← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.

стр. 9556

قوله: ﴿يَكُونَ دُولَةً﴾ قرأ هشام «تكون» بالتاء والياء «دُوْلةٌ» بالرفع فقط، والباقون بالياء مِنْ تحتُ ونصب دُوْلَةً. فأمَّا الرفعُ فعلى أنَّ «كان» التامَّةُ. وأمَّا التذكيرُ والتأنيثُ فواضحان لأنه تأنيثٌ مجازيٌّ. وأمَّا النصبُ فعلى أنها الناقصةُ. واسمُها ضميرٌ عائدٌ على الفَيْءِ، والتذكيرُ واجبٌ لتذكيرِ المرفوع. و «دُولة» خبرها. وقيل: عائد على «ما» اعتباراً بلفظِها. وقرأ العامَّةُ «دُوْلة» بضم الدال. وعلي بن أبي طالب والسُّلميُّ بفتحِها. فقيل: هما بمعنىً وهما ما يَدُول للإِنسان، أي: يدور من الجِدِّ والعَناء والغَلَبة. وقال الحُذَّاقُ من البصريين والكسائيُّ: الدَّوْلة بالفتح: من المُلك بضم الميم، وبالضم من المِلْكِ بكسرِها، أو بالضمِّ في المال، وبالفتح في النُّصْرة وهذا يَرُدُّه القراءة المرويَّةُ عن علي والسلمي؛ فإنَّ النصرةَ غيرُ مرادةٌ هنا قطعاً. و «كيلا» علةٌ لقولِه: «فللَّهِ وللرسول» ، أي: استقرارُه لكذا لهذه العلَّةِ.

стр. 9557

قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ﴾ : فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه بدلٌ مِنْ «لذي القُرْبى» قاله أبو البقاء والزمخشري. قال أبو البقاء: «قيل هو بدلٌ مِنْ» لذي القُربى «وما بعده» وقال الزمخشري: «بدلٌ مِنْ قوله» ولذي القُربى «وما عُطِف عليه. والذي مَنَعَ الإِبدالَ مِنْ» لله وللرسول «

стр. 9558

والمعطوفِ عليهما وإنْ كان المعنى لرسول الله أن اللهَ أخرجَ رسوله من الفقراءِ في قولِه: ﴿وَيَنصُرُونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ وأنه تعالى يترفَّعُ برسوله عن تسميته بالفقير، وأنَّ الإِبدالَ على ظاهرِ اللفظ من خلافِ الواجب في تعظيمِ اللهِ » يعني لو قيل: بأنَّه بَدَلٌ مِنْ «لله» وما بعدَه لَزِمَ فيه ما ذُكِرَ: مِنْ أنَّ البدلَ على ظاهرِ اللفظِ يكونُ من الجلالةِ فيُقال: «للفقراء» بدلٌ مِنْ «لله» ومِنْ «رسولِه» وهو قبيحٌ لفظاٌ، وإن كان المعنى على خلافِ هذا الظاهرِ، كما قال: إن معناه لرسولِ الله، وإنما ذُكر اللهُ تفخيماً، وإلاَّ فاللهُ تعالى غنيٌّ عن الفَيْءِ وغيره، وإنما جعله بدلاً مِنْ «لذي القُرْبى» لأنه حنفيٌّ، والحنفية يشترطون الفقرَ في إعطاءِ ذوي القُربى مِنَ الفَيْءِ. الثاني: أنه بيانٌ لقولِه ﴿والمساكين وابن السبيل﴾ وكُرِّرتُ لامُ الجر لَمَّا كانت الأُولى مجرورةً باللام؛ ليُبَيِّنَ أنَّ البدلَ إنما هو منها، قاله ابنُ عطية، وهي عبارةٌ قَلِقَةٌ جداً. الثالث: أن «للفقراء» خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ، أي: ولكنَّ الفَيْءَ للفقراء. وقيل: تقديرُه: ولكن يكونُ «للفقراء» . وقيل: تقديرُه: اعجَبوا للفقراء. قوله: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً. في صاحبِها قولان، أحدهما: للفقراء. والثاني: واو «أُخْرِجوا» قالهما مكي.

стр. 9559

قوله: ﴿والذين تَبَوَّءُوا﴾ : يجوزُ فيه وجهان، أحدهما: أنه عطفٌ على الفقراء، فيكونُ مجروراً، ويكونُ من عَطْفِ

стр. 9560

المفرداتِ، ويكون «يُحبُّون» حالاً. والثاني: أَنْ يكونَ مبتدأ، خبرُه «يُحِبُّون» ، ويكون حينئذٍ مِنْ عطفِ الجُمل. قوله: ﴿والإيمان﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه ضُمِّنَ «تَبَوَّؤوا» معنى لزِموا، فيَصِحُّ عَطْفُ الإِيمان عليه؛ إذ الإيمانُ لا يُتَبَوَّأ. والثاني: أنه منصوبٌ بمقدرٍ، أي: واعتقدوا، أو وأَلِفوا، أو وأحَبُّوا. الثالث: أن يُتَجَوَّز في الإِيمان فيُجْعَلَ لاختلاطِه بهم وثباتِهم عليه كالمكانِ المُحيطِ بهم، فكأنَّهم نَزَلوه، وعلى هذا فيكونُ جَمَعَ بين الحقيقةِ والمجازِ في كلمةٍ واحدةٍ، وفيه خلافٌ مشهورٌ. الرابع: أَنْ يكونَ الأصلُ: / دارَ الهجرة ودارَ الإِيمان، فأقامَ لامَ التعريفِ في الدار مُقام المضافِ إليه، وحَذَفَ المضافَ مِنْ دار الإِيمان، ووَضَعَ المضافَ إليه مَقامه. الخامسُ. أَنْ يكونَ سَمَّى المدينة لأنَّها دارُ الهجرة ومكانُ ظهورِ الإِيمان بالإِيمان، قال هذين الوجهَيْنِ الزمخشريُّ، وليس فيه إلاَّ قيامُ أل مَقامَ المضافِ إليه، وهو مَحَلُّ نَظَر، وإنما يُعْرَفُ الخلافُ: هل تقوم أل مَقامَ الضميرِ المضاف إليه؟ الكوفيون يُجيزونه كقولِه تعالى: ﴿فَإِنَّ الجنة هِيَ المأوى﴾ [النازعات: ٣٩] ، أي: مَأْواه، والبصريون يمنعونه ويقولون: الضميرُ محذوفٌ، أي: المَأْوى له وقد تقدَّمَ تحريرُ هذا. أمَّا كونُها عِوَضاً من المضاف إليه فلا نَعْرِفُ فيه خلافاً. السادس: أنَّه مصنوبٌ على المفعولِ معه، أي: مع الإِيمان معاً، قاله ابن عطية، وقال: «وبهذا الاقترانِ يَصِحُّ معنى قولِه» مِنْ قبلهم «

стр. 9561

فتأمَّلْه» قلت: وقد شَرَطوا في المفعول معه أنَّه يجوز عَطْفُه على ما قبلَه حتى جَعَلوا قولَه ﴿فأجمعوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءَكُمْ﴾ مِنْ بابِ إضمار الفعل لأنَّه لا يُقال: أجمعتُ شركائي إنما يقال جَمَعْتُ، وقد تقدَّم القولُ في ذلك ولله الحمد مشبعاً. قوله: ﴿حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ الحاجةَ هنا على بابِها من الاحتياج، إلاَّ أنها واقعةٌ مَوْقعَ المحتاجِ إليه، والمعنَى: ولا يجدون طَلَبَ محتاجٍ إليه ممَّا أُوْتي المهاجرون من الفيء وغيِره، والمُحتاج إليه يُسَمَّى حاجةً تقول: خُذْ منه حاجتَك، وأعطاه مِنْ مالِه حاجتَه، قاله الزمشخري. فعلى هذا يكون الضميرُ الأول للجائين مِنْ بعدِ المهاجرين، وفي «أُوْتوا» للمهاجرين. والثاني: أنَّ الحاجةَ هنا مِنْ الحَسَدِ، قاله بعضُهم، والضميران على ما تقدَّم قبل. وقال أبو البقاء: مَسَّ حاجةٍ، أي: إنه حُذِف المضافُ للعلم به، وعلى هذا فالضميران للذين تبوَّؤوا الدارَ والإِيمان. قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ﴾ واوُ الحال وقد تقدَّم الكلامُ عليها.

стр. 9562

والخَصاصَةُ: الحاجةُ، وأصلُها مِنْ خَصاصِ البيت، وهي فُروجهُ، وحالُ الفقير يتخَلَّلُها النَّقْصُ، فاسْتُعير لها ذلك. قوله: ﴿وَمَن يُوقَ﴾ العامَّةُ على سكون الواو وتخفيفِ القافِ مِنْ الوِقاية. وابنُ أبي عبلة وأبو حيوة بفتحِ الواو وشدِّ القافِ. والعامَّةُ بضمِّ الشينِ مِنْ «شُحَّ» وابنُ أبي عبلة وابنُ عمر بكسرها.

стр. 9563

قوله: ﴿والذين جَآءُوا﴾ : يحتمل الوجهَيْن المتقدمَيْن في «الذين» قبلَه، فإن كان معطوفاً على المهاجرين ف «يقولون» حالٌ ك «يُحِبُّون» أو مستأنف، وإنْ كان مبتدأً ف «يقولون» خبرُه.

стр. 9564

قوله: ﴿لإِخْوَانِهِمُ﴾ : اللامُ هنا للتبليغ فقط بخلافِ قولِه: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ فإنَّها تحتملُ ذلك وتحتمل العلةَ، وقوله: ﴿وَلاَ نُطِيعُ فيكُمْ﴾ ، أي: في قتالِكم، أو في خِذْلانكم. وقوله: ﴿وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ﴾ أُجيب القسمُ المقدرُ لأنَّ قبل «إنْ» لاماً موطِّئة حُذِفَتْ للعِلْم بمكانِها، فإنَّ الأكثرَ الإِتيانُ بها. ومثلُه قولُه: ﴿وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ﴾ [المائدة: ٧٣] وقد تقدَّم.

стр. 9565

قوله: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُواْ لاَ يَخْرُجُونَ﴾ : إلى آخره أُجيب القسمُ لسَبْقِه، ولذلك رُفِعَتِ الأفعالُ ولم تُجْزَمْ، وحُذِفَ جوابُ الشرطِ لدلالةِ جوابِ القسمِ عليه، ولذلك كان فِعلُ الشرطِ ماضياً. وقال

стр. 9566

أبو البقاء: «قولُه:» لا يَنْصُرُوْنَهم «لَمَّا كان الشرطُ ماضياً تُرِكَ جَزْمُ الجوابِ» انتهى. وهو غَلَطٌ؛ لأنَّ «لا يَنْصُرونهم» ليس جواباً للشرطِ، بل هو جوابٌ للقسم، وجواب الشرطِ محذوفٌ كما تقدَّمَ تقريرُه، وكأنه توهَّم أنه من بابِ قوله: ٤٢٥١ - وإن أتاه خليلٌ يومَ مَسْأَلَةٍ ... يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حَرِمُ وقد سبق أبا البقاء ابنُ عيطة إلى ما يُوْهِم شيئاً من ذلك، ولكنه صرَّح بأنه جوابُ القسم، وقال: «جاءت الأفعالُ غير مجزومةٍ في» لا يَخْرجون «ولا» يَنْصُرون «لأنها راجعةٌ على حكم القسم لا على حكمِ الشرط. وفي هذا نظرٌ» وقوله: «وفي هذا نظر» مُوْهِمٌ أنه جاء على خلافِ ما يقتضيه القياسُ، وليس كذلك، بل جاء على ما يَقْتضيه القياسُ. وفي هذه الضمائرِ قولان، أحدهما: أنها كلَّها للمنافقين. والثاني: أنها مختلفةٌ، بعضُها لهؤلاء وبعضُها لهؤلاء.

стр. 9567

قوله: ﴿لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً﴾ : «رهبةً» مصدرٌ مِنْ رُهِبَ المبنيِّ للمفعولِ، فالرهبةُ واقعةٌ من المنافقين لا مِنْ المخاطبين، كأنه قيل: لأنتم أشدُّ مرهوبيَّةً في صدورِهم من اللهِ فالمخاطبون مَهوبون، وهو كقولِ كعبِ بن زهير ﵁ في مَدْح رسولِ الله ﷺ :

стр. 9568

٤٢٥٢ - فَلَهْوَ أَخْوَفُ عندي إذا أُكَلِّمُهُ ... وقيل: إنك محبوسٌ ومقتولُ مِنْ ضَيْغَمٍ بثَراءِ الأرضِ مُخْدَرُه ... ببَطْنِ عَثَّر غِيْلٌ دونَه غِيْلُ و «رُهْبةً» تمييز.

стр. 9569

قوله: ﴿جَمِيعاً﴾ : حالٌ و ﴿إِلاَّ فِي قُرًى﴾ متعلقٌ ب «يُقاتِلونكم» . وقوله: ﴿جُدُرٍ﴾ قرأ ابنُ كثير وأبو عمرو «جدار» بالإِفرادِ. وفيه أوجهٌ، أحدُها: أنه أرادَ به السُّوْرَ، والسُّوْرُ الواحد يَعُمُّ الجميعَ من المقاتِلةِ ويَسْتُرهم. والثاني: أنه واحدٌ في معنى الجمع لدلالة السِّياقِ عليه. والثالث: أنَّ كلَّ فِرْقة منهم وراءَ جدار، لا أنَّهم كلَّهم وراءَ جدار. والباقون قَرَؤُوا جُدُر بضمتين/ اعتباراً بأنَّ كلَّ فِرْقةٍ وراءَ جدار، فجُمِعَ لذلك. وقرأ الحسن وأبو رجاء وابن وثاب والأعمش، ويُرْوى عن ابن كثير وعاصمٍ بضمةٍ وسكونٍ، وهي تخفيفُ الأُولى. وقرأ ابن كثير أيضاً في وراية هارونَ عنه، وهي قراءةُ كثيرٍ من المكيين «جَدْرٍ» بفتحة وسكون فقيل: هي لغةٌ في الجِدار. وقال ابن عطية: «معناه أصلُ بنيانٍ كالسُّور ونحوه» قال: «ويُحتمل أَنْ يكونَ مِنْ جَدْر النخيل، أي: أو مِنْ

стр. 9570

وراءِ نخيلهم. وقُرِىء» جَدَر «بفتحتين حكاها الزمخشريُّ، وهي لغةٌ في الجِدار أيضاً. قوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ متعلِّقٌ بشديد و» جميعاً «مفعولٌ ثانٍ، أي: مجتمعين و» قلوبُهم شَتَّى «جملةٌ حاليةٌ أو مستأنفةٌ للإِخبار بذلك. والعامَّةُ على» شتى «بلا تنوينٍ لأنَّها ألفُ تأنيثٍ. ومِنْ كلامهم:» شتى تَؤُوب الحَلَبةُ «، أي: متفرِّقين. وقال آخر: ٤٢٥٣ - إلى اللهِ أَشْكو فِتْنَةً شَقَّت العِصا ... هي اليومَ شَتَّى وهْي أَمْسِ جميعُ وقرأ مبشر بن عبيد» شتىً «منونة، كأنه جعلها ألفَ الإِلحاق.

стр. 9571

قوله: ﴿كَمَثَلِ الذين﴾ : خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: مثلُهم مثلُ هؤلاء. و «قريباً» فيه وجهان، أحدهما: أنَّه منصوبٌ بالتشبيه المتقدم، أي: يُشَبِّهونهم في زمنٍ قريب سيقع لا يتأخر، ثم بَيَّنَ ذلك بقوله: ﴿ذَاقُواْ وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ . والثاني: أنه منصوبٌ ب «ذاقوا» ، أي: ذاقوه في زمنٍ قريب سيقع ولم يتأخَّرْ. وانتصابُه في وجهَيْه على ظرف الزمان. وقوله: ﴿كَمَثَلِ الشيطان﴾ [الحشر: ١٦] كالبيان لقولِه: ﴿كَمَثَلِ الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾ .

стр. 9572

قوله: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَآ﴾ : العامَّةُ على نصب «

стр. 9573

عاقَبَتَهُما» بجَعْلِه خبراً، والاسمُ «أنَّ» وما في حَيَّزها؛ لأنَّ الاسمَ أَعْرَفُ مِنْ «عاقبتَهُما» . وقد تقدَّم تحريرُ هذا في آل عمران والأنعام. وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد وابن أرقم برفعِها على جَعْلِها اسماً، و «أنَّ» وما في حَيِّزها خبراً كقراءةِ ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ﴾ [الأنعام: ٢٣] . قوله: ﴿خَالِدَينَ﴾ العامَّةُ على نَصْبِه حالاً من الضمير المستكنِّ في الجارِّ لوقوعِه خبراً. وعبد الله وزيد بن علي والأعمش وابن أبي عبلة برفعِه خبراً، والظرفُ مُلْغَى فيتعلَّق بالخبر، وعلى هذا فيكون تأكيداً لفظياً للحرفِ وأُعيد معه ضميرُ ما دَلَّ عليه كقولِه: ﴿فَفِي الجنة خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [هود: ١٠٨] وهذا على مذهب سيبويه فإنه يُجيز إلغاءَ الظرفِ وإنْ أُكِّدَ، والكوفيون يَمْنَعونَه وهذا حُجَّةٌ عليهم. وقد يُجيبون: بأنَّا لا نُسَلِّمُ أَنَّ الظرفَ في هذه القراءةِ مُلْغَى، بل نجعلُه خبراً ل «أنَّ» وخالدان خبرٌ ثانٍ، وهو مُحْتمِلٌ لِما قالوه إلاَّ أنَّ الظاهرَ خلافُه.

стр. 9574

قوله: ﴿وَلْتَنظُرْ﴾ : العامَّةُ على سكونِ لامِ الأمرِ. وأبو حيوة ويحيى بنُ الحارث بكسرِها على الأصل. والحسنُ بكسرها

стр. 9575

ونصبِ الفعل، جَعَلَها لامَ كي، ويكونُ المُعَلَّلُ مقدراً، أي: ولْتنظر نفسٌ حَذَّركم وأَعْلمكم. وتنكيرُ النفسِ والغدِ. قال الزمخشري: «أمَّا تَنْكيرُ النفسِ فلاستقلالِ الأنفسِ النواظرِ فيما قَدَّمْنَ للآخرةِ، كأنه قيل: لتنظرْ نفسٌ واحدةٌ. وأمَّا تنكيرُ الغد فلتعظيمِه وإبهامِ أَمْرِه كأنه قيل: لِغدٍ لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ لعِظَمِه» . وقوله: ﴿واتقوا الله﴾ تأكيدٌ: وقيل: كُرِّر لتغايُرِ متعلَّق التَّقْوَيَيْنِ فمتعلَّقُ الأولى أداءُ الفرائضِ لاقترانِه بالعمل، والثانيةِ تَرْكُ المعاصي لاقترانِه بالتهديد والوعيدِ، قال معناه الزمخشري.

стр. 9576

قوله: ﴿وَلاَ تَكُونُواْ﴾ : العامَّةُ على الخطابِ. وأبو حيوة بالغَيْبة على الالتفاتِ.

стр. 9577

قوله: ﴿أَصْحَابُ الجنة هُمُ الفآئزون﴾ : كالتفسير لنفي تساوِيْهما. و «هم» يجوزُ أَنْ يكونَ فَصْلاً، وأَنْ يكونَ مبتدأ، فعلى الأول الإِخبارُ بمفردٍ، وعلى الثاني بجملةٍ.

стр. 9578

قوله: ﴿خَاشِعاً﴾ : حالٌ؛ لأن الرؤيةَ بَصَرية. وقرأ طلحة «مُصَّدِّعاً» بإدغام التاء في الصاد. وأبو ذر وأبو السَّمَّال «القَدُّوس» بفتح القاف. وقرأ العامَّةُ «

стр. 9579

المُؤْمِنُ» بكسر الميم اسمَ فاعل مِنْ آمَن بمعنى أَمَّن. وأبو جعفر محمد بن الحسين وقيل ابن القعقاع: بفتحها. فقال الزمخشري: «بمعنى المُؤْمَنِ به على حَذْفِ حرف الجر، كما تقول في قومَ موسى مِنْ قولِه ﴿واختار موسى قَوْمَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] المختارون» . وقال أبو حاتم: «لا يجوزُ ذلك، أي: هذه القراءة؛ لأنه لو كان كذلك لكان» المؤمَنُ به «وكان جارَّاً، لكن المؤمَنَ المطلقَ بلا حرفِ جر/ يكون مَنْ كان خائفاً فأُمِّنَ» فقد رَدَّ ما قاله الزمخشريُّ.

стр. 9580

قوله: ﴿الجبار﴾ : اسْتَدَلَّ به مَنْ يقول: إن أمثلةَ المبالغةِ تأتي من المزيدِ على الثلاثةِ، فإنه مِنْ أَجْبَرَه على كذا، أي: قهره. قال الفراء: «ولم أسمع فعَّالاً مِنْ أَفْعلَ إلاَّ في جَبَّار وَدَّراك مِنْ أدرك» انتهى. واسْتُدْرك عليه: أَسْأَر فهو سَأر. وقيل: هو من الجَبْر وهو الإِصلاحُ. وقيل: مِنْ قولِهم نَخْلَةٌ جَبَّارة، إذ لم تَنَلْها الجُناةُ. قال امرؤ القيس: ٤٢٥٤ - سَوامِقُ جَبَّارٍ أثيثٍ فُروعُه ... وعالَيْنَ قِنْواناً مِن البُسْر أَحْمرا

стр. 9581

قوله: ﴿المصور﴾ : العامَّةُ على كسرِ الواوِ ورفعِ الراءِ: إمَّا صفةً، وإمَّا خبراً. وقرأ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والحسن وابن السَّمَيْفَع وحاطب بن أبي بَلْتعة بفتح الواو ونصب الراء. وتخريجُها: على أن يكونَ منصوباً بالباري والمُصَوَّر هو الإِنسانُ: إمَّا آدمُ، وإمَّا هو وبنوه. وعلى هذه القراءةِ يَحْرُم الوقفُ على «المصوَّر» بل يجب الوصلُ ليظهرَ النصبُ في الراء، وإلاَّ فقد يُتَوَهَّمُ منه في الوقفِ ما لا يجوزُ. ورُوي عن أمير المؤمنين أيضاً فَتْحُ الواوِ وجَرُّ الراءِ. وهي كالأُولى في المعنى، إلاَّ أنه أضاف اسمَ الفاعل لمعمولِه تخفيفاً نحو: الضاربُ الرجلِ. والوقف على المصوَّر في هذه القراءةِ أيضاً حرامٌ. وقد نَبَّه عليه بعضُهم. وقال مكي: «ويجوز نصبُه في الكلام، ولا بُدَّ مِنْ فتح الواوِ، فتنصبُه بالباري، أي: هو اللهُ الخالقُ المصوَّر، يعني آدمَ ﵇ وبنيه» انتهى. قلت: قد قُرِىء بذلك كما تقدَّم، وكأنه لم يَطَّلِعْ عليه. وقال أيضاً: «ولا يجوز نصبُه مع كسرِ الواوِ، ويُرْوى عن علي ﵁» يعني أنه إذا كُسِرَت الواوُ كان من صفاتِ اللهِ تعالى، وحينئذٍ لا يَسْتقيم نصبُه عنده؛ لأنَّ نَصْبَه باسمِ الفاعلِ قبلَه. وقوله: «ويُروى» ، أي: كسرُ الواوِ ونصبُ الراء. وإذا صَحَّ هذا عن أمير

стр. 9582

المؤمنين فيتخرَّج على أنه من القطع. كأنه قيل: أَمْدَحُ المصوِّر كقولِهم: «الحمدُ لله أهلَ الحمد» بنصب أهلَ، وقراءةِ مَنْ قرأ ﴿للَّهِ رَبَّ العالمين﴾ [الفاتحة: ١] بنصب «ربَّ» قال مكي: «والمصوِّر: مُفَعِّل مِنْ صَوَّر يُصَوِّرُ، ولا يحسُنُ أَنْ يكونَ مِنْ صار يَصير؛ لأنه يلزمُ منه أَنْ يقال: المُصَيِّر بالياء» ومثلُ هذا من الواضحات ولا يقبله المعنى أيضاً.

стр. 9583

قوله: ﴿عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَآءَ﴾ : هذان مفعولا الاتخاذ. والعدوُّ لَمَّا كان بزنةِ المصادِر وقعَ على الواحدِ فما فوقَه، وأضاف العدوَّ لنفسه تعالى تغليظاً في جُرْمِهم. قوله: ﴿تُلْقُونَ﴾ فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنه تفسيرٌ لموالاتِهم إياهم. الثاني: أنه استئنافُ إخبارٍ بذلك فلا يكون للجلمة على هذين الوجهَين محلٌّ من الإِعراب. الثالث: أنها حالٌ مِنْ فاعل «تَتَّخِذوا» أي: لا تتخذوا مُلْقِين المودةَ. الرابع: أنها صفة ل «أولياءَ» . قال الزمخشري: «فإن قلتَ: إذا جَعَلْتَه صفةً لأولياء، وقد جَرَى على غير مَنْ هوله، فأين الضميرُ البارزُ، وهو قولُك: تُلْقُون إليهم أنتم بالمودة؟ قلت: ذاك إنما اشترطوه في الأسماءِ دونَ الأفعالِ لو قيل: أولياءَ مُلْقِين إليهم بالمودَّة على الوصف لَما كان بُدٌّ مِن الضميرِ البارزِ» قلت: قد تقدَّمَتْ هذه المسألةُ مستوفاةً، وفيها كلامٌ لمكي وغيرِه. إلاَّ أن الشيخَ اعترضَ على كونِها صفةً أو حالاً بأنهم نُهُوا عن اتخاذِهم أولياءً مطلقاً في قولِه: ﴿لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَآءَ﴾ [المائدة: ٥ ١] والتقييدُ بالحالِ والوصفِ يُوهم

стр. 9584

جوازَ اتِّخاذهم أولياءَ إذا انتفى الحالُ أو الوصفُ. ولا يَلْزَمُ ما قال لأنه معلومٌ من القواعدِ الشرعيةِ فلا مفهومَ لهما البتةَ. وقال الفراء: «تُلْقون من صلةِ أولياء» وهذا على أصولِهم مِنْ أنَّ النكرةَ تُوْصَلُ كغيرها من الموصولات. قوله: ﴿بالمودة﴾ في الباء ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن الباءَ مزيدةٌ في المفعولِ به كقولِه: ﴿وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] . والثاني: أنها غيرُ مزيدةٍ والمفعولُ محذوفٌ، ويكون معنى الباءِ السببَ. كأنه قيل: تُلْقُوْن إليهم أسرارَ رسولِ الله ﷺ وأخبارَه بسبب المودةِ التي بينكم. / والثالث: أنها متعلقةٌ بالمصدرِ الدالِّ عليه «تُلْقُون» أي: إلقاؤُهم بالمودَّةِ، نقله الحوفيُّ عن البصريين، وجَعَلَ القولَ بزيادةِ الباءِ قولَ الكوفيين. إلاَّ أن هذا الذي نَقَله عن البصريين لا يُوافقُ أصولَهم؛ إذ يَلْزَمُ منه حَذْفُ المصدرِ وإبقاءُ معموله، وهو لا يجوزُ عندَهم. وأيضاً فإنَّ فيه حَذْفَ الجملةِ برأسِها، فإنَّ «إلقاءَهم» مبتدأ و «بالمودة» متعلقٌ به، والخبرُ أيضاً محذوفٌ. وهذا إجحافٌ. قوله: ﴿وَقَدْ كَفَرُواْ﴾ فيه أوجهٌ: الاستئناف، والحالُ مِنْ فاعِل «تتَّخذوا» والحالُ مِنْ فاعلِ «تُلْقُون» أي: لا تتولَّوْهم ولا توادُّوهم وهذه حالُهم. والعامَّةُ «بما» بالباء، والجحدري وعاصمٌ في روايةٍ «لِما» باللام

стр. 9585

أي: لأجلِ ما جاءكم، فعلى هذا الشيءِ المكفورِ غيرُ مذكور، تقديره: كفروا باللَّهِ ورسولِه. قوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرسول﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، وأن يكونَ تفسيراً لكُفْرِهم، فلا مَحَلَّ له على هذَيْن، وأَنْ يكونَ حالاً مِنْ فاعل «كفروا» . قوله: ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ عطفٌ على الرسول. وقُدِّم عليهم تَشريفاً له. وقد استَدَلَّ به مَن يُجَوِّزُ انفصالَ الضميرِ مع القدرةِ على اتصالِه، إذ كان يجوز أَنْ يُقال: يُخْرجونكم والرسولَ، فيجوز: «يُخْرجون إياكم والرَّسولَ» في غيرِ القرآنِ وهو ضعيفٌ؛ لأنَّ حالةَ تقديمِ الرسولِ دلالةٌ على شَرَفِه. لا نُسَلِّمُ أنه يُقَدَرُ على اتِّصاله. وقد تقدَّم لك الكلامُ على هذه الآيةِ عند قولِه تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ في سورةِ النساء فعليك باعتباره. قوله: ﴿أَن تُؤْمِنُواْ﴾ مفعولٌ له. وناصبُه: «يُخْرِجون» أي: يُخْرجونكم لإِيمانِكم أو كراهةَ إيمانِكم. قوله: ﴿إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ جوابُه محذوفٌ عند الجمهور لتقدُّمِ «لا تتَّخذوا» ، ومقدم وهو «لا تتخذوا» عند الكوفيين ومَنْ تابعهم. وقد تقدَّم تحريرُه. وقال الزمخشري: و ﴿إِنْ كُنتُمْ خَرَجْتُمْ﴾ متعلِّقٌ ب «لا تَتَّخذوا» . يعين: لا تتولَّوْا أعدائي إنْ كنتم أوليائي. وقولُ النحويين في مثلِه: هو شرطٌ، جوابُه محذوفٌ لدلالةِ ما قبله عليه «انتهى. يريد أنَّه

стр. 9586

متعلِّقٌ به من حيث المعنى. وأمَّا من حيث الإِعراب فكما قال جمهورُ النَّحْويين. قوله:» جِهَاداً وابتغآء «يجوزُ أَنْ يُنْصَبا على المفعول له أي: خَرَجْتُمْ لأجلِ هذَيْن، أو على المصدرِ بفعلٍ مقدرٍ أي: تُجاهِدون، وتبتَغُون، أو على أنهما في موضع الحال. قوله: ﴿تُسِرُّونَ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، ولم يذكُر الزمخشريُّ غيرَه، وأن يكونَ حالاً ثانية مِنْ ما انتصب عنه» تُلْقُون «حالاً، وأَنْ يكونَ بدلاً مِنْ» تُلْقُون «، قاله ابن عطية. ويُشْبه أَنْ يكونَ بدلَ اشتمالٍ لأنَّ إلقاءَ المودةِ يكون سرّاً وجَهْراً، فَأَبْدَل منه هذا للبيانِ بأيِّ نوعٍ وقع الإِلقاء، وأن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: أنتم تُسِرُّون، قاله ابن عطية، ولا يَخْرجُ عن معنى الاستئناف. وقال أبو البقاء:» هو توكيدٌ ل «تُلْقُون» بتكريرِ معناه «وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الإِلقاءَ أعمُّ مِنْ أَنْ يكونَ سِرَّاً أو جَهْراً. وقوله: ﴿بالمودة﴾ الكلامُ في الباء هنا كالكلامِ عليها بعد» تُلْقُون «. قوله: ﴿وَأَنَاْ أَعْلَمُ﴾ هذه الجملةُ حالٌ مِنْ فاعل» تُسِرُّون «أي: وأيُّ طائلٍ لكم في إسْراركم وقد عَلِمتم أن الإِسرارَ والإِعلان سيَّانِ في علمي؟ و» أعلمُ «يجوز أن يكونَ أفعلَ تفضيل وهو الظاهرُ، وأَنْ يكون فعلاً

стр. 9587

مضارعاً. قال ابن عطية:» وعُدِّي بالباء لأنك تقول: علمتُ بكذا «. قوله: ﴿وَمَن يَفْعَلْهُ﴾ في الضمير وجهان، أظهرهما: أنه يعود على الإِسرار؛ لأنه أقربُ مذكورٍ. والثاني: أنه يعودُ على الاتخاذ، قاله ابنُ عطية. قوله: ﴿سَوَآءَ السبيل﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً على الظَّرْفِ إنْ قلنا:» ضَلَّ «قاصرٌ، وأَنْ يكونَ مفعولاً به إنْ قلنا: هو متعدٍّ.

стр. 9588

قوله: ﴿وَوَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ : في «وَدُّوا» وجهان، أحدهما: أنه معطوفٌ على جواب الشرطِ وهو قوله: «يكونوا» و «يَبْسُطوا» قاله الزمخشري. ثم رتَّب عليه سؤالاً وجواباً فقال: «فإنْ قلتَ: كيف أورَدَ جوابَ الشرط مضارعاً مثلَه ثم قال:» وَدُّوا «بلفظ الماضي؟ قلت: الماضي وإنْ كان يجري في باب الشرط مَجْرى المضارع في علم الإِعراب، فإن فيه نكتةً، كأنه قيل: وودُّوا قبل كلِّ شيءٍ كُفْرَكم وارتدادَكم، يعني: أنهم يريدون أن يُلْحِقوا بكم مَضارَّ الدنيا والآخرةِ جميعاً» . والثاني: أنه معطوفٌ على جملةِ الشرط والجزاء، ويكون تعالى قد أخبر بخبَرَيْن: بما تَضَمَّنَتْه الجملةُ الشرطيةُ، وبودادتهم كُفْرَ المؤمنين. وجعل الشيخُ هذا راجحاً، وأسقط به سؤالَ الزمخشريِّ وجوابَه فقال: «وكان الزمخشريُّ فَهِمَ مِنْ قولِه:» وَوَدُّوا «أنه معطوفٌ على جوابِ الشرطِ. والذي يظهرُ أنه ليس معطوفاً عليه لأنَّ/ ودادتَهم كفرَهم ليسَتْ

стр. 9589

مترتبةً على الظفر بهم والتسليطِ عليهم، بل هم وادُّون كفرَهم على كلِّ حالٍ، سواءً ظَفِروا بهم أم لم يظفروا بهم» . انتهى. قلت: والظاهرُ أنه عطفٌ على الجواب. وقوله: هم وادُّون ذلك مُطلقاً مُسَلَّمٌ، ولكن ودادتَهم له عند الظفرِ والتسليطِ أقربُ وأطمعُ لهم فيه. وقوله: ﴿لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ يجوزُ أَنْ تكونَ لما سيقعُ لوقوع [غيرِه] ، وأَنْ تكونَ المصدريةَ عند مَنْ يرى ذلك، وقد تقدَّم تحريرهما في البقرة.

стр. 9590

قوله: ﴿يَوْمَ القيامة﴾ : يجوز فيه وجهان، أحدهما: أَنْ يتعلَّقَ بما قبلَه أي: لن ينفعَكم يومَ القيامة فَيُوقَفُ عليه ويُبْتدأ «يَفْصِلُ بينكم» . والثاني: أَنْ يتعلَّقُ بما بعده أي: يَفْصِلُ بينكم يومَ القيامة، فيوقف على «أولادكم» ويُبتدأ «يوم القيامة» . والقُرَّاء في «يَفْصِلُ» بينكم على أربعِ مراتبَ، الأولى: لابن عامر بضم الياءِ وفتح الفاءِ والصادُ مثقَّلةٌ. الثانية: كذلك إلاَّ أنَّه بكسرِ الصاد للأخوَيْن. الثالثة: بفتح الياء وسكونِ الفاءِ وكسرِ الصاد مخففةً لعاصم. الرابعة: بضمِّ الياء وسكونِ الفاءِ وفتح الصادِ مخففةً للباقين، وهم نافعٌ وابنُ كثير وأبو عمروٍ هذا في السَبعة. وقرأ ابنُ أبي عبلةٍ وأبو حيوةَ بضم الياء وسكون الفاء وكسرِ الصادِ مخففةً، مِنْ أَفْصَلَ. وأبو حيوة أيضاً «نُفْصِلُ» بضمِّ النونِ مِنْ أَفْصَلَ. والنخعيُّ وطلحة «نُفَصِّلُ» بضم النون

стр. 9591

وفتح الفاء وكسر الصاد مشددةً. وقرأ أيضاً وزيد بن علي «نَفْصِلُ» بفتح النون وسكون الفاء وكسرِ الصاد مخففةً. فهذه أربعٌ فصارت ثمانِ قراءاتٍ. فمَنْ بناه للمفعولِ فالقائمُ مقام الفاعلِ: إمَّا ضميرُ المصدرِ أي: يُفْصَل الفصلُ أو الظرف، وبُني على الفتح لإِضافته إلى غير متمكن كقوله: ﴿لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ٩٤] في أحدِ الأوجه، أو الظرفُ وهو باقٍ على نصبِه كقولك: «جُلس عندَك» .

стр. 9592

قوله: ﴿في إِبْرَاهِيمَ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدها: أنه متعلقٌ ب «أُسوة» تقول: «لي أُسْوَة في فلان» . وقد منع أبو البقاء أَنْ يتعلَّقَ بها. قال: «لأنها قد وُصِفَتْ» وهذا لا يُبالى به لأنه يُغتفر في الظرفِ ما لا يُغتَفر في غيره. الثاني: أنه متعلق بحسنة تعلُّقَ الظرفِ بالعامل. الثالث: أنَّه نعتٌ ثانٍ لأُسْوَة. الرابع: أنه حالٌ من الضمير المستترِ في «حسنةٌ» . الخامس: أن يكونَ خبرَ كان، و «لكم» تبيينٌ. وقد تقدَّم لك قراءتا «أسْوة» في الأحزاب، والكلامُ على مادتِها. قوله: ﴿إِذْ قَالُواْ﴾ فيه وجهان،: أحدهما: أنَّه خبرُ كان. والثاني: أنه متعلقٌ بخبرها، قالهما أبو البقاء. ومَنْ جَوَّزَ في «كان» أَنْ تعملَ في الظرف عَلَّقه بها. قوله: ﴿بُرَآءُ﴾ هذه قراءةُ العامَّةِ بضمِّ الباءِ وفتح الراءِ وألفٍ بين

стр. 9593

همزتَيْن، جمعَ بريء، نحو: كُرَماء في جمع كريم. وَعيسى الهمذاني بكسرِ الباء وهمزةٍ واحدةٍ بعد ألف نحو: كرام في جمع كريم. وعيسى أيضاً، وأبو جعفر، بضم الباءِ وهمزةٍ بعد ألف. وفيه أوجهٌ، أحدُها: أنه جمعُ بَرِيْء أيضاً، والأصلُ كسرُ الباءِ، وإنما أبدل من الكسرةِ ضمةً، ك رُخال ورُباب قاله الزمخشري. الثاني: أنه جمعٌ أيضاً ل بَرِيء، وأصلُه برَآء كالقراءةِ المشهورة، إلاَّ أنه حَذَفَ الهمزة الأولى تخفيفاً، قاله أبو البقاء. الثالث: أنه اسمُ جمعٍ ل بريء نحو: تُؤَام وظُؤَار اسْمَيْ جمعٍ لتَوْءَم وظِئْر. وقرأ عيسى أيضاً: «بَراء» بفتح الباء. وهمزة بعد ألف كالتي في الزخرف، وصَحَّ ذلك لأنه مصدرٌ والمصدرُ يقع على الجمع كوقوعِه على الواحد. قال الزمخشري: «والبَراء والبراءةُ كالظَّماء والظَّماءة» . وقال مكي: «وأجاز أبو عمروٍ وعيسى ابن عمر» بِراء «بكسر الباء جعله ككريم وكِرام. وأجاز الفراء» بَراء «بفتح

стр. 9594

الباء» ثم قال: «وبَراء في الأصلِ مصدرٌ» كأنه لم يَطَّلِعْ عليها قراءةً منقولةً. قوله: ﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه استثناءٌ متصلٌ مِنْ قولِه: «في إبراهيم» ولكنْ لا بُدَّ مِنْ حذفِ مضافٍ ليصِحَّ الكلامُ، تقديرُه: في مقالات إبراهيم/ إلاَّ قولَه كيت وكيت. الثاني: أنه مستثنى مِنْ «أسوةٌ حسنةٌ» وجاز ذلك لأن القولَ أيضاً من جملة الأُسْوة؛ لأن الأسوةَ الاقتداءُ بالشخص في أقوالِه وأفعالِه، فكأنه قيل لكم: فيه أُسْوة في جميع أحوالِه من قَوْلٍ وفِعْلٍ إلاَّ قولَه كذا. وهذا عندي واضحٌ غيرُ مُحْوِجٍ إلى تقديرِ مضافٍ وغيرُ مُخْرِجِ الاستثناءِ من الاتصالِ الذي هو أصلُه إلى الانقطاع، ولذلك لم يذكُر الزمخشريُّ غيرَه قال: «فإنْ قلتَ مِمَّ استثنى قَولَه: ﴿إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ ؟ قلت مِنْ قولِه:» أُسْوَةٌ حسنةٌ «لأنه أرادَ بالأُسوةِ الحسنةِ قولهم الذي حَقَّ عليهم أَنْ يَأْتَسُوا به ويتخذوه سنةً يَسْتَنُّون بها. فإنْ قلت: فإنْ كانَ قولُه: «لأستغفرَنَّ لك» مستثنى من القولِ الذي هو أُسْوَةٌ حسنةٌ فما بالُ قولِه: ﴿وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ الله مِن شَيْءٍ﴾ ، وهو غيرُ حقيقٍ بالاستثناء. ألا ترى إلى قولِه: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الله شَيْئاً﴾ [الفتح: ١١] قلت: أرادَ استثناءَ جملةِ قولِه لأبيه، والقصدُ إلى موعدِ الاستغفارِ له وما بعده مبنيٌّ عليه وتابعٌ له. كأنه قال: أنا أستغفر لك وما في طاقتي إلاَّ الاستغفارُ «. الثالث: قال ابن عطية:» ويحتمل أن يكون الاستثناءُ من التبرُّؤِ والقطيعة التي ذُكِرت أي: لم تُبْقِ صلةً إلاَّ كذا «. الرابع: أنه استثناءٌ

стр. 9595

منقطع أي: لكنْ قولُ إبراهيم. وهذا بناءً مِنْ قائليه على أنَّ القولَ لم يَنْدَرِجْ تحت قولِه:» أُسْوة «وهو ممنوعٌ.
следующие страницы →