← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9062

كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي

علاء الدين عبد العزيز البخاري

Полный текст (1 522 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بَاشَرَ نَفْلَ قُرْبَةٍ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدٍ فَلَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ بِالْإِفْسَادِ كَمَا قِيلَ فِي الْوُضُوءِ فَقُلْنَا لَهُمْ: لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ عِنْدَنَا بِالْإِفْسَادِ حَتَّى أَنَّهُ يَجِبُ إذَا فَسَدَ لَا بِاخْتِيَارِهِ بِأَنْ وَجَدَ الْمُتَيَمِّمُ فِي النَّفْلِ مَاءً لَكِنَّهُ بِالشُّرُوعِ يَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَفَوَاتُ الْمَضْمُونِ فِي ضَمَانِهِ يُوجِبُ الْمِثْلَ فَإِنْ قِيلَ وَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ بِالشُّرُوعِ وَلَا بِالْإِفْسَادِ قُلْنَا: عِنْدَنَا الْقُرْبَةُ بِهَذَا الْوَصْفِ لَا تُضْمَنُ وَإِنَّمَا تُضْمَنُ بِوَصْفٍ أَنَّهُ يَلْتَزِمُ بِالنَّذْرِ وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ الْعَبْدُ مَالٌ فَلَا يَتَقَدَّرُ بَدَلُهُ بِالْقَتْلِ كَالدَّابَّةِ عِنْدَنَا لَا يَتَقَدَّرُ بَدَلُهُ بِهَذَا الْوَصْفِ بَلْ بِوَصْفِ الْآدَمِيَّةِ وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ أَلَا يُرَى أَنَّ الْمَوْجُودَ قَدْ يَكُونُ بِبَعْضِ صِفَاتِهِ حَسَنًا وَبِبَعْضِ صِفَاتِهِ رَدِيًّا فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْقُرْبَةُ مَضْمُونَةً بِوَصْفٍ خَاصٍّ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ بِسَائِرِ الْأَوْصَافِ. ــ [كشف الأسرار] وَالْفَضْلُ عَلَى نِصَابِ التَّكْمِيلِ بِدْعَةٌ كَالْفَضْلِ عَلَى الثَّلَاثِ فِي الْغُسْلِ وَالْفَضْلُ عَلَى الِاسْتِيعَابِ فِي مَسْحِ الْخُفِّ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَصْفَ وَهُوَ الْفَرْضِيَّةُ يُوجِبُ التَّعْيِينَ؛ لِأَنَّ تَحْصِيلَ الْوَصْفِ وَاجِبٌ كَتَحْصِيلِ الْأَصْلِ فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ نِيَّةِ الْفَرْضِ لِتَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ بِالتَّعْيِينِ. ، لَكِنَّهُ وَإِنْ أَوْجَبَ التَّعْيِينَ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ مَا يُعَيِّنُهُ وَقَدْ وُجِدَ الْمُعَيِّنُ وَهُوَ انْفِرَادُهُ بِالشَّرْعِيَّةِ وَعَدَمُ الْمُزَاحِمِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَشْرَعْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ صَوْمًا سِوَى صَوْمِ الْفَرْضِ فَيَكُونُ مُتَعَيِّنًا بِتَعْيِينِ الشَّارِعِ فَإِذَا أَطْلَقَ صَارَ كَأَنَّهُ نَوَى الصَّوْمَ الْمَشْرُوعَ فِيهِ وَثَمَّةَ يَجُوزُ بِدُونِ التَّعْيِينِ فَكَذَا هَاهُنَا يَنْصَرِفُ مُطْلَقُ الِاسْمِ إلَيْهِ فَيَكُونُ إطْلَاقُهُ تَعْيِينًا أَيْ إصَابَةً لِلْمَشْرُوعِ الْمُعَيَّنِ وَلِأَنَّهُ أَيْ صَوْمَ رَمَضَانَ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ مِنْ الْعَبْدِ ابْتِدَاءً كَمَا قُلْتُمْ، وَلَكِنَّ التَّعْيِينَ قَدْ وُجِدَ مِنْ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ النِّيَّةِ مِنْهُ تَعْيِينٌ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَا أَنَّ التَّعْيِينَ سَاقِطٌ عَنْهُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ النُّكْتَتَيْنِ أَنَّ النُّكْتَةَ الْأُولَى تُشِيرُ إلَى أَنَّ التَّعْيِينَ سَاقِطٌ عَنْ الْعَبْدِ لِحُصُولِ التَّعْيِينِ بِتَعْيِينِ الشَّارِعِ وَالنُّكْتَةُ الثَّانِيَةُ تُشِيرُ إلَى أَنَّ التَّعْيِينَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ، وَلَكِنَّ إطْلَاقَ النِّيَّةِ مِنْهُ تَعْيِينٌ فَكَانَ التَّعْيِينُ مُضَافًا إلَى الْعَبْدِ فَفِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ إنَّمَا أَمْكَنَ لِلسَّائِلِ الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الْمَذْكُورَ فِيهِمَا وَهُوَ التَّثْلِيثُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَالتَّعْيِينُ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ لَيْسَ مَحَلَّ النِّزَاعِ وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّ الِاسْتِيعَابَ تَثْلِيثٌ وَأَنَّ الْإِطْلَاقَ تَعْيِينٌ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِمَّا يَتَأَتَّى فِيهِ الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ قَوْلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الشُّرُوعَ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ أَوْ صَوْمِ النَّفْلِ غَيْرُ مُلْزِمٍ بَاشَرَ نَفْلَ قُرْبَةٍ إلَى آخِرِهِ. حَتَّى إنَّهُ أَيْ الْقَضَاءَ يَجِبُ إذَا فَسَدَ لَا بِاخْتِيَارِهِ بِأَنْ شَرَعَ فِي صَلَاةِ النَّفْلِ بِالتَّيَمُّمِ نَاسِيًا الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ، ثُمَّ وَجَدَهُ أَيْ تَذَكَّرَهُ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ أَوْ شَرَعَ فِي صَوْمِ النَّفْلِ فَصَبَّ الْمَاءَ فِي حَلْقِهِ فِي النَّوْمِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عِنْدَنَا وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ الْإِفْسَادُ وَلَمَّا وَجَبَ الْقَضَاءُ بِالْفَسَادِ كَمَا وَجَبَ بِالْإِفْسَادِ عُلِمَ أَنَّهُ مُضَافٌ إلَى مَعْنًى آخَرَ شَامِلٍ لَهُمَا وَهُوَ الشُّرُوعُ الَّذِي يَصِيرُ الْأَدَاءُ بِهِ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَفَوَاتُ الْمَضْمُونِ مُوجِبٌ لِلْمِثْلِ فَإِنْ قِيلَ: أَيْ غَيْرُ الْمُعَلَّلِ الْعِبَارَةُ فَقَالَ: بَاشَرَ نَفْلَ قُرْبَةٍ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهَا فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ الْقَضَاءُ بِالشُّرُوعِ وَلَا بِالْإِفْسَادِ كَالْوُضُوءِ. قُلْنَا كَذَا يَعْنِي نَلْتَزِمُ هَذَا الْمُوجِبَ أَيْضًا وَنَقُولُ لَا تُضْمَنُ الْقُرْبَةُ بِالشُّرُوعِ الْمُضَافِ إلَى عِبَادَةٍ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهَا وَإِنَّمَا تُضْمَنُ بِالشُّرُوعِ فِي عِبَادَةٍ تُلْتَزَمُ بِالنُّذُورِ وَلَا بُدَّ مِنْ إضَافَةِ الْحُكْمِ إلَى هَذَا الْوَصْفِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ إنَّمَا يُذْكَرُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ وَمَا ذُكِرَ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِلْوُجُوبِ فَلَا بُدَّ مِنْ إضَافَتِهِ إلَى وَصْفٍ يَصْلُحُ عِلَّةً لِلْوُجُوبِ وَهُوَ أَنَّهُ مِمَّا يُلْتَزَمُ بِالنَّذْرِ وَعَدَمُ اللُّزُومِ بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يَمْتَنِعُ اللُّزُومُ بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرْنَا وَإِذَا آلَ الْكَلَامُ إلَى مَا قُلْنَا يُضْطَرُّ الْمُعَلِّلُ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الشُّرُوعَ غَيْرُ مُلْزِمٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ نَظِيرَ النَّذْرِ فِي كَوْنِهِ مُلْزِمًا فَيَظْهَرُ بِهِ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ وَذَلِكَ أَيْ قَوْلُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّهُ بَاشَرَ نَفْلَ قُرْبَةٍ لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهَا فَلَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ مِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي الْعَبْدِ إلَى آخِرِهِ وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا قَتَلَ الْعَبْدَ خَطَأً يَجِب عَلَى الْقَاتِلِ قِيمَتُهُ وَلَا تُزَادُ عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ وَتُنْقَصُ مِنْهَا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَعِنْدَهُمْ تَجِبُ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ قَالُوا: الْعَبْدُ مَالٌ فَلَا يَتَقَدَّرُ بَدَلُهُ بِالْقَتْلِ كَالدَّابَّةِ وَغَيْرِهَا. وَقُلْنَا: لَا يَتَقَدَّرُ بَدَلُهُ بِهَذَا الْوَصْفِ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ، وَلَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ وَصْفٍ آخَرَ يَتَقَدَّرُ بَدَلُهُ بِهِ وَهُوَ وَصْفُ الْآدَمِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ بِهَذَا الْوَصْفِ لَيْسَ بِمَالٍ بَلْ هُوَ مَبْقِيّ عَلَى أَصْلِ الْحُرِّيَّةِ عَلَى مَا عُرِفَ فَيُقَدَّرُ بَدَلُهُ بِهَذَا الْوَصْفِ كَدِيَةِ الْحُرِّ لَا بِوَصْفِ الْمَالِيَّةِ وَأَمَّا

стр. 1227

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ أَسْلَمَ مَذْرُوعًا فِي مَذْرُوعٍ فَجَازَ وَنَحْنُ نَقُولُ بِهَذَا الْوَصْفِ لَا يَفْسُدُ عِنْدَنَا وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ الْفَسَادِ بِدَلِيلِهِ كَمَا إذَا قُرِنَ بِهِ شَرْطٌ فَاسِدٌ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الْمُخْتَلِعَةِ أَنَّهَا مُنْقَطِعَةُ النِّكَاحِ فَلَا يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ كَمُنْقَضِيَةِ الْعِدَّةِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْحَقُهَا بِهَذَا الْوَصْفِ بَلْ بِوَصْفِ أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ عَنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ تَحْرِيرٌ فِي تَكْفِيرٍ فَلَا يَقَعُ بِهِ التَّكْفِيرُ إلَّا بِإِيمَانِ الْمُحَرَّرِ وَنَحْنُ نَقُولُ هَذَا الْوَصْفُ يُوجِبُ الْإِيمَانَ عِنْدَنَا لَكِنَّ قِيَامَ الْمُوجِبِ لَا يَمْنَعُ مُعَارَضَةَ مَا يُسْقِطُهُ وَهُوَ إطْلَاقُ صَاحِبِ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ كَالدَّيْنِ يَسْقُطُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي السَّرِقَةِ إنَّهَا أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ بِلَا تَدَيُّنٍ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ قُلْنَا: نَحْنُ نَقُولُ بِهِ لَكِنْ لَا يَمْنَعُ اعْتِرَاضَ مَا يُسْقِطُهُ كَالْإِبْرَاءِ فَكَذَلِكَ اسْتِيفَاءُ الْحَدِّ. ــ [كشف الأسرار] تَنْقِيصُ دِيَتِهِ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ بِعَشْرَةٍ فَسَيَأْتِيك بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَابِ الْعَوَارِضِ. وَهَذَا كَلَامٌ حَسَنٌ أَيْ الْتِزَامُ السَّائِلِ مَا ذَكَرَهُ الْمُعَلِّلُ مِنْ الْحُكْمِ بِنَاءً عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ وَإِثْبَاتُ مَقْصُودِهِ بِوَصْفٍ آخَرَ طَرِيقٌ حَسَنٌ فَإِنَّ الْمَوْجُودَ قَدْ يَكُونُ بِبَعْضِ صِفَاتِهِ حَسَنًا وَبِبَعْضِ صِفَاتِهِ رَدِيًّا أَيْ قَبِيحًا مَعَ أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ مُتَضَادَّانِ وَلَهُ أَمْثِلَةٌ فِي الْمَحْسُوسَاتِ وَالْمَشْرُوعَاتِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُوصَفُ بِالْحُسْنِ بِاعْتِبَارِ حُسْنِ وَجْهِهِ وَبِالْقُبْحِ بِاعْتِبَارِ قِصَرِ قَامَتِهِ وَقَتْلُ الْجَانِي حَسَنٌ بِاعْتِبَارِ جِنَايَتِهِ قَبِيحٌ بِاعْتِبَارِ تَخْرِيبِ بُنْيَانِ الرَّبِّ وَكَذَا الصَّوْمُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ وَالصَّلَاةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا وَكَذَا الْعَبْدُ بَيْنَ اثْنَيْنِ إذَا أَمَرَهُ أَحَدُهُمَا بِفِعْلٍ وَنَهَاهُ الْآخَرُ عَنْ عَيْنِ ذَلِكَ الْفِعْلِ كَانَ إقْدَامُهُ عَلَيْهِ وَانْتِهَاؤُهُ عَنْهُ حَسَنًا مِنْ وَجْهٍ قَبِيحًا مِنْ وَجْهٍ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ أَنْ يَكُونَ الْقُرْبَةُ مَضْمُونَةً بِوَصْفٍ خَاصٍّ وَهُوَ أَنَّهُ تُلْتَزَمُ بِالنَّذْرِ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ بِسَائِرِ الْأَوْصَافِ وَهِيَ كَوْنُهَا قُرْبَةً وَكَوْنُهَا مِمَّا لَا يَمْضِي فِي فَاسِدِهَا وَكَوْنُهَا غَيْرَ وَاجِبَةٍ بِالْأَمْرِ وَنَحْوُهَا قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِمَّا قِيلَ فِيهِ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ قَوْلُهُمْ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ مَذْرُوعًا فِي جِنْسِهِ بِأَنْ أَسْلَمَ هَرَوِيًّا فِي هَرَوِيٍّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَنَا وَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ أَسْلَمَ مَذْرُوعًا فِي مَذْرُوعٍ فَيَجُوزُ كَمَا إذَا أَسْلَمَ هَرَوِيًّا فِي هَرَوِيٍّ وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ فَإِنَّ بِهَذَا الْوَصْفِ وَهُوَ أَنَّ هَذَا إسْلَامُ مَذْرُوعٍ فِي مَذْرُوعٍ لَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ عِنْدَنَا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ الْفَسَادِ بِمَعْنًى آخَرَ مُوجِبٍ لِلْفَسَادِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْبِضْ رَأْسَ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ قُرِنَ بِهَذَا الْعَقْدِ شَرْطٌ فَاسِدٌ بِأَنْ أَسْلَمَ بِذِرَاعِ رَجُلٍ عَيْنَهُ كَانَ فَاسِدًا بِالِاتِّفَاقِ مَعَ وُجُودِ هَذَا الْوَصْفِ فَيَجُوزُ أَنْ يَفْسُدَ بِمَعْنَى الْجِنْسِيَّةِ أَيْضًا فَإِنَّهَا أَحَدُ وَصْفَيْ عِلَّةِ الرِّبَا فَتَصْلُحُ مُحَرِّمَةً لِلنَّسِيئَةِ كَالْوَصْفِ الْآخَرِ وَهُوَ الْكَيْلُ فَإِنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ حِنْطَةً فِي شَعِيرٍ لَا يَجُوزُ لِمَا قُلْنَا مِنْ وُجُودِ أَحَدِ وَصْفَيْ عِلَّةِ الرِّبَا كَذَا هَاهُنَا فَحِينَئِذٍ يُضْطَرُّ الْمُعَلِّلُ إلَى بَيَانِ أَنَّ الْجِنْسِيَّةَ لَا تَصْلُحُ عِلَّةً لِفَسَادِ هَذَا الْعَقْدِ بِهَا إنْ أَمْكَنَهُ. وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُمْ فِي الْمُخْتَلِعَةِ إلَى آخِرِهِ وَنَحْنُ نَقُولُ بِمُوجِبِهِ أَيْ بِمُوجِبِ هَذَا التَّعْلِيلِ فَإِنَّ عِنْدَنَا لَا يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ بِوَصْفِ أَنَّهَا مُنْقَطِعَةُ النِّكَاحِ وَلَكِنْ بِوَصْفِ أَنَّهَا مُعْتَدَّةٌ عَنْ نِكَاحٍ صَحِيحٍ فَإِنَّ الْعِدَّةَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ النِّكَاحِ وَبِبَقَائِهَا يَبْقَى مِلْكٌ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا حَتَّى كَانَ لَهُ وِلَايَةُ مَنْعِهَا عَنْ الْخُرُوجِ فَتَكُونُ الْمَرْأَةُ بِهَذَا الْوَصْفِ مَحَلًّا لِلطَّلَاقِ وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ نِكَاحٌ صَحِيحٌ عَنْ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلطَّلَاقِ؛ لِأَنَّهَا فِي حَالِ عَدَمِ الْمُتَارَكَةِ لَيْسَتْ بِمَحَلٍّ لِلطَّلَاقِ فَفِي حَالِ الْمُتَارَكَةِ الَّتِي هِيَ حَالَةُ الْعِدَّةِ أَوْلَى وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي اشْتِرَاطِ الْإِيمَانِ فِي رَقَبَةِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالصَّوْمِ تَحْرِيرٌ فِي تَكْفِيرٌ. وَنَحْنُ نَقُولُ هَذَا الْوَصْفُ وَهُوَ كَوْنُهُ تَحْرِيرًا فِي تَكْفِيرٍ يُوجِبُ اشْتِرَاطَ إيمَانِ الْمُحَرَّرِ كَمَا قُلْتُمْ، لَكِنَّ قِيَامَ الْمُوجِبِ لِاشْتِرَاطِ الْإِيمَانِ لَا يَمْنَعُ مُعَارَضَةَ مَا يُسْقِطُ اشْتِرَاطَهُ وَهُوَ إطْلَاقُ صَاحِبِ الشَّرْعِ الَّذِي هُوَ صَاحِبُ الْحَقِّ بِقَوْلِهِ ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] كَالدَّيْنِ يُسْقِطُ يَعْنِي قِيَامُ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ يُوجِبُ الْأَدَاءَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُودَ مَا يُسْقِطُهُ كَمَا إذَا أَبْرَأَ صَاحِبُ الْحَقِّ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ عَنْ حَقِّهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ حَصَلَ الِامْتِثَالُ بِالْأَمْرِ بِإِعْتَاقِ الْكَافِرَةِ كَمَا حَصَلَ بِإِعْتَاقِ الْمُؤْمِنَةِ فَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ فَيُضْطَرُّ الْمُعَلِّلُ عِنْدَ ذَلِكَ إلَى الرُّجُوعِ إلَى فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الِامْتِثَالَ لَا يَحْصُلُ بِتَحْرِيرِ الْكَافِرَةِ كَمَا لَا يَحْصُلُ بِهِ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ

стр. 1228

(الْفَصْلُ الثَّانِي) وَهُوَ الْمُمَانَعَةُ وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ مُمَانَعَةٌ فِي نَفْسِ الْوَصْفِ وَالثَّانِي فِي نَفْسِ الْحُكْمِ وَالثَّالِثُ فِي صَلَاحِهِ لِلْحُكْمِ وَالرَّابِعُ فِي نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَمِثْلُ قَوْلِهِمْ عُقُوبَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِمَاعِ فَلَا يَجِبُ بِالْأَكْلِ كَحَدِّ الزِّنَا وَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ كَفَّارَةَ الْفِطْرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْفِطْرِ دُونَ الْجِمَاعِ ــ [كشف الأسرار] الْمُطْلَقَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُقَيَّدِ. وَكَذَلِكَ وَكَقَوْلِهِمْ فِي مَسْأَلَةِ الْكَفَّارَةِ قَوْلُهُمْ فِي السَّرِقَةِ يُغْنِي فِي أَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ ضَمَانِ الْمَسْرُوقِ عَنْ السَّارِقِ أَنَّهُمَا أَخَذَ مَالَ الْغَيْرِ بِلَا تَدَيُّنٍ أَيْ بِلَا اعْتِقَادِ إبَاحَةٍ وَتَأْوِيلٍ فِي الْأَخْذِ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ كَالْغَصْبِ بِخِلَافِ أَخْذِ الْحَرْبِيِّ مَالَ الْمُسْلِمِ وَأَخَذَ الْبَاغِي مَالَ الْعَادِلِ فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ؛ لِأَنَّهُ أَخْذٌ بِطَرِيقِ التَّدَيُّنِ إذْ الْحَرْبِيُّ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ وَالْبَاغِي يَأْخُذُ بِتَأْوِيلٍ فَيُعْتَبَرُ فِي إسْقَاطِ الضَّمَانِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُتْعَةِ وَإِنَّا نَقُولُ بِهِ أَيْ نُسَلِّمُ أَنَّ مَا ذَكَرُوا مِنْ الْوَصْفِ وَهُوَ أَنَّهُ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ مُوجِبٌ لِلضَّمَانِ، وَلَكِنَّهُ لَا يَمْنَعُ اعْتِرَاضَ مَا يُسْقِطُهُ. كَالْإِبْرَاءِ أَيْ كَإِبْرَاءِ صَاحِبِ الْحَقِّ وَهُوَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ السَّارِقُ عَنْ الضَّمَانِ فَكَذَلِكَ أَيْ فَكَالْإِبْرَاءِ اسْتِيفَاءُ الْحَدِّ عِنْدَنَا فِي إسْقَاطِ الضَّمَانِ فَيَئُولُ الْكَلَامُ حِينَئِذٍ إلَى أَنَّ اسْتِيفَاءَ الْحَدِّ هَلْ يُوجِبُ الضَّمَانَ أَمْ لَا فَيَظْهَرُ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ فَفِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ قَصَدَ الْمُعَلِّلُ بِالتَّعْلِيلِ إبْطَالَ مَذْهَبِ خَصْمِهِ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ الْحُكْمِ فَالسَّائِلُ بِالْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ بَيْنَ أَنَّ مَا ذَكَرْت لَيْسَ بِمَأْخَذِ الْحُكْمِ عِنْدِي وَإِنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ لَا يَقْدَحُ فِيمَا ذَهَبْت إلَيْهِ مِنْ الْحُكْمِ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ عَلَى السَّائِلِ بَعْدَمَا رَدَّ الْمَأْخَذَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُعَلِّلُ بَيَانَ مَأْخَذِهِ فَقِيلَ: يَجِبُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْمَأْخَذَ عِنْدَهُ وَلِعِلْمِهِ بِعَدَمِ التَّكْلِيفِ يَقُولُ بِهِ عِنَادًا قَصْدًا لِاتِّفَاقِ كَلَامِ خَصْمِهِ وَلَا كَذَلِكَ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ فَكَأَنَّ الْوُجُوبَ أَفْضَى إلَى صِيَانَةِ الْكَلَامِ عَنْ الْخَبْطِ وَالْعِنَادِ فَكَانَ أَوْلَى. وَقِيلَ: لَا يَجِبُ إذْ لَا وَجْهَ لِتَكْلِيفِهِ بِذَلِكَ بَعْدَ الْوَفَاءِ بِشَرْطِ الْمُوجِبِ وَهُوَ اسْتِبْقَاءُ مَحَلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّهُ عَاقِلٌ مُتَدَيِّنٌ وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَأْخَذِ نَفْسِهِ أَوْ بِمَأْخَذِ إمَامِهِ فَكَانَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ الصِّدْقَ فِيمَا ادَّعَاهُ فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُ كَيْفَ وَلَوْ لَمْ يُصَدَّقْ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ بَيَانَ الْمَأْخَذِ فَإِنْ أَمْكَنَ لِلْمُسْتَدِلِّ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ انْقَلَبَ الْمُسْتَدِلُّ مُعْتَرِضًا وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنْ الْخَبْطِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا فَائِدَةَ فِي إبْدَاءِ الْمَأْخَذِ لِإِمْكَانِ ادِّعَائِهِ مَا لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْلِيلِ تَرْوِيجًا لِكَلَامِهِ ثِقَةً مِنْهُ بِامْتِنَاعِ وُرُودِ الِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ فَإِنْ قِيلَ: الْقَوْلُ بِالْمُوجِبِ فِي هَذَا الْقِسْمِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ التَّعْلِيلُ لِإِبْطَالِ مَأْخَذِ الْخَصْمِ يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ لَمَّا سَلَّمَ أَنَّ عِلَّةَ الْمُعَلِّلِ تُوجِبُ مَا رَتَّبَ عَلَيْهَا مِنْ الْحُكْمِ كَانَ يَخْلُفُ الْحُكْمُ عَنْهَا لِمَانِعٍ ثَبَتَ عِنْدَهُ فَيَكُونُ تَخْصِيصًا فَيَسْتَقِيمُ الْقَوْلُ بِهِ مِمَّنْ جَوَّزَ تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ وَلَا يَسْتَقِيمُ مِمَّنْ أَنْكَرَهُ وَالشَّيْخُ الْمُصَنِّفُ ﵀ مِنْ هَذِهِ الْفِرْقَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ مِنْهُ تَصْحِيحُ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ فِي هَذَا الْقِسْمِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ تَخْصِيصٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ يَتَرَاءَى أَنَّهُ تَخْصِيصٌ صُورَةً؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّخْصِيصِ دَفْعُ النَّقْضِ عَنْ الْعِلَّةِ الَّتِي رَامَ الْمُعَلِّلُ تَصْحِيحَهَا بِبَيَانِ مَانِعِ الْمُخَصِّصِ وَلَيْسَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مَقْصُودُ السَّائِلِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ تَصْحِيحُ عِلَّةِ الْمُعَلِّلِ بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهُ إفْحَامُهُ وَإِيقَافُ كَلَامِهِ لَا غَيْرُ فَلَمْ يَكُنْ تَخْصِيصًا بَلْ كَانَ إبْطَالًا لِكَلَامِهِ مَعْنًى فَلِذَلِكَ صَحَّ مِنْ الْكُلِّ. [الْمُمَانَعَةُ] (الْفَصْلُ الثَّانِي) وَهُوَ الْمُمَانَعَةُ قَوْلُهُ (وَالرَّابِعُ فِي نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ) ؛ لِأَنَّ أَصْحَابَ الطَّرْدِ يَشْتَرِطُونَ صَلَاحَ الْوَصْفِ وَتَعَلُّقَ الْحُكْمِ بِهِ وُجُودًا وَعَدَمًا فَإِذَا انْقَطَعَتْ نِسْبَةُ الْحُكْمِ عَنْهُ كَانَ فَاسِدًا وَقِيلَ.

стр. 1229

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي بَيْعِ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَةِ أَنَّهُ بَيْعُ مَطْعُومٍ بِمَطْعُومٍ مُجَازَفَةً فَيَبْطُلُ كَبَيْعِ الصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ مُجَازَفَةُ ذَاتٍ أَوْ وَصْفٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِالذَّاتِ، ثُمَّ نَقُولُ مُجَازَفَةٌ فِي الذَّاتِ بِصُورَتِهِ أَوْ بِمِعْيَارِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِالْمِعْيَارِ؛ لِأَنَّ الْمَطْعُومَ بِالْمَطْعُومِ كَيْلًا بِكَيْلٍ جَائِزٌ وَإِنْ تَفَاوَتَا فِي الذَّاتِ فَإِنْ قَالَ: لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا لَمْ نُسَلِّمْ لَهُ الْمُجَازَفَةَ مُطْلَقَةً فَيُضْطَرُّ إلَى إثْبَاتِ أَنَّ الطُّعْمَ عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْجِنْسِ مَعَ أَنَّ الْكَيْلَ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ الْجَوَازُ لَا يَعْدَمُ إلَّا الْفَضْلَ عَلَى الْمِعْيَارِ. ــ [كشف الأسرار] فِي الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا الْقِسْمِ وَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ: إنَّ الْمُمَانَعَةَ فِي الْوَصْفِ هِيَ عَدَمُ تَسْلِيمِ وُجُودِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ وَالْمُمَانَعَةُ فِي نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ هِيَ عَدَمُ تَسْلِيمِ كَوْنِ الْحُكْمِ مَنْسُوبًا إلَى الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ مَعَ تَسْلِيمِ وُجُودِ ذَلِكَ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ وَقِيلَ الْمُمَانَعَةُ فِي نَفْسِ الْوَصْفِ هِيَ مَنْعُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فِي الْفَرْعِ مَعَ تَسْلِيمِ تَعَلُّقِهِ بِهِ فِي الْأَصْلِ وَالْمُمَانَعَةُ فِي نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ هِيَ مَنْعُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَصْلِ. أَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ الْمُمَانَعَةُ فِي نَفْسِ الْوَصْفِ فَمِثْلُ قَوْلِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي كَفَّارَةِ الْإِفْطَارِ فِي رَمَضَانَ إنَّهَا عُقُوبَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْجِمَاعِ فَلَا تَجِبُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ كَحَدِّ الزِّنَا وَهَذَا الْوَصْفُ وَهُوَ كَوْنُهَا مُتَعَلِّقَةً بِالْجِمَاعِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ عِنْدَنَا بَلْ هِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِفْطَارِ إذَا كَمَّلَ جِنَايَةً لَا بِالْجِمَاعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ جَامَعَ نَاسِيًا لِصَوْمِهِ لَا يَفْسُدُ صَوْمُهُ لِعَدَمِ الْفِطْرِ وَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ زِنًا يُوجِبُ الْحَدَّ وَلَوْ جَامَعَ ذَاكِرًا لِصَوْمِهِ يَفْسُدُ لِوُجُودِ الْفِطْرِ وَإِنْ كَانَ الْوَطْءُ حَلَالًا فِي نَفْسِهِ. وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْجِمَاعَ آلَةُ الْفِطْرِ وَالْحُكْمُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْآلَةِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَاصِلِ بِالْآلَةِ كَمَا فِي الْجُرْحِ فَإِنَّ مَنْ جَرَحَ إنْسَانًا وَمَاتَ الْمَجْرُوحُ بِهِ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَلَا يَتَعَلَّقُ وُجُوبُهُ بِالْآلَةِ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْجُرْحِ الْحَاصِلِ بِالْآلَةِ فَعَرَفْنَا أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْإِفْطَارِ عَلَى وَجْهِ الْجِنَايَةِ وَهَذَا الْوَصْفُ عَامٌّ يَتَنَاوَلُ الْجِمَاعَ وَالْأَكْلَ وَالشُّرْبَ عَلَى السَّوَاءِ فَيَثْبُت الْحُكْمُ بِكُلِّ وَاحِدٍ وَعِنْدَ إلْحَاقِ هَذَا الْمَنْعِ يُضْطَرُّ إلَى بَيَانِ حَرْفِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْفِطْرَ بِالْجِمَاعِ فَوْقَ الْفِطْرِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي الْجِنَايَةِ فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ بِهِ قِيَاسًا وَلَا دَلَالَةَ، ثُمَّ قِيلَ: إيرَادُ هَذَا الْمِثَالِ هَاهُنَا غَيْرُ مُلَائِمٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْقِسْمِ الرَّابِعِ فَإِنَّ السَّائِلَ مَنَعَ فِيهِ نِسْبَةَ الْحُكْمِ إلَى الْجِمَاعِ وَأَضَافَهُ إلَى وَصْفٍ آخَرَ وَهُوَ الْفِطْرُ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مُمَانَعَةٌ فِي الْوَصْفِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمُعَلِّلَ جَعَلَ كَوْنَ الْكَفَّارَةِ مُتَعَلِّقَةً بِالْجِمَاعِ عِلَّةً لِلْمَنْعِ مِنْ الْوُجُوبِ فِي الْأَكْلِ وَالسَّائِلُ مَنَعَ كَوْنَهُ مُتَعَلِّقًا بِالْجِمَاعِ فَيَكُونُ مَانِعًا لِنَفْسِ الْوَصْفِ عَنْ كَوْنِهِ عِلَّةً فَيَصِحُّ إيرَادُهُ هَاهُنَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِمَّا يَتَحَقَّقُ فِيهِ مُمَانَعَةً نَفْسَ الْوَصْفِ قَوْلُهُمْ فِي بَيْعِ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَةِ أَنَّهُ بَيْعُ مَطْعُومٍ بِمَطْعُومٍ مِنْ جِنْسِهِ مُجَازَفَةً فَيَبْطُلُ كَبَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنْ الْحِنْطَةِ بِصُبْرَةٍ مِنْهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ تُرِيدُونَ بِالْمُجَازَفَةِ مُجَازَفَةَ ذَاتٍ أَوْ وَصْفٍ أَيْ تُرِيدُونَ مُجَازَفَةً تَرْجِعُ إلَى نَفْسِ الْبَدَلَيْنِ أَوْ إلَى وَصْفِهِمَا مِنْ الرَّدَاءَةِ وَالْجَوْدَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِالذَّاتِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ وَالتَّسَاوِيَ فِي الْوَصْفِ سَاقِطَا الِاعْتِبَارِ فِي الْأَحْوَالِ الرِّبَوِيَّةِ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ نَقُولُ مُجَازَفَةٌ فِي الذَّاتِ أَيْ تُرِيدُونَ مُجَازَفَةً فِي الذَّاتِ أَوْ تَقُولُونَ: هِيَ مُجَازَفَةٌ فِي الذَّاتِ بِاعْتِبَارِ صُورَتِهَا الَّتِي بِهَا عُرِفَتْ تُفَّاحَةٌ أَمْ هِيَ مُجَازَفَةٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْمِعْيَارِ الَّذِي وُضِعَ لِمَعْرِفَةِ الْقَدْرِ مِنْ الْأَشْيَاءِ وَالضَّمِيرُ فِي صُورَتِهِ رَاجِعٌ إلَى الْمَبِيعِ أَوْ إلَى الذَّاتِ عَلَى تَأْوِيلِ الْمَذْكُورِ. فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِالْمِعْيَارِ أَيْ بِالْمُجَازَفَةِ مِنْ حَيْثُ الْمِعْيَارُ؛ لِأَنَّ الْمُجَازَفَةَ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ لَا تَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ بِالِاتِّفَاقِ فَإِنَّ بَيْعَ قَفِيزٍ مِنْ حِنْطَةٍ بِقَفِيزٍ مِنْهَا جَائِزٌ مَعَ وُجُودِ الْمُجَازَفَةِ فِي الذَّاتِ صُورَةً فَرُبَّمَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا أَكْبَرَ مِنْ الْآخَرِ فِي عَدَدِ الْحَبَّاتِ وَالْأَجْزَاءِ فَإِنْ قِيلَ: أَيْ إنْ ذَكَرَ الْمُعَلِّلُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِي إلَى هَذَا التَّفْصِيلِ بَلْ أُرِيدُ بِهَا مُطْلَقَ الْمُجَازَفَةِ لَمْ نُسَلِّمْ لَهُ الْمُجَازَفَةَ مُطْلَقَةً أَيْ لَا نُسَلِّمُ لَهُ أَنَّ مُطْلَقَ الْمُجَازَفَةِ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ هَذَا الْبَيْعِ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مِنْ الْمُجَازَفَةِ مَا لَا يَمْنَعُ بَيْعَ.

стр. 1230

وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ أَنَّهَا ثَيِّبٌ تُرْجَى مَشُورَتُهَا فَلَا تُنْكَحُ إلَّا بِرَأْيِهَا كَالثَّيِّبِ الْبَالِغَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ بِرَأْيٍ حَاضِرٍ أَمْ بِرَأْيٍ مُسْتَحْدَثٍ فَأَمَّا الْحَاضِرُ فَلَمْ يُوجَدْ فِي الْفَرْعِ وَأَمَّا الْمُسْتَحْدَثُ فَلَا يُوجَدُ فِي الْأَصْلِ فَإِنْ قَالَ: لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا قُلْنَا لَهُ: عِنْدَنَا لَا تُنْكَحُ إلَّا بِرَأْيِهَا؛ لِأَنَّ رَأْيَ الْوَلِيِّ رَأْيُهَا فَإِنْ قَالَ: بِأَيِّهِمَا كَانَ انْتَقَضَ بِالْمَجْنُونَةِ؛ لِأَنَّ لَهَا رَأْيًا مُسْتَحْدَثًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ يَحْتَمِلُ الزَّوَالَ لَا مَحَالَةَ. ــ [كشف الأسرار] الْمَطْعُومِ بِالْمَطْعُومِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِذًا لَا يَجِدُ الْمُعَلِّلُ بُدًّا مِنْ أَنْ يُفَسِّرَ الْمُجَازَفَةَ بِالْمُجَازَفَةِ فِي الْمِعْيَارِ وَهُوَ الْكَيْلُ وَإِذَا فَسَّرَهَا بِهَا لَمْ نُسَلِّمْ فِي وُجُودِهَا بَيْعَ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَةِ؛ لِأَنَّ التُّفَّاحَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ كَيْلِ الْمِعْيَارِ وَالْمُجَازَفَةُ فِيمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْكَيْلِ لَا تُتَصَوَّرُ فَقَدْ أَدَّى الِاسْتِفْسَارُ إلَى الْمُمَانَعَةِ فِي الْوَصْفِ فَيُضْطَرُّ الْمُعَلِّلُ بَعْدَ الِاسْتِفْسَارِ وَالْمُمَانَعَةِ إلَى الرُّجُوعِ إلَى حَرْفِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْحُرْمَةُ فِي بَيْعِ الْمَطْعُومِ بِالْمَطْعُومِ؛ لِأَنَّ الطُّعْمَ عِنْدَهُ عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ الْبَيْعِ فِي الْمَطْعُومَاتِ وَالْجِنْسِيَّةُ شَرْطٌ وَالْمُسَاوَاةُ كَيْلًا مُخَلِّصٌ عَنْ الْحُرْمَةِ فَفِي بَيْعِ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَةِ قَدْ وُجِدَتْ الْعِلَّةُ وَالشَّرْطُ وَلَمْ يُوجَدْ الْمُخَلِّصُ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْمُسَاوَاةِ فِيهِمَا كَيْلًا فَثَبَتَتْ الْحُرْمَةُ كَمَا لَوْ فَاتَتْ الْمُسَاوَاةُ بِالْفَصْلِ عَلَى أَحَدِ الْكَيْلَيْنِ وَعِنْدَنَا الْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ جَوَازُ الْعَقْدِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَمْوَالِ وَالْفَسَادُ بِاعْتِبَارِ فَضْلٍ هُوَ حَرَامٌ وَهُوَ الْفَضْلُ عَلَى الْمِعْيَارِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا فِيمَا يَتَحَقَّقُ فِيهِ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمِعْيَارِ إذْ الْفَضْلُ يَكُونُ بَعْدَ تِلْكَ الْمُسَاوَاةِ وَلَا تَتَحَقَّقُ هَذِهِ الْمُسَاوَاةُ فِيمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمِعْيَارِ أَصْلًا فَيَجُوزُ بَيْعُ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَةِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ وَقَوْلُهُ مَعَ أَنَّ الْكَيْلَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ لَا نُسَلِّمُ لَهُ الْمُجَازَفَةَ مُطْلَقَةً يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُطْلَقَ الْمُجَازَفَةِ مَانِعٌ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الْجَوَازَ مُتَعَلِّقٌ بِالْمُسَاوَاةِ كَيْلًا بِالْإِجْمَاعِ وَبِهَا يَقَعُ الْمُخَلِّصُ عَنْ فَضْلٍ هُوَ رِبًا وَلَا يَزُولُ بِالْمُسَاوَاةِ كَيْلًا إلَّا فَضْلٌ عَلَى الْكَيْلِ فَثَبَتَ أَنَّ الْحُرْمَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمُجَازَفَةِ كَيْلًا لَا بِمُطْلَقِ الْمُجَازَفَةِ. أَوْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ الطَّعْمُ عِلَّةٌ لِتَحْرِيمِ الْبَيْعِ يَعْنِي أَنَّهُ يَجْعَلُ الطَّعْمَ عِلَّةً لِتَحْرِيمِ الْبَيْعِ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِالْجِنْسِ وَهُوَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْبَيْعِ فِي الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرِ عِنْدَ فَوَاتِ التَّسَاوِي كَيْلًا مَعَ أَنَّ الْكَيْلَ أَيْ التَّسَاوِيَ فِي الْكَيْلِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ الْجَوَازُ لَا يُعْدَمُ إلَّا الْفَضْلَ عَلَى الْمِعْيَارِ أَيْ لَا يَقْتَضِي إلَّا الِاحْتِرَازَ عَنْ الْفَضْلِ عَلَى الْمِعْيَارِ فَكَانَ إثْبَاتُ الْعِلَّةِ عَلَى وَجْهٍ يُوجِبُ الْحُرْمَةَ مُطْلَقَةً فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى النَّصِّ قَوْلُهُ (وَمِنْ ذَلِكَ) أَيْ وَمِمَّا يُمْكِنُ فِيهِ مُمَانَعَةُ الْوَصْفِ قَوْلُهُمْ كَذَا الْوَلِيُّ يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ عِنْدَنَا كَمَا يَمْلِكُ تَزْوِيجَ الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ تَزْوِيجَهَا أَصْلًا حَتَّى تَبْلُغَ؛ لِأَنَّ وِلَايَتَهُ عَلَيْهَا زَالَتْ بِالثِّيَابَةِ فَإِذَا بَلَغَتْ فَحِينَئِذٍ يُزَوِّجُهَا بِمَشُورَتِهَا وَإِنْ كَانَتْ الثَّيِّبُ مَجْنُونَةً يَجُوزُ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ تَزْوِيجُهَا صَغِيرَةً كَانَتْ أَوْ كَبِيرَةً وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ تَزْوِيجُهَا إنْ كَانَتْ صَغِيرَةً. فَإِنْ بَلَغَتْ زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ بِمَشُورَةِ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ يَأْذَنُ لَهُمْ فِي تَزْوِيجِهَا كَذَا فِي التَّهْذِيبِ قَالُوا هَذِهِ ثَيِّبٌ يُرْجَى مَشُورَتُهَا وَاحْتَرَزُوا بِهِ عَنْ الْمَجْنُونَةِ فَإِنَّ مَشُورَتَهَا لَا تُرْجَى فِي الْغَالِبِ فَلَا تُنْكَحُ إلَّا بِرَأْيِهَا كَالثَّيِّبِ الْبَالِغَةِ النَّائِمَةِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهَا وَالْغَائِبَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ اللَّامُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ مِنْ ذَلِكَ بِرَأْيٍ حَاضِرٍ أَمْ بِرَأْيٍ مُسْتَحْدَثٍ أَيْ تُرِيدُونَ بِقَوْلِكُمْ لَا تُنْكَحُ إلَّا بِرَأْيِهَا رَأَيَا قَائِمًا فِي الْحَالِ أَوْ رَأْيًا سَيَحْدُثُ فَإِنْ أَرَدْتُمْ الْأَوَّلَ فَلَا نُسَلِّمُ وُجُودَهُ فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ الصَّغِيرَةُ إذْ لَيْسَ لَهَا رَأْيٌ قَائِمٌ فِي الْحِلِّ لَا فِي الْمَنْعِ وَلَا فِي الْإِطْلَاقِ فَإِنَّ مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَزْوِيجَهَا لَمْ يَفْصِلْ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ بِرَأْيِهَا وَبِدُونِ رَأْيِهَا وَمَنْ جَوَّزَ الْعَقْدَ فَكَذَلِكَ لَمْ يَفْصِلْ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ لَيْسَ لَهَا رَأْيٌ قَائِمٌ. وَإِنْ عَنَيْتُمْ الثَّانِيَ فَلَا نُسَلِّمُ وُجُودَهُ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الثَّيِّبُ الْبَالِغَةُ؛ لِأَنَّ لَهَا رَأْيًا قَائِمًا لَا مُسْتَحْدَثًا وَلِهَذَا كَانَ لِلْوَلِيِّ تَزْوِيجُهَا بِمَشُورَتِهَا فِي الْحَالِ بِالِاتِّفَاقِ وَكَانَ لَهَا أَنْ تَتَزَوَّجَ بِنَفْسِهَا أَيْضًا عِنْدَنَا فَكَانَ هَذَا مُمَانَعَةً لِنَفْسِ.

стр. 1231

فَيَظْهَرُ بِهِ فَقْدُ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْوِلَايَةَ ثَابِتَةٌ فَلَا يَمْنَعُهَا إلَّا الرَّأْيُ الْقَائِمُ فَأَمَّا الْمَعْدُومُ قَبْلَ الْوُجُودِ فَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا مَانِعًا أَوْ دَلِيلًا قَاطِعًا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا أَمْثِلَةُ مَا يَدْخُلُ فِي الْفَرْعِ وَفِيهِ قِسْمٌ آخَرُ وَهُوَ مَا يَدْخُلُ فِي الْأَصْلِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ: إنَّهُ طَهَارَةُ مَسْحٍ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَالِاسْتِنْجَاءِ فَنَقُولُ: إنَّ الِاسْتِنْجَاءَ لَيْسَ بِطَهَارَةِ الْمَسْحِ بَلْ طَهَارَةٌ عَنْ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَيُضْطَرُّ إلَى الرُّجُوعِ إلَى فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ بَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْرَارُ وَهُوَ الْغُسْلُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّخْفِيفُ وَهُوَ الْمَسْحُ وَهُمَا فِي طَرَفَيْ نَقِيضِ التَّكْرَارِ فِي أَحَدِهِمَا يُحَقَّقُ غَرَضُهُ وَفِي الثَّانِي يُفْسِدُهُ وَيَلْحَقُهُ بِالْمَحْظُورِ وَهَذَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى. وَأَمَّا الْمُمَانَعَةُ فِي الْحُكْمِ فَمِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ إنَّهُ رُكْنٌ فِي وُضُوءٍ فَيُسَنُّ تَثْلِيثُهُ كَغَسْلِ الْوَجْهِ فَنَقُولُ: إنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ لَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ بَلْ يُسَنُّ تَكْمِيلُهُ بَعْدَ تَمَامِ فَرْضِهِ وَقَدْ حَصَلَ التَّكْمِيلُ هَا هُنَا وَلَكِنَّ التَّكْرَارَ صَيَّرَ إلَيْهِ فِي الْغُسْلِ لِضَرُورَةِ أَنَّ الْفَرْضَ اسْتَغْرَقَ مَحَلَّهُ وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي هَذَا أَوْ؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي الْأَصْلِ وَجَبَ بِالضَّرُورَةِ لِمَا قُلْنَا مِنْ الْأَرْكَانِ لَكِنَّ التَّكْرَارَ إطَالَتُهُ لَا تَكْرَارُهُ كَمَا فِي غَيْرِهِ. ــ [كشف الأسرار] الْوَصْفَ فِي الْفَرْعِ أَوْ الْأَصْلِ فَإِنْ قَالَ الْمُعَلِّلُ: لَا حَاجَة لِي إلَى التَّفْصِيلِ بَلْ اُشْتُرِطَ رَأْيُهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ قُلْنَا لَهُ نَحْنُ نَقُولُ: بِمُوجِبِ مَا ذَكَرْت فَإِنَّ عِنْدَنَا لَا تُنْكَحُ إلَّا بِرَأْيِهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ رَأْيَ الْوَلِيِّ قَائِمٌ مَقَامَ رَأْيِهَا كَمَا فِي عَامَّةِ التَّصَرُّفَاتِ فَإِنْ قَالَ: بِأَيِّهِمَا كَانَ يَعْنِي لَا أُرِيدُ بِإِطْلَاقِ الرَّأْيِ رَأْيَ الْغَيْرِ بَلْ أُرِيدُ رَأْيَ نَفْسِهَا قَائِمًا كَانَ أَوْ مُسْتَحْدَثًا انْتَقَضَ بِالثَّيِّبِ الْمَجْنُونَةُ الْبَالِغَةُ فَإِنَّهَا تُزَوَّجُ وَإِنْ كَانَ رَأْيُهَا مَرْجُوًّا بِالْإِفَاقَةِ إذْ الْجُنُونُ مُحْتَمِلٌ لِلزَّوَالِ لَا مَحَالَةَ كَالصَّبِيِّ، لَكِنَّهُمْ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الصَّغِيرَةِ وَالْمَجْنُونَةِ بِأَنَّ الصَّغِيرَةَ بِالْبُلُوغِ تَصِيرُ مِنْ أَهْلِ الْإِذْنِ وَلِبُلُوغِهَا أَوَانٌ مُنْتَظَرٌ وَلَيْسَ لِإِفَاقَةِ الْمَجْنُونَةِ أَوَانٌ مُنْتَظَرٌ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي التَّهْذِيبِ. فَيَظْهَرُ بِهِ أَيْ بِمَا قُلْنَا مِنْ الْمُمَانَعَةِ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ وِلَايَةَ الْوَلِيِّ ثَابِتَةٌ فَلَا يَقْطَعُهَا إلَّا رَأْيٌ قَائِمٌ وَهُوَ رَأْيُ الْبَالِغَةِ فَأَمَّا الْمَعْدُومُ قَبْلَ الْوُجُودِ وَهُوَ الرَّأْيُ الَّذِي سَيَحْدُثُ لِلصَّغِيرَةِ فَلَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا مَانِعًا لِوِلَايَةِ الْوَلِيِّ مِنْ الثُّبُوتِ أَوْ دَلِيلًا قَاطِعًا لِوِلَايَتِهِ عَنْهَا بَعْدَ الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّ مَا سَيَحْدُثُ مِنْ مَانِعٍ أَوْ عِلَّةٍ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِي الْحُكْمِ قَبْلَ ثُبُوتِهِ فِي الْمَنْعِ وَلَا فِي الْإِثْبَاتِ إذْ الْحُكْمُ لَا يَسْبِقُ عِلَّتَهُ فَكَيْفَ يَصْلُحُ الرَّأْيُ الْمَعْدُومُ مَانِعًا أَوْ قَاطِعًا. وَلَوْ كَانَ الرَّأْيُ الْمَعْدُومُ الَّذِي سَيَحْدُثُ قَاطِعًا لِلْوِلَايَةِ لَمَا ثَبَتَ الْوِلَايَةُ عَلَى صَبِيٍّ وَصَبِيَّةٍ وَرَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِي ﵀ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ جَعَلَ الرَّأْيَ الْمُسْتَحْدَثَ غَالِبًا دَلِيلًا عَلَى قَطْعِ اسْتِبْدَادِ وِلَايَةِ الْوَلِيِّ وَفِي نُكْتَةٍ جَعَلَ ذَلِكَ مَانِعًا مِنْ النَّفَاذِ فَصَارَ مَحْجُوزًا بِسَبَبِ رَأْيِهَا فَالشَّيْخُ بِقَوْلِهِ شَرْطًا مَانِعًا أَوْ دَلِيلًا قَاطِعًا أَشَارَ إلَى الْمَعْنَيَيْنِ وَالْمَذْكُورُ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَعْدُومَ وَهُوَ الرَّأْيُ الْمُسْتَحْدَثُ لَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا مِنْ ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ لِلْجَدِّ فِيمَا إذَا مَاتَ أَبُو الثَّيِّبِ الصَّغِيرَةِ وَانْتَقَلَتْ الْوِلَايَةُ إلَى الْجَدِّ أَوْ دَلِيلًا قَاطِعًا لِوِلَايَةِ الْوَلِيِّ فِيمَا إذَا ثَابَتَ وَالْوَلِيُّ بَاقٍ وَهَذَا الَّذِي قُلْنَا أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ مُمَانَعَةِ الْوَصْفِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَمْثِلَةُ مُمَانَعَةِ الْوَصْفِ فِي الْفَرْعِ فَإِنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى كَوْنَ الْحُكْمِ مُتَعَلِّقًا بِالْجِمَاعِ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْجَدُّ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّهُ فِي الْفَرْعِ وَهُوَ كَفَّارَةُ الصَّوْمِ مَمْنُوعٌ. وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ الْمُجَازَفَةُ فِي بَيْعِ الصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ مُسَلَّمٌ وَلَكِنَّهَا فِي التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَةِ مَمْنُوعَةٌ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّالِثَةِ مَنْعُ رَجَاءِ الْمَشُورَةِ عَنْ صِحَّةِ النِّكَاحِ مُسَلَّمٌ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْبَالِغَةُ دُونَ الْفَرْعِ وَهُوَ الصَّغِيرَةُ وَفِيهِ أَيْ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ مُمَانَعَةُ الْوَصْفِ فِي الْأَصْلِ فَإِنَّ فِي مَسْأَلَةِ التَّثْلِيثِ الْوَصْفَ وَهُوَ قَوْلُهُ طَهَارَةُ مَسْحٍ مُسَلَّمٌ فِي الْفَرْعِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الِاسْتِنْجَاءُ بَلْ هُوَ طَهَارَةٌ عَنْ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَلِهَذَا كَانَ الْغُسْلُ فِيهِ أَفْضَلَ وَلَوْ أَحْدَثَ وَلَمْ يَحْصُلْ التَّلْوِيثُ بِأَنْ خَرَجَ مِنْهُ رِيحٌ لَا يَلْزَمُهُ الْمَسْحُ وَلَا يُسَنُّ أَيْضًا فَعُلِمَ أَنَّهُ إزَالَةُ نَجَاسَةٍ حَقِيقِيَّةٍ. فَيُضْطَرُّ الْمُعَلِّلُ إلَى الرُّجُوعِ إلَى فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ بَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْرَارُ إلَى آخِرِهِ يَعْنِي فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ يَدُورُ عَلَى مَعْرِفَةِ مَعْنَى الْغُسْلِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ التَّكْرَارُ وَعَلَى مَعْرِفَةِ مَعْنَى الْمَسْحِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ التَّخْفِيفُ وَهُمَا أَيْ الْمَسْحُ وَالْغَسْلُ فِي اقْتِضَاءِ التَّكْرَارِ فِي طَرَفَيْ نَقِيضٍ يَعْنِي لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا مُتَنَاقِضَانِ فِي اقْتِضَاءِ التَّكْرَارِ فَإِنَّ التَّكْرَارَ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْغَسْلُ يُحَقِّقُ غَرَضَهُ وَهُوَ التَّنْظِيفُ وَالتَّطْهِيرُ الَّذِي وُضِعَ الْغَسْلُ لَهُ فَيَصْلُحُ التَّكْرَارُ مُكَمِّلًا لَهُ وَفِي الثَّانِي وَهُوَ الْمَسْحُ يُفْسِدُهُ أَيْ يُفْسِدُ التَّكْرَارَ حَقِيقَتَهُ وَيُلْحِقُهُ بِالْمَحْظُورِ وَهُوَ الْغُسْلُ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْغَسْلَ فِي مَوْضِعِ الْمَسْحِ مَكْرُوهٌ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ

стр. 1232

وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ أَنَّهُ صَوْمُ فَرْضٍ فَلَا يَصِحُّ إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ يُقَالُ لَهُ بَعْدَ التَّعْيِينِ أَوْ قَبْلَهُ فَإِنْ قَالَ بَعْدَهُ لَمْ نَجِدْهُ فِي الْأَصْلِ فَصَحَّتْ الْمُمَانَعَةُ فَإِنْ قَالَ قَبْلَهُ لَمْ نَجِدْهُ فِي الْفَرْعِ فَصَحَّتْ الْمُمَانَعَةُ أَيْضًا فَإِنْ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي إلَى هَذَا قُلْنَا: عِنْدَنَا لَا يَصِحُّ إلَّا بِالتَّعْيِينِ غَيْرَ أَنَّ إطْلَاقَهُ تَعْيِينٌ وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي بَيْعِ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَةِ أَنَّهُ بَيْعُ مَطْعُومٍ بِجِنْسِهِ مُجَازَفَةً فَيَحْرُمُ كَالصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ يُقَالُ لَهُ: يَحْرُمُ حُرْمَةً مُؤَقَّتَةً أَوْ مُطْلَقَةً فَإِنْ قَالَ: مُؤَقَّتَةً لَمْ نَجِدْهَا فِي الْفَرْعِ لِعَدَمِ الْمُخَلِّصِ وَإِنْ قَالَ: مُطْلَقَةً لَمْ نَجِدْهَا فِي الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ عِنْدَنَا فِي الْأَصْلِ مُتَنَاهِيَةٌ فَصَحَّتْ الْمُمَانَعَةُ. ــ [كشف الأسرار] أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ فِي شَرْعِيَّةِ التَّكْرَارِ عِبَارَةُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ فَيُضْطَرُّ الْمُعَلِّلُ عِنْدَ هَذَا الْمَنْعِ إلَى الرُّجُوعِ إلَى حَرْفِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ إثْبَاتُ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْمَمْسُوحِ وَالْمَغْسُولِ بِوَصْفٍ صَالِحٍ لِتَعَلُّقِ حُكْمِ التَّكْرَارِ بِهِ أَوْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا بِوَصْفِ الْمَسْحِ وَالْغَسْلِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِيعَابِ وَالْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى التَّخْفِيفِ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْمُمَانَعَةُ فِي الْحُكْمِ) وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنْ وُجُوهِ الْمُمَانَعَةِ فَنَقُولُ كَذَا يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَسْنُونَ فِي غَسْلِ الْوَجْهِ التَّثْلِيثُ بَلْ الْمَسْنُونُ فِيهِ التَّكْمِيلُ بَعْدَ تَمَامِ فَرْضِهِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ فِي مَحَلِّهِ مِنْ جِنْسِهِ كَمَا فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ إكْمَالَ رُكْنِ الْقِرَاءَةِ بِالزِّيَادَةِ عَلَى الْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ فِي مَحَلِّهِ مِنْ جِنْسِهِ وَهُوَ تِلَاوَةُ الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَقَدْ حَصَلَ التَّكْمِيلُ هَاهُنَا أَيْ فِي الْمَسْحِ بِالِاسْتِيعَابِ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ فِي مَحَلِّهِ مِنْ جِنْسِهِ، وَلَكِنَّ التَّكْرَارَ الِاسْتِدْرَاكُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَا يُسَنُّ تَثْلِيثُهُ بَلْ يُسَنُّ تَكْمِيلُهُ يَعْنِي التَّكْرَارُ فِي الْغُسْلِ لَيْسَ بِأَمْرٍ مَقْصُودٍ بَلْ الْمَقْصُودُ هُوَ التَّكْمِيلُ إلَّا أَنَّ الْفَرْضَ لَمَّا اسْتَغْرَقَ مَحَلَّهُ فِي الْغُسْلِ لَا يُمْكِنُ تَكْمِيلُهُ بِزِيَادَةٍ مِنْ جِنْسِهِ فِي مَحَلِّهِ إلَّا بِالتَّكْرَارِ فَكَانَ شَرْعِيَّةُ التَّكْرَارِ سُنَّةً ضَرُورَةَ فَرْضِيَّةِ الِاسْتِيعَابِ لَا لِغَيْرِ التَّكْرَارِ قَصْدًا وَهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ اسْتِيعَابُ الْفَرْضِ مَحَلُّهُ مَعْدُومٌ فِي الْمَسْحِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِيعَابَ فِيهِ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى التَّكْرَارِ لِإِقَامَةِ سُنَّةِ التَّكْمِيلِ فِيهِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِاسْتِيعَابِ جَمِيعِ الرَّأْسِ مَرَّةً وَاحِدَةً. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀: التَّكْرَارُ مَشْرُوعٌ لِغَيْرِهِ وَهُوَ تَحْصِيلُ الْإِكْمَالِ بِهِ لَا لِعَيْنِهِ وَمَا كَانَ مَشْرُوعًا لِغَيْرِهِ قَائِمًا يُشْرَعُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْغَيْرِ فِي مَوْضِعٍ يَتَحَقَّقُ الْحَاجَةُ إلَيْهِ فَإِمَّا إذَا كَانَ مَا شُرِعَ لِأَجْلِهِ يَحْصُلُ بِدُونِهِ لَا يُفِيدُ اعْتِبَارُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَرَّرَ الْمَسْحَ فِي رُبْعِ الرَّأْسِ أَوْ أَدْنَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الِاسْمُ لَا يَحْصُلُ بِهِ كَمَالُ السُّنَّةِ مَا لَمْ يَسْتَوْعِبْ جَمِيعَ الرَّأْسِ بِالْمَسْحِ فَبِهَذَا يَتَبَيَّنُ أَنَّ التَّكْمِيلَ هَاهُنَا بِالِاسْتِيعَابِ وَأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ يَتَحَقَّقُ الْعَجْزُ عَنْهُ بِأَنْ يَكُونَ الِاسْتِيعَابُ رُكْنًا فِي الْمَغْسُولَاتِ فَحِينَئِذٍ يُصَارُ إلَى الْإِكْمَالِ بِالتَّكْرَارِ. وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ فَإِنَّهُ شُرِعَ لِإِكْمَالِ الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ حَتَّى لَمْ يَتَأَدَّ فَرْضُ الْمَسْحِ بِهِ بِحَالٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْمَسْحَ لِإِكْمَالِ السُّنَّةِ فِي الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ وَلِهَذَا لَا يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهِ مَاءً جَدِيدًا عِنْدَنَا وَلَكِنْ يَمْسَحُ مُقَدِّمَهُمَا وَمُؤَخِّرَهُمَا مَعَ الرَّأْسِ وَالْمَسْحُ فِيهِمَا أَفْضَلُ مِنْ الْغَسْلِ إلَّا أَنَّ كَوْنَ الْأُذُنَيْنِ مِنْ الرَّأْسِ لَمَّا كَانَ ثَابِتًا بِالسُّنَّةِ دُونَ نَصِّ الْكِتَابِ يَثْبُتُ اتِّحَادُ الْمَحَلِّ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى إكْمَالِ السُّنَّةِ بِهِ وَلَا يُثْبِتُ الْمَحَلِّيَّةَ فِيمَا يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ الثَّابِتُ بِالنَّصِّ فَقُلْنَا: لَا يَنُوبُ مَسْحُ الْأُذُنَيْنِ عَنْ الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ لِهَذَا وَلِأَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْغَسْلُ إطَالَتُهُ الْفَرْقُ بَيْنَ النُّكْتَتَيْنِ أَنَّ الْأُولَى لِبَيَانِ مَشْرُوعِيَّةِ نَفْسِ التَّكْمِيلِ فِي الْأَصْلِ أَيْ التَّكْمِيلُ سُنَّةٌ فِيهِ دُونَ التَّثْلِيثِ وَالثَّانِيَةُ لِبَيَانِ مَشْرُوعِيَّةِ سَبَبِ التَّكْمِيلِ فِيهِ فَإِنَّ بِالْإِطَالَةِ يَحْصُلُ التَّكْمِيلُ كَمَا فِي أَرْكَانِ الصَّلَاةِ لِمَا قُلْنَا مِنْ اسْتِغْرَاقِ الْفَرْضِ مَحَلَّهُ قَوْلُهُ. (وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ) أَيْ فِي مَنْعِ جَوَازِهِ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ إنَّهُ صَوْمُ فَرْضٍ فَلَا يَصِحُّ أَدَاؤُهُ إلَّا بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ كَصَوْمِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ يُقَالُ لَهُ أَيْ لِلْمُعَلِّلِ بَعْدَ التَّعَيُّنِ أَوْ قَبْلَهُ أَيْ أَتُرِيدُ بِوُجُوبِ التَّعَيُّنِ وُجُوبَهُ بَعْدَ تَعَيُّنِ الصَّوْمِ أَوْ قَبْلَهُ فَإِنْ قَالَ: بَعْدَهُ لَمْ نَجِدْهُ أَيْ هَذَا الْحُكْمُ وَهُوَ وُجُوبُ التَّعْيِينِ بَعْدَ التَّعْيِينِ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ صَوْمُ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ التَّعْيِينَ بَعْدَ التَّعَيُّنِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِيهِ فَيَكُونُ هَذَا مُمَانَعَةَ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَإِنْ قَالَ قَبْلَهُ أَيْ قَالَ

стр. 1233

وَمِثْلُهُ مَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِمْ ثَيِّبٌ تُرْجَى مَشُورَتُهَا فَلَا تُنْكَحُ كُرْهًا يُقَالُ لَهُ مَا مَعْنَى الْكُرْهِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُقَالَ: عَدَمُ رَأْيِهَا فَيُقَالُ فِي الْأَصْلِ عَدَمُ الرَّأْيِ غَيْرُ مَانِعٍ لَكِنَّ الرَّأْيَ الْقَائِمَ الْمُعْتَبَرَ مَانِعٌ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْفَرْعِ رَأْيٌ مُعْتَبَرٌ. ــ [كشف الأسرار] أُرِيدُ بِوُجُوبِ التَّعْيِينِ وُجُوبَهُ قَبْلَ تَعَيُّنِ الصَّوْمِ. لَمْ يَجِدْهُ أَيْ لَمْ يُمْكِنْهُ إيجَابُهُ قَبْلَ التَّعَيُّنِ فِي الْفَرْعِ وَهُوَ صَوْمُ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ التَّعَيُّنَ حَاصِلٌ فِيهِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ فِي هَذَا الزَّمَانِ إذْ الْمَشْرُوعُ فِي هَذَا الزَّمَانِ لَيْسَ إلَّا صَوْمُ الْوَقْتِ فَصَحَّتْ الْمُمَانَعَةُ أَيْضًا أَيْ صَحَّتْ مُمَانَعَةُ هَذَا الْحُكْمِ وَهُوَ وُجُوبُ التَّعْيِينِ فِي الْفَرْعِ كَمَا صَحَّتْ فِي الْأَصْلِ فَإِنْ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي إلَى هَذَا أَيْ إلَى بَيَانِ أَنَّ التَّعْيِينَ وَجَبَ قَبْلَ التَّعْيِينِ أَوْ بَعْدَهُ بَلْ التَّعْيِينُ وَاجِبٌ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى أَنَّهُ قَبْلَ التَّعَيُّنِ أَوْ بَعْدَهُ قُلْنَا لَهُ كَذَا نَعْنِي بِدَفْعِهِ حِينَئِذٍ بِالْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ فَنَقُولُ: لَا يَصِحُّ عِنْدَنَا إلَّا بِالتَّعْيِينِ أَيْضًا غَيْرَ أَنَّ إطْلَاقَهُ أَيْ إطْلَاقَ النِّيَّةِ عَلَى تَأْوِيلِ الْعَزْمِ تَعْيِينٌ لِلصَّوْمِ أَوْ إطْلَاقُ الصَّائِمِ النِّيَّةَ تَعْيِينٌ فَيُضْطَرُّ إلَى الرُّجُوعِ إلَى حَرْفِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ نِيَّةَ التَّعْيِينِ هَلْ يَسْقُطُ اشْتِرَاطُهُ بِكَوْنِ الْمَشْرُوعِ مُتَعَيِّنًا فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَمْ لَا يَسْقُطُ اعْتِبَارُهُ وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي بَيْعِ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَةِ أَنَّهُ أَيْ هَذَا الْبَيْعَ كَذَا يُقَالُ لَهُ أَيْ لِلْمُسْتَدِلِّ حُرْمَةٌ مُطْلَقَةٌ أَيْ يَثْبُتُ بِهَذَا الْبَيْعِ حُرْمَةٌ مُطْلَقَةٌ أَوْ مُوَقَّتَةٌ أَيْ مُغَيَّاةٌ إلَى غَايَةِ وُجُودِ التَّسَاوِي. فَإِنْ قَالَ: مُوَقَّتَةٌ أَيْ يَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةٌ مُوَقَّتَةٌ لَمْ نَجِدْهَا فِي الْفَرْعِ وَهُوَ بَيْعُ التُّفَّاحَةِ بِالتُّفَّاحَةِ لِعَدَمِ الْمُخَلِّصِ إذْ لَيْسَ لِلتُّفَّاحَةِ حَالَةُ مُسَاوَاةٍ يَجُوزُ الْبَيْعُ فِيهَا عِنْدَ الْخَصْمِ لِعَدَمِ دُخُولِهَا تَحْتَ الْكَيْلِ فَيَكُونُ هَذَا مُمَانَعَةَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ وَإِنْ قَالَ: يَثْبُتُ بِهِ حُرْمَةٌ مُطْلَقَةٌ لَمْ نَجِدْهَا فِي الْأَصْلِ وَهُوَ بَيْعُ الصُّبْرَةِ بِالصُّبْرَةِ فَيَكُونُ مُمَانَعَةَ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ مُتَنَاهِيَةٌ مُوَقَّتَةٌ إلَى غَايَةٍ وَهِيَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْقَدْرِ فَإِنَّ الْبَدَلَيْنِ إذَا كُيِّلَا وَلَمْ يَظْهَرْ فَضْلٌ فِي أَحَدِهِمَا يَعُودُ الْعَقْدُ إلَى الْجَوَازِ عِنْدَنَا لِزَوَالِ الْمَعْنَى الْمُفْسِدِ كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ فَصَحَّتْ الْمُمَانَعَةُ أَيْ مُمَانَعَةُ الْحُكْمِ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. فَإِنْ قَالَ: لَا حَاجَةَ إلَى بَيَانِ أَنَّهَا مُطْلَقَةٌ أَوْ مُوَقَّتَةٌ لَا نُسَلِّمُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ الْمُوَقَّتَةَ إلَى غَايَةٍ غَيْرُ الْحُرْمَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْحُكْمُ الَّذِي يَقَعُ التَّعْلِيلُ لَهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مُتَّحِدًا فِي الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فَيَظْهَرُ حِينَئِذٍ حَرْفُ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْحُكْمَ حُرْمَةُ نُزُولٍ بِالْمُسَاوَاةِ كَيْلًا لَا حُرْمَةٌ مُطْلَقَةٌ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ لِلْمُفَاضَلَةِ الْحُرْمَةُ وَالْمُسَاوَاةُ فَلَا تُنْكَحُ كُرْهًا يَعْنِي قِيَاسًا عَلَى الثَّيِّبِ الْبَالِغَةِ يُقَالُ لَهُ: مَا مَعْنَى الْكُرْهِ أَيْ مَا تَعْنِي بِقَوْلِك لَا تُنْكَحُ كُرْهًا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقُولَ: أُرِيدُ أَنَّهَا لَا تُنْكَحُ بِدُونِ رَأْيِهَا إذْ لَيْسَ هُنَاكَ إكْرَاهُ تَخْوِيفٍ. فَيُقَالُ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْبَالِغَةُ عَدَمُ رَأْيِهَا غَيْرُ مَانِعٍ عَنْ صِحَّةِ التَّزْوِيجِ وَنُفُوذِ وِلَايَةِ الْغَيْرِ عَلَيْهَا فَيَكُونُ هَذَا مُمَانَعَةَ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ، لَكِنَّ الرَّأْيَ الْقَائِمَ الْمُعْتَبَرَ مَانِعٌ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْفَرْعِ رَأْيٌ مُعْتَبَرٌ فَيَكُونُ هَذَا مُمَانَعَةَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ. وَتَبَيَّنَ بِهِ حَرْفُ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي ثُبُوتِ الْوِلَايَةِ هُوَ الصِّغَرُ عِنْدَنَا دُونَ الْبَكَارَةِ وَعِنْدَهُ عَلَى الْعَكْسِ وَحَقِيقَةُ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ النِّكَاحَ مِنْ الْمَضَارِّ وَضْعًا فِي جَانِبِ الْمَرْأَةِ عَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ إثْبَاتُ الْمِلْكِ عَلَيْهَا وَسَلْبُ مُوجِبِ الْحُرِّيَّةِ وَهُوَ إرْقَاقٌ مِنْ وَجْهٍ وَلِهَذَا صِينَتْ الْأُمُّ عَنْ نِكَاحِ الِابْنِ وَالْمُسْلِمَةُ عَنْ نِكَاحِ الْكَافِرِ وَإِنَّمَا تُحْمَلُ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ حَاجَتِهَا إلَى اقْتِضَاءِ الشَّهْوَةِ كَمَا يُتَحَمَّلُ قَطْعُ الْيَدِ عِنْدَ وُقُوعِ الْأَكْلَةِ وَلَا حَاجَةَ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَثْبُتَ الْجَوَازُ قَبْلَهُ إلَّا أَنَّهُ جُوِّزَ فِي حَقِّ الْبِكْرِ قَبْلَ الْبُلُوغِ لِدَلِيلٍ قَامَ لَنَا عَلَى أَنَّ إجْبَارَهَا عَلَى النِّكَاحِ جَائِزٌ فَلَا مَعْنَى لِلتَّوْقِيفِ عَلَى حَالِ الْبُلُوغِ إذَا لَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُهَا بَعْدَهُ وَفِي حَقِّ الثَّيِّبِ التَّوَقُّفُ مُفِيدٌ فَيُؤَخَّرُ إلَى حَالِ الْبُلُوغِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى تَفْوِيتِ الْإِذْنِ عَلَيْهَا وَعِنْدَنَا النِّكَاحُ مِنْ الْمَصَالِحِ وَضْعًا فِي جَانِبِهَا؛ لِأَنَّهُ لِتَحْصِيلِ

стр. 1234

وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ مَا يَثْبُتُ مَهْرًا دَيْنًا يَثْبُتُ سَلَمًا كَالْمُقَدَّرِ فَيُقَالُ: ثَبَتَ مَعْلُومًا بِوَصْفِهِ أَمْ بِقِيمَتِهِ فَإِنْ قَالَ بِوَصْفِهِ لَمْ يُسَلَّمْ فِي الْفَرْعِ وَإِنْ قَالَ بِقِيمَتِهِ لَمْ يُسَلَّمْ فِي الْفَرْعِ وَإِنْ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي إلَى هَذَا قُلْنَا بَلْ إلَيْهِ حَاجَةٌ لِبَيَانِ اسْتِوَائِهِمَا فِي طَرِيقِ الثُّبُوتِ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ أَحَدُهُمَا يَحْتَمِلُ جَهَالَةَ الْوَصْفِ. ــ [كشف الأسرار] السَّكَنِ وَالِازْدِوَاجِ وَالْوَلَدِ وَاقْتِضَاءِ الشَّهْوَةِ وَكُلُّهَا مِنْ الْمَصَالِحِ وَمَا أَثْبَتَ مِنْ الْمِلْكِ فَلَمَّا كَانَ الْحَجْرُ عَلَيْهَا لِتَحْقِيقِ الْمَصْلَحَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ أَصْلًا فَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ عِدَادِ الْمَصَالِحِ إلَى مَا هُوَ مِنْ الْمَضَارِّ بَلْ نَجْعَلُ الْمِلْكَ تَابِعًا لِإِقَامَةِ الْمَصْلَحَةِ وَمَتَى كَانَ النِّكَاحُ مَصْلَحَةً كَانَ الْأَصْلُ فِيهِ التَّحْصِيلَ وَهِيَ عَاجِزَةٌ عَنْ التَّحْصِيلِ لِصِغَرِهَا فَأُقِيمَ الْوَلِيُّ مُقَامَهَا كَمَا فِي الْبِكْرِ قَوْلُهُ (وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ) أَيْ مِثْلُ قَوْلِهِمْ فِيمَا مَضَى مِنْ الْمَسَائِلِ قَوْلُهُمْ فِي تَجْوِيزِ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ مَا يُثْبِتُ دَيْنًا مَهْرًا فِي الذِّمَّةِ يُثْبِتُ دَيْنًا سَلَمًا كَالْمُقَدَّرِ الْمَذْرُوعِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ سِوَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. فَيُقَالُ لَهُ أُثْبِتَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ مَعْلُومٌ بِوَصْفِهِ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ سَبَبُ وَصْفِهِ أَوْ بِسَبَبِ قِيمَتِهِ أَوْ هِيَ صِلَةُ مَعْلُومًا أَوْ زَائِدَةٌ أَيْ يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ مَعْلُومَ الْوَصْفِ أَوْ مَعْلُومَ الْقِيمَةِ فَإِنْ قَالَ: يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ مَعْلُومًا بِوَصْفِهِ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ ذَلِكَ فِي الْفَرْعِ وَهُوَ السَّلَمُ وَفِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْمَهْرُ يَعْنِي لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحَيَوَانَ يَصِيرُ مَعْلُومًا بِالْوَصْفِ فِي السَّلَمِ وَلَا فِي الْمَهْرِ بَلْ يَبْقَى مَجْهُولًا إلَّا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْجَهَالَةِ مُتَحَمَّلَةٌ فِي الْمَهْرِ دُونَ السَّلَمِ؛ لِأَنَّ مَبْنَى النِّكَاحِ عَلَى الْمُسَاهَلَةِ دُونَ الْمُضَايَقَةِ فَلَا يُؤَدِّي مِثْلُ هَذِهِ الْجَهَالَةِ فِيهِ إلَى الْمُنَازَعَةِ وَمَبْنَى الْبَيْعِ عَلَى الْمُضَايَقَةِ وَالْمُمَاكَسَةِ فَيُحْتَرَزُ فِيهِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْجَهَالَةِ لِإِفْضَائِهَا فِيهِ إلَى الْمُنَازَعَةِ الْمَانِعَةِ عَنْ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ الْمَقْصُودَيْنِ فِي الْبَيْعِ وَفِي تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ أَصْلًا نَوْعُ تَسَامُحٍ فَإِنَّ الشَّيْخَ جَعَلَ ثُبُوتَ الْحَيَوَانِ دَيْنًا مَهْرًا وَصْفَ الْقِيَاسِ وَالْمُقَدَّرَ أَصْلًا لَهُ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ النِّكَاحُ أَصْلَ الْقِيَاسِ لِيَسْتَقِيمَ لَهُ هَذَا الْكَلَامُ كَمَا جَعَلَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ فَقَالَ: الْبَيْعُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَسْتَحِقُّ بِهِ الْحَيَوَانُ دَيْنًا قِيَاسًا عَلَى النِّكَاحِ وَالْخُلْعِ إلَّا أَنَّ حُكْمَ السَّلَمِ لَمَّا كَانَ مُسْتَفَادًا مِنْ الْمَهْرِ عِنْدَ الْخَصْمِ إذْ الْحُكْمُ يَثْبُتُ بِالْوَصْفِ سَمَّاهُ أَصْلًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. وَإِنْ قَالَ بِقِيمَتِهِ أَيْ يَصِيرُ مَعْلُومًا بِقِيمَتِهِ لَمْ يُسْلَمْ فِي الْفَرْعِ فَإِنَّ الْحَيَوَانَ بَعْدَ ذِكْرِ الْأَوْصَافِ يَتَفَاوَتُ فِي الْمَالِيَّةِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَلَا يَصِيرُ قِيمَتُهُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الْوَصْفِ وَإِنَّمَا خَصَّ الْفَرْعَ؛ لِأَنَّ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْمَهْرُ يَصِيرُ الْحَيَوَانُ مَعْلُومًا بِالْقِيمَةِ فَإِنَّهُ لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَبْدٍ أَوْ فَرَسٍ يَجِبُ الْوَسَطُ وَيُعْرَفُ ذَلِكَ بِالْقِيمَةِ وَلِهَذَا لَوْ أَتَاهَا بِالْقِيمَةِ تُجْبَرُ عَلَى الْقَبُولِ كَمَا لَوْ أَتَاهَا بِالْمُسَمَّى فَثَبَتَ أَنَّهُ يَصِيرُ مَعْلُومًا فِيهِ بِالْقِيمَةِ فَأَمَّا السَّلَمُ فَلَا يَصِيرُ مَعْلُومًا بِالْقِيمَةِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَصِيرُ مَعْلُومَ الْمَالِيَّةِ بِالْوَصْفِ وَلَا اعْتِبَارَ لِلْقِيمَةِ فِي بَابِ السَّلَمِ أَصْلًا وَلِهَذَا يَجِبُ تَسْلِيمُ الْحَيَوَانِ عِنْدَهُ فِي السَّلَمِ وَلَا يَجُوزُ أَدَاءُ الْقِيمَةِ. وَرَأَيْت فِي نُسْخَةٍ أَظُنُّهَا لِلشَّيْخِ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ فَيُقَالُ لَهُ: يَثْبُتُ الْحَيَوَانُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ مَعْلُومَ الْوَصْفِ وَالْقِيمَةِ أَمْ مَعْلُومَ الْوَصْفِ مَجْهُولَ الْقِيمَةِ أَمْ مَجْهُولَ الْوَصْفِ مَعْلُومَ الْقِيمَةِ فَإِنْ قَالَ: مَعْلُومَ الْوَصْفِ فَلَا يُوجَدُ فِي الْأَصْلِ فَإِنَّ الْحَيَوَانَ لَا يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ مَعْلُومَ الْوَصْفِ وَإِنْ قَالَ: مَعْلُومَ الْقِيمَةِ فَلَا يُوجَدُ فِي الْفَرْعِ فَإِنَّ إعْلَامَ الْقِيمَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ عَقْدِ السَّلَمِ وَإِنْ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي إلَى هَذَا أَيْ إلَى تَعْيِينِ أَنَّهُ يَصِيرُ دَيْنًا بِالْوَصْفِ أَوْ بِالْقِيمَةِ قُلْنَا: بَلْ إلَيْهِ أَيْ إلَى التَّعْيِينِ حَاجَةٌ لِأَجْلِ بَيَانِ اسْتِوَاءِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي طَرِيقِ الثُّبُوتِ يَعْنِي لَا بُدَّ مِنْ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ فِي طَرِيقِ الثُّبُوتِ لِيَصِحَّ الْقِيَاسُ وَقَدْ اعْتَبَرْت أَحَدَ الدَّيْنَيْنِ بِالْآخَرِ وَلَا يَصِحُّ مَا لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُمَا يَظْهَرَانِ وَلَا طَرِيقَ لِثُبُوتِ ذَلِكَ إلَّا الِاتِّحَادُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الدَّيْنَيْنِ فِي الذِّمَّةِ وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ أَيْ لَمْ يُوجَدْ الِاتِّحَادُ هَاهُنَا بَلْ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ مُخْتَلِفَانِ فِي الثُّبُوتِ. أَحَدُهُمَا وَهُوَ الْمَهْرُ

стр. 1235

وَالثَّانِي لَا يَحْتَمِلُهُ عِنْدَنَا وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ لِمَا قُلْنَا كَالْأَثْمَانِ؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا الشَّرْطَ فِي الْأَثْمَانِ التَّعْيِينُ لَا الْقَبْضُ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ فِيمَنْ اشْتَرَى أَبَاهُ يَنْوِي عَنْ الْكَفَّارَةِ إنَّ الْعَتِيقَ أَبٌ فَصَارَ كَالْمِيرَاثِ ــ [كشف الأسرار] يَحْتَمِلُ جَهَالَةَ الْوَصْفِ فِي الثُّبُوتِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ بِمُجَرَّدِ ذِكْرِ اسْمِ الْجِنْسِ كَالْعَبْدِ وَالشَّاةِ وَالْفَرَسِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ وَصْفٍ وَالثَّانِي وَهُوَ السَّلَمُ لَا يَحْتَمِلُهُ أَيْ لَا يَحْتَمِلُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ جَهَالَةُ الْوَصْفِ فَإِنَّ إعْلَامَ الْمُسَلَّمِ فِيهِ عِنْدَ الْعَقْدِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْقَى فِيهِ تَفَاوُتٌ فَاحِشٌ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَهُوَ الْمَالِيَّةُ عَلَى وَجْهٍ يَلْتَحِقُ بِذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فِي صِفَةِ الْمَالِيَّةِ شَرْطٌ لِجَوَازِ عَقْدِ السَّلَمِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ وَقَوْلُهُ عِنْدَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْمَجْمُوعِ أَيْ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ الْمَهْرِ وَالسَّلَمِ فِي أَنَّ الْمَهْرَ يَحْتَمِلُ جَهَالَةَ الْوَصْفِ وَالسَّلَمُ لَا يَحْتَمِلُهَا مَذْهَبُنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ هُمَا مُتَمَاثِلَانِ إذْ الْمَهْرُ لَا يَحْتَمِلُ جَهَالَةَ الْوَصْفِ أَيْضًا كَالسَّلَمِ حَتَّى لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ أَوْ فَرَسٍ غَيْرِ مَوْصُوفٍ يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ عِنْدَهُ دُونَ الْمُسَمَّى كَمَا لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى دَابَّةٍ فَيَصِحُّ اعْتِبَارُ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ عَلَى أَصْلِهِ لِتَمَاثُلِهِمَا إلَّا أَنَّ هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِفَضْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَلَا يَصْلُحُ مُلْزَمًا عَلَى الْخَصْمِ وَبَعْدَ هَذِهِ الْمُمَانَعَةِ لَا يَجِدُ الْمُعَلِّلُ بُدًّا مِنْ الرُّجُوعِ إلَى فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ إثْبَاتُ أَنَّ الْحَيَوَانَ يَصِيرُ مَعْلُومًا بَيَانُ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ فَإِنَّهُ مَتَى ذُكِرَ التَّعَيُّنُ امْتَازَ عَنْ سَائِرِ أَجْنَاسِ الْحَيَوَانَاتِ وَمَتَى ذُكِرَ أَنَّهُ بُخْتِيٌّ امْتَازَ عَنْ سَائِرِ أَنْوَاعِهِ وَإِذَا قَالَ حِقَّةٌ وَسَمِينٌ مِنْ نَسْلِ إبِلٍ فَلَأَنْ امْتَازَ عَنْ سَائِرِ أَسْنَانِهِ وَأَوْصَافِهِ فَلَا يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا جَهَالَةٌ لَا يُمْكِنُ الْعِبَارَةُ عَنْهَا فَسَقَطَ اعْتِبَارُهَا كَمَا فِي الثِّيَابِ فَإِنَّ الثَّوْبَ وَإِنْ اسْتَقْصَى فِي وَصْفِهِ يَبْقَى بَيْنَ الْأَمْثَالِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ الْوَصْفِ ضَرْبُ جَهَالَةٍ حَتَّى لَوْ اسْتَهْلَكَ أَحَدٌ تِلْكَ الْأَمْثَالَ عَلَى آخَرَ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ لَا الْمِثْلَ لِلْآخَرِ ثَوْبًا مِثْلَهُ فِي السَّلَمِ فَكَذَا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْحَيَوَانِ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّمَا يَثْبُتُ جَوَازُ السَّلَمِ عِنْدَ ذِكْرِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالصِّفَةِ إذَا ارْتَفَعَتْ الْجَهَالَةُ عَنْ الْمُسَلَّمِ فِيهِ وَالْتَحَقَ بِبَيَانِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِمَا لَيْسَ فِيهِ تَفَاوُتٌ فَمَتَى بَقِيَ بَعْد ذِكْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَفَاوُتٌ فَاحِشٌ لَمْ يَكُنْ ذِكْرُهَا مُغْنِيًا لِبَقَاءِ الْجَهَالَةِ الْمُفْضِيَةِ إلَى الْمُنَازَعَةِ وَالْحَيَوَانُ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَإِنَّا نَرَى بَعِيرَيْنِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الْهَيْئَةِ وَالسِّنِّ وَالسِّمَنِ وَاللَّوْنِ وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ عَظِيمٌ فِي الْمَالِيَّةِ وَكَذَا الْعَبِيدُ وَالْأَفْرَاسُ فَتَبْقَى الْجَهَالَةُ فِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَتَمْنَعُ جَوَازَ السَّلَمِ كَمَا فِي اللَّآلِي وَالْخَلِفَاتِ بِخِلَافِ الثِّيَابِ إذَا وُصِفَتْ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهَا لَيْسَ بِفَاحِشٍ؛ لِأَنَّهَا مَصْنُوعَةُ الْعَبْدِ وَهُوَ يَصْنَعُ بِآلَةٍ وَمَتَى اتَّحَدَتْ الْآلَةُ وَالصَّانِعُ يَتَّحِدُ الْمَصْنُوعُ فِي الْوَصْفِ فَأَمَّا مَا يَحْدُثُ بِإِحْدَاثِ اللَّهِ تَعَالَى فَبِقُدْرَتِهِ مِنْ غَيْرِ آلَةٍ وَمِثَالٍ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْأَسْرَارِ وَمِثْلٌ قَوْلِهِمْ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي الْمَجْلِسِ لِمَا قُلْنَا فِي بَابِ التَّرْجِيحِ إنَّهُمَا مَالَانِ لَوْ قُوبِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ يُحَرِّمُ رِبَا الْفَضْلِ فَكَانَ الْقَبْضُ شَرْطًا فِيهِ كَمَا لَوْ بَاعَ ثَمَنًا بِثَمَنٍ؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا اللَّامَ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ أَيْ هَذَا الْحُكْمُ وَهُوَ اشْتِرَاطُ الْقَبْضِ مَمْنُوعٌ فِي بَيْعِ الثَّمَنِ بِالثَّمَنِ؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا الشَّرْطَ فِي الْأَثْمَانِ التَّعْيِينُ لِإِزَالَةِ صِفَةِ الدِّينِيَّةِ لَا الْقَبْضِ إلَّا أَنَّ التَّعْيِينَ لَا يَحْصُلُ فِي الْأَثْمَانِ مَا لَمْ تُقْبَضْ فَشُرِطَ الْقَبْضُ فِيهَا لِحُصُولِ التَّعْيِينِ لَا لِذَاتِهِ وَهَاهُنَا التَّعْيِينُ حَصَلَ بِالْإِشَارَةِ مِنْ غَيْرِ قَبْضٍ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ. فَيَرْجِعُ الْمُعَلِّلُ إذًا بِالضَّرُورَةِ إلَى مَعْنَى الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ بَيَانُ أَنَّ اشْتِرَاطَ الْقَبْضِ فِي الصَّرْفِ لَيْسَ لِإِزَالَةِ صِفَةِ الدِّينِيَّةِ بَلْ لِلصِّيَانَةِ عَنْ مَعْنَى الرِّبَا بِمَنْزِلَةِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْقَدْرِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ فِيمَنْ اشْتَرَى أَبَاهُ إذَا اشْتَرَى أَبَاهُ نَاوِيًا عَنْ كَفَّارَةٍ يَجِبُ فِيهَا الْإِعْتَاقُ يَجُوزُ وَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ زُفَرَ

стр. 1236

فَيُقَالُ لَهُمْ مَا حُكْمُ الْعِلَّةِ فَإِنْ قَالَ: وَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ عَنْ الْكَفَّارَةِ قِيلَ لَهُ: مَاذَا لَا يُجْزِئُ وَإِنَّمَا سَبَقَ ذِكْرُ الْعَتِيقِ وَالْأَبِ وَذَلِكَ لَا يُجْزِئُ عِنْدَنَا فَإِنْ قَالَ: وَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ عِتْقُهُ قُلْنَا بِهِ وَإِنْ قَالَ: إعْتَاقُهُ لَمْ نَجِدْهُ فِي الْأَصْلِ وَلَمْ يَقُلْ بِهِ فِي الْفَرْعِ وَيَظْهَرُ بِهِ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ. وَأَمَّا صَلَاحُ الْوَصْفِ فَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ فِي أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِمَعْنَاهُ وَهُوَ الْأَثَرُ فَكُلُّ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ مَنَعْنَاهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا ــ [كشف الأسرار] وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ عَتَقَ الْأَبُ وَلَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ عُهْدَةِ التَّكْفِيرِ وَكَذَا حُكْمُ سَائِرِ الْمَحَارِمِ عِنْدَنَا إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ ﵀ وَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْأَبِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ قَالُوا: الْعَتِيقُ أَبٌ فَصَارَ كَالْمِيرَاثِ أَيْ الْعَتِيقُ مَوْصُوفٌ بِصِفَةِ الْأُبُوَّةِ فَكَانَ شِرَاؤُهُ كَمِيرَاثِهِ فِي أَنَّهُ لَا يَنُوبُ عَنْ الْكَفَّارَةِ إذَا نَوَى فَيُقَال لَهُمْ: مَا حُكْمُ الْعِلَّةِ وَهِيَ قَوْلُهُمْ الْعَتِيقُ أَبٌ فَإِنْ قَالَ أَيْ الْمُعَلِّلُ وَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ شِرَاؤُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ وَقَعَ بِالْأُبُوَّةِ لَا لِأَجْلِ الْكَفَّارَةِ كَالْمَحْلُوفِ بِعِتْقِهِ قِيلَ لَهُ: مَاذَا لَا يُجْزِئُ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ لَا يُجْزِئُ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَلَمْ يَسْبِقْ إلَّا ذِكْرُ الْعَتِيقِ وَالْأَبِ فَإِنْ عَنَيْت أَنَّ الْعَتِيقَ لَا يُجْزِئُ أَوْ الْأَبَ لَا يُجْزِئُ أَوْ كِلَيْهِمَا لَا يُجْزِئُ فَنَحْنُ نَقُولُ بِذَلِكَ أَيْضًا فَإِنْ قَالَ: وَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ عِتْقُهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ قُلْنَا بِهِ أَيْ بِأَنَّ عِتْقَهُ لَا يُجْزِئُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ عِنْدَنَا لَا يَتَأَدَّى الْكَفَّارَةُ بِالْعِتْقِ إذْ هِيَ إنَّمَا تَتَأَدَّى بِفِعْلٍ مَنْسُوبٍ إلَى الْمُكَفِّرِ وَالْعِتْقُ وَصْفٌ ثَابِتُ الْمَحَلِّ شَرْعًا بَلْ تَتَأَدَّى بِالْإِعْتَاقِ وَإِنْ قَالَ وَجَبَ أَنْ لَا يُجْزِئَ إعْتَاقُهُ لَهُ أَيْ إعْتَاقُ الْمُكَفِّرِ لِلْأَبِ عَنْ الْكَفَّارَةِ لَمْ نَجِدْهُ أَيْ الْإِعْتَاقَ فِي الْأَصْلِ وَهُوَ الْمِيرَاثُ؛ لِأَنَّهُ لَا صُنْعَ لِلْوَارِثِ فِي الْإِرْثِ حَتَّى يَصِيرَ بِهِ مُعْتَقًا فَكَانَ هَذَا مُمَانَعَةَ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِيِّ. وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَيْ لَمْ يَقُلْ الْمُعَلِّلُ بِالْإِعْتَاقِ فِي الْفَرْعِ فَكَانَ هَذَا مُمَانَعَةَ الْحُكْمِ فِي الْفَرْعِ أَيْضًا فَيَظْهَرُ بِهِ أَيْ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ السُّؤَالِ وَالْمُمَانَعَةِ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الشِّرَاءَ عِنْدَ الْخَصْمِ لَيْسَ بِإِعْتَاقٍ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ وَالْإِعْتَاقُ لِإِزَالَتِهِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ مَا هُوَ مُثْبِتٌ لِلْحُكْمِ مُزِيلًا لَهُ وَإِنَّمَا الْمُؤَثِّرُ فِي الْعِتْقِ هُوَ الْقَرَابَةُ الْمُوجِبَةُ لِلصِّلَةِ وَالْمِلْكُ شَرْطٌ إذْ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي إيجَابِ الْعِتْقِ بِحَالٍ، ثُمَّ الْعِتْقُ لَمَّا لَمْ يَحْصُلْ إلَّا عِنْدَ الْمِلْكِ سُمِّيَ الْمُشْتَرِي مُعْتِقًا مَجَازًا؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ شَرْطٍ كَحَافِرِ الْبِئْرِ يُسَمَّى قَاتِلًا؛ لِأَنَّهُ بَاشَرَ الشَّرْطَ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ الشِّرَاءُ إعْتَاقًا وَكَانَ الْعِتْقُ مُسْتَحَقَّ الثُّبُوتِ بِالْقَرَابَةِ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي الْمِلْكِ لَا يَتَأَدَّى بِهِ الْكَفَّارَةُ إذْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ الْإِعْتَاقِ. كَمَا لَوْ قَالَ الْغَيْرُ: إنْ اشْتَرَيْتُك فَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ يَنْوِي بِهِ الْكَفَّارَةَ وَعِنْدَنَا شِرَاءُ الْقَرِيبِ إعْتَاقٌ بِطَرِيقِ أَنَّهُ مُتَمِّمٌ عِلَّةَ الْعِتْقِ إذْ الْعِتْقُ عِنْدَنَا مُضَافٌ إلَى الْقَرَابَةِ وَالْمِلْكِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ صِلَةٌ وَلِلْقَرَابَةِ تَأْثِيرٌ فِي إيجَابِ الصِّلَاتِ بِلَا خِلَافٍ وَكَذَا لِمِلْكٍ مُؤَثَّرٍ فِي إيجَابِ الصِّلَةِ حَتَّى وَجَبَ الزَّكَاةُ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ صِلَةً لِلْفُقَرَاءِ وَاسْتِحْقَاقُ الْعَبْدِ عَلَى مَالِكِهِ النَّفَقَةَ صِلَةٌ لِلْمِلْكِ وَمَتَى تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِعِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ يُضَافُ إلَى أَحَدِهِمَا وُجُودًا لِمَا عُرِفَ وَهُوَ الْمِلْكُ هَاهُنَا وَالشِّرَاءُ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْمِلْكِ فَكَانَ الْعِتْقُ الْمُضَافُ إلَيْهِ مُضَافًا إلَى الشِّرَاءِ بِوَاسِطَتِهِ فَيَنْقَلِبُ الشِّرَاءُ إعْتَاقًا بِوَاسِطَةِ الْمِلْكِ وَقَدْ اقْتَرَنَتْ نِيَّةُ التَّكْفِيرِ بِالْإِعْتَاقِ فَيَصِحُّ بِخِلَافِ الْمَحْلُوفِ بِعِتْقِهِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ هُنَاكَ شَرْطٌ لَا أَثَرَ لَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ ذَلِكَ الْعِتْقِ فَيَكُونُ مُعْتَقًا بِيَمِينِهِ وَلَمْ تَقْتَرِنْ نِيَّةُ الْكَفَّارَةِ بِهَا حَتَّى لَوْ اقْتَرَنَتْ جَازَ أَيْضًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. قَوْلُهُ (أَمَّا صَلَاحُ الْوَصْفِ فَمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ) يَعْنِي فِي بَابِ الْقِيَاسِ أَنَّ الْوَصْفَ بِمُجَرَّدِهِ غَيْرُ صَالِحٍ لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَصِيرُ حُجَّةً بِوَاسِطَةِ التَّأْثِيرِ فَكُلُّ وَصْفٍ لَمْ يَظْهَرْ تَأْثِيرُهُ مَنَعْنَاهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا وَحُجَّةً وَهَذَا كَالْجُرْحِ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ بِوَصْفِ السِّرَايَةِ فَقَبْلَ ثُبُوتِ هَذَا الْوَصْفِ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ حَتَّى لَوْ أُقِيمَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالْجُرْحِ دُونَ السِّرَايَةِ لَمْ يَقْضِ الْقَاضِي بِالْقِصَاصِ مَا لَمْ يَشْهَدُوا أَنَّ الْجِرَاحَةَ سَرَتْ - كَذَا هُنَا وَهَذَا هُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي.

стр. 1237

فَإِنْ قَالَ عِنْدِي الْأَثَرُ لَيْسَ بِشَرْطٍ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ الِاحْتِجَاجُ بِمَا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً عَلَى الْخَصْمِ كَمِثْلِ كَافِرٍ أَقَامَ بَيِّنَةَ كُفَّارٍ عَلَى مُسْلِمٍ لَمْ تُقْبَلْ لِمَا قُلْنَا. وَأَمَّا نِسْبَةُ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ فَلِأَنَّ نَفْسَ الْوُجُودِ لَا يَكْفِي بِالْإِجْمَاعِ. ــ [كشف الأسرار] مِنْ أَقْسَامِ الْمُمَانَعَةِ فَإِنْ قَالَ عِنْدِي الْأَثَرُ لَيْسَ بِشَرْطٍ بَلْ الطَّرْدُ عِنْدِي حُجَّةٌ بِدُونِ التَّأْثِيرِ فَلَا حَاجَةَ لِي إلَى بَيَانِ التَّأْثِيرِ نَقُولُ إنَّكَ تَحْتَاجُ إلَى إثْبَاتِ الْحُكْمِ عَلَى الْخَصْمِ وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الْوَصْفُ بِدُونِ التَّأْثِيرِ حُجَّةً عِنْدَ الْخَصْمِ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ عَلَيْهِ كَمِثْلِ كَافِرٍ الْكَافُ زَائِدَةٌ مِثْلُهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] أَيْ عَلَى مِثَالِ كَافِرٍ أَقَامَ بَيِّنَةَ كُفَّارٍ عَلَى مُسْلِمٍ أَنَّ عَلَيْهِ كَذَا لَمْ تُقْبَلْ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي أَنْ يَقُولَ إنَّهُ أَثْبَتَ حَقِّي بِمَا هُوَ حُجَّةٌ عِنْدِي لِمَا قُلْنَا إنَّ الِاحْتِجَاجَ عَلَى الْخَصْمِ بِمَا لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ. قَالَ الشَّيْخُ ﵀ فِي شَرْحِ تَقْوِيمِ: وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ كَلَامُ الْمُتَكَلِّمِ وَكَلَامُهُ لَا يَصْلُحُ لِإِثْبَاتِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ إلَّا إذَا كَانَ لَهُ أَثَرٌ فِي إيجَابِ الْحُكْمِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ كَلَامَهُ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ عَلَى الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ مَعْنًى يُعْقَلُ فَإِنَّهُ دَرَجَةُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ فَتَبَيَّنَ بِمَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّيْخُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ صَلَاحِ الْوَصْفِ هَاهُنَا صَلَاحُهُ لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْخَصْمِ وَذَلِكَ بِالتَّأْثِيرِ وَالْمُرَادُ مِنْ صَلَاحِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ صَلَاحُهُ لِلْعَمَلِ بِهِ وَذَلِكَ بِمُوَافَقَتِهِ الْعِلَلَ الْمَنْقُولَةَ عَنْ السَّلَفِ وَمُنَاسَبَتُهُ لِلْحُكْمِ وَأَهْلُ الطَّرْدِ يُوَافِقُونَنَا فِي اشْتِرَاطِ الصَّلَاحِ بِهَذَا الْمَعْنَى دُونَ الْأَوَّلِ فَكَانَتْ هَذِهِ الْمُمَانَعَةُ مُمَانَعَةً فِي التَّأْثِيرِ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ. وَقِيلَ: مِثَالُ هَذِهِ الْمُمَانَعَةِ قَوْلُنَا فِي تَعْلِيلِهِمْ إثْبَاتُ وِلَايَةِ الْأَبِ بِوَصْفِ الْبَكَارَةِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا جَاهِلَةٌ بِأَمْرِ النِّكَاحِ لِعَدَمِ الْمُمَارَسَةِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ وَصْفَ الْبَكَارَةِ صَالِحٌ لِهَذَا الْحُكْمِ وَهُوَ إثْبَاتُ وِلَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ سِوَى مَحَلِّ النِّزَاعِ وَإِنْ فَسَّرَ الصَّلَاحَ بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَمِثَالُ الْمُمَانَعَةِ فِيهِ قَوْلُنَا فِي تَعْلِيلِهِمْ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ بِالطُّعْمِ وَالثَّمَنِيَّةِ لِإِثْبَاتِ شَرْطِ الْمُمَاثَلَةِ وَالتَّقَابُضِ فِيهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْوَصْفَيْنِ لِشِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ يُنْبِئُ عَنْ الْخَطَرِ وَالْعِزَّةِ فَيَخْتَصُّ جَوَازُ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِزِيَادَةِ شَرْطٍ إظْهَارًا لِلْخَطَرِ كَالنِّكَاحِ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ صَالِحٌ لِمَا رُتِّبَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُكْمِ؛ لِأَنَّ السَّبِيلَ فِيمَا تَشُدُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ الْإِطْلَاقُ بِأَبْلَغِ الْوُجُوهِ دُونَ التَّضْيِيقِ بِزِيَادَةِ الشَّرْطِ. وَمِثَالٌ آخَرُ قَوْلُنَا فِي تَعْلِيلِهِمْ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بِأَنَّ هَذِهِ طَهَارَةُ مَسْحٍ فَيُسَنُّ فِيهَا التَّثْلِيثُ كَالِاسْتِنْجَاءِ بِالْأَحْجَارِ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ وَصْفَ الْمَسْحِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى التَّخْفِيفِ صَالِحٌ لِتَعْلِيقِ حُكْمِ التَّثْلِيثِ الَّذِي يُنْبِئُ عَنْ التَّغْلِيظِ بِهِ إلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ رَدًّا لِلْمُخْتَلِفِ إلَى الْمُخْتَلِفِ، لَكِنَّ الْمَقْصُودَ إيرَادُ الْمِثَالِ وَبَيَانُهُ لَا تَصْحِيحُ الْقِيَاسِ وَلَوْ قِيلَ طَهَارَةُ مَسْحٍ فَيُشْرَعُ فِيهِ التَّكْرَارُ كَالِاسْتِنْجَاءِ يَكُونُ رَدًّا لِلْمُخْتَلِفِ إلَى الْمُتَّفِقِ فَيَصِحُّ، ثُمَّ مُمَانَعَةُ صَلَاحِ الْوَصْفِ بِهَذَا الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ يَئُولُ إلَى فَسَادِ الْوَضْعِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ وَلِهَذَا أَشَارَ الشَّيْخُ إلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي إلَّا أَنَّهَا غَيْرُ فَسَادِ الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الْوَصْفَ رُبَّمَا يَكُونُ صَالِحًا فِي نَفْسِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لِلسَّائِلِ صَلَاحُهُ فَكَانَ لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْمُعَلِّلَ بِبَيَانِ الصَّلَاحِ كَمَا فِي الْعِلَلِ الْمُؤَثِّرَةِ كَانَ لِلسَّائِلِ مُطَالَبَةُ بَيَانِ التَّأْثِيرِ فَإِذَا بَيَّنَ صَلَاحَهُ قَبِلَهُ السَّائِلُ وَيُجَاوِزُ إلَى سُؤَالٍ آخَرَ وَلَمَّا صَحَّتْ هَذِهِ الْمُمَانَعَةُ بِدُونِ فَسَادِ الْوَضْعِ كَانَتْ قِسْمًا آخَرَ غَيْرَ فَسَادِ الْوَضْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْلُهُ (وَأَمَّا نِسْبَةُ الْحُكْمِ) أَيْ صِحَّةُ مُمَانَعَةِ نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُعَلِّلُ فَلِأَنَّ نَفْسَ الْوُجُودِ لَا يَكْفِي بِالْإِجْمَاعِ يَعْنِي أَنَّ أَصْحَابَ الطَّرْدِ يُضِيفُونَ الْحُكْمَ إلَى الْوَصْفِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ يُوجِبُ إضَافَتَهُ إلَيْهِ سِوَى أَنَّهُ يُوجَدُ عِنْدَ وُجُودِهِ وَيَنْعَدِمُ عِنْدَ عَدَمِهِ وَنَفْسُ الْوُجُودِ عِنْدَ الْوُجُودِ غَيْرُ كَافٍ

стр. 1238

وَذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي الْأَخِ إنَّهُ لَا يُعْتَقُ عَلَى أَخِيهِ لِعَدَمِ الْبَعْضِيَّةِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ لَمْ يَثْبُتْ لِعَدَمِ الْبَعْضِيَّةِ وَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ كَالْحَدِّ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ عِنْدَنَا لَا يَثْبُتُ بِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِمَالٍ وَكَذَلِكَ كُلُّ نَفْيٍ وَعَدَمٍ جُعِلَ وَصْفًا لَزِمَهُ هَذَا الِاعْتِرَاضُ؛ لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَصْلُحُ وَصْفًا مُوجَبًا وَنَفْسُ الْوُجُودِ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً؛ لِأَنَّهُمْ يُسَلِّمُونَ شَرْطَ الصَّلَاحِ فَلَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ. النَّوْعُ الثَّالِثُ وَهُوَ فَسَادُ الْوَضْعِ وَهَذَا يَنْقُضُ الْقَاعِدَةَ أَصْلًا وَهُوَ فَوْقَ الْمُنَاقَضَةِ؛ لِأَنَّهَا خَجْلَةُ مَجْلِسٍ يَحْتَمِلُ الِاحْتِرَازَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ. ــ [كشف الأسرار] فِي صِحَّةِ إضَافَةِ الْحُكْمِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاتِّفَاقِ فَإِنَّ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ قَدْ يَكُونُ أَوْصَافٌ يُوجَدُ الْحُكْمُ بِوُجُودِهَا وَلَا تَكُونُ مَنَاطَ الْحُكْمِ بِالْإِجْمَاعِ وَكَذَا الْعَدَمُ لَا يَصْلُحُ لِإِضَافَةِ الْحُكْمِ إلَيْهِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ يُوجِبُ نِسْبَةَ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ فَمَتَى أَضَافَهُ الْمُعَلِّلُ إلَى وَصْفٍ مِنْ غَيْرِ دَلِيلِ صِحَّةِ مُمَانَعَةِ السَّائِلِ نِسْبَةَ الْحُكْمِ إلَيْهِ كَمَا صَحَّ الْقَوْلُ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ فَإِنَّهُ فِي التَّحْقِيقِ مَنَعَ إضَافَةَ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ وَهَذِهِ الْمُمَانَعَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْأَصْلِ فَإِنْ قَالَ: لَا أَعْرِفُ فِي الْأَصْلِ مَعْنَى آخَرَ سِوَى مَا ذَكَرْتُهُ قُلْنَا لَهُ: هَذَا جَهْلٌ مِنْك فَلَا يَصْلُحُ حُجَّةً عَلَى غَيْرِك. عَلَى أَنَّا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَصْلِ مَعْنًى آخَرُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ بِهِ لِجَوَازِ ثُبُوتِهِ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ بِالنَّصِّ وَذَكَر الْغَزَالِيُّ ﵀ فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنَّ الْمُسْتَدِلَّ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا ظَهَرَ عِنْدَهُ مَتَى عَجَزَ عَنْ إبْرَازِ غَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ مُنَاظِرًا يَكْفِيه أَنْ يَقُولَ هَذَا مُنْتَهَى قُدْرَتِي فِي اسْتِخْرَاجِ الْوَصْفِ فَإِنْ شَارَكَتْنِي فِي الْجَهْلِ بِغَيْرِ مُلْزَمِك مَا لَزِمَنِي وَإِنْ طَلَعْت عَلَى غَيْرِهِ لَزِمَك التَّنْبِيهُ حَتَّى أَنْظُرَ فِيهِ فَإِنْ قَالَ: لَا يَلْزَمُنِي ذَلِكَ وَلَا أُظْهِرُهُ وَإِنْ كُنْت أَعْرِفُهُ فَهَذَا عِنَادٌ مُحَرَّمٌ وَصَاحِبُهُ إمَّا كَاذِبٌ أَوْ فَاسِقٌ بِكِتْمَانِ حُكْمٍ مَسَّتْ الْحَاجَةُ إلَى إظْهَارِهِ وَمِثْلُ هَذَا الْجَدَلِ حَرَامٌ وَلَيْسَ مِنْ الدِّينِ. قَوْلُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ مَنْعٌ مَعَ نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ يَتَحَقَّقُ فِي قَوْلِهِمْ فِي الْأَخِ أَنَّهُ يُعْتَقُ عَلَى أَخِيهِ عِنْدَ الدُّخُولِ فِي مِلْكِهِ لِعَدَمِ الْبَعْضِيَّةِ كَابْنِ الْعَمّ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ وَهُوَ عَدَمُ الْعِتْقِ فِي ابْنِ الْعَمِّ لَمْ يَثْبُتْ لِعَدَمِ الْبَعْضِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُوجِبًا حُكْمًا بَلْ لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ بَعْدَ الْقَرَابَةِ وَكَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ أَيْ وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ فِي الْأَخِ كَذَا قَوْلُهُمْ لَا يَثْبُتُ النِّكَاحُ لَمْ يَثْبُتْ بِهَا أَيْ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ لَا لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ لَيْسَ بِمَالٍ لَا يَصْلُحُ عِلَّةً لِامْتِنَاعِ ثُبُوتِهِ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ بَلْ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ شُبْهَةٌ زَائِدَةٌ وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ فَكَيْفَ يَثْبُتُ بِمَا فِيهِ شُبْهَةٌ وَكَذَلِكَ أَيْ وَمِثْلُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمِثَالَيْنِ كُلُّ نَفْيٍ وَعَدَمِ تَرَادُفٍ أَوْ النَّفْيُ تَعَرُّضٌ لِجَانِبِ الْمُعَلِّلِ وَالْعَدَمُ تَعَرُّضٌ لِجَانِبِ الْوَصْفِ مِثْلُ قَوْلِهِمْ الْمَبْتُوتَةُ لَا يَلْحَقُهَا الطَّلَاقُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَنْكُوحَةٍ؛ لِأَنَّ الْعَدَمَ لَا يَصْلُحُ وَصْفًا مُوجِبًا لِلْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَنَفْسُ الْوُجُودِ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً مُتَعَلِّقٌ بِأَوَّلِ الْكَلَامِ أَيْ نَفْسُ وُجُودِ الْحُكْمِ عِنْدَ وُجُودِ الْوَصْفِ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى كَوْنِ الْوَصْفِ حُجَّةً بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْنِي أَصْحَابَ الطَّرْدِ يُسَلِّمُونَ أَنَّ صَلَاحَ الْوَصْفِ شَرْطٌ لِيَكُونَ حُجَّةً مَعَ أَنَّ الْوُجُودَ يَتَحَقَّقُ بِدُونِهِ فَثَبَتَ أَنَّ نَفْسَ الْوُجُودِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ بِالْإِجْمَاعِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَى نِسْبَةِ الْحُكْمِ إلَى الْوَصْفِ وَمِثَالُهُ تَعْلِيقُ كَفَّارَةِ الصَّوْمِ بِوَصْفِ الْجِمَاعِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا تُوجَدُ عِنْدَ وُجُودِهِ لِتَعَدِّي الْحُكْمِ بِهِ إلَى جِمَاعِ الْمَيْتَةِ وَالْبَهِيمَةِ أَوْ لَتَمَنَّعَ عَنْ تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ إلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَا يَكُونُ حُجَّةً؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْحُكْمَ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ بَلْ إلَى الْفِطْرِ الْكَامِلِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ. [فَسَادُ الْوَضْعِ] قَوْلُهُ (وَالنَّوْعُ الثَّالِثُ) يَعْنِي مِنْ أَقْسَامِ أَوَّلِ الْبَابِ هُوَ فَسَادُ الْوَضْعِ وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهُ فِي بَابِ بَيَانِ دَفْعِ الْعِلَلِ وَهَذَا يَنْقُضُ الْقَاعِدَةَ أَصْلًا أَيْ الْقَاعِدَةَ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا الْمُجِيبُ كَلَامَهُ وَهُوَ فَوْقَ الْمُنَاقَضَةِ فِي الدَّفْعِ؛ لِأَنَّ الْمُنَاقَضَةَ خَجَلُ مَجْلِسٍ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ بِالتَّقَصِّي عَنْ عُهْدَةِ النَّقْضِ بِالْجَوَابِ أَوْ بِزِيَادَةِ قَيْدٍ يَنْدَفِعُ بِهِ النَّقْضُ فَأَمَّا فَسَادُ الْوَضْعِ فَيُفْسِدُ الْقَاعِدَةَ أَصْلًا.

стр. 1239

وَأَمَّا فَسَادُ الْوَضْعِ فَيُفْسِدُ الْقَاعِدَةَ أَصْلًا مِثَالُهُ تَعْلِيلُهُمْ لِإِيجَابِ الْفُرْقَةِ بِإِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَلَا بَقَاءَ النِّكَاحِ مَعَ ارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ فِي الْوَضْعِ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَصْلُحُ قَاطِعًا لِلْحُقُوقِ وَالرِّدَّةُ لَا يَصْلُحُ عَفْوًا. ــ [كشف الأسرار] لِأَنَّ بَعْدَ ظُهُورِهِ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ وَلَا فِي مَجْلِسٍ آخَرَ وَلَا وَجْهَ سِوَى الِانْتِقَالِ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى وَالتَّحْقِيقُ فِيهِ أَنَّ الْمُنَاقَضَةَ بَيَانُ أَنَّ الْمُجِيبَ بَنَى الْكَلَامَ فِي مَحَلِّهِ لَكِنْ غَيْرَ مُحَكَّمٍ حَتَّى قَبْلَ النَّقْضِ وَفَسَادُ الْوَضْعِ بَيَانُ أَنَّهُ وَضَعَ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَكَانَ أَقْوَى فِي الدَّفْعِ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فَسَادُ الْوَضْعِ فِي الْعِلَلِ بِمَنْزِلَةِ فَسَادِ الْأَدَاءِ فِي الشَّهَادَةِ وَأَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّقْضِ؛ لِأَنَّ الِاطِّرَادَ إنَّمَا يُطْلَبُ بَعْدَ صِحَّةِ الْعِلَّةِ كَمَا أَنَّ الشَّاهِدَ إنَّمَا يَسْتَقِلُّ لِتَعْدِيلِهِ بَعْدَ صِحَّةِ أَدَاءِ الشَّهَادَةِ مِنْهُ فَأَمَّا مَعَ فَسَادٍ فِي الْأَدَاءِ فَلَا يُصَارُ إلَى التَّعْدِيلِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُفِيدٍ وَرَأَيْت فِي بَعْضِ نُسَخِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ حَاصِلَ الْقَوْلِ فِي فَسَادِ الْوَضْعِ يَحْصُرُهُ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُبَيِّنَ الْمُعْتَرِضُ أَنَّ الْقِيَاسَ مَوْضُوعٌ عَلَى خِلَافِ مَا يَقْتَضِيهِ تَرْتِيبُ الْأَدِلَّةِ. وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: إنَّ التَّعْلِيلَ عَلَى خِلَافِ الْكِتَابِ أَوْ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ أَوْ يَقُولَ: إنَّهُ بِالْقِيَاسِ حَاوَلَ الْجَمْعَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ فَرَّقَ الشَّرْعُ بَيْنَهُمَا أَوْ حَاوَلَ التَّفْرِيقَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ جَمَعَ الشَّرْعُ بَيْنَهُمَا وَمُلَخَّصُ هَذَا النَّوْعِ أَنْ يَكُونَ الْقِيَاسُ يُخَالِفُ وَضْعَهُ مُوجِبٌ مُتَمَسَّكٌ فِي الشَّرْعِ هُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْقِيَاسِ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْقِيَاسُ فَاسِدَ الْوَضْعِ مَرْدُودًا. وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْوَصْفُ مُشْعِرًا بِخِلَافِ الْحُكْمِ الَّذِي رُبِطَ بِهِ وَهَذَا زَائِدٌ فِي الْفَسَادِ عَلَى فَسَادِ الطَّرْدِ؛ لِأَنَّ الطَّرْدَ مَرْدُودٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يُنَاسِبُ الْحُكْمَ وَلَا يُشْعِرُ بِهِ فَاَلَّذِي لَا يُشْعِرُ بِهِ وَيُخَيَّلُ خِلَافُهُ يَكُونُ أَوْلَى بِالرَّدِّ وَمِثَالُهُ ذِكْرُ وَصْفٍ يُشْعِرُ بِالْغَلِيظِ فِي رُومِ تَخْفِيفٍ أَوْ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا اعْتَبَرَ الْقَايِسُ الْحَدَّ عَلَى الْمَهْرِ فِي طَلَبِ الثَّوْبِ أَوْ الْمَهْرِ عَلَى الْحَدِّ فِي مُحَاوَلَةِ السُّقُوطِ يَكُونُ فَاسِدًا فِي الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الْعُقُوبَاتِ تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ وَالْأَمْوَالُ تَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ فَاعْتِبَارُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ فِي الثُّبُوتِ أَوْ السُّقُوطِ يَكُونُ فَاسِدًا فِي الْوَضْعِ وَدَفْعُ هَذَا السُّؤَالِ بِإِظْهَارِ الْمُلَاءَمَةِ وَالتَّأْثِيرِ فِي الْقِيَاسِ وَبَيَانُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ فَإِنْ تَيَسَّرَ وَإِلَّا صَارَ مُنْقَطِعًا. مِثَالُهُ أَيْ مِثَالُ فَسَادِ الْوَضْعِ تَعْلِيلُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لِإِيجَابِ الْفُرْقَةِ بِإِسْلَامِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ أَيْ بِسَبَبِ إسْلَامِ أَحَدِهِمَا أَوْ الْبَاءُ صِلَةُ التَّعْلِيلِ أَيْ جَعَلُوا نَفْسَ الْإِسْلَامِ عِلَّةً لِإِيجَابِ الْفُرْقَةِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا حَيْثُ قَالُوا: إسْلَامُ أَحَدِهِمَا يُوجِبُ اخْتِلَافَ الدِّينِ فَوَجَبَ الْفُرْقَةُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى قَضَاءِ الْقَاضِي وَعَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا كَرِدَّةِ أَحَدِهِمَا وَلِإِبْقَاءِ النِّكَاحِ أَيْ وَتَعْلِيلُهُمْ لِإِبْقَاءِ النِّكَاحِ مَعَ ارْتِدَادِ أَحَدِهِمَا إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا حَيْثُ قَالُوا: هَذِهِ فُرْقَةٌ وَجَبَتْ بِسَبَبٍ طَارِئٍ عَلَى النِّكَاحِ غَيْرِ مُنَافٍ إيَّاهُ فَوَجَبَ أَنْ يَتَأَجَّلَ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا كَالطَّلَاقِ. فَأَوْجَبُوا الْفُرْقَةَ بِنَفْسِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَحَكَمُوا بِبَقَاءِ النِّكَاحِ مَعَ الرِّدَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ فَاسِدٌ أَيْ تَعْلِيلُهُمْ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَاسِدٌ فِي وَضْعِهِ؛ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ حَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى بِإِسْلَامِ أَحَدِهِمَا وَبَقَاءِ الْآخَرِ عَلَى الْكُفْرِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ حَصَلَ بِرِدَّةِ أَحَدِهِمَا وَبَقَاءِ الْآخَرِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالْحُكْمُ يُضَافُ إلَى الْحَادِثِ أَبَدًا أَوْ إلَى آخِرِ الْأَوْصَافِ وُجُودًا وَالْحَادِثُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى هُوَ الْإِسْلَامُ وَكَذَا آخِرُ الْوَصْفَيْنِ وُجُودًا هُوَ الْإِسْلَامُ لَا غَيْرُ فَلَوْ أَثْبَتْنَا الْفُرْقَةَ لَوَجَبَتْ إضَافَتُهَا إلَى الْإِسْلَامِ الَّذِي حَدَثَ الِاخْتِلَافُ بِهِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ شُرِعَ عَاصِمًا لِلْحُقُوقِ وَالْأَمْلَاكِ لَا قَاطِعًا لَهَا وَفِي الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ الْحَادِثُ هُوَ الِارْتِدَادُ وَهُوَ آخِرُ الْوَصْفَيْنِ وُجُودًا فَوَجَبَ إضَافَةُ الْفُرْقَةِ إلَيْهِ.

стр. 1240

وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ فِي الصَّرُورَةِ إذَا حَجَّ بِنِيَّةِ النَّفْلِ أَنَّهُ جَائِزٌ عَنْ الْفَرْضِ؛ لِأَنَّهُ يَتَأَدَّى بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ فَكَذَلِكَ نِيَّةُ النَّفْلِ وَهَذَا فَاسِدٌ فِي الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ إنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَاعْتِبَارِهِ بِهِ وَهَذَا حَمْلُ الْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ وَاعْتِبَارُهُ بِهِ وَهُوَ فَاسِدٌ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ وَمِثْلُهُ التَّعْلِيلُ بِالطُّعْمِ لِتَحْرِيمِ الرِّبَا اعْتِبَارًا بِالنِّكَاحِ فَاسِدٌ فِي الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ يَقَعُ بِهِ الْقِوَامُ فَلَا يَصْلُحُ لِلتَّحْرِيمِ وَالْحُرِّيَّةُ عِبَارَةٌ عَنْ الْخُلُوصِ فَصَلَحَ لِلتَّحْرِيمِ إلَّا بِعَارِضٍ. ــ [كشف الأسرار] وَهُوَ مُنَافٍ لِلنِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ يُبْطِلُ عِصْمَةَ النَّفْسِ وَالْمَالِ جَمِيعًا وَالنِّكَاحُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْعِصْمَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ التَّعْلِيلُ لِإِبْقَاءِ النِّكَاحِ إلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ بَعْدَ تَحَقُّقِ الِارْتِدَادِ فَاسِدًا فِي وَضْعِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِإِبْقَاءِ الشَّيْءِ مَعَ مَا يُنَافِيهِ وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ وَالرِّدَّةُ لَا يَصْلُحُ عَفْوًا يَعْنِي لَوْ بَقَّيْنَا النِّكَاحَ مَعَ الرِّدَّةِ الَّتِي هِيَ مُنَافِيَةٌ لَهُ لَزِمَ أَنْ يَجْعَلَ الرِّدَّةَ عَفْوًا أَيْ فِي حُكْمِ الْمَعْدُومِ لِيُمْكِنَ الْحُكْمُ بِبَقَاءِ النِّكَاحِ كَمَا جُعِلَ الْأَكْلُ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ النَّاسِي وَهُوَ لَا يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ مَعْفُوَّةً لِكَوْنِهَا فِي نِهَايَةِ الْقُبْحِ. قَوْلُهُ (وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ فِي الضَّرُورَةِ) الضَّرُورَةُ وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ إذَا حَجَّ عَنْ نَفْلٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ عَنْ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ يَقَعُ عَمَّا نَوَى عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يَقَعُ عَنْ الْفَرْضِ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ؛ لِأَنَّ الْحَجَّ يَتَأَدَّى بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ فَكَذَا يَتَأَدَّى بِنِيَّةِ النَّفْلِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ النِّيَّةِ لِلْعِبَادَةِ الَّتِي تَتَنَوَّعُ إلَى نَفْلٍ وَفَرْضٍ يَكُونُ نِيَّةَ النَّقْلِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ فَإِذَا اسْتَحَقَّ الْمُطْلَقُ لِلْفَرْضِ دَلَّ عَلَى اسْتِحْقَاقِ نِيَّةِ النَّفْلِ لِلْفَرْضِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّكَاةَ لَمَّا تَأَدَّتْ بِتَصَدُّقِ النِّصَابِ عَلَى الْفَقِيرِ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ تَأَدَّتْ بِنِيَّةِ النَّفْلِ أَيْضًا وَهَذَا فَاسِدٌ أَيْ اعْتِبَارُهُمْ نِيَّةَ النَّفْلِ بِمُطْلَقِ النِّيَّةِ فَاسِدٌ فِي الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ إنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّد وَاعْتِبَارُ الْمُطْلَقِ بِالْمُقَيَّدِ فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي حَادِثَتَيْنِ أَوْ فِي حُكْمَيْنِ وَعِنْدَنَا فِي حَادِثَةٍ وَاحِدَةٍ فِي حُكْمٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ حَمَلْنَا مُطْلَقَ الْكِتَابِ عَلَى الْمُقَيَّدِ بِالتَّتَابُعِ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَاحِدٌ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّ الْمُقَيَّدَ يُحْمَلُ عَلَى الْمُطْلَقِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إلْغَاءَ صِفَةٍ زَائِدَةٍ مَنْصُوصَةٍ فَكَانَ نَسْخًا وَمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَكَانَ فَاسِدًا فِي وَضْعِهِ لِمُخَالَفَتِهِ وَضْعَ الشَّرْعِ يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْنَا أَنَّ مُطْلَقَ النَّقْدِ يَنْصَرِفُ إلَى نَقْدِ الْبَلَدِ الْمَعْرُوفِ لِدَلَالَةِ الْعُرْفِ فَأَمَّا الْمُقَيَّدُ بِنَقْدٍ آخَرَ فَإِنَّهُ لَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُطْلَقِ لِيَنْصَرِفَ إلَى نَقْدِ الْبَلَدِ. وَمِثْلُهُ أَيْ مِثْلُ التَّعْلِيلِ الْمُتَقَدِّمِ التَّعْلِيلُ بِالطَّعْمِ لِتَحْرِيمِ الرِّبَا فَإِنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ الطَّعْمَ فِي الْمَطْعُومَاتِ بِمَعْنَى لَهُ خَطَرٌ لِتَعَلُّقِ بَقَاءِ النَّفْسِ وَقِوَامِهَا بِهِ فَيُوجِبُ ذَلِكَ حُرْمَةَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَحَلِّ عِنْدَ الْمُقَابَلَةِ بِجِنْسِهِ إلَّا بِشَرْطٍ زَائِدٍ وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْمِعْيَارِ إظْهَارُ الْخَطَرِ كَالنِّكَاحِ لَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ بَقَاءُ الْجِنْسِ شُرِطَ فِيهِ مِنْ الشُّرُوطِ مَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْعُقُودِ مِنْ الشُّهُودِ وَالْوَلِيِّ وَغَيْرِهِمَا إظْهَارُ الْخَطَرِ الْمَحَلِّ وَهَذَا فَاسِدٌ فِي الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الطُّعْمَ لَمَّا تَعَلَّقَ بِهِ قِوَامُ النَّفْسِ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْحَاجَةِ وَلِمَسَاسِ الْحَاجَةِ أَثَرٌ فِي الْإِطْلَاقِ وَالتَّوْسِعَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ وَالتَّضْيِيقِ كَمَا فِي إبَاحَةِ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَاعْتُبِرَ هَذَا بِالْهَوَاءِ وَالْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالدَّوَاءِ فَإِنْ تَيَسَّرَ الْوُصُولُ إلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَلِهَذَا حَلَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْغَانِمِينَ تَنَاوُلُ مِقْدَارِ الْحَاجَةِ مِنْ الطَّعَامِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْغَنِيمَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ فَكَانَتْ الْعِلَّةُ فَاسِدَةً وَضْعًا مَعَ أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لَهَا فِي إثْبَاتِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَ الْعِوَضَيْنِ الَّتِي هِيَ شَرْطُ جَوَازِ الْعَقْدِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَى الْحُرَّةِ وَالْحُرِّيَّةُ تُنْبِئُ عَنْ الْخُلُوصِ يُقَالُ: طِينٌ حُرٌّ أَيْ خَالِصٌ وَفِي التَّنْزِيلِ ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] أَيْ مُخَلَّصًا مِنْ أَعْمَالِ الدُّنْيَا وَالْخُلُوصُ يَمْنَعُ وُرُودَ الْمِلْكِ عَلَيْهَا فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ فِيهِ التَّحْرِيمَ فَيَثْبُتُ الْحِلُّ بِعَارِضِ الْحَاجَةِ إلَى بَقَاءِ الْجِنْسِ وَمَا ثَبَتَ بِالْعَارِضِ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَلَى أَشْيَاءَ لِمَا فِيهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْأَصْلِ وَالطَّعْمُ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ مَصْدَرُ طَعِمَ الشَّيْءَ أَكَلَهُ.

стр. 1241

وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ فِي الْجُنُونِ لَمَّا نَافَى تَكْلِيفَ الْأَدَاءِ نَافَى تَكْلِيفَ الْقَضَاءِ وَهُوَ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ فِي كُلِّ الشَّرَائِعِ بِطَرِيقِ الْجَبْرِ وَالْأَدَاءُ بِطَرِيقِ الِاخْتِيَارِ كَمَا قِيلَ فِي النَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَالْقَضَاءُ الَّذِي هُوَ بَدَلٌ يَعْتَمِدُ انْعِقَادَ السَّبَبِ لِلْأَدَاءِ عَلَى الِاحْتِمَالِ فَصَارَ هَذَا التَّعْلِيلُ مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ مَا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ إذَا اسْتَغْرَقَ شَهْرَ رَمَضَانَ يَمْنَعُ بِقَدْرِ مَا يُوجَدُ هَذَا فَاسِدٌ أَيْضًا فِي الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ الْيُسْرِ وَالْحَرَجِ فِي حُقُوقِ صَاحِبِ الشَّرْعِ مُسْتَمِرٌّ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ كَالْحَيْضِ أَسْقَطَ الصَّلَاةَ دُونَ الصَّوْمِ وَالسَّفَرُ أَثَّرَ فِي الظُّهْرِ دُونَ الْفَجْرِ وَكَالْحَيْضِ إذَا تَخَلَّلَ فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ لَا يُوجِبُ الِاسْتِقْبَالَ بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ عِنْدَنَا وَبِخِلَافِ مَا إذَا نَذَرَتْ أَنْ تَصُومَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةً. ــ [كشف الأسرار] وَذَاتُهُ إلَّا أَنَّ الْجَارِيَ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ فِي عِلَّةِ الرِّبَا الْفَتْحُ وَمُرَادُهُمْ كَوْنُ الشَّيْءِ مَطْعُومًا أَوْ مِمَّا يُطْعَمُ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ. ١ - قَوْلُهُ (وَمِثْلُهُ قَوْلُهُمْ فِي الْجُنُونِ) الْجُنُونُ يُنَافِي وُجُوبَ الْأَدَاءِ بِالِاتِّفَاقِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ حَتَّى لَا يَأْثَمَ بِتَرْكِ الْأَدَاءِ فِي حَالَةِ الْجُنُونِ وَيُنَافِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ أَيْضًا بِالِاتِّفَاقِ إذَا كَثُرَ بِأَنْ زَادَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ أَوْ اسْتَغْرَقَ الشَّهْرَ فِي حَقِّ الصَّوْمِ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الصَّلَاةِ أَوْ مَا دُونَ الشَّهْرِ فِي الصَّوْمِ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ عِنْدَنَا إذَا أَفَاقَ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ يُنَافِي تَكْلِيفَ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ يَثْبُتُ بِالْخِطَابِ سَاقِطٌ عَنْ الْمَجْنُونِ أَصْلًا فَيُنَافِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَبْتَنِي عَلَى وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَهُوَ أَيْ اعْتِبَارُهُمْ انْتِفَاءَ الْقَضَاءِ بِانْتِفَاءِ الْأَدَاءِ فَاسِدٌ فِي الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ أَيْ نَفْسَ الْوُجُوبِ فِي كُلِّ الشَّرَائِعِ أَيْ الْمَشْرُوعَاتِ ثَابِتٌ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى قُدْرَةِ الْعَبْدِ وَاخْتِيَارِهِ وَالْأَدَاءُ بِطَرِيقِ الِاخْتِيَارِ يَعْنِي وُجُوبَ الْأَدَاءِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي حَالٍ يُمْكِنُ لِلْعَبْدِ اخْتِيَارُ الْفِعْلِ وَتَرْكُهُ وَهِيَ حَالَةُ الْقُدْرَةِ فَإِنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ أَيْضًا، لَكِنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الْقُدْرَةِ بِخِلَافِ نَفْسِ الْوُجُوبِ كَمَا قِيلَ فِي النَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ فَإِنَّ أَصْلَ الْوُجُوبِ ثَابِتٌ فِي حَقِّهِمَا وَإِنْ كَانَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ مُتَرَاخِيًا عَنْهُمَا إلَى حَالَتَيْ الِانْتِبَاهِ وَالْإِفَاقَةِ. وَالْقَضَاءُ الَّذِي هُوَ بَدَلُ الْأَدَاءِ يَعْتَمِدُ انْعِقَادَ السَّبَبِ لِلْأَدَاءِ عَلَى الِاحْتِمَالِ أَيْ عَلَى احْتِمَالِ الْأَدَاءِ يَعْنِي لَيْسَ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِ الْقَضَاءِ أَنْ يَثْبُتَ وُجُودُ الْأَدَاءِ حَقِيقَةً، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عِنْدَ فَوَاتِهِ بَلْ الشَّرْطُ فِيهِ أَنْ يَنْعَقِدَ السَّبَبُ مُوجِبًا لِلْأَدَاءِ عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يُفْضِيَ إلَى الْأَدَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَأَمَسَّنَّ السَّمَاءَ تَنْعَقِدُ مُوجِبَةً لِلْبِرِّ بِطَرِيقِ الِاحْتِمَالِ فَيَكْفِي ذَلِكَ وُجُوبُ الْخَلْفِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأَصْلُ ثَابِتًا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَصْلُ الْوُجُوبِ ثَابِتٌ؛ لِأَنَّهُ يَعْتَمِدُ تَحَقُّقَ السَّبَبِ وَقِيَامُ الْأَهْلِيَّةِ وَبِالْجُنُونِ لَا تَزُولُ الْأَهْلِيَّةُ؛ لِأَنَّ أَهْلِيَّةَ الْعِبَادَةِ تَبْتَنِي عَلَى كَوْنِهِ أَهْلًا لِثَوَابِهَا وَأَهْلِيَّةُ الثَّوَابِ بِكَوْنِهِ مُؤْمِنًا وَبِالْجُنُونِ لَا يَبْطُلُ الْإِيمَانُ وَلِهَذَا يَرِثُ قَرِيبُهُ الْمُسْلِمُ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَجْنُونَةِ وَزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ وَلَا يَبْطُلُ صَوْمُهُ بِهِ حَتَّى لَوْ جُنَّ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ بَقِيَ صَائِمًا فَثَبَتَ أَنَّ الْوُجُوبَ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الْمَجْنُونِ وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ بِالْأَدَاءِ سَاقِطًا عَنْهُ لِعَجْزِهِ عَنْ فَهْمِ الْخِطَابِ كَمَا فِي حَقِّ النَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَاحْتِمَالُ الْأَدَاءِ قَائِمٌ فِي حَقِّهِ أَيْضًا بِزَوَالِ الْجُنُونِ سَاعَةً فَسَاعَةً كَمَا فِي النَّوْمِ وَالْإِغْمَاءِ فَيَكْفِي ذَلِكَ وُجُوبُ الْقَضَاءِ فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مُنَافَاةِ الْجُنُونِ وُجُوبَ الْأَدَاءِ مُنَافَاتُهُ وُجُوبَ الْقَضَاءِ عِنْدَ الْإِفَاقَةِ فَصَارَ هَذَا التَّعْلِيلُ مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ وَهِيَ أَنَّ الْوُجُوبَ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ أَصْلٌ وَأَنَّ الْجُنُونَ لَا يُنَافِي أَصْلَ الْوُجُوبِ وَأَنَّ الْقَضَاءَ يَعْتَمِدُ انْعِقَادَ السَّبَبِ لِلْوُجُوبِ عَلَى احْتِمَالِ الْأَدَاءِ لَا حَقِيقَةَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَكَانَ فَاسِدًا فِي الْوَضْعِ. وَأَشَارَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ إلَى أَنَّ أَثَرَ الْجُنُونِ فِي تَأْخِيرِ لُزُومِ الْفِعْلِ حَتَّى لَا يَأْثَمَ دُونَ أَصْلِ الْإِيجَابِ كَالنَّوْمِ فَجُعِلَ مَا يَسْقُطُ الْخِطَابُ بِالْفِعْلِ عِلَّةً لِإِسْقَاطِ أَصْلِ الْإِيجَابِ حُكِمَ بِخِلَافِ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ فَيَكُونُ فَاسِدًا وَأَرَادَ بِالنَّصِّ قَوْلَهُ ﵇ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا» الْحَدِيثُ وَبِالْإِجْمَاعِ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى النَّائِمِ كَمَا هُوَ مُوجِبُ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَمِثْلُ قَوْلِهِمْ الْمَذْكُورِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُمْ فِيهَا أَيْضًا مَا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ إلَى آخِرِهِ يَعْنِي لَوْ عَلَّلُوا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.

стр. 1242

لِمَا ذَكَرْنَا فَكَذَلِكَ هَا هُنَا فِي الِاسْتِغْرَاقِ حَرَجٌ وَلَيْسَ فِي الْقَلِيلِ حَرَجٌ مِثْلُهُ وَلَا كَلَامَ فِي الْحُدُودِ الْفَاصِلَةِ وَلَا حَرَجَ فِي اسْتِغْرَاقِ الْإِغْمَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَمْتَدُّ شَهْرًا وَفِي الصَّلَوَاتِ اسْتَوَى الْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ فِي الْفَتْوَى وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْأَصْلِ فَكَانَ الْقِيَاسُ فِي الْإِغْمَاءِ أَنْ لَا يَسْقُطَ وَاسْتَحْسَنَّا فِي الْكَثِيرِ وَكَانَ الْقِيَاسُ فِي الْجُنُونِ أَنْ يَسْقُطَ وَاسْتَحْسَنَّا فِي الْقَلِيلِ ــ [كشف الأسرار] بِأَنَّ مَا يَمْنَعُ الْقَضَاءَ إذَا اسْتَغْرَقَ شَهْرَ رَمَضَانَ مَنَعَهُ بِقَدْرِ مَا يُوجَدُ كَمَا فِي الصِّبَاءِ وَالْكُفْرِ لِشُمُولِ الْعِلَّةِ وَهِيَ عَدَمُ الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ كَانَ فَاسِدًا فِي الْوَضْعِ أَيْضًا مِثْلُ التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ الْيُسْرِ وَالْحَرَجِ أَيْ بَيْنَ مَا تَيَسَّرَ أَدَاؤُهُ مِنْ حُقُوقِ صَاحِبِ الشَّرْعِ وَبَيْنَ مَا يُؤَدِّي إلَى الْحَرَجِ أَصْلٌ مُسْتَمِرٌّ أَيْ جَارٍ مُطَّرِدٌ فِي قَوَاعِدِ الشَّرْعِ حَتَّى سَقَطَ مَا أَدَّى إلَى الْحَرَجِ وَلَمْ يَسْقُطْ مَا لَمْ يُؤَدِّ إلَيْهِ كَالْحَيْضِ أَسْقَطَ الصَّلَاةَ دُونَ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهَا تُبْتَلَى بِالْحَيْضِ فِي كُلِّ شَهْرٍ فِي الْغَالِبِ وَالصَّلَاةُ تَلْزَمُ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسُ مَرَّاتٍ فَلَوْ أَوْجَبْنَا الْقَضَاءَ لَأَدَّى إلَى الْحَرَجِ بِتَضَاعُفِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا فِي زَمَانِ الطُّهْرِ وَلَمْ يَسْقُطْ بِالْحَيْضِ قَضَاءُ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ فَرْضِيَّةَ الصَّوْمِ فِي السَّنَةِ فِي شَهْرٍ وَاحِدٍ وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ فِي ذَلِكَ الشَّهْرِ عَشْرَةُ أَيَّامٍ فَإِيجَابُ قَضَاءِ عَشْرَةِ أَيَّامٍ أَوْ دُونَهَا فِي أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا لَا يَكُونُ فِيهِ كَثِيرُ حَرَجٍ وَلَا يُؤَدِّي إلَى تَضَاعُفِ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ وَالسَّفَرُ أَثَرٌ فِي الظُّهْرِ دُونَ الْفَجْرِ؛ لِأَنَّ فِي أَدَاءِ الْأَرْبَعِ حَالَةَ السَّيْرِ مِنْ حَرَجِ الِانْقِطَاعِ عَنْ الرُّفْقَةِ مَا لَيْسَ فِي أَدَاءِ الرَّكْعَتَيْنِ. وَكَالْحَيْضِ أَدَاءٌ يَمْلِكُ فِي صَوْمِ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ الْوَاجِبِ بِصِفَةِ التَّتَابُعِ لَمْ يُوجِبْ الِاسْتِقْبَالَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَجِدُ شَهْرَيْنِ خَالِيَيْنِ عَنْ الْحَيْضِ فِي الْعَادَةِ الْغَالِبَةِ فَلَوْ أَلْزَمْنَاهَا الِاسْتِقْبَالَ رِعَايَةً لِلتَّتَابُعِ لَوَقَعَتْ فِي الْحَرَجِ بِخِلَافِ كَفَّارَاتِ الْيَمِينِ عِنْدَنَا وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَنْذَرَتْ أَنْ تَصُومَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةً؛ لِأَنَّهَا تَجِدُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ عَشْرَةَ أَيَّامٍ خَالِيَةً عَنْ الْحَيْضِ فَلَا تَخْرُجُ فِي الِاسْتِقْبَالِ وَإِنَّمَا قَالَ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ التَّتَابُعَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَلِهَذَا ضُمَّ إلَيْهَا مَسْأَلَةُ الْبَذْرِ بِعَشْرَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ؛ لِأَنَّهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا قَوْلُهُ (لِمَا ذَكَرْنَا) دَلِيلُ الْمَجْمُوعِ أَيْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ ثَابِتَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ الْيُسْرِ وَالْحَرَجِ ثَابِتٌ فَكَذَلِكَ هَاهُنَا فِي الِاسْتِغْرَاقِ حَرَجٌ أَيْ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ فِيمَا إذَا اسْتَغْرَقَ الْجُنُونُ الشَّهْرَ حَرَجٌ بِتَضَاعُفِ الْعِبَادَةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي وَقْتِهَا فَإِنَّ وَظِيفَةَ السَّنَةِ صَوْمُ شَهْرٍ وَاحِدٍ فَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْقَضَاءَ صَارَ فَرْضُ السَّنَةِ شَهْرَيْنِ وَلَا شَكَّ أَنَّ فِي التَّضَاعُفِ حَرَجًا فَيَسْقُطُ بِعُذْرِ الْحَرَجِ وَلَيْسَ فِي الْقَضَاءِ أَيْ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ فِي الْجُنُونِ الْقَلِيلِ وَهُوَ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَوْعِبًا حَرَجٌ مِثْلُ الْحَرَجِ الثَّابِتِ فِي الِاسْتِغْرَاقِ فَلَمْ يَسْقُطْ فَثَبَتَ أَنَّ سُقُوطَ الْقَضَاءِ فِي الْكَثِيرِ لِلْحَرَجِ لَا لِلْجُنُونِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى سُقُوطِهِ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ حَرَجٌ. وَلَا كَلَامَ فِي الْحُدُودِ الْفَاصِلَةِ يَعْنِي لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْفَصْلَ بَيْنَ الْيُسْرِ وَالْحَرَجِ ثَابِتٌ عَلَى حُدُودٍ اعْتَبَرَهَا الشَّرْعُ إنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْجُنُونِ لَيْسَ مِثْلَ الْكَثِيرِ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْكَثِيرَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْحَرَجِ دُونَ الْقَلِيلِ فَكَانَ اعْتِبَارُ أَحَدِهِمَا بِالْآخِرِ فَاسِدًا فِي الْوَضْعِ. وَقَوْلُهُ وَلَا حَرَجَ فِي اسْتِغْرَاقِ الْإِغْمَاءِ جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ سُقُوطُ الْقَضَاءِ الْمُسْتَغْرِقِ لِلْحَرَجِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ إذْ لَوْ كَانَ لِلْحَرَجِ لَسَقَطَ فِي اسْتِغْرَاقِ الْإِغْمَاءِ أَيْضًا لِاسْتِلْزَامِهِ تَضَاعُفَ الْوَاجِبِ كَالْجُنُونِ وَحَيْثُ لَمْ يَسْقُطْ فِيهِ دَلَّ عَلَى أَنَّ السُّقُوطَ لِلْجُنُونِ لَا لِلْحَرَجِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ السُّقُوطُ فِي الْقَلِيلِ أَيْضًا فَقَالَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ اسْتِغْرَاقَ الْإِغْمَاءِ لِلشَّهْرِ مُوجِبٌ لِلْحَرَجِ؛ لِأَنَّ الْحَرَجَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِيمَا هُوَ غَالِبُ الْوُجُودِ وَامْتِدَادُ الْإِغْمَاءِ شَهْرًا قَلَّمَا يَقَعُ إذْ الْإِنْسَانُ لَا يَعِيشُ فِي الْغَالِبِ شَهْرًا مُغْمَى عَلَيْهِ بِدُونِ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَلَوْ وَقَعَ كَانَ فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ فَيَلْحَقُ بِالْعَدَمِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَمْتَدُّ شَهْرًا أَوْ سَنَةً وَسِنِينَ وَإِلَى آخِرِ الْعُمْرِ فَيَصْلُحُ عُذْرًا مُسْقِطًا وَفِي الصَّلَوَاتِ اسْتَوَى الْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ فِي الْفَتْوَى أَيْ فِي الْحُكْمِ حَتَّى كَانَ الْإِغْمَاءُ الزَّائِدُ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مُسْقِطًا.

стр. 1243

لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الطُّولِ وَالِامْتِدَادِ الدَّاعِي إلَى الْحَرَجِ وَالصِّبَا مُمْتَدٌّ أَيْضًا وَبِخِلَافِ الْكُفْرِ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي الْأَهْلِيَّةَ وَيُنَافِي اسْتِحْقَاقَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ وَكَذَلِكَ التَّعْلِيلُ لِتَعْيِينِ النُّقُودِ اعْتِبَارًا بِالسِّلَعِ وَلِفَسْخِ الْبَيْعِ بِإِفْلَاسِ الْمُشْتَرِي اعْتِبَارًا بِالْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ فَاسِدًا فِي الْوَضْعِ. ــ [كشف الأسرار] لِقَضَائِهَا كَالْجُنُونِ الزَّائِدِ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لِأَنَّ الْإِغْمَاءَ يُوجَدُ غَالِبًا فِي هَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ الزَّمَانِ كَالْجُنُونِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْأَصْلِ فَإِنَّ الْجُنُونَ مِمَّا يَمْتَدُّ غَالِبًا كَالصَّبِيِّ وَالْإِغْمَاءُ مِمَّا لَا يَمْتَدُّ، وَلَكِنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ فِي غَلَبَةِ الْوُجُودِ أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي حُكْمِ الصَّلَاةِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَاتَيْهِمَا فَإِنَّ بِالْجُنُونِ يَزُولُ الْعَقْلُ وَبِالْإِغْمَاءِ لَا يَزُولُ بَلْ هُوَ فَتْرَةٌ وَمَرَضٌ يَعْتَرِي الْإِنْسَانَ وَيَمْنَعُهُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْقُدْرَةِ وَلِهَذَا اُبْتُلِيَ الْأَنْبِيَاءُ ﵈ بِالْإِغْمَاءِ دُونَ الْجُنُونِ. فَكَانَ الْقِيَاسُ فِي الْإِغْمَاءِ فِي الصَّلَاةِ أَنْ لَا يُسْقِطَ وَإِنْ كَثُرَ لِوُجُودِ أَصْلِ الْعَقْلِ فِيهِ كَمَا فِي النَّوْمِ وَاسْتَحْسَنَّا فِي الْكَثِيرِ وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فَجَعَلْنَاهُ مُسْقِطًا لِلْحَرَجِ وَكَانَ الْقِيَاسُ فِي الْجُنُونِ أَنْ يُسْقِطَ الْوَاجِبَ قَلَّ الْجُنُونُ أَوْ كَثُرَ لِزَوَالِ الْعَقْلِ فِيهِ وَاسْتَحْسَنَّا فِي الْقَلِيلِ فَلَمْ نَجْعَلْهُ مُسْقِطًا لِعَدَمِ الْحَرَجِ وَأَلْحَقْنَاهُ بِالْعَدَمِ فَحَصَلَ مِنْ هَذَا اسْتِوَاءُ الْإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ حَتَّى كَانَ قَلِيلُ الْجُنُونِ فِيهَا كَقَلِيلِ الْإِغْمَاءِ وَكَثِيرُ الْإِغْمَاءِ فِيهَا كَكَثِيرِ الْجُنُونِ وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ اسْتَوَى الْإِغْمَاءُ وَالْجُنُونُ فِي الْفَتْوَى أَيْ هُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الِامْتِدَادِ فِي الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْجُنُونَ فِيهِ مُمْتَدٌّ دُونَ الْإِغْمَاءِ وَقَوْلُهُ وَالصِّبَا مُمْتَدٌّ أَيْضًا إلَى آخِرِهِ جَوَابٌ عَنْ اعْتِبَارِهِمْ الْجُنُونَ بِالصِّبَا وَالْكُفْرِ حَيْثُ قَالُوا: الصَّبِيُّ إذَا بَلَغَ فِي خِلَالِ الشَّهْرِ أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ لَمْ يَلْزَمْهُمَا قَضَاءُ مَا مَضَى فَكَذَا الْمَجْنُونُ إذَا أَفَاقَ فَقَالَ الصَّبِيُّ لَيْسَ بِمُتَنَوِّعٍ إلَى مُمْتَدٍّ وَغَيْرِ مُمْتَدٍّ بَلْ هُوَ مُمْتَدٌّ فِي نَفْسِهِ كَالْجُنُونِ فِي حَقِّ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَالْإِغْمَاءُ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ أَيْضًا فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِالْعَدَمِ بِوَجْهٍ وَيَتَحَقَّقُ فِيهِ مَعْنَى الْحَرَجِ فِي إيجَابِ الْقَضَاءِ فَكَانَ اسْتِغْرَاقُهُ لِلشَّهْرِ وَعَدَمُ اسْتِغْرَاقِهِ بِمَنْزِلَةٍ وَبِخِلَافِ الْكُفْرِ عُطِفَ عَلَى قَوْلِهِ وَالصِّبَا مُمْتَدٌّ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى إذْ مَعْنَاهُ بِخِلَافِ الصَّبِيِّ فَإِنَّهُ مُمْتَدٌّ لَيْسَ إلَّا وَبِخِلَافِ الْكُفْرِ حَيْثُ لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَضَاءُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي الْأَهْلِيَّةَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ أَهْلِيَّةَ الْعِبَادَةِ بِأَهْلِيَّةِ ثَوَابِهَا وَالْكُفْرُ يُنَافِي اسْتِحْقَاقَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ فَيَنْتَفِي عَنْهُ أَصْلُ الْوُجُوبِ لِعَدَمِ الْأَهْلِيَّةِ فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنَافِي أَهْلِيَّةَ الْعِبَادَةِ لِعَدَمِ مُنَافَاتِهِ اسْتِحْقَاقَ الثَّوَابِ وَلِهَذَا بَقِيَتْ عِبَادَاتُهُ الَّتِي أَدَّاهَا فِي حَالِ الْإِفَاقَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ إعَادَةُ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْإِفَاقَةِ. قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَالتَّعْلِيلِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ التَّعْلِيلُ لِكَذَا وَلِكَذَا. جَمَعَ الشَّيْخُ ﵀ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ لِابْتِنَائِهِمَا عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ وَنَحْنُ نُبَيِّنُ كُلَّ مَسْأَلَةٍ عَلَى حِدَةٍ. أَمَّا بَيَانُ الْأُولَى فَهُوَ أَنَّ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ تَتَعَيَّنَانِ فِي عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ بِالتَّعْيِينِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀؛ لِأَنَّ هَذَا تَعْيِينٌ مُقَيَّدٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ فَيَصِحُّ كَمَا فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَسَائِرِ السِّلَعِ وَكَمَا فِي عَقْدِ الْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ وَالشَّرِكَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْمُضَارَبَةِ أَمَّا الْأَهْلِيَّةُ فَظَاهِرَةٌ وَلِهَذَا لَوْ عَيَّنَ عَرَضًا يَتَعَيَّنُ. وَأَمَّا الْمَحَلِّيَّةُ فَلِأَنَّهَا أَعْيَانٌ مَوْجُودَةٌ بِذَوَاتِهَا قَابِلَةٌ لِلتَّعْيِينِ حَتَّى تَعَيَّنَتْ فِي الْعُقُودِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَهُوَ مُفِيدٌ؛ لِأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْمِلْكُ فِي الْعَيْنِ وَمِلْكُ الْعَيْنِ أَكْمَلُ مِنْ مِلْكِ الدَّيْنِ وَنَحْنُ نَقُولُ هَذَا التَّعْلِيلُ فَاسِدٌ فِي الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ اعْتِبَارُ الثَّمَنِ بِالثَّمَنِ وَتَسْوِيَةٌ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ وَالشَّرْعُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَ حُكْمَ الْعَقْدِ فِي جَانِبِ الْمَبِيعِ ثُبُوتَ الْمِلْكِ وَاسْتِحْقَاقَ الْيَدِ لَا غَيْرُ وَهَذَا بِلَا خِلَافٍ فَكَانَ وُجُودُهُ شَرْطًا لِجَوَازِ الْعَقْدِ إلَّا فِي مَوْضِعٍ سَقَطَ ضَرُورَةً وَهُوَ الْمُسَلَّمُ فِيهِ بِحُكْمِ النَّصِّ وَجُعِلَ حُكْمُ الْعَقْدِ فِي جَانِبِ الثَّمَنِ

стр. 1244

لِمَا عُرِفَ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ فِي أَصْلِ وَضْعِ الشَّرْعِ وَالْبَيَّاعَاتُ تُخَالِفُ التَّبَرُّعَاتِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ هَذِهِ لِلْإِيثَارِ بِالْأَعْيَانِ وَهَذِهِ لِالْتِزَامِ الدُّيُونِ قَالَ اللَّهُ ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: ٢٨٢] أَيْ تَبَايَعْتُمْ بِنَسِيئَةٍ. ــ [كشف الأسرار] وُجُودَهُ وَوُجُوبَهُ فَإِنَّهُ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا يَجِبُ الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ وَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ الْعَقْدِ وَإِنَّمَا صَارَ مَوْجُودًا بِالْعَقْدِ وَمَمْلُوكًا بِهِ وَهَذَا حُكْمٌ أَصْلِيٌّ فِي جَانِبِ الثَّمَنِ لَا يَتَغَيَّرُ إلَّا لِضَرُورَةٍ كَمَا فِي السَّلَمِ بِدَلِيلِ جَوَازِ الشِّرَاءِ بِدَرَاهِمَ فِي الذِّمَّةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّعَيُّنِ وَبِدَلِيلِ جَوَازِ الِاسْتِبْدَالِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا فِي سَائِرِ الدُّيُونِ وَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ فِي جَانِبِ الثَّمَنِ ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِي مَوْجُودٍ وَكَانَ ثُبُوتُهُ دَيْنًا بِطَرِيقِ الضَّرُورَةِ لَبَقِيَ مُلْحَقًا بِالْأَعْيَانِ فِيمَا وَرَاءَ تِلْكَ الضَّرُورَةِ وَهُوَ حُكْمُ الِاسْتِبْدَالِ كَمَا فِي السَّلَمِ وَلَمَّا ثَبَتَتْ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا فِي وَضْعِ الشَّرْعِ كَانَ التَّعْلِيلُ لِلتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ فَاسِدًا فِي الْوَضْعِ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْيِيرَ حُكْمِ الشَّرْعِ بِجَعْلِ مَا هُوَ حُكْمُ الْعَقْدِ وَهُوَ صَيْرُورَةُ الثَّمَنِ مَوْجُودًا بِهِ شَرْطٌ لَهُ. وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ لِمَا عُرِفَ أَيْ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي بَابِ شُرُوطِ الْقِيَاسِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ هَذَا إذَا اعْتَبَرُوا النُّقُودَ بِالسِّلَعِ فَإِنْ اعْتَبَرُوهَا بِالتَّبَرُّعَاتِ مَشْرُوعَةً لِلْإِيثَارِ بِالْعَيْنِ لَا لِإِيجَابِ شَيْءٍ مِنْهَا فِي الذِّمَّةِ فَلَا يَكُونُ التَّعْيِينُ فِيهَا تَغْيِيرًا لِحُكْمِ الْعَقْدِ وَالْمُعَاوَضَاتِ لِإِيجَابِ بَدَلٍ بِهَا فِي الذِّمَّةِ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الْمُتَعَارَفَ بَيْنَ النَّاسِ فِي الْمُعَاوَضَاتِ عَقْدُهَا بِلَا إشَارَةٍ إلَى الْأَثْمَانِ بَلْ تَسْمِيَةٌ مُطْلَقَةٌ وَأَنَّهَا تُوجَبُ فِي الذِّمَّةِ ابْتِدَاءً فَكَانَ اعْتِبَارُ مَا هُوَ مَشْرُوعٌ لِنَقْلِ الْمِلْكِ وَالْيَدِ فِي الْعَيْنِ مِنْ شَخْصٍ إلَى شَخْصٍ فِي صِحَّةِ التَّعْيِينِ فَاسِدًا وَضْعًا لِعَدَمِ مُصَادَفَةِ التَّعْيِينِ مَحَلَّهُ وَمَا كَانَ تَعْيِينُ النَّقْدِ فِي الْمُعَاوَضَةِ إلَّا نَظِيرَ الْإِيجَابِ فِي الذِّمَّةِ ابْتِدَاءً بِعَقْدِ الْهِبَةِ فَكَمَا أَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي صِحَّةَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَهُ نَقْلُ الْمِلْكِ وَالْيَدِ فِي الْعَيْنِ فَبِدُونِ مُوجِبِهِ لَا يَكُونُ صَحِيحًا كَذَا التَّعْيِينُ هَاهُنَا يُنَافِي صِحَّةَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ يَفُوتُ بِهِ مَا هُوَ مُوجِبُ هَذَا الْعَقْدِ فِي الثَّمَنِ وَهُوَ الْإِلْزَامُ فِي الذِّمَّةِ ابْتِدَاءً وَأَمَّا بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فَهُوَ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا أَفْلَسَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ لَمْ يَثْبُتْ لِلْبَائِعِ حَقٌّ بِقَبْضِ الْبَيْعِ وَاسْتِرْدَادِ السِّلْعَةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَنَا الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَيْهِ يُثْبِتُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ أَحَدُ عِوَضَيْ الْعَقْدِ فَالْعَجْزُ عَنْ تَسْلِيمِهِ يُوجِبُ حَقَّ الْفَسْخِ لِلْبَائِعِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ كَالْعِوَضِ الْآخَرِ وَهُوَ الْمَبِيعُ إذَا كَانَ عَيْنًا فَعَجَزَ الْبَائِعُ عَنْ تَسْلِيمِهِ بِالْإِبَاقِ وَنَحْوِهِ أَوْ كَانَ دَيْنًا كَالسَّلَمِ فَعَجَزَ الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ عَنْ تَسْلِيمِهِ بِانْقِطَاعِهِ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ. وَنَحْنُ نَقُولُ هَذَا التَّعْلِيلُ فَاسِدٌ وَضْعًا؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ شَرْطٌ لِجَوَازِ الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَقْدِ فِي الْمَبِيعِ اسْتِحْقَاقُ مِلْكِ الْعَيْنِ وَالْيَدِ عَلَى الْبَائِعِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ ثَابِتًا لَهُ عِنْدَ الْعَقْدِ وَكَذَا فِي الْمَبِيعِ الدَّيْنُ بِشَرْطِ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ حُكْمًا بِاشْتِرَاطِ الْأَجَلِ الَّذِي هُوَ مُؤَثِّرٌ فِي قُدْرَتِهِ عَلَى التَّسْلِيمِ بِاكْتِسَابِهِ أَوْ إدْرَاكِ غَلَّاتِهِ وَبِاشْتِرَاطِ عَدَمِ انْقِطَاعِهِ عَنْ أَيْدِي النَّاسِ أَمَّا الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِ الثَّمَنِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِمَا قُلْنَا: إنَّ الثَّمَنَ يَصِيرُ مَوْجُودًا بِالْعَقْدِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ قَبْلَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَا يُتَصَوَّرُ تَسْلِيمُهُ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ الْقُدْرَةَ عَلَى الثَّمَنِ بَعْدَ الْعَقْدِ شَرْطًا لِجَوَازِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ أَبَدًا يَكُونُ سَابِقًا عَلَى الْأَصْلِ كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ وَلِأَنَّ الثَّمَنَ وَصْفٌ وَالْأَوْصَافُ لَا تَقْبَلُ التَّسْلِيمَ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ بِالْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الْمَبِيعِ يَتَمَكَّنُ خَلَلٌ فِيمَا هُوَ مُوجِبُ الْعَقْدِ فِيهِ وَبِسَبَبِ الْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ لَا يَتَمَكَّنُ خَلَلٌ فِيمَا هُوَ مُوجِبُ الْعَقْدِ فِيهِ وَلِهَذَا جَازَ إسْقَاطُ حَقِّ قَبْضِ الثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالْإِبْرَاءِ وَلَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ قَبْلَ الْقَبْضِ حَتَّى إذَا وَهَبَهُ مِنْ الْبَائِعِ وَقَبِلَهُ كَانَ فَسْخًا لِلْبَيْعِ بَيْنَهُمَا فَإِثْبَاتُ حَقِّ الْفَسْخِ مِنْ غَيْرِ تَمَكُّنِ خَلَلٍ فِي مُوجِبِ الْعَقْدِ اعْتِبَارًا بِثُبُوتِهِ عِنْدَ تَمَكُّنِ الْخَلَلِ فِي

стр. 1245

فَيَطْلُبُ وُجُوهَ الْمَقَايِيسِ فِي ذَلِكَ جُمْلَةً عَلَى مَا عُرِفَ شَرْحُهُ فِي مَوْضِعِهِ. وَأَمَّا النَّوْعُ الرَّابِعُ وَهُوَ الْمُنَاقَضَةُ فَيُلْجِئُ إلَى الْقَوْلِ بِالْأَثَرِ أَيْضًا مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ أَنَّهُمَا طَهَارَتَانِ فَكَيْفَ افْتَرَقَتَا؛ لِأَنَّهُ إنْ قَالَ وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا كَانَ بَاطِلًا بِلَا شُبْهَةٍ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ افْتَرَقَا فِي عَدَدِ الْأَعْضَاءِ. ــ [كشف الأسرار] مُوجِبِ الْعَقْدِ يَكُونُ فَاسِدًا وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَمَكُّنُ الْمَوْلَى مِنْ الْفَسْخِ عِنْدَ عَجْزِ الْمُكَاتَبِ عَنْ أَدَاءِ الْبَدَلِ مَعَ أَنَّ ذَلِكَ عَجُزٌ عَنْ أَدَاءِ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ عَقْدِ الْكِتَابَةِ لُزُومُ الْبَدَلِ عَلَى أَنْ يَصِيرَ مِلْكًا لِلْمَوْلَى بَعْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ بِالْأَدَاءِ فَإِنَّ الْمَوْلَى لَا يَسْتَوْجِبُ عَلَى عَبْدِهِ دَيْنًا وَلِهَذَا لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْمِلْكَ هُنَاكَ لَا يَسْبِقُ الْأَدَاءَ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الْأَدَاءِ فَقَدْ تَمَكَّنَ الْخَلَلُ فِي الْمِلْكِ الَّذِي هُوَ مُوجِبُ الْعَقْدِ فِيهِ. فَأَمَّا مُوجِبُ الْعَقْدِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَمَلَكَ الثَّمَنَ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ ابْتِدَاءً. وَذَلِكَ قَدْ تَمَّ بِنَفْسِ الْعَقْدِ وَبِسَبَبِ الْإِفْلَاسِ لَا يَتَمَكَّنُ الْخَلَلُ فِيمَا هُوَ مُوجِبُ الْعَقْدِ فَلَا يَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي بِهِ حَقُّ الْفَسْخِ كَذَا ذَكَر شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ لِمَا عُرِفَ مِنْ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ فِي الْأَصْلِ وَضَعَ الشَّرْعُ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ وَأَنَّ قَوْلَهُ وَالْبَيَّاعَاتُ إلَى آخِرِهِ مُتَعَلِّقُ بِالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَوَجْهُ إيرَادِ الْآيَةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَمَّى التَّبَايُعَ مُدَايَنَةً فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَعْنَى الدَّيْنِيَّةِ لِيَصِحَّ تَسْمِيَتُهُ بِهَا وَلَيْسَ مَعْنَى الدَّيْنِيَّةِ فِي جَانِبِ الْمَبِيعِ إذْ الشَّرْطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَيْنًا فَثَبَتَ أَنَّهُ فِي جَانِبِ الثَّمَنِ فَكَانَ فِي الْآيَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الثَّمَنِ الدَّيْنِيَّةُ وَأَنَّ الْمُبَايَعَةَ لِالْتِزَامِ الدَّيْنِ فِي الذِّمَّةِ وَالْمُرَادُ بِالْآيَةِ هُوَ بَيْعُ الْعَيْنِ بِالدَّيْنِ فِي أَكْثَرِ الْأَقَاوِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فَيُطْلَبُ وُجُوهُ الْمَقَايِيسِ فِي ذَلِكَ أَيْ فِيمَا ذَكَرْنَا مِنْ تَعْيِينِ النُّقُودِ فَإِنَّهُمْ اعْتَبَرُوا النُّقُودَ بِالسِّلَعِ فِي الْبَيْعِ وَبِالتَّبَرُّعَاتِ وَبِالْغَصْبِ وَالْقِيَاسُ عَلَى الْكُلِّ فَاسِدُ الْوَضْعِ أَوْ أُرِيدَ بِوُجُوهِ الْمَقَايِيسِ الْقِيَاسُ الظَّاهِرُ وَالِاسْتِحْسَانُ وَالْقِيَاسُ الطَّرْدِيُّ فَإِنَّهُ لَمَّا كَانَ فَاسِدًا فِي وَضْعِهِ لَا يَتَأَتَّى فِيهِ هَذِهِ الْأَقْيِسَةُ؛ لِأَنَّهَا تَفْتَقِرُ إلَى صَلَاحِ الْوَصْفِ وَمَعَ فَسَاد الْوَصْفِ لَا يَكُونُ الْوَصْفُ صَالِحًا كَذَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنْوَاعَ الْمَقَايِيسِ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أَمْثِلَةِ فَسَادِ الْوَضْعِ جُمْلَةً كَمَا صَرَّحَ الْقَاضِي الْإِمَامُ ﵀ بِهِ فِي التَّقْوِيمِ فَقَالَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ أَحْسَنُ عِلَلِهِمْ وَأَظْهَرُهَا لِلْقُلُوبِ صِحَّةً وَأَبْيَنُهَا فِقْهًا فَيُعْرَفُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ أَنَّ أَكْثَرَ عِلَلِهِمْ لَا يَخْلُو عَنْ فَسَادِ الْوَضْعِ وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِالتَّأْثِيرِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ بِلَا خِلَافٍ وَهَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا. وَالْمَقَايِيسُ جَمْعُ مِقْيَاسٍ وَهُوَ مِنْ أَوْزَانِ الْآلَةِ فَكَانَ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَعَانِيَ الَّتِي هِيَ آلَاتُ الْأَقْيِسَةِ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ بَاطِلَةٌ أَوْ الْمُرَادُ بِالْمَقَايِيسِ نَفْسُ الْأَقْيِسَةِ وَالضَّمِيرُ فِي شَرْحِهِ رَاجِعٌ إلَى الْبُطْلَانِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ فَبَطَلَتْ وَفِي مَوْضِعِهِ إلَى الشَّرْعِ وَمَوْضِعُ الشَّرْحِ الْكُتُبُ الطِّوَالُ مِثْلُ الْمَبْسُوطِ وَالْأَسْرَارِ وَغَيْرِهِمَا. [الْمُنَاقَضَةُ] قَوْلُهُ (وَأَمَّا النَّوْعُ الرَّابِعُ) مِنْ أَقْسَامِ أَوَّلِ الْبَابِ وَهُوَ الْمُنَاقَضَةُ وَقَدْ مَرَّ تَفْسِيرُهَا فَيُلْجِئُ أَصْحَابُ الطَّرْدِ إلَى الْقَوْلِ بِالْأَثَرِ أَيْضًا مِثْلُ الْأَقْسَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ؛ لِأَنَّ الطَّرْدَ الَّذِي تَمَسَّكَ بِهِ الْمُجِيبُ لَمَّا انْتَقَضَ بِمَا أَوْرَدَهُ السَّائِلُ مِنْ النَّقْضِ لَا يَجِدُ الْمُجِيبُ بُدًّا مِنْ الْمُخْلِصِ عَنْهُ بِبَيَانِ الْفَرْقِ وَعَدَمِ وُرُودِهِ بِقَضَاءٍ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِالْعُدُولِ عَنْ ظَاهِرِ الطَّرْدِ إلَى بَيَانِ الْمَعْنَى. وَهَذَا إنْ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ انْقِطَاعًا لَوْ سَامَحَهُ السَّائِلُ وَلَمْ يُنَاقِشْهُ فِي الشُّرُوعِ فِي بَيَانِ الْفَرْقِ وَالتَّأْثِيرِ فَأَمَّا إذَا جُعِلَ انْقِطَاعًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْبَعْضِ وَلَمْ يُسَامِحْهُ السَّائِلُ فِي ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَ: احْتَجَجْت عَلَيَّ بِاطِّرَادِ هَذَا الْوَصْفِ وَقَدْ انْتَقَضَ ذَلِكَ بِمَا أَوْرَدْتُهُ فَلَمْ يَبْقَ حُجَّةً فَلَا يَنْفَعُهُ بَيَانُ التَّأْثِيرِ وَالشُّرُوعُ فِي الْفَرْقِ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ انْتِفَالٌ عَنْ حُجَّةٍ وَهِيَ الطَّرْدُ إلَى حُجَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ التَّأْثِيرُ لِإِثْبَاتِ الْمَطْلُوبِ الْأَوَّلِ فَلَا يُسْمَعُ مِنْهُ فَيُضْطَرُّ إلَى التَّمَسُّكِ بِالتَّأْثِيرِ وَالرُّجُوعِ عَنْ الطَّرْدِ فِيمَا بَعْدُ مِنْ الْمَجَالِسِ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ أَنَّهُمَا طَهَارَتَا صَلَاةٍ فَكَيْفَ افْتَرَقَتَا.

стр. 1246

وَفِي قَدْرِ الْوَظِيفَةِ وَفِي نَفْسِ الْفِعْلِ وَإِنْ قَالَ: وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي النِّيَّةِ انْتَقَضَ ذَلِكَ بِغَسْلِ الثَّوْبِ وَغَسْلِ الْبَدَنِ عَنْ النَّجَاسَةِ فَيُضْطَرُّ إلَى بَيَانِ فِقْهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْوُضُوءَ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ بِالْعَيْنِ نَجَاسَةٌ فَكَانَ كَالتَّيَمُّمِ فِي شَرْطِ النِّيَّةِ لِتَحْقِيقِ التَّعَبُّدِ بِخِلَافِ غَسْلِ النَّجَسِ وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْمَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ عَامِلٌ بِطَبْعِهِ وَكَانَ الْقِيَاسُ غَسْلَ كُلِّ الْبَدَنِ؛ لِأَنَّ مَخْرَجَ النَّجَاسَةِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالْحَدَثِ وَإِنَّمَا الْبَدَنُ مَوْصُوفٌ فَوَجَبَ غَسْلُ كُلِّهِ. ــ [كشف الأسرار] هُوَ اسْتِفْهَامٌ بِمَعْنَى الْإِنْكَارِ أَيْ فَلَا تَفْتَرِقَانِ وَهَذِهِ نُكْتَةٌ مَنْقُولَةٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵀؛ لِأَنَّهُ إنْ قَالَ: وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا يَعْنِي أَنَّهُ أَنْكَرَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَمْ يُبَيِّنْ الْحُكْمَ فَإِنْ فَسَّرَ ذَلِكَ بِأَنْ قَالَ: وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا عَلَى الْإِطْلَاقِ كَانَ بَاطِلًا بِلَا شُبْهَةٍ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ وَالْوُضُوءَ قَدْ افْتَرَقَا فِي عَدَدِ الْأَعْضَاءِ فَإِنَّ أَحَدَهُمَا يُؤَدَّى فِي الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَالْأُخْرَى يُؤَدَّى فِي عُضْوَيْنِ. وَفِي قَدْرِ الْوَظِيفَةِ حَتَّى سُنَّ التَّكْرَارُ إلَى الثَّلَاثِ فِي الْوُضُوءِ وَكُرِهَ ذَلِكَ فِي التَّيَمُّمِ بِالْإِجْمَاعِ أَوْ الْمُرَادُ أَنَّ وَظِيفَةَ الْوُضُوءِ الِاسْتِيعَابُ بِالْمَاءِ وَالِاسْتِيعَابُ بِالتُّرَابِ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي التَّيَمُّمِ بِالْإِجْمَاعِ إنَّمَا الْخِلَافُ فِي الِاسْتِيعَابِ بِمَسْحٍ فَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَيْضًا بَلْ مَسْحُ الْأَكْثَرِ كَافٍ وَفِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُشْتَرَطُ أَوْ هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْإِلْزَامِ عَلَى مَذْهَبِ الْخَصْمِ فَإِنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ التَّيَمُّمُ إلَى الرُّسْغِ فِي قَوْلِهِ التَّقْوِيمُ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الْأَعْمَشِ وَفِي نَفْسِ الْفِعْلِ يَعْنِي الْفِعْلُ وَاجِبٌ فِي أَحَدِهِمَا مَسْحٌ وَهُوَ الْإِصَابَةُ وَفِي الْآخَرِ غَسْلٌ وَهُوَ الْإِسَالَةُ وَهُمَا مُفْتَرَقَانِ أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْفِعْلَ فِي أَحَدِهِمَا تَلْوِيثٌ حَقِيقَةً وَفِي الْآخَرِ تَطْهِيرٌ وَتَنْظِيفٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا أَوْ الْمُرَادُ أَنَّ نَفْسَ الْفِعْلِ فِي التَّيَمُّمِ شَرْطٌ دُونَ الْوُضُوءِ حَتَّى لَوْ قَامَ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ أَوْ مَوْضِعِ هَدْمِ حَائِطٍ فَأَصَابَ الْغُبَارُ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ أَوْ ذَرَّ رَجُلٌ عَلَى وَجْهِهِ وَذِرَاعَيْهِ تُرَابًا لَمْ يُجْزِهِ عَنْ التَّيَمُّمِ حَتَّى يَمْسَحَ وَيَنْوِيَ التَّيَمُّمَ وَلَوْ وَقَعَ فِي مَاءٍ وَأَصَابَهُ مَطَرٌ وَسَالَ عَلَى أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ يَصِيرُ مُتَوَضِّئًا مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ. وَإِنْ قَالَ: وَجَبَ أَنْ يَسْتَوِيَا فِي النِّيَّةِ أَيْ قَيَّدَ الِاسْتِوَاءَ بِالنِّيَّةِ وَهُوَ الْغَرَضُ مِنْ هَذَا التَّعْلِيلِ انْتَفَضَ ذَلِكَ بِغَسْلِ الثَّوْبِ أَوْ الْبَدَنِ عَنْ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَإِنَّهُ طَهَارَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ فَيُضْطَرُّ الْمُجِيبُ عِنْدَ ذَلِكَ إلَى بَيَانِ التَّأْثِيرِ الَّذِي يَنْدَفِعُ بِهِ النَّقْضُ وَيَقَعُ بِهِ الْفَرْقُ وَهُوَ أَنَّ الْوُضُوءَ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ أَيْ تَعَبُّدِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ فِي الْعَيْنِ أَيْ مَحَلِّ وُجُوبِ الْغُسْلِ نَجَاسَةٌ تَزُولُ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ حَقِيقَةً وَحُكْمًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ مُحْدِثٌ جَازَتْ صَلَاتُهُ وَالْمَحَلُّ الَّذِي قَامَ بِهِ النَّجَاسَةُ وَهُوَ الْمَخْرَجُ لَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ كَانَ مِثْلَ التَّيَمُّمِ إلَّا أَنَّ مَعْنَى التَّعَبُّدِ فِي التَّيَمُّمِ فِي الْآلَةِ وَفِي الْوُضُوءِ فِي الْمَحَلِّ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى التَّعَبُّدِ إذْ الْعِبَادَةُ لَا تَتَأَدَّى بِدُونِ النِّيَّةِ. بِخِلَافِ غَسْلِ النَّجَسِ؛ لِأَنَّهُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى إذْ الْمَقْصُودُ فِيهِ إزَالَةُ عَيْنِ النَّجَاسَةِ عَنْ الْمَحَلِّ لَا مَعْنَى التَّعَبُّدِ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى النِّيَّةِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ أَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ النِّيَّةُ شَرْطًا فِي الْأَصْلِ لَمَا كَانَتْ شَرْطًا فِي الْبَدَلِ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لِتَحْصِيلِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَمَتَى لَمْ يَكُنْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ ثَابِتًا فِي الْأَصْلِ لَا يَثْبُتُ فِي الْبَدَلِ كَمَا فِي إبْدَالِ الْغُصُوبِ وَعَكْسُهُ إبْدَالُ الْكَفَّارَاتِ. وَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الْمَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ فِي الْغُسْلِ عَامِلٌ أَيْ فِي التَّطْهِيرِ بِطَبْعِهِ كَمَا أَنَّهُ مُزِيلٌ وَمُرٌّ بِطَبْعِهِ؛ لِأَنَّهُ خُلِقَ طَهُورًا فِي الْأَصْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وَالطَّهُورُ هُوَ الطَّاهِرُ بِنَفْسِهِ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ كَذَا فَسَّرَهُ ثَعْلَبٌ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ أَوْ هُوَ مُبَالَغَةٌ فِي صِفَةِ الطَّهَارَةِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرًا فِي غَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَعْمَلُ فِي التَّطْهِيرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَمَا يَعْمَلُ فِي الرَّأْيِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَكَمَا تَعْمَلُ النَّارُ فِي الْإِحْرَاقِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْجَوَابِ عَنْ قَوْلِهِ هُوَ تَطْهِيرٌ حُكْمِيٌّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ بَالِغِينَ نَجَاسَةً فَقَالَ وَكَانَ الْقِيَاسُ غَسْلَ كُلِّ الْبَدَنِ اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ تَنَجَّسَ بَدَنُهُ حَقِيقَةً وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِخُرُوجِ

стр. 1247

إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ اقْتَصَرَ عَلَى أَطْرَافِ الْبَدَنِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ مِثْلُ حُدُودِ الْبَدَنِ وَأُمَّهَاتِهِ فِي هَذَا الْمَعْنَى تَيْسِيرًا فِيمَا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ وَيُعْتَادُ تَكْرَارُهُ وَأَقَرَّ عَلَى الْقِيَاسِ فِيمَا لَا حَرَجَ فِيهِ وَهُوَ الْمَنِيُّ وَدَمُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ فَلَمْ يَكُنْ التَّعَدِّي عَنْ مَوْضِعِ الْحَدَثِ إلَّا قِيَاسًا وَإِنَّمَا نَعْنِي بِالنَّصِّ الَّذِي لَا يُعْقَلُ وَصْفُ مَحَلِّ الْغُسْلِ مِنْ الطَّهَارَةِ إلَى الْخَبَثِ فَأَمَّا الْمَاءُ فَعَامِلٌ بِطَبْعِهِ وَالنِّيَّةُ لِلْفِعْلِ الْقَائِمِ بِالْمَاءِ لَا لِلْوَصْفِ بِالْمَحَلِّ فَكَانَ مِثْلَ غَسْلِ النَّجَسِ بِخِلَافِ التُّرَابِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْقَلْ مُطَهِّرًا وَإِنَّمَا صَارَ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ صِحَّةِ الْإِرَادَةِ وَصَيْرُورَتِهِ مُطَهِّرًا يَسْتَغْنِي عَنْ النِّيَّةِ أَيْضًا. ــ [كشف الأسرار] النَّجَاسَةِ يَثْبُتُ صِفَةُ الْحَدَثِ بِلَا شُبْهَةٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَخْرَجَ النَّجَاسَةِ غَيْرُ مَوْصُوفٍ بِالْحَدَثِ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ دُبُرُ مُحْدِثٍ وَلَا فَرْجُ حَائِضٍ وَإِنَّمَا الْبَدَنُ كُلُّهُ مَوْصُوفٌ بِهِ أَيْ بِالْحَدَثِ شَرْعًا وَعُرْفًا وَحَقِيقَةً. أَمَّا شَرْعًا فَلِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ مِنْ أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَإِنْ غَسَلَ الْمَخْرَجَ وَأَمَّا عُرْفًا فَلِأَنَّهُ يُقَالُ: رَجُلٌ مُحْدِثٌ وَامْرَأَةٌ حَائِضٌ كَمَا يُقَالُ: رَجُلٌ عَالِمٌ وَمُؤْمِنٌ وَإِنْ كَانَ الْعِلْمُ وَالْإِيمَانُ قَائِمَيْنِ بِالْقَلْبِ وَأَمَّا حَقِيقَةً فَلِأَنَّ نَفْيَهُ لَا يَصِحُّ لَا يُقَالُ إنَّهُ لَيْسَ بِمُحْدِثٍ وَإِنَّهُ لَيْسَ بِعَالِمٍ وَإِنَّمَا الْمُحْدِثُ فَرْجُهُ وَالْعَالِمُ قَلْبُهُ بَلْ يُكَذَّبُ نَافِيهِ كَذَا قِيلَ فَثَبَتَ أَنَّ الْبَدَنَ كُلَّهُ مَوْصُوفٌ بِالْحَدَثِ دُونَ مَوْضِعِ الْخُرُوجِ أَلَا تَرَى أَنَّ غَسْلَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمَوْصُوفَ بِالْحَدَثِ لَكَانَ هُوَ أَوْلَى بِوُجُوبِ الْغَسْلِ. وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ غَسْلُ كُلِّ الْبَدَنِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ اقْتَصَرَ إلَى آخِرِهِ يَعْنِي، لَكِنَّ الشَّرْعَ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الْأَعْضَاءِ تَيْسِيرًا وَدَفْعًا لِلْحَرَجِ فِي الْحَدَثِ الَّذِي يَكْثُرُ وُقُوعُهُ وَعَيَّنَ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ؛ لِأَنَّهَا حُدُودُ الْبَدَنِ فَإِنَّ بِالرَّأْسِ وَالرِّجْلِ يَنْتَهِي طَرَفَا الطُّولِ وَبِالْيَدَيْنِ يَنْتَهِي طَرَفَا الْعَرْضِ وَهِيَ أُمَّهَاتُ الْبَدَنِ أَيْ أُصُولٌ فِي مَعْنَى الْغَسْلِ؛ لِأَنَّهَا مَوَاقِعُ النَّظَرِ إلَيْهَا وَمَحَالُّ إصَابَةِ الْغُبَارِ وَغَيْرِهِ لِظُهُورِهَا وَكَذَا إقَامَةُ الْغَسْلِ فِيهَا أَيْسَرُ مِنْ إقَامَتِهِ فِي غَيْرِهَا فَكَانَتْ أَوْلَى بِالتَّنْظِيفِ وَالتَّطْهِيرِ فَلَمْ يَكُنْ التَّعَدِّي أَيْ تَعَدِّي وُجُوبِ الْغَسْلِ عَنْ مَوْضِعِ الْحَدَثِ وَهُوَ الْمَخْرَجُ إلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ بَلْ إلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ إلَّا مُوَافِقًا لِلْقِيَاسِ لِاتِّصَافِ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِالْحَدَثِ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ كَمَا بَيَّنَّا إلَّا أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ مَعَ الْمُقْتَضِي لِغَسْلِ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ وَذَلِكَ لَا يَجْعَلُ الْغَسْلَ فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ بَلْ عَدَمُ غَسْلِ غَيْرِهَا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ وَإِنَّمَا يَعْنِي بِالنَّصِّ الَّذِي لَا يُعْقَلُ كَذَا يَعْنِي إنَّمَا الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِنَا النَّصُّ الْمُوجِبُ لِلْوُضُوءِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٦] الْآيَةُ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى أَنَّ الثَّابِتَ بِهِ وَهُوَ وَصْفُ مَحَلِّ الْغَسْلِ بِالْخَبَثِ غَيْرُ مَعْقُولٍ. وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ بِالنَّصِّ الَّذِي لَا يُعْقَلُ يَعْنِي الثَّابِتُ بِهَذَا النَّصِّ تَغَيُّرُ وَصْفِ مَحَلِّ الْغَسْلِ مِنْ الطَّهَارَةِ إلَى الْخَبَثِ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَدَثِ وَإِنْ ثَبَتَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ عُرْفًا وَشَرْعًا، لَكِنَّهُ غَيْرُ ثَابِتٍ حِسًّا وَإِنَّمَا يَثْبُتُ ضَرُورَةