← Тафсир

Тафсир · id 9057

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

السمين الحلبي

Полный текст (10 772 стр.). Показаны 9836–9875 · переход к 9841.

стр. 9836

بدلَ الهمزة. وقد تقدَّم مثلُه في «مُسْتَهْزِيُون» أولَ هذا الموضوع. وقرأ نافعٌ في روايةٍ، وشيخُه وشَيْبَةُ بطاءٍ مضمومةٍ دونَ همزِ. وفيها وجهان، أحدُهما: أنَّه كقراءةِ الجماعةِ، إلاَّ أنه خُفِّفَ بالحَذْفِ. والثاني: أنه اسمُ فاعلٍ مِن خطا يخطو إذا اتَّبع خطواتِ غيرِه. فيكونُ مِنْ قولِه: ﴿لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان﴾ [النور: ٢١] قاله الزمخشري، وقد مَرَّ في أول هذا الموضوع أنَّ نافعاً يَقْرأ «الصابِييْنَ» بدونِ همزٍ، وتقدَّم ما نَقَلَ الناسُ فيها، وعن ابن عباس: ما الخاطُون كلُّنا نَخْطُو. ورَوى عنه أبو الأسودِ الدؤليُّ: «ما الخاطُون، إنما هو الخاطئُون وما الصابُون، إنما هو الصابِئُون» .

стр. 9837

وقوله: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ﴾ : قد تقدَّم مثلُه في آخرِ الواقعة، وأَشْبَعْتُ القولَ ثَمَّةَ إلاَّ أنَّه قيل ههنا: إنَّ «لا» نافيةٌ لفعلِ القسم، وكأنَّه قيل: لا أَحْتاجُ أَنْ أُقْسِمَ على هذا؛ لأنه حقٌّ ظاهرٌ مُسْتَغْنٍ عن القسمِ، ولو قيل به في الواقعة لكان حَسَناً.

стр. 9838

قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ﴾ : هو جواب القسمِ.

стр. 9839

قوله: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ﴾ : معطوفٌ على الجوابِ فهو جواب. أَقْسَمَ على شيئين، أحدُهما مُثْبَتٌ، والآخرُ منفيٌّ وهو من البلاغةِ الرائعة.

стр. 9840

قوله: ﴿قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ﴾ ﴿قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ انتصبَ «قليلاً» في الموضعَيْنِ نعتاً لمصدرٍ أو زمانٍ محذوفٍ أي: إيماناً قليلاً أو زماناً قليلاً. والناصب تُؤْمِنون وتَذَكَّرون، و «ما» مزيدةٌ/ للتوكيدِ. وقال ابنُ عطيةَ: «ونُصِبَ» قليلاً «بفعلٍ مضمرٍ، يَدُلُّ عليه» تُؤْمِنون «. وما يُحتمل أَنْ تكونَ نافيةً فيَنْتَفِيَ إيمانُهم البتةَ، ويُحتمل أَنْ تكونَ مصدريةً، ويتصفَ بالقلَّةِ، فهو الإِيمانُ اللغويُّ؛ لأنَّهم قد صَدَّقوا بأشياءَ يسيرةٍ، لا تُغْني عنهم شيئاً؛ إذ كانوا يُصَدِّقون بأنَّ الخيرَ والصِّلةَ والعفافَ الذي يأمرُ به رسولُ الله ﷺ هو حقٌّ وصوابٌ» . قال الشيخ: «أمَّا قولُه:» قليلاً «نُصِبَ بفعلٍ إلى آخره فلا يَصِحُّ؛ لأن ذلك الفعلَ الدالَّ عليه» تُؤْمنون «: إمَّا أن تكونَ» ما «نافيةً [أو مصدريةً] كما ذَهَب إليه. فإنْ كانَتْ نافيةً فذلك الفعلُ المضمرُ الدالُّ عليه» تُؤْمِنون «المنفيُّ ب» ما «يكونُ منفيّاً، فيكون التقدير: ما تُؤْمِنون قليلاً ما تؤمنون، والفعلُ المنفيُّ ب» ما «لا يجوزُ حَذْفُه ولا حَذْفُ» ما «، لا يجوز:» زيداً ما أَضْرِبُه «على تقدير: ما أضربُ زيداً ما أَضْرِبُه. وإنْ كانَتْ مصدريةً كانَتْ: إمَّا في موضع رفعٍ ب» قليلاً «على الفاعلية، أي: قليلاً إيمانُكم، ويبقى» قليلاً «لا يتقدَّمه مَا يَعْتمد عليه حتى يعملَ، ولا ناصبَ له، وإمَّا في موضعِ رفعٍ على الابتداءِ فيكونُ مبتدأً لا خبرَ له، لأنَّ ما قبلَه منصوبٌ» . قلت: لا يريدُ ابنُ عطيةَ بدلالةِ «تُؤْمنون» على الفعلِ المحذوفِ الدلالةَ المذكورةَ في بابِ الاشتغالِ، حتى يكونَ العاملُ الظاهر مفسِّراً

