Полный текст (1 522 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَنْتُمْ غَيَّرْتُمْ حُكْمَ النَّصِّ بِالتَّعْلِيلِ فِي مَسَائِلَ: مِنْهَا أَنَّ نَصَّ الرِّبَا يَعُمُّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ»
ــ
[كشف الأسرار]
وَإِنْ زَادَ النَّفْيُ فِي الْحَقِيقَةِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبٌ» لَا بِالْقِيَاسِ إلَّا أَنَّ التَّغْيِيرَ كَمَا لَا يَجُوزُ بِالتَّعْلِيلِ لَا يَجُوزُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ مُعَارِضًا لِلْكِتَابِ كَالْقِيَاسِ فَأَوْرَدَهُ الشَّيْخُ فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ عَلَى سَبِيلِ اسْتِطْرَادٍ وَجَعَلَ الْفِسْقَ مُبْطِلًا لِلشَّهَادَةِ حَتَّى لَا يَنْعَقِدَ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ الْفُسَّاقِ وَلَوْ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ عِنْدَهُ اعْتِبَارًا بِالْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْوِلَايَةِ حَتَّى إنَّهُ لَمْ يَصْلُحْ لِلْقَضَاءِ بِوَجْهٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلَايَةُ تَزْوِيجِ بِنْتِهِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْفِسْقَ نَقْصٌ يُؤَثِّرُ فِي الشَّهَادَةِ فَيَمْنَعُ وِلَايَةَ الْإِنْكَاحِ كَالرِّقِّ وَهُوَ تَغْيِيرٌ لِحُكْمِ النَّصِّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ فِي حَقِّ الْفَاسِقِ التَّثَبُّتُ وَالتَّوَقُّفُ فِي خَبَرِهِ لَا الْإِبْطَالُ، وَبَعْدَمَا نُعَيَّنُ جِهَةَ الْبُطْلَانِ فِيهِ لَا يَبْقَى التَّوَقُّفُ فَحُكْمُ النَّصِّ بَعْدَ التَّعْلِيلِ لَا يَبْقَى عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ.
١ -
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأَمْثِلَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي هَذَا الْفَصْلِ لَيْسَتْ بِمُلَائِمَةٍ؛ لِأَنَّ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ تَغْيِيرَ حُكْمِ النَّصِّ الَّذِي فِي الْفَرْعِ لَا يُعْتَبَرُ حُكْمُ النَّصِّ الْمُعَلَّلِ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ فَإِنَّ فِي طَعَامِ الْكَفَّارَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُ النَّصِّ فِي الْمَقِيسِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْكِسْوَةُ وَفِي قَبُولِ شَهَادَةِ الْقَاذِفِ بَعْدَ التَّوْبَةِ لَمْ يَتَغَيَّرْ حُكْمُ الْمَقِيسِ عَلَيْهِ أَيْضًا.
وَكَذَا الْبَوَاقِي فَالنَّظِيرُ الْمُلَائِمُ مَا ذُكِرَ فِي كِتَابِ الْحَجِّ فِي بَابِ جَزَاءِ الصَّيْدِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَلْحَقَ السِّبَاعَ الَّتِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا بِالْخَمْسِ الْفَوَاسِقِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنْهَا ابْتِدَاءً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵇ إنَّمَا اسْتَثْنَى الْخَمْسَ؛ لِأَنَّ مِنْ طَبْعِهِنَّ الْإِيذَاءَ وَكُلُّ مَا يَكُونُ مِنْ طَبْعِهِ الْإِيذَاءُ كَانَ مُسْتَثْنًى مِنْ النَّصِّ بِمَنْزِلَةِ الْخَمْسِ وَقُلْنَا: هَذَا تَعْلِيلٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّا لَوْ جَعَلْنَا الِاسْتِثْنَاءَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْإِيذَاءِ خَرَجَ الْمُسْتَثْنَى مِنْ أَنْ يَكُونَ مَحْصُورًا بِعَدَدِ الْخَمْسِ فَكَانَ تَغَيُّرًا لِحُكْمِ النَّصِّ الْمُعَلَّلِ بِالتَّعْلِيلِ.
وَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْخِيَارِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ لِلنَّظَرِ، وَالنَّاسُ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْحَاجَةِ إلَى مُدَّةِ النَّظَرِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُفَوَّضًا إلَى رَأْيِهِمْ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: هَذَا تَعْلِيلٌ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالَ حُكْمِ النَّصِّ، وَهُوَ التَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَلَمْ يَكُنْ تَعْدِيَةً لِحُكْمِ النَّصِّ مَعَ أَنَّ هَذِهِ مُدَّةٌ تَامَّةٌ صَالِحَةٌ لِاسْتِيفَاءِ النَّظَرِ وَدَفْعِ الْمُعَيَّنِ، فَإِذَا زِيدَتْ الْمُدَّةُ ازْدَادَ الْخَطَرُ مَعَ قِلَّةِ الْحَاجَةِ إلَى النَّظَرِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بُيُوعِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَيْضًا أَنَّ عَبْدًا أَبَقَ فَقَالَ رَجُلٌ: إنَّ عَبْدَك قَدْ أَخَذَهُ فُلَانٌ فَبِعْنِيهِ وَصَدَّقَهُ فُلَانٌ فَبَاعَهُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الْآبِقِ، وَإِنْ كَانَ مُعَلَّلًا بِالْمُعْجِزِ عَنْ التَّسْلِيمِ إلَّا أَنَّا لَوْ جَوَّزْنَا بَيْعَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ لَكَانَ التَّعْلِيلُ مُبْطِلًا لِلنَّصِّ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعَبْدَ آبِقٌ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَالْحُكْمُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ لَا بِمَعْنَاهُ وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ تَعْلِيلَ حُرْمَةِ الرِّبَا فِي الْأَشْيَاءِ الْأَرْبَعَةِ بِالْقُوتِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ ﵀ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لِاقْتِضَائِهِ عَدَمَ الْحُكْمِ فِي الْمِلْحِ.
ثُمَّ ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ النُّقُوضَ الْوَارِدَةَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَعَ أَجْوِبَتِهَا فَقَالَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَنْتُمْ غَيَّرْتُمْ حُكْمَ النَّصِّ بِالتَّعْلِيلِ فِي مَسَائِلَ فَقَدْ وَقَعْتُمْ فِيمَا أَبَيْتُمْ مِنْهَا أَنَّ نَصَّ الرِّبَا يَعُمُّ الْقَلِيلَ وَالْكَثِيرَ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﵇ «لَا تَبِيعُوا الطَّعَامَ بِالطَّعَامِ» يَعْنِي هَذَا النَّصُّ لَا يَفْصِلُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ فَيُوجِبُ الْحُرْمَةَ فِي الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يُكَالُ كَمَا يُوجِبُهَا فِي الْكَثِيرِ الَّذِي يُكَالُ وَبَعْدَمَا عَلَّلْتُمُوهُ بِالْكَيْلِ وَالْجِنْسِ وَعَلَّقْتُمْ الْحُرْمَةَ بِصِفَةِ الْكَيْلِ لَمْ يَبْقَ النَّصُّ مُتَنَاوِلًا لِلْقَلِيلِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَكِيلٍ فَكَانَ تَغْيِيرًا
стр. 1052
فَخَصَّصْتُمْ مِنْهَا الْقَلِيلَ بِالتَّعْلِيلِ، وَالنَّصُّ أَوْجَبَ الشَّاةَ فِي الزَّكَاةِ بِصُورَتِهَا، وَمَعْنَاهُ فَأَبْطَلْتُمْ الْحَقَّ عَنْ صُورَتِهَا بِالتَّعْلِيلِ، وَالْحَقُّ الْمُسْتَحَقُّ مُرَاعًى بِصُورَتِهِ وَمَعْنَاهَا، كَمَا فِي حُقُوقِ النَّاسِ، وَأَوْجَبَ النَّصُّ الزَّكَاةَ لِلْأَصْنَافِ الْمُسَمَّيْنَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ [التوبة: ٦٠] وَقَدْ أَبْطَلْتُمُوهُ بِجَوَازِ الصَّرْفِ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ بِطَرِيقِ التَّعْلِيلِ، وَأَوْجَبَ الشَّرْعُ التَّكْبِيرَ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ وَعَيَّنَ الْمَاءَ لِغَسْلِ الْعَيْنِ النَّجَسِ، وَقَدْ أَبْطَلْتُمْ هَذِهِ الْوَاجِبَ بِالتَّعْلِيلِ
ــ
[كشف الأسرار]
لِمُوجَبِهِ بِالتَّعْلِيلِ لَا تَعْدِيَةً لِحُكْمِهِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَخَصَّصْتُمْ مِنْهَا أَيْ مِنْ الْحِنْطَةِ؛ إذْ الْمُرَادُ مِنْ الطَّعَامِ الْحِنْطَةُ، وَدَقِيقُهَا فِي الْعُرْفِ الْقَلِيلُ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَدْخُلْ فِي الْكَيْلِ بِالتَّعْلِيلِ وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِكُمْ: إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَكُونُ مِنْ جِنْسِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْمَكِيلَ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّسَاوِي هُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْكَيْلِ فَكَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ هُوَ الْمَكِيلَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ وَالْمُسْتَثْنَى الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ أَيْضًا فَكَانَ الْجِنْسُ وَاحِدًا إلَّا أَنَّهُ قِيلَ حَرَامٌ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إلَّا أَنْ يُوجَدَ الْمُخَلِّصُ، وَهُوَ التَّسَاوِي بِمِعْيَارِهِ فَكَانَ الْمُسْتَثْنَى بَيْعَ طَعَامٍ بِطَعَامٍ حَالَةَ التَّسَاوِي، وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بَيْعُ طَعَامٍ بِطَعَامٍ حَالَةَ عَدَمِ التَّسَاوِي لَا أَنْ يُقَالَ: الْمُسْتَثْنَى مَكِيلٌ، فَإِنَّ بَيْعَ الْمَكِيلِ مِنْهُ بِجِنْسِهَا حَرَامٌ كَذَلِكَ مَا لَمْ يَتَسَاوَيَا فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمُسْتَثْنَى بَيْعُ طَعَامٍ بِطَعَامٍ إذَا تَسَاوَيَا إلَّا أَنَّ التَّسَاوِيَ إنَّمَا يُعْرَفُ بِالْمِعْيَارِ لَا بِمَا سِوَاهُ مِنْ الْمِقْدَارِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ.
وَمِنْهَا أَنَّ النَّصَّ أَوْجَبَ الشَّاةَ فِي الزَّكَاةِ بِصُورَتِهَا وَمَعْنَاهَا لِلْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَوْجَبَ الصَّدَقَةَ لِلْفُقَرَاءِ مُجْمَلَةً، وَفَسَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ وَفِي أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» وَأَمْثَالُهُمَا فَصَارَ كَأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى قَالَ: إنَّمَا الشَّاةُ لِلْفَقِيرِ فَصَارَتْ الشَّاةُ مُسْتَحَقَّةً بِصُورَتِهَا وَمَعْنَاهَا لَهُ كَالدَّارِ الْمَشْفُوعَةِ لِلشَّفِيعِ وَأَنْتُمْ أَبْطَلْتُمْ أَيْ أَسْقَطْتُمْ الْحَقَّ عَنْ صُورَةِ الشَّاةِ بِالتَّعْلِيلِ بِالْمَالِيَّةِ وَهُوَ تَغْيِيرٌ لِمُوجِبِ النَّصِّ لَا تَعْدِيَةٌ لِحُكْمِهِ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ كَانَتْ هِيَ الْوَاجِبَةَ عَيْنًا قَبْلَ التَّعْلِيلِ بِحَيْثُ لَا يَسَعُهُ تَرْكُهَا إلَى غَيْرِهَا وَبَعْدَهُ، وَلَمْ تَبْقَ وَاجِبَةً؛ لِأَنَّهُ يَسَعُهُ تَرْكُهَا إلَى غَيْرِهِ، وَهُوَ الْقِيمَةُ فَكَانَ هَذَا مِثْلَ نَقْلِ حَقِّ الشَّفِيعِ مِنْ الدَّارِ إلَى الثَّوْبِ بِالتَّعْلِيلِ، وَمِثْلَ تَعْلِيلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِعِلَّةِ الْخُضُوعِ لِلتَّعْدِيَةِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ، وَهُوَ إقَامَةُ الْحَدِّ مَقَامَ الْجَبْهَةِ، أَوْ إقَامَةُ الرُّكُوعِ مَقَامَ السُّجُودِ وَالْحَقُّ الْمُسْتَحَقُّ مُرَاعًى بِصُورَتِهِ وَمَعْنَاهُ يَعْنِي قَدْ اسْتَحَقَّ الْفَقِيرُ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ الشَّاةَ بِالنَّصِّ، وَالْحَقُّ الْمُسْتَحَقُّ وَاجِبُ الرِّعَايَةِ صُورَةً وَمَعْنًى، كَمَا فِي سَائِرِ حُقُوقِ الْعِبَادِ، فَاسْتِعْمَالُ الْقِيَاسِ لِإِبْطَالِ الْحَقِّ عَنْ الصُّورَةِ أَوْ الْمَعْنَى كَانَ بَاطِلًا؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِتَعْدِيَةِ حُكْمِ الشَّرْعِ لَا لِنَقْلِ الْحَقِّ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ.
وَمِنْهَا أَنَّ النَّصَّ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ لِلْأَصْنَافِ الْمُسَمَّيْنَ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ بِقَوْلِهِ أَيْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَلَوْ قِيلَ: الشَّرْعُ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ إلَى آخِرِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ أُضِيفَتْ الصَّدَقَاتُ إلَيْهِمْ بِاللَّامِ، وَهِيَ لِلتَّمْلِيكِ لُغَةً فَكَانَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ لِلْقِسْمَةِ بِأَنْ جَعَلَهَا حَقًّا لَهُمْ، وَجَعَلَهُمْ مُسْتَحَقِّينَ لِلتَّمَلُّكِ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ وَلِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ كَانَ الثُّلُثُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﵇ «إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمْ يَرْضَ لِقِسْمَةِ الصَّدَقَاتِ بِمَلَكٍ مُقَرَّبٍ وَلَا نَبِيٍّ مُرْسَلٍ حَتَّى قَسَمَ بِنَفْسِهِ فَوْقَ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ» فَبَيَّنَ أَنَّ الْإِضَافَةَ لِلْقِسْمَةِ بَيْنَهُمْ ثُبُوتًا أَيْ الْحَقُّ الْوَاجِبُ مَقْسُومًا بَيْنَهُمْ وُجُوبًا لَا يَخْتَصُّ بِهِ صِنْفٌ مِنْهُمْ فَثَبَتَ أَنَّ حُكْمَ النَّصِّ جَعَلَهَا مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ، وَأَنْتُمْ أَبْطَلْتُمْ الشَّرِكَةَ، وَحَقَّ سَائِرِ الْأَصْنَافِ بِتَجْوِيزِ الصَّرْفِ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ بَلْ إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ بِالتَّعْلِيلِ، وَأَنَّهُ خِلَافُ مُوجِبِ النَّصِّ لَا تَعْدِيَةً لِحُكْمِهِ، وَمِنْهَا أَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ التَّكْبِيرَ لِافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] وَقَوْلِهِ ﵇ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا
стр. 1053
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا وَهَمٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْمَخْصُوصَ إنَّمَا ثَبَتَ بِصِيغَةِ النَّصِّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى وَفْقِ الْمُسْتَثْنَى فِيمَا اسْتَثْنَى مِنْ النَّفْيِ كَمَا قَالَ فِي الْجَامِعِ إنْ كَانَ فِي الدَّارِ إلَّا زَيْدٌ فَعَبْدِي حُرٌّ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بَنُو آدَمَ وَلَوْ قَالَ: إلَّا حِمَارٌ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْحَيَوَانَ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَثْنَى حَيَوَانٌ، وَلَوْ قَالَ: إلَّا مَتَاعٌ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ وَهُنَا اسْتَثْنَى الْحَالَ بِقَوْلِهِ ﵇ «إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» وَاسْتِثْنَاءُ الْحَالِ مِنْ الْأَعْيَانِ بَاطِلٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ عُمُومُ صَدْرِهِ فِي الْأَحْوَالِ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ، وَهُوَ حَالُ التَّسَاوِي وَالتَّفَاضُلِ وَالْمُجَازَفَةِ ثُمَّ اسْتَثْنَى مِنْهُ حَالَ التَّسَاوِي، وَلَنْ يَثْبُتَ اخْتِلَافُ الْأَحْوَالِ إلَّا فِي الْكَثِيرِ فَصَارَ التَّغْيِيرُ بِالنَّصِّ مُصَاحَبًا بِالتَّعْلِيلِ لَا بِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
التَّكْبِيرُ» ، «وَقَوْلُهُ ﵇ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي عَلَّمَهُ الصَّلَاةَ إذَا أَرَدْت الصَّلَاةَ فَتَطَهَّرْ كَمَا أَمَرَك اللَّهُ - تَعَالَى، ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ ثُمَّ قُلْ: اللَّهُ أَكْبَرُ» وَأَنْتُمْ بِالتَّعْلِيلِ بِالثَّنَاءِ وَذِكْرِ اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ غَيَّرْتُمْ هَذَا الْحُكْمَ فِي الْمَنْصُوصِ حَيْثُ جَوَّزْتُمْ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ لَفْظِ التَّكْبِيرِ مِثْلَ قَوْلِهِ: اللَّهُ أَجَلُّ أَوْ الرَّحْمَنُ أَعْظَمُ.
وَمِنْهَا أَنَّ الشَّرْعَ عَيَّنَ الْمَاءَ لِغَسْلِ الثَّوْبِ النَّجَسِ بِقَوْلِهِ ﵇ لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ ثُمَّ اغْسِلِيهِ بِالْمَاءِ وَقَدْ غَيَّرْتُمْ - بِالتَّعْلِيلِ بِكَوْنِهِ مُزِيلًا لِلْعَيْنِ وَالْأَثَرِ - هَذَا الْحُكْمَ حَيْثُ جَوَّزْتُمْ تَطْهِيرَ الثَّوْبِ النَّجَسِ بِاسْتِعْمَالِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ سِوَى الْمَاءِ مِثْلَ الْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ وَنَحْوِهِمَا.
١ -
قَوْلُهُ: (وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا) أَيْ مَا زَعَمْتَ أَنَّا غَيَّرْنَا النَّصَّ بِالتَّعْلِيلِ وَهْمٌ أَيْ شَيْءٌ ذَهَبَ إلَيْهِ قَلْبُك مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ أَمَّا الْأَوَّلُ، وَهُوَ نَصُّ الرِّبَا فَلِأَنَّ الْخُصُوصَ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيهِ بِصِيغَةِ النَّصِّ لَا بِالتَّعْلِيلِ وَذَلِكَ أَيْ ثُبُوتُ الْخُصُوصِ بِالصِّيغَةِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ يَعْنِي إذَا لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى وَفْقِ الْمُسْتَثْنَى مِنْ النَّفْيِ أَيْ الْمَنْفِيِّ؛ لِأَنَّ حَذْفَ الْمُسْتَثْنَى فِي النَّفْيِ جَائِزٌ بِعِلَّةِ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى يَدُلُّ عَلَى الْمَحْذُوفِ، وَإِذَا صَحَّ حَذْفُهُ وَجَبَ إثْبَاتُهُ عَلَى وَفْقِ الْمُسْتَثْنَى تَحْقِيقًا لِلِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْجِنْسِ مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةُ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِالنَّفْيِ؛ لِأَنَّ حَذْفَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فِي الْإِثْبَاتِ لَا يَجُوزُ لَا تَقُولُ: جَاءَنِي إلَّا زَيْدًا؛ لِأَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ كَمَا قُدِّرَ فِي النَّفْيِ يَكُونُ اسْتِثْنَاءُ الْوَاحِدِ مِنْ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي الْإِثْبَاتِ تَخُصُّ وَهُوَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ بِخِلَافِ النَّفْيِ؛ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِيهِ تَعُمُّ فَيَكُونُ اسْتِثْنَاءُ الْوَاحِدِ مِنْ الْعَامِّ وَلَوْ أَضْمَرَ فِيهِ الْقَوْمَ حَتَّى صَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: جَاءَنِي الْقَوْمُ إلَّا زَيْدًا لَا يَصِحُّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْقَوْمَ مَجْهُولَةٌ وَلَوْ قُدِّرَ فِيهِ أَعَمُّ الْعَامِّ وَهُوَ جَمِيعُ النَّاسِ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَجِيءَ جَمِيعِ النَّاسِ عِنْدَهُ سِوَى زَيْدٍ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فَثَبَتَ أَنَّ حَذْفَهُ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي النَّفْيِ كَمَا قَالَ أَيْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ: إنْ كَانَ فِي الدَّارِ إلَّا زَيْدٌ فَعَبْدِي حُرٌّ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بَنِي آدَمَ أَيْ إنْ كَانَ فِي الدَّارِ أَحَدٌ مِنْ آدَمَ فَكَذَا حَتَّى لَوْ كَانَ فِيهَا صَبِيٌّ أَوْ امْرَأَةٌ يَحْنَثُ وَلَوْ كَانَ فِيهَا دَابَّةٌ، أَوْ مَتَاعٌ لَا يَحْنَثُ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ أَوْ الْعَرَضَ لَا يُجَانِسُ الْمُسْتَثْنَى فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْيَمِينِ.
وَلَوْ قَالَ إلَّا حِمَارٌ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ الْحَيَوَانَ أَيْ الْحَيَوَانَ الَّذِي يُقْصَدُ بِالسُّكْنَى حَتَّى لَوْ كَانَ فِيهَا إنْسَانٌ أَوْ شَاةٌ حَنِثَ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا مَتَاعٌ لَمْ يَحْنَثْ وَلَوْ قَالَ: إلَّا مَتَاعٌ أَيْ ثَوْبٌ فَإِنَّ الْمَتَاعَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يُتَمَتَّعُ بِهِ، وَفِي الْعُرْفِ صَارَ عِبَارَةً عَنْ الثَّوْبِ كَذَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي، وَصَرَّحَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بِذِكْرِ لَفْظِ الثَّوْبِ فَقَالَ: وَلَوْ كَانَ قَالَ: إلَّا ثَوْبٌ، وَهَكَذَا فِي الْجَامِعِ أَيْضًا كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْ كُلَّ شَيْءٍ يُقْصَدُ بِالسُّكْنَى وَالْإِمْسَاكِ فِي الدُّورِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِيهَا إنْسَانٌ أَوْ دَابَّةٌ أَوْ شَيْءٌ سِوَى الثَّوْبِ مِمَّا يُقْصَدُ بِالْإِمْسَاكِ فِي الدُّورِ يَحْنَثُ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ سَوَاكِنِ الْبُيُوتِ مِثْلُ الْفَأْرَةِ وَالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ لَا يَحْنَثُ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ كُلَّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ الْحَالِفَ لَمْ يَقْصِدْ نَفْيَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِيَمِينِهِ عَنْ الدَّارِ فَيَثْبُتُ أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا يَقْدِرُ عَلَى وَفْقِ الْمُسْتَثْنَى.
وَهَا هُنَا اسْتَثْنَى الْحَالَ بِقَوْلِهِ إلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ إذْ الْمُرَادُ مِنْهُ حَالَ تَسَاوِيهِمَا فِي الْكَيْلِ، وَالْمَذْكُورُ فِي صَدْرِ الْكَلَامِ هُوَ الْعَيْنُ وَاسْتِثْنَاءُ الْحَالِ مِنْ الْأَعْيَانِ بَاطِلٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ بِأَنْ يَجْعَلَ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعًا وَلَكِنَّ الْمَجَازَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَدَلَّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ
стр. 1054
وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَلَيْسَ فِيهَا حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْفَقِيرِ يَتَغَيَّرُ بِالنَّصِّ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ فَلَا تَجِبُ لِلْعِبَادِ بِوَجْهٍ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا سَقَطَ حَقُّهُ فِي الصُّورَةِ بِإِذْنِهِ بِالنَّصِّ لَا بِالتَّعْلِيلِ؛ لِأَنَّهُ وَعَدَ أَرْزَاقَ الْفُقَرَاءِ ثُمَّ أَوْجَبَ مَالًا مُسَمًّى عَلَى الْأَغْنِيَاءِ لِنَفْسِهِ ثُمَّ أَمَرَ بِإِنْجَازِ الْمَوَاعِيدِ مِنْ ذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُهُ مَعَ اخْتِلَافِ الْمَوَاعِيدِ إلَّا بِالِاسْتِبْدَالِ
ــ
[كشف الأسرار]
لَمْ يَقَعْ عَمَّا تَنَاوَلَهُ ظَاهِرُ اللَّفْظِ؛ إذْ لَوْ كَانَ الِاسْتِثْنَاءُ عَنْهُ لَقِيلَ إلَّا الْحِنْطَةَ أَوْ الشَّعِيرَ أَوْ التُّفَّاحَ أَوْ نَحْوَهَا بَلْ عَمَلٌ يَضْمَنُ اللَّفْظَ مِنْ أَحْوَالِ الْبَيْعِ فَوَجَبَ أَنْ يُثْبِتَ عُمُومَ صَدْرِهِ أَيْ صَدْرِ الْكَلَامِ بِهَذِهِ الدَّلَالَةِ أَيْ بِدَلَالَةِ اسْتِثْنَاءِ الْحَالِ كَمَا فِي قَوْلِك: مَا أَتَانِي زَيْدٌ إلَّا رَاكِبًا أَيْ مَا أَتَانِي فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِ إلَّا عَلَى حَالَةِ الرُّكُوبِ وَكَمَا فِي التَّنْزِيلِ ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلا وَهُمْ كُسَالَى﴾ [التوبة: ٥٤] أَيْ لَا يَأْتُونَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ إلَّا فِي حَالَةِ الْكَسَلِ ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أَيْ لَا تَدْخُلُوهَا فِي الْأَحْوَالِ إلَّا حَالَةَ الْإِذْنِ وَهُوَ أَيْ عُمُومُ الْأَحْوَالِ حَالَ التَّسَاوِي وَالتَّفَاضُلِ وَالْمُجَازَفَةِ؛ إذْ لَا حَالَةَ لِبَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ سِوَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
وَلَنْ يَثْبُتَ هَذِهِ الْأَحْوَالُ الْمُخْتَلِفَةُ إلَّا فِي الْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ التَّسَاوِي هُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْكَيْلِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالتَّفَاضُلُ عِبَارَةٌ عَنْ فَضْلٍ عَلَى أَحَدِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ كَيْلًا، وَالْمُجَازَفَةُ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالْمُسَاوَاةِ وَالْمُفَاضَلَةِ فَكَانَ آخِرُ هَذَا الْكَلَامِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْقَلِيلَ فَصَارَ التَّغْيِيرُ بِالنَّصِّ أَيْ حَاصِلًا بِالنَّصِّ يَعْنِي حَصَلَ تَغْيِيرُ أَوَّلِ الْكَلَامِ عَنْ الْعُمُومِ إلَى الْخُصُوصِ بِالنَّصِّ أَيْ بِدَلَالَتِهِ مُصَاحِبًا لِلتَّعْلِيلِ أَيْ مُوَافِقًا لَهُ وَهُوَ مُنْتَصِبٌ عَلَى الْحَالِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَبَرَ صَارَ، وَالتَّقْدِيرُ فَصَارَ التَّغْيِيرُ الْحَاصِلُ بِالنَّصِّ مُصَاحِبًا، أَوْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ يَعْنِي تَعْلِيلُنَا بِالْكُلِّيَّةِ وَافَقَ التَّغْيِيرَ الَّذِي حَصَلَ بِدَلَالَةِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي هَذَا النَّصِّ فَإِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ لَيْسَ بِمُرَادٍ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ وَتَعْلِيلُنَا بِالْكَيْلِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَلِيلَ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلرِّبَا فَتَوَافَقَا أَنَّ التَّغْيِيرَ حَصَلَ بِالتَّعْلِيلِ عَلَى مَا زَعَمْت وَبَاقِي الْكَلَامِ مَذْكُورٌ فِي فَصْلِ الِاسْتِثْنَاءِ.
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا الزَّكَاةُ فَلَيْسَ فِيهَا حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْفَقِيرِ يَتَغَيَّرُ بِالتَّعْلِيلِ) أَيْ مَا أَبْطَلْنَا بِالتَّعْلِيلِ حَقًّا مُسْتَحَقًّا لِلْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَيْسَتْ بِحَقٍّ لِلْفَقِيرِ وَاعْلَمْ أَنَّ لِمَشَايِخِنَا فِي جَوَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طَرِيقَيْنِ أَحَدَهُمَا أَنَّا مَا أَبْطَلْنَا الْحَقَّ الْمُسْتَحَقَّ عَنْ عَيْنِ الشَّاةِ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْفَقِيرِ فِي صُورَةِ الشَّاةِ، وَإِنَّمَا حَقُّهُ فِي مَالِيَّتِهَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵇ جَعَلَ الْإِبِلَ ظَرْفًا لِلشَّاةِ بِقَوْلِهِ «فِي خَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ شَاةٌ» وَعَيْنُهَا لَا تُوجَدُ فِي الْإِبِلِ وَإِنَّمَا يُوجَدُ فِيهَا مَالِيَّةُ الشَّاةِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ أَرَادَ بِالشَّاةِ مَالِيَّتَهَا إلَّا أَنَّ الْمَالِيَّةَ بَعْضُ الشَّاةِ فَكُنِّيَ بِذِكْرِ الْكُلِّ عَنْ الْبَعْضِ فَلَمْ يَكُنْ فِي تَعْلِيلِنَا إبْطَالُ حَقِّ الْفَقِيرِ عَنْ صُورَةِ الشَّاةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَدَّى وَاحِدًا مِنْهَا جَازَ بِالْإِجْمَاعِ.
وَلَوْ كَانَ حَقُّهُ مُتَعَلِّقًا بِالصُّورَةِ لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ كَمَا لَوْ أَدَّى عَنْ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ خَمْسَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَصْلِ الْخَصْمِ وَالثَّانِي وَإِلَيْهِ مَالَ الشَّيْخُ وَأَكْثَرُ الْمُحِقِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْفَقِيرِ فِي الزَّكَاةِ يَتَغَيَّرُ بِالتَّعْلِيلِ؛ إذْ لَوْ كَانَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ لَمَا حَلَّ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَاةِ لِتِجَارَةٍ بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَلَمَا حَلَّ أَكْلُ طَعَامٍ وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ قَبْلَ أَدَائِهَا، وَلَمَا جَازَ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ فِي مَالِ الزَّكَاةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا بِدُونِ إذْنِ الْإِمَامِ بَلْ الزَّكَاةُ عِبَادَةٌ خَالِصَةٌ أَصْلِيَّةٌ مِنْ أَرْكَانِ الدَّيْنِ شُرِعَتْ شُكْرًا عَلَى نِعْمَةِ الْمَالِ كَالصَّلَاةِ شُرِعَتْ شُكْرًا عَلَى نِعْمَةِ الْبُدُونِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ» الْحَدِيثَ؛ وَلِهَذَا لَا يَتَأَدَّى بِدُونِ النِّيَّةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ لِلْعِبَادِ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الِاشْتِرَاكِ، وَهُوَ يَنْفِي مَعْنَى الْعِبَادَةِ بَلْ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ هُوَ اللَّهُ - تَعَالَى - لَا غَيْرُ فَيَثْبُتُ أَنَّ الْوَاجِبَ لِلَّهِ - تَعَالَى - عَلَى الْخُلُوصِ ثُمَّ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ بِالتَّعْلِيلِ كَحَقِّ الْعِبَادِ إلَّا أَنَّ حَقَّهُ هَا هُنَا
стр. 1055
كَالسُّلْطَانِ يُجِيزُ لِأَوْلِيَائِهِ بِمَوَاعِيدَ كَتَبَهَا بِأَسْمَائِهِمْ ثُمَّ أَمَرَ بَعْضَ وُكَلَائِهِ بِأَنْ يُنْجِزَهَا مِنْ مَالٍ بِعَيْنِهِ كَانَ إذْنًا بِالِاسْتِبْدَالِ فَصَارَ تَغْيِيرًا مُجَامِعًا لِلتَّعْلِيلِ بِالنَّصِّ لَا بِالتَّعْلِيلِ، وَإِنَّمَا التَّعْلِيلُ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ كَوْنُ الشَّاةِ صَالِحَةً لِلتَّسْلِيمِ إلَى الْفَقِيرِ وَهَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ
ــ
[كشف الأسرار]
سَقَطَ عَنْ الصُّورَةِ بِإِذْنِهِ الثَّابِتِ بِمُقْتَضَى النَّصِّ لَا بِالتَّعْلِيلِ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ - تَعَالَى - وَعَدَ إرْزَاقَ الْعِبَادِ بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] وَأَوْجَبَ لِنَفْسِهِ حَقًّا فِي مَالِ الْأَغْنِيَاءِ بِالنُّصُوصِ الْمُوجِبَةِ لِلزَّكَاةِ ثُمَّ أَمَرَ الْأَغْنِيَاءَ بِصَرْفِ هَذَا الْحَقِّ الْوَاجِبِ لَهُ عَلَيْهِمْ فِي الْفُقَرَاءِ إيفَاءً لِلرِّزْقِ الْمَوْعُودِ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ: أُمِرْنَا بِإِنْجَازِ الْمَوَاعِيدِ مِنْ ذَلِكَ الْمُسَمَّى، وَحَقُّ الْفُقَرَاءِ فِي مُطْلَقِ الْمَالِ لَا فِي مَالٍ مُعَيَّنٍ؛ لِأَنَّ حَوَائِجَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ كَثِيرَةٌ لَا تَنْدَفِعُ إلَّا بِمُطْلَقِ الْمَالِ فَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - الْأَغْنِيَاءَ بِالصَّرْفِ إلَى الْفُقَرَاءِ مَعَ أَنَّ حَقَّهُمْ فِي مُطْلَقِ الْمَالِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إذْنِهِ بِاسْتِبْدَالِ حَقِّهِ ضَرُورَةً كَالسُّلْطَانِ يُجِيزُ أَيْ يُعْطَى مِنْ الْجَائِزَةِ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ الرَّاتِبَةُ بِجَوَائِزَ مُخْتَلِفَةٍ ثُمَّ أَمَرَ بَعْضَ وُكَلَائِهِ بِأَنْ يُنَجِّزَ تِلْكَ الْمَوَاعِيدَ مِنْ مَالٍ مُعَيَّنٍ لَهُ فِي يَدِهِ يَكُونُ إذْنًا بِاسْتِبْدَالِ هَذَا الْمَالِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي فِي يَدِ هَذَا الْمَأْمُورِ ضَرُورَةً وَكَمَنْ أَوْدَعَ عَيْنًا عِنْدَ آخَرَ أَمَرَهُ بِقَضَاءِ الدُّيُونِ عَنْهَا يَصِيرُ ذَلِكَ أَمْرًا بِالْبَيْعِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ عَنْ ثَمَنِهَا فَكَذَلِكَ هَا هُنَا فَتَبَيَّنَ أَنَّ سُقُوطَ الْحَقِّ عَنْ صُورَةِ الشَّاةِ ثَبَتَ ضَرُورَةَ الْأَمْرِ بِالصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ وَالثَّابِتُ بِضَرُورَةِ النَّصِّ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ فَإِنْ قِيلَ: فِيمَا ذَكَرْت مِنْ الْمِثَالِ الِاسْتِبْدَالُ ضَرُورِيٌّ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ إنْجَازُ الْمَوَاعِيدِ الْمُخْتَلِفَةِ مِنْ الْمَالِ الْمُعَيَّنِ، وَلَا قَضَاءُ الدَّيْنِ مِنْ الْعَيْنِ، فَأَمَّا هَا هُنَا فَلَا ضَرُورَةَ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ إيفَاءُ الرِّزْقِ الْمَوْعُودِ مِنْ عَيْنِ الشَّاةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ أَدَّاهَا يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّغْيِيرِ وَإِقَامَةِ الْغَيْرِ مَقَامَهَا
قُلْنَا: إنَّمَا نَتَكَلَّمُ فِيمَا إذَا أَدَّى عَيْنَ الشَّاةِ لَا فِيمَا إذَا أَدَّى قِيمَتَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ دَرَجَةٌ أُخْرَى فَيَقُولُ: إذَا أَدَّى عَيْنَ الشَّاةِ أَيَصِيرُ الْفَقِيرُ قَابِضًا حَقَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَالٌ، وَإِنَّ قِيمَتَهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَثَلًا أَوْ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَالٌ مُقَيَّدٌ مُسَمًّى بِأَنَّهَا شَاةٌ أَوْ لَحْمٌ وَلَا إشْكَالَ أَنَّهُ يَقْبِضُهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَالٌ مُتَقَوِّمٌ مُطْلَقٌ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَوْعُودُ وَقَبْضُ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - يَحْصُلُ مُقْتَضَى قَبْضِ حَقِّ نَفْسِهِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَقْبِضُ اللَّهُ - تَعَالَى مَا يَصِيرُ قَابِضًا إيَّاهُ لِنَفْسِهِ بِدَوَامِ الْيَدِ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ الْفَقِيرُ قَابِضًا مَالًا مُقَيَّدًا؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ غَيْرُ الْمُقَيَّدِ فَتَحَقَّقَتْ الْحَاجَةُ إلَى إبْطَالِ قَيْدِ الشَّاةِ، وَيَصِيرُ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - مُطْلَقًا لِيُمْكِنَهُ قَبْضُهُ حَقًّا لِنَفْسِهِ؛ إذْ الْأَصْلُ فِي كُلِّ حَقَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ يَتَأَدَّيَانِ بِقَبْضٍ وَاحِدٍ أَنْ يَجْعَلَ الْحَقَّ الْأَوَّلَ عَلَى وَصْفِ الْحَقِّ الثَّانِي لِيَتَأَدَّى الْأَوَّلُ بِقَبْضِ صَاحِبِ الثَّانِي حَقَّهُ كَرَجُلٍ لَهُ عَلَى آخَرَ كُرُّ حِنْطَةٍ، وَعَلَيْهِ مِائَةُ دِرْهَمٍ لِآخَرَ فَقَالَ لِلَّذِي عَلَيْهِ الْحِنْطَةُ: أَدِّ الدَّرَاهِمَ الَّتِي عَلَيَّ بِمَالِي عِنْدَك مِنْ الْحِنْطَةِ فَأَدَّى الدَّرَاهِمَ إلَى صَاحِبِهَا كَانَ صَاحِبُ الدَّرَاهِمِ قَابِضًا حَقَّ نَفْسِهِ، وَانْتَقَلَ حَقُّ صَاحِبِ الْحِنْطَةِ عَنْهَا إلَى الدَّرَاهِمِ فِي ضِمْنِ الْأَدَاءِ لِيُمْكِنَ جَعْلُهُ قَابِضًا لِلدَّرَاهِمِ بِقَبْضِ صَاحِبِ الدَّرَاهِمِ، فَإِنَّ قَبْضَهُ يَتَضَمَّنُ قَبْضَ صَاحِبِ الْحِنْطَةِ حَقَّ نَفْسِهِ إلَّا أَنَّ الْفَرْقَ أَنَّ هُنَاكَ يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِبْدَالِ بِمَالٍ آخَرَ، وَهَا هُنَا يَحْتَاجُ إلَى إبْطَالِ الْقَيْدِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ عِنْدَ أَدَاءِ الشَّاةِ يَصِيرُ مُؤَدِّيًا حَقَّ اللَّهِ - تَعَالَى - بِمَالِيَّتِهَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا شَاةٌ كَانَتْ الشَّاةُ وَغَيْرُهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءً فَإِذَا أَدَّى يَجُوزُ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ، كَذَا فِي الطَّرِيقَةِ الْبَرْغَرِيَّةِ فَصَارَ التَّغْيِيرُ مُجَامِعًا لِلتَّعْلِيلِ بِالنَّصِّ أَيْ اجْتَمَعَ التَّغْيِيرُ بِالنَّصِّ، وَالتَّعْلِيلُ وَاقْتَرَنَا لَا أَنَّ التَّغْيِيرَ حَصَلَ بِالتَّعْلِيلِ.
وَإِنَّمَا التَّعْلِيلُ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَمَّا حَصَلَ التَّغْيِيرُ وَجَوَازُ اسْتِبْدَالٍ بِالنَّصِّ لَا فَائِدَةَ فِي التَّعْلِيلِ بَعْدُ؛ إذْ فَائِدَتُهُ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ إلَى مَحَلٍّ لَا نَصَّ فِيهِ وَلَمْ يُوجَدْ هَا هُنَا فَأَجَابَ بِأَنَّ جَوَازَ الِاسْتِبْدَالِ ثَبَتَ مُطْلَقًا فَيَتَنَاوَلُ الِاسْتِبْدَالَ
стр. 1056
فَبَيَانُهُ أَنَّ الشَّاةَ يَقَعُ لِلَّهِ - تَعَالَى - بِابْتِدَاءِ قَبْضِ الْفَقِيرِ قُرْبَةً مُطَهَّرَةً فَتَصِيرُ مِنْ الْأَوْسَاخِ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ قَالَ النَّبِيُّ ﵇ «يَا بَنِي هَاشِمٍ إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - كَرِهَ لَكُمْ أَوْسَاخَ النَّاسِ وَعَوَّضَكُمْ مِنْهَا بِخُمُسِ الْخُمُسِ» وَقَدْ كَانَتْ النَّارُ تَنْزِلُ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ فَتُحْرِقُ الْمُتَقَبَّلَ مِنْ الصَّدَقَاتِ، وَأُحِلَّتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ خَبَثُهَا بِشَرْطِ الْحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ كَمَا تَحِلُّ الْمَيْتَةُ بِالضَّرُورَةِ وَحُرِّمَتْ عَلَى الْغَنِيِّ فَصَارَ صَلَاحُ الصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ بَعْدَ الْوُقُوعِ لِلَّهِ - تَعَالَى - بِابْتِدَاءِ الْيَدِ لِيَصِيرَ مَصْرُوفًا إلَى الْفَقِيرِ بِدَوَامِ يَدِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا فِي الشَّاةِ فَعَلَّلْنَاهُ بِالتَّقْوِيمِ وَعَدَّيْنَاهُ إلَى سَائِرِ الْأَمْوَالِ عَلَى مُوَافَقَةِ سَائِرِ الْعِلَلِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِمَا يَصْلُحُ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ، وَمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ فَالتَّعْلِيلُ لِبَيَانِ أَنَّ الِاسْتِبْدَالَ إنَّمَا يَجُوزُ بِمَا يَصْلُحُ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ مِنْ الْأَمْوَالِ إلَّا بِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ لَوْ أَسْكَنَ الْفَقِيرَ دَارِهِ مُدَّةً بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ لَا يَجُوزُ عَنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَا يَصْلُحُ بَدَلًا عَنْ الْعَيْنِ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ الْعَيْنَ خَيْرٌ مِنْ الْمَنْفَعَةِ عَلَى مَا عُرِفَ أَوْ هُوَ رَدٌّ لِكَلَامِ الْخَصْمِ فَإِنَّهُ لَمَّا زَعَمَ أَنَّ تَعْلِيلَنَا وَقَعَ لِإِبْطَالِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ لِلْفَقِيرِ لَا لِتَعْدِيَةِ حُكْمٍ شَرَعَ إلَى مَوْضِعٍ لَا نَصَّ فِيهِ بَيَّنَ أَوَّلًا أَنَّهُ لَا حَقَّ لِلْفَقِيرِ، وَأَنَّ التَّغْيِيرَ إنْ حَصَلَ حَصَلَ بِمُقْتَضَى النَّصِّ وَبَيَّنَ ثَانِيًا أَنَّ التَّعْلِيلَ لَمْ يَقَعْ إلَّا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَإِنَّ لِهَذَا النَّصِّ حُكْمَيْنِ وُجُوبَ الشَّاةِ وَصَلَاحِيَةَ الشَّاةِ لِكِفَايَةِ حَقِّ الْفَقِيرِ فَنَحْنُ نُعَلِّلُ صَلَاحِيَةَ الشَّاةِ وَنُبَيِّنُ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ صَارَتْ الشَّاةُ صَالِحَةً كِفَايَةَ حَقِّ الْفَقِيرِ لِتَعَدِّيهَا بِهِ إلَى مَا لَا نَصَّ فِيهِ.
وَبَيَانُهُ أَيْ بَيَانُ أَنَّ كَوْنَ الشَّاةِ صَالِحَةً لِلتَّسْلِيمِ إلَى الْفَقِيرِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أَنَّ الشَّاةَ يَقَعُ لِلَّهِ - تَعَالَى - بِابْتِدَاءِ قَبْضِ الْفَقِيرِ يَعْنِي يَقَعُ تَسْلِيمُ الشَّاةِ إلَى الْفَقِيرِ لِلَّهِ - تَعَالَى - عَلَى الْخُلُوصِ فِي ابْتِدَاءِ الْقَبْضِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ١٠٤] ، وَقَالَ ﵇ «الصَّدَقَةُ تَقَعُ فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ قَبْلَ أَنْ تَقَعَ فِي كَفِّ الْفَقِيرِ» .
ثُمَّ يَصِيرُ لِلْفَقِيرِ بِدَوَامِ يَدِهِ عَلَيْهِ كَمَنْ أَمَرَ لِآخَرَ أَنْ يَهَبَ لِفُلَانٍ عَشَرَةً عَلَى أَنَّهُ ضَامِنٌ فَوَهَبَ يَصِيرُ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَابِضًا لِلْآمِرِ أَوَّلًا ثُمَّ قَابِضًا لِنَفْسِهِ بِدَوَامِ يَدِهِ قُرْبَةً مُطَهِّرَةً يَعْنِي مُطَهِّرَةً لِنَفْسِهِ عَنْ الْآثَامِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وَلِمَا لَهُ مِنْ الْخَبَثِ كَمَا قَالَ ﵇ «إنَّ هَذِهِ الْبِيَاعَاتِ يَحْضُرُهَا اللَّغْوُ وَالْكَذِبُ فَشُوبُوهَا بِالصَّدَقَةِ» أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ لِيَرْتَفِعَ الْخَبَثُ الْمُتَمَكِّنُ فِي الْبِيَاعَاتِ بِسَبَبِ اللَّغْوِ وَالْكَذِبِ، وَإِذَا ارْتَفَعَ الْخَبَثُ عَنْ السَّبَبِ، وَهُوَ الْبَيْعُ يَرْتَفِعُ عَنْ الْمُسَبَّبِ، وَهُوَ الْمَالُ وَإِذَا وَقَعَتْ قُرْبَةً مُطَهِّرَةً صَارَتْ مِنْ الْأَوْسَاخِ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عَلَى مَا وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ النَّبَوِيَّةُ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «يَا مَعْشَرَ بَنِي هَاشِمٍ إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - كَرِهَ لَكُمْ أَوْسَاخَ النَّاسِ وَفِي رِوَايَةٍ غُسَالَةَ النَّاسِ وَعَوَّضَكُمْ مِنْهَا بِخُمُسِ الْخُمُسِ» وَلِهَذَا كَانَتْ النَّارُ يُتْرَكُ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ فَيُحْرِقُ الْمُتَقَبَّلَ مِنْ الصَّدَقَاتِ وَالْقَرَابِينِ، وَلَمْ يَكُنْ يَنْتَفِعُ بِهَا أَحَدٌ، وَأُحِلَّتْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ خَبَثُهَا بِشَرْطِ الْحَاجَةِ كَمَا أُحِلَّتْ الْمَيْتَةُ بِالضَّرُورَةِ وَلِهَذَا لَمْ تَحِلَّ لِلْغَنِيِّ إذَا لَمْ يَكُنْ عَامِلًا لِعَدَمِ الْحَاجَةِ فَثَبَتَ أَنَّ حُكْمَ النَّصِّ صَلَاحِيَةُ الْمَحَلِّ لِلصَّرْفِ إلَى كِفَايَةِ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ النَّصِّ مَا أَوْجَبَهُ النَّصُّ وَالنَّصُّ الْمُوجِبُ لِلشَّاةِ أَوْجَبَ صَلَاحِيَّتَهَا لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ فَيَكُونُ ثُبُوتُ الصَّلَاحِيَةِ حُكْمَ النَّصِّ وَلَا يُقَالُ صَلَاحِيَةُ الشَّاةِ لِأَدَاءِ حَقِّ الْفَقِيرِ لَمْ يَثْبُتْ بِالنَّصِّ بَلْ كَانَتْ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ نَحْنُ مَا عَلَّلْنَا تِلْكَ الصَّلَاحِيَةَ بَلْ صَلَاحِيَةٌ حَدَثَتْ بَعْدَمَا قَدْ بَطَلَتْ فِي الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى مَا قَرَّرْنَا، وَهِيَ تَثْبُتُ بِالنَّصِّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَيَكُونُ حُكْمَ النَّصِّ.
فَعَلَّلْنَاهُ بِالتَّقْوِيمِ يَعْنِي قُلْنَا: إنَّمَا حَدَثَتْ صَلَاحِيَةُ الصَّرْفِ لِلشَّاةِ إلَى الْفَقِيرِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا مَالًا مُتَقَوِّمًا؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْفَقِيرِ تَنْدَفِعُ بِاعْتِبَارِ التَّقَوُّمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الدَّرَاهِمَ الْخَمْسَةَ الْوَاجِبَةَ فِي الْمِائَتَيْنِ مِنْهَا أَوْ نِصْفِ مِثْقَالٍ مِنْ الذَّهَبِ الْوَاجِبِ فِي عِشْرِينَ مِثْقَالًا مِنْهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمَةً لَمْ يَنْدَفِعْ بِهَا حَاجَةُ الْفَقِيرِ أَصْلًا فَعَلَّلْنَا هَذِهِ الصَّلَاحِيَةَ بِعِلَّةِ التَّقَوُّمِ، وَعَدَّيْنَاهَا إلَى سَائِرِ الْأَمْوَالِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْعِلَّةِ عَلَى مُوَافَقَةِ سَائِرِ الْعِلَلِ، فَإِنَّ حُكْمَهَا تَعْمِيمُ حُكْمِ النَّصِّ مِنْ بَقَاءِ حُكْمِ النَّصِّ
стр. 1057
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ عَلَى قَرَارِهِ، وَهَا هُنَا بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ، فَإِنَّ صَلَاحِيَةَ الشَّاةِ لِأَدَاءِ حَقِّ الْفَقِيرِ لَمْ تَبْطُلْ بِهَذَا التَّعْلِيلِ بَلْ بَقِيَتْ كَمَا كَانَتْ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ: الزَّكَاةُ وَجَبَتْ عِبَادَةً لِلَّهِ - تَعَالَى، وَمَا يَجِبُ لِلَّهِ - تَعَالَى - عِبَادَةً يَجِبُ بِلَا شَرِكَةٍ، وَمَا يَأْخُذُهُ الْفَقِيرُ يَأْخُذُهُ حَقًّا لِنَفْسِهِ لَا شَرِكَةَ لِأَحَدٍ فِيهِ فَعَلِمْت أَنَّ الشَّاةَ يَتَأَدَّى بِهَا حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - عِبَادَةً ثُمَّ حَقُّ الْفَقِيرِ لَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِهِ ضَرُورَةً، وَالتَّعْلِيلُ لَمْ يَقَعْ لِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى، فَإِنَّهُ مُتَعَيَّنٌ فِيمَا عَيَّنَ اللَّهُ ؛ إذْ الزَّكَاةُ لَا تَشْغَلُ إلَّا النِّصَابَ بِالْإِجْمَاعِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ بِالْإِجْمَاعِ أَدَاءُ حَقِّ الْفَقِيرِ مِنْ غَيْرِ النِّصَابِ، وَالْوُجُوبُ لِلَّهِ - تَعَالَى - لَا يَشْغَلُ إلَّا النِّصَابَ فَعُلِمَ أَنَّهَا غَيْرَانِ.
قَالَ: وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا عُلِمَ ضَرُورَةً، قَالَ: الْوَاجِبُ بِالنَّصِّ شَاةٌ وَجَبَ إخْرَاجُهَا إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - حَقًّا لَهُ كَمَا يَخْرُجُ الْمَسْجِدُ وَالْقُرْبَانُ وَهِيَ صَالِحَةٌ لِحَقِّ الْفَقِيرِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْفَقِيرِ لَمَّا كَانَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - عَلَى الْغَنِيِّ لَمْ يَتَصَوَّرْ ثُبُوتَ مَا يُصَيِّرُ اللَّهُ - تَعَالَى - حَقَّهُ لِلْفَقِيرِ إلَّا بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى بِرِزْقِهِ عَلَى اللَّهِ فَتَصِيرُ الشَّاةُ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ لِلَّهِ - تَعَالَى - صَالِحَةً لِحَقِّ الْفَقِيرِ ضَرُورَةً كَرَجُلٍ يَسْتَوْفِي دَرَاهِمَ عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ يُوَفِّيهَا غَيْرَهُ فَتَكُونُ صَالِحَةً لِإِيفَاءِ حَقِّ الْغَيْرِ حِينَ اسْتَوْفَاهَا لِنَفْسِهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الشَّاةِ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ - تَعَالَى - فِي حَقِّ الْفَقِيرِ أَنَّهَا صَالِحَةٌ لِإِيفَاءِ حَقٍّ لَا أَنَّهَا حَقٌّ لَهُ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ حَقًّا لَهُ بَعْدَمَا تَصِيرُ لِلَّهِ - تَعَالَى، وَكَوْنُهَا صَالِحَةً لِإِيفَاءِ حَقِّ الْفَقِيرِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَمُحَالٌ التَّصَرُّفَاتُ تُعْرَفُ شَرْعًا كَقَوْلِنَا: الْخَمْرُ لَا تَصْلُحُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ، وَالْخَلُّ يَصْلُحُ لَا بِكَوْنِ الصَّلَاحِيَةِ حَقًّا لِلْعِبَادِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ لَهُمْ الْحَقُّ بِالسَّبَبِ، وَلَمَّا كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا قَبْلَ التَّعْلِيلِ لِيَتَعَدَّى الصَّلَاحِيَةَ إلَى غَيْرِهَا مَعَ الْقَرَارِ عَلَيْهَا كَمَا قَبْلَ التَّعْلِيلِ إنَّمَا كَانَتْ الْحَقِّيَّةُ لِلَّهِ - تَعَالَى، فَلَا جَرَمَ لَمْ يَقْبَلْ التَّعْلِيلَ وَلَمْ يَتَعَدَّ إلَى غَيْرِ النِّصَابِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنْ قِيلَ: التَّعْلِيلُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الشَّاةَ الصَّالِحَةَ لِلْفَقِيرِ هِيَ الَّتِي وَجَبَتْ لِلَّهِ - تَعَالَى - بِحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى، وَالتَّعْلِيلُ لَغْوٌ فِي حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى، فَيَجِبُ إخْرَاجُ عَيْنِ الْمُسَمَّى وَالنِّزَاعُ فِيهِ قُلْنَا: إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمَّا أَمَرَنَا بِإِيفَاءِ رِزْقِ الْفَقِيرِ مِنْهَا بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ، وَرِزْقُهُ مَالٌ مُطْلَقٌ دَلَّنَا عَلَى إلْغَاءِ الِاسْمِ فِي حَقِّ الْإِيفَاءِ، وَحَقُّهُمْ مَالٌ مُطْلَقٌ، وَدَلَّ أَنَّهُ ذَكَرَ الِاسْمَ تَفْسِيرًا عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فَيَدُهُ أَوْصَلُ إلَى مَا فِي نِصَابِهِ أَوْ مِنْ جِنْسِهِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ اسْمِ الشَّاةِ بِأَمْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - بِإِيفَاءِ الرِّزْقِ لَا بِالتَّعْلِيلِ فَكَوْنُهَا حَقَّ اللَّهِ - تَعَالَى - مِمَّا لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ عَلَى مَا مَرَّ وَأَنَّهُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] .
لَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ أَنَّهُ نَهْيٌ لِإِكْرَامِ الْأَبَوَيْنِ بِكَفِّ الْأَذَى عَنْهُمَا، وَذَلِكَ فِي جِنْسِ الْأَذَى لَا فِي الْأَذَى بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الِاسْمِ، وَبَقِيَتْ الْعِبْرَةُ لِلْأَذَى الْمُطْلَقِ فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ وُجُوبَ الشَّاةِ يَتَضَمَّنُ أَمْرَيْنِ: كَوْنَ الشَّاةِ حَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - عَيْنًا، وَصَلَاحِيَةُ الشَّاةِ لِكِفَايَةِ حَقِّ الْفَقِيرِ، وَالْأَوَّلُ لَا يَقْبَلُ التَّعْلِيلَ، وَالثَّانِي يَقْبَلُهُ، وَلَكِنَّ قَبُولَهُ لِلتَّعْلِيلِ لَا يُفِيدُ الْمَقْصُودَ مَعَ بَقَاءِ الْأَوَّلِ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ إنَّمَا يَأْخُذُ حَقَّ اللَّهِ - تَعَالَى مِنْ الْعَبْدِ يَرْزُقُهُ لَا حَقُّ الْعَبْدِ، وَحَقُّ اللَّهِ - تَعَالَى - لَمَّا بَقِيَ فِي الشَّاةِ عَيْنًا كَيْفَ يُمْكِنُهُ أَخْذُ غَيْرِ الشَّاةِ مِنْ الْعَبْدِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ صَالِحٌ لِكِفَايَتِهِ مَعَ أَنَّ حَقَّ اللَّهِ - تَعَالَى - لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ أَنَّ حَقَّهُ ﷻ فِي مُطْلَقِ الْمَالِ لَا فِي غَيْرِ الشَّاةِ أَمْكَنَهُ أَخْذُ غَيْرِ الشَّاةِ لِثُبُوتِ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ بِالدَّلَالَةِ وَتَعْدِيَةِ الصَّلَاحِيَةِ
стр. 1058
وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْوَاجِبَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - كَانَ اللَّامُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] لَامَ الْعَاقِبَةِ أَيْ يَصِيرُ لَهُمْ لِعَاقِبَتِهِ أَوْ لِأَنَّهُ وَاجِبٌ لَهُمْ بَعْدَ مَا صَارَ صَدَقَةً، وَذَلِكَ بَعْدَ الْأَدَاءِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى
ــ
[كشف الأسرار]
إلَيْهِ بِالتَّعْلِيلِ وَلَوْ ثَبَتَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ أَعْنِي فِي غَيْرِ الشَّاةِ بِدَلِيلٍ وَلَمْ يَتَعَدَّ الصَّلَاحِيَةَ إلَيْهِ لَمْ يَثْبُتْ الْجَوَازُ كَمَا فِي عَكْسِهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كِلَا الْأَمْرَيْنِ؛ فَلِذَلِكَ ذَكَرَ الشَّيْخُ قَوْلَهُ: وَإِنَّمَا التَّعْلِيلُ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ إلَى آخِرِهِ بَعْدَمَا بَيَّنَ أَنَّ سُقُوطَ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الصُّورَةِ حَصَلَ بِإِذْنِهِ.
١ -
قَوْلُهُ: (وَلَمَّا ثَبَتَ) إلَى آخِرِهِ بَنَى الْخَصْمُ كَلَامَهُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَنَّ الزَّكَاةَ يَجِبُ حَقًّا لِلْفَقِيرِ ابْتِدَاءً فَجَعَلَ اللَّامَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] لَامَ الْمِلْكِ، وَلَمَّا أَبْطَلَ الشَّيْخُ كَلَامَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَفِيهِ جَوَابٌ عَنْ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فَقَالَ: وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْوَاجِبَ، وَهُوَ الزَّكَاةُ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى لِمَا ذَكَرْنَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَحْمِلَ اللَّامَ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَهِيَ التَّمْلِيكُ كَمَا زَعَمَ الْخَصْمُ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْخُلُوصِ لَا يَكُونُ حَقًّا لِغَيْرِهِ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهَا لَامُ الْعَاقِبَةِ أَيْ يَصِيرُ الْمُؤْذِي لَهُمْ بِعَاقِبَتِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] فَإِنَّ أَخْذَهُمْ مُوسَى لَمْ يَكُنْ لِغَرَضِ الْعَدَاوَةِ وَالْحُزْنِ وَلَكِنْ لَمَّا أَدَّى عَاقِبَتُهُ إلَى الْأَمْرَيْنِ كَأَنَّهُمْ الْتَقَطُوهُ لَهُمَا وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
لِدُوا لِلْمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ ... فَكُلُّكُمْ يَصِيرُ إلَى التُّرَابِ
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْوِلَادَةَ وَالْبِنَاءَ لَيْسَا لِغَرَضِ الْمَوْتِ وَالْخَرَابِ وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ بُدٌ لِلْمَوْلُودِ مِنْ الْمَوْتِ، وَلِلْبِنَاءِ مِنْ الْخَرَابِ صَارَ كَأَنَّ الْأَمْرَيْنِ وَقَعَا لِهَذَيْنِ الْغَرَضَيْنِ وَذَكَرَ فِي الْمَطْلَعِ أَنَّ اللَّامَ لِقَصْرِ جِنْسِ الصَّدَقَاتِ عَلَى الْأَصْنَافِ الْمَعْدُودَةِ، وَأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِهَا لَا يَتَجَاوَزُهَا إلَى غَيْرِهَا لَا لِاسْتِحْقَاقِهِمْ جَمِيعًا كَمَا يُقَالُ: إنَّمَا الْخِلَافَةُ لِقُرَيْشٍ يُرَادُ لَا تَتَعَدَّاهُمْ، وَلَا تَكُونُ لِغَيْرِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تُصْرَفَ الْأَصْنَافُ كُلُّهَا، وَأَنْ تُصْرَفَ إلَى بَعْضِهَا وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَمَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَلَيْهِ عُلَمَاؤُنَا أَوْ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُمْ بَعْدَمَا صَارَ صَدَقَةً يَعْنِي وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهَا لِلتَّمْلِيكِ لَا تَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَكُونُ مِلْكًا لِلْفَقِيرِ قَبْلَ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَوْجَبَ لَهُمْ أَيْ أَثْبَتَ لَهُمْ الْمِلْكَ فِي الْمَالِ بَعْدَ مَا صَارَ صَدَقَةً حَيْثُ قَالَ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] وَلَمْ يَقُلْ: إنَّمَا الْأَمْوَالُ لِلْفُقَرَاءِ.
وَذَلِكَ أَيْ صَيْرُورَةُ الْمَالِ صَدَقَةً إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ الْأَدَاءِ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ قَبْلَ قَبْضِ الْفَقِيرِ فَلَا يَكُونُ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ قَبْلَ الْقَبْضِ حَقُّ الْفَقِيرِ فَلَا يَجِبُ صَرْفُهَا إلَى الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ أَوْ هُوَ دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى كَوْنِ اللَّامِ لِلْعَاقِبَةِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْأَوَّلِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى يَعْنِي؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى كَانَتْ اللَّامُ أَوْ؛ لِأَنَّهُ أَوْجَبَ لَهُمْ بَعْدَمَا صَارَ صَدَقَةً وَذَلِكَ بَعْدَ الْأَدَاءِ إلَى اللَّهِ كَانَتْ اللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ صَلَاحِيَةُ أَنْ يَصِيرَ صَدَقَةً فَيَكُونُ مِلْكًا لِلْفَقِيرِ لَا أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْحَالِ لَهُ فَيَكُونُ اللَّامُ لِلْعَاقِبَةِ وَفِي الْوَجْهَيْنِ بُعْدٌ، وَلَا أَعْرِفُ وَجْهَ عَطْفٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَى تَقَدُّمٍ وَتَبَيَّنَ أَنَّا مَا أَبْطَلْنَا حَقَّ الْبَاقِينَ بِالصَّرْفِ إلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهَا فَصَارُوا عَلَى هَذَا التَّحْقِيقِ مَصَارِفَ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ يَعْنِي لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ الْوَاجِبَ خَالِصُ حَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى، وَأَنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ لَيْسَ لِبَيَانِ الِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ لِلْجَهَالَةِ كَانَ ذِكْرُهُمْ لِبَيَانِ الْمَصْرِفِ الَّذِي يَكُونُ الْمَالُ بِقَبْضِهِمْ لِلَّهِ - تَعَالَى - خَالِصًا أَيْ السَّبِيلُ فِي هَذَا الْحَقِّ الْوَاجِبِ لِلَّهِ
стр. 1059
فَصَارُوا عَلَى هَذَا التَّحْقِيقِ مَصَارِفَ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ.
وَهَذِهِ الْأَسْمَاءُ أَسْبَابُ الْحَاجَةِ وَهُمْ بِجُمْلَتِهِمْ لِلزَّكَاةِ مِثْلَ الْكَعْبَةِ لِلصَّلَاةِ، وَكُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ مِثْلُ جُزْءٍ مِنْ الْكَعْبَةِ وَاسْتِقْبَالُ جُزْءٍ مِنْ الْكَعْبَةِ جَائِزٌ كَاسْتِقْبَالِ كُلِّهَا فَكَذَلِكَ هَا هُنَا، وَكَانَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ تَغْيِيرًا بِأَنْ جَعَلَ الزَّكَاةَ حَقًّا لِلْعِبَادَةِ، وَهُوَ خَطَأٌ عَظِيمٌ
ــ
[كشف الأسرار]
تَعَالَى الصَّرْفُ إلَى هَؤُلَاءِ بِاعْتِبَارِ الْحَاجَةِ.
وَبَيَانُهُ مَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الزَّكَاةِ حَقُّ إخْرَاجٍ إلَى اللَّهِ بِقَطْعِ الْمَالِكِ مِلْكَهُ عَنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ، وَحَقُّ الْفَقِيرِ فِي رِزْقِهِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى - حَالَ حَاجَتِهِ لَا تَعَلُّقَ لِحَقِّهِ بِالنِّصَابِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - لَمَّا أَمَرَ بِقَضَاءِ حَقِّ الْفَقِيرِ بِمَالِهِ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ يَصِيرُ كَفُّ الْفَقِيرِ بِالْآيَةِ فِي حَقِّ الزَّكَاةِ شَرْطًا لِتَأَدِّي حَقِّ اللَّهِ بِهِ يَصِيرُ مُسْتَحَقًّا لِمَا وَجَبَ عَلَى الْغَنِيِّ بِغِنَاهُ.
وَإِذَا صَارَ هَكَذَا قُلْنَا: الْأَصْنَافُ السَّبْعَةُ مَا صَارُوا مُسْتَحَقِّينَ بِالْآيَةِ لِلزَّكَاةِ بَلْ صَارُوا مَصَارِفَ صَالِحِينَ لِصَرْفِ الزَّكَاةِ إلَيْهِمْ كَالْكَعْبَةِ صَالِحَةً لِلصَّلَاةِ إلَيْهَا لَا أَنْ تَكُونَ مُسْتَحَقَّةً ثُمَّ إنَّا عَلَّلْنَا فَقُلْنَا: إنَّمَا صَارُوا مَصَارِفَ بِفَقْرِهِمْ وَحَاجَتِهِمْ وَاسْتِحْقَاقِهِمْ الرِّزْقَ لِذِي الْحَاجَةِ عَلَى مَوْلَاهُمْ، وَهُوَ اللَّهُ ﷻ بِوَصْفٍ آخَرَ لَمْ يُعْرَفْ سَبَبًا شَرْعًا مِنْ الْغُرْمِ وَالْغُرْبَةِ وَالرِّزْقِ وَنَحْوِهَا أَلَا تَرَى أَنَّ الْغَارِمَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالْغَازِيَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَمْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ لَا يَحِلُّ لَهُمْ الزَّكَاةُ، وَلَوْ صَارُوا مَصَارِفَ بِالِاسْمِ لَجَازَ الصَّرْفُ إلَيْهِمْ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ الْحَاجَةِ كَمَا فِي الْمَوَارِيثِ.
وَكَذَا لَوْ اجْتَمَعَ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ أَسَامٍ مُخْتَلِفَةٌ بِأَنْ كَانَ مُكَاتَبًا وَابْنَ سَبِيلٍ وَمِسْكِينًا وَغَارِمًا لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا سَهْمًا وَاحِدًا، وَلَوْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بِالِاسْمِ لَا يَسْتَحِقُّ بِكُلِّ اسْمٍ سَهْمًا عَلَى حِدَةٍ، كَمَا فِي الْإِرْثِ إذَا اجْتَمَعَ سَبَبَانِ فِي شَخْصٍ إنْ كَانَ زَوْجًا وَابْنَ عَمٍّ يَسْتَحِقُّ بِهِمَا جَمِيعًا فَعُلِمَ أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِالْحَاجَةِ غَيْرَ أَنَّ الْحَاجَةَ تَقَعُ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ فِي الْأَغْلَبِ فَذَكَرَ اللَّهُ - تَعَالَى - هَذِهِ الْأَسْمَاءَ الَّتِي هِيَ أَسْبَابُ الْحَاجَةِ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْفَقِيرَ يَسْتَحِقُّهُ بِحَاجَتِهِ حَتَّى شَارَكَهُ غَيْرُهُ لَمَّا احْتَاجَ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِسَبَبِ الْفَقْرِ فَعُلِمَ أَنَّهُمْ مَصَارِفُ بِعِلَّةِ الْحَاجَةِ فَصَارُوا جِنْسًا وَاحِدًا كَأَنَّهُ قِيلَ: إنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْمُحْتَاجِينَ بِأَيِّ سَبَبٍ احْتَاجُوا ثُمَّ تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِأَدْنَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجِنْسِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ ثُمَّ هَذَا التَّعْلِيلُ لَا يَرْفَعُ حُكْمَ النَّصِّ؛ لِأَنَّهُمْ بِالنَّصِّ كَانُوا مَصَارِفَ لِلزَّكَاةِ، وَهُمْ مَصَارِفُ أَيْ صَالِحُونَ لِلصَّرْفِ إلَيْهِمْ صُرِفَتْ إلَيْهِمْ أَمْ لَا كَالْكَعْبَةِ، وَصَالِحَةٌ لِصَرْفِ الصَّلَاةِ إلَيْهَا أَدَاءً وَاسْتِقْبَالًا فَعَلَ الْعَبْدُ أَمْ لَا وَتَبَيَّنَ أَنَّ التَّعْلِيلَ وَقَعَ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ مَعْرِفَةُ شَرْطِ جَوَازِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ كَالْكَعْبَةِ لِلصَّلَاةِ لَا لِحَقِّ الْعَبْدِ وَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَقْسُومَ بَيْنَهُمْ حُكْمٌ إنْ كَانُوا مَصَارِفَ الزَّكَاةِ وَقَدْ بَيَّنُوا كَذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُنْكِرَ كَوْنَهُمْ مَصَارِفَ إلَّا مَا اُنْتُسِخَ مِنْ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مَصَارِفَ بِعِلَّةٍ أُخْرَى، وَهِيَ إعْلَاءُ كَلِمَةِ اللَّهِ، وَإِعْزَازُ دِينِهِ بِالْإِحْسَانِ لَا لِحَاجَةِ الْمَصْرُوفِ إلَيْهِ إلَى الرِّزْقِ فَكَانَ ذَلِكَ بَابًا عَلَى حِدَةِ كِتَابِ الْعَامِلِ الْيَوْمَ يُعْطَى لَا رِزْقًا عَلَى الْحَاجَةِ بَلْ جَزَاءً عَلَى حِسْبَتِهِ فِي الْعَمَلِ لِلْفُقَرَاءِ فِي جِبَايَةِ الصَّدَقَاتِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَسْأَلَةِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّا إنَّمَا أَلْغَيْنَا الِاسْمَ فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِ صَدَقَةً؛ لِأَنَّ مَا يَجِبُ صَدَقَةً يَجِبُ الْإِخْرَاجُ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى، ثُمَّ الصَّرْفُ إلَى الرِّزْقِ حَتَّى إنَّ رَجُلًا لَوْ نَذَرَ فَقَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِمَالِي عَلَى الْأَصْنَافِ السَّبْعَةِ كَانَ لَهُ أَنْ يُؤَدِّيَهَا إلَى فَقِيرٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّهُ الْتَزَمَ بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ فَأَمَّا الْوَصِيُّ فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ وِلَايَةُ التَّصَرُّفِ بِحُكْمِ أَنَّهَا صَدَقَةٌ فِي حَقِّ صَرْفِهِ إلَيْهِمْ بَلْ لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْمُوصِي بِأَمْرِهِ التَّصَرُّفَ فِي مَالِهِ بِالصَّرْفِ إلَى حَيْثُ سَمَّاهُ وَإِنَّمَا سَمَّى ثَلَاثَةَ أَسْمَائِهِ فَيَجِبُ الصَّرْفُ عَلَى ذَلِكَ لَمَّا بَلَغَتْ عِبْرَةُ الصَّدَقَةِ فِي حَقِّ الْوَصِيِّ كَمَنْ أُمِرَ
стр. 1060
وَأَمَّا التَّكْبِيرُ فَمَا وَجَبَ لِعَيْنِهِ بَلْ الْوَاجِبُ تَعْظِيمُ اللَّهِ بِكُلِّ جُزْءٍ مِنْ الْبَدَنِ، وَاللِّسَانُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ ظَاهِرِ الْبَدَنِ مِنْ وَجْهٍ فَوَجَبَ فِعْلُهَا وَالثَّنَاءُ آلَةُ فِعْلِهَا فَصَارَ حُكْمُ النَّصِّ أَنْ يَجْعَلَ التَّكْبِيرَ آلَةَ فِعْلِهِ لِكَوْنِهِ ثَنَاءً مُطْلَقًا فَعَدَّيْنَاهُ إلَى سَائِرِ الْأَثْنِيَةِ مَعَ بَقَاءِ حُكْمِ النَّصِّ، وَهُوَ كَوْنُ التَّكْبِيرِ ثَنَاءً صَالِحًا لِلتَّعْظِيمِ، وَإِنَّمَا ادَّعَيْنَا هَذَا دُونَ أَنْ يَكُونَ التَّكْبِيرُ بِعَيْنِهِ وَاجِبًا؛ لِأَنَّا وَجَدْنَا سَائِرَ الْأَرْكَانِ أَفْعَالًا لَا تُوجَدُ مِنْ الْبَدَنِ لِيَصِيرَ الْبَدَنُ فَاعِلًا فَكَذَلِكَ اللِّسَانُ
ــ
[كشف الأسرار]
بِالتَّصَدُّقِ بِشَاةٍ لَا يَحِلُّ لَهُ التَّصَدُّقُ بِغَيْرِهَا.
وَفِيمَا أَلْزَمَهُ اللَّهُ - تَعَالَى - يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَلِأَنَّ فِي أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى يُرَاعَى الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ لَا يَعْرَى عَنْ حِكْمَةٍ وَفَائِدَةٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ أَوَامِرُ الْعِبَادِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْعَبْدَ لَمْ يَقْصِدْ الْفَائِدَةَ بَلْ قَصَدَ الِاسْمَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَفِعْلَهُ قَدْ يَخْلُو عَنْ فَائِدَةٍ؛ فَلِذَلِكَ رُوعِيَ فِي أَمْرِ الْعِبَادِ الِاسْمُ وَالْمَعْنَى جَمِيعًا.
١ -
قَوْلُهُ: (وَأَمَّا التَّكْبِيرُ فَمَا وَجَبَ لِعَيْنِهِ) إلَى آخِرِهِ الِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَيْضًا رَاجِعٌ إلَى أَنَّ الزَّكَاةَ فِي التَّحْرِيمَةِ عَيْنُ التَّكْبِيرِ عِنْدَهُ فَلَمْ يَجُزْ إقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ كَإِقَامَةِ الْخَدِّ مَقَامَ الْجَبْهَةِ، وَعِنْدَنَا الرُّكْنُ فِيهَا عَمَلُ اللِّسَانِ ثَنَاءً عَلَى اللَّهِ ، وَالتَّكْبِيرُ شُرِعَ لِتَحْصِيلِ عَمَلِ الثَّنَاءِ بِذِكْرِهِ بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ لِلْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، وَالْمُسْتَحَقُّ فِيهَا أَفْعَالٌ تَحِلُّ عَلَى أَعْضَاءٍ مَخْصُوصَةٍ تُنْبِئُ عَنْ التَّعْظِيمِ، كَالْقِيَامِ لِلْقَدَمِ وَالرُّكُوعِ لِلظَّهْرِ وَالسُّجُودِ لِلْجَبْهَةِ، وَاللِّسَانُ مِنْ جُمْلَةِ الْبَدَنِ، وَمِنْ الْأَعْضَاءِ الظَّاهِرَةِ مِنْ وَجْهٍ فَكَانَ الْمُسْتَحَقُّ اسْتِعْمَالَهُ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ التَّعْظِيمُ مِمَّا هُوَ ثَنَاءٌ عَلَى اللَّهِ - سُبْحَانَهُ - فَعَيَّنَ الشَّرْعُ التَّكْبِيرَ؛ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ الثَّنَاءُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُسْتَحَقُّ فِي نَفْسِهِ كَمَا أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ فِي السُّجُودِ أَنْ يُصَيِّرَ الْجَبْهَةَ لَا أَنْ يُصَيِّرَ الْأَرْضَ مَسْجُودًا بِهَا، وَكَمَا أَنَّ الْمُسْتَحَقَّ فِي ذِكْرِ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ أَذَانًا عَلَى اللِّسَانِ مِنْ عَمَلِ الْإِيمَانِ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ آلَةٌ بِهَا يَحْصُلُ الْأَدَاءُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الرُّكْنُ أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مَذْكُورَةً بِلِسَانِهِ وَلِهَذَا قَامَ مَقَامَهَا سَائِرُ الْكَلِمَاتِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَغَيْرِهِمَا وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْوَاجِبَ عَمَلُ اللِّسَانِ صَحَّ التَّعْلِيلُ، وَإِقَامَةُ غَيْرِ التَّكْبِيرِ مَقَامَهُ؛ لِأَنَّ عَمَلَ اللِّسَانِ لَا يَتَبَدَّلُ بِهِ.
وَإِنَّمَا تُبَدَّلُ الْآلَةُ، وَالْآلَةُ فِي تَحْصِيلِ الْعَمَلِ لَا تَجِبُ مَقْصُودَةً بَلْ الضَّرُورَةُ تَحْصِيلُ الْعَمَلِ بِهَا لِصَلَاحِهَا لِذَلِكَ الْعَمَلِ كَالْبَيْعِ لِلْجُمُعَةِ وَاسْتِعْمَالِ الْقَلَمِ لِلْكِتَابَةِ وَالسِّكِّينِ لِلتَّضْحِيَةِ فَلَمْ يَكُنْ لَهَا صِفَةٌ فِي نَفْسِهَا إلَّا الصَّلَاحِيَةُ لِلْعَمَلِ وَبِالتَّعْلِيلِ وَإِقَامَةِ آلَةٍ أُخْرَى مَقَامَهَا لَا يَتَبَدَّلُ حُكْمُهَا فَإِنَّهَا تَبْقَى صَالِحَةً بَعْدَ التَّعْلِيلِ كَمَا كَانَتْ، وَيَبْقَى اسْتِعْمَالُهَا وَاجِبًا إذَا اُضْطُرَّ إلَى تَحْصِيلِ الْعَمَلِ بِأَنْ لَا يَجِدَ آلَةً أُخْرَى، وَهُوَ كَقَوْلِهِ ﵇: «وَلْيَسْتَنْجِ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ» ، فَإِنَّ تَعْيِينَ الْحَجَرِ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ إقَامَةِ الْمَدَرِ مَقَامَهُ بَلْ الْحَجَرُ آلَةٌ بِجَوَازِ أَنْ يَتَعَيَّنَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَتَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَا فِي مَعْنَاهَا وَهَذَا بِخِلَافِ الْجَبْهَةِ لِلسُّجُودِ حَيْثُ لَا يُقَامُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ الْمُسْتَحَقَّ ضَرُورَةً لِلْجَبْهَةِ سَاجِدَةً بِالْأَرْضِ فَيَصِيرُ الْجَبْهَةُ مُسْتَحَقَّةً حُكْمًا؛ لِأَنَّ وَضْعَهَا لَا يَنْفَصِلُ عَنْهَا فَلَا يَقُومُ غَيْرُهَا مَقَامَهَا وَهَذَا كَأَجِيرِ الْوَاحِدِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِعَمَلِ غَيْرِهِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ بِالْعَقْدِ مَنَافِعُهُ، وَمَنَافِعُهُ لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا مِنْهُ فَصَارَتْ نَفْسُهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْتَحَقِّ فَلَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ وَالْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ بِعَمَلِ غَيْرِهِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ عَلَيْهِ يَحْصُلُ صِفَةً فِي الْمَعْمُولِ بِعَمَلِهِ وَعَمَلُهُ آلَةٌ لَا مَقْصُودٌ، وَتِلْكَ الصِّفَةُ تَحْصُلُ بِعَمَلِ غَيْرِهِ لَهُ؛ لِأَنَّ عَمَلَ غَيْرِهِ لَهُ بِأَمْرِهِ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ حُكْمًا؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يُمْلَكُ بِالِاسْتِعَارَةِ وَالْإِجَارَةِ، وَإِذَا صَارَ صَارَتْ الصِّفَةُ الْحَاصِلَةُ بِهِ لَهُ كَمَا لَوْ عَمِلَ بِنَفْسِهِ فَاسْتَحَقَّ الْأُجْرَةَ، وَإِنْ تَبَدَّلَتْ الْآلَةُ.
وَلَا يَلْزَمُ - عَلَى مَا ذَكَرْنَا - الْقِرَاءَةُ حَيْثُ لَا يَقُومُ ذِكْرٌ آخَرُ مَقَامَهَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَمَلُ اللِّسَانِ عَمَلَ قِرَاءَةٍ، وَلِلْقِرَاءَةِ فَضِيلَةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهَا مِنْ الْأَذْكَارِ، وَهِيَ أَنَّ الْمَقْرُوءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ - تَعَالَى، وَيَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ قِرَاءَتُهُ فَلَا يَجُوزُ إقَامَةُ غَيْرِهَا مِنْ الْأَذْكَارِ مَقَامَهَا أَلَا تَرَى أَنَّ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ مِنْ السُّوَرِ لَمَّا سَاوَى الْفَاتِحَةَ فِي الْفَضِيلَةِ
стр. 1061
وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَلْقَى الثَّوْبَ النَّجَسَ سَقَطَ عَنْهُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ لَكِنَّ الْوَاجِبَ إزَالَةُ الْعَيْنِ النَّجَسِ، وَالْمَاءُ آلَتُهُ فَإِذَا عَدَّيْنَا حُكْمَهُ إلَى سَائِرِ مَا يَصْلُحُ آلَةً بَقِيَ حُكْمُ النَّصِّ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ كَوْنُ الْمَاءِ آلَةً صَالِحَةً لِلتَّطْهِيرِ، وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ هَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فِي الْمُزِيلِ وَالطَّهَارَةِ فِي مَحَلِّ الْعَمَلِ فَعَدَّيْنَاهُ إلَى نَظِيرِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
قَامَ مَقَامَهَا فِي الْجَوَازِ، وَإِنْ تَعَيَّنَتْ الْفَاتِحَةُ بِالْحَدِيثِ وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْأَذَانُ أَيْضًا حَيْثُ لَا يَتَأَدَّى بِلُغَةٍ أُخْرَى، وَلَا بِثَنَاءٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ لَيْسَ عَمَلَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ - تَعَالَى، فَإِنَّهُ لَوْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَأَخْفَاهُ لَمْ يَجُزْ، وَالثَّنَاءُ حَاصِلٌ، وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ إعْلَامُ النَّاسِ بِحُضُورِ الصَّلَاةِ، وَالْإِعْلَامُ إنَّمَا يَقَعُ بِصَوْتِ مُقَدَّرٍ بِتِلْكَ الْحُرُوفِ فَمَتَى تَغَيَّرَتْ الْحُرُوفُ تَغَيَّرَ الصَّوْتُ فَلَا يَبْقَى إعْلَامًا وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يُجَوِّزُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَالثَّنَاءُ آلَةُ فِعْلِهَا أَيْ فِعْلِ اللِّسَانِ، وَاللِّسَانُ بِمَعْنَى الرِّسَالَةِ يُؤَنَّثُ، وَبِمَعْنَى الْعُضْوِ لَا يُؤَنَّثُ، وَلَعَلَّ الشَّيْخَ أَنَّثَ الضَّمِيرَ عَلَى تَأْوِيلِ اللِّسَانِ بِالْجَارِحَةِ، وَذَكَرَهُ بَعْدَهُ فِي قَوْلِهِ: آلَةُ فِعْلِهِ عَلَى الْأَصْلِ وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: ثَنَاءً مُطْلَقًا أَيْ ثَنَاءً خَالِصًا إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلْحَاقُ مَا لَيْسَ بِثَنَاءٍ مَحْضٍ بِالتَّكْبِيرِ مِثْلَ قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي حَتَّى لَا يَصِيرَ شَارِعًا بِهِ
وَإِنَّمَا ادَّعَيْنَا هَذَا أَيْ أَنَّ الْوَاجِبَ بِالنَّصِّ هُوَ التَّعْظِيمُ بِاللِّسَانِ، وَالتَّكْبِيرُ آلَتُهُ.
قَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ) أَيْ وَكَمَا أَنَّ التَّكْبِيرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِعَيْنِهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَلْقَى الثَّوْبَ النَّجَسَ أَوْ قَطَعَ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ بِالْمِقْرَاضِ أَوْ أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ سَقَطَ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَلَوْ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ وَاجِبًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَسْقُطْ بِدُونِ الْعُذْرِ لَكِنَّ الْوَاجِبَ إزَالَةُ الْعَيْنِ النَّجِسَةِ لِئَلَّا يَكُونَ مُسْتَعْمِلًا لَهَا عِنْدَ لُبْسِهِ، وَالْمَاءُ آلَتُهُ أَيْ آلَةُ الْإِزَالَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْإِسْقَاطِ، وَالْأَبْعَادُ.
وَالْوَاجِبُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ التَّحْرِيرُ عَنْ النَّجَاسَةِ حَالَةَ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّ التَّحْرِيرَ عَنْهَا إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ الَّذِي قَامَتْ بِهِ نَجَاسَةٌ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِإِزَالَتِهَا فَكَانَ الْوَاجِبُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْإِزَالَةَ، وَالْمَاءُ آلَتُهُ فَإِذَا عَدَّيْنَا حُكْمَهُ أَيْ حُكْمَ النَّصِّ أَوْ حُكْمَ الْمَاءِ إلَى سَائِرِ مَا يَصْلُحُ آلَةً كَالْخَلِّ وَمَاءِ الْوَرْدِ، وَكُلِّ مَا يَنْعَصِرُ بِالْعَصْرِ فَقَدْ بَقِيَ حُكْمُ النَّصِّ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ غَيْرِ تَغْيِيرٍ وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أَيْ كَوْنُ الْمَاءِ آلَةً صَالِحَةً لِلتَّطْهِيرِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ثُمَّ فَسَّرَ صَلَاحَهُ لِلتَّطْهِيرِ، فَقَالَ: وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُنَجَّسُ حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ يَعْنِي إنَّمَا أَرَدْت بِكَوْنِهِ آلَةً صَالِحَةً لِلتَّطْهِيرِ أَنَّهُ لَا يُنَجَّسُ حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ لَا أَنَّهُ مُطَهَّرٌ بِالْقُوَّةِ قَبْلَ الِاسْتِعْمَالِ فَإِنَّ ذَلِكَ أَمْرٌ حِسِّيٌّ أَوْ طَبْعِيٌّ لَا يَصْلُحُ تَعْلِيلُهُ وَإِنَّمَا التَّعْلِيلُ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فِي الْمُزِيلِ وَهُوَ عَدَمُ تَنَجُّسِهِ حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ وَالْحُكْمُ فِي الْمَحَلِّ، وَهُوَ ثُبُوتُ الطَّهَارَةِ فِيهِ هَذَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ أَيْ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ عَدَمُ ثُبُوتِ صِفَةِ النَّجَاسَةِ فِي الْمُزِيلِ وَهُوَ الْمَاءُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَسِ إلَى أَنْ يُزَالَ الثَّوْبُ، وَثُبُوتُ صِفَةِ الطَّهَارَةِ فِي الْمَحَلِّ بِوَاسِطَةِ الْإِزَالَةِ فَعَدَّيْنَا هَذَا الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ إلَى نَظِيرِهِ بِالتَّعْلِيلِ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ فِي الْأَصْلِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وَالطَّهُورُ اسْمٌ لِمَا يُتَطَهَّرُ بِهِ كَالرُّكُوبِ، وَالْمَحْلُوبُ اسْمٌ لِمَا يُرْكَبُ وَيُحْلَبُ وَأَنَّهُ إنَّمَا كَانَ طَهُورًا؛ لِأَنَّهُ مُزِيلٌ لِلنَّجَاسَةِ عَنْ الْمَحَلِّ لَا أَنَّهُ تَبَدُّلُ حُكْمِ النَّجَاسَةِ إلَى طَهَارَةٍ شَرْعًا بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَحَلَّ لَا يَطْهُرُ مَا لَمْ تَزُلْ عَيْنُ النَّجَاسَةِ عَنْهُ.
وَإِذَا كَانَ التَّطْهِيرُ بِحُكْمِ الْإِزَالَةِ، وَغَيْرُ الْمَاءِ يُشَارِكُ الْمَاءَ فِي الْإِزَالَةِ فَيُشَارِكُ فِي حُكْمِهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ طَهُورًا مِثْلَهُ، وَإِذَا صَارَ طَهُورًا سَقَطَ تَنَجُّسُهُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَسِ، وَثَبَتَ الطَّهَارَةُ فِي الْمَحَلِّ بَعْدَ تَحَقُّقِ الْإِزَالَةِ كَمَا فِي الْمَاءِ وَلَا يُقَالُ: الْمَاءُ مَعَ كَوْنِهِ طَهُورًا تَنَجَّسَ بِالْغُسْلِ بِهِ قِيَاسًا وَسَقَطَ حُكْمُ الْقِيَاسِ
стр. 1062
وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَزُولُ بِسَائِرِ الْمَائِعَاتِ لِأَنَّ عَمَلَ الْمَاءِ لَا يَثْبُتُ فِي مَحَلِّ الْحَدَثِ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْمُزَالِ وَذَلِكَ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ ثَبَتَ فِي مَحَلِّ الْغُسْلِ غَيْرُ مَعْقُولٍ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الَّذِي يُوجَدُ مُبَاحًا لَا يُبَالِي بِخَبَثِهِ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ إثْبَاتُهُ فِي أَوَانِ اسْتِعْمَالِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ بِالرَّأْيِ هُوَ مِمَّا لَا يُعْقَلُ مَعَ أَنَّ سَائِرَ الْمَائِعَاتِ يَلْحَقُنَا الْحَرَجُ بِخُبْثِهَا لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ لَا تُوجَدُ مُبَاحَةً غَالِبًا
ــ
[كشف الأسرار]
فِي حَقِّهِ بِالنَّصِّ ضَرُورَةَ إمْكَانِ التَّطْهِيرِ بِهِ، وَلَمْ يَرِدْ نَصٌّ فِي غَيْرِهِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ضَرُورَةً لِانْدِفَاعِهَا بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَيَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْقِيَاسِ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَاءَ تَنَجَّسَ بِالْغُسْلِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى تَنَجَّسَ لَمْ يَبْقَ طَهُورًا، فَإِنَّ هَذَا الِاسْمَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا حَالَةَ الْغُسْلِ؛ إذْ لَا حَقِيقَةَ لِلطَّهُورِيَّةِ إلَّا حَالَةَ الْغُسْلِ فَكَانَ طَهُورًا حَالَةَ الِاسْتِعْمَالِ بِالنَّصِّ لَا بِحُكْمِ الضَّرُورَةِ كَحِلِّ الْمَيْتَةِ بَلْ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ أَصْلِيَّةٌ لَهُ كَحِلِّ الذَّبِيحَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الضَّرُورَةَ تَرْتَفِعُ بِمِيَاهِ الْأَوْدِيَةِ ثُمَّ جَعَلَ مَاءَ الْبَحْرِ طَهُورًا بِلَا ضَرُورَةٍ فَثَبَتَ أَنَّهُ طَهُورٌ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهُ أَصْلٌ قَبْلَ التَّعْلِيلِ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ صَارَ طَهُورًا بِاعْتِبَارِ الْإِزَالَةِ فَصَارَ كُلُّ مُزِيلٍ طَهُورًا مِثْلَهُ حَتَّى إنَّ السَّيْفَ إذَا أَصَابَهُ دَمٌ فَيَبِسَ، وَمُسِحَ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ طَهُورٌ، وَكَانَ ذَلِكَ طَهُورًا؛ لِأَنَّهُ أَزَالَ عَيْنَهُ وَأَثَرَهُ كَالْمَاءِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيُّ ﵀ فِي جَوَابِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ أَنَّ بَعْضَ النَّجَاسَةِ الَّتِي كَانَتْ مُجَاوِرَةً لِلثَّوْبِ جَاوَرَ الْمَاءَ؛ لِأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَاءِ بِالْمُلَاقَاةِ مَا كَانَ بِتَبَدُّلِهِ فِي نَفْسِهِ بَلْ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَمِنْ ضَرُورَةِ إثْبَاتِ الْمُجَاوَرَةِ فِي حَقِّ الْمَاءِ عَدَمُ الْمُجَاوَرَةِ فِي الثَّوْبِ بِقَدْرِهِ، وَالنَّجَاسَةُ فِي نَفْسِهَا مُتَنَاهِيَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَنْقَطِعَ الْمُجَاوَرَةُ عَنْ الثَّوْبِ بِتَكَرُّرِ الْغُسْلِ لِتَنَاهِي النَّجَاسَةِ ضَرُورَةً إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ تَصَرَّفَ بِالْحُكْمِ بِتَنَاهِي النَّجَاسَةِ بِإِزَالَةِ الْعَيْنِ وَالْأَثَرِ فِيمَا لَهُ أَثَرٌ وَبِالثُّلُثِ فِيمَا أَثَرَ لَهُ فَثَبَتَ أَنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ الزَّوَالِ عَنْ الْمَحَلِّ وَعَدَمِ تَنَاهِي النَّجَاسَةِ مَرْدُودٌ عَقْلًا، وَأَنَّ التَّنَجُّسَ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ إنْ سُلِّمَ غَيْرُ مَانِعٍ عَنْ ثُبُوتِ الطَّهَارَةِ فِي الْمَحَلِّ.
وَكَذَا الطَّهَارَةُ فِي الْمَحَلِّ كَانَتْ ثَابِتَةً بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَلَمْ تَبْقَ بِالْمُجَاوَرَةِ فَإِذَا زَالَ الْمُجَاوِرُ وَظَهَرَتْ الطَّهَارَةُ الْأَصْلِيَّةُ لَا أَنْ تَثْبُتَ طَهَارَةٌ بِالنَّصِّ ابْتِدَاءً.
١ -
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ الْحَدَثَ لَا يَزُولُ بِسَائِرِ الْمَائِعَاتِ) وَوَجْهُ وُرُودِهِ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ إلْحَاقُ غَيْرِ الْمَاءِ بِهِ فِي كَوْنِهِ طَهُورًا بِعِلَّةِ الْإِزَالَةِ جَازَ فِي النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ الْإِلْحَاقُ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ طَهُورِيَّةَ الْمَاءِ فِيهَا بِاعْتِبَارِ الْإِزَالَةِ كَمَا فِي النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ، وَقَدْ أَنْكَرْتُمْ ذَلِكَ فَيَكُونُ مُنَاقَضَةً مِنْكُمْ فَقَالَ: لَا يَلْزَمُ عَلَيْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَمَلَ الْمَاءِ، وَهُوَ التَّطْهِيرُ لَا يَثْبُتُ فِي مَحَلِّ الْغُسْلِ إلَّا بِإِثْبَاتِ الْمُزَالِ، وَهُوَ الْمَانِعُ الْحُكْمِيُّ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ الْمُسَمَّى بِالْحَدَثِ لِيَثْبُتَ بِوَاسِطَةِ إزَالَتِهِ الطَّهَارَةُ فِي الْمَحَلِّ، وَذَلِكَ أَيْ الْمُزَالُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ ثَبَتَ فِي مَحَلِّ الْغُسْلِ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى لِطَهَارَةِ الْمَحَلِّ حَقِيقَةً وَشَرْعًا أَمَّا حَقِيقَةً فَظَاهِرٌ وَأَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّهُ لَوْ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ لَا يَغْسِلُ وَكَذَا حَلَّ لَهُ تَنَاوُلُ الطَّعَامِ بِالْيَدِ مِنْ غَيْرِ غُسْلٍ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَثْبَتَهُ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الَّذِي لَا يُبَالَى بِخَبَثِهِ بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فَلَمْ يَسْتَقِمْ إثْبَاتُ هَذَا الْمُزَالِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى عِنْدَ اسْتِعْمَالِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ بِالرَّأْيِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى لَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ لِلتَّعْدِيَةِ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ مَعَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى لَا يُمْكِنُ التَّعْدِيَةُ أَيْضًا عَنْ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ لَيْسَ بِنَظِيرِهِ لِلْمَاءِ، فَإِنَّ الْمَاءَ يُوجَدُ مُبَاحًا لَا يُبَالَى بِخَبَثِهِ فَلَا يَكُونُ فِي إثْبَاتِ الْمُزَالِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْهُ خَبَثُهُ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ حَرَجٌ فَيُمْكِنُ إثْبَاتُهُ.
فَأَمَّا سَائِرُ الْمَائِعَاتِ فَأَمْوَالٌ لَا تُوجَدُ مُبَاحَةً إلَى الْغَالِبِ فَيَكُونُ فِي إثْبَاتِ الْمُزَالِ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْهُ خَبَثُهَا، وَحُرْمَةُ الِانْتِفَاعِ بِهَا حَرَجٌ عَظِيمٌ فَلَا يَدُلُّ إثْبَاتُ
стр. 1063
وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ الْوُضُوءَ صَحَّ مَعَ هَذَا بِغَيْرِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ ثَبَتَ فِي مَحَلِّ الْعَمَلِ بِوَجْهٍ لَا يُعْقَلُ فَبَقِيَ الْمَاءُ عَامِلًا بِطَبْعِهِ مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يُعْقَلُ، وَهَذِهِ حُدُودٌ لَا يُهْتَدَى لِدَرْكِهَا إلَّا بِالتَّأَمُّلِ وَالْإِنْصَافِ وَتَعْظِيمِ حُدُودِ الشَّرْعِ وَتَوْقِيرِ السَّلَفِ ﵏ مِنَّةً مِنْ اللَّهِ وَفَضْلًا.
(بَابُ الرُّكْنِ)
قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ رُكْنُ الْقِيَاسِ مَا جُعِلَ عَلَمًا عَلَى حُكْمِ النَّصِّ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ النَّصُّ وَجُعِلَ الْفَرْعُ نَظِيرًا لَهُ فِي حُكْمِهِ بِوُجُودِهِ فِيهِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمُزَالِ فِيمَا لَا حَرَجَ فِي خَبَثِهِ عَلَى إثْبَاتِهِ فِيمَا فِيهِ حَرَجٌ فَيَمْتَنِعُ الْإِلْحَاقُ قِيَاسًا وَدَلَالَةً وَلَا يُقَالُ إذَا لَمْ يَثْبُتْ الْمُزَالُ فِي الْمَحَلِّ عِنْدَ اسْتِعْمَالِ الْمَائِعِ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ الصَّلَاةُ بِدُونِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّا لَا نُنْكِرُ وُجُودَ الْمَانِعِ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ فِي الْمَحَلِّ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: إنَّهُ لَا يَصِيرُ مُزَالًا بِاسْتِعْمَالِ الْمَائِعِ؛ لِأَنَّ إزَالَتَهُ بِالْمَاءِ تَثْبُتُ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فَلَا يَتَعَدَّى إلَى الْمَانِعِ أَوْ نَقُولُ: هُوَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْمَنْعِ عَنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَكِنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ فِي حَقِّ اسْتِعْمَالِ الْمَائِعِ وَظُهُورِ أَثَرِ طَهُورِيَّتِهِ بِإِزَالَتِهِ وَصَيْرُورَتِهِ خَبِيثًا بِاسْتِعْمَالِهِ فِيهِ، وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِ بَقِيَ غَيْرَ طَهُورٍ لِتَوَقُّفِ الطَّهُورِيَّةِ عَلَى الْإِزَالَةِ فَكَانَ اسْتِعْمَالُهُ وَعَدَمُ اسْتِعْمَالِهِ سَوَاءً.
١ -
قَوْلُهُ: (وَلَا يَلْزَمُ) يَعْنِي عَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَنَّ الْوُضُوءَ صَحَّ مَعَ هَذَا أَيْ مَعَ أَنَّ الْمُزَالَ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى بِغَيْرِ النِّيَّةِ يَعْنِي لِمَا اعْتَبَرَتْ جَانِبَ الْمُزَالِ فِي الْوُضُوءِ وَمَنَعَتْ عَنْ إلْحَاقِ غَيْرِ الْمَاءِ بِهِ لِكَوْنِ الْمُزَالِ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى أَنْ يَنْبَغِيَ أَنْ تُشْتَرَطَ النِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ لِثُبُوتِ الطَّهَارَةِ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى كَمَا فِي التَّيَمُّمِ فَقَالَ: الْمَاءُ مُطَهِّرٌ بِطَبْعِهِ لَمْ يَحْدُثْ فِيهِ مَعْنَى لَا يُعْقَلُ، وَإِنَّمَا حَدَثَ فِي الْمَحَلِّ نَجَاسَةُ غَيْرِ الْمَعْقُولِ حَتَّى صَارَ الْمَاءُ مُطَهِّرًا وَمُزِيلًا لَهُ، وَالنِّيَّةُ مِنْ شَرَائِطِ الْعَمَلِ فَإِذَا بَقِيَ الْمَاءُ طَهُورًا بِطَبْعِهِ، وَلَمْ يَتَغَيَّرْ لَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةِ التَّطْهِيرِ مُطَهِّرًا بِخِلَافِ التُّرَابِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ بِنَفْسِهِ بَلْ فِيهِ تَلْوِيثٌ.
وَإِنَّمَا جَعَلَهُ الشَّرْعُ مُطَهِّرًا، وَكَسَاهُ صِفَةَ الطَّهُورِيَّةِ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ فَيُشْتَرَطُ لِطَهُورِيَّتِهِ إرَادَةُ الصَّلَاةِ، فَإِذَا وُجِدَتْ حَدَثَتْ لَهُ صِفَةُ الطَّهُورِيَّةِ فَالْتَحَقَ بِالْمَاءِ فَبَعْدَ ذَلِكَ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ
قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀: هَذِهِ الْمَسَائِلُ لَا يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ فِيهَا إلَّا بَعْدَ تَمْيِيزِ الْآلَةِ مِنْ الرُّكْنِ فَالرُّكْنُ بِالْإِجْمَاعِ لَا يَقُومُ مَقَامَ رُكْنٍ، وَالْآلَةُ يَقُومُ مَقَامَ الْآلَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[بَابُ رُكْنُ الْقِيَاسِ]
(بَابُ الرُّكْنِ) قَوْلُهُ (رُكْنُ الْقِيَاسِ مَا جُعِلَ عَلَمًا عَلَى حُكْمِ النَّصِّ) رُكْنُ الشَّيْءِ جَانِبُهُ الْأَقْوَى لُغَةً وَفِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ رُكْنُ الشَّيْءِ مَا لَا وُجُودَ لِذَلِكَ الشَّيْءِ إلَّا بِهِ كَالْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِلصَّلَاةِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلْقِيَاسِ وُجُودٌ إلَّا بِالْمَعْنَى الَّذِي هُوَ مَنَاطُ الْحُكْمِ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى رُكْنًا فِيهِ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ عَلَمًا؛ لِأَنَّ الْمُوجِبَ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَالْعِلَلُ أَمَارَاتٌ عَلَى الْأَحْكَامِ فِي الْحَقِيقَةِ لَا مُوجِبَاتٌ فَكَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مُعَرِّفًا لِحُكْمِ الشَّرْعِ فِي الْمَحَلِّ، وَهُوَ مَعْنَى الْعَلَمِ.
ثُمَّ الْحُكْمُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مُضَافًا إلَى النَّصِّ وَفِي الْفَرْعِ إلَى الْعِلَّةِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ وَالْقَاضِي الْإِمَامِ وَالشَّيْخَيْنِ وَمُتَابَعِيهِمْ بِكَوْنِ ذَلِكَ الْمَعْنَى عَلَمًا عَلَى وُجُودِ حُكْمِ النَّصِّ فِي الْفَرْعِ وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَى الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جَمِيعًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنَى عَلَمًا عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِ النَّصِّ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَعًا وَذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مُشْتَمِلَةً عَلَى حِكْمَةٍ صَالِحَةً لَأَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً لِلشَّارِعِ مِنْ شَرْعِ الْحُكْمِ لَا بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ الْمُجَرَّدَةِ، لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مُجَرَّدَ أَمَارَةٍ وَهِيَ مُسْتَنْبَطَةٌ مِنْ حُكْمِ الْأَصْلِ لَزِمَ الدَّوْرُ؛ لِأَنَّهَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا مُسْتَنْبَطَةً مِنْ
стр. 1064
وَهُوَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لَازِمًا مِثْلُ الثَّمَنِيَّةِ جَعَلْنَاهَا عِلَّةً لِلزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ وَالطَّعْمِ جَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ عِلَّةً لِلرِّبَا، أَوْ وَصْفًا عَارِضًا أَوْ اسْمًا، «كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ إنَّهُ دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ» ، وَهُوَ اسْمُ عَلَمٍ
ــ
[كشف الأسرار]
حُكْمِ الْأَصْلِ تَكُونُ مُتَفَرِّعَةً عَنْهُ وَمِنْ حَيْثُ إنَّهَا أَمَارَةٌ مُجَرَّدَةٌ وَلَا فَائِدَةَ لِلْأَمَارَةِ سِوَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ كَانَ الْحُكْمُ مُتَفَرِّعًا عَنْهَا وَهُوَ دَوْرٌ.
قَالَ وَمِنْ كَوْنِ الْأَمَارَةِ الْمُجَرَّدَةِ لَا فَائِدَةَ لَهَا سِوَى تَعْرِيفِ الْحُكْمِ يُعْلَمُ بُطْلَانُ التَّعْلِيلِ بِهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ فِي الْأَصْلِ مُعَرَّفٌ بِالنَّصِّ، أَوْ بِالْإِجْمَاعِ مِمَّا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ النَّصُّ يَعْنِي يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الَّذِي جُعِلَ عَلَمًا عَلَى حُكْمِ النَّصِّ مِنْ الْأَوْصَافِ الَّتِي اشْتَمَلَ عَلَيْهَا النَّصُّ إمَّا بِصِيغَتِهِ كَاشْتِمَالِ نَصِّ الرِّبَا عَلَى الْكَيْلِ وَالْجِنْسِ، أَوْ بِغَيْرِ صِيغَتِهِ كَاشْتِمَالِ نَصِّ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْآبِقِ عَلَى الْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَعْنَى لَمَّا كَانَ مُسْتَنْبَطًا مِنْ النَّصِّ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِهِ صِيغَةً أَوْ ضَرُورَةً.
وَجُعِلَ الْفَرْعُ نَظِيرًا لَهُ فِي حُكْمِهِ بِوُجُودِ الضَّمِيرِ فِي لَهُ وَحُكْمُهُ رَاجِعٌ إلَى النَّصِّ وَفِي بِوُجُودِهِ رَاجِعٌ إلَى مَا، وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ يَعْنِي وَجُعِلَ الْفَرْعُ مُمَاثِلًا لِلنَّصِّ أَيْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي حُكْمِهِ مِنْ الْجَوَازِ وَالْغُسْلِ وَالْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ؛ بِسَبَبِ وُجُودِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي الْفَرْعِ وَقِيلَ هُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْعِلَّةِ الْقَاصِرَةِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ أَرْكَانَ الْقِيَاسِ أَرْبَعَةٌ: الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ وَحُكْمُ الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ الْجَامِعِ أَمَّا حُكْمُ الْفَرْعِ فَثَمَرَةُ الْقِيَاسِ لِتَوَقُّفِهِ عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ رُكْنًا فِيهِ لَتَوَقَّفَ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ مُحَالٌ، وَهَذَا حَسَنٌ؛ لِأَنَّ انْعِقَادَ الْقِيَاسِ كَمَا تَوَقَّفَ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ تَوَقَّفَ عَلَى الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ وَذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ أَنَّ رُكْنَ الْقِيَاسِ هُوَ الْوَصْفُ الصَّالِحُ الْمُؤَثِّرُ فِي ثُبُوتِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ مَتَى وُجِدَ مِثَالُهُ فِي الْفَرْعِ يَثْبُتُ مِثْلُ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِيهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاس لَمَّا كَانَ رَدَّ الْفَرْعِ إلَى أَصْلٍ لِإِثْبَاتِ حُكْمِ الْأَصْلِ فِيهِ وَلَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ حُكْمِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ بِالنَّصِّ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْفَرْعَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ وَصْفٌ يَجِبُ بِهِ الْحُكْمُ شَرْعًا حَتَّى يَثْبُتَ مِثْلُهُ فِي الْفَرْعِ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْوَصْفِ إذْ لَوْ لَمْ تَكُنْ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ فَدَلَّ أَنَّ الرُّكْنَ مَا قُلْنَا، وَإِنْ كَانَ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْقِيَاسِ سِوَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا شَرَائِطَهُ لَكِنَّ الْحُكْمَ يُضَافُ إلَى الرُّكْنِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرَائِطِ لَا إلَيْهَا كَالنِّكَاحِ يَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرَائِطِ مِنْ الْأَهْلِيَّةِ وَالشَّهَادَةِ وَنَحْوِهِمَا وَثُبُوتُ الْحُكْمِ يُضَافُ إلَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ دُونَ الشَّرَائِطِ فَكَذَا هَذَا، قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَهُوَ قَوْلُ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ ﵏ قَوْلُهُ.
(وَهُوَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لَازِمًا) أَيْ الْمَعْنَى الَّذِي جُعِلَ عَلَمًا عَلَى حُكْمِ النَّصِّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لَازِمًا لِلْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِثْلُ الثَّمَنِيَّةِ جَعَلْنَاهَا عِلَّةً لِلزَّكَاةِ فِي الْحُكْمِ فَقُلْنَا يَجِبُ فِيهَا الزَّكَاةُ سَوَاءٌ صِيغَتْ صِيَاغَةً تَحِلُّ أَوْ تَحْرُمُ كَمَا تَجِبُ فِي غَيْرِ الْمَصُوغِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ فِي غَيْرِ الْمَصُوغِ لِوَصْفِ أَنَّهُ ثَمَنٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ وَهَذِهِ الصِّفَةُ لَا تَبْطُلُ بِصَيْرُورَتِهِ حُلِيًّا فَإِنَّ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ خَلْقٌ جَوْهَرِيُّ الْأَثْمَانِ لَا يُعَارِضُهُمَا هَذَا الْوَصْفُ بِحَالٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الرِّبَا لَمَّا تَعَلَّقَ عِنْدَهُ هَذَا الْوَصْفُ بَقِيَ الْحُكْمُ بَعْدَمَا صَارَ حُلِيًّا لِبَقَاءِ الْوَصْفِ (فَإِنْ قِيلَ) الزَّكَاةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِكَوْنِهِ ثَمَنًا فَإِنَّ الدَّرَاهِمَ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ حُلِيًّا لَمْ يَجِبْ فِيهَا شَيْءٌ عِنْدِي بَلْ بِمَعْنَى تَحْتَ الثَّمَنِ، وَهُوَ أَنَّهُ لِلتِّجَارَةِ بِهِ، وَهَذَا وَصْفٌ عَارِضٌ يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ قِبَلِنَا فَإِذَا جُعِلَ حُلِيًّا سَقَطَ هَذَا الْوَصْفُ فَتَسْقُطُ الزَّكَاةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِهِ كَمَا لَوْ جُعِلَتْ السَّائِمَةُ عَلُوفَةً (قُلْنَا) لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِنَا ثَمَنٌ وَبَيْنَ قَوْلِنَا إنَّهُ مَالُ التِّجَارَةِ فَالتِّجَارَةُ تَكُونُ بِالْأَثْمَانِ وَبِالثَّمَنِيَّةِ
стр. 1065
وَانْفَجَرَ صِفَةٌ عَارِضَةٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ وَعَلَّلْنَا بِالْكَيْلِ، وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ وَيَكُونُ جَلِيًّا وَخَفِيًّا
ــ
[كشف الأسرار]
يَصِيرُ نِصَابًا لَا بِاسْتِعْمَالِنَا فَثَبَتَ أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ الَّتِي بِهَا صَارَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ نِصَابًا صِفَةً لَازِمَةً بِمَنْزِلَةِ صِفَةِ ذَاتِهِ لَا تَزُولُ بِحَالٍ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالطَّعْمُ جَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ عِلَّةً لِلرِّبَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ الطَّعْمَ يُنَبِّئُ عَنْ خَطَرِ الْمَحَلِّ لِتَعَلُّقِ بَقَاءِ الْعِلْمِ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ إظْهَارِ الشَّرَفِ فِي الْعَقْدِ بِشَرْطٍ زَائِدٍ، وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ كَمَا قَيَّدَ تَمَلُّكَ الْأَبْضَاعِ بِشُرُوطٍ ثُمَّ الطَّعْمُ وَصْفٌ لَازِمٌ لِلْمَطْعُومِ كَالثَّمَنِيَّةِ لِلْجَوْهَرَيْنِ فَثَبَتَ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِمِثْلِ هَذَا الْوَصْفِ جَائِزٌ وَوَصْفًا عَارِضًا وَاسْمًا يَعْنِي كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَصْفًا لَازِمًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا عَارِضًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّلَ لِانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ فِي حَقِّ الْمُسْتَحَاضَةِ بِقَوْلِهِ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ حُبَيْشٍ تَوَضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ، أَيْ دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ، وَهُوَ أَيْ الدَّمُ اسْمُ عَلَمٍ أَيْ اسْمٌ مَوْضُوعٌ لَمْ يُسْبَقْ عَنْ مَعْنًى انْفَجَرَ صِفَةٌ عَارِضَةٌ إذْ الدَّمُ مَوْجُودٌ فِي الْعِرْقِ، وَلَيْسَ بِمُنْفَجِرٍ.
فَالتَّعْلِيلُ بِالِاسْمِ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ صِفَةِ النَّجَاسَةِ وَبِالِانْفِجَارِ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ صِفَةِ الْخُرُوجِ فَيَتَعَلَّقُ الِانْتِقَاضُ بِهَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ (فَإِنْ قِيلَ) لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَعْلِيلَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَ لِانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ بَلْ لِنَفْيِ وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ أَوْ لِنَفْيِ سُقُوطِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْإِشْكَالَ كَانَ وَاقِعًا فِيهِمَا لَا فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ يَجِبُ بِالْبَوْلِ الَّذِي هُوَ أَدْنَى مِنْهُ فَكَانَ التَّعْلِيلُ لِبَيَانِ نَفْيِ وُجُوبِ الِاغْتِسَالِ عَنْهَا أَوْ لِسُقُوطِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُتَعَلِّقٌ بِدَمِ الرَّحِمِ لَا بِدَمِ الْعِرْقِ (قُلْنَا) قَدْ أَشْكَلَ وُجُوبُ الْوُضُوءِ عَلَى إمَامٍ مُجْتَهِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّ دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ حَدِيثٌ فَكَيْفَ لَا يُشْكَلُ عَلَى امْرَأَةٍ حَدِيثٌ عَهْدُهَا بِالْإِسْلَامِ، عَلَى أَنَّا نَجْعَلُ هَذَا التَّعْلِيلَ لِكُلِّ مَا يَصْلُحُ عِلَّةً لَهُ مِنْ الْمَنْظُومِ وَالْمَفْهُومِ جَمِيعًا فَيَكُونُ بِالنَّصِّ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَنْ كُلِّ دَمِ عِرْقٍ يَنْفَجِرُ أَيْ بِسَيْلٍ وَبِالْحَالِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الِاغْتِسَالَ وَسُقُوطَ الصَّلَاةِ لَا يَتَعَلَّقَانِ بِدَمِ الْعِرْقِ بَلْ بِدَمِ الرَّحِمِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ، وَلَا يَذْهَبْنَ بِك الْوَهْمُ فِي قَوْلِهِ وَصْفًا عَارِضًا وَاسْمًا إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ لِصِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِالْوَصْفِ الْعَارِضِ فَإِنَّ التَّعْلِيلَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَرِدًا صَحِيحٌ، وَلِهَذَا ذَكَرَ بَعْدَهُ وَصْفَ الْكَيْلِ مُنْفَرِدًا بِدُونِ ذِكْرِ الِاسْمِ وَقَدْ صَرَّحَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ بِذِكْرِ أَوْ مَكَانِ الْوَاوِ فَقَالَ: وَقَدْ يَكُونُ وَصْفًا عَارِضًا أَوْ اسْمًا وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي التَّقْوِيمِ أَيْضًا فَقِيلَ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لَازِمًا، أَوْ عَارِضًا أَوْ اسْمًا أَوْ حُكْمًا إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ ذَكَرَ الْوَاوَ.
وَلِأَنَّ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ لَا بُدَّ لِانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ تَفْصِيلًا وَاخْتِلَافًا فِي هَذَا الْفَصْلِ فَقَالَ إنَّ الِاسْمَ إذَا جُعِلَ عِلَّةً فَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا مِنْ فِعْلٍ كَالضَّارِبِ وَالْقَاتِلِ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ عِلَّةً؛ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ عِلَلًا فِي الْأَحْكَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَقًّا بِأَنْ كَانَ عَلَمًا كَزَيْدٍ وَعَمْرٍو وَلَا يَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ لِعَدَمِ لُزُومِهِ وَجَوَازِ انْتِقَالِهِ، وَإِنَّمَا يُوضَعُ مَوْضِعَ الْإِشَارَةِ وَلَيْسَتْ الْإِشَارَةُ بِعِلَّةٍ فَكَذَا الِاسْمُ الْقَائِمُ مَقَامَهَا وَإِنْ كَانَ اسْمُ جِنْسٍ كَالرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْبَعِيرِ وَالْفَرَسِ فَمِنْ الْأَصْحَابِ مَنْ جَوَّزَ التَّعْلِيلَ بِهِ لِلُزُومِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْأَسَامِي يُشْبِهُ التَّعْلِيلَ بِالطَّرْدِ وَهُوَ فَاسِدٌ بِخِلَافِ الْأَسَامِي الْمُشْتَقَّةِ فَإِنَّ التَّعْلِيلَ فِيهَا لِمَوْضِعِ الِاشْتِقَاقِ لَا بِنَفْسِ الِاسْمِ (فَإِنْ قِيلَ) مَا الْفَرْقُ بَيْنَ التَّعْلِيلِ بِاسْمِ الدَّمِ وَبَيْنَ التَّعْلِيلِ بِاسْمِ الْخَمْرِ حَيْثُ لَمْ يَجُزْ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ؟ قُلْنَا الْفَرْقُ أَنَّ التَّعْلِيلَ هُنَاكَ لِتَعْدِيَةِ اسْمِ الْخَمْرِ إلَى النَّبِيذِ ثُمَّ تَرْتِيبِ الْحُرْمَةِ عَلَى الِاسْمِ فَيَكُونُ قِيَاسًا
стр. 1066
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الَّتِي سَأَلَتْهُ عَنْ الْحَجِّ «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ» ، وَهَذَا حُكْمٌ وَكَقَوْلِنَا فِي الْمُدَبَّرِ إنَّهُ مَمْلُوكٌ تَعَلَّقَ عِتْقُهُ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى، وَهَذَا حُكْمٌ أَيْضًا
ــ
[كشف الأسرار]
فِي اللُّغَةِ فَلَا يَجُوزُ، وَالتَّعْلِيلُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الِاسْمِ لِتَعْدِيَةِ الْحُكْمِ بِهِ إلَى الْفَرْعِ لَا بِمُجَرَّدِ الِاسْمِ فَيَكُونُ تَعْلِيلًا بِالْوَصْفِ حَقِيقَةً فَيَصِحُّ.
وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ فِيهِ أَنَّ رُكْنَ الْقِيَاسِ قَدْ يَكُونُ اسْمًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ كَحُرْمَةِ الْخَمْرِ تَثْبُتُ بِاسْمِ الْخَمْرِ هُوَ عِلَّتُهَا حَتَّى لَا تَتَعَدَّى إلَى الثُّلُثِ وَتَثْبُتُ فِي قَلِيلِ الْخَمْرِ لِوُجُودِ الِاسْمِ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ.
وَكَذَا الْحُدُودُ يَتَعَلَّقُ بِاسْمِ الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ وَنَحْوِهَا قَالَ وَلَكِنَّا نَقُولُ إنْ عُنِيَ بِهِ أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الِاسْمِ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَثْبُتُ بِوَضْعِ أَرْبَابِ اللُّغَةِ، وَلَهُمْ أَنْ يُسَمُّوا الْخَمْرَ بِاسْمٍ آخَرَ وَإِنْ عُنِيَ بِهِ الْمَعْنَى الْقَائِمُ بِالذَّاتِ الَّذِي اسْتَحَقَّ بِهِ الِاسْمُ وَهُوَ كَوْنُ الْمَائِعِ مِنْ مَاءِ الْعِنَبِ بَعْدَمَا غَلَى أَوْ اشْتَدَّ فَهَذَا مُسَلَّمٌ وَلَكِنْ حِينَئِذٍ يَكُونُ هَذَا تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْمَعْنَى لَا بِالِاسْمِ وَعَلَّلْنَا يَعْنِي نَصَّ الرِّبَا بِوَصْفِ الْكَيْلِ، وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ وَصْفٌ عَارِضٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ عَادَاتِ النَّاسِ فِي الْأَمَاكِنِ وَالْأَوْقَاتِ، وَيَكُونُ جَلِيًّا أَيْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنَى ظَاهِرًا لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى زِيَادَةِ تَأَمُّلٍ مِثْلُ الطَّوْفِ جُعِلَ عِلَّةً لِسُقُوطِ النَّجَاسَةِ فِي الْهِرَّةِ وَسَوَاكِنِ الْبُيُوتِ وَخَفِيًّا مِثْلُ الْقَدْرِ وَالْجِنْسِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ، أَوْ الْمُرَادُ مِنْ الْجَلِيِّ الْمَعْنَى الْقِيَاسِيُّ وَمِنْ الْخَفِيِّ الْمَعْنَى الِاسْتِحْسَانَيْ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْأَوْصَافِ الْخَفِيَّةِ الْبَاطِنَةِ مِثْلُ تَعْلِيلِ ثُبُوتِ حُكْمِ الْبَيْعِ بِرِضَاءِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ الْمُعَلَّلَ بِهِ مُعَرِّفٌ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هُوَ خَفِيٌّ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ جَلِيًّا؛ لِأَنَّ الْخَفِيَّ لَا يُعْرَفُ بِالْخَفِيِّ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ الْوَصْفَ وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا لَكِنَّهُ بِدَلَالَةِ الصِّيَغِ الظَّاهِرَةِ عَلَيْهِ كَدَلَالَةِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ عَلَى الرِّضَا، أَوْ بِدَلَالَةِ التَّأْثِيرِ صَارَ مِنْ الْأَوْصَافِ الظَّاهِرَةِ فَيَجُوزُ التَّعْلِيلُ بِهِ قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حُكْمًا) أَيْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا جُعِلَ عَلَمًا عَلَى حُكْمِ النَّصِّ حُكْمًا مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فَإِنَّهُ ﷺ عَلَّلَ بِقَضَاءِ دَيْنِ الْعِبَادِ فِي حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ، وَهُوَ حُكْمٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ: لَا يَجُوزُ تَعْلِيلُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِالْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي فُرِضَ عِلَّةً إنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي جُعِلَ مَعْلُولًا لَزِمَ انْتِقَاضُ الْعِلَّةِ لِتَخَلُّفِ حُكْمِهَا عَنْهَا فَلَا يَصِحُّ عِلَّةً وَكَذَا إنْ تَأَخَّرَ عَنْهُ لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَ لَا يَكُونُ عِلَّةً لِلْمُتَقَدِّمِ وَكَذَا إنْ قَارَنَهُ إذْ لَيْسَ جَعْلُ أَحَدِهِمَا عِلَّةً لِلْآخَرِ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هُوَ عِلَّةٌ وَأَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ فَهُوَ إذَنْ عَلَى تَقْدِيرَاتٍ ثَلَاثٍ لَا يَكُونُ عِلَّةً وَعَلَى تَقْدِيرِ وَاحِدٌ يَكُونُ عِلَّةً، وَالْعِبْرَةُ فِي الشَّرْعِ لِلْغَالِبِ لَا لِلنَّادِرِ فَوَجَبَ الْحُكْمُ؛ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ وَلِأَنَّ شَرْطَ الْعِلَّةِ التَّقَدُّمُ عَلَى الْمَعْلُولِ وَتَقَدُّمُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَكَانَ شَرْطُ الْعِلِّيَّةِ مَجْهُولًا فَلَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِالْعِلِّيَّةِ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ إلَى أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْحُكْمِ يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّلَ بِهِ فِي حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ حَيْثُ قَالَ «أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ» وَالدَّيْنُ عِبَارَةٌ عَنْ ثَابِتٍ فِي الذِّمَّةِ وَذَلِكَ بِالْوُجُوبِ وَأَنَّهُ حُكْمٌ.
وَقَالَ فِي حَدِيثِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ «أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضَتْ بِمَاءٍ ثُمَّ مَجَجْتَهُ أَكَانَ يَضُرُّكَ» وَفِي حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ «أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضَتْ بِمَاءٍ، ثُمَّ مَجَجْتَهُ أَكُنْت شَارِبَهُ» وَفِي إتْيَانِ الرَّجُلِ أَهْلَهُ «أَرَأَيْت لَوْ وَضَعَهُ فِي حَرَامٍ أَكَانَ يَأْثَمُ» فَهَذَا كُلُّهُ تَعْلِيلٌ بِالْحُكْمِ وَلِأَنَّ الْعِلَّةَ إنْ جُعِلَتْ بِمَعْنَى الْأَمَارَةِ الْمُعَرِّفَةِ فَلَا امْتِنَاعَ فِي أَنْ يَجْعَلَ الشَّارِعُ حُكْمًا عَلَمًا لِحُكْمٍ آخَرَ بِأَنْ يَقُولَ إذَا حَرَّمْتُ كَذَا فَاعْلَمُوا أَنِّي
стр. 1067
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَرْدًا وَعَدَدًا كَمَا
ــ
[كشف الأسرار]
حَرَّمْت كَذَا أَوْ إذَا أَوْجَبْتُ كَذَا فَاعْلَمُوا أَنِّي حَكَمْت بِكَذَا وَإِنْ جُعِلَتْ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ فَلَا امْتِنَاعَ أَيْضًا فِي أَنْ يَكُونَ تَرْتِيبُ أَحَدِ الْحُكْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مُسْتَلْزِمًا حُصُولَ مَصْلَحَةٍ لَا تَحْصُلُ مِنْ أَحَدِهِمَا بِانْفِرَادٍ فَثَبَتَ أَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْحُكْمِ جَائِزٌ وَخَرَجَ بِمَا ذَكَرْنَا الْجَوَابُ عَنْ كَلَامِهِمْ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ انْتِقَاضَ الْعِلَّةِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّقْدِيمِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَمْ يَكُنْ عِلَّةً بِذَاتِهِ بَلْ بِجَعْلِ الشَّارِعِ إيَّاهُ عِلَّةً بِقِرَانِ الْحُكْمِ الْآخَرِ بِهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَيْضًا عَدَمَ صَلَاحِيَّتِهِ لِلْعِلِّيَّةِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ بِمَعْنَى الْمُعَرِّفِ، وَالْمُتَأَخِّرُ يَصْلُحُ مُعَرِّفًا لِلْمُتَقَدِّمِ وَلَا عَلَى تَقْدِيرِ الْمُقَارَنَةِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ مَفْرُوضٌ فِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ مُنَاسِبًا لِلْحُكْمِ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ وَلَا نُسَلِّمُ أَيْضًا أَنَّ التَّقَدُّمَ شَرْطُ الْعِلِّيَّةِ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَقَوْلُنَا فِي الْمُدَبَّرِ إنَّهُ مَمْلُوكٌ تَعَلَّقَ عِتْقُهُ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ مِنْ قَبِيلِ التَّعْلِيلِ بِالْحُكْمِ لِأَنَّ التَّعَلُّقَ حُكْمٌ ثَابِتٌ بِالتَّعْلِيقِ وَقَوْلُهُ بِمُطْلَقِ مَوْتِ الْمَوْلَى احْتِرَازٌ عَنْ الْمُدَبَّرِ الْمُقَيَّدِ فَإِنَّ بَيْعَهُ جَائِزٌ بِالِاتِّفَاقِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، أَوْ قَدِمَ غَائِبِي فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي أَوْ قَالَ: إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا أَوْ مِنْ الْمَرَضِ الْفُلَانِيِّ فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي.
١ -
قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ) أَيْ مَا جُعِلَ عَلَمًا عَلَى حُكْمِ النَّصِّ فَرْدًا أَيْ وَصْفًا فَرْدًا، وَهُوَ بِلَا خِلَافٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَدَدًا مِنْ الْأَوْصَافِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِثُبُوتِ الْحُكْمِ مِنْ اجْتِمَاعِ تِلْكَ الْأَوْصَافِ حَتَّى لَوْ كَانَ كُلُّ وَصْفٍ يَعْمَلُ فِي الْحُكْمِ بِانْفِرَادِهِ كَاجْتِمَاعِ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَذْيِ وَالرُّعَافِ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُسْتَقِلٌّ فِي إثْبَاتِ حُكْمِ الْحَدَثِ وَكَاجْتِمَاعِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ وَالرِّدَّةِ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُسْتَبِدٍّ فِي إيجَابِ الْقَتْلِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ مِمَّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ وَفِيهِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ أَهْلِ الْأُصُولِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ ثُمَّ التَّعْلِيلُ بِعَدَدٍ مِنْ الْأَوْصَافِ جَائِزٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِهِ عِلِّيَّةُ الْوَصْفِ الْوَاحِدِ ثَبَتَ بِهِ عِلِّيَّةُ الْأَوْصَافِ الْمُتَعَدِّدَةِ إذْ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ تَكُونَ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ مِنْ الْأَوْصَافِ الْمُتَعَدِّدَةِ عِلَّةً بِمَا يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَى ظَنِّ التَّعْلِيلِ بِهَا مِنْ تَأْثِيرٍ، أَوْ مُنَاسَبَةٍ أَوْ إخَالَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ مِنْهُمْ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّ التَّعْلِيلَ لَا يَجُوزُ إلَّا بِوَصْفٍ وَاحِدٍ لَا تَرْكِيبَ فِيهِ؛ لِأَنَّ تَرْكِيبَ الْعِلَّةِ لَوْ صَحَّ لَكَانَتْ الْعِلِّيَّةُ صِفَةً زَائِدَةً عَلَى مَجْمُوعِ الْأَوْصَافِ؛ لِأَنَّا نَعْقِلُ مَجْمُوعَ الْأَوْصَافِ وَنَجْهَلُ كَوْنَهَا عِلَّةً وَالْمَجْهُولُ غَيْرُ الْمَعْلُومِ بَعْدَمَا ثَبَتَ أَنَّهَا زَائِدَةٌ فَأَمَّا أَنْ يُقَالَ: حَصَلَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ بِتَمَامِهَا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْصَافِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَصْفٍ عِلَّةً لَا أَنْ يَكُونَ الْمَجْمُوعُ عِلَّةً وَهُوَ خِلَافُ الْفَرْضِ وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ حَصَلَتْ تِلْكَ الصِّفَةُ لِلْمَجْمُوعِ وَحِينَئِذٍ يَلْزَمُ إنْ ثَبَتَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَوْصَافِ جُزْءٌ مِنْ تِلْكَ الصِّفَةِ وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ انْقِسَامَ الصِّفَةِ الْعَقْلِيَّةِ بِحَيْثُ يَكُونُ لَهَا نِصْفٌ وَثُلُثٌ وَرُبُعٌ مُحَالٌ.
وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا امْتِنَاعَ فِي حُصُولِ الصِّفَةِ لِلْمَجْمُوعِ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْأَفْرَادِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ شَيْءٌ وَاحِدٌ عَلَى أَنَّ مَا ذَكَرْتُمْ يَنْتَقِضُ بِالْحُكْمِ عَلَى الْمُتَعَدِّدِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْحُرُوفِ بِأَنَّهُ خَبَرٌ وَاسْتِخْبَارٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَقْسَامِ الْكَلَامِ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ خَبَرًا زَائِدٌ عَلَيْهِ ثُمَّ إمَّا أَنْ يَقُومَ كَوْنُهُ خَبَرًا بِكُلِّ حَرْفٍ أَوْ بِمَجْمُوعِ الْحُرُوفِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ انْقِسَامُ الْمَعْنَى
стр. 1068
فِي بَابِ الرِّبَا، أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي النَّصِّ وَهَذَا لَا يَشْكُلُ وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ إذَا كَانَ ثَابِتًا بِهِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي السَّلَمِ، وَهُوَ مَعْلُولٌ بِإِعْدَامِ الْعَاقِدِ وَلَيْسَ فِي النَّصِّ وَالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْآبِقِ مَعْلُولٌ بِالْجَهَالَةِ، أَوْ الْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ وَلَيْسَ فِي النَّصِّ وَعَلَّلَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ بِإِرْقَاقِ جُزْءٍ مِنْهُ وَلَيْسَ فِي النَّصِّ لَكِنَّهُ ثَابِتٌ بِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
إلَى آخَرِ مَا ذَكَرْتُمْ وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ مَجْمُوعِ الْأَوْصَافِ عِلَّةً هُوَ أَنَّ الشَّارِعَ قَضَى بِالْحُكْمِ عِنْدَهُ رِعَايَةً لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْأَوْصَافُ مِنْ الْحِكْمَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ صِفَةً لَهَا فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ صِفَةً زَائِدَةً لِيَلْزَمَ مَا ذَكَرُوهُ وَقَوْلُهُ كَمَا فِي الرِّبَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ عَدَدًا فَإِنَّ حُرْمَةَ الرِّبَا مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصْفَيْنِ وَهُمَا الْقَدْرُ وَالْجِنْسُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِالْجَمِيعِ فَإِنَّ حُرْمَةَ رِبَا النَّسِيئَةِ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصْفٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ الْجِنْسُ أَوْ الْقَدْرُ عِنْدَنَا وَحُرْمَةُ رِبَا الْفَضْلِ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصْفَيْنِ كَمَا قُلْنَا فَيَكُونُ الرِّبَا مِثَالًا لِلْفَرْدِ وَالْعَدَدِ جَمِيعًا وَالتَّعْلِيلُ بِالْأَوْصَافِ مِثْلُ تَعْلِيلِنَا فِي نَجَاسَةِ سُؤْرِ السِّبَاعِ بِأَنَّ السِّبَاعَ حَيَوَانٌ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ لَا لِكَرَامَتِهِ وَلَا بَلْوَى فِي سُؤْرِهِ فَيَكُونُ سُؤْرُهُ نَجَسًا كَسُؤْرِ الْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ وَكَتَعْلِيلِ وُجُوبِ الْقِصَاصِ بِالْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ مِنْ الْخَشَبِ بِأَنَّهُ قَتْلُ عَمْدٌ عُدْوَانٌ مَحْضٌ فَيَكُونُ مُوجِبًا لِلْقِصَاصِ كَالْقَتْلِ بِالسَّيْفِ، ثُمَّ مَنْ جَوَّزَ التَّعْلِيلَ بِالْأَوْصَافِ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى عَدَدٍ إلَّا مَا نُقِلَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُزِيدَ الْأَوْصَافَ عَلَى سَبْعَةٍ وَجْهُهُ أَنَّ أَقْصَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ مَحَلُّهُ وَمَعْنَى يَقْتَضِيهِ إمَّا مُطْلَقًا، أَوْ مَشْرُوطًا بِوُجُودِ شَرْطٍ، أَوْ عَدَمِ مَانِعٍ وَقَدْ يَتَعَلَّقُ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي بِالْفَاعِلِ فَيُعْتَبَرُ أَهْلِيَّتُهُ وَأَقْصَاهَا الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ، ثُمَّ قَدْ لَا يَشْتَغِلُ بِهِ الشَّخْصُ الْوَاحِدُ بِصِيَغِ الْمُعَارَضَاتِ فَيَحْتَاجُ إلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ مَجْمُوعُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ إيجَابًا وَقَبُولًا صُدُورًا مِنْ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ فِي الْمَحَلِّ مَعَ قِرَانِ الشَّرْطِ وَانْتِفَاءِ الْمَانِعِ وَهِيَ سَبْعَةٌ وَكُلُّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ فَهُوَ تَفْصِيلُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَيُمْكِنُ رَدُّهُ إلَيْهَا وَلَمَّا لَمْ يَخْلُ هَذَا عَنْ تَكَلُّفٍ كَمَا نَرَى أَعْرَضَ عَنْهُ الْعَامَّةُ وَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى عَدَدٍ قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ فِي النَّصِّ) يَعْنِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَذْكُورًا فِي النَّصِّ لَوْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى ثَابِتًا فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ كَالتَّعْلِيلِ بِالطَّوَافِ فِي الْهِرَّةِ فَإِنَّهُ مَذْكُورٌ فِي النَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ عَلَيْكُمْ» ، أَوْ هُوَ ثَابِتٌ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْهِرَّةُ، وَكَذَا التَّعْلِيلُ بِالْقَدْرِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ فَإِنَّهُ مَذْكُورٌ فِي النَّصِّ، وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ كَيْلًا بِكَيْلٍ وَزْنًا بِوَزْنٍ، أَوْ ثَابِتٌ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْأَشْيَاءُ السِّتَّةُ.
وَهَذَا لَا يَشْكُلُ أَيْ جَوَازُ التَّعْلِيلِ بِوَصْفٍ فِي النَّصِّ غَيْرُ مُشْكِلٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ هُوَ الَّذِي يُعَلِّلُ فَالتَّعْلِيلَ بِوَصْفٍ فِيهِ يَكُونُ صَحِيحًا لَا مَحَالَةَ.
وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ إذَا كَانَ ثَابِتًا بِهِ مَعْنًى وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْمَعْنَى ثَابِتًا بِصَرِيحِ النَّصِّ، أَوْ لَا يَكُونُ ثَابِتًا فِي الْمَحَلِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بَلْ يَكُونُ فِي غَيْرِهِ وَلَكِنَّهُ مِنْ ضَرُورَاتِهِ مِثْلُ تَعْلِيلِ جَوَازِ السَّلَمِ بِإِعْدَامِ الْعَاقِدِ أَيْ بِفَقْرِهِ وَاحْتِيَاجِهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي النَّصِّ؛ لِأَنَّ الْإِعْدَامَ مَعْنًى فِي الْعَاقِدِ لَا فِي السَّلَمِ لَكِنَّهُ ثَابِتٌ بِهِ أَيْ بِالنَّصِّ بِاعْتِبَارِ أَنَّ وُجُودَ السَّلَمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ يَقْتَضِي عَاقِدًا وَالْإِعْدَامُ صِفَتُهُ فَكَانَ ثَابِتًا بِاقْتِضَائِهِ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الثَّابِتِ بِعَيْنِ النَّصِّ وَعَلَّلَ الشَّافِعِيُّ عَدَمَ جَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ عَلَى الْحُرَّةِ الثَّابِتِ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ» بِأَنَّهُ أَيْ نِكَاحَ الْأَمَةِ إرْقَاقُ جُزْءٍ مِنْهُ، وَهُوَ الْوَلَدُ مَعَ الْغُنْيَةِ عَنْهُ فَلَا يَجُوزُ وَعَدَاهُ إلَى نِكَاحِ الْأَمَةِ مَعَ طُولِ الْحُرَّةِ وَلَيْسَ فِي النَّصِّ فَإِنَّ قَوْلَهُ ﷺ «لَا تُنْكَحُ الْأَمَةُ عَلَى الْحُرَّةِ» لَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِصَرِيحِهِ وَلَكِنَّهُ ثَابِتٌ بِهِ فَإِنَّ ذِكْرَ النِّكَاحِ يَقْتَضِي نَاكِحًا كَمَا أَنَّ ذِكْرَ السَّلَمِ يَقْتَضِي عَاقِدًا
стр. 1069
وَإِنَّمَا اسْتَوَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إنَّمَا تُعْرَفُ صِحَّتُهَا بِأَثَرِهَا وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ، وَاتَّفَقُوا أَنَّ كُلَّ أَوْصَافِ النَّصِّ بِجُمْلَتِهَا لَا يَجِبُ أَنْ تَكُونَ عِلَّةً.
وَاخْتَلَفُوا فِي دَلَالَةِ كَوْنِهِ عِلَّةً عَلَى قَوْلَيْنِ فَقَالَ أَهْلُ الطَّرْدِ: إنَّهُ يَصِيرُ حُجَّةً بِمُجَرَّدِ الِاطِّرَادِ مِنْ غَيْرِ مَعْنًى يُعْقَلُ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْإِرْقَاقُ صِفَتُهُ فَكَانَ ثَابِتًا بِمُقْتَضَى النَّصِّ.
وَذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْوَصْفِ قَائِمًا بِمَحَلِّ الْحُكْمِ فَعِنْدَ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ هُوَ شَرْطٌ اسْتِدْلَالًا بِالْعِلَلِ الْعَقْلِيَّةِ كَالْحَرَكَةِ عِلَّةٌ لِصَيْرُورَةِ الذَّاتِ مُتَحَرِّكًا، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ الْحَرَكَةُ فِي مَحَلِّ عِلَّةٍ لِصَيْرُورَةِ ذَاتِ آخَرَ مُتَحَرِّكًا فَكَذَا فِي الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَشَايِخُنَا قَالُوا إنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْوَصْفُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْحُكْمِ فَإِنَّ الْبَيْعَ وَالنِّكَاحَ وَالطَّلَاقَ وَنَحْوَهَا عِلَلٌ لِثُبُوتِ الْأَحْكَامِ فِي الْمَحَالِّ بِهَذِهِ الْعِبَارَاتِ قَائِمَةٌ بِالْعَاقِدَيْنِ.
وَكَذَا كَوْنُ الشَّخْصِ مُعْدَمًا مُحْتَاجًا، عِلَّةُ جَوَازِ السَّلَمِ وَالْإِجَارَةِ، وَهَذَا الْوَصْفُ قَائِمٌ بِالْعَاقِدِ لَا بِمَحَلِّ الْحُكْمِ قَالَ: وَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ وُجُودُهُ شَرْطًا فِي مَحَلِّ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ وَدَلَالَاتٌ عَلَى الْأَحْكَامِ وَقِيَامُ الدَّلِيلِ بِالْمَدْلُولِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِصِحَّةِ الدَّلِيلِ كَالْعَالَمِ دَلِيلُ وُجُودِ الصَّانِعِ؛ وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ السِّحْرَ عِلَّةٌ لِتَغَيُّرِ الْمَسْحُورِ.
وَكَذَا الْعَيْنُ عِلَّةٌ لِتَغَيُّرِ الشَّيْءِ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْعَيْنُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الِاتِّصَالُ وَإِنَّمَا يَخْتَصُّ الْعِلَّةُ بِهَذَا الشَّرْطِ عِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ وَلِهَذَا أَنْكَرُوا السِّحْرَ وَالْعَيْنَ لِعَدَمِ الِاتِّصَالِ بِمَحَلِّ الْحُكْمِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا اسْتَوَتْ هَذِهِ الْوُجُوهُ) يَعْنِي الْوُجُوهَ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ قَوْلِهِ، وَهُوَ جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لَازِمًا إلَى قَوْلِهِ وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهِ إذَا كَانَ ثَابِتًا بِهِ فِي صِحَّةِ التَّعْلِيلِ بِهَا؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ الَّذِي ثَبَتَ بِهِ كَوْنُ الْوَصْفِ حُجَّةً وَيُعْرَفُ بِهِ كَوْنُهُ عِلَّةً هُوَ الْأَثَرُ عَلَى مَا نُبَيِّنُ وَذَلِكَ أَيْ الْأَثَرُ لَا يُوجِبُ الْفَصْلَ بَيْنَ هَذِهِ الْوُجُوهِ لِجَوَازِ ظُهُورِ التَّأْثِيرِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فَمَتَى ظَهَرَ لِشَيْءٍ مِنْهَا التَّأْثِيرُ فَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ حُجَّةً فَوَجَبَ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهِ.
وَاتَّفَقُوا أَنَّ كُلَّ أَوْصَافِ النَّصِّ بِجُمْلَتِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً؛ لِأَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْأَوْصَافِ فِي الْحُكْمِ فَإِنَّ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ بِوَصْفِ الْأَعْرَابِيِّ الْمَذْكُورِ فِي «قَوْلِهِ ﷺ لِلْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ أَعْتِقْ رَقَبَةً» فِي الْحُكْمِ فَإِنَّ التُّرْكِيَّ وَالْهِنْدِيَّ فِيهِ سَوَاءٌ وَلَا لِمَعْنَى الْحُرِّيَّةِ فَإِنَّ الْكَفَّارَةَ تَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ وَلَا لِوِقَاعِ الْأَهْلِ فَإِنَّهَا تَجِبُ بِالزِّنَا وَبِوَطْءِ الْأَمَةِ وَلَا لِلْيَوْمِ الْمُعَيَّنِ مِنْ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ فَإِنَّ سَائِرَ الْأَيَّامِ مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ وَسَائِرِ شُهُورِ رَمَضَانَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ سَوَاءٌ وَكَذَا الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْحَوَادِثِ فَإِنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى مَكَانِ كَذَا وَزَمَانِ كَذَا وَلَا دَخْلَ لِمِثْلِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فِي الْحُكْمِ بِالِاتِّفَاقِ فَعَرَفْنَا أَنَّ التَّعْلِيلَ بِجَمِيعِ الْأَوْصَافِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ وَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِجَمِيعِ الْأَوْصَافِ تَعْلِيلٌ بِمَا لَا يَتَعَدَّى؛ لِأَنَّ جَمِيعَ الْأَوْصَافِ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَذَلِكَ فَاسِدٌ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ وَكَمَا اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِالْجَمْعِ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّعْلِيلِ بِكُلِّ وَصْفٍ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِجَمِيعِ الْأَوْصَافِ فِي الْحُكْمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحِنْطَةَ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنَّهَا مَكِيلَةٌ مَطْعُومَةٌ مُقْتَاتَةٌ مُدَّخَرَةٌ جب جثم شَيْءٌ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ كُلَّ وَصْفٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ عِلَّةٌ لِحُكْمِ الرِّبَا فِيهَا بَلْ الْعِلَّةُ بَعْضُ هَذِهِ الْأَوْصَافِ وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُعَلِّلِ أَنْ يُعَلِّلَ بِأَيِّ وَصْفٍ شَاءَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ؛ لِأَنَّ ادَّعَاهُ وَصْفًا مِنْ الْأَوْصَافِ أَنَّهُ عِلَّةٌ بِمَنْزِلَةِ دَعْوَاهُ الْحُكْمَ فَكَمَا لَا يُسْمَعُ مِنْهُ دَعْوَى الْحُكْمِ بِلَا دَلِيلٍ لَا يُسْمَعُ دَعْوَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً بِلَا دَلِيلٍ.
وَذَكَرَ بَعْضُ
стр. 1070
وَقَالَ أَئِمَّةُ الْفِقْهِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ: إنَّهُ لَا يَصِيرُ حُجَّةً إلَّا بِمَعْنًى يُعْقَلُ وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ صَلَاحُ الْوَصْفِ، ثُمَّ عَدَالَتُهُ وَذَلِكَ عَلَى مِثَالِ الشَّاهِدِ لَا بُدَّ مِنْ صَلَاحِهِ بِمَا يَصِيرُ بِهِ أَهْلًا لِلشَّهَادَةِ ثُمَّ عَدَالَتُهُ لِيَصِحَّ مِنْهُ أَدَاءُ الشَّهَادَةِ، ثُمَّ لَا يَصِحُّ الْأَدَاءُ إلَّا بِلَفْظٍ خَاصٍّ
ــ
[كشف الأسرار]
الْجَدَلِيِّينَ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ وَلَكِنْ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يُبْطِلَ مَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُعَلِّلُ إنْ كَانَ عِنْدَهُ مُبْطَلٌ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لَزِمَهُ الِانْقِيَادُ وَهَذَا فَاسِدٌ لِمَا قُلْنَا إنَّ الْمُعَلِّلَ مُدَّعٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبُرْهَانِ عَلَى دَعْوَاهُ لِئَلَّا يَكُونَ مُتَحَكِّمًا عَلَى شَرْعٍ (فَإِنْ قِيلَ) عَجْزُ السَّائِلِ عَنْ الِاعْتِرَاضِ، أَوْ انْتِفَاءُ الْمُفْسِدِ هُوَ الدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ (قُلْنَا) وَمِنْ أَيْنَ ثَبَتَ أَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الِاعْتِرَاضِ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ وَالسَّائِلُ مُسْتَرْشِدٌ يَطْلُبُ دَلِيلَ الْعِلَّةِ لِيَنْقَادَ لِقَضِيَّتِهَا فَكَانَ عَلَى الْمُعَلِّلِ إقَامَةُ الدَّلِيلِ وَكَيْفَ يُمْكِنُ جَعْلُ انْتِفَاءِ الْمُفْسِدِ دَلِيلُ الصِّحَّةِ مَعَ إمْكَانِ قَلْبِهِ لِلسَّائِلِ بِأَنْ يَقُولَ لَا بَلْ عَدَمُ الْمُصَحِّحِ دَلِيلُ فَسَادِهِ.
يُوَضِّحُهُ أَنَّ الْمُدَّعِيَ لَوْ قَالَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَجْزُك عَنْ الِاعْتِرَاضِ عَلَى دَعْوَايَ وَعَنْ نَقْضِهَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّتِهَا فَلَا حَاجَةَ لِي إلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، أَوْ قَالَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِلْمُدَّعِي عَجْزُك عَنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنِّي مُحِقٌّ كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا وَلَا يَسْقُطُ بِهَذَا إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَنْ الْمُدَّعِي وَلَا الْيَمِينُ عَنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَكَذَا هَاهُنَا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ فَاعْلَمْ أَنَّ الْقِيَاسَ يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ كَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِ الْعِلَّةِ فِي الْأَصْلِ يَتَوَقَّفُ عَلَى وُجُودِهَا فِي الْفَرْعِ إلَّا أَنَّ وُجُودَهَا فِي الْفَرْعِ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَدِلَّةِ مِنْ الْحِسِّ وَدَلِيلِ الْعَقْلِ وَالْعُرْفِ وَالشَّرْعِ، وَوُجُودُهَا فِي الْأَصْلِ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّ كَوْنَ الْوَصْفِ عِلَّةَ وَضْعٍ شَرْعِيٍّ كَمَا أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ فَلَمْ يُمْكِنْ إثْبَاتُهُ إلَّا بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ وَالْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ النُّصُوصُ وَالْإِجْمَاعُ وَالِاسْتِنْبَاطُ وَلَا خِلَافَ أَنَّ النَّصَّ يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْعِلَّةِ سَوَاءٌ دَلَّ عَلَيْهَا بِطَرِيقِ التَّصْرِيحِ بِأَنْ يَذْكُرَ الشَّارِعُ لَفْظًا مِنْ أَلْفَاظِ التَّعْلِيلِ بِأَنْ يَقُولَ لِكَذَا، أَوْ لِعِلَّةِ كَذَا أَوْ لِأَجْلِ كَذَا، أَوْ مَا يَجْرِي مَجْرَاهَا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٣٢] ﴿كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: ٧] " وَقَوْلُهُ ﷺ «كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ» لِأَجْلِ الرَّأْفَةِ عَلَى الْقَافِلَةِ أَوْ بِطَرِيقِ التَّنْبِيهِ وَالْإِشَارَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ ﷺ «أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضَتْ بِمَاءٍ» «أَرَأَيْت لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ» «أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذَا جَفَّ» «تَمْرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ» «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَكَقَوْلِ الرَّاوِي «وَسَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَجَدَ» «زَنَى مَاعِزٌ فَرُجِمَ» وَكَذَا الْإِجْمَاعُ يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَيْهَا بِالْإِجْمَاعِ مِثْلُ وَصْفِ الصِّغَرِ فَإِنَّهُ عِلَّةٌ لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَى الْمَالِ بِالْإِجْمَاعِ فَأَثْبَتْنَا بِهِ وِلَايَةَ الْإِنْكَاحِ فِي الثَّيِّبِ الصَّغِيرِ وَمِثْلُ تَقْدِيمِ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ عَلَى الْأَخِ لِأَبٍ فِي الْمِيرَاثِ فَإِنَّ امْتِزَاجَ الْأُخُوَّةِ عِلَّةُ التَّقْدِيمِ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ فَيُقَاسَ عَلَيْهِ النِّكَاحُ وَبِعَدَمِ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فِيهِ أَيْضًا بِهَذِهِ الْعِلَّةِ.
[مَا يصلح دَلِيلًا عَلَى الْعِلَّة]
وَعِنْدَ عَدَمِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ اخْتَلَفَ الْقَايِسُونَ فِيمَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْعِلَّةِ كَمَا قَرَّرَهُ الشَّيْخُ بِقَوْلِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي دَلَالَةِ كَوْنِهِ عِلَّةً أَيْ فِيمَا يَدُلُّ كَوْنُ الْوَصْفِ عِلَّةً عَلَى قَوْلَيْنِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الِاطِّرَادُ، وَهُوَ وُجُودُ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَصْفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْقِلَ فِيهِ مَعْنَى مِنْ تَأْثِيرٍ، أَوْ إخَالَةٍ يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْعِلَّةِ وَيَصِيرُ الْوَصْفُ بِهِ حُجَّةً عَلَى الْغَيْرِ وَهُمْ الْمُسَمَّوْنَ بِأَهْلِ الطَّرْدِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ أَقْوَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِي هَذَا الْبَابَ وَقَالَ عَامَّتُهُمْ لَا يَصِيرُ الْوَصْفُ حُجَّةً بِمُجَرَّدِ الِاطِّرَادِ وَلَا بُدَّ لِصَيْرُورَتِهِ
стр. 1071
وَاتَّفَقُوا فِي صَلَاحِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ مُلَاءَمَتَهُ وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُوَافَقَةِ مَا جَاءَ عَنْ السَّلَفِ مِنْ الْعِلَلِ الْمَنْقُولَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ فَتُعْرَفُ مِنْهُ وَلَا يَصِحُّ كَمَا الْعَمَلُ بِهِ قَبْلَ الْمُلَاءَمَةِ لَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِشَهَادَةٍ قَبْلَ الْأَهْلِيَّةِ لَكِنْ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا بَعْدَ الْعَدَالَةِ وَالْعَدَالَةُ عِنْدَنَا: هِيَ الْأَثَرُ وَإِنَّمَا نَعْنِي بِالْأَثَرِ مَا جُعِلَ لَهُ أَثَرٌ فِي الشَّرْعِ
ــ
[كشف الأسرار]
عِلَّةً مِنْ مَعْنًى يُعْقَلُ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ﵃ وَيُسَمَّوْنَ أَهْلُ الْفِقْهِ، وَهَذَا أَيْ الْمَعْنَى الْمَعْقُولُ الَّذِي لَا بُدَّ لِصَيْرُورَةِ الْوَصْفِ حُجَّةً مِنْهُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِلْحُكْمِ، ثُمَّ يَكُونُ مُعَدَّلًا وَذَلِكَ أَيْ الْوَصْفُ فِي اعْتِبَارِ الصَّلَاحِ وَالْعَدَالَةِ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ صَلَاحِهِ لِلشَّهَادَةِ أَوَّلًا بِوُجُودِ الْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالْإِسْلَامِ إنْ كَانَ شَاهِدًا عَلَى الْمُسْلِمِ فِيهِ ثُمَّ اعْتِبَارُ عَدَالَتِهِ ثَانِيًا بِأَنْ يَكُونَ مُجْتَنِبًا عَنْ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ لِيَصِحَّ مِنْهُ الْأَدَاءُ.
ثُمَّ لَا يَصِحُّ الْأَدَاءُ إلَّا بِلَفْظٍ خَاصٍّ يُنْبِئُ عَنْ الْوَكَادَةِ وَالتَّحْقِيقِ، وَهُوَ لَفْظُ أَشْهَدُ، أَوْ مَا يُسَاوِيهِ فِي الْمَعْنَى مِنْ سَائِرِ اللُّغَاتِ فَكَذَا هَاهُنَا لَا بُدَّ لِجَعْلِ الْوَصْفِ عِلَّةً مِنْ صَلَاحِهِ لِلْحُكْمِ بِوُجُودِ الْمُلَاءَمَةِ وَمِنْ عَدَالَتِهِ بِوُجُودِ التَّأْثِيرِ وَمِنْ اخْتِصَاصِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَوْصَافِ كَاخْتِصَاصِ الشَّهَادَةِ بِلَفْظِ أَشْهَدُ فَإِنَّ التَّعْلِيلَ بِجَمِيعِ الْأَوْصَافِ، أَوْ بِكُلِّ وَصْفٍ لَا يَصِحُّ عَلَى مَا قُلْنَا ثُمَّ الشَّيْخُ ﵀ جَعَلَ الْوَصْفَ هَاهُنَا بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ وَجَعَلَهُ فِي أَوَّلِ بَابِ الْقِيَاسِ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ، وَالْأَصْلُ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ وَهَكَذَا ذُكِرَ فِي مُخْتَصَرِ التَّقْوِيمِ فِي بَيَانِ اشْتِرَاطِ الْمُلَاءَمَةِ فَقَالَ: الْمُلَاءَمَةُ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ شَاهِدٌ وَالْوَصْفَ الْمُسْتَنْبَطُ شَهَادَةٌ وَالشَّهَادَةُ مُخْتَصَّةٌ بِلَفْظٍ، وَهُوَ أَشْهَدُ فَمَتَى أَتَى بِهِ يَجِبُ الْقَبُولُ وَإِذَا أَتَى بِغَيْرِهِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ يَجِبُ الْقَبُولُ وَإِلَّا فَلَا فَكَذَا الْقَايِسُ إذَا أَتَى بِلَفْظٍ مَنْقُولٍ عَنْ السَّلَفِ يُقْبَلُ وَإِذَا أَتَى بِغَيْرِهِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ يَجِبُ الْقَبُولُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَإِلَّا فَلَا.
وَيُوَافِقُهُ مَا ذُكِرَ فِي التَّقْوِيمِ وَهُوَ أَنَّ التَّعْلِيلَ لَمْ يُقْبَلْ مَا لَمْ يَقُمْ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ مُلَائِمٌ وَإِذَا صَارَ مُلَائِمًا لَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ إلَّا بِالْعَدَالَةِ وَذَلِكَ بِكَوْنِهِ مُؤَثِّرًا فِي الْحُكْمِ وَإِنْ عَمِلَ بِهِ قَبْلَ التَّأْثِيرِ صَحَّ فَأَمَّا قَبْلَ الْمُلَاءَمَةِ فَلَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ كَالشَّاهِدِ إذَا شَهِدَ لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يَأْتِيَ بِلَفْظِ أَشْهَدُ أَوْ بِمَا يُمَاثِلُهُ بِلُغَةٍ أُخْرَى وَلَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِذَا جَاءَ بِلَفْظِ أَشْهَدُ لَمْ يَجِبْ الْعَمَلُ بِهِ حَتَّى يُعَدَّلَ وَإِنْ عَمِلَ بِهِ صَحَّ وَنَفَذَ إذَا كَانَ مَسْتُورًا بِلَا خِلَافٍ فَعَلَى مَا ذُكِرَ هَاهُنَا لَوْ لَمْ يُذْكَرْ قَوْلُهُ، ثُمَّ لَا يَصِحُّ الْأَدَاءُ إلَّا بِلَفْظٍ خَاصٍّ لَتَمَّ التَّمْثِيلُ وَعَلَى مَا ذُكِرَ فِي التَّقْوِيمِ وَمُخْتَصَرِهِ لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِهِ لِتَمَامِ التَّمْثِيلِ قَوْلُهُ (وَاتَّفَقُوا) أَيْ الشَّارِطُونَ لِصَلَاحِ الْوَصْفِ وَعَدَالَتِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِصَلَاحِ الْوَصْفِ مُلَاءَمَتُهُ أَيْ مُوَافَقَتُهُ وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْحُكْمِ بِأَنْ يَصِحَّ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهِ وَلَا يَكُونُ نَابِيًا عَنْهُ كَإِضَافَةِ ثُبُوتِ الْفُرْقَةِ فِي إسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ إلَى إبَاءِ الْآخَرِ عَنْ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّهُ يُنَاسِبُهُ لَا إلَى وَصْفِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ نَابَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ عُرِفَ عَاصِمًا لِلْحُقُوقِ لَا قَاطِعًا لَهَا.
وَكَذَا الْمَحْظُورُ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْعُقُوبَةِ وَالْمُبَاحُ سَبَبًا لِلْعِبَادَةِ وَلَا يَجُوزُ عَكْسُهُ لِعَدَمِ الْمُلَاءَمَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ ذَلِكَ أَيْ الْمُلَاءَمَةُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ عَلَى مُوَافَقَةِ مَا جَاءَ عَنْ السَّلَفِ مِنْ الْعِلَلِ الْمَنْقُولَةِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّلُونَ بِأَوْصَافٍ مُلَائِمَةٍ لِلْأَحْكَامِ غَيْرِ نَابِيَةٍ عَنْهَا فَمَا كَانَ مُوَافِقًا لَهَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً وَمَا لَا فَلَا قَالَ الْغَزَالِيُّ ﵀: الْمُرَادُ بِالْمُنَاسِبِ مَا هُوَ عَلَى مِنْهَاجِ الْمَصَالِحِ بِحَيْثُ إذَا أُضِيفَ إلَيْهِ الْحُكْمُ انْتَظَمَ كَقَوْلِنَا حُرِّمَتْ الْخَمْرُ؛ لِأَنَّهَا تُزِيلُ الْعَقْلَ الَّذِي هُوَ مِلَاكُ التَّكْلِيفِ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لَا كَقَوْلِنَا حُرِّمَتْ؛ لِأَنَّهَا تَقْذِفُ بِالزَّبَدِ وَتُحْفَظُ فِي الدَّنِّ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاسِبُ وَنَقَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ الْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ ﵀ أَنَّ الْمُنَاسِبَ مَا لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ، ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا التَّفْسِيرَ وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لِلْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ حَيْثُ يُقَالُ هَذَا الشَّيْءُ مُنَاسِبٌ لِهَذَا الشَّيْءِ أَيْ مُلَائِمٌ لَهُ غَيْرَ أَنَّهُ لَا طَرِيقَ لِلْمُنَاظِرِ إلَى
стр. 1072
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
إثْبَاتِ الْمُنَاسِبِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ عَلَى خَصْمِهِ فِي مَقَامِ الِاسْتِدْلَالِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقُولَ السَّائِلُ هَذَا مِمَّا لَا يَتَلَقَّاهُ عَقْلِي بِالْقَبُولِ، وَلَيْسَ الِاحْتِجَاجُ عَلَى بِمَا يَتَلَقَّاهُ عَقْلُ غَيْرِي بِالْقَبُولِ أَوْلَى مِنْ الِاحْتِجَاجِ عَلَى ذَلِكَ الْغَيْرِ بِعَدَمِ تَلَقِّي عَقْلِي لَهُ بِالْقَبُولِ.
ثُمَّ قَالَ فَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: الْمُنَاسِبُ وَصْفٌ ظَاهِرٌ مُنْضَبِطٌ يَحْصُلُ عَقْلًا مِنْ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ مَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودًا مِنْ حُصُولِ مَصْلَحَةٍ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّا لَا نَعْتَبِرُ الْمُلَاءَمَةَ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْخَصْمِ بَلْ لِصِحَّةِ الْعَمَلِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ وَاَلَّذِي يُنَاظِرُ نَفْسَهُ لَا يُكَابِرُ نَفْسَهُ فِيمَا يَقْتَضِي عَقْلَهُ وَالْمُلَاءَمَةُ بِالْهَمْزِ الْمُوَافَقَةُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ هَذَا طَعَامٌ لَا يُلَائِمُنِي أَيْ لَا يُوَافِقُنِي، وَلَا يُقَالُ مُلَاوَمَةٌ بِالْوَاوِ فَإِنَّهَا مِنْ اللَّوْمِ وَقَوْلُهُ وَلَكِنْ لَا يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ أَيْ بِالْوَصْفِ إلَّا بِالْعَدَالَةِ - اسْتِدْرَاكٌ مِنْ مَفْهُومِ الْكَلَامِ الْأَوَّلِ، وَتَقْدِيرُهُ وَلَا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِالْوَصْفِ قَبْلَ الْمُلَاءَمَةِ وَيَصِحُّ بَعْدَهَا وَلَكِنْ لَا يَجِبُ إلَّا بَعْدَ الْعَدَالَةِ قَالَ أَبُو الْيُسْرِ إذَا كَانَ الْوَصْفُ مُلَائِمًا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِلَّةً وَيَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَكِنْ لَا يَجِبُ مَا لَمْ يَكُنْ مُؤَثِّرًا عِنْدَنَا، وَعِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَا لَمْ يَكُنْ مُخَيَّلًا فَإِذَا ظَهَرَ أَثَرُ إخَالَتِهِ فَحِينَئِذٍ يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ فَالْمُلَاءَمَةُ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْعَمَلِ بِالْعِلَلِ وَالتَّأْثِيرِ، وَالْإِخَالَةِ شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْعَمَلِ بِهَا قَالَ وَمَعْنَى قَوْلِنَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْعِلَّةِ قَبْلَ ظُهُورِ التَّأْثِيرِ أَنَّهُ لَوْ عَمِلَ بِهَا عَامِلٌ نَفَذَ الْعَمَلُ، وَلَمْ يُقْبَحْ كَمَا لَوْ قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَةِ شُهُودٍ غَيْرِ ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ قَوْلُهُ (وَالْعَدَالَةُ عِنْدَنَا هِيَ الْأَثَرُ) يَعْنِي لَيْسَ الْخِلَافُ فِي تَفْسِيرِ صَلَاحِ الْوَصْفِ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي تَفْسِيرِ الْعَدَالَةِ فَعِنْدَنَا عَدَالَةُ الْوَصْفِ تَثْبُتُ بِالتَّأْثِيرِ، ثُمَّ فَسَّرَ الْوَصْفَ الْمُؤَثِّرَ فَقَالَ: وَإِنَّمَا نَعْنِي بِالْأَثَرِ أَيْ بِالْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ مَا جُعِلَ لَهُ أَثَرٌ فِي الشَّرْعِ.
وَلَعَلَّهُ إنَّمَا فَسَّرَهُ بِمَا ذُكِرَ رَدًّا لِمَا فَسَّرَهُ الْبَعْضُ بِالدَّوَرَانِ وُجُودًا وَعَدَمًا فَإِنَّ صَاحِبَ الْقَوَاطِعِ رَوَى عَنْ أَبِي الطَّيِّبِ أَنَّ التَّأْثِيرَ عِنْدَهُ أَنْ يُوجَدَ الْحُكْمُ بِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَيَعْدَمُ بِعَدَمِهَا كَالشِّدَّةِ فِي الْخَمْرِ يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِوُجُودِهَا وَيَزُولُ بِزَوَالِهَا وَكَالرِّقِّ فِي نُقْصَانِ الْحَدِّ يُوجَدُ النُّقْصَانُ بِوُجُودِهِ، وَيَزُولُ بِزَوَالِهِ وَفَسَّرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ وَنَعْنِي بِالتَّأْثِيرِ أَنْ يَكُونَ لِجِنْسِ ذَلِكَ الْوَصْفِ تَأْثِيرٌ فِي إثْبَاتِ جِنْسِ ذَلِكَ الْحُكْمِ فِي مَوْرِدِ الشَّرْعِ إمَّا مَدْلُولًا عَلَيْهِ بِالْكِتَابِ أَوْ بِالسُّنَّةِ، أَوْ بِالْإِجْمَاعِ أَيْ يَثْبُتُ أَثَرُ هَذَا الْوَصْفِ بِهَذِهِ الْحُجَجِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ أَعْلَى أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ الْمُؤَثِّرِ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ إلَى عَيْنِ الْعِلَّةِ وَجِنْسِهَا، وَعَيْنُ الْحُكْمِ وَجِنْسُهُ أَرَبَعَةُ أَقْسَامٍ فَالْأَوَّلُ هُوَ أَنْ يَظْهَرَ تَأْثِيرُ عَيْنِ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ ذَلِكَ الْحُكْمِ، وَهُوَ الْمَقْطُوعُ الَّذِي رُبَّمَا يُقِرُّ بِهِ مُنْكِرُ الْقِيَاسِ إذْ لَا يَبْقَى بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ مُبَايَنَةٌ إلَّا تَعَدُّدُ الْمَحَلِّ فَإِنَّهُ إنْ ثَبَتَ أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِي التَّمْرِ الْكَيْلُ فَالْجِصُّ مُلْحَقٌ بِهِ بِلَا شُبْهَةٍ وَإِنْ ثَبَتَ أَنَّ عِلَّتَهُ الطَّعْمُ فَالزَّبِيبُ مُلْحَقٌ بِهِ قَطْعًا إذْ لَا يَبْقَى إلَّا اخْتِلَافُ عَدَدِ الْأَشْخَاصِ الَّتِي هِيَ مَجَارِي الْمَعْنَى وَيَكُونُ ذَلِكَ كَظُهُورِ أَثَرِ الْوِقَاعِ فِي إيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْأَعْرَابِيِّ إذْ يَكُونُ التُّرْكِيُّ وَالْهِنْدِيُّ فِي مَعْنَاهُ.
وَالثَّانِي أَنْ يَظْهَرَ أَثَرُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ ذَلِكَ الْحُكْمِ أَيْ جِنْسِهِ الْقَرِيبِ كَتَأْثِيرِ الْأُخُوَّةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فِي التَّقْدِيمِ فِي الْمِيرَاثِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ وِلَايَةُ الْإِنْكَاحِ فَإِنَّ الْوِلَايَةَ لَيْسَتْ هِيَ عَيْنُ الْمِيرَاثِ لَكِنَّ بَيْنَهُمَا مُجَانَسَةً فِي الْحَقِيقَةِ فَإِنَّ هَذَا حَقٌّ وَذَلِكَ حَقٌّ، وَهَذَا دُونَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُفَارَقَةَ بَيْنَ جِنْسٍ وَجِنْسٍ غَيْرُ بَعِيدَةٍ بِخِلَافِ الْمُفَارَقَةِ بَيْنَ مَحَلٍّ وَمَحَلٍّ فَإِنَّهُمَا لَا يَفْتَرِقَانِ أَصْلًا فِيمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ لَهُ مَدْخَلًا فِي التَّأْثِيرِ وَالثَّالِثُ أَنْ يُؤَثِّرَ جِنْسُهُ الْقَرِيبُ فِي عَيْنِ ذَلِكَ الْحُكْمِ كَإِسْقَاطِ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ
стр. 1073
وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَدَالَتُهُ بِكَوْنِهِ مُخَيَّلًا ثُمَّ الْعَرْضُ عَلَى الْأُصُولِ احْتِيَاطًا سَلَامَتُهُ عَنْ الْمُنَاقَضَةِ وَالْمُعَارَضَةِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: بَلْ عَدَالَتُهُ بِالْعَرْضِ عَلَى الْأُصُولِ فَإِنْ لَمْ يَرُدَّهُ أَصْلٌ مُنَاقِضًا وَلَا مُعَارِضًا صَارَ مُعَدَّلًا وَإِنَّمَا يُعْرَضُ عَلَى أَصْلَيْنِ فَصَاعِدًا فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ قَبْلَ الْعَرْضِ، وَعَلَى الثَّانِي لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ بِهِ يَصِيرُ حُجَّةً وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ صَارَ حُجَّةً بِكَوْنِهِ مُخَيَّلًا، وَإِنَّمَا النَّقْضُ جَرْحٌ وَالْمُعَارَضَةُ دَفْعٌ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمُتَكَثِّرِ بِعُذْرِ الْإِغْمَاءِ فَإِنَّ تَأْثِيرَ جِنْسِهِ وَهُوَ عُذْرُ الْجُنُونِ وَالْحَيْضِ ظَهَرَ فِي عَيْنِهِ أَيْضًا بِاعْتِبَارِ لُزُومِ الْمَشَقَّةِ وَالْحَرَجِ وَالرَّابِعُ - مَا ظَهَرَ أَثَرُ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ ذَلِكَ الْحُكْمِ كَإِسْقَاطِ الصَّلَوَاتِ عَنْ الْحَائِضِ بِالْمَشَقَّةِ فَإِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ تَأْثِيرُ جِنْسِهِ، وَهُوَ مَشَقَّةُ السَّفَرِ فَإِنَّ مَشَقَّةَ السَّفَرِ لَيْسَتْ عَيْنُ مَشَقَّةِ الْحَائِضِ فِي جِنْسِ هَذَا الْحُكْمِ، وَهُوَ إسْقَاطُ الرَّكْعَتَيْنِ الزَّائِدَتَيْنِ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَيْنُ الْإِسْقَاطِ عَنْ الْحَائِضِ فَإِنَّ هَذَا إسْقَاطُ أَصْلِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ إسْقَاطُ الْبَعْضِ.
وَلَكِنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ الْقَرِيبِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تَخْفِيفٌ فِي الصَّلَاةِ وَكَتَعْلِيلِ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ فِي إيجَابِ الْقِصَاصِ بِجِنَايَةِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فَإِنَّ جِنْسَ الْجِنَايَةِ الْعَمْدِ مُعْتَبَرٌ فِي جِنْسِ الْقِصَاصِ كَالْأَطْرَافِ مَعَ أَنَّهُ ظَهَرَ تَأْثِيرُ عَيْنِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فِي عَيْنِ الْخَصْمِ، وَهُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ فِي الْمُحَدَّدِ.
١ -
ثُمَّ قَالَ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْقَائِسِينَ فِي الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى أَنَّهَا حُجَّةٌ، وَالْقِسْمُ الْأَخِيرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَهُمْ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ حُجَّةٌ لِكَوْنِهِ مُغَلَّبًا عَلَى الظَّنِّ قَوْلُهُ (وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَدَالَتُهُ بِكَوْنِهِ مُخَيَّلًا) أَيْ مُوقِعًا فِي الْقَلْبِ خَيَالَ الْقَبُولِ وَالصِّحَّةِ فَيَثْبُتُ صِحَّتُهُ بِشَهَادَةِ الْقَلْبِ وَذُكِرَ فِي بَعْضِ كُتُبِهِمْ أَنَّ الْإِخَالَةَ مِنْ أَخَالَتْ السَّمَاءُ إذَا كَانَتْ تُرْجِي الْمَطَرَ؛ لِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ تُرْجِي الْعِلِّيَّةَ لِإِشْعَارِهَا بِهَا، ثُمَّ الْعَرْضُ عَلَى الْأُصُولِ احْتِيَاطًا أَيْ بَعْدَ ثُبُوتِ الْإِخَالَةِ يُعْرَضُ الْوَصْفُ عَلَى الْأُصُولِ بِطَرِيقِ الِاحْتِيَاطِ لَا بِطَرِيقِ الْوُجُوبِ لِيَتَحَقَّقَ سَلَامَتُهُ عَنْ الْمُنَاقَضَةِ وَالْمُعَارَضَةِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُنَاقَضَةَ الْوَصْفِ إبْطَالُ نَفْسِهِ بِأَثَرٍ، أَوْ نَصٍّ، أَوْ إجْمَاعٍ يَرِدُ عَلَى خِلَافِهِ أَوْ إيرَادِ صُورَةٍ تَخَلَّفَ الْحُكْمُ فِيهَا عَنْ الْوَصْفِ، وَمُعَارَضَةُ الْوَصْفِ إيرَادُ وَصْفٍ آخَرَ يُوجِبُ خِلَافَ مَا أَوْجَبَهُ ذَلِكَ لَهُ بِوَصْفٍ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْسِ الْوَصْفِ، ثُمَّ مَعْنَى عَرْضِ الْوَصْفِ عَلَى الْأُصُولِ أَنْ يُقَابَلَ بِقَوَانِينِ الشَّرْعِ فَإِنْ طَابَقَهَا وَسَلَّمَ عَنْ الْمُبْطِلَاتِ وَالْعَوَارِضِ فَقَدْ شَهِدَتْ الْأُصُولُ بِصِحَّتِهِ وَصَارَ حُجَّةً.
وَقَالَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ نَاقِلًا عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ: مِثَالُ شَهَادَةِ الْأُصُولِ قَوْلُنَا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي إنَاثِ الْخَيْلِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي ذُكُورِهَا فَالْأُصُولُ شَاهِدَةٌ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ لِأَنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَسُقُوطِهَا قَالَ وَهَذَا طَرِيقٌ يَقْضِي إلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا عَلِمَ أَنَّ فُلَانًا إذَا أَعْطَى بَنَاتِهِ شَيْئًا يُعْطِي بَنِيهِ مِثْلَهُ فَإِذَا سَمِعَ أَنَّهُ أَعْطَى الْبَنَاتَ شَيْئًا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ إعْطَاءُ الْبَنِينَ مِثْلَهُ فَثَبَتَ أَنَّ شَهَادَةَ الْأُصُولِ دَلِيلُ الصِّحَّةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ وَمِنْ نَظِيرِهِ قَوْلُ الْمُعَلِّلِ مَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ وَقَوْلُهُ مَنْ لَزِمَهُ الْعُشْرُ لَزِمَهُ رُبُعُ الْعُشْرِ حَتَّى يَجِبَ الزَّكَاةُ عَلَى الصَّبِيِّ.
وَقَوْلُهُ مَا حَرُمَ فِيهِ النَّسَاءُ حَرُمَ فِيهِ التَّفَرُّقُ قَبْلَ التَّقَابُضِ، قَالَ وَأَمْثَالُ هَذَا تَكْثُرُ، فَالْأُصُولُ تَشْهَدُ بِصِحَّةِ هَذَا التَّعْلِيلِ، وَإِنَّمَا تَعَرَّضَ عَلَى أَصْلَيْنِ فَصَاعِدًا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَأَدْنَى مَا يَكْفِي لِذَلِكَ أَيْ لِلْعَرْضِ أَصْلَانِ بِمَنْزِلَةِ عَدَالَةِ الشَّاهِدِ فَإِنَّ مَعْرِفَتَهَا بِعَرْضِ حَالِهِمْ عَلَى الْمُزَكِّينَ وَأَدْنَى مَا يَكْفِي لِذَلِكَ عِنْدَهُ اثْنَانِ يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ أَيْ بِالْوَصْفِ الْمُخَيَّلِ لِأَنَّهُ أَيْ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ بِالْعَرْضِ يَصِيرُ حُجَّةً وَإِنَّمَا النَّقْضُ جَرْحٌ أَيْ النَّقْضُ يَجْرَحُ الْوَصْفَ بَعْدَ صِحَّتِهِ فَيُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ حُجَّةً كَجَرْحِ الشَّاهِدِ بِالرِّقِّ يُخْرِجُ كَلَامَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ شَهَادَةً بَعْدَمَا صَحَّ ظَاهِرًا
стр. 1074
وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى أَنَّ الْأَثَرَ مَعْنًى لَا يُعْقَلُ فَنُقِلَ عَنْهُ إلَى شَهَادَةِ الْقَلْبِ، وَهُوَ الْخَيَالُ، وَهُوَ كَالتَّحَرِّي جَعْلُ حُجَّةٍ بِشَهَادَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِسَائِرِ الْأَدِلَّةِ، ثُمَّ الْعَرْضُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلِاحْتِيَاطِ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَعْتَرِضَ فِيهِ بَعْدَ أَصْلِ الْأَهْلِيَّةِ مَا يُبْطِلُ الشَّهَادَةَ مِنْ فِسْقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَمَّا الْوَصْفُ فَلَا يُحْتَمَلُ مِثْلُهُ فَإِذَا كَانَ مُلَائِمًا غَيْرَ نَابٍ صَارَ صَالِحًا وَإِذَا كَانَ مُخَيَّلًا كَانَ مُعَدَّلًا وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَى مِثَالِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ كَانَ صَالِحًا كَالشَّاهِدِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْمُعَارَضَةُ دَفْعٌ أَيْ أَنَّهَا لَا تَمْنَعُ الْوَصْفَ عَنْ الْعِلِّيَّةِ وَلَكِنْ تَدْفَعُ الْحُكْمَ كَإِقَامَةِ الشُّهُودِ عَلَى الْإِلْغَاءِ، أَوْ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَا يَمْنَعُ شَهَادَةَ شُهُودِ الْمُدَّعِي وَلَكِنْ تَدْفَعُ حُكْمَهَا، وَهُوَ الْإِلْزَامُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَتَوَقَّفُ صَيْرُورَةُ الْوَصْفِ حُجَّةً عَلَى انْقِطَاعِ احْتِمَالِهِمَا كَمَا لَا يَتَوَقَّفُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ عَلَى انْقِطَاعِ احْتِمَالِ الْجَرْحِ وَالدَّفْعِ احْتَجَّ أَهْلُ الْمَقَالَةِ الْأُولَى وَهُمْ الَّذِينَ أَثْبَتُوا الْعَدَالَةَ بِالْإِخَالَةِ وَلَمْ يَشْتَرِطُوا التَّأْثِيرَ بِأَنَّ الْأَثَرَ مَعْنًى مِنْ الْوَصْفِ لَا يُحَسُّ لِيُعْلَمَ بِالْحِسِّ وَلَكِنَّهُ مِمَّا يُعْقَلُ أَيْ يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ فَكَانَ طَرِيقُ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ تَحْكِيمُ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْأَدِلَّةِ الْمَحْسُوسَةِ فَإِذَا وَقَعَ فِي الْقَلْبِ خَيَالُ الْقَبُولِ وَأَثَرُ الْحُجَّةِ صَارَ حُجَّةً لِلْعَمَلِ بِهِ كَذَا ذُكِرَ فِي أُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَالتَّقْوِيمِ وَغَيْرِهِمَا.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْأَثَرَ مَعْنًى لَا يُعْقَلُ وَأَرَادَ بِهِ أَنَّ الْأَثَرَ مِنْ الْوَصْفِ لَيْسَ بِمَعْنَى يُوجِبُهُ الْعَقْلُ وَيَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْوَصْفِ عِلَّةٌ بِالشَّرْعِ لَا بِالْعَقْلِ إذْ الْعَقْلُ لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ أَثَرَهُ إذَا ثَبَتَ شَرْعًا لَا يُدْرَكُ بِالْعَقْلِ أَنَّهُ أَثَرُهُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ غَيْرُ مَحْسُوسٍ وَلَا مَعْقُولٍ وَجَبَ النَّقْلُ عَنْهُ إلَى شَهَادَةِ الْقَلْبِ الَّتِي هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْأَدِلَّةِ، وَهُوَ كَالتَّحَرِّي أَيْ جَعْلُ الْوَصْفِ حُجَّةَ شَهَادَةِ الْقَلْبِ: مِثْلُ جَعْلِ التَّحَرِّي حُجَّةً فِي بَابِ الْقِبْلَةِ بِشَهَادَةِ الْقَلْبِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعَمَلِ بِسَائِرِ الْأَدِلَّةِ الْمَحْسُوسَةِ وَيُؤَيِّدُهُ «قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِوَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ ضَعْ يَدَك عَلَى صَدْرِك وَاسْتَفْتِ قَلْبَك فَمَا حَاكَ فِي صَدْرِك فَدَعْهُ وَإِنْ أَفْتَاك النَّاسُ بِهِ» فَثَبَتَ أَنَّ الْعَدَالَةَ تَحْصُلُ بِالْإِخَالَةِ.
ثُمَّ الْعَرْضُ أَيْ عَرْضُ الْوَصْفِ عَلَى الْأُصُولِ بَعْدَ ثُبُوتِ إخَالَتِهِ لِلِاحْتِيَاطِ لَا لِلْوُجُوبِ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ الشَّاهِدُ مَعْلُومَ الْعَدَالَةِ عِنْدَ الْقَاضِي فَإِنَّ الْعَمَلَ بِشَهَادَتِهِ جَائِزٌ لَهُ وَالْعَرْضُ عَلَى الْمُزَكِّينَ بَعْدَ ذَلِكَ نَوْعُ احْتِيَاطٍ لِجَوَازِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ بِالْعَرْضِ عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا لَهُ بِخِلَافِ الشَّاهِدِ الْمَسْتُورِ الْحَالِ حَيْثُ يَجِبُ الْعَرْضُ عَلَى الْمُزَكِّينَ لِتُعْرَفَ حَالُهُ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ هُوَ الْعَدَالَةَ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الشَّاهِدَ يُتَوَهَّمُ أَنْ يَعْتَرِضَ فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ أَصْلِ الْأَهْلِيَّةِ مِنْ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْإِسْلَامِ مَا يُبْطِلُ شَهَادَتَهُ مِنْ فِسْقٍ أَوْ غَيْرِهِ مِنْ رِدَّةٍ وَحُدُوثِ زَوْجِيَّةٍ وَإِقَامَةِ حَدٍّ فِي قَذْفٍ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَالُهُ مَعْلُومًا لِلْقَاضِي لَا يَثْبُتُ عَدَالَتُهُ عِنْدَهُ مَعَ احْتِمَالِ هَذِهِ الْعَوَارِضِ مَا لَمْ يَعْرِضْ عَلَى الْمُزَكِّينَ، فَأَمَّا الْوَصْفُ الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ بَعْدَمَا ثَبَتَ صِفَةُ الصَّلَاحِيَّةِ فِيهِ فَلَا يُحْتَمَلُ مِثْلُهُ أَيْ مِثْلُ مَا احْتَمَلَ الشَّاهِدُ مِنْ اعْتِرَاضِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ عِلَّةً بَعْدَمَا ثَبَتَتْ صَلَاحِيَّتُهُ بِالْمُلَاءَمَةِ وَعَدَالَتُهُ بِالْإِحَالَةِ فَكَانَ الْعَرْضُ عَلَى الْأُصُولِ هَاهُنَا احْتِيَاطًا، فَإِنْ سَلِمَ عَمَّا يُنَاقِضُهُ وَيُعَارِضُهُ بِكَوْنِهِ مُطَرِّدًا فِي الْأُصُولِ فَحُكْمُ وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ يَزْدَادُ وَكَادَةً وَإِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ نَقْصٌ فَذَلِكَ يَكُونُ جَرْحًا بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ الَّذِي هُوَ مَعْلُومُ الْعَدَالَةِ إذْ ظَهَرَ فِيهِ طَعْنٌ مِنْ بَعْضِ الْمُزَكِّينَ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ جَرْحًا فِي عَدَالَتِهِ لَا أَنْ يَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَدْلًا وَإِنْ ظَهَرَ لَهُ مُعَارِضٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ دَفْعًا بِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ آخَرَ يَشْهَدُ بِخِلَافِ مَا شَهِدَ بِهِ الْأَوَّلُ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀.
١ -
وَوَجْهُ الْقَوْلِ الْآخَرِ: وَهُوَ إثْبَاتُ عَدَالَةِ الْوَصْفِ بِالْعَرْضِ عَلَى الْأُصُولِ أَنَّهُ أَيْ الْوَصْفَ إذَا كَانَ صَالِحًا عَلَى مِثَالِ الْعِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ غَيْرَ نَابٍ عَنْ الْحُكْمِ كَانَ صَالِحًا لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ
стр. 1075
ثُمَّ قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَجْرُوحًا فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَرْضِ عَلَى الْمُزَكِّينَ وَهُمْ الْأُصُولُ هُنَا وَأَدْنَى ذَلِكَ أَصْلَانِ وَلَا يُعْتَبَرُ وَرَاءَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّزْكِيَةَ بِالِاحْتِمَالِ لَا يَرِدُ وَوَجْهُ قَوْلِنَا أَنَّا احْتَجْنَا إلَى إثْبَاتِ مَا لَا يَحْسُنُ وَلَا يُعَايَنُ وَهُوَ الْوَصْفُ الَّذِي جُعِلَ عَلَمًا عَلَى الْحُكْمِ فِي النَّصِّ، وَمَا لَا يَحْسُنُ فَإِنَّمَا يُعْلَمُ بِأَثَرِهِ الَّذِي ظَهَرَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَتَعَرَّفُ صِدْقَ الشَّهَادَةِ بِاحْتِرَازِهِ عَنْ مَحْظُورِ دِينِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
كَالشَّاهِدِ إذَا كَانَ حُرًّا عَاقِلًا بَالِغًا مُسْلِمًا وَقَدْ أَتَى بِلَفْظِ أَشْهَدُ وَمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ كَانَ صَالِحًا لَأَنْ يُعْمَلَ بِشَهَادَتِهِ، ثُمَّ قَدْ يَحْتَمِلُ أَيْ الْوَصْفُ أَنْ يَكُونَ مَجْرُوحًا بِأَنْ يَكُونَ مُنْتَقَضًا كَالشَّاهِدِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَجْرُوحًا بِالْفِسْقِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْعَرْضِ أَيْ عَرْضِ الْوَصْفِ عَلَى الْمُزَكِّينَ، وَهُوَ الْأُصُولُ هَاهُنَا دَفْعًا لِلِاحْتِمَالِ كَمَا لَا بُدَّ مِنْ عَرْضِ الشَّاهِدِ عَلَى الْمُزَكِّينَ هُنَاكَ لِذَلِكَ فَإِذَا سَلِمَ عَنْ النَّقْضِ وَالْمُعَارَضَاتِ ثَبَتَ عَدَالَتُهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأُصُولَ شُهَدَاءُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَحْكَامِهِ كَمَا كَانَ الرَّسُولُ ﷺ فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَيَكُونُ الْعَرْضُ عَلَى الْأُصُولِ، وَامْتِنَاعُ الْأُصُولِ مِنْ رَدِّهِ بِمَنْزِلَةِ الْعَرْضِ عَلَى الرَّسُولِ ﷺ فِي حَيَاتِهِ وَسُكُوتِهِ عَنْ الرَّدِّ وَأَدْنَى ذَلِكَ أَصْلَانِ، وَذَهَبَ بَعْضُ مَنْ أَوْجَبَ الْعَرْضَ إلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْعَرْضِ عَلَى كُلِّ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ احْتِمَالَ النَّقْضِ وَالْمُعَارَضَةِ لَا يَنْقَطِعُ إلَّا بِالْعَرْضِ عَلَى جَمِيعِ فَرْدِ ذَلِكَ وَقَالَ أَدْنَى ذَلِكَ أَيْ أَقَلُّ مَا يَجِبُ الْعَرْضُ عَلَيْهِ أَصْلَانِ.
وَلَا يُعْتَبَرُ وَرَاءُ ذَلِكَ أَيْ وَرَاءُ الْأَصْلَيْنِ فِي وُجُوبِ الْعَرْضِ؛ لِأَنَّ التَّزْكِيَةَ بِالِاحْتِمَالِ لَا تَرُدُّ يَعْنِي الْعَرْضَ بِمَنْزِلَةِ التَّزْكِيَةِ، وَالتَّزْكِيَةُ وَإِنْ كَانَتْ أَمْرًا مُحْتَمَلًا لِكَوْنِهَا إخْبَارًا عَنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِمَا يُوجِبُ الْجَرْحَ لَا عَنْ الْعِلْمِ بِعَدَمِ مَا يُوجِبُهُ وَرُبَّمَا وَقَفَ غَيْرُ الْمُزَكِّي عَلَى بَعْضِ أَسْبَابِ الْجَرْحِ وَرُبَّمَا يَكُونُ الْمُزَكِّي كَاذِبًا فِي التَّعْدِيلِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْعَرْضُ عَلَى جَمِيعِ الْمُزَكِّينَ قَطْعًا لِلِاحْتِمَالِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ إلَّا أَنَّهَا لَا تُرَدُّ بِالِاحْتِمَالِ؛ لِأَنَّ فِي الْوُجُوبِ إلَى جَمِيعِ الْمُزَكِّينَ لِقَطْعِ الِاحْتِمَالِ جَرْحًا بَيِّنًا وَقَدْ أَسْقَطَ الشَّرْعُ ذَلِكَ عَنَّا بِقَوْلِهِ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] فَكَذَلِكَ هَاهُنَا الْعَرْضُ عَلَى كُلِّ الْأُصُولِ مُتَعَذَّرٌ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَحْصُورٍ فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ وَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأُولَى، وَهُوَ أَصْلَانِ.
قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَمَنْ شَرَطَ الْعَرْضَ عَلَى كُلِّ الْأُصُولِ لَمْ يَجِد بُدًّا مِنْ الْعَمَلِ بِلَا دَلِيلٍ لِأَنَّهُ وَإِنْ اسْتَقْصَى فِي الْعَرْضِ فَالْخَصْمُ يَقُولُ: وَرَاءَ هَذَا أَصْلٌ آخَرُ هُوَ مُعَارِضٌ، أَوْ نَاقِضٌ لِمَا تَدَّعِيهِ فَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَقُولَ لَمْ يَقُمْ عِنْدِي دَلِيلُ النَّقْضِ وَالْمُعَارَضَةِ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِلْزَامِ الْخَصْمِ قَوْلُهُ (وَجَدَ قَوْلُنَا) ، وَهُوَ أَنَّ عَدَالَةَ الْوَصْفِ تَثْبُتُ بِالتَّأْثِيرِ إذْ حَاجَتُنَا إلَى إثْبَاتِ كَوْنِ الْوَصْفِ الَّذِي لَا يُحَسُّ وَلَا يُعَايَنُ حُجَّةً، وَتَرْجِيحُ احْتِمَالِ الصَّوَابِ عَلَى احْتِمَالِ الْغَلَطِ وَمَا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْحِسِّ فَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ الِاسْتِدْلَالَ بِأَثَرِهِ الَّذِي ظَهَرَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ، أَلَا تَرَى أَنَّا تَعَرَّفْنَا أَيْ طَلَبْنَا مَعْرِفَةَ صِدْقِ الشَّاهِدِ بِاحْتِرَازِهِ عَنْ مَحْظُورِ دِينِهِ فَإِنَّ أَثَرَ دِينِهِ لَمَّا ظَهَرَ فِي مَنْعِهِ عَنْ ارْتِكَابِ سَائِرِ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَنْعِهِ عَنْ الْكَذِبِ الَّذِي هُوَ مَحْظُورُ دِينِهِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ كُلَّ الْمَحْظُورَاتِ مِنْ حَيْثُ يَمِيلُ الطَّبْعُ إلَيْهَا سَوَاءٌ، وَذَلِكَ أَيْ صِدْقُ الشَّاهِدِ مِمَّا يُعْرَفُ وُجُودُهُ بِأَثَرِهِ أَيْ أَثَرِ دِينِهِ كَمَا بَيَّنَّا لَا بِالْحِسِّ فَثَبَتَ أَنَّ طَرِيقَ مَعْرِفَةِ مَا لَا يُحَسُّ الِاسْتِدْلَال بِالْأَثَرِ.
أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ صِدْقَ الشَّاهِدِ مِمَّا يُعْرَفُ وُجُودُهُ بِظُهُورِ أَثَرِ نَفْسِ الصِّدْقِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِأَنْ احْتَرَزَ عَنْ الْكَذِبِ فِي سَائِرِ الْمَوَاضِعِ فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى احْتِرَازٍ عَنْهُ فِي الشَّهَادَةِ أَيْضًا كَمَا يُعْرَفُ بِالِاحْتِرَازِ عَنْ سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ فَكَانَ الِاسْتِدْلَال بِالِاحْتِرَازِ عَنْ سَائِرِ الْمَحْظُورَاتِ اسْتِدْلَالًا بِظُهُورِ أَثَرٍ عَلَى أَثَرٍ آخَرَ وَالْمُؤَثِّرُ هُوَ الدِّينُ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِالِاحْتِرَازِ عَنْ الْكَذِبِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ قَرِيبًا مِنْ الِاسْتِدْلَالِ
стр. 1076
وَذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالْبَيَانِ، وَالْوَصْفُ يُوَجَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ كَالْأَثَرِ الدَّالِّ عَلَى غَيْرِ الْمَحْسُوسِ، وَأَمَّا الْخَيَالُ فَأَمْرٌ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ ظَنٌّ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَلِأَنَّهُ بَاطِنٌ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْخَصْمِ
ــ
[كشف الأسرار]
هُوَ الصِّدْقُ، وَكَذَلِكَ أَيْ وَكَمَا نَعْرِفُ صِدْقَ الشَّاهِدِ بِمَا ذَكَرْنَا نَعْرِفُ الصَّانِعَ ﷻ بِالِاسْتِدْلَالِ بِآثَارِ صُنْعِهِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ تَعَالَى فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ١٦٤] وَإِلَى قَوْلِهِ ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] وَقَوْلُهُ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم: ٢٠] إلَى قَوْلِهِ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥] وَقَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الجاثية: ٣] إلَى آخَرِ الْآيَاتِ وَقَالَ عَلِيٌّ ﵁: الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ وَآثَارُ الْمَشْيِ تَدُلُّ عَلَى الْمَسِيرِ، وَهَذَا الْهَيْكَلُ الْعُلْوِيُّ وَالْمَرْكَزُ السُّفْلِيُّ أَمَا تَدُلَّانِ عَلَى الصَّانِعِ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ، وَاسْتِدْلَالًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلَى الْحَالِ إذْ الْمَصْدَرُ يَقَعُ حَالًا يُعْرَفُ الصَّانِعُ مُسْتَدِلِّينَ بِإِثَارِ صُنْعِهِ.
وَذَلِكَ أَيْ مَعْرِفَةُ الصَّانِعِ إنَّمَا يُعْرَفُ بِالْوَصْفِ وَالْبَيَانِ يَعْنِي أَنَّا إنَّمَا نَعْرِفُ حُصُولَ الْمَعْرِفَةِ لِلْمُسْتَدِلِّ إذَا قَدَرَ عَلَى الْوَصْفِ وَالْبَيَانِ بِوَجْهٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ بِأَنْ يَقُولَ: الْأَشْيَاءُ الْمُحْكَمَةُ الْمُتْقَنَةُ مَوْجُودَةٌ عَلَى وَجْهٍ تَقْتَضِيهِ الْحِكْمَةُ فَعَرَفْنَا أَنَّ لَهَا مُوجِدًا وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا حَيًّا قَدِيمًا عَالِمًا قَادِرًا حَكِيمًا وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَوْصَافِ الَّذِي يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ لَا أَنْ يَقُولَ عَرَفْت بِالِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ، أَوْ ذُو جِهَةٍ، أَوْ ذُو صُورَةٍ؛ لِأَنَّا لَا نَرَى فِي الشَّاهِدِ مَوْجُودًا إلَّا مُتَحَيِّزًا أَوْ ذَا جِهَةٍ، أَوْ ذَا صُورَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِاسْتِدْلَالٍ بَلْ هُوَ ضَلَالٌ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ بِوَجْهٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ يَعْنِي فِي بَابِ الْعَقْلِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إشَارَةٌ إلَى الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهِمْ: الْأَثَرُ لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ فَوَجَبَ النَّقْلُ إلَى تَحْكِيمِ الْقَلْبِ وَإِنَّ ذَلِكَ إشَارَةً إلَى الْأَثَرِ يَعْنِي أَثَرَ الْوَصْفِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَحْسُوسًا فَهُوَ مِمَّا يُعْرَفُ بِالْبَيَانِ وَالْوَصْفِ بِوَجْهٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ أَيْ بِأَنْ تَبَيَّنَ ظُهُورُ أَثَرِهِ فِي مَحَلٍّ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَوْ بَيَّنَهُ فِي مَحَلٍّ مُخْتَلِفٍ فِيهِ لَمْ يَصْلُحْ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْخَصْمِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ أَيْ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَإِذَا كَانَ الْأَثَرُ مِمَّا يُعْلَمُ بِالْوَصْفِ وَالْبَيَانِ وَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ لِمَعْرِفَةِ صِحَّةِ الْوَصْفِ كَمَا يَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى الْأَثَرِ الْمَحْسُوسِ الدَّالِّ عَلَى غَيْرِ الْمَحْسُوسِ، مِثْلُ الْبِنَاءِ الدَّالِّ عَلَى الْبَانِي وَالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي مُخْتَصَرِ التَّقْوِيمِ أَمَّا قَوْلُهُمْ الْأَثَرُ غَيْرُ مَحْسُوسٍ فَمُسَلَّمٌ لَكِنَّهُ مَعْقُولٌ، وَلَيْسَ كُلُّ مَعْلُومٍ يَكُونُ مَعْلُومًا بِالْحِسِّ بَلْ يَكُونُ مَعْلُومًا بِالْعَقْلِ أَيْضًا وَمَا كَانَ مَعْقُولًا فَوْقَ الَّذِي كَانَ مَحْسُوسًا.
أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّاهِدَ يَتَعَرَّفُ صِدْقُهُ بِمُجَانَبَتِهِ عَنْ مَحْظُورَاتِ دِينِهِ وَفِي الْحَقِيقَةِ الِاجْتِنَابُ عَنْ الْمَعَاصِي تَرْكٌ وَذَلِكَ غَيْرُ مَحْسُوسٍ.
وَلَمَّا فَرَغَ عَنْ إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى مُدَّعَاهُ شَرَعَ فِي الْجَوَابِ عَنْ كَلِمَاتِ الْخُصُومِ فَقَالَ: وَأَمَّا الْخَيَالُ الَّذِي اعْتَبَرَهُ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ فَأَمْرٌ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ مُجَرَّدِ الظَّنِّ؛ لِأَنَّ الْخَيَالَ وَالظَّنَّ وَاحِدٌ وَالظَّنُّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا وَلَا يُقَالُ: الظَّنُّ مُعْتَبَرٌ فِي الشَّرْعِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِهِ كَخَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْمُعْتَبَرُ هُوَ الظَّنُّ الَّذِي قَامَ دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِهِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، لَا مُطْلَقُ الظَّنِّ وَلَمْ يَقُمْ هَاهُنَا دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِهِ شَرْعًا فَوَجَبَ إهْدَارُهُ؛ وَلِأَنَّهُ أَيْ الْخَيَالُ أَمْرٌ بَاطِنٌ أَيْ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ لِغَيْرِهِ فَلَا يَصِحُّ دَلِيلًا مُلْزِمًا عَلَى الْغَيْرِ لِأَنَّ الْحُجَّةَ عَلَى الْغَيْرِ مَا يُقِرُّ الْغَيْرُ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّحَرِّيَ لَمَّا كَانَ أَمْرًا بَاطِنًا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً عَلَى الْغَيْرِ حَتَّى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يَعْمَلُ بِتَحَرِّيهِ دُونَ صَاحِبِهِ
стр. 1077
وَلَا دَلِيلًا شَرْعِيًّا؛ وَلِأَنَّهُ دَعْوًى لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْمُعَارَضَةِ؛ لِأَنَّ كُلَّ خَصْمٍ يَحْتَجْ بِمِثْلِهِ فِيمَا يَدَّعِيهِ عَلَى خَصْمِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ يَقُولُ: عِنْدِي كَذَا فَالْخَصْمُ يُعَارِضُهُ بِمِثْلِهِ فَيَقُولُ عِنْدِي كَذَا وَدَلَائِلُ الشَّرْعِ لَا يَحْتَمِلُ لُزُومَ الْمُعَارَضَةِ كَمَا لَا يَحْتَمِلُ لُزُومَ الْمُنَاقَضَةِ وَأَمَّا الْعَرْضُ عَلَى الْأُصُولِ فَلَا يَقَعُ بِهِ التَّعْدِيلُ؛ لِأَنَّ الْأُصُولَ شُهُودُ لَا مُزَكُّونَ وَأَنَّى لَهَا التَّزْكِيَةُ مِنْ غَيْرِ دَرْكٍ الْأَحْوَالِ الشَّاهِدِ وَمُعَايَنَتِهِ وَهَلْ يَصِحُّ التَّزْكِيَةُ مِمَّنْ لَا خَبَرَ لَهُ وَلَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِالشُّهُودِ فَأَمَّا فَرْقُهُمْ بِأَنَّ الشَّاهِدَ مُبْتَلًى بِالطَّاعَةِ مَنْهِيٌّ عَنْ الْمَعْصِيَةِ فَيُتَوَهَّمُ سُقُوطُ شَهَادَتِهِ بِخِلَافِ الْوَصْفِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ مَعَ كَوْنِهِ مُلَائِمًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ عِلَّةٍ بِذَاتِهِ بَلْ يَجْعَلُ الشَّرْعَ إيَّاهُ عِلَّةً فَكَانَ الِاحْتِمَالُ فِي الْمُعْتَرَضِ عَلَى أَصْلِهِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَكَلَامُنَا فِيمَا يَصْلُحُ حُجَّةً عَلَى الْغَيْرِ وَلَا دَلِيلًا شَرْعِيًّا يَعْنِي أَنَّهُ إذَا لَمْ يَصْلُحْ دَلِيلًا عَلَى الْخَصْمِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا لِأَنَّ مَا جُعِلَ دَلِيلًا فِي الشَّرْعِ يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ لِأَنَّهُ حُجَّةٌ عَلَى الْجَمِيعِ، أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَمَا لَا يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْغَيْرِ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا شَرْعِيًّا يَصِحُّ الْعَمَلُ بِهِ لِأَنَّ غَايَتَهُ أَنْ يُجْعَلَ مِنْ بَابِ الْإِلْهَامِ وَالْإِلْهَامُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ أَصْلًا، أَوْ أَنَّهُ كَمَا لَا يَصْلُحُ لِلْإِلْزَامِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا فِي نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى أَدِلَّةِ الشَّرْعِ عَلَى الظُّهُورِ يَقِفُ عَلَيْهَا كُلُّ وَاحِدٍ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَقِفُ عَلَيْهِ غَيْرُ صَاحِبِهِ وَلِأَنَّهُ دَعْوَى لَا تَنْفَكُّ عَنْ الْمُعَارَضَةِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ وَقَعَ فِي قَلْبِي خَيَالٌ أَنَّ هَذَا حَقٌّ يَتَمَكَّنُ الْخَصْم مِنْ أَنْ يَقُولَ: وَقَعَ فِي قَلْبِي خَيَالٌ أَنَّهُ فَاسِدٌ، أَوْ وَقَعَ فِي قَلْبِي خَيَالٌ أَنَّ عِلَّتِي صَحِيحَةٌ فَيَصِيرُ بِهِ مُعَارِضًا وَهَذِهِ مُعَارَضَةٌ لَازِمَةٌ؛ لِأَنَّهَا لَا تَنْدَفِعُ بِوَجْهٍ.
وَالْحُجَّةُ إذَا لَمْ تَنْفَكُّ عَنْ الْمُعَارَضَةِ لَمْ تَكُنْ حُجَّةً؛ لِأَنَّ حُجَجَ الشَّرْعِ لَا تَحْتَمِلُ لُزُومَ الْمُعَارَضَةِ كَمَا لَا تَحْتَمِلُ لُزُومَ الْمُنَاقَضَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَمَارَاتِ الْعَجْزِ وَالْجَهْلِ وَالسَّفَهِ، وَصَاحِبُ الشَّرْعِ مُنَزَّهٌ عَنْهَا وَأَمَّا الْعَرْضُ عَلَى الْأُصُولِ فَلَا يَقَعُ بِهِ التَّعْدِيلُ؛ لِأَنَّ الْأُصُولَ شُهُودٌ لَا مُزَكُّونَ عَلَى مَا زَعَمُوا فَإِنَّ كُلَّ أَصْلٍ شَاهِدٌ مِثْلُ الْأَصْلِ الْمُعَلِّلِ، وَأَقْصَى مَا فِي الْبَابِ أَنْ يَكُونَ النُّصُوصُ مُوَافِقَةً لِلْوَصْفِ فَيَحْصُلُ بِهِ كَثْرَةُ النَّظَائِرِ وَبِكَثْرَةِ النَّظِيرِ لَا يَحْدُثُ قُوَّةٌ فِي الْوَصْفِ كَالشَّاهِدِ إذْ الْخَصْمُ إلَيْهِ أَمْثَالُهُ لَا يَظْهَرُ بِهِ عَدَالَتُهُ هَذَا إنْ جَعَلَ الْوَصْفَ بِمَنْزِلَةِ الشَّاهِدِ وَإِنْ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ فَكَذَلِكَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ بِكَثْرَةِ الشُّهُودِ لَا تَطْهُرُ صِحَّةُ الشَّهَادَةِ وَقَوْلُهُمْ فَائِدَةُ الْعَرْضِ مَعْرِفَةُ عَدَمِ مَا يَنْقُضُ الْوَصْفَ أَوْ يُعَارِضُهُ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا يَحْصُلُ إذَا كَانَتْ الْأُصُولُ مَحْصُورَةً وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ فَأَمَّا فَرْقُهُمْ أَيْ فَرْقُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بَيْنَ الشَّاهِدِ وَالْوَصْفِ بِأَنَّ الشَّاهِدَ مُبْتَلًى بِالطَّاعَةِ مَنْهِيٌّ عَنْ الْمَعْصِيَةِ فَبَعْدَ صَلَاحِهِ لِلشَّهَادَةِ يُتَوَهَّمُ مِنْهُ مَا يُوجِبُ سُقُوطَ شَهَادَتِهِ لِبَقَاءِ اخْتِبَارِهِ فَيَجِبُ عَرْضُ حَالِهِ عَلَى الْمُزَكِّينَ بِخِلَافِ الْوَصْفِ فَإِنَّهُ بَعْدَ مُلَاءَمَتِهِ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَحْدُثُ فِيهِ مَا يُبْطِلُ صَلَاحِيَّتَهُ فَيَكُونُ الْعَرْضُ فِيهِ احْتِيَاطًا لَا حَتْمًا فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ بَعْدَ وُجُودِ الْمُلَاءَمَةِ فِيهِ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ عِلَّةً كَالْأَكْلِ نَاسِيًا مَعَ صَلَاحِهِ عِلَّةً لِلْإِفْطَارِ لَمْ يُجْعَلْ عِلَّةً لَهُ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ لِذَاتِهِ بَلْ بِجَعْلِ الشَّرْعِ إيَّاهُ عِلَّةً فَتَمَكَّنَ فِي أَصْلِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْمُلَاءَمَةِ احْتِمَالُ أَنَّهُ عِلَّةٌ أَمْ لَا فَإِنْ وَرَدَ عَلَيْهِ مُعَارِضٌ، أَوْ مُنَاقِضٌ ظَهَرَ أَنَّ الشَّرْعَ مَا جَعَلَهُ عِلَّةً؛ لِأَنَّ الْمُعَارَضَةَ وَالْمُنَاقَضَةَ اللَّازِمَتَيْنِ لَا تَكُونَانِ فِي حُجَجِ الشَّرْعِ.
وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ بَقِيَ مُحْتَمَلًا فَكَانَ الِاحْتِمَالُ فِي أَصْلِهِ أَيْ فَكَانَ اعْتِبَارُ الِاحْتِمَالِ الْمُتَمَكِّنِ فِي أَصْلِ الْوَصْفِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ الِاحْتِمَالِ الْمُتَمَكِّنِ فِي الْمُعْتَرِضِ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْفِسْقُ الْمُعْتَرِضُ عَلَى الْعَدَالَةِ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الشَّاهِدِ هُوَ الْعَدَالَةُ وَفِي كَلَامِهِ الصِّدْقُ نَظَرًا إلَى الْعَقْلِ وَالدِّينِ الزَّاجِرَيْنِ عَنْ الْقَبِيحِ، ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ الْمُحْتَمَلُ فِي الْوَصْفِ الْمُلَائِمِ، وَهُوَ عَدَمُ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ إيَّاهُ لَمْ يَبْقَ عِلَّةٌ أَصْلًا مَعَ مُلَاءَمَتِهِ وَلَوْ ثَبَتَ الْمُحْتَمَلُ فِي الشَّاهِدِ وَهُوَ الْفِسْقُ بَقِيَ أَهْلِيَّةُ الشَّهَادَةِ فِيهِ لِبَقَاءِ الْحُرِّيَّةِ وَالْعَقْلِ وَالْإِسْلَامِ فَكَانَ الِاحْتِمَالُ فِي الْوَصْفِ أَقْوَى مِنْ الِاحْتِمَالِ فِي الشَّاهِدِ فَلَمَّا مُنِعَ الِاحْتِمَالُ فِي الْعَارِضِ عَنْ الْعَمَلِ بِشَهَادَةِ الْمَسْتُورِ فَلَأَنْ يُمْنَعَ الِاحْتِمَالُ فِي الْأَصْلِ عَنْ الْعَمَلِ بِالْوَصْفِ كَانَ أَوْلَى
стр. 1078
أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَصْفَ لَا يَبْقَى عِلَّةً مَعَ الرَّدِّ مَعَ قِيَامِ الْمَلَامَةِ، وَالْجَوَابُ عَنْ كَلَامِهِ أَنَّ الْأَثَرَ مَعْقُولٌ مِنْ كُلِّ مَحْسُوسٍ لُغَةً وَعِيَانًا وَمِنْ كُلِّ مَشْرُوعٍ مَعْقُولٌ دَلَالَةً عَلَى مَا بَيَّنَّا وَإِنَّمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ بِأَمْثِلَتِهِ، وَذَلِكَ مِثْلُ «قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْهِرَّةِ إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ» تَعْلِيلٌ لِلطَّهَارَةِ بِمَا ظَهَرَ أَثَرُهُ، وَهُوَ الضَّرُورَةُ فَإِنَّهَا مِنْ أَسْبَابِ التَّخْفِيفِ وَسُقُوطُ الْحَضَرِ بِالْكِتَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣] وَالطَّوْفُ مِنْ أَسْبَابِ الضَّرُورَةِ فَصَحَّ التَّعْلِيلُ بِهِ لِمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الضَّرُورَةِ وَمِثْلُ قَوْلِهِ لِلْمُسْتَحَاضَةِ إنَّهُ دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ، أَوْجَبَ بِهَذَا النَّصِّ الطَّهَارَةَ بِالدَّمِ بِمَعْنَى النَّجَاسَةِ؛ وَلِقِيَامِ النَّجَاسَةِ أَثَرٌ فِي التَّطْهِيرِ وَعَلَّقَهُ بِالِانْفِجَارِ وَلَهُ أَثَرٌ فِي الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ، وَالِانْفِجَارُ آفَةٌ وَمَرَضٌ لَازِمٌ فَكَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي التَّخْفِيفِ فِي قِيَامِ الطَّهَارَةِ مَعَ وُجُودِهِ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَأَحْرَى، أَلَا تَرَى تَوْضِيحٌ لِقَوْلِهِ لَكَانَ الِاحْتِمَالُ فِي أَصْلِهِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ كَلَامِهِ أَيْ كَلَامِ الْخَصْمِ، وَهُوَ أَنَّ الْأَثَرَ مَعْنًى لَا يُحَسُّ أَوْ لَا يُعْقَلُ أَنَّ الْأَثَرَ مَعْقُولٌ أَيْ مَعْلُومٌ مِنْ كُلِّ مَحْسُوسٍ لُغَةً أَيْ بِطَرِيقِ اللُّغَةِ، فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ يَقُولُونَ سَقَاهُ فَأَرْوَاهُ وَضَرَبَهُ فَأَوْجَعَهُ وَكَسَرَهُ فَانْكَسَرَ وَهَدَمَهُ فَانْهَدَمَ، فَهَذِهِ وَأَمْثَالُهَا لُغَاتٌ وُضِعَتْ لِآثَارِ أَفْعَالٍ مُؤَثِّرَةٍ وَعِيَانًا أَيْ بِطَرِيقِ الْمُعَايَنَةِ فَإِنَّ أَثَرَ الدَّوَاءِ الْمُسَهِّلِ فِي الْإِسْهَالِ وَأَثَرَ الْمَشْيِ فِي الطَّرِيقِ وَأَثَرَ فِعْلِ الْبَانِي فِي الْبِنَاءِ يُعْرَفُ بِالْحِسِّ وَالْمُشَاهَدَةِ.
وَمِنْ كُلِّ مَشْرُوعٍ مَعْقُولٍ أَيْ مَفْهُومٍ دَلَالَةً أَيْ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ مِنْ تَعَرُّفِ صِدْقِ الشَّاهِدِ بِالِاحْتِرَازِ عَنْ مَحْظُورِ دِينِهِ قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا يَظْهَرُ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنُ الْأَثَرِ مَعْقُولًا فِي الْمَشْرُوعَاتِ أَيْ مَعْلُومًا بِأَمْثِلَةٍ نَذْكُرُهَا وَذَلِكَ أَيْ ظُهُورُ الْأَثَرِ بِالْأَمْثِلَةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ تَعْلِيلٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذَا تَعْلِيلٌ لِلطَّهَارَةِ أَيْ طَهَارَةِ الْهِرَّةِ فَإِنَّهَا لَمَّا لَمْ تَكُنْ نَجِسَةً كَانَتْ طَاهِرَةً بِمَا ظَهَرَ أَثَرُهُ، وَهُوَ الضَّرُورَةُ، كِلَا الضَّمِيرَيْنِ رَاجِعٌ إلَى مَا فَصَحَّ التَّعْلِيلُ بِهِ أَيْ بِالطَّوْفِ لِمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الضَّرُورَةِ أَيْ لِاتِّصَالِ الضَّرُورَةِ بِالطَّوْفِ بِالتَّعْلِيلِ بِهِ لِدَفْعِ نَجَاسَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ، أَوْ لِإِثْبَاتِ حُكْمِ التَّخْفِيفِ فِي سُؤْرِهِ يَكُونُ اسْتِدْلَالًا بِعِلَّةٍ مُؤَثِّرَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَصَابَتْهُ مَخْمَصَةٌ فَيَتَنَاوَلُ الْمَيْتَةَ أَوْ الدَّمَ فَإِنَّهُ سَقَطَ اعْتِبَارُ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ الْفَمِ وَلَا غَسْلُ الْيَدِ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ كَذَا رَأَيْت فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي مُخْتَصَرِ التَّقْوِيمِ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ عَلَيْكُمْ» إشَارَةٌ إلَى وَصْفٍ مُؤَثِّرٍ؛ لِأَنَّ الْهِرَّةَ لَمَّا كَانَتْ مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْنَا لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْ سُؤْرِهَا إلَّا بِحَرَجٍ عَظِيمٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى مَا جَعَلَ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ النَّجَاسَةِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَالْحَرَجِ وَهَذَا وَصْفٌ ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ شَرْعًا فَإِنَّ النَّجَاسَةَ يَسْقُطُ حُكْمًا لِمَكَانِ الْعَجْزِ وَالضَّرُورَةِ فَإِنَّ الْمَيْتَةَ نَجِسَةٌ بِالْإِجْمَاعِ خَبِيثَةٌ ثُمَّ سَقَطَ اعْتِبَارُ النَّجَاسَةِ حَتَّى حَلَّتْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.
وَكَذَا طَهَارَةُ الْبَدَنِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا قِيَامٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا ثُمَّ إذَا كَانَ نَجَسًا وَلَيْسَ مَعَهُ مَا يَغْسِلُهَا يُصَلِّي مَعَ النَّجَاسَةِ، وَإِنَّمَا سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ، وَكَذَا الْحَدَثُ يُسْقِطُ الْعِبَادَةَ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ فَثَبَتَ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى وَصْفٍ مُؤَثِّرٍ شَرْعًا وَعَقْلًا.
أَوْجَبَ أَيْ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا النَّصِّ وَهُوَ حَدِيثُ الْمُسْتَحَاضَةِ الطَّهَارَةَ بِالدَّمِ أَيْ بِسَبَبِهِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى النَّجَاسَةِ الَّذِي لَهُ أَثَرٌ فِي إيجَابِ التَّطْهِيرِ لَا بِاعْتِبَارِ مَعَانٍ أُخْرَى مِنْ كَوْنِهِ جِسْمًا وَمَائِعًا وَنَحْوِهِمَا، أَوْ لَمْ يُوجَدْ لَهَا أَثَرٌ فِي إيجَابِ الطَّهَارَةِ وَعَقْلُهُ أَيْ إيجَابُ الطَّهَارَةِ بِالِانْفِجَارِ الَّذِي لَهُ أَثَرٌ فِي الْخُرُوجِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ؛ لِأَنَّ انْفِجَارَ دَمِ الْعِرْقِ غَيْرُ مُعْتَادٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَنْفِيَ مَعَهُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالتَّوَضُّؤِ بِخِلَافِ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُعْتَادُهُ مُسْتَدَامٌ فَيَجُوزُ أَنْ يُسْقِطَ بِهِ وُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالتَّوَضُّؤِ لِلْحَرَجِ، ثُمَّ أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إشَارَةً إلَى التَّعْلِيلِ لِحُكْمٍ آخَرَ بِوَصْفٍ مُؤَثِّرٍ فَقَالَ: وَالِانْفِجَارُ آفَةٌ وَمَرَضٌ لَازِمٌ لَيْسَ فِي وُسْعِهَا رَدُّهُ وَإِمْسَاكُهُ وَلِهَذَا تُرَدُّ الْمَبِيعَةُ بِهِ فَكَانَ لَهُ أَيْ لِلِانْفِجَارِ اللَّازِمِ أَثَرٌ فِي التَّخْفِيفِ وَذَلِكَ التَّخْفِيفُ قِيَامُ الطَّهَارَةِ مَعَ وُجُودِهِ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ، وَهُوَ وَقْتُ الصَّلَاةِ لِلضَّرُورَةِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ أَنَّ «قَوْلَهُ ﷺ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ حُبَيْشٍ حِينَ سَأَلَتْ عَنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ إنَّهَا دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ تَوَضَّئِي وَصَلِّي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» إشَارَةٌ
стр. 1079
وَمِثْلُ «قَوْلِهِ لِعُمَرَ ﵁ وَقَدْ سَأَلَهُ عَنْ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ فَقَالَ أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضَتْ بِمَاءٍ فَمَجَجْتَهُ أَكَانَ يَضُرُّكَ» تَعْلِيلٌ بِمَعْنًى مُؤَثِّرٍ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ نَقِيضُ الصَّوْمِ وَالصَّوْمَ كَفٌّ عَنْ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ وَلَيْسَ فِي الْقُبْلَةِ قَضَاؤُهَا لَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى مِثْلُ الْمَضْمَضَةِ «وَقَالَ فِي تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَرَأَيْت لَوْ تَمَضْمَضَتْ بِمَاءٍ، ثُمَّ مَجَجْته أَكُنْت شَارِبَهُ» فَعَلَّلَ بِمَعْنًى مُؤَثِّرٍ، وَهُوَ أَنَّ الصَّدَقَةَ مَطْهَرَةٌ لِلْأَوْزَارِ فَكَانَتْ وَسَخًا كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَدِّ فَضَرَبُوا بِالْأَمْثَالِ مِثْلَ فُرُوعِ الشَّجَرِ وَشُعُوبِ الْوَادِي وَالْأَنْهَارِ وَالْجَدَاوِلِ وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِيهِ بِقُرْبِ أَحَدِ طَرْفَيْ الْقَرَابَةِ وَهَذِهِ أُمُورٌ مَعْقُولَةٌ بِآثَارِهَا
ــ
[كشف الأسرار]
إلَى أَحْكَامٍ ثَلَاثَةٍ وَتَعْلِيلٌ لَهَا بِأَوْصَافٍ مُؤَثِّرَةٍ: أَحَدُهَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ وَالثَّانِي وُجُوبُ التَّوَضُّؤِ.
وَالثَّالِثُ الِاكْتِفَاءُ بِطَهَارَةٍ وَاحِدَةٍ لِوَقْتِ الصَّلَاةِ أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ إنَّمَا أَوْجَبَ سُقُوطَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا عَادَةٌ رَاتِبَةٌ فِي بَنَاتِ آدَمَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ لَا يُمْكِنُهُنَّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فَلَوْ أَوْجَبْنَا الصَّلَاةَ عَلَيْهِنَّ لَأَدَّى إلَى الْحَرَجِ وَمَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فَسَقَطَتْ الصَّلَاةُ عَنْهُنَّ بِتِلْكَ الدَّمِ فَأَمَّا دَمُ الِاسْتِحَاضَةِ فَدَمُ عِرْقٍ يُوجَدُ بِعَارِضِ عِلَّةِ لَا يَكُونُ عَادَةً رَاتِبَةً فِيهِنَّ فَإِيجَابُ الصَّلَاةِ مَعَهُ لَا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ فَلَمْ يَصِرْ عُذْرًا فِي سُقُوطِ الصَّلَاةِ.
وَالثَّانِي أَنَّهُ ﷺ عَلَّلَ لِوُجُوبِ التَّوَضُّؤِ بِانْفِجَارِ الدَّمِ، وَهُوَ تَعْلِيلٌ بِمَعْنًى مُؤَثِّرٍ لِأَنَّ انْفِجَارَ الدَّمِ مُؤَثِّرٌ فِي إثْبَاتِ النَّجَاسَةِ إذْ الدَّمُ بِالِانْفِجَارِ يَصِلُ إلَى مَوْضِعٍ يَجِبُ تَطْهِيرُ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهُ وَلِلنَّجَاسَةِ أَثَرٌ فِي إيجَابِ الطَّهَارَةِ إذْ الْعَبْدُ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يَكُونُ أَهْلًا لِذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ طَاهِرًا وَالثَّالِثُ قَالَ تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَأَشَارَ إلَى وَصْفٍ مُؤَثِّرٍ فَقَالَ إنَّهَا دَمُ عِرْقٍ انْفَجَرَ وَالِانْفِجَارُ عِبَارَةٌ عَنْ السَّيَلَانِ الدَّائِمِ وَمَعَ السَّيَلَانِ لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهَا الطَّهَارَةُ لِكُلِّ حَدَثٍ لَبَقِيَتْ مَشْغُولَةً بِالطَّهَارَةِ أَبَدًا لَا تَجِدُ فَرَاغًا عَنْهَا فَلَا يُمْكِنُهَا إذًا الصَّلَاةُ فَأَوْجَبَ التَّوَضُّؤَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ مَرَّةً وَاحِدَةً لِيُمْكِنَهَا أَدَاءُ الصَّلَاةِ وَأَسْقَطَ اعْتِبَارَ الْحَدَثِ بَعْدَهُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ لِلْعَجْزِ تَأْثِيرٌ فِي إسْقَاطِ النَّجَاسَةِ لِمَا قُلْنَا قَوْلُهُ (وَمِثْلُ قَوْلِهِ) أَيْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعُمَرَ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْهِرَّةِ وَكَلِمَةُ فَقَالَ وَقَعَتْ زَائِدَةً لَا حَاجَةَ إلَيْهَا وَقَوْلُهُ تَعْلِيلٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هَذَا تَعْلِيلٌ بِمَعْنًى مُؤَثِّرٍ؛ لِأَنَّ الْفِطْرَ نَقِيضُ الصَّوْمِ أَيْ ضِدُّهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى النَّاقِضِ أَيْ الْفِطْرُ هُوَ النَّاقِضُ لِلصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي رُكْنَهُ، وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ اقْتِضَاءِ الشَّهْوَتَيْنِ وَلَيْسَ فِي الْقُبْلَةِ قَضَاءُ شَهْوَةِ الْفَرْجِ لَا صُورَةً لِعَدَمِ إيلَاجِ فَرْجٍ فِي فَرْجٍ.
وَلَا مَعْنًى لِعَدَمِ الْإِنْزَالِ مِثْلُ الْمَضْمَضَةِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا قَضَاءُ شَهْوَةِ الْبَطْنِ لَا صُورَةً لِعَدَمِ وُصُولِ شَيْءٍ إلَى الْبَاطِنِ وَلَا مَعْنًى لِعَدَمِ حُصُولِ صَلَاحِ الْبَدَنِ بَلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُقَدِّمَةٌ لِقَضَاءِ شَهْوَةٍ فَكَمَا أَنَّ الْمَضْمَضَةَ لَا تُفْسِدُ الصَّوْمَ لِعَدَمِ مَعْنَى الْفِطْرِ فِيهَا فَكَذَلِكَ الْقُبْلَةُ فَعَلَّلَ بِمَعْنًى مُؤَثِّرٍ، وَهُوَ أَنَّ الصَّدَقَةَ مُطَهِّرَةٌ لِلْأَوْزَارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] وَالْوِزْرُ الْحِمْلُ الثَّقِيلُ.
وَالْمُرَادُ الْإِثْمُ هَاهُنَا فَكَانَتْ وَسَخًا كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَكَمَا أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ أَخْذٌ بِمَعَالِي الْأُمُورِ وَكَذَلِكَ حُرْمَةُ الصَّدَقَةِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ تَعْظِيمٌ وَإِكْرَامٌ لَهُمْ لِيَكُونَ لَهُمْ خُصُوصِيَّةٌ بِمَا هُوَ مِنْ مَعَالِي الْأُمُورِ. فَهَذَا بَيَانُ تَعْلِيلِ النَّبِيِّ ﷺ بِأَوْصَافٍ مُؤَثِّرَةٍ.
١ -
ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ تَعْلِيلِ الصَّحَابَةِ بِهَا فَقَالَ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَرَضِيَ عَنْهُمْ فِي الْجَدِّ يَعْنِي مَعَ الْإِخْوَةِ فِي الْمِيرَاثِ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ ﵃ إلَى تَفْضِيلِ الْجَدِّ عَلَى الْإِخْوَةِ وَذَهَبَ عَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَجَمَاعَةٌ أُخْرَى ﵃ إلَى تَوْرِيثِ الْإِخْوَةِ مَعَ الْجَدِّ فَضَرَبُوا فِيهِ أَيْ فِي الْجَدِّ، أَوْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ بِأَمْثَالٍ فَقَالَ عَلِيٌّ ﵁ إنَّمَا مَثَلُ الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ مَثَلُ شَجَرٍ أَنْبَتَ غُصْنًا ثُمَّ تَفَرَّعَ مِنْ الْغُصْنِ فَرْعَانِ فَالْقُرْبُ بَيْنَ الْغُصْنَيْنِ أَقْوَى مِنْ الْقُرْبِ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ وَالْأَصْلُ؛ لِأَنَّ الْغُصْنَ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ وَالْأَصْلُ وَاسِطَةٌ وَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ فَهَذَا يَقْتَضِي رُجْحَانَ الْأَخِ عَلَى الْجَدِّ إلَّا أَنَّ بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ وَالْأَصْلِ جُزْئِيَّةً وَبَعْضِيَّةً لَيْسَتْ
стр. 1080
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ ﵁ لِعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ حِينَ قَالَ مَا أَرَى النَّارَ تُحِلُّ شَيْئًا أَلَيْسَ يَكُونُ خَمْرًا ثُمَّ يَصِيرُ خَلًّا فَنَأْكُلَهُ فَعَلَّلَ بِمَعْنًى مُؤَثِّرٍ وَهُوَ تَغَيُّرُ الطِّبَاعِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة ﵀ فِي اثْنَيْنِ اشْتَرَيَا عَبْدًا، وَهُوَ قَرِيبُ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ لِأَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِرِضَاهُ وَلِلرِّضَاءِ أَثَرٌ فِي سُقُوطِ الْعُدْوَانِ
ــ
[كشف الأسرار]
بَيْنَ الْفَرْعَيْنِ نَفْسِهِمَا فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَرْجِيحٌ فَاسْتَوَيَا وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ﵁ مَثَلُ الْجَدِّ مَعَ الْحَافِدِ كَمَثَلِ نَهْرَيْنِ يَنْشَعِبَانِ مِنْ وَادٍ ثُمَّ يَنْشَعِبُ مِنْ هَذَا النَّهْرِ جَدْوَلٌ وَمَثَلُ الْأَخَوَيْنِ كَمَثَلِ نَهْرَيْنِ يَنْشَعِبَانِ مِنْ وَادٍ فَالْقُرْبُ بَيْنَ النَّهْرَيْنِ الْمُنْشَعِبَيْنِ مِنْ الْوَادِي أَكْثَرُ مِنْ الْقُرْبِ بَيْنَ الْوَادِي، وَالْجَدْوَلُ بِوَاسِطَةِ النَّهْرِ.
وَالشُّعُوبُ جَمْعُ شَعْبٍ، وَهُوَ مَا تَشَعَّبَ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ وَكَأَنَّهُ مُسْتَعَارٌ هَاهُنَا لَمَّا تَشَعَّبَ مِنْ الْوَادِي، وَالْجَدْوَلُ النَّهْرُ الصَّغِيرُ وَاحْتَجَّ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِيهِ أَيْ فِي تَرْجِيحِ الْجَدِّ بِقُرْبِ أَحَدِ طَرَفَيْ الْقَرَابَةِ فَقَالَ، أَلَا يَتَّقِي اللَّهَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَجْعَلُ ابْنَ الِابْنِ ابْنًا وَلَا يَجْعَلُ أَبَا الْأَبِ أَبًا اعْتَبَرَ أَحَدَ طَرَفَيْ الْقَرَابَةِ وَهُوَ طَرَفُ الْأَصَالَةِ بِالطَّرَفِ الْآخِرِ، وَهُوَ الْجُزْئِيَّةُ فِي الْقُرْبِ.
وَهَذِهِ أُمُورٌ مَعْقُولَةٌ بِآثَارِهَا أَيْ مَا ذَكَرُوا مِنْ التَّمْثِيلِ وَالِاحْتِجَاجِ بِأَحَدِ طَرَفَيْ الْقَرَابَةِ عَلَى الْآخَرِ تَعْلِيلَاتٌ بِأَوْصَافٍ مُؤَثِّرَةٍ فَإِنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمِيرَاثِ بِالْقَرَابَةِ، وَالتَّمْثِيلُ بِفُرُوعِ الشَّجَرِ وَشُعُوبِ الْوَادِي لِبَيَانِ تَفَاوُتِ الْقُرْبِ بِطَرِيقٍ مَحْسُوسٍ إلَّا أَنَّ الْعَبَّاسَ رَجَّحَ الْجَدَّ؛ لِأَنَّ قُرْبَهُ مُنْشَعِبٌ عَنْ الْجُزْئِيَّةِ كَقُرْبِ الْحَافِدِ إذْ الْحَافِدُ مُتَّصِلٌ بِالْبِنْتِ بِوَاسِطَةِ أَبِيهِ اتِّصَالَ جُزْئِيَّةٍ، وَالْجَدُّ مُتَّصِلٌ بِهِ بِوَاسِطَةِ ابْنِهِ اتِّصَالَ جُزْئِيَّةٍ أَيْضًا ثُمَّ الْحَافِدُ وَإِنْ سَفَلَ بِاعْتِبَارِ الْجُزْئِيَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَخِ فَكَذَا الْجَدُّ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْقُرْبَ بِاعْتِبَارِ الْجُزْئِيَّةِ مَعْنًى يَرْجِعُ إلَى ذَاتِ الْقَرَابَةِ وَالْقُرْبُ بِاعْتِبَارِ الْمُجَاوَرَةِ مَعْنًى يَرْجِعُ إلَى حَالِ الْقَرَابَةِ وَالتَّرْجِيحُ بِالذَّاتِ أَوْلَى مِنْ التَّرْجِيحِ بِالْحَالِ قَوْلُهُ (وَقَدْ قَالَ عُمَرُ لِعُبَادَةَ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ اسْتَشَارَ النَّاسُ عُمَرَ ﵁ فِي شَرَابٍ يُرْزَقُهُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ النَّصَارَى إنَّا نَصْنَعُ شَرَابًا فِي صَوْمِنَا فَقَالَ عُمَرُ ائْتِنِي بِشَيْءٍ مِنْهُ فَأَتَاهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ قَالَ مَا أَشْبَهَ هَذَا بِطِلَاءِ الْإِبِلِ كَيْفَ تَصْنَعُونَهُ قَالَ: نَطْبُخُ الْعَصِيرَ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَيَبْقَى ثُلُثُهُ فَصَبَّ عُمَرُ ﵁ عَلَيْهِ مَاءً وَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ وَهُوَ عَنْ يَمِينِهِ فَقَالَ عُبَادَةُ مَا أَرَى النَّارَ تُحِلُّ شَيْئًا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا أَحْمَقُ أَلَيْسَ يَكُونُ خَمْرًا، ثُمَّ يَصِيرُ خَلًّا، ثُمَّ تَأْكُلُهُ.
وَفِي هَذَا دَلِيلُ إبَاحَةِ شُرْبِ الْمُثَلَّثِ وَإِنْ كَانَ مُشْتَدًّا فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ إنَّمَا اسْتَشَارَهُمْ فِي الْمُشْتَدِّ دُونَ الْحُلْوِ، وَهُوَ مَا يَكُونُ مُمْرِئًا لِطَعَامٍ مُقَوِّيًا عَلَى الطَّاعَةِ فِي لَيَالِيِ الصِّيَامِ وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى عُبَادَةَ فَقَالَ مَا أَرَى النَّارَ تُحِلُّ شَيْئًا يَعْنِي أَنَّ الْمُشْتَدَّ مِنْ هَذَا الشَّرَابِ قَبْلَ أَنْ يُطْبَخَ بِالنَّارِ حَرَامٌ فَبَعْدَ الطَّبْخِ كَذَلِكَ إذْ النَّارُ لَا تُحِلُّ الْحَرَامَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا أَحْمَقُ أَيْ يَا قَلِيلَ النَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ أَلَيْسَ يَكُونُ خَمْرًا، ثُمَّ يَكُونُ خَلًّا فَتَأْكُلُهُ يَعْنِي أَنَّ صِفَةَ الْخَمْرِيَّةِ بِالتَّخَلُّلِ تَزُولُ فَكَذَلِكَ صِفَةُ الْخَمْرِيَّةِ بِالطَّبْخِ إلَى أَنْ ذَهَبَ مِنْهُ الثُّلُثَانِ تَزُولُ.
وَمَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ النَّارَ لَا تُحِلُّ وَلَكِنْ بِالطَّبْخِ تَنْعَدِمُ صِفَةُ الْخَمْرِيَّةِ كَالذَّبْحِ فِي الشَّاةِ عَيْنُهُ لَا يَكُونُ مُحَلِّلًا، وَلَكِنَّهُ مُنْهِرٌ لِلدَّمِ وَالْمُحَرَّمُ هُوَ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ يَكُونُ مُحَلِّلًا لِانْعِدَامِ مَا لِأَجْلِهِ كَانَ مُحَرَّمًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَهُوَ قَوْلُهُ فَعَلَّلَ بِمَعْنًى مُؤَثِّرٍ، وَهُوَ تَغَيُّرُ الطِّبَاعِ يَعْنِي الطَّبْخَ بِغَيْرِ طَبْعِهِ وَلِلتَّغَيُّرِ أَثَرٌ فِي تَبَدُّلِ الْحُكْمِ كَالْمَنِيِّ إذَا صَارَ حَيَوَانًا صَارَ طَاهِرًا وَكَذَا الْحِمَارُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَمْلَحَةِ وَصَارَ مِلْحًا وَالسِّرْقِينُ إذَا صَارَ رَمَادًا قَوْلُهُ (وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي اثْنَيْنِ اشْتَرَيَا عَبْدًا) إذَا مَلَكَ الرَّجُلُ مَعَ آخَرَ قَرِيبَهُ بِشِرَاءٍ، أَوْ هِبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ عَتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَيَسْعَى الْعَبْدُ لِشَرِيكِهِ فِي نَصِيبِهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي عَتَقَ مِنْ قِبَلِهِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ قِيمَةَ نَصِيبِهِ إنْ كَانَ
стр. 1081
وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي إيدَاعِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى اسْتِهْلَاكِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الزِّنَا لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ رُجِمَتْ عَلَيْهِ وَالنِّكَاحُ أَمْرٌ حُمِدَتْ عَلَيْهِ وَهَذِهِ أَوْصَافٌ ظَاهِرَةُ الْآثَارِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي النِّكَاحِ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلِذَلِكَ أَثَّرَ فِي هَذَا الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَالَ هُوَ الْمُبْتَذَلُ فَاحْتِيجَ فِيهِ إلَى الْحُجَّةِ الضَّرُورِيَّةِ وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمَالٍ فَغَيْرُهُ مُبْتَذَلٌ فَيَجِبُ إثْبَاتُهُ بِالْحُجَّةِ الْأَصْلِيَّةِ وَلِيَزْدَادَ خَطَرُهُ عَلَى مَا هُوَ مُبْتَذَلٌ
ــ
[كشف الأسرار]
مُوسِرًا وَيَسْعَى الْعَبْدُ لِشَرِيكِهِ إنْ كَانَ مُعْسِرًا؛ لِأَنَّ الْقَرِيبَ بِالشِّرَاءِ صَارَ مُعْتِقًا لِنَصِيبِهِ فَإِنَّ شِرَاءَ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ؛ وَلِهَذَا تُؤَدَّى بِهِ الْكَفَّارَةُ وَالْمُعْتِقُ ضَامِنٌ لِنَصِيبِ شَرِيكِهِ إذَا كَانَ مُوسِرًا كَمَا لَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ فَاشْتَرَى قَرِيبُ الْعَبْدِ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا مِنْهُ يَضْمَنُ نَصِيبَ الْآخَرِ إنْ كَانَ مُوسِرًا، وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ بِرِضَاهُ أَيْ بِرِضَا الشَّرِيكِ فَلَا يَضْمَنُ لَهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ لِلرِّضَاءِ أَثَرًا فِي سُقُوطِ ضَمَانِ الْعُدْوَانِ.
وَهَذَا؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْعِتْقِ يَجِبُ بِالْإِفْسَادِ، أَوْ الْإِتْلَافِ لِمِلْكِ الشَّرِيكِ فَيَكُونُ وَاجِبًا بِطَرِيقِ الْجُبْرَانِ وَرِضَاهُ بِالسَّبَبِ يُغْنِي عَنْ الْحَاجَةِ إلَى الْجُبْرَانِ؛ لِأَنَّ
الْحَاجَةَ إلَى ذَلِكَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ
عَنْهُ وَقَدْ انْدَفَعَ ذَلِكَ حُكْمًا حِينَ رَضِيَ بِهِ كَمَا لَوْ أَذِنَ لَهُ نَصًّا أَنْ يُعْتِقَهُ، وَكَمَا لَوْ أَتْلَفَ مَالَ الْغَيْرِ بِإِذْنِهِ وَإِثْبَاتُ الرِّضَاءِ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَمَّا سَاعَدَ شَرِيكَهُ عَلَى الْقَبُولِ مَعَ عِلْمِهِ أَنَّ قَبُولَ شَرِيكِهِ مُوجِبٌ لِلْعِتْقِ صَارَ رَاضِيًا بِعِتْقِهِ عَلَى شَرِيكِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ اسْتَأْذَنَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ صَاحِبَهُ فِي أَنْ يَعْتِقَ نَصِيبَهُ فَأَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ.
وَالثَّانِي أَنَّ الْمُشْتَرِيَيْنِ صَارَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ لِاتِّحَادِ الْإِيجَابِ مِنْ الْبَائِعِ؛ وَلِهَذَا لَوْ قِيلَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ لَمْ يَصِحَّ قَبُولُهُ وَلَمْ يَمْلِكْ نَصِيبَهُ بِهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَاضٍ بِالتَّمَلُّكِ فِي نَصِيبِهِ فَيَكُونُ رَاضِيًا بِالتَّمَلُّكِ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ أَيْضًا لَمَّا سَاعَدَهُ عَلَى الْقَبُولِ بَلْ يَصِيرُ مُشَارِكًا لَهُ فِي السَّبَبِ بِهَذَا الطَّرِيقِ، وَالْمُشَارَكَةُ فِي السَّبَبِ فَوْقَ الرِّضَاءِ بِهِ إلَّا أَنَّ بِهَذَا السَّبَبِ يَتِمُّ عِلَّةُ الْعِتْقِ فِي حَقِّ الْقَرِيبِ، وَهُوَ الْمِلْكُ وَلَا يَتِمُّ بِهِ عِلَّةُ الْعِتْقِ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ فَكَانَ الْقَرِيبُ مُعْتِقًا دُونَ الْأَجْنَبِيِّ وَلَكِنْ بِمُعَاوَنَتِهِ فَيَسْقُطُ حَقُّهُ فِي تَضْمِينِهِ لَمَّا عَاوَنَهُ عَلَى السَّبَبِ.
وَهَذَا الْكَلَامُ يَتَّضِحُ لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الشِّرَاءِ، وَلِهَذَا عَيَّنَ فِي الْكِتَابِ الشِّرَاءَ فَقَالَ فِي اثْنَيْنِ اشْتَرَيَا عَبْدًا فَأَمَّا فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ فَكَلَامُهُمَا أَوْضَحُ؛ لِأَنَّهُ قَبُولُ أَحَدِهِمَا فِي نَصِيبِهِ صَحِيحٌ بِدُونِ قَبُولِ الْآخَرِ إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ يَقُولُ هُمَا كَشَخْصٍ وَاحِدٍ أَيْضًا لَكِنْ فِي الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْوَصِيَّةِ قَبُولُ الشَّخْصِ فِي النِّصْفِ دُونَ النِّصْفِ صَحِيحٌ ثُمَّ لَا فَصْلَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الشَّرِيكُ عَالِمًا بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَعَهُ قَرِيبُ الْعَبْدِ، أَوْ لَا يَكُونُ عَالِمًا بِهِ.
وَهَكَذَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الرِّضَاءِ يَتَحَقَّقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ فَهُوَ كَمَنْ قَالَ لِغَيْرِهِ كُلْ هَذَا الطَّعَامِ، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ طَعَامُهُ فَأَكَلَهُ الْمُخَاطَبُ فَلَيْسَ لِلْآذِنِ أَنْ يُضَمِّنَهُ شَيْئًا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ لِشَرِيكِهِ أَعْتِقْ هَذَا الْعَبْدَ، وَهُوَ لَا يَعْلَمْ أَنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَقَدْ رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّ رِضَاهُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ إذَا كَانَ عَالِمًا بِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ فَلَهُ أَنْ يُضَمِّنَ شَرِيكَهُ وَرَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ نَصِيبَهُ بِالْعَيْبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتِمُّ رِضَاهُ وَقَبُولُهُ حِينَ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِأَنَّ شَرِيكَهُ مُعْتِقٌ وَبِدُونِ تَمَامِ الْقَبُولِ لَا يُعْتَقُ نَصِيبُ الشَّرِيكِ فَكَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ فِي نَصِيبِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي إيدَاعِ الصَّبِيِّ أَيْ فِي مَسْأَلَةِ إيدَاعِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْمُودِعُ سَلَّطَهُ أَيْ الصَّبِيُّ عَلَى اسْتِهْلَاكِهِ أَيْ اسْتِهْلَاكِ الشَّيْءِ الْمُودَعِ.
وَهَذَا إشَارَةٌ مِنْهُ إلَى الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَكَّنَهُ مِنْ الْمَالِ قَدْ سَلَّطَهُ عَلَى إتْلَافِهِ حِسًّا وَالتَّسْلِيطُ يُخْرِجُ فِعْلَ الْمُسَلِّطِ مِنْ أَنْ يَكُونَ جِنَايَةً فِي حَقِّ الْمُسَلِّطِ بَلْ يَكُونُ رِضًا بِالِاسْتِهْلَاكِ، وَالرِّضَاءُ بِالِاسْتِهْلَاكِ يُسْقِطُ الضَّمَانَ عَلَى الْمُسَلِّطِ لِلْمُسَلَّطِ، ثُمَّ إنَّهُ بِقَوْلِهِ احْفَظْ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ التَّسْلِيطَ مَقْصُورًا عَلَى الْحِفْظِ بِطَرِيقِ الْعَقْدِ، وَهَذَا فِي حَقِّ الْبَالِغِ صَحِيحٌ وَفِي حَقِّ الصَّبِيِّ لَا يَصِحُّ أَصْلًا، وَفِي حَقِّ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ لَا يَصِحُّ فِي حَالَةِ الرِّقِّ وَخَصَّ
стр. 1082
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ جَرَيْنَا فِي الْفُرُوعِ فَقُلْنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ إنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْمَسْحِ مَعْنًى مُؤَثِّرٌ فِي التَّخْفِيفِ فِي فَرْضِهِ حَتَّى لَمْ يَسْتَوْعِبْ مَحَلَّهُ فَفِي سُنَنِهِ أَوْلَى فَأَمَّا قَوْلُ الْخَصْمِ إنَّهُ رُكْنٌ فِي الْوُضُوءِ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي إبْطَالِ التَّخْفِيفِ وَعَلَّلْنَا فِي وِلَايَةِ الْمُنَاكِحِ بِالصِّغَرِ وَالْبُلُوغِ، وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ؛ لِأَنَّهَا مَا شُرِعَتْ إلَّا حَقًّا لِلْعَاجِزِ كَالنَّفَقَةِ فَصَحَّ التَّعْلِيلُ بِالْعَجْزِ وَالْقُدْرَةِ لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَكَارَةِ وَالثِّيَابَةِ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ، وَقُلْنَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إنَّهُ عَيْنٌ وَهَذَا مُؤَثِّرٌ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ فِي الْأَصْلِ لِلتَّعْيِينِ وَالتَّمْيِيزِ وَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ عِنْدَ الْمُزَاحَمَةِ دُونَ الِانْفِرَادِ وَعَلَّلَ بِأَنَّهُ فَرْضٌ وَلَا أَثَرَ لِلْفَرْضِيَّةِ إلَّا فِي إصَابَةِ الْمَأْمُورِ وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى
ــ
[كشف الأسرار]
مُحَمَّدًا بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ بِاعْتِبَارِ التَّصْنِيفِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي الزِّنَا لَا يُوجِبُ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ رُجِمَتْ عَلَيْهِ أَيْ هُوَ أَمْرٌ يُفْضِي إلَى أَشَدِّ الْعُقُوبَاتِ وَأَقْبَحِهَا، وَهُوَ الرَّجْمُ وَالنِّكَاحُ أَمْرٌ حُمِدَتْ عَلَيْهِ لِمَا وَرَدَ فِيهِ مِنْ الْفَضَائِلِ فَأَنَّى يَتَشَابَهَانِ؟ وَهَذَا اسْتِدْلَالٌ مِنْهُ فِي الْفَرْقِ بِوَصْفٍ مُؤَثِّرٍ فَإِنَّ ثُبُوتَ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ بِطَرِيقِ النِّعْمَةِ وَالْكَرَامَةِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهَا مَا يُحْمَدُ الْمَرْءُ عَلَيْهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهَا مَا يُعَاقَبُ الْمَرْءُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الزِّنَا الْمُوجِبُ لِلرَّجْمِ وَأَشَارَ أَيْضًا إلَى أَنَّ الزِّنَا لَمَّا كَانَ أَمْرًا يُرْجَمُ عَلَيْهِ كَانَ وَاجِبَ الْإِعْدَامِ بِأَحْكَامِهِ وَلِذَلِكَ وَجَبَ دَرْؤُهُ بِالشُّبُهَاتِ لِيَنْعَدِمَ وَلَا يَظْهَرَ فَثَبَتَ أَنَّ السَّبِيلَ فِيهِ الْإِعْدَامُ بِآثَارِهِ فِي إثْبَاتِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ تَقْرِيرُهُ وَإِبْقَاؤُهُ وَمَا يَجِبُ إعْدَامُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بَقَاؤُهُ، وَهَذِهِ أَيْ الْأَوْصَافُ الَّتِي ذَكَرَهَا السَّلَفُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَوْصَافٌ ظَاهِرَةُ الْآثَارِ كَمَا بَيَّنَّا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي النِّكَاحِ إنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ النِّكَاحَ لَيْسَ بِمَالٍ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِلْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ أَثَّرَ فِي هَذَا الْحُكْمِ.
وَهُوَ عَدَمُ اعْتِبَارِ شَهَادَتِهِنَّ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ هُوَ الْمُبْتَذَلُ أَيْ الْمُسْتَهَانُ تَجْرِي الْمُسَاهَلَةُ فِيهِ وَكَثِيرُ الْمُعَامَلَةِ بِهِ بَيْنَ النَّاسِ فَاحْتِيجَ فِيهِ إلَى الْحُجَّةِ الضَّرُورِيَّةِ وَهِيَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ الَّتِي فِيهَا شُبْهَةٌ دَفْعًا لِلْحَرَجِ فَإِنَّ الْأَصْلَ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُنَّ شَهَادَةٌ لِبِنَاءِ أَمْرِهِنَّ عَلَى التَّسَتُّرِ وَعَلَى الْغَفْلَةِ وَالضَّلَالَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمَالٍ مِثْلُ النِّكَاحِ، وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِمَا فَغَيْرُ مُبْتَذَلٍ وَلَا يَكْثُرُ فِيهِ الْبَلْوَى وَالْمُعَامَلَةُ وَيَكُونُ فِي مَحَافِلِ الرِّجَالِ فَيَجِبُ إثْبَاتُهُ بِالْحُجَّةِ الْأَصْلِيَّةِ وَهِيَ شَهَادَةُ الرِّجَالِ وَحْدَهُمْ لِعَدَمِ تَأْدِيَتِهِ إلَى الْحَرَجِ قَوْلُهُ (وَلِيَزْدَادَ خَطَرُهُ عَطْفٌ) عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَتَقْدِيرُهُ وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمَالٍ فَيَجِبُ إثْبَاتُهُ بِالْحُجَّةِ الْأَصْلِيَّةِ لِعَدَمِ ابْتِذَالِهِ وَلِازْدِيَادِ خَطَرِهِ عَلَى مَا هُوَ مُبْتَذَلٌ فَإِنْ احْتَاجَ النِّكَاحُ إلَى الْمُقَدِّمَاتِ مِثْلُ الْخُطْبَةِ وَالْمُشَاوَرَةِ فِي الْعَادَاتِ وَالِاسْتِشْفَاعِ بِالْعُظَمَاءِ وَإِحْضَارِ الشُّهُودِ، وَالْوَلِيُّ دَلَّ عَلَى خَطَرِهِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُجَّةٍ أَصْلِيَّةٍ خَالِيَةٍ عَنْ الشُّبْهَةِ فَثَبَتَ بِمَا قُلْنَا أَنَّ طَرِيقَ تَعْلِيلِ السَّلَفِ ﵏ هُوَ التَّعْلِيلُ بِالْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) ، وَهُوَ أَنَّ اعْتِبَارَ الْمُلَاءَمَةِ وَالتَّأْثِيرِ وَاجِبٌ اتِّبَاعًا لِلسَّلَفِ جَرَيْنَا فِي الْفُرُوعِ الَّتِي اخْتَلَفْنَا فِيهَا مَعَ الْفُقَهَاءِ فَقُلْنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ يَعْنِي فِي أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّكْرَارُ لِإِكْمَالِ السُّنَّةِ أَنَّهُ مَسْحٌ فَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَمَسْحِ الْخُفِّ.
وَهُوَ مُؤَثِّرٌ لِأَنَّ مَعْنَى الْمَسْحِ مُؤَثِّرٌ فِي التَّخْفِيفِ فَإِنَّ الْمَسْحَ أَيْسَرُ مِنْ الْغُسْلِ وَتَأَدِّي الْفَرْضِ بِهِ دَلِيلُ التَّخْفِيفِ، وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ التَّخْفِيفِ فِي فَرْضِهِ حَتَّى لَمْ يُشْتَرَطْ اسْتِيعَابُ الْمَحَلِّ بِالْمَسْحِ بِخِلَافِ الْمَغْسُولَاتِ فَلَأَنْ يَظْهَرَ فِي سُنَّتِهِ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ التَّكْرَارُ سُنَّةً فِيهِ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ السُّنَّةَ تَبَعُ الْفَرْضِ وَأَضْعَفُ مِنْهُ فَكَانَتْ أَوْلَى بِظُهُورِ أَثَرِ التَّخْفِيفِ فِيهَا مِنْ الْفَرْضِ فَأَمَّا قَوْلُ الْخَصْمِ: إنَّهُ رُكْنٌ فِي وُضُوءٍ فَغَيْرُ مُؤَثِّرٌ فِي إبْطَالِ التَّخْفِيفِ أَيْ لَا يَنْفِي مَا ذَكَرْنَا مِنْ مَعْنَى التَّخْفِيفِ؛ لِأَنَّ مَسْحَ الْخُفِّ رُكْنٌ وَلَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ.
وَكَذَا الْمَسْحُ فِي التَّيَمُّمِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَا أَثَرَ لِلرُّكْنِيَّةِ فِي إبْطَالِ التَّخْفِيفِ وَإِثْبَاتِ التَّكْرَارِ، وَعَلَّلْنَا فِي وِلَايَةِ الْمَنَاكِحِ أَيْ فِي إثْبَاتِ وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ بِالصِّغَرِ وَفِي انْتِفَائِهَا بِالْبُلُوغِ حَتَّى كَانَ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوِّجَ الثَّيِّبَ الصَّغِيرَةَ كَالْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ إلَّا بِرِضَاهَا كَالثَّيِّبِ الْبَالِغَةِ عِنْدَنَا.
وَالْمَنَاكِحُ جَمْعُ مَنْكَحٍ اسْمُ الْمَكَانِ، أَوْ الزَّمَانِ
стр. 1083
فَإِنْ قِيلَ: التَّعْلِيلُ بِالْأَثَرِ لَا يَكُونُ قِيَاسًا لِأَنَّهُ لَا قِيَاسَ إلَّا بِالْأَصْلِ. قُلْنَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي إيدَاعِ الصَّبِيِّ إنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى اسْتِهْلَاكِهِ؛ لِأَنَّ أَصْلَهُ إبَاحَةُ الطَّعَامِ عَلَى أَنَّا نُسَمِّي مَا لَا أَصْلَ لَهُ عِلَّةً شَرْعِيَّةً لَا قِيَاسًا وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ قِيَاسٌ عَلَى مَا قُلْنَا لَكِنَّهُ مَسْكُوتٌ لِوُضُوحِهِ - وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ -.
ــ
[كشف الأسرار]
مِنْ النِّكَاحِ أَيْ وِلَايَةٌ تَثْبُتُ وَقْتَ النِّكَاحِ، أَوْ فِي مَكَانِ النِّكَاحِ، أَوْ جَمْعُ مَنْكَحٍ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ مِنْ الْإِنْكَاحِ وَمَجِيءُ الْمَصْدَرِ عَلَى وَزْنِ الْمَفْعُولِ قِيَاسٌ فِي الْمَزِيدِ، وَهُوَ أَيْ الصِّغَرُ وَصْفٌ مُؤَثِّرٌ؛ لِأَنَّهَا أَيْ وِلَايَةَ الْإِنْكَاحِ مَا شُرِعَتْ إلَّا عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ عَجْزِهِ عَنْ مُبَاشَرَةِ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ مَعَ حَاجَتِهِ إلَى مَقْصُودِهِ كَالنَّفَقَةِ تَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ حَقًّا لِلْعَاجِزِ عَنْهَا، وَالْمُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ الصِّغَرُ وَالْبُلُوغُ دُونَ الثِّيَابَةِ وَالْبَكَارَةِ بِدَلِيلِ ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ وَانْتِفَائِهَا فِي الْمَالِ بِالصِّغَرِ وَالْبُلُوغِ.
وَكَذَا الْوِلَايَةُ عَلَى الذَّكَرِ وَانْتِفَاؤُهَا بِالصِّغَرِ وَالْبُلُوغِ فَصَحَّ التَّعْلِيلُ بِالْعَجْزِ، وَهُوَ الصِّغَرُ وَالْقُدْرَةُ، وَهُوَ الْبُلُوغُ لِلْوُجُودِ وَالْعَدَمِ أَيْ لِوُجُودِ الْوِلَايَةِ وَعَدَمِهَا وَلَمْ يَكُنْ لِلْبَكَارَةِ وَالثِّيَابَةِ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي إثْبَاتِ الْوِلَايَةِ وَإِعْدَامِهَا أَثَرٌ وَقُلْنَا فِي صَوْمِ رَمَضَانَ: إنَّهُ صَوْمُ عَيْنٍ فَيَتَأَدَّى بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ وَهَذَا أَيْ وَصْفُ الْعَيْنِيَّةِ مُؤَثِّرٌ فِي إسْقَاطِ وُجُوبِ التَّعْيِينِ؛ لِأَنَّ إيجَابَ النِّيَّةِ فِي أَصْلِ وَضْعِهَا لِلتَّمَيُّزِ بَيْنَ الْمُحْتَمِلَيْنِ فَإِيجَابُ أَصْلِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْعَادَةِ وَالْعِبَادَةِ وَإِيجَابُ تَعْيِينِ الْجِهَةِ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ تِلْكَ الْجِهَةِ وَغَيْرِهَا وَذَلِكَ أَيْ التَّمْيِيزُ إنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهَا أَيْ ذِكْرِ التَّمْيِيزِ عَلَى تَأْوِيلِ النِّيَّةِ عِنْدَ مُزَاحَمَةِ الْغَيْرِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَشْرُوعُ عَيْنًا لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ فَقَدْ ارْتَفَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى تَمْيِيزِ الْجِهَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ التَّعْيِينُ وَعَلَّلَ أَيْ الشَّافِعِيُّ فِي اشْتِرَاطِ التَّعْيِينِ بِأَنَّهُ صَوْمُ فَرْضٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ جِهَةِ الْفَرْضِ كَصَوْمِ الْقَضَاءِ وَكَالصَّلَاةِ وَلَا أَثَرَ لِلْفَرْضِيَّةِ إلَّا فِي إصَابَةِ الْمَأْمُورِ أَيْ فِي الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ يَعْنِي لَا أَثَرَ لِهَذَا الْوَصْفِ فِي إيجَابِ التَّعْيِينِ وَإِسْقَاطِهِ إنَّمَا أَثَرُهُ فِيمَا ذُكِرَ لَا غَيْرَ فَثَبَتَ أَنَّا سَلَكْنَا طَرِيقَ السَّلَفِ فِي اعْتِبَارِ الْوَصْفِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْقِيَاسِ.
وَهَذَا أَيْ اعْتِبَارُنَا الْوَصْفَ الْمُؤَثِّرَ فِي الْفُرُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى قَوْلُهُ (فَإِنْ قِيلَ التَّعْلِيلُ بِالْأَثَرِ) إلَى آخِرِهِ قَالَ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فِي تَقْرِيرِ هَذَا السُّؤَالِ كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا أَيْ التَّعْلِيلُ بِالْمُؤَثِّرِ وَالْقِيَاسُ لَا يَكُونُ إلَّا لِفَرْعٍ وَأَصْلٍ فَإِنَّ الْمُقَايَسَةَ تَقْدِيرُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ وَبِمُجَرَّدِ ذِكْرِ الْوَصْفِ بِدُونِ الرَّدِّ إلَى أَصْلٍ لَا يَكُونُ قِيَاسًا، ثُمَّ أَجَابَ فَقَالَ قَدْ قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا هَذَا النَّوْعُ مِنْ التَّعْلِيلِ عِنْدَ ذِكْرِ الْأَصْلِ يَكُونُ مُقَايَسَةً وَبِدُونِ ذِكْرِ الْأَصْلِ يَكُونُ اسْتِدْلَالًا بِعِلَّةٍ مُسْتَنْبَطَةٍ بِالرَّأْيِ بِمَنْزِلَةِ مَا قَالَهُ الْخَصْمُ إنَّ تَعْلِيلَ النَّصِّ بِعِلَّةٍ تَتَعَدَّى إلَى الْفَرْعِ يَكُونُ مُقَايَسَةً وَبِعِلَّةٍ لَا تَتَعَدَّى لَا يَكُونُ مُقَايَسَةً لَكِنْ يَكُونُ بَيَانَ عِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ لِلْحُكْمِ ثُمَّ قَالَ وَالْأَصَحُّ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ هُوَ قِيَاسٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الْوَصْفِ يَكُونُ لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ لَا مَحَالَةَ وَلَكِنْ يُسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ لِوُضُوحِهِ وَرُبَّمَا لَا يَقَعُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ فَذَكَرَ مِمَّا يَقَعُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ ذِكْرِهِ مَا قُلْنَا فِي إيدَاعِ الصَّبِيِّ؛ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لِهَذَا الْوَصْفِ يَكُونُ مَقِيسًا عَلَى أَصْلٍ وَاضِحٍ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ أَبَاحَ الصَّبِيَّ طَعَامًا فَتَنَاوَلَهُ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهُ بِالْإِبَاحَةِ سَلَّطَهُ عَلَى تَنَاوُلِهِ وَتَرَكْنَا ذِكْرَ هَذَا الْأَصْلِ لِوُضُوحِهِ.
وَمِمَّا يُذْكَرُ فِيهِ الْأَصْلُ مَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ فِي طَوْلِ الْحَرَّةِ إنَّهُ لَا يَمْنَعُ نِكَاحَ الْأَمَةِ أَنَّ كُلَّ نِكَاحٍ يَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ بِإِذْنِ الْمَوْلَى فَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ الْحُرِّ كَنِكَاحِ حُرَّةٍ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى مَعْنًى مُؤَثِّرٍ وَهُوَ أَنَّ الرِّقَّ يُنَصِّفُ الْحِلَّ الَّذِي يَبْتَنِي عَلَيْهِ عَقْدُ النِّكَاحِ شَرْعًا وَلَا يُبَدِّلُهُ بِحِلٍّ آخَرَ فَيَكُونُ الرَّقِيقُ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ
стр. 1084
﴿بَابُ بَيَانِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ وَتَقْسِيمِ وُجُوهِهِ، وَهُوَ الطَّرْدُ﴾
اعْلَمْ بِأَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِالطَّرْدِ احْتِجَاجٌ بِمَا لَيْسَ بِدَلِيلٍ وَلَا حُجَّةٍ وَمَنْ عَدَلَ عَنْ طَرِيقِ الْفِقْهِ إلَى الصُّورَةِ أَفْضَى بِهِ تَقْصِيرُهُ إلَى أَنْ قَالَ لَا دَلِيلَ عَلَى الْحُكْمِ يَصْلُحُ دَلِيلًا وَكَفَى بِهِ فَسَادًا، وَالْكَلَامُ فِي الْبَابِ قِسْمَانِ:.
قِسْمٌ فِي بَيَانِ الْحُجَّةِ وَالثَّانِي فِي تَقْسِيمِ الْجُمْلَةِ، وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنَّ الِاطِّرَادَ دَلِيلُ الصِّحَّةِ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الْوُجُودُ عِنْدَ الْوُجُودِ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ الْعَدَمُ مَعَ الْعَدَمِ أَيْضًا وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ النَّصُّ قَائِمًا فِي الْحَالَيْنِ وَلَا حُكْمَ لَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
ذَلِكَ الْحَالُ بِعَيْنِهِ وَلَكِنَّ فِي هَذَا الْمَعْنَى نَوْعَ غُمُوضٍ فَيَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى ذِكْرِ الْأَصْلِ فَيَثْبُتُ أَنَّ جَمِيعَ مَا ذَكَرْنَا اسْتِدْلَالٌ بِالْقِيَاسِ فِي الْحَقِيقَةِ وَأَنَّهُ مُوَافِقٌ لِطَرِيقِ السَّلَفِ فِي تَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ يُسَمَّى مَا لَا أَصْلَ لَهُ عِلَّةً شَرْعِيَّةً أَيْ ثَابِتَةً بِالشَّرْعِ جَعَلَهَا الشَّرْعُ عِلَّةً فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ نَصٍّ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَصْلٍ آخَرَ مِثْلُ قَوْلِهِ ﵇ «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ عَلَيْكُمْ» عَلَى مَا قُلْنَا يَعْنِي فِي أَوَّلِ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْأَثَرَ لَا يَكُونُ إلَّا بِأَصْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ أَيْ الْأَصْلَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ لِوُضُوحِهِ أَيْ لِظُهُورِهِ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ الِاحْتِجَاجَ بِالطَّرْدِ]
(بَابُ بَيَانِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ)
وَتَقْسِيمُ وُجُوهِهِ وَهُوَ الطَّرْدُ، ذُكِرَ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ أَنَّ الْقَائِسِينَ اخْتَلَفُوا فِي دَلَالَةِ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً عَلَى قَوْلَيْنِ وَذُكِرَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ الْبَابِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْفِقْهِ فَكَانَ الْقَوْلُ الْآخَرُ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الطَّرْدِ ثَانِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَعُقِدَ هَذَا الْبَابُ لِبَيَانِهِ وَذُكِرَ الضَّمِيرُ الرَّاجِعُ إلَى الْمَقَالَةِ فِي وُجُوهِهِ بِتَأْوِيلِ الْقَوْلِ أَوْ الطَّرْدِ قِسْمٌ فِي بَيَانِ الْحُجَّةِ أَيْ فِي بَيَانِ كَوْنِ الطَّرْدِ حُجَّةً وَغَيْرَ حُجَّةٍ، أَوْ فِي بَيَانِ الْحُجَّةِ لِأَصْحَابِ الطَّرْدِ وَالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ.
وَالثَّانِي فِي تَقْسِيمِ الْجُمْلَةِ أَيْ جُمْلَةِ مَا هُوَ عَمَلٌ بِلَا دَلِيلٍ مِنْ أَقْسَامِ الطَّرْدِ وَمَا يُشَابِهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَقَدْ اتَّفَقَ أَهْلُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَيْ أَهْلُ الطَّرْدِ عَلَى أَنَّ الِاطِّرَادَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ الْعِلَّةِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ مُلَاءَمَةٍ، أَوْ تَأْثِيرٍ لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَفْسِيرِ الِاطِّرَادِ الَّذِي هُوَ دَلِيلٌ عَلَى الصِّحَّةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الْوُجُودُ عِنْدَ الْوُجُودِ أَيْ الْمُرَادُ مِنْ الطَّرْدِ وُجُودُ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَصْفِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطٍ مُلَاءَمَةٍ أَوْ تَأْثِيرٍ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ أَيْ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ يَعْنِي عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ الْعَدَمَ مَعَ الْعَدَمِ يَعْنِي جَعْلَ هَؤُلَاءِ الطَّرْدَ مَعَ الْعَكْسِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالدَّوَرَانِ وُجُودًا وَعَدَمًا - دَلِيلَ صِحَّةِ الْعِلَّةِ دُونَ مُجَرَّدِ الطَّرْدِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهَا قَطْعًا وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ يَدُلُّ عَلَيْهَا ظَنًّا، وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ وَأَكْثَرُ أَبْنَاءِ الزَّمَانِ مِنْ أَهْلِ الْجَدَلِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ أَيْ عَلَى الطَّرْدِ وَالْعَكْسِ أَنْ يَكُونَ النَّصُّ قَائِمًا فِي الْحَالَيْنِ وَلَا حُكْمَ لَهُ يَعْنِي شَرَطَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ قَائِمًا فِي حَالِ وُجُودِ الْوَصْفِ وَحَالِ عَدَمِهِ وَلَا يَكُونُ الْحُكْمُ مُضَافًا إلَيْهِ بَلْ إلَى الْوَصْفِ كَمَا أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» مُعَلَّلٌ بِشُغْلِ الْقَلْبِ لِدَوَرَانِ الْحُكْمِ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا، وَلَا حُكْمَ لِلْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْغَضَبُ، أَوْ لِنَفْسِ النَّصِّ فِي الْحَالَيْنِ فَإِنَّ الْغَضَبَ إذَا وُجِدَ وَلَمْ يُوجَدْ شُغْلُ الْقَلْبِ لَا يُثْبِتُ حُرْمَةَ الْقَضَاءِ مَعَ أَنَّ ظَاهِرَ النَّصِّ يَقْتَضِي حُرْمَتَهُ لِوُجُودِ الْغَضَبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ وَإِذَا وُجِدَ الشُّغْلُ بِدُونِ غَضَبٍ بِالْجُوعِ أَوْ بِالْعَطَشِ، أَوْ نَحْوِهِمَا نُثْبِتُ الْحُرْمَةَ مَعَ أَنَّ النَّصَّ لَا يَقْتَضِي حُرْمَتَهُ لِعَدَمِ الْغَضَبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالشُّغْلِ وُجُودًا وَعَدَمًا وَانْقِطَاعُهُ عَنْ الْغَضَبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ حَتَّى لَمْ يُؤَثِّرْ وُجُودُهُ فِي وُجُودِهِ وَلَا عَدَمُهُ فِي عَدَمِهِ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِ الشَّغْلِ عِلَّةً.
وَقِيلَ: اشْتِرَاطُ قِيَامِ النَّصِّ وَلَا حُكْمَ لَهُ فِي الْحَالَيْنِ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْمَفْهُومَ حُجَّةً فَأَمَّا عِنْدَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ حُجَّةً فَلَا؛ لِأَنَّ
стр. 1085
وَاحْتَجُّوا جَمِيعًا بِأَنَّ دَلَائِلَ صِحَّةِ الْقِيَاسِ لَا تَخُصُّ وَصْفًا دُونَ وَصْفٍ وَكُلُّ وَصْفٍ بِمَنْزِلَةِ نَصٍّ مِنْ النُّصُوصِ؛ وَلِأَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ غَيْرُ مُوجِبَةٍ فَلَا حَاجَةَ بِنَا إلَى مَعْنًى يُعْقَلُ وَالْجَوَابُ أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْأَصْلَ شَاهِدًا، وَذَلِكَ لَا تَقْتَضِي الشَّهَادَةَ بِكُلٍّ كَمَا جُعِلَ كَامِلُ الْحَالِ مِنْ النَّاسِ شَاهِدًا، ثُمَّ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ كُلُّ لَفْظَةٍ شَهَادَةٌ إلَّا بِمَعْنًى مَعْقُولٍ يُوجِبُ تَمْيِيزًا
ــ
[كشف الأسرار]
قِيَامَ النَّصِّ وَعَدَمَ حُكْمِهِ إنْ تُصُوِّرَ فِي حَالِ عَدَمِ الْوَصْفِ كَمَا قُلْنَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي حَالِ وُجُودِ الْوَصْفِ فَإِنَّ شُغْلَ الْقَلْبِ إنْ وُجِدَ بِالْغَضَبِ يَكُونُ النَّصُّ قَائِمًا مَعَ حُكْمِهِ وَهُوَ ثُبُوتُ الْحُرْمَةِ وَإِنْ وَجَدَهُ بِغَيْرِهِ لَا يَكُونُ النَّصُّ قَائِمًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى قِيَامِ النَّصِّ وَلَا حُكْمَ لَهُ قِيَامُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَتَنَاوُلُهُ لَهَا مَعَ عَدَمِ حُكْمِهِ فِيهَا لَا قِيَامُهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَفْهُومُ حُجَّةً لَا يَكُونُ لِلنَّصِّ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مُوجِبٌ فِي نَفْيِ الْحُكْمِ وَلَا فِي إثْبَاتِهِ فَلَا يَكُونُ النَّصُّ قَائِمًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَكِنْ إذَا جُعِلَ الْمَفْهُومُ حُجَّةً يَكُونُ عَدَمُ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ مِنْ مُوجِبِ النَّصِّ فَيَكُونُ النَّصُّ قَائِمًا وَلَا حُكْمَ لَهُ قَوْلُهُ (وَاحْتَجُّوا) أَيْ أَهْلُ الطَّرْدِ جَمِيعًا عَلَى كَوْنِ الطَّرْدِ دَلِيلُ صِحَّةِ الْعِلَّةِ بِأَنَّ الدَّلَائِلَ الَّتِي جَعَلَتْ الْقِيَاسَ حُجَّةً لَمْ تَخُصَّ وَصْفًا دُونَ وَصْفٍ فَظَوَاهِرُهَا يَقْتَضِي جَوَازَ التَّعْلِيلِ لِكُلِّ وَصْفٍ إلَّا مَا قَامَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يَمْنَعُ عَنْ التَّعْلِيلِ بِهِ فَكَانَ كُلُّ وَصْفٍ بِمَنْزِلَةِ نَصٍّ مِنْ الْمَنْصُوصِ فِي جَوَازِ التَّعْلِيلِ وَالْعَمَلِ بِهِ فَيَجُوزُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْعَلَ فِيهِ مَعْنًى إلَّا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُطَّرَدًا دَلَّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الشَّرْعِ إيَّاهُ؛ لِأَنَّ تَخَلُّفَ الْحُكْمِ عَنْ الْعِلَّةِ أَمَارَةُ النَّقْضِ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ.
وَلِأَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ أَمَارَاتٌ أَيْ عَلَامَاتٌ عَلَى ثُبُوتِ الْأَحْكَامِ فَإِنَّهَا غَيْرُ مُثْبِتَةٍ بِذَوَاتِهَا إذْ الْمُثْبِتُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ ﷻ وَإِذَا كَانَتْ أَمَارَاتٌ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا أَنْ يَكُونَ مَعْقُولَةَ الْمَعَانِي؛ لِأَنَّ أَمَارَةَ الشَّيْءِ مَا يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَوْجُودًا عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهَا مَعْنًى مَعْقُولٌ يُضَافُ وُجُودُ ذَلِكَ الشَّيْءِ إلَيْهِ كَالْمَنَارَةِ لِلْمَسْجِدِ وَالْمِيلِ لِلطَّرِيقِ وَلِأَنَّ الدَّوَرَانَ مَهْمَا حَصَلَ وَلَمْ يَكُنْ مَانِعٌ مِنْ الْحُكْمِ بِالْعِلِّيَّةِ حَصَلَ الْعِلْمُ، أَوْ الظَّنُّ عَادَةً بِكَوْنِ الْمَدَارِ، وَهُوَ الْوَصْفُ عِلَّةً لِلدَّائِرِ وَهُوَ الْحُكْمُ كَمَا إذَا دُعِيَ إنْسَانٌ بِاسْمٍ يُغْضِبُ ثُمَّ تُرِكَ دُعَاؤُهُ بِهِ فَلَمْ يَغْضَبْ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ مِرَارًا عُلِمَ أَنَّ دُعَاءَهُ بِذَلِكَ هُوَ سَبَبُ الْغَضَبِ حَتَّى إنَّ الْأَطْفَالَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ مِنْهُ وَيَتْبَعُونَ لَهُ دَاعِينَ بِذَلِكَ الِاسْمِ الْمُغْضِبِ لَهُ؛ وَلِأَنَّ عَدَمَ الِاطِّرَادِ لَمَّا كَانَ دَلِيلَ فَسَادِ الْعِلَّةِ يَكُونُ الِاطِّرَادُ دَلِيلَ صِحَّتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَاسِطَةٌ.
١ -
قَوْلُهُ (وَالْجَوَابُ) أَيْ عَنْ كَلَامِ أَهْلِ الطَّرْدِ أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ الْأَصْلَ شَاهِدًا يَعْنِي النُّصُوصَ الَّتِي جَعَلَتْ الْقِيَاسَ حُجَّةً جَعَلَتْ الْأَصْلَ شَاهِدًا وَالْوَصْفَ مِنْهُ شَهَادَةً عَلَى مَا مَرَّ وَذَلِكَ أَيْ صَيْرُورَتُهُ شَاهِدًا لَا يَقْتَضِي الشَّهَادَةَ بِكُلِّ وَصْفٍ أَيْ لَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَصْفٍ مِنْهُ شَهَادَةً؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مُتَحَقِّقٌ بِبَعْضِ الْأَوْصَافِ بَلْ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ شَهَادَتُهُ بِوَصْفٍ خَاصٍّ مُتَمَيِّزٍ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَوْصَافِ بِدَلِيلٍ كَمَا جَعَلَ الشَّرْعُ كَامِلَ الْحَالِ مِنْ النَّاسِ، وَهُوَ الْحُرُّ الْعَاقِلُ الْبَالِغُ الْعَدْلُ شَاهِدًا.
ثُمَّ لَمْ يَجِبْ أَيْ لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَفْظَةً مِنْهُ شَهَادَةً بَلْ بَعْضُ الْأَلْفَاظِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ مَعْنًى مَعْقُولٍ يُمَيِّزُهُ عَنْ سَائِرِ الْأَلْفَاظِ مِثْلُ قَوْلِهِ أَشْهَدُ فَإِنَّهُ تَمَيَّزَ مِنْ بَيْنِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْإِخْبَارِ عَنْ الْمَشْهُودِ بِهِ مِنْ قَوْلِهِ أَعْلَمُ، أَوْ أَتَيَقَّنُ أَوْ أُخْبِرُ، أَوْ أَعْلَمُ بِالْوَكَادَةِ الَّتِي فِيهِ فَإِنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ الْمُشَاهَدَةِ الَّتِي هِيَ السَّبَبُ الْمُطْلَقُ لِأَدَاءِ الشَّهَادَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ «إذَا رَأَيْت مِثْلَ الشَّمْسِ فَاشْهَدْ وَإِلَّا فَدَعْ» وَلِهَذَا كَانَ أَشْهَدُ مِنْ أَلْفَاظِ الْيَمِينِ فَكَذَا هَاهُنَا لَا بُدَّ مِنْ
стр. 1086
فَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّهَا أَمَارَاتٌ وَكَذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ فَأَمَّا فِي حَقِّ الْعِبَادِ فَإِنَّهُمْ مُبْتَلُونَ بِنِسْبَةِ الْأَحْكَامِ إلَى الْعِلَلِ كَمَا نُسِبَتْ الْأَجْزِئَةُ إلَى أَفْعَالِهِمْ وَنُسِبَ الْمِلْكُ إلَى الْبَيْعِ وَالْقِصَاصُ إلَى الْقَتْلِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ فَكَانَتْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ فِي الْأَصْلِ، وَلَكِنَّهَا جُعِلَتْ مُوجِبَةً شَرْعًا فِي حَقِّنَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِهَا، وَهِيَ النِّسْبَةُ أَلَيْسَ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِلِ وَقَدْ مَاتَ الْقَتِيلُ بِأَجَلِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْعِلَلِ وَالشُّرُوطِ، وَمُجَرَّدُ الِاطِّرَادِ لَا يُمَيِّزُ وَكَذَلِكَ الْعَدَمُ عِنْدَ عَدَمِهِ؛ لِأَنَّهُ يُزَاحِمُهُ الشَّرْطُ فِيهِ وَلِأَنَّ نِهَايَةَ الطَّرْدِ الْجَهْلُ لِأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: وَمَا يُدْرِيك أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ أَصْلٌ مُنَاقِضٌ، أَوْ مُعَارِضٌ
ــ
[كشف الأسرار]
أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مُتَمَيِّزًا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَوْصَافِ بِدَلِيلٍ مَعْقُولٍ؛ وَلِأَنَّ كُلَّ وَصْفٍ لَوْ صَلَحَ عِلَّةً وَالْأَوْصَافُ مَحْسُوسَةٌ مَسْمُوعَةٌ لَشَارَكَ السَّامِعُونَ وَأَهْلُ اللُّغَةِ كُلُّهُمْ الْفُقَهَاءَ فِي الْمُقَايَسَاتِ، وَلَمَّا اخْتَصَّ بِهَا الْفُقَهَاءُ فَعُلِمَ أَنَّ الْمُقَايَسَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَعَانٍ تُفْقَهُ لَا أَوْصَافٍ تُسْمَعُ كَذَا فِي التَّقْوِيمِ وَلَا أَعْرِفُ وَجْهَ تَعَلُّقِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ إلَّا بِمَعْنًى مَعْقُولٍ وَكَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ، ثُمَّ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَكُونَ كُلُّ لَفْظَةٍ شَهَادَةً بَلْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الْأَلْفَاظِ شَهَادَةً وَذَلِكَ الْبَعْضُ لَا يَتَمَيَّزُ إلَّا بِمَعْنًى مَعْقُولٍ يُوجِبُ تَمَيُّزًا وَأَمَّا قَوْلُهُ أَيْ قَوْلُ الْخَصْمِ إنَّهَا أَيْ الْعِلَلَ أَمَارَاتٌ فَكَذَلِكَ أَيْ فِيمَا ذُكِرَ لَكِنْ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ هُوَ الشَّارِعُ لِلْأَحْكَامِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمُوجِبُ لَهَا فَأَمَّا فِي حَقِّ الْعِبَادِ فَلَا؛ لِأَنَّهُمْ مُبْتَلُونَ بِنِسْبَةِ الْأَحْكَامِ إلَى الْعِلَلِ وَإِنْ كَانَتْ الْأَحْكَامُ ثَابِتَةً بِشَرْعِهِ ﷻ كَمَا نُسِبَتْ الْأَجْزِئَةُ إلَى أَفْعَالِهِمْ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] مَعَ أَنَّ الْأَجْزِئَةَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ، أَوْ عَدْلٌ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْعُقُوبَاتِ الْمَشْرُوعَةَ أَجْزِئَةٌ مِثْلُ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ وَالْقَطْعِ مَنْسُوبَةٌ إلَى أَفْعَالِهِمْ مِنْ الزِّنَا وَالْقَذْفِ وَالسَّرِقَةِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ أَيْ مَجْرَى مَا ذَكَرْنَا مِثْلُ نِسْبَةِ الْحِلِّ إلَى النِّكَاحِ وَالْحُرْمَةِ إلَى الطَّلَاقِ فَكَانَتْ أَيْ الْعِلَلُ غَيْرَ مُوجِبَةٍ فِي الْأَصْلِ بِذَوَاتِهَا وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ مُوجِبَةً قَبْلَ الشَّرْعِ.
وَلَكِنَّهَا أَيْ الْعِلَلَ جُعِلَتْ مُوجِبَةً شَرْعًا فِي حَقِّنَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِهَا، وَهُوَ النِّسْبَةُ يَعْنِي كَوْنَهَا مُوجِبَةً ثَبَتَ فِي حَقِّنَا بِالطَّرِيقِ الَّذِي يَلِيقُ بِهَا، وَهُوَ أَنْ يُنْسَبَ الْأَحْكَامُ إلَيْهَا بِأَنْ يُقَالَ الْقِصَاصُ حُكْمُ الْقَتْلِ، وَالْمِلْكُ حُكْمُ الْبَيْعِ وَالْحِلُّ حُكْمُ النِّكَاحِ فَهَذَا النَّوْعُ مِنْ النِّسْبَةِ يَلِيقُ بِهَا فَأَمَّا نِسْبَةُ حَقِيقَةِ الْإِيجَابِ إلَيْهَا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي عِلْمِنَا أَيْضًا فَلَا، وَهَذَا كَإِيجَابِ الْقِصَاصِ عَلَى الْقَاتِلِ فَإِنَّهُ مُضَافٌ إلَى الْقَتْلِ وَإِنْ كَانَ الْمَقْتُولُ مَيِّتًا بِأَجَلِهِ فِي حَقِّ عِلْمِنَا فَثَبَتَ أَنَّ عِلَلَ الشَّرْعِ لَيْسَتْ أَمَارَاتٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قُلْنَا، وَهُوَ أَنَّ الْعِلَلَ صَارَتْ مُوجِبَةً شَرْعًا فِي حَقِّنَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْعِلَلِ وَالشُّرُوطِ أَيْ مِنْ دَلِيلٍ يُمَيِّزُ بَيْنَهُمَا وَمُجَرَّدُ الِاطِّرَادِ لَا يُمَيِّزُ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ مَعَ الشَّرْطِ أَيْضًا.
وَكَذَلِكَ الْعَدَمُ عِنْدَ عَدَمِهِ هَذَا جَوَابٌ عَمَّا قَالَ الْفَرِيقُ الثَّانِي أَنَّ وُجُودَ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَصْفِ قَدْ يَكُونُ اتِّفَاقًا وَقَدْ يَكُونُ عِلَّةً فَلَا يَتَعَيَّنُ جِهَةُ كَوْنِهِ عِلَّةً إلَّا بِعَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِهِ فَيَصْلُحُ الْعَدَمُ عَنْ الْعَدَمِ دَلِيلًا مُمَيِّزًا لِلْعِلَّةِ عَنْ غَيْرِهَا فَقَالَ وَكَذَلِكَ الْعَدَمُ عِنْدَ عَدَمِهِ أَيْ كَمَا لَا يَصْلُحُ الِاطِّرَادُ دَلِيلًا مُمَيِّزًا لَا يَصْلُحُ عَدَمُ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ دَلِيلًا مُمَيِّزًا أَيْضًا.
لِأَنَّهُ أَيْ الْوَصْفَ يُزَاحِمُهُ الشَّرْطُ فِيهِ أَيْ فِي عَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِهِ فَإِنَّ دَوَرَانَ الْحُكْمِ كَمَا يُوجَدُ مَعَ الْعِلَّةِ وُجُودًا وَعَدَمًا يُوجَدُ مَعَ الشَّرْطِ كَذَلِكَ أَيْضًا فَإِنَّ وُجُوبَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَوُجُوبَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَوُجُوبَ الطَّهَارَةِ كَمَا يَدُورُ مَعَ النِّصَابِ وَالرَّأْسِ وَإِرَادَةِ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَسْبَابُهَا وُجُودًا وَعَدَمًا يَدُورُ مَعَ الْحَوْلِ وَيَوْمِ الْفِطْرِ وَالْحَدَثِ الَّتِي هِيَ شُرُوطُهَا وُجُودًا وَعَدَمًا أَيْضًا وَكَذَا الْعِتْقُ كَمَا يَدُورُ مَعَ الْإِعْتَاقِ يَدُورُ مَعَ الدُّخُولِ فِي قَوْلِهِ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتَ حُرٌّ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَدُورُ مَعَ الْأَسْبَابِ إلَّا بِوُجُودِ الشُّرُوطِ فَتَدُورُ الْأَحْكَامُ مَعَ الشُّرُوطِ وُجُودًا بِوُجُودِ الْأَسْبَابِ وَتَنْعَدِمُ عِنْدَ عَدَمِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ قَالَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ
стр. 1087
وَهَلْ ثَبَتَ ذَلِكَ لَك إلَّا بِأَنْ وَقَفْت عَنْ الطَّلَبِ وَقَدْ كَانَ يَتَأَدَّى لَك ذَلِكَ قَبْلَ الطَّرْدِ وَأَمَّا الْعَدَمُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا وَكَيْفَ يَصْلُحُ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَثْبُتَ بِعِلَّةٍ أُخْرَى فَلَا يَصِحُّ شَرْطُ عَدَمِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُوجَدُ فِي عِلَلِ السَّلَفِ
ــ
[كشف الأسرار]
أَمَّا قَوْلُهُمْ الْعَدَمُ عِنْدَ الْعَدَمِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُجُودَ لَمْ يَكُنْ اتِّفَاقًا فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ عِنْدَ الْوُجُودِ كَمَا يَكُونُ اتِّفَاقًا يَكُونُ الْعَدَمُ عِنْدَ الْعَدَمِ اتِّفَاقًا أَيْضًا فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً وَلِأَنَّ نِهَايَةَ الطَّرْدِ الْجَهْلُ أَيْ الْجَهْلُ بِوُجُودِ الْمُعَارِضِ وَالْمُنَاقِضِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ لَيْسَ لِهَذَا الْوَصْفِ مُنَاقِضٌ وَلَا مُعَارِضٌ أَصْلًا بَلْ غَايَةُ أَمْرِهِ أَنْ يَقُولَ إلَى مَا وَجَدَتْ لَهُ مُعَارِضًا وَلَا مُنَاقِضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الطَّرْدُ فِي جَمِيعِ الْأُصُولِ وَهَلْ ثَبَتَ ذَلِكَ أَيْ وَمَا ثَبَتَ عَدَمُ الْمُعَارِضِ وَالْمُنَاقِضِ عِنْدَك إلَّا بِالْوُقُوفِ عَنْ طَلَبِهِمَا وَقَدْ كَانَ يَتَأَدَّى أَيْ يَتَهَيَّأُ لَك ذَلِكَ أَيْ الْوُقُوفُ عَنْ طَلَبٍ وَالْحُكْمُ بِانْتِفَاءِ الْمُعَارِضِ وَالْمُنَاقِضِ قَبْلَ الطَّرْدِ وَأَمَّا الْعَدَمُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا أَيْ لَا يَصْلُحُ فِي نَفْسِهِ دَلِيلًا عَلَى شَيْءٍ لِأَنَّ الدَّلِيلَ عَلَى الشَّيْءِ أَمْرٌ وُجُودِيٌّ وَكَيْفَ يَصْلُحُ أَيْ عَدَمُ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى يَعْنِي وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ يَصْلُحُ دَلِيلًا فِي نَفْسِهِ فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْوَصْفِ لَامْتَنَعَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ عِلَّةٍ بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَلَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ لَا تَكُونَ لِحُكْمٍ وَاحِدٍ إلَّا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ لِحُكْمٍ وَاحِدٍ عِلَلٌ مُتَعَدِّدَةٌ كَالنَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ وَخُرُوجِ النَّجَاسَةِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ لِانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ وَكَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْمِيرَاثِ وَالِاسْتِيلَاءِ لِلْمِلْكِ وَكَالرِّدَّةِ وَالْكُفْرِ الْمُفْضِي إلَى الْمُحَارَبَةِ وَالْبَغْيِ وَالزِّنَا بَعْدَ الْإِحْصَانِ لِإِبَاحَةِ الْقَتْلِ.
فَلَا يَصْلُحُ شَرْطُ عَدَمِهِ - بِرَفْعِ الطَّاءِ - وَالشَّرْطُ مَصْدَرٌ مُضَافٌ إلَى الْمَفْعُولِ وَالضَّمِيرُ لِلْحُكْمِ أَيْ لَا يَصْلُحُ اشْتِرَاطُ عَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ لِصِحَّةِ كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً.
وَصَحَّحَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ بِنَصْبِ الطَّاءِ فَقِيلَ مَعْنَاهُ فَلَا يَصْلُحُ عَدَمُ الْعِلَّةِ شَرْطُ عَدَمِ الْحُكْمِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَثْبُتَ الْحُكْمُ بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَإِذَا لَمْ يَصْلُحْ شَرْطًا لَهُ كَيْفَ يُسْتَدَلُّ بِعَدَمِ الْحُكْمِ عِنْدَ عَدَمِ الْوَصْفِ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ الْوَصْفِ وَلِهَذَا إذَا كَانَتْ الْعِلَّةُ مُنْحَصِرَةً يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِعَدَمِ الْحُكْمِ عَلَى عَدَمِ الْعِلَّةِ وَبِالْعَكْسِ وَالْوَجْهُ هُوَ الْأَوَّلُ وَعِبَارَةُ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ وَلَوْ كَانَ الْعَدَمُ عِنْدَ الْعَدَمِ دَلِيلَ الصِّحَّةِ لَكَانَ الْوُجُودُ عِنْدَ الْعَدَمِ دَلِيلَ الْفَسَادِ؛ لِأَنَّ بِالْوُجُودِ عِنْدَ الْعَدَمِ لَا يَبْقَى دَلِيلُ الصِّحَّةِ، وَهُوَ الْعَدَمُ عِنْدَ الْعَدَمِ كَالْوُجُودِ عِنْدَ الْوُجُودِ عِنْدَكُمْ لَمَّا كَانَ دَلِيلُ الصِّحَّةِ كَانَ الْعَدَمُ عِنْدَ الْوُجُودِ دَلِيلَ الْفَسَادِ لِزَوَالِ دَلِيلِ الصِّحَّةِ بِهِ وَاتِّفَاقُ الْكُلِّ هَاهُنَا عَلَى جَوَازِ الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ بِعِلَلٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوُجُودَ عِنْدَ الْعَدَمِ لَيْسَ دَلِيلَ الْفَسَادِ فَلَا يَصْلُحُ الْعَدَمُ عِنْدَ الْعَدَمِ دَلِيلَ الصِّحَّةِ ضَرُورَةً وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِحُصُولِ الظَّنِّ، أَوْ الْعِلْمِ بِالدُّعَاءِ بِاسْمٍ مُغْضِبٍ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ حُصُولَ الْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ بِكَوْنِ ذَلِكَ الِاسْمِ سَبَبَ الْغَضَبِ بِمُجَرَّدِ الدَّوَرَانِ فَإِنَّهُ لَوْلَا ظُهُورُ انْتِفَاءِ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ بِبَحْثٍ أَوْ بِأَنَّهُ الْأَصْلُ لَمْ يَظُنَّ وَالْبَحْثُ طَرِيقٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ وَيَقْوَى بِالدَّوَرَانِ.
وَذَكَرَ فِي الْقَوَاطِعِ أَنَّ أَحْكَامَ الشَّرْعِ مُرْتَبِطَةٌ بِطَرِيقٍ عِلْمِيٍّ، أَوْ ظَنِّيٍّ يَسْتَنِدُ إلَى سَبَبٍ وَإِذَا خَلَا عَنْ هَذَيْنِ الطَّرِيقَيْنِ يَكُونُ مُجَرَّدَ احْتِكَامٍ عَلَى الشَّرْعِ، وَالطَّرْدُ لَا يُفِيدُ عِلْمًا وَلَا ظَنًّا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الَّذِي رَبَطَهُ بِهِ إثْبَاتًا لَوْ رَبَطَهُ بِهِ نَفْيًا لَمْ يَتَرَجَّحْ فِي مَسْلَكِ الظَّنِّ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَبَطَلَ التَّعَلُّقُ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقِيَاسَ الْفَاسِدَ قَدْ يَطَّرِدُ كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانُهُ وَلَوْ كَانَ الِاطِّرَادُ دَلِيلَ صِحَّةِ الْعِلَّةِ لَمْ يَقُمْ هَذَا الدَّلِيلُ
стр. 1088
وَأَمَّا مَنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ النَّصُّ قَائِمًا فِي الْحَالَيْنِ وَلَا حُكْمَ لَهُ فَقَدْ احْتَجَّ بِآيَةِ الْوُضُوءِ وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ» أَنَّهُ مَعْلُولٌ بِشُغْلِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ الْقَضَاءُ وَهُوَ غَضْبَانُ عِنْدَ فَرَاغِ الْقَلْبِ وَلَا يَحِلُّ الْقَضَاءُ عِنْدَ شُغْلِهِ بِغَيْرِ الْغَضَبِ إلَّا أَنَّ هَذَا شَرْطٌ لَا يَكَادُ يُوجَدُ إلَّا نَادِرًا فِي بَعْضِ الْأُصُولِ ظَاهِرًا فَكَيْفَ يُجْعَلُ أَصْلًا وَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ لَمْ يَثْبُتْ فِي بَابِ الْوُضُوءِ بِالتَّعْلِيلِ بَلْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ وَصِيغَتِهِ أَمَّا الصِّيغَةُ، فَلِأَنَّهُ ذَكَرَ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ عَنْ الْمَاءِ مُعَلَّقًا بِالْحَدَثِ
ــ
[كشف الأسرار]
عَلَى الْأَقْيِسَةِ الْفَاسِدَةِ وَكَذَا اسْتِدْلَالُهُمْ بِدَلَالَةِ عَدَمِ الِاطِّرَادِ عَلَى الْفَسَادِ عَلَى دَلَالَةِ الِاطِّرَادِ عَلَى الصِّحَّةِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الِاطِّرَادِ دَلِيلُ النَّقْضِ، وَالنَّقْضُ بَاطِلٌ فَأَمَّا الِاطِّرَادُ فَغَايَتُهُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ النَّقْضِ أَوْ لَا يَدُلُّ عَلَى النَّقْضِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُهُ عِلَّةً فَإِنْ قِيلَ قَدْ اتَّفَقْنَا أَنَّ الطَّرْدَ وَالْعَكْسَ يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى الْعِلَّةِ فِي الْأَحْكَامِ الْعَقْلِيَّةِ فَكَذَا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْحُكْمُ وَالْمُثْبِتُ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْحَقَائِقِ وَالْحُكْمِيَّاتِ جَمِيعًا فَإِنَّ الْجَاعِلَ لِلذَّاتِ مُتَحَرِّكًا هُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَلَكِنْ بِوَاسِطَةِ الْحَرَكَةِ كَمَا أَنَّ الْمُثْبِتَ لِلْمِلْكِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَكِنْ بِسَبَبِ الْبَيْعِ، ثُمَّ الْعِلَّةُ فِي الْحَقَائِقِ تَثْبُتُ بِالطَّرْدِ وَالْعَكْسِ فَكَذَا فِي الشَّرْعِيَّاتِ قُلْنَا: الْحَقَائِقُ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَنْ يَكُونَ الطَّرْدُ وَالْعَكْسُ فِيهَا دَلِيلًا عَلَى الْعِلَّةِ فَأَمَّا الْعِلَلُ الشَّرْعِيَّةُ فَمَبْنِيَّةٌ عَلَى مَصَالِحِ الْعِبَادِ وَأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ وَأَحْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَصْلُحُ الدَّوَرَانُ دَلِيلًا عَلَيْهَا بَلْ تُعْرَفُ عِلَلُ الشَّرْعِ بِالشَّرْعِ وَالشَّرْعُ هُوَ النَّصُّ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ، إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمِيزَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا أَيْ مِثْلَ التَّمَسُّكِ بِالطَّرْدِ لَا يُوجَدُ فِي عِلَلِ السَّلَفِ فَإِنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ تَمَسَّكَ بِطَرْدٍ لَا يُنَاسِبُ الْحُكْمَ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وَأَقْوَى دَلِيلٍ فِي صِحَّةِ الْقِيَاسِ إجْمَاعُهُمْ، وَإِنَّمَا نَظَرُوا فِي الْأَقْيِسَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعَانِي وَسَلَكُوا طَرِيقَ الْمَرَاشِدِ وَالْمَصَالِحِ الَّتِي تُشِيرُ إلَى مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَلَوْ كَانَ الطَّرْدُ صَحِيحًا لَمَا عَطَّلُوهُ وَلَا أَهْمَلُوهُ وَلَا تَرَكُوا التَّعْلِيلَ بِهِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأُمَّةِ الْمُقْتَدَى بِهِمْ.
قَالَ صَاحِبُ الْقَوَاطِعِ وَإِذَا انْتَهَى التَّصَرُّفُ فِي الشَّرْعِ إلَى هَذَا الْمُنْتَهَى كَانَ ذَلِكَ اسْتِهْزَاءً بِقَوَاعِدِ الدِّينِ وَاسْتِهَانَةً بِضَبْطِهَا وَتَطْرِيقًا لِكُلِّ قَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَا أَرَادَ وَيَحْكُمَ بِمَا شَاءَ؛ وَلِهَذَا صَرَفَ عُلَمَاءُ الشَّرْعِ سَعْيَهُمْ إلَى الْبَحْثِ عَنْ الْمَعَانِي الْمُخَيِّلَةِ الْمُؤَثِّرَةِ.
١ -
قَوْلُهُ (وَأَمَّا مَنْ شَرَطَ قِيَامَ النَّصِّ) إنَّمَا شَرَطَ الْفَرِيقُ الثَّالِثِ مَعَ الدَّوَرَانِ قِيَامَ النَّصِّ وَعَدَمَ حُكْمِهِ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ إذْ وُجِدَ مَعَ وُجُودِ الِاسْمِ وَالْمَعْنَى وَعُدِمَ بِعَدَمِهِمَا لَمْ يَكُنْ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَى الْمَعْنَى بِأَوْلَى عَنْ إضَافَتِهِ إلَى الِاسْمِ كَتَحْرِيمِ الْعَصِيرِ إذَا اشْتَدَّ وَسُمِّيَ خَمْرًا وَزَوَالُ الْحُرْمَةِ عِنْدَ زَوَالِ الشِّدَّةِ وَالِاسْمِ أَمَّا إذَا كَانَ الِاسْمُ قَائِمًا فِي الْحَالَيْنِ وَالْحُكْمُ دَائِرٌ مَعَ الْمَعْنَى وُجُودًا وَعَدَمًا زَالَتْ شُبْهَةُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالِاسْمِ فَيَتَعَيَّنُ الْمَعْنَى لِكَوْنِهِ عِلَّةً وَصَارَ كَمَا إذَا تَعَيَّنَ جِهَةَ الْمَجَازِ فِي النَّصِّ لَا يَبْقَى لِلْحَقِيقَةِ حُكْمٌ بِوَجْهٍ وَاحْتَجَّ بِآيَةِ الْوُضُوءِ فَإِنَّ وُجُوبَ الْوُضُوءِ فِيهَا رُتِّبَ عَلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَلَمَّا عُلِّلَتْ بِالْحَدَثِ دَارَ الْحُكْمُ مَعَهُ وُجُودًا وَعَدَمًا حَتَّى لَمْ يَجِبْ الْوُضُوءُ عِنْدَ الْقِيَامِ بِدُونِ الْحَدَثِ وَوَجَبَ عِنْدَ الْحَدَثِ بِدُونِ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْقِيَامُ إلَى الصَّلَاةِ أَوْ النَّصِّ قَائِمٌ فِي الْحَالَيْنِ وَلَا حُكْمَ لَهُ وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «لَا يَقْضِي الْقَاضِي، وَهُوَ غَضْبَانُ» فَإِنَّ حُرْمَةَ الْقَضَاءِ فِيهِ رُتِّبَ عَلَى الْغَضَبِ وَلَمَّا عَلَّلَ بِشُغْلِ الْقَلْبِ دَارَ الْحُكْمُ وُجُودًا وَعَدَمًا حَتَّى حَلَّ الْقَضَاءُ مَعَ وُجُودِ الْغَضَبِ عِنْدَ فَرَاغِ الْقَلْبِ، وَلَا يَحِلُّ عِنْدَ شُغْلِهِ مَعَ عَدَمِ الْغَضَبِ وَالنَّصُّ قَائِمٌ فِي الْحَالَيْنِ وَلَا حُكْمَ لَهُ، إلَّا أَنَّ هَذَا أَيْ مَا ذَكَرَ الْفَرِيقُ الثَّالِثُ مِنْ اشْتِرَاطِ قِيَامِ النَّصِّ وَعَدَمِ كَلِمَةِ شَرْطٍ لَا يَكَادُ يُوجَدُ إلَّا
стр. 1089
وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْغُسْلَ، وَهُوَ أَعْظَمُ الطُّهْرَيْنِ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وَقَالَ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] وَالنَّصُّ فِي الْبَدَلِ نَصٌّ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ يُفَارِقُهُ بِحَالِهِ لَا بِسَبَبِهِ وَأَمَّا الدَّلَالَةُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] أَيْ مِنْ مَضَاجِعِكُمْ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ النَّوْمِ وَالنَّوْمُ دَلِيلُ الْحَدَثِ ٤
ــ
[كشف الأسرار]
نَادِرًا.
وَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الظَّاهِرِ أَيْضًا لَا مِنْ حَيْثُ الْحَقِيقَةِ فَكَيْفَ فَكَيْفَ يُجْعَلُ أَصْلًا أَيْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ أَصْلًا لِأَنَّ النَّادِرَ لَا حُكْمَ لَهُ عَلَى أَنَّ مَنْ شَرَطَ صِحَّةَ التَّعْلِيلِ أَيْ يَبْقَى الْحُكْمُ فِي الْمَنْصُوصِ بَعْدَ التَّعْلِيلِ عَلَى مَا كَانَ قَبْلَهُ فَإِذَا عَلَّلَ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى لِلنَّصِّ حُكْمٌ بَعْدَهُ يَكُونُ ذَلِكَ أَنَّهُ فَسَادُ الْقِيَاسِ لَا دَلِيلَ صِحَّتِهِ وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ لَا يَبْقَى لِلنَّصِّ حُكْمٌ بَعْدَ التَّعْلِيلِ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ بِالتَّعْلِيلِ إلَّا تَعْدِيَةَ حُكْمِ النَّصِّ إلَى مَحَلٍّ لَا نَصَّ فِيهِ فَإِذَا لَمْ يَبْقَ لَهُ حُكْمٌ فَأَيُّ شَيْءٍ يَتَعَدَّى إلَى الْفَرْعِ وَذَلِكَ غَيْرُ مُسَلَّمٍ أَيْ قِيَامُ النَّصِّ وَلَا حُكْمَ لَهُ بِنَاءً عَلَى دَوَرَانِ الْحُكْمِ مَعَ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فِيمَا ذَكَرْت مِنْ النَّصَّيْنِ أَيْضًا وَمَعْنَى قَوْلِهِ أَيْضًا أَنَّهُ مَعَ نُدْرَتِهِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْحَدَثَ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ لَا بِالتَّعْلِيلِ قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي نُسْخَةِ أُخْرَى الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِلْوُضُوءِ إرَادَةُ الصَّلَاةِ عَلَى مَا مَرَّ فَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ الْحَدَثَ سَبَبٌ فَنَقُولُ: ذَلِكَ حَدَثٌ بِالِاسْتِدْلَالِ بِالنَّصِّ بِمَا ذُكِرَ وَكَذَلِكَ ذُكِرَ الْغُسْلُ أَيْ وَكَمَا ذُكِرَ التَّيَمُّمُ مُعَلَّقًا بِالْحَدَثِ ذُكِرَ الْغُسْلُ مُعَلَّقًا بِهِ أَيْضًا وَالنَّصُّ فِي الْبَدَلِ النَّصُّ فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ أَيْ الْبَدَلَ يُفَارِقُ الْأَصْلَ بِحَالِهِ لَا بِسَبَبِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَجِبُ فِي حَالٍ لَا يَجِبُ فِيهِ الْأَصْلُ فَكَانَ ذِكْرُ السَّبَبِ فِي الْبَدَلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [النساء: ٤٣] بَيَانًا أَنَّهُ هُوَ السَّبَبُ لِلْأَصْلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ الْغُسْلَ بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] ، أَوْ لَمْ يَذْكُرْ مَا يُغْسَلُ بِهِ وَذَكَرَ الْمَاءَ فِي الْبَدَلِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] كَانَ ذَلِكَ بَيَانًا أَنَّ الْغُسْلَ وَاجِبٌ بِالْمَاءِ فَكَذَا هَذَا.
فَإِنْ قِيلَ هَذَا إثْبَاتٌ لِلْحَدَثِ فِي الْوُضُوءِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ لَا بِالصِّيغَةِ فَإِنَّهُ اسْتِدْلَالٌ بِذِكْرِهِ فِي الْبَدَلِ عَلَى ثُبُوتِهِ فِي الْمُبَدَّلِ، وَهُوَ فِي بَيَانِ ثُبُوتِهِ بِالصِّيغَةِ.
قُلْنَا أَرَادَ بِالثُّبُوتِ بِالصِّيغَةِ هَاهُنَا أَنَّ لَفْظًا مِنْ أَلْفَاظِ النَّصِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ الْأَحْدَاثَ، ثُمَّ ذَكَرَ عَدَمَ الْمَاءِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣] ثُمَّ رَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى وُجُودِ الْحَدَثِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ، عُرِفَ بِصِيغَةِ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّوَضُّؤِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ مُرَتَّبٌ عَلَى الْحَدَثِ وَأَرَادَ بِثُبُوتِهِ بِالدَّلَالَةِ عَلَى الثُّبُوتِ بِمُضْمَرٍ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] لَمَّا دَلَّ عَلَى إضْمَارٍ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِظَاهِرِهِ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِاقْتِضَائِهِ وُجُوبَ الْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ قِيَامٍ بَلْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مِنْ الصَّلَاةِ، وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ أَضْمَرَ فِيهِ مِنْ مَضَاجِعِكُمْ أَيْ إذَا قُمْتُمْ مِنْ مَضَاجِعِكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وَقَدْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُقْرَأُ هَكَذَا وَالْقِيَامُ مِنْ الْمَضَاجِعِ كِنَايَةٌ عَنْ النَّوْمِ أَيْ عَنْ التَّنَبُّهِ عَنْ النَّوْمِ وَالنَّوْمُ دَلِيلُ الْحَدَثِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُهُ بِوَاسِطَةِ اسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْحَدَثِ لِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا بِالتَّعْلِيلِ لَا يَكُونُ النَّصُّ سَاقِطًا بَلْ هُوَ قَائِمٌ مَعَ حُكْمِهِ فِي الْحَالِ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ الْحَدَثُ شَرْطٌ زِيدَ فِي الْآيَةِ لَا بِالرَّأْيِ وَلَكِنْ بِدَلَالَةِ النَّصِّ فَإِنَّهُ قَالَ ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وَقَالَ فِي الِاغْتِسَالِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وَقَالَ فِي بَدَلِ الْوُضُوءِ ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُ التَّيَمُّمِ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ بِمَا يَجِبُ بِهِ الْأَصْلُ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِصَدْرِ الْآيَةِ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ وَلَكِنْ سَقَطَ ذِكْرُ الْحَدَثِ اخْتِصَارًا لِمَا فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَنَحْنُ لَمْ نُنْكِرْ الِاخْتِصَارَ وَالزِّيَادَةَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ، وَإِنَّمَا أَنْكَرْنَا الزِّيَادَةَ
стр. 1090
وَهَذَا النَّظْمُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - لِأَنَّ الْوُضُوءَ مُطَهِّرٌ فَدَلَّ عَلَى قِيَامِ النَّجَاسَةِ فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِهِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ، وَالْوُضُوءُ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَاةِ وَالْحَدَثُ شَرْطُهُ. فَلَمْ يَذْكُرْ الْحَدَثَ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَفَرْضٌ فَكَانَ الْحَدَثُ شَرْطٌ لِكَوْنِهِ فَرْضًا لَا لِكَوْنِهِ سُنَّةً فَأَمَّا الْغُسْلُ فَلَا يُسَنُّ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَلْ هُوَ فَرْضٌ خَالِصٌ فَلَمْ يُشْرَعْ إلَّا مَقْرُونًا بِالْحَدِيثِ وَكَذَلِكَ الْغَضَبُ مَعْلُولٌ بِشُغْلِ الْقَلْبِ وَقَطُّ لَا يُوجَدُ الْغَضَبُ بِلَا شُغْلٍ وَلَا يَحِلُّ الْقَضَاءُ إلَّا بَعْدَ سُكُونِهِ، وَإِنَّمَا التَّعْلِيلُ لِلتَّعْدِيَةِ.
ــ
[كشف الأسرار]
بِالرَّأْيِ فَإِنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى النَّسْخِ فَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْوَجْهَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ مِنْ بَابِ الدَّلَالَةِ.
وَإِلَيْهِ يُشِيرُ تَقْرِيرُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا قَوْلُهُ (وَهَذَا النَّظْمُ) أَيْ اُخْتِيرَ هَذَا النَّظْمُ، وَهُوَ أَنَّ الْحَدَثَ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْوُضُوءِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ وَذُكِرَ فِي الْبَدَلِ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ لِأَنَّ الْوُضُوءَ مُطَهِّرٌ بِنَفْسِهِ وَحَقِيقَتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] فَدَلَّ كَوْنُهُ مُطَهِّرًا عَلَى قِيَامِ النَّجَاسَةِ؛ لِأَنَّ الْمُطَهِّرَ مَا يُثْبِتُ الطَّهَارَةَ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ ثُبُوتُ النَّجَاسَةِ لِيَصِحَّ إثْبَاتُ الطَّهَارَةِ فَإِنَّ إثْبَاتَ الثَّابِتِ مُسْتَحِيلٌ فَاسْتَغْنَى عَنْ ذِكْرِ الْحَدَثِ بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُطَهِّرٍ بِنَفْسِهِ بَلْ هُوَ تَلْوِيثٌ حَقِيقَةً فَلَمْ يَدُلَّ ذِكْرُهُ عَلَى قِيَامِ نَجَاسَةٍ فَلَوْ لَمْ يُذْكَرْ الْحَدَثُ فِيهِ صَرِيحًا لَتُوُهِّمَ أَنَّ الْحَدَثَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ بَلْ يَجِبُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ تَعَبُّدًا وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا التَّقْرِيرِ أَنَّ الْحَدَثَ قَدْ ذُكِرَ فِي الْغُسْلِ بِقَوْلِهِ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] مَعَ أَنَّهُ تَطْهِيرٌ حَقِيقَةً كَالْوُضُوءِ فَأَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْوُضُوءِ فَقَالَ، وَالْوُضُوءُ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلَاةِ أَيْ شَرْعُهُ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ وَسَبَبُ وُجُوبِهِ إرَادَةُ الصَّلَاةِ.
وَالْحَدَثُ شَرْطُهُ أَيْ شَرْطُ وُجُوبِهِ عُرِفَ ذَلِكَ بِذِكْرِهِ فِي الْبَدَلِ كَمَا بَيَّنَّا فَلَمْ يَذْكُرْ الْحَدَثَ فِي الْوُضُوءِ صَرِيحًا لِيُعْلَمَ بِظَاهِرِ النَّصِّ أَنَّ الْوُضُوءَ مَشْرُوعٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ إمَّا بِطَرِيقِ الْفَرْضِ أَوْ النَّدْبِ فَإِذَا كَانَ مُحْدِثًا كَانَ الْأَمْرُ فِي حَقِّهِ لِلْإِيجَابِ فَيَكُونُ الْوُضُوءُ فَرْضًا وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُحْدِثًا كَانَ الْأَمْرُ فِي حَقِّهِ لِلنَّدَبِ فَيَكُونُ الْوُضُوءُ سُنَّةً عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ فَأَمَّا الْغُسْلُ فَلَيْسَ بِمَسْنُونٍ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَلْ هُوَ فَرْضٌ خَالِصٌ أَيْ الْغُسْلُ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الصَّلَاةُ نَوْعٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْفَرْضُ فَلَمْ يُشْرَعْ إلَّا مَقْرُونًا بِالْحَدَثِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى أَنَّ الْغُسْلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَيْسَ بِمَسْنُونٍ وَبِشَرْعِيَّةِ الْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ لَا يَثْبُتُ كَوْنُ الْغُسْلِ سُنَّةً لِكُلِّ صَلَاةٍ عَلَى أَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا ثَبَتَ بِالْكِتَابِ وَبِإِشَارَتِهِ وَذَلِكَ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ.
وَذَكَرَ فِي الْكَشَّافِ فَإِنْ قُلْت ظَاهِرُ الْآيَةِ يُوجِبُ الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثٍ وَغَيْرِ مُحْدِثٍ فَمَا وَجْهُهُ؟ قُلْت يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ فَيَكُونُ الْخِطَابُ لِلْمُحْدِثِينَ خَاصَّةً وَأَنْ يَكُونَ لِلنَّدَبِ وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَإِنْ قُلْت هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ شَامِلًا لِلْمُحْدِثِينَ وَغَيْرِهِمْ، لِهَؤُلَاءِ عَلَى وَجْهِ الْإِيجَابِ وَلِهَؤُلَاءِ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ؟ قُلْت لَا؛ لِأَنَّ تَنَاوُلَ الْكَلِمَةِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ مِنْ بَابِ الْإِلْغَازِ وَالتَّعْمِيَةِ وَقِيلَ كَانَ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَوَّلَ مَا فُرِضَ ثُمَّ نُسِخَ قَوْلُهُ وَكَذَلِكَ الْغَضَبُ أَيْ وَكَمَا أَنَّ الْحَدَثَ ثَابِتٌ بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا بِالرَّأْيِ الْغَضَبُ مَعْلُولٌ بِشُغْلِ الْقَلْبِ أَيْ الْمُرَادُ مِنْهُ شُغْلُ الْقَلْبِ لِأَنَّ الْغَضَبَ سَبَبُهُ وَقَدْ يُسَمَّى الشَّيْءُ بِاسْمِ سَبَبِهِ كَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ وَقَطُّ لَا يُوجَدُ غَضَبٌ بِلَا شُغْلٍ فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُ الْخَصْمِ النَّصُّ قَائِمٌ وَلَا حُكْمَ لَهُ لِإِبَاحَةِ الْقَضَاءِ مَعَ وُجُودِ الْغَضَبِ عِنْدَ فَرَاغِ الْقَلْبِ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ ذَلِكَ بَلْ لَا يَحِلُّ الْقَضَاءُ إلَّا عِنْدَ سُكُونِ الْغَضَبِ وَإِنْ قَلَّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ شُغْلٍ أَلْبَتَّةَ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي جَمِيعِ الْمَوَاضِعِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ لَا بِالْعِلَّةِ مَعَ قِيَامِ النَّصِّ وَلَا حُكْمَ لَهُ قَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ وَكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «لَا يَقْضِي الْقَاضِي
следующие страницы →