مكي أن يكونَ على بابِه من التفضيل أي: هو أعلمُ مِنْ كل أحد، بهذين الوصفَيْن وبغيرِهما، وأَنْ يكونَ بمعنى عالِم وتقدَّم نظيرُ ذلك مراراً.
стр. 9211
قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ : في هذه اللامِ أوجهٌ: أحدها: أَنْ تتعلَّقَ بقولِه: ﴿لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ﴾ ذكره مكي. وهو بعيدٌ من حيث اللفظُ ومن حيث المعنى. الثاني: أَنْ تتعلَّقَ بما دَلَّ عليه قولُه: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السماوات﴾ أي: له مِلْكُهما يُضِلُّ مَنْ يشاء ويَهْدي مَنْ يشاء ليجزيَ المحسنَ والمسيءَ. الثالث: أَنْ تتعلَّق بقولِه: «بمنْ ضَلَّ وبمَنْ اهتدى» . واللام للصيرورةِ أي: عاقبة أمرهم جميعاً للجزاءِ بما عملوا، قال معناه
стр. 9212
الزمخشري. الرابع: أن تتعلَّقَ بما دَلَّ عليه قولُه: ﴿أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ﴾ أي: حَفِظ ذلك ليجزيَ، قاله أبو البقاء. وقرأ زيد بن علي «لنجزيَ، ونجزيَ» بنونِ العظمة، والباقون بياء الغَيْبَةِ.
стр. 9213
قوله: ﴿الذين يَجْتَنِبُونَ﴾ : يجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً بدلاً أو بياناً أو نعتاً للذين أحسنوا، وبإضمار أَعْني، وأن يكونَ خبر مبتدأ مضمرٍ أي: هم الذين، وقد تقدَّم الخلاف في «كبائر» و «كبير الإِثم» .
قوله: ﴿إِلاَّ اللمم﴾ فيه أوجه، أحدهما: أنه استثناءٌ منقطعٌ لأنَّ اللَّمَمَ الصغائرُ، فلم تندرِجْ فيما قبلَها، قاله جماعةٌ وهو المشهور. الثاني: أنه صفةٌ و «إلاَّ» بمنزلة «غير» كقولِه: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله﴾ [الأنبياء: ٢٢] أي: كبائرَ الإِثم والفواحش غيرِ اللمم. الثالث: أنه متصلٌ وهذا عند مَنْ يُفَسِّر اللممَ بغير الصغائرِ، والخلاف مذكور في التفسير. وأصلُ اللَّمَم: ما قَلَّ وصَغُر، ومنه اللَّمَمُ وهو المَسُّ من الجنون، وألمَّ بالمكان قلَّ لُبْثُه به، ألَمَّ بالطعام أي: قَلَّ أكلُه منه. وقال أبو العباس: «أًصلُ اللَّمم: أَنْ يُلِمَّ بالشيء من غير أن يركَبَه يقال: ألمَّ بكذا إذا قاربه، ولم يُخالِطْه» . وقال الأزهري: «العربُ تستعمل الإِلمامَ في معنى الدُنوِّ والقُرْب» . وقال جرير:
стр. 9214
٤١٣٤ - بنفسي مَنْ تجنُّبُه عزيزٌ ... عليَّ ومَنْ زيارَتُه لِمامُ
وقال آخر:
٤١٣٥ - متى تأتِنا تُلْمِمْ بنا في ديارِنا ... تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تَأجَّجا
وقال آخر:
٤١٣٦ - لقاءُ أخِلاَّءِ الصَّفاءِ لِمامُ ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومنه لِمَّة الشَّعْرِ لِما دونَ الوَفْرةِ.
قوله: ﴿أَجِنَّةٌ﴾ جمع جَنين، وهو الحَمْلُ في البطنِ لاستتارِه. وجنين وأَجِنَّةَ كسرير وأَسِرة.
стр. 9215
قوله: ﴿وأكدى﴾ : أصلُه مِنْ أكدى الحافرُ إذا حفر شيئاً فصادفَ كُدْيَةً مَنَعَتْه من الحفر، ومثلُه أَجْبَلَ أي: صادف جبلاً منعه من الحفر، وكُدِيَتْ أصابِعُه: كلَّتْ من الهزِّ، ثم اسْتُعْمل في كلِّ مَنْ/ طلب شيئاً، فلم يَصِلْ إليه أو لم يُتَمِّمْه. وأَرَأَيْتَ بمعنى أخبرني.
стр. 9216
و ﴿أَعِندَهُ عِلْمُ﴾ : هو المفعولُ الثاني. والمفعولُ الأولُ محذوفٌ اقتصاراً لأعطى.
стр. 9217
قوله: «فهو يَرَى» هذه الجملةُ مترتبةٌ على ما قبلَها ترتُّباً ظاهراً. وقال أبو البقاء: «فهو يرى» جملةٌ اسميةٌ واقعةٌ موقعَ الفعليةِ. والأصل: أَعنده عِلْمُ الغيبِ فيَرى. ولو جاء على ذلك لكان نصباً على جوابِ الاستفهام «انتهى. وهذا لا حاجةَ إليه مع ظهورِ الترتُّبِ بالجملةِ الاسميةِ، وقد تقدَّم له نظيرُ هذا الكلامِ في موضعٍ آخرَ وتقدَّمَ الردُّ عليه.
стр. 9218
قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ﴾ : عطفٌ على «موسى» ، وإنما خَصَّ هذين النبيَّيْن ﵉ بالذِّكْر؛ لأنه كان بين إبراهيم وموسى يُؤْخَذُ الرجلُ بجَريرةِ غيره، فأولُ مَنْ خالفهم إبراهيمُ ﵇. و «أم» منقطعةٌ أي: بل ألم يُنَبَّأ. والعامَّةُ على «وَفَّى» بالتشديد. وقرأ أبو أمامةَ الباهلي وسعيد بن جبير وابن السَّمَيْفع «وَفَى» مخففاً. وقد تقدَّم أنَّ فيه ثلاثَ لغاتٍ، وأَطْلَقَ التوفيةَ والوفاءَ ليتناولا كلَّ ما وَفَى.
стр. 9219
قوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ﴾ : «أَنْ» مخففةٌ من الثقيلة، واسمُها محذوفٌ هو ضميرُ الشأنِ. ولا تزرُ هو الخبرُ وجيْءَ بالنفيِ لكونِ الخبرِ جملةً فعليةً متصرفةً غيرَ مقرونةٍ ب «قد» ، كما تقدَّم تحريرُه في المائدة و «أنْ» وما في حَيِّزها فيها قولان، أظهرهُما: الجرُّ بدلاً مِنْ «ما» في قولِه: ﴿بِمَا فِي صُحُفِ﴾ . والثاني: الرفعُ خبراً لمبتدأ مضمر أي: ذلك أَنْ
стр. 9220
لا تَزِرُ أو هو أَنْ لا تَزِرُ، وهو جوابٌ لسؤالٍ مقدر كأنَّ قائلاً قال: وما في صُحُفهما؟ فأجيب بذلك. قلت: ويجوزُ أَنْ يكونَ نصباً بإضمار أعني جواباً لذلك السَّائل. وكلُّ موضعٍ أُضْمِرَ فيه هذا المبتدأُ لهذا المعنى أُضْمِرَ فيه هذا الفعلُ.
стр. 9221
قوله: ﴿وَأَن لَّيْسَ﴾ : هي المخففةُ أيضاً. ولم يُفْصَلْ هنا بينها وبين الفعلِ لأنه لا يَتَصَرَّفُ. ومحلُّها الجرُّ أو الرفعُ أو النصبُ لعَطْفِها على أَنْ قبلَها، وكذلك محلُّ «وأَنَّ سَعْيَه» و «يُرَى» مبني للمفعول فيجوزُ أَنْ يكونَ من البصرية أي: يُبْصَر، وأن يكونَ من العِلميَّة، فيكونُ الثاني محذوفاً أي: يُرى حاضراً، والأولُ أوضحُ. وقال مكي: «وأجاز الزجَّاج» يَرى «بفتح الياء على إضمارِ الهاءِ أي: سوفَ يَراه، ولم يُجِزْه الكوفيون لأنَّ سَعْيَه يَصير قد عملَ فيه» أنَّ «و» يَرى «وهو جائزٌ عند المبرد وغيرِه؛ لأن دخولَ» أنَّ «على» سَعْيَه «وعملَها يَدُلُّ على أن الهاء المحذوفة مِنْ» يَرَى «، وعلى هذا جَوَّز البصريون:» إنَّ زيداً ضربْتُ «بغير هاء» . قلت: وهو خلافٌ ضعيفٌ؛ توهَّموا أن الاسمَ تَوَجَّه عليه عاملان مختلفان في الجنسيةِ، وإنما قلتُ في الجنسية لأنَّ رأيَ بعضِهم أنه يُعْمِلُ فعلَيْن في معمولٍ واحدٍ، ومنه بابُ التنازع في بعض صورِه نحو: قام وقعد زيدٌ، وضربْتُ وأكرمْتُ عَمْراً، وأن يعملَ عاملٌ واحدٌ في اسمٍ وفي ضميرِه معاً نحو: «زيداً ضربتُه» في باب الاشتغال، وهذا توهُّمٌ باطلٌ لأنَّا نقولُ «سَعْيَه» منصوبٌ ب «أنَّ» ، و «يَرى» متسلِّطٌ على ضميره المقدر.
стр. 9222
قلت: فظاهرُ هذا أنه لم يُقْرَأْ به، وقد حكى أبو البقاء أنه قُرِىء به شاذَّاً، ولكنه ضَعَّفه مِنْ جهةٍ أخرى فقال: «وقُرِىء بفتح الياء وهو ضعيفٌ؛ لأنه ليس فيه ضميرٌ يعودُ على اسم» أنَّ «وهو السَّعْي، والضميرُ الذي فيه للهاءِ، فيبقى الاسمُ بغير خبرٍ، وهو كقولِك:» إنَّ غلامَ زيدٍ قامَ «وأنت تعني: قام زيدٌ، فلا خبرَ لغلام. وقد وُجِّه على أن التقديرَ: سوف يَراه فتعودُ الهاءُ على السعي وفيه بُعْدٌ» انتهى. وليت شعري كيف توهَّم المانعَ المذكورَ، وكيف نَظَّره بما ذكر؟ ثم أيُّ بُعْدٍ في تقدير: سوف يَرى سعي نفسِه؟ وكأنَّه اطلع على مذهبِ الكوفيين في المنعِ إلاَّ أنَّ المُدْرَك غيرُ المُدْرِك.
стр. 9223
قوله: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ﴾ : يجوزُ فيه وجهان، أظهرهما: أنَّ الضميرَ المرفوعَ عائدٌ على الإِنسان، والمنصوبَ عائدٌ على سعيه. والجزاء مصدرٌ مبيِّنٌ للنوع. والثاني: قال الزمخشريُّ: «ويجوزُ أَنْ يكونَ الضميرُ للجزاء، ثم فَسَّره بقولِه» الجزاءَ «، أو أبدلَه عنه كقولِه: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾ [الأنبياء: ٣] . قال الشيخ:» وإذا كان تفسيراً للضميرِ المنصوبِ في «يُجْزاه» فعلى ماذا ينتصِبُ، وأمَّا إذا كان بدلاً فهو مِنْ بدلِ الظاهرِ/ من المضمرِ، وهي مسألةُ خلافٍ والصحيحُ المنعُ «.
قلت: العجبُ كيف يقولُ: فعلى ماذا ينتصِبُ؟ وانتصابُه من
стр. 9224
وجهَيْن، أحدُهما: وهو الظاهرُ البيِّن - أنْ يكونَ عطفَ بيانٍ، وعطفُ البيانِ يَصْدُقُ عليه أنه مُفَسِّرٌ، وهي عبارةٌ سائغةٌ شائعةٌ. والثاني: أَنْ ينتصِبَ بإضمار أَعْني، وهي عبارةٌ سائغةٌ أيضاً يُسَمُّون مثلَ ذلك تفسيراً. وقد مَنَعَ أبو البقاء أن ينتصِبَ الجزاء الأَوْفى على المصدرِ، فقال:» الجزاءَ الأوفى هو مفعولُ «يُجْزاه» وليس بمصدرٍ لأنَّه وَصَفَه بالأَوْفى، وذلك مِنْ صفةِ المَجْزِيِّ به لا من صفةِ الفعلِ «. قلت: وهذا لا يَبْعُدُ عن الغلطِ؛ لأنه يلزَمُ أَنْ يتعدَّى يُجْزى إلى ثلاثةِ مفاعيل. بيانه: أنَّ الأولَ قام مقامَ الفاعلِ، والثاني: الهاءُ التي هي ضميرُ السعي، والثالث: الجزاءَ الأوفى. وأيضاً فكيف يَنْتَظم المعنى؟ وقد يُجاب عنه: بأنه أراد أنه بدلٌ من الهاءِ كما تقدَّم نَقْلُه عن الزمخشريَّ فيَصِحُّ أَنْ يُقالَ: هو مفعولُ» يُجْزاه «، فلا يتعدَّى لثلاثةٍ حينئذٍ، إلاَّ أنه بعيدٌ مِنْ غَرَضِه، ومثلُ هذا إلغازٌ. وأمَّا قولُه:» والأوفى ليس من صفات الفعل «ممنوعٌ، بل هو من صفاتِه مجازٌ، كما يُوْصف به المجزيُّ به مجازاً، فإن الحقيقةَ في كليهما منتفيةٌ، وإنما المُتَّصِفُ به حقيقةُ المُجازَى.
стр. 9225
قوله: ﴿وَأَنَّ إلى رَبِّكَ﴾ : العامَّةُ على فتح هذه الهمزةِ وما عُطِفَ عليها بمعنى: أن الجميعَ في صُحُفِ موسى وإبراهيم. وقرأ أبو السَّمَّال بالكسرِ في الجميع على الابتداءِ. وقولُه: «أَضْحك وأَبْكى» وما بعده: هذا يُسَمِّيه البيانيون الطباقَ والتضادَّ، وهو نوعٌ من البديعِ، وهو أَنْ يُذْكَرَ ضدان أو نَقْيضان أو متنافيان بوجهٍ من الوجوه.
стр. 9226
قوله: ﴿أقنى﴾ : قال الزمخشريُّ: «أعطى القُنْيَة وهي المالُ الذي تَأَثَّلْتَه وعَزَمْتَ أن لا يَخْرُج مِنْ يَدِك» . قال الجوهري: «قَنِيَ الرجلُ يَقْنَى قِنَىً، مثلَ: غنِيَ يَغْنَى غِنَى» . ثم يتعدَّى بتغييرِ الحركة فيقال: قَنَيْتُ مالاً أي: كَسَبْتُه، وهو نظير: شَتِرَتْ عينُه بالكسر وشَتَرَها اللَّهُ بالفتح، فإذا دَخَلَتْ عليه الهمزةُ أو التضعيفُ اكتسب مفعولاً ثانياً فيقال: أَقْناه الله مالاً، وقَنَّاه إياه أي: أَكْسَبه إياه، قال الشاعر:
٤١٣٧ - كم مِنْ غنيٍّ أصاب الدهرُ ثَرْوَته ... ومِنْ فقيرٍ تَقَنَّى بعد إقْلالِ
أي: تقنَّى مالاً، فحذف الثاني، وحُذِفَ مفعولا أغْنى وأَقْنى؛ لأنَّ المرادَ نسبةُ هذين الفعلين إليه وحدَه وكذلك في باقيها.
وألفُ «أَقْنى» عن ياءٍ لأنه مِنَ القُنِيْةِ قال:
٤١٣٨ - ألا إنَّ بَعْد العُدْمِ للمَرْءِ قُنِيَةً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقيل: أقْنى أَرْضَى. قال الراغب: «وتحقيقُه: أنه جَعَلَ له قُنْية من الرضا وقَنَيْتُ كذا واقْتَنَيْتُه قال:
٤١٣٩ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ...
стр. 9227
قَنِيْتُ حَيائي عِفَّةً وتَكَرُّما
стр. 9228
قوله: ﴿رَبُّ الشعرى﴾ : الشِّعْرى في لسان العرب كوكبان يُسَمَّى أحدُهما: الشِّعْرى العَبُور، وهو المرادُ في الآيةِ الكريمةِ فإنَّ خُزاعةَ كانت تَعْبُدها، وسَنَّ عبادتَها أبو كبشةَ رجلٌ مِنْ ساداتِهم، وكانت قريشٌ تقولُ لرسولِ الله ﷺ : أبو كبشَة تشبيهاً بذلك الرجل، في أنه أَحْدَثَ ديناً غيرَ دينهم. والشِّعْرى العَبُور تَطْلُعُ بعد الجوزاءِ في شدَّةِ الحرِّ، ويُقال لها: مِرْزَمُ الجَوْزاء ويُسَمَّى كلبَ الجبَّار. والثاني: / الشِّعْرَى الغُمَيْصاء، وهي التي في الذِّراع. وسبب تَسْميتها بذلك ما زَعَمَتْه العربُ: مِنْ أنَّهما كانا أخْتَيْن أو زوجَيْن لسُهَيْل، فانحدر سهيلٌ إلى اليمنِ، فاتَّبَعْته الشِّعْرى العَبُوْر فعبَرَتْ المَجَرَّة فسُمِّيَتِ العَبورَ، وأقامَتِ الغُمَيْصاءُ، وبَكَتْ لفَقْدِه حتى غَمَصَتْ عَيْنُها، ولذلك كانت أَخْفَى من العَبُوْر.
стр. 9229
قوله: ﴿عَاداً الأولى﴾ : اعلَمْ أنَّ هذه الآيةَ الكريمةَ مِنْ أشكلِ الآياتِ نَقْلاً وتوجيهاً، وقد يَسَّر اللَّهُ تعالى تحريرَ ذلك كلِّه بحولِه وقوتِه فأقول: إنَّ القرَّاءَ اختلفوا في ذلك على أربعِ رُتَبٍ، إحداها: قرأ ابن كثير وابن عامر والكوفيون «عادَاً الأُولى» بالتنوين مكسوراً
стр. 9230
وسكونِ اللام وتحقيقِ الهمزةِ بعدها، هذا كلُّه في الوصلِ فإذا وقفوا على «عاداً» وابتدؤوا ب «الأُوْلى» فقياسُهم أَنْ يقولوا «الأولى» بهمزةِ الوصلِ وسكونِ اللامِ وتحقيقِ الهمزة.
الثانيةُ: قرأ قالون «عاداً لُّؤْلَى» بإدغامِ التنوين في اللامِ، ونَقْلِ حركةِ الهمزةِ إلى لام التعريفِ، وهمزِ الواوِ، هذا في الوصل. وأمَّا في الابتداءِ بالأولى فله ثلاثةُ أوجهٍ، الأولُ: «الُّؤْلَى» بهمزةِ وصل، ثم بلامٍ مضمومة، ثم بهمزةٍ ساكنة. الثاني: «لُؤْلَى» بلامٍ مضمومةٍ ثم بهمزةٍ ساكنةٍ. الثالث: كابتداءِ ابنِ كثير ومَنْ معه.
الثالثة: قرأ ورش «عاداً لُّوْلى» بإدغامِ التنوين في اللام ونَقْلِ حركةِ الهمزةِ إليها كقالون، إلاَّ أنه أبقى الواوَ على حالِها غيرَ مبدلةٍ همزةً هذا في الوصل. وأمَّا في الابتداءِ بها فله وجهان: «ألُّوْلَى» بالهمزةِ والنقلِ، و «لُوْلَى» بالنقلِ دونَ همزِ وصلٍ، والواوُ ساكنةٌ على حالِها في هذَيْن الوجهَيْن.
الرابعة: قرأ أبو عمروٍ كوَرْشٍ وَصْلاً وابتداءً سواءً بسواءٍ، إلاَّ أنه يزيدُ عليه في الابتداءِ بوجهٍ ثالثٍ، وهو وجهُ ابنِ كثير ومَنْ ذُكِرَ معه، فقد تحصَّل أنَّ لكلّ مِنْ قالون وأبي عمرو في الابتداء ثلاثةَ أوجهٍ، وأنَّ لورشٍ وجهين. فتأمَّلْ ذلك فإنَّ تحريرَه صعبُ المأخذِ من كتب القراءات هذا ما يتعلَّقُ بالقراءات.
وأمَّا توجيهُها فيُوقف على معرفةِ ثلاثةِ أصولٍ، الأول: حكمُ التنوينِ إذا وقع بعدَه ساكنٌ. الثاني: حكمُ حركةِ النقلِ. الثالث: أصلُ «أُوْلَى» ما هو؟ إمَّا الأولُ فحكمُ التنوينِ الملاقي أنْ يُكْسَرَ لالتقاءِ الساكنين نحو: ﴿
стр. 9231
قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإِخلاص: ١] أو يُحْذَفَ تشبيهاً بحرفِ العلةِ كقراءةِ ﴿أَحَدٌ الله الصمد﴾ ، وكقولِ الشاعر:
٤١٤٠ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... ولا ذاكرَ اللَّهَ إلاَّ قليلاً
وهو قليلٌ جداً، وقد مضى تحقيقُه. وأمَّا الثاني فإنَّ للعرب في الحركة المنقولةِ مذهبين: الاعتدادَ بالحركةِ، وعدمَ الاعتدادِ بها، وهي اللغةُ العالية. وأمَّا الثالثُ فأُوْلَى تأنيثُ أَوَّل، وقد تقدَّم الخلافُ في أصلِه مستوفى في أولِ هذا التصنيفِ فعليك باعتبارِه. إذا تقرَّرَتْ هذه الأصولُ الثلاثةُ فأقولُ:
أمَّا قراءةُ ابنِ كثير ومَنْ معه فإنهم صرفوا «عاداً» : إمَّا لأنه اسمٌ للحيِّ أو الأبِ فليس فيه ما يمنعُه، وإمَّا لأنَّه كان مؤنثاً اسماً للقبيلةِ أو الأمِّ، إلاَّ أنَّه مثلُ هِنْد ودَعْد فيجوزُ فيه الصرفُ وعدمُه فيكونُ كقوله:
٤١٤١ - لم تَتَلَفَّعْ بفَضْلِ مِئْزَرِها ... دَعْدٌ ولم تُسْقَ دعدُ في العُلَب
فصرفَها أولاً ومَنَعَها ثانياً، ولَم يَنْقُلوا حركةَ الهمزةِ إلى لام التعريف فالتقى ساكنان، فكسروا التنوينَ لالتقائِهما على ما هو المعروفُ من
стр. 9232
اللغتين وحذفوا همزةَ الوصلِ من «الأُوْلى» للاستغناءِ عنها بحركة التنوين وَصْلاً فإذا ابتدَؤوا بها احتاجُوا إلى همزة الوصل فأَتَوْا بها فقالوا: الأُوْلى كنظيرِها/ من هَمَزاتِ الوصلِ. وهذه قراءة واضحة لا إشكال فيها ومن ثم اختارها الجَمُّ الغَفيرُ.
وأمَّا قراءة مَنْ أدغم التنوينَ في لامِ التعريفِ وهما نافعٌ وأبو عمرو مع اختلافِهما في أشياءَ كما تقدَّم بيانُه فوجْهُه الاعتدادُ بحركةِ النقل؛ وذلك أنَّ مِنَ العربِ مَنْ إذا نَقَل حركة الهمزةِ إلى ساكنٍ قبلَها كلامِ التعريفِ عامَلَها معاملَتَها ساكنةً، ولا يَعْتَدُّ بحركةِ النقلِ، فيكسرُ الساكَنَ الواقعَ قبلَها، ولا يُدْغِم فيها التنوينَ، ويأتي قبلها بهمزةِ الوصلِ فيقول: لم يَذْهَبِ لَحْمَرُ، ورأيت زياداً لَعْجَم، من غيرِ إدغام التنوينِ، والَحْمَرُ والَعْجَمُ بهمزة الوصلِ لأن اللامَ في حكمِ السكونِ، وهذه هي اللغةُ المشهورة. ومنهم مَنْ يَعْتَدُّ بها، فلا يكسِر الساكنَ الأولَ، ولا يأتي بهمزةِ الوصلِ، ويُدْغم التنوين في لام التعريف فيقولُ: لم يَذْهَبْ لَحْمر بسكون الباء، ولَحْمَرُ ولَعْجَمُ من غيرِ همزٍ، وزيادُ لّعجم بتشديدِ اللامِ، وعلى هذه اللغةِ جاءَتْ هذه القراءةُ، هذا من حيث الإِجمال.
وأمَّا من حيث التفصيلُ فأقول: أمَّا قالون فإنه نَقَلَ حركة الهمزةِ إلى لام التعريف، وإنْ لم يكنْ من أصلِه النقلُ لأجل قَصْدِه التخفيفَ بالإِدغام، ولَمَّا نقل الحركةَ اعْتَدَّ بها، إذ لا يمكن الإِدغامُ في ساكنٍ ولا ما هو في حُكْمِه.
وأمَّا همزُه الواوُ ففيه وجهان منقولان، أحدُهما: أَنْ تكونَ أُوْلى أصلُها عنده وُؤْلَى مِنْ وَأَل أي: نجا، كما هو قولُ الكوفيين، ثم أَبْدَلَ
стр. 9233
الواوَ همزةً لأنها واوٌ مضمومةٌ، وقد تقدَّم لك أنها لغةٌ مطردةٌ، فاجتمع همزتان ثانيتُهما ساكنةٌ فَوَجَبَ قلبُها واواً نحو: «أُوْمِنُ» ، فلمَّا حُذِفَتْ الهمزةُ الأولى بسببِ نَقْلِ حركتِها رَجَعَتْ الثانيةُ إلى أصلِها من الهمزةِ لأنَّها إنما قُلِبت واواً من أجلِ الأُولى، وقد زالَتْ، وهذا كما رأيتَ تكلُّفٌ لا دليلَ عليه. والثاني: أنَّه لَمَّا نَقَلَ الحركةَ إلى اللامِ صارَت الضمةُ قبل الواوِ كأنَّها عليها، لأنَّ حركةَ الحرفِ بين يديه، فأبدل الواوَ همزةً كقولِه:
٤١٤٢ - أَحَبُّ المُؤْقِدِيْنَ إليَّ موسى ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وكقراءةِ «يُؤْقنون» وهمزِ «السُّؤْقِ» و «سُؤْقِه» وقد تقدَّم تحريرُ ذلك، وهذا بناءً منه على الاعتدادِ بالحركةِ أيضاً. وليس في هذا الوجهِ دليلٌ على أصلِ «أُوْلى» عنده ما هو؟ فيُحتمل الخلافُ المذكورُ جميعُه. وأمَّا ابتداؤُه الكلمةَ من غير نَقْلٍ فإنه الأصلُ، ولأنه إنما نَقَلَ في الوصلِ لقَصْدِه التخفيفَ بالإِدغام، ولا إدغامَ في الابتداءِ فلا حاجةَ إلى النقلِ. وأمَّا الابتداءُ له بالنقلِ فلأنه محمولٌ على الوصل ليجريَ اللفظُ فيهما على سَنَنٍ واحدٍ.
وعلةُ إثباتِ ألفِ الوصلِ مع النقلِ في أحدِ الوجهَينِ: تَرْكُ الاعتدادِ
стр. 9234
بحركةِ اللامِ على ما عليه القراءةُ في نظائرِه ممَّا وُجِدَ فيه النقلُ؛ إذ الغَرَضُ إنما هو جَرْيُ اللفظِ في الابتداءِ والوصلِ على سَنَنٍ واحدٍ، وذلك يَحْصُل بمجرد النقلِ وإنْ اختلفا في تقديرِ الاعتدادِ بالحركةِ وتركِه. وعلةُ تَرْكِ الإِتيانِ بالألفِ في الوجهِ الثاني حَمْلُ الابتداءِ على الوصلِ في النقلِ والاعتدادِ بالحركةِ جميعاً. ويُقَوِّي هذا الوجهَ رسمُ «الأولى» في هذا الموضع بغيرِ ألفٍ. والكلامُ في همز الواوِ مع النقل في الابتداءِ كالكلامِ عليه في الوَصْل كما تقدَّم.
وأمَّا ورشٌ فإنَّ أصلَه أن ينقلَ حركةَ الهمزةِ على اللام في الوصلِ فنقل على أصلِه، إلاَّ أنه اعتدَّ بالحركةِ ليصِحَّ ما قَصَدَه في التخفيفِ بالإِدغامِ، وليس من أصله الاعتدادُ بالحركة في نحو ذلك. ألا ترى أنه يَحْذِفُ الألفَ في ﴿سِيَرتَهَا الأولى﴾ [طه: ٢١] و ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى﴾ [الأعلى: ١١] ولو اعْتَدَّ بالحركةِ لم يَحْذِفْها. وأمَّا ما جاء عنه في بعضِ الرواياتِ: ﴿قَالُواْ لآنَ جِئْتَ بالحق﴾ [البقرة: ٧١] فإنه وجهٌ نادرٌ مُعَلَّلٌ باتِّباعِ الأثرِ والجَمْعِ بين اللغتين. والابتداءُ له بالنَّقْلِ على أصلِه في ذلك أيضاً، والابتداءُ له بألفِ الوصلِ على تَرْكِ الاعتدادِ بالحركةٍِ، إذْ لا حاجةَ إلى قَصْد ذلك في/ الابتداءِ، وتَرْكِ الإِتْيانِ له بالألف على الاعتدادِ له بالحركة حَمْلاً للابتداءِ على الوصل وموافقةَ الرسمِ أيضاً، لا يُبْتَدأ له بالأصل، إذ ليس مِنْ أصلِه ذلك، و «الأُوْلَى» في قراءتِه تَحْتَمل الخلافَ المذكورَ في أصلِها.
وأمَّا أبو عمروٍ فالعلةُ له في قراءتِه في الوصلِ والابتداءِ كالعلةِ
стр. 9235
المتقدمةِ لقالون، إلاَّ أنَّه يُخالفه في همزِ الواو لأنه لم يُعْطِها حكمَ ما جاوَرَها، وليسَتْ عنده مِنْ وَأل بل مِنْ غيرِ هذا الوجهِ، كما تقدَّم لكَ الخلافُ فيه أولَ هذا الموضوع، ويجوز أَنْ يكونَ أصلُها عندَه مِنْ وَأَل أيضاً إلاَّ أنه أَبْدَلَ في حالِ النقلِ مبالغةً في التخفيف، أو موافَقَةً لحالِ تَرْكِ النَّقلِ، وقد عاب هذه القراءةَ أعني قراءةَ الإِدغامِ أبو عثمانَ، وأبو العباس، ذهاباً منهما إلى أنَّ اللغةَ الفَصيحة عدمُ الاعتدادِ بالعارِضِ، ولكن لا التفاتَ إلى رَدِّهما لثبوتِ ذلك لغةً وقراءةً، وإن كان غيرُها أَفْصَحَ منها. وقد ثَبَتَ عن العرب أنَّهم يقولون: الَحْمَر ولَحْمَر بهمزةِ الوصلِ وعَدَمِها مع النقل، واللَّهُ أعلمُ.
وقرأ أُبَيٌّ وهي في حَرْفِه «عادَ الأُولى» ، غيرَ مصروفٍ ذهاباً إلى القبيلةِ أو الأمِّ كما تقدَّم، ففيه العلَمِيَّةُ والتأنيثُ، ويَدُلُّ على التأنيثِ قولُه: «الأُوْلَى» فوصَفَها بوَصْفِ المؤنث.
стр. 9236
وقد تقدَّمَ الخلافُ في «ثمود» بالنسبة للصَرْفِ وعَدَمِه في سورة هود، وفي انتصابِه هنا وجهان، أحدُهما: أنه معطوفٌ على «عاداً» . والثاني: أنَّه منصوبٌ بالفعلِ المقدَّرِ، أي: وأهلَك، قاله أبو البقاء، وبه بَدَأ، ولا حاجةَ إليه، ولا يجوزُ أن ينتصِبَ ب «أَبْقَى» لأنَّ ما بعد «ما» النافيةِ لا يعملُ فيما قبلها، والظاهرُ أنَّ متعلَّقَ «أَبْقَى»
стр. 9237
عائدٌ على مَنْ تقدَّم مِنْ عادٍ وثمودَ، أي: فما أَبْقَى عليهم، أي: على عادٍ وثمودَ، أو يكونُ التقديرُ: فما أَبْقَى منهم أحداً ولا عَيْناً تَطْرُفُ.
стр. 9238
و ﴿قَوْمَ نُوحٍ﴾ : كالذي قبلَه. و «مِنْ قبلُ» ، أي: مِنْ قَبْلِ عادٍ وثمودَ.
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يكونَ الضميرُ لقومِ نوحٍ خاصةً، وأن يكونَ لجميعِ مَنْ تقدَّمَ مِن الأمم الثلاثةِ.
وقوله: ﴿كَانُواْ هُمْ﴾ يجوز في «هم» أَنْ يكون تأكيداً، وأَنْ يكون فَصْلاً، ويَضْعُفُ أَنْ يكونَ بدلاً، والمفضَّل عليه محذوفٌ، تقديرُه: مِنْ عادٍ وثمودَ، على قولنا: إن الضميرَ لقومِ نوحٍ خاصةً، وعلى القول بأنَّ الضميرَ للكلِّ يكون التقديرُ: مِنْ غيرهم. و «المُؤْتَفِكَة» منصوبٌ ب «أَهْوَى» وقُدِّمَ لأَجْلِ الفواصل.
стр. 9239
قوله: ﴿مَا غشى﴾ : كقولِه ﴿مَآ أوحى﴾ [النجم: ١٠] في الإِبهام وهو المفعولُ الثاني، إنْ قلنا: إنَّ التضعيفَ للتعديةِ، وإن قُلْنا: إنه للمبالغةِ والتكثيرِ فتكونُ «ما» فاعلةً كقولِه: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِّنَ اليم مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨] .
стр. 9240
قوله: ﴿فَبِأَيِّ﴾ متعلقٌ ب «تَتَمارَى» والباءُ ظرفيةٌ بمعنى في. وقرأ ابنُ محيصن ويعقوبُ «تَمارى» بالحذف كقراءةِ «تَذَكَّرون» .
стр. 9241
و ﴿هذا﴾ : إشارةٌ إلى ما تقدَّم من الآي أو إلى القرآن، وإلى الرسول ﷺ ، ونذير: يجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً، وأَنْ يكونَ اسمَ فاعلٍ، وكلاهما لا يَنْقاس، بل القياسُ في مصدرِه إنذار، وفي اسمِ فاعلِه مُنْذِر، والنُّذُر يجوز أَنْ يكونَ جمعاً لنَذير بمعنَييْهِ المذكوريَنْ، و «الأَُوْلَى» صفةٌ حملاً على معنى الجماعةِ كقولِه: ﴿مَآرِبُ﴾ ، [طه: ١٨] والآزِفَةُ، أي: الساعةُ الآزفة، كقولِه: ﴿اقتربت الساعة﴾ [القمر: ١] ، ويجوز أن تكونَ الآزفةُ عَلَماً للقيامة بالغَلَبة.
стр. 9242
قوله: ﴿كَاشِفَةٌ﴾ : يجوز أَنْ يكونَ وصفاً، وأَنْ يكونَ مصدراً، فإنْ كانَتْ وصفاً احتمل أَنْ يكونَ التأنيثُ/ لأجلِ أنَّه صفةٌ لمؤنثٍ محذوفٍ وقيل: تقديرُه: نفسٌ كاشفةٌ، أو حالٌ كاشِفة، واحتمل أَنْ تكونَ التاءُ للمبالغة كعلاَّمَة ونَسَّابة، أي ليس لها إنسانٌ كاشفةٌ، أي: كثيرُ الكشف، وإن كان مصدراً فهو كالعافِية والعاقِبَة وخائِنَةِ الأَعْين، ومعنى الكَشْفِ هنا: إمَّا مِنْ كَشَفَ الشيءَ، أي: عَرَفَ حقيقتَه كقولِه: ﴿لاَ يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ﴾ ، وإمَّا مِنْ كَشَفَ الضُرَّ، أي: أزاله، أي: ليس لها مَنْ يُزيلها ويُنَجِّيها غيرُ اللَّهِ تعالى، وقد تقدَّم الكلامُ على مادة «أزف» في سورة غافر.
стр. 9243
قوله: ﴿أَفَمِنْ هذا الحديث﴾ : متعلِّقٌ ب «تَعْجَبون»
стр. 9244
ولا يجيءُ فيه الإِعمالُ؛ لأنَّ مِنْ شرطِ الإِعمال تأخُّرَ المعمولِ عن العوامل، هنا هو متقدِّمٌ. وفيه خلافٌ بعيدٌ، وعليه تَتَخَرَّج الآيةُ الكريمةُ. فإنَّ كلاً مِنْ قولِه: تَعْجبون، وتَضْحكون ولا تَبكون يَطْلُبُ هذا الجارَّ مِنْ حيث المعنى.
والعامَّةُ على فتح التاءِ والجيم والحاءِ مِنْ تَعْجَبون، تَضْحكون. والحسن: بضم التاءَ وكسرِ الجيمِ والحاءِ مِنْ غيرِ واوٍ عاطفةٍ بين الفعلَيْن، وهي أبْلَغُ: مِن حيث إنَّهم إذا أَضْحكوا غيرَهم كان تجرُّؤُهم أكثرَ. وقرأ أُبَيٌّ وعبد الله كالجماعةَ، إلاَّ أنهما بلا واوٍ عاطفةٍ كالحسن، فيُحتمل أَنْ تكونَ «تضحكون» حالاً، وأَنْ تكونَ استئنافاً كالتي قبلها.
стр. 9245
قوله: ﴿وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ : هذه الجملةُ تَحْتمل أَن تكونَ مستأنفةً، أخبرَ اللَّهُ تعالى عنهم بذلك، وتَحْتمل أَنْ تكونَ حالاً أي: انتفى عنكم التباكي حالَ كونِكم «سامدونَ» . والسُّمُود قيل الإِعراضُ. وقيل: اللهوُ. وقيل: الجمود. وقيل: الاستكبار. قال الشاعر:
٤١٤٣ - رَمَى الحِدْثانُ نِسْوَةَ آلِ سَعْدٍ ... بمقدارٍ سَمَدْن له سُمودا
следующие страницы →