стр. 9841

للعاملِ المضمرِ، بل يريدُ مجرَّدَ الدلالةِ اللفظيةِ، فليس ما أوردَه الشيخُ عليه مِنْ تمثيلِه بقولِه: «زيداً ما أَضْرِبُه» أي: ما أضربُ زيداً ما أضربه بواردٍ. وأمَّا الردُّ الثاني فظاهرٌ. وقد تقدَّم لابنِ عطيةَ هذا القولُ في أول سورةِ الأعراف وتكلَّمْتُ معه ثَمَّة. وقال الزمشخريُّ: «والقلَّةُ في معنى العَدَمِ أي: لا تُؤْمنون ولا تَذَكَّرون البتة» . قال الشيخ: «ولا يُرادُ ب» قليلاً «هنا النفيُ المَحْض، كما زعم، وذلك لا يكونُ إلاَّ في» أقَلَّ «نحو:» أقَلُّ رجلٍ يقولُ ذلك إلاَّ زيدٌ «وفي» قَلَّ «نحو:» قَلَّ رجلٌ يقولُ ذلك إلاَّ زيدٌ «وقد يُستعمل في قليل وقليلة، أمَّا إذا كانا مرفوعَيْنِ، نحوُ ما جَوَّزوا في قولِه: ٤٣٢٣ -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... قليلٌ بها الأصواتُ إلاَّ بُغامُها أمَّا إذا كان منصوباً نحو: «قليلاً ضَرَبْتُ» أو «قليلاً ما ضَرَبْتُ» على أَنْ تكونَ «ما» مصدريةً فإنَّ ذلك لا يجوزُ؛ لأنَّه في «قليلاً ضربْتُ» منصوبٌ ب «ضربْتُ» . ولم تَستعمل العربُ «قليلاً» إذا انتصَبَ بالفعلِ نفياً، بل مقابلاً لكثير، وأمَّا في «قليلاً ما ضربْتُ» على أَنْ تكونَ «ما» مصدريةً فتحتاج إلى رفع «قليل» لأنَّ «ما» المصدريةَ في موضعِ رفع على الابتداء «انتهى ما رَدَّ به، وهو مجردُ دَعْوى.

стр. 9842

وقرأ ابن كثير وابن عامر بخلافٍ عن ابن ذكوان بالغَيْبة في» يؤمنون «و» يَذَّكَّرون «حَمْلاً على قولِه:» الخاطِئون «، والباقون بالخطاب حَمْلاً على» بما تُبْصِرون وما لا تُبْصرون «. وأُبَيٌّ» تتذكَّرون «بتاءين.

стр. 9843

قوله: ﴿تَنزِيلٌ﴾ : هذه قراءةُ العامَّة، أعني الرفعَ على إضمارِ مبتدأ، أي: هو تنزيلٌ، وتقدَّم مثلُه. وأبو السَّمَّال «تَنْزيلاً» بالنصبِ على إضمارِ فعل أي: نَزَّل تنزيلاً.

стр. 9844

قوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ﴾ : هذه قراءةُ العامَّةِ. تَفَعَّل من القولِ مبنيّاً للفاعلِ. وقال الزمخشري: «التقوُّلُ افعتالُ القولِ؛ لأن فيه تكلُّفاً من المُفْتَعِل» . وقرأ بعضُهم «تُقُوِّل» مبنياً للمفعول. فإن كان هذا القارىءُ رفع «بعضُ الأقاويل» فذاك، وإلاَّ فالقائمُ مَقامَ الفاعلِ الجارُّ، وهذا عند مَنْ يرى قيامَ غيرِ المفعول به مع وجودِه. وقرأ ذكوان وابنه محمد «يقولُ» مضارعُ «قال» . والأقاويلُ: جمعُ أقوالٍ، وأقوالٌ جمع قَوْل، فهو نظير «أباييت» جمعُ أَبْيات جمعُ بَيْت. وقال الزمخشري: «

стр. 9845

وسَمَّى الأقوالَ المتقوَّلةَ أقاويلَ تصغيراً لها وتحقيراً، كقولك: أعاجيب، وأضاحيك، كأنها جمع أُفْعُولة من القَوْل» .

стр. 9846

قوله: ﴿باليمين﴾ : يجوزُ أَنْ تكونَ الباءُ على أصلِها غيرَ مزيدةٍ والمعنى: لأَخَذْناه بقوةٍ مِنَّا، فالباءُ حاليةٌ، والحالُ من الفاعلِ، وتكون في حكم الزائدةِ. واليمينُ هنا مَجازٌ عن القوةِ والغَلَبة، وأَنْ تكونَ مزيدةً، والمعنى: لأَخَذْنا منه يمينَه، والمرادُ باليمين الجارِحَةُ، كما يُفْعَلُ بالمقتول صَبْراً يُؤْخَذُ بيميِنه، ويُضرب بالسيفِ في جيده مواجهةً، وهو أشَدُّ عليه. والوتينُ نِياطُ القلبِ، إذا انقطعَ ماتَ صاحبُه. وقال الكلبي: «هو عِرْقٌ بين العِلْباء والحُلْقوم، وهما عِلْباوان، بينهما العِرْقُ، والعِلْباءُ: / عَصَبُ العُنُق» . وقيل: عِرْقٌ غليظٌ تصادِفُه شَفْرة الناحِرِ. قال الشمّاخ: ٤٣٢٤ - إذا بَلَّغْتِني وحَملْتِ رَحْلِي ... عَرابةَ فاشْرَقي بدمِ الوتينِ

стр. 9847

قوله: ﴿حَاجِزِينَ﴾ : فيه وجهان، أحدُهما: أنه نعتٌ ل «أحد» على اللفظِ، وإنما جُمع على المعنى؛ لأنَّ «أحداً» يَعُمُّ في سياقِ النفي كسائرِ النكراتِ الواقعة في سياقِ النفي، قاله الزمخشريُّ والحوفيُّ، وعلى هذا فيكون «منكم» خبراً للمبتدأ، والمبتدأ «مِنْ أحدٍ»

стр. 9848

زِيْدَتْ فيه «مِنْ» لوجود شرطَيْها. وضَعَّفه الشيخُ: بأنَّ النفيَ يتسَلَّطُ على كَيْنونتِه منكم، والمعنى إنما هو على نفي الحَجْزِ عَمَّا يُراد به. والثاني: أَنْ يكونَ خبراً ل «ما» الحجازية و «مِنْ أحد» اسمُها، وإنما جُمعَ الخبرُ لِما تقدَّم، و «منكم» على هذا حالٌ؛ لأنه في الأصلِ صفةٌ ل «أحد» أو يتعلَّقُ ب «حاجِزين» . ولا يَضُرُّ ذلك؛ لكونِ معمولِ الخبرِ جارّاً، ولو كان مفعولاً صريحاً لامتنع. لا يجوز: «ما طعامَك زيدٌ آكلاً» أو يتعلَّقُ بمحذوفٍ على سبيل البيان. و «عنه» متعلِّقٌ ب «حاجزين» على القولَيْن، والضميرُ للمتقوِّلِ أو للقَتْلِ المدلولِ عليه بقولِه: «لأَخَذْنا» ، «لَقَطَعْنا» .

стр. 9849

قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ﴾ : أي: القرآن، وكذلك «إنه لحَسْرة» . وقيل: إنَّ التكذيبَ به، لدلالةِ «مكذِّبين» على المصدرِ دلالةَ السَّفيه عليه في قولِه: ٤٣٢٥ - إذا نُهِي السَّفيهُ جرى إليه ... وحالفَ والسَّفيهُ إلى خِلافِ أي إلى السَّفَهِ.

стр. 9850

قوله: ﴿سَأَلَ﴾ : قرأ نافع وابنُ عامر بألفٍ مَحْضَةٍ. والباقون بهمزةٍ مُحَقَّقةٍ، وهي الأصلُ، وهي اللغةُ الفاشيةُ. ثم لك في «سأل» وجهان أحدُهما: أنْ يكونَ قد ضُمِّنَ معنى دعا؛ فلذلك تعدَّى بالباء، كما تقول: دعوت بكذا. والمعنى: دعا داعٍ بعذابٍ. والثاني: أَنْ يكونَ على أصلِه. والباءُ بمعنى عن، كقوله: ٤٣٢٦ - فإن تَسْألوني بالنساء. . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . «فأسْأل بن خبيرا» ، وقد تقدَّم تحقيقُه. والأولُ أَوْلَى؛ لأن التجوُّزَ في الفعل أَوْلَى منه في الحرف لقوتِه. وأمَّا القراءةُ بالألفِ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها بمعنى قراءةِ الهمزة، وإنما خُفِّفَتْ بقَلْبِها ألفاً، وليس بقياسِ تخفيفِ مثِلها، بل قياسُ تخفيفِها جَعْلُها بينَ بينَ. والباءُ على هذا الوجهِ كما في الوجهِ الذي

стр. 9851

تقدَّم. الثاني: أنها مِنْ سال يَسال مثلُ خاف يَخاف. وعينُ الكلمةِ واوٌ. قال الزمخشري: «وهي لغةُ قريش يقولون: سِلْتَ تَسالُ، وهما يتسايلان» . قال الشيخ: «وينبغي أَنْ يُتَثَبَّتَ في قوله:» إنها لغةُ قريشٍ، لأنَّ ما جاء في القرآنِ من باب السؤالِ هو مهموزٌ، أو أصلُه الهمزُ، كقراءةِ مَنْ قرأ «وسَلُوا اللهُ مِنْ فضلِه» [النساء: ٣٢] إذ لا جائزٌ أَنْ يكونَ مِنْ «سال» التي عينُها واوٌ، إذ كان يكون ذلك «وسَالوا اللهَ» مثلَ «خافوا» ، فيَبْعُدُ أن يجيءَ ذلك كلُّه على لغةِ غيرِ قريشٍ، وهم الذين نَزَل القرآنُ بلغتِهم إلاَّ يسيراً، فيه لغةُ غيرِهم. ثم في كلامِ الزمخشريِّ «وهما يتسايَلان» بالياء، وهو وهمٌ من النسَّاخ، إنما الصوابُ: يتساوَلان بالواو، لأنه صَرَّحَ أولاً أنه من السُوال يعني بالواو الصريحةِ، وقد حكى أبو زيدٍ عن العربِ: «هما يتساولان» . الثالث: أنَّها مِنْ السَّيَلان. والمعنى: سالَ وادٍ في جهنم بعذابٍ، فالعينُ ياءٌ، ويؤيِّدُه قراءةُ ابن عباس «سالَ سَيْلٌ» . قال الزمخشريُّ: «والسَّيْلُ مصدرٌ في معنى السائلِ كالغَوْر بمعنى الغائر. والمعنى: اندفع عليهم وادي عذابٍ» انتهى. والظاهرُ الوجهُ الأولُ لثبوتِ ذلك لغةً مشهورةً قال: ٤٣٢٧ - سالَتْ هُذَيْلٌ رسولَ اللهِ فاحشةً ... ضَلَّتْ هُذَيلٌ بما سالَتْ ولم تُصِبِ

стр. 9852

وقرأ أُبَيٌّ وعبد الله «سال سالٌ» مثلَ «مال» وتخريجُها: أنَّ الأصلَ «سائلٌ» فحُذِفَتْ عينُ الكلمةِ وهي الهمزةُ، واللامُ محلُّ الإِعرابِ وهذا كما قيل: «هذا شاكٌ» في شائِكِ السِّلاح وقد تقدَّم الكلامُ على مادةِ السؤالِ في أول البقرة، / فعليك باعتبارِه. والباءُ تتعلَّق ب «سال» من السَّيَلان تعلُّقَها ب «سال الماءُ بزيدٍ» . وجَعَلَ بعضُهم الباءَ متعلقةً بمصدرٍ دَلَّ عليه فِعْلُ السؤال، كأنه قيل: ما سؤالُهم؟ فقيل: سؤالُهم بعذابٍ، كذا حكاهُ الشيخ عن الإِمام فخر الدين، ولم يَعْتَرِضْه. وهذا عَجَبٌ؛ فإنَّ قولَه أولاً «إنه متعلِّقٌ بمصدرٍ دَلَّ عليه فِعْلُ السؤال» يُنافي تقديرَه بقولِه: «سؤالُهم بعذاب» ؛ لأنَّ الباءَ في هذا التركيبِ المقدَّرِ تتعلَّق بمحذوفٍ لأنها خبرُ المبتدأ، لا بالسؤال. وقال الزمخشري: «وعن قتادةَ: سأل سائلٌ عن عذابِ الله بمَنْ يَنْزِلُ وعلى مَنْ يقعُ؟ فَنَزَلَتْ، و» سأَل «على هذا الوجهِ مُضَمَّنٌ معنى عُنِيَ واهتمَّ» .

стр. 9853

قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها: أَنْ يتعلَّقَ ب «سأل» مضمَّناً معنى «دَعا» كما تقدَّم، أي: دعا لهم بعذابٍ واقع. الثاني: أَنْ يتعلَّقَ ب «واقعٍ» واللامُ للعلةِ، أي: نازلٌ لأجلِهم. الثالث: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ صفةً ثانيةً ل «عذابٍ» ، أي: كائنٍ للكافرين. الرابع: أَنْ

стр. 9854

يكونَ جواباً للسائلِ، فيكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ، أي: هو للكافرين. الخامس: أَنْ تكونَ اللامُ بمعنى على، أي: واقعٍ على الكافرين، ويؤيِّده قراءةُ أُبَيّ «على الكافرين» ، وعلى هذا فهي متعلِّقةٌ ب «واقعٍ» لا على الوجهِ الذي تقدَّم قبلَه. وقال الزمخشريُّ: «فإنْ قلتَ: بم يتصِلُ قولُه» للكافرين «؟ قلت: هو على القولِ الأولِ متصلٌ بعذاب صفةً له، أي: بعذابٍ واقعٍ كائنٍ للكافرين، أو بالفعل، أي: دعا للكافرين بعذابٍ واقعٍ، أو بواقع، أي: بعذابٍ نازلٍ لأَجْلِهم. وعلى الثاني: هو كلامٌ مبتدأٌ، جواباً للسائل، أي: هو للكافرين» انتهى. قال الشيخ: «وقال الزمشخريُّ:» أو بالفعلِ، أي: دعا للكافرين، ثم قال: وعلى الثاني وهو ثاني ما ذَكَرَ في توجيهِه للكافرين قال: هو كلامٌ مبتدأٌ جواباً للسائلِ، أي: هو للكافرين. وكان قد قَرَّر أنَّ «سَأَلَ» ضُمِّن معنى «دعا» فعُدِّيَ تعديتَه، كأنه قال: دعا داعٍ بعذابٍ، مِنْ قولِك: دعا بكذا إذا استدعاه وطَلَبه، ومنه قولُه تعالى: ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِكلِّ فَاكِهَةٍ﴾ [الدخان: ٥٥] انتهى. فعلى ما قَرَّره أنه متعلِّقٌ ب «دعا» يعني ب «سأل» ،

стр. 9855

فكيف يكونُ كلاماً مبتدأ جواباً للسائلِ، أي: هو للكافرين؟ هذا لا يَصِحُّ «. هذا كلامُ الشيخِ برُمَّتِه، وقد غَلِط على أبي القاسم في فَهْمِه عنه قولَه:» وعلى الثاني إلى آخره «فمِنْ ثَمَّ جاء التَّخْبيطُ الذي ذكرَه. والزمخشريُّ إنما عنى بالثاني قولَه:» وعن قتادةَ سأل سائلٌ عن عذابِ الله على مَنْ يَنْزِلُ وبمَنْ يقع، فنزلَتْ، وسأَلَ على هذا الوجهِ مُضَمَّنٌ معنى عُنِيَ واهتم «فهذا هو الوجهُ الثاني المقابِلُ للوجهِ الأولِ: وهو أنَّ» سأَلَ «مضمَّنٌ معنى» دعا «، ولا أدري كيف تَخَبَّط على الشيخِ حتى وقع فيما وَقَعَ، ونَسَبَ الزمخشريَّ إلى الغَلَطِ، وأنه أخذ قولَ قتادةَ والحسنِ وأفسَده؟ والترتيبُ الذي رتَّبه الزمخشريُّ في تعلُّقِ اللامِ مِنْ أحسنِ ما يكونُ صناعةً ومعنى. قوله: ﴿لَيْسَ لهُ دافِعٌ﴾ يجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً آخر ل» عذابٍ «، وأَنْ يكونَ مستأنفاً، والأولُ أظهرُ، وأَنْ يكونَ حالاً مِنْ» عذاب «لتخصُّصه: إمَّا بالعملِ، وإمَّا بالصفة، وأَنْ يكونَ حالاً من الضميرِ في» للكافرين «إنْ جَعَلْناه نعتاً ل» عذابٍ «.

стр. 9856

قوله: ﴿مِّنَ الله﴾ : يجوزُ أَنْ يتعلَّق ب «دافعٌ» بمعنى: ليس له دافعٌ مِنْ جهته إذا جاء وقتُه، وأَنْ يتعلَّقَ ب «واقع» وبه بَدَأَ الزمخشريُّ، أي: واقعٌ من عندِه. وقال أبو البقاء: «ولم يَمْنَعِ النفيُ من ذلك؛ لأنَّ» ليس «فعلٌ» ، كأنه استشعرَ أنَّ ما قبلَ النفيِ لاَ يعملُ فيما بعدَه، فأجاب: بأنَّ النفيَ لَمَّا كان فِعْلاً ساغ ذلك.

стр. 9857

وقال الشيخ: «والأجودُ أَنْ يكونَ» من الله «متعلقاً ب» واقعٍ «، و» ليس له دافعٌ «جملةُ اعتراضٍ بين العاملِ ومعمولِه» انتهى. وهذا إنما يأتي على القولِ بأنَّ الجملةَ مستأنفةٌ، لا صفةٌ ل «عذاب» وهو غيرُ الظاهرِ، كما تقدَّم لأَخْذِ الكلامِ بعضِه بحُجْزَةِ بعضٍ. قوله: ﴿ذِي﴾ صفقةٌ ل «الله» . والعامَّةُ «تَعْرُج» بالتاء «منْ فوقُ. والكسائيُّ بالياءِ مِنْ تحتُ وهما كقراءتَيْ» فناداه الملائكةُ «، التاءِ، واسْتَضْعَفَها بعضهُم: من حيث إنَّ مَخْرَج الجيمَ بعيدٌ/ مِنْ مَخْرَجِ التاءِ. وأُجيب عن ذلك: بأنَّها قريبةٌ من الشينِ؛ لأنَّ النَّفَس الذي في الشينِ يُقَرِّبُها مِنْ مَخْرَجِ التاءِ، الجيمُ تُدْغَمُ في الشين لِما بينهما من التقاربِ في المَخْرَجِ والصفةِ، كما تقدَّم في ﴿أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: ٢٩] فَحُمِل الإِدغامُ في التاءِ على الإِدغامِ في الشينِ؛ لِما بينَ الشينِ والتاءِ من التقاربِ. وأُجيب أيضاً: بأنَّ الإِدغامَ يكونُ لمجرَّدِ الصفاتِ، وإنْ لم يتقارَبَا في المَخْرَجِ، والجيمُ تُشارِكُ التاءَ في الاستفالِ والانفتاحِ والشِّدَّةِ. وتقدَّم الكلامُ على المعارجِ في الزخرف.

стр. 9858

قوله: ﴿والروح﴾ : مِنْ بابِ عطفِ الخاصِّ على العامِّ، إنْ أُريد بالروح جبريلُ ﵇، أَو مَلَكٌ آخرُ مِنْ جِنسِهم، وأُخِّر هنا، وقُّدِّم في قولِه: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً﴾ [النبأ: ٣٨] لأنَّ المَقَامَ هنا يَقْتَضي تَقَدُّمَ الجمع على الواحدِ من حيث إنه مَقامُ تَخْويفٍ وتهويلٍ. و «وكان مِقْدارُه» صفةٌ ل «يومَ» ، والجملةُ مِنْ «تَعْرُجُ» مستأنفةٌ. قوله: ﴿فِي يَوْمٍ﴾ فيه وجهان، أظهرُهما: تَعلُّقُه ب «تُعْرُجُ» . والثاني: أنه يتعلَّقُ ب «دافعٌ» وعلى هذا فالجملةُ مِنْ قولِه «تَعْرُجُ الملائكةُ» معترضةٌ، والضميرُ في «إليه» الظاهرُ عَوْدُه على الله تعالى. قيل: يعودُ على المكانِ لدلالةِ الحالِ والسياقِ عليه. والضميرُ في «يَرَوْنه» و «نَراه» لليومِ إنْ أُريد به يومُ القيامة. وقيل: للعذاب.

стр. 9859

قوله: ﴿يَوْمَ تَكُونُ﴾ : فيه أوجهٌ، أحدُها: أَنَّه متعلِّقٌ ب «قريباً» ، وهذا إذا كان الضميرُ في «نراه» للعذاب ظاهرٌ. الثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ يَدُلُّ عليه «واقع» ، أي: يقعُ يومَ يكونُ. الثالث: [أن يتعلَّقَ] بمحذوفٍ مقدَّرٍ بعده، أي: يومَ يكونُ كان كيتَ وكيتَ. الرابع: أنه بدلٌ من الضميرِ في «نَراه» إذا كان عائداً على يومِ القيامة. الخامس: أنه بدلٌ مِنْ «في يومٍ» فيمَنْ عَلَّق ب «واقع» . قاله الزمخشريُّ. وإنما قال فيمَنْ عَلَّقَهُ ب «واقع» لأنه إذا عُلِّق ب «تَعْرُج» كما تقدَّم في أحدِ الوجَهْين استحال أَنْ يُبْدَلَ عنه هذا؛ لأنَّ عُروجَ الملائكةِ ليس هو في هذا اليومِ الذي تكونُ السماءُ فيه كالمُهْلِ والجِبالُ

стр. 9860

كالعِهْنِ، ويَشْتَغِلُ كلُّ حميمٍ عن حميمِه. قال الشيخ: «ولا يجوزُ هذا» يعني إبداله مِنْ «في يوم» . قال: «لأنَّ في يوم» وإنْ كان في موضعِ نصبٍ لا يُبْدَلُ منه منصوبٌ؛ لأنَّ مثلَ هذا ليس بزائدٍ ولا محكومٍ له بحكمِ الزائدِ ك «رُبَّ» ، وإنما يجوزُ مراعاةُ الموضعِ في حرفِ الجرِّ الزائدِ كقولِه: ٤٣٢٨ - أبَني لُبَيْنَى لَسْتُما بِيَدٍ ... إلاَّ يَداً ليسَتْ لها عَضُدُ وكذلك لا يجوزُ «مَرَرْتُ بزيدٍ الخياطَ» على موضع «بزيدٍ» ولا «مَرَرْتُ بزيدٍ وعمراً» ولا «غَضِبْتُ على زيد وجعفراً» ولا «مَرَرْتُ بعمروٍ أخاك» على مراعاةِ الموضع «. قلت: قد تقدَّم أنَّ قراءةَ ﴿وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٤] من هذا البابِ فيمَنْ نصبَ الأرجل فيكُنْ هذا مثلَه، وقد تقدَّم فلا نُعيده. ثم قال الشيخ:» فإنْ قلتَ: الحركةُ في «يومَ تكون» حركةُ بناءٍ لا حركةُ إعرابٍ فهو مجرورٌ مثلُ «في يومٍ» قلت: لا يجوزُ بِناؤُه على

стр. 9861

مذهبِ البَصْريين؛ لأنه أُضيفَ إلى مُعْرَبٍ، لكنه يجوزُ على مذهب الكوفيين، فيتمشَّى كلامُ الزمخشريِّ على مذهبِهم إنْ كان استَحْضَره وقَصَده «. انتهى. قولُه:» إنْ كان اسْتَحْضره «فيه تحامُلٌ على الرجلِ. وأيُّ كبيرِ أَمرٍ في هذا حتى لا يَسْتَحْضِرَ مثلَ هذا؟ والتبجُّحُ بمثلِ هذا لا يليق ببعضِ الطلبةِ، فإنها من الخلافِيَّاتِ المشهورة شُهْرَةَ: قِفا نَبْكِ. . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وتقدَّم الكلامُ على المُهْل في الدخان. وأمَّا العِهْنُ فقيل: الصوفُ مطلقاً. وقيل: بقَيْدِ كونِه أحمر. وقيل: بِقَيْدِ كونِه مَصْبوغاً. وقيل: بقَيْدِ كونِه مَصْبوغاً ألواناً، وهذا أَلْيَقُ بالتشبيه؛ لأنَّ الجبالَ متلوِّنةٌ، كما قال تعالى: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ [فاطر: ٢٧] .

стр. 9862

قوله: ﴿وَلاَ يَسْأَلُ حَمِيمٌ﴾ : قرأ العامَّةُ «يَسْأَلُ» مبنياً للفاعل. والمفعولُ الثاني محذوفٌ فقيل: تقديرُه لا يَسْألُه نَصْرَهُ ولا شفاعتَه لعِلْمِه أنَّ ذلك مفقودٌ. وقيل: لا يَسْأله شيئاً مِنْ حَمْل أَوْزارِه. وقيل: «حميماً» منصوبٌ على إسقاطِ الخافض، أي: عن حميمٍ لشُغْلِهِ عنه. وقرأ أبو جعفر وأبو حيوة وشيبةٌ وابنُ كثير في روايةٍ «يُسْأل»

стр. 9863

مبنياً للمفعول. فقيل: «حميماً» مفعولٌ ثانٍ، لا على إسقاطِ حرفٍ، والمعنى: لا يُسألُ إحضارَه. وقيل: بل هو على إسقاطِ «عن» ، أي: عن حميم.

стр. 9864

قوله: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ : عُدِّي بالتضعيفِ إلى ثانٍ وقام الأولُ مَقامَ الفاعلِ. وفي محلِّ هذه الجملةِ وجهان، / أحدُهما: أنَّها في موضعِ الصفةِ لحَميم. والثاني: أنها مستأنفةٌ. قال الزمخشري: «فإنْ قلتَ: ما موقعُ» يُبَصَّرُونْهم «؟ قلت: هو كلامٌ مستأنفٌ، كأنَّه لَمَّا قال: لا يَسْأل حَميمٌ حَميماً قيل: لعلَّه لا يُبَصَّرُه. فقيل: يُبَصَّرُونهم» . ثم قال: «ويجوزُ أَنْ يكونَ» يُبَصَّرُونهم «صفةً، أي: حميماً مُبَصَّرين مُعَرِّفين إياهم» انتهى. وإنما جُمِع الضميران في «يُبَصَّرُونهم» وهما للحميمَيْن حَمْلاً على معنى العموم لأنهما نكرتان في سياقِ نَفْي. وقرأ قتادةُ «يُبْصِرُونهم» مبنياً للفاعل مِنْ أَبْصَرَ، أي: يُبْصِرُ المؤمنُ الكافرَ في النار. وتقدَّمَتْ القراءةُ في «يومئذٍ» فتحاً وجَرَّاً في هود. والعامَّةُ على إضافة «عذاب» ل «يَوْمِئذ» ، وأبو حيوةَ بتنوينِ العذاب، ونَصْبِ «يَوْمئذٍ» على الظرف. وقال الشيخ هنا: «الجمهورُ بكسرِها، أي: ميم يومِئذ، والأعرج وأبو حيوة بفتحِها» انتهى. وقد تقدَّم أنَّ الفتح قراءةُ نافعٍ والكسائيِّ.

стр. 9865

قوله: ﴿وَفَصِيلَتِهِ﴾ : قال ثعلب: «الفَصيلةُ: الآباء الأَدْنَوْن» . وقال أبو عبيدة: «الفَخِذُ» . وقيل: عشيرتُه الأقربون. وقد تقدَّم ذِكْر ذلك عند قولِه: ﴿شُعُوباً وَقَبَآئِلَ﴾ [الحجرات: ١٣] . و «تُؤْويه» لم يُبْدِلْه السوسيُّ عن أبي عمروٍ قالوا: لأنَّه يُؤَدِّي إلى لفظٍ هو أثقلُ منه، والإِبدالُ للتخفيفِ. وقرأ الزُّهريُّ «تُؤْوِيْهُ» و «تُنْجِيْهُ» بضمِّ هاءِ الكنايةِ، وهو الأصلُ و «ثم يُنْجِيه» عطفٌ على «يَفْتدي» فهو داخِلٌ في حَيِّز «لو» وتقدَّمَ الكلامُ فيها: هل هي مصدريةٌ أم شرطيةٌ في الماضي؟ ومفعولُ «يَوَدُّ» محذوفٌ، أي: يَوَدُّ النجاةَ. وقيل: إنها هنا بمعنى «إنْ» ، وليس بشيءٍ. وفاعلُ «يُنْجِيه» : إمَّا ضميرُ الافتداءِ الدالُّ عليه «يَفْتدي» ، أو ضميرُ مَنْ تقدَّم ذِكْرُهم، وهو قولُه ﴿وَمَن فِي الأرض﴾ . و «مَنْ [في الأرض] » مجرورٌ عطفاً على «بنيه» وما بعدَه، أي: يَوَدُّ الافتداءَ ب ﴿مَن في الأرض﴾ أيضاً. و «جميعاً» إمَّا حالٌ، وإمَّا تأكيدٌ، ووُحِّد باعتبارِ اللفظِ. و «كَلاَّ» رَدْعٌ وزَجْرٌ عن اعتقادِ ذلك.

стр. 9866

قوله: ﴿إِنَّهَا لظى نَزَّاعَةً﴾ : في الضميرِ ثلاثةُ أوجُهٍ، أحدُها: أنه ضميرُ النار، وإنْ لم يَجْرِ لها ذِكْرٌ لدلالةِ لفظِ «عذاب» عليها. والثاني: أنه ضميرُ القصةِ. الثالث: أنه ضميرٌ مبهمٌ يُتَرْجِمُ عنه

стр. 9867

الخبرُ، قاله الزمخشري. وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا﴾ . فعلى الأولِ يجوزُ في ﴿لظى نَزَّاعَةً﴾ أوجهٌ: أَنْ يكونَ «لَظى» خبرَ «إنَّ» ، أي: إنَّ النارَ لَظى، و «نَزَّاعةٌ» خبرٌ ثانٍ، أو خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أي: هي نَزَّاعةٌ، أو يكونُ «لَظَى» بدلاً من الضميرِ المنصوبِ، و «نَزَّاعةٌ» خبرُ إنَّ، وعلى الثاني يكونُ «لَظى نَزَّاعةٌ» جملةً من مبتدأ وخبرٍ، في محلِّ الرفعِ خبراً ل «إنَّ» مفسِّرةً لضمير القصة، وكذا على الوجهِ الثالثِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ «نَزَّاعةٌ» صفةً ل «لَظى» إذا لم تجعَلْها عَلَماً؛ بل بمعنى اللَّهَبِ، وإنما أُنِّث النعتُ فقيل: «نَزَّاعةٌ» لأنَّ اللهَبَ بمعنى النار، قاله الزمخشريُّ وفيه نظرٌ لأنَّ «لظى» ممنوعةٌ من الصَّرْفِ اتفاقاً. قال الشيخ بعد حكايته الثالثَ عن الزمخشري: «ولا أدري ما هذا المضمرُ الذي تَرْجَمَ عنه الخبرُ؟ وليس هذا من المواضعِ التي يُفَسِّرُ فيها المفردُ الضميرَ، ولولا أنه ذَكَرَ بعد هذا» أو ضمير القصة «لَحَمَلْتُ كلامَه عليه» . قلت: متى جعله ضميراً مُبْهماً لَزِمَ أنَنْ يكونَ مفسَّراً بمفرد، وهو إمَّا «لظى» ، على أَنْ يكونَ «نزاعةٌ» خبرَ مبتدأ مضمرٍ، وإمَّا «نزاعةٌ» على أَنْ يكونَ «لظى» بدلاً من الضميرِ، وهذا أقربُ. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ «لظى نَزَّاعةٌ» مبتدأ وخبراً، والجملةُ خبرٌ ل «إنَّ» على أَنْ يكونَ الضميرُ مبهماً لئلا يَتَّحِدَ القولان، أعني هذا القولَ وقولَ إنها ضميرُ القصة، ولم يُعْهَدُ ضميرٌ مُفَسَّرٌ بجملةٍ إلاَّ ضميرُ الشأنِ والقصةِ.

стр. 9868

وقراءةُ الرفعِ في «نَزَّاعَةٌ» هي قراءةُ العامَّةِ. وقرأ حفص وأبو حيوة والزعفَرانيُّ واليزيديُّ وابنُ مقسم «نَزَّاعَةً» بالنصب. وفيها وجهان، أحدُهما: أَنْ ينتصبَ على الحالِ. وفي صاحبِها أوجهٌ، أحدُهما: أنه الضميرُ المُسْتَكِنُّ في «لَظَى» لأنَّها، وإنْ كانَتْ عَلَماً، فهي جارِيَةٌ مَجْرَى المشتقات كالحارثِ والعَبَّاس، وذلك لأنها بمعنى التَّلَظِّي «، وإذا عَمِلَ العَلَمُ الصريحُ والكُنْيَةُ في الظروف فلأَنْ يعملَ العَلَمُ الجاري مَجْرى المشتقاتِ في الأحوالِ أَوْلَى وأَحْرى. ومِنْ مجيء ذلك قولُه: ٤٣٣٠ - أنا أبو المِنْهالِ بعضَ الأَحْيانْ ... ضَمَّنه معنى» أنا المشهورُ في بعض الأحيان «. الثاني: أنه فاعلُ» تَدْعو «وقُدِّمَتْ حالُه عليه، أي: تدعو/ حالَ كونِها نَزَّاعةً. ويجوز أَنْ تكونَ هذه الحالُ مؤكِّدةً، لأنَّ «لظى» هذا شأنُها، وهو معروفٌ مِنْ أمرِها، وأَنْ تكونَ منتقِلَةً؛ لأنه أمرٌ توقيفيٌّ. الثالث: أنه محذوفٌ هو والعاملُ، تقديرُه: تتلَظَّى نَزَّاعَةً. ودَلَّ عليه «لَظَى» . الثاني من الوجهَيْن الأَوَّلَيْن: أنَّها منصوبةٌ على الاختصاصِ. وعَبَّر عنه الزمخشريُّ بالتَّهْويل، كما عَبَّر عن وجهِ رَفْعِها على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ، والتقدير: أعني نَزَّاعةً، وأخصُّها. وقد مَنَعَ المبِّردُ نصبَ «نَزَّاعة» قال: «لأنَّ الحالَ إنما يكونُ فيما يجوزُ أَنْ يكونَ وأَنْ لا يكونَ، و» لَظى «

стр. 9869

لا تكونُ إلاَّ نَزَّاعةً، قاله عند مكي، ورَدَّ عليه بقولِه تعالى: ﴿وَهُوَ الحق مُصَدِّقاً﴾ [البقرة: ٩١] ، ﴿وهذا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً﴾ [الأنعام: ١٢٦] قال:» فالحقُّ لا يكونُ إلاّ مصدِّقاً، وصراطُ ربِّكَ لا يكونُ إلاَّ مُسْتقيماً «. قلت: المبردُ بنى الأمرَ على الحالِ المبيِّنة، وليس ذلك بلازم؛ إذ قد وَرَدَتِ الحالُ مؤكِّدةً، كما أورده مكيٌّ وإنْ كان خلافَ الأصلِ. واللَّظى في الأصلِ: اللَّهَبُ. ونُقل عَلَماً لجهنمَ، ولذلك مُنِعَ من الصَّرْفِ. والشَّوَى: الأطرافُ جمع شَواة كنَوى ونَواة. وقيل: الشَّوى: الأعضاءُ التي ليسَتْ بمَقْتَل، ومنه: رماه فأَشْواه، أي: لم يُصِبْ مَقْتَلَه. وقيل: الشَّوى: جمعُ شَواة، وهي جِلْدَةُ الرأسِ، وأُنْشد للأعشى: ٤٣٣ - ١- قالت قُتَيْلَةُ مالَهُ ... قد جُلِّلَتْ شَيْباً شَواتُهْ وقيل: هو جِلْدُ الإِنسانِ. والشَّوى أيضاً: رُذالُ المالِ، والشيءُ اليسيرُ. و» تَدْعُو «يجوزُ أَنْ يكونَ خبراً لإِنَّ، أو خبراً لمبتدأ محذوفٍ، أو حالٌ من» لَظى «، أو مِنْ» نَزَّاعة «على القراءَتَيْن فيها؛ لأنها تتحمَّلُ ضميراً.

стр. 9870

قوله: ﴿هَلُوعاً﴾ : حالٌ مقدرةٌ. والهَلَعُ مُفَسَّر بما

стр. 9871

بعده، وهو قولُه: «إذا» و «إذا» قال ثعلب: «سألني محمد بنُ عبد الله ابن طاهر ما الهَلَعُ؟ فقلت: قد فسَّره اللهُ، ولا يكون أَبْيَنَ مِنْ تفسيرِه، وهو الذي إذا نالَه شرٌ أظهرَ شِدَّةَ الجَزَعِ، وإذا ناله خيرٌ بَخِلَ به ومَنَعَه الناس» انتهى. وأصلُه في اللغةِ على ما قال أبو عبيد أَشَدُّ الحِرْصِ وأسْوَأُ الجَزَع. وقيل: هو الفَزَعُ والاضطرابُ السريعُ عند مَسِّ المكروهِ، والمَنعُ السريعُ عند مَسِّ الخيرِ، مِنْ قولِهم: ناقةٌ هِلْواع، أي: سريعةُ السَّيْرِ.

стр. 9872

قوله: ﴿جَزُوعاً﴾ : و «مَنوعاً» فيهما ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنهما منصوبان على الحال من الضمير في «هلُوعا» وهو العاملُ فيهما، والتقدير: هَلُوعاً حالَ كونِه جَزُوعاً وقتَ مَسِّ الشرِّ، ومنوعاً وقتَ مسِّ الخيرِ. والظرفان معمولان لهاتَيْنِ الحالَيْنِ. وعَبَّر أبو البقاء عن هذا الوجهِ بعبارةٍ مُوْهِمَةٍ. وهو يريدُ ما ذكَرْتُه فقال: «جَزوعاً حالٌ أخرى، والعاملُ فيها هَلُوعا» . فقولُه: «أخرى» يُوهم أنها حالٌ ثانية وليسَتْ متداخِلَةً، لولا قولُه: «والعاملُ فيها هَلُوعا» . الثاني: أَنْ يكونا خبَرَيْن ل كان أو صار مضمرةً، أي: إذا مَسَّه الشرُّ كان أو صار جزوعا، وإذا مَسَّه الخيرُ كان أو صار منوعاً قاله مكي. وعلى هذا فإذا شرطيةٌ، وعلى الأولِ ظرفٌ مَحْضٌ، العاملُ فيه ما بعدَه، كما تقدَّم. الثالث: أنهما نعتٌ ل «هَلُوعا» قاله مكي. إلاَّ أنَّه

стр. 9873

قال: «وفيه بُعْدٌ؛ لأنك تَنْوي به التقديمَ قبل» إذا «انتهى. وهذا الاستبعادُ ليس بشيءٍ، فإنه غايةُ ما فيه تقديمُ الظرفِ على عاملِه، وإنما المحذورُ تقديمُ معمولِ النعتِ على المنعوتِ.

стр. 9874

قوله: ﴿إِلاَّ المصلين﴾ : استثناءٌ من «الإِنسان» إذ المرادُ به الجنسُ. ومثلُه: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ [العصر: ٢-٣] . وقرأ حفص: «بشهاداتِهم» جمعاً، اعتباراً بتعدُّدِ الأنواعِ. والباقون بالإِفرادِ، إذ المرادُ الجنسُ.

стр. 9875

قوله: ﴿عِزِينَ﴾ : حالٌ من «للذين كفروا» وقيل: حالٌ من الضمير في «مُهْطِعين» ، فتكون حالاً متداخلةً. و «عن اليمين» يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ ب «عِزين» لأنه بمعنى متفرِّقين، قاله أبو البقاء، وأَنْ يتعلَّقُ بمُهْطِعين، أي: مُسْرِعِين عن هاتَيْن الجهتَين، وأَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ، أي: كائنين عن اليمين، قاله أبو البقاء. وعِزِيْن جمعُ «عِزَة» والعِزَةُ: الجماعة، قال مكي: «وإنما جُمِع بالواوِ/ والنونِ لأنه مؤنثٌ لا يَعْقِلُ؛ لكونَ ذلك عِوَضاً مِمَّا حُذِفَ منه. قيل: إنَّ أصلَه
следующие страницы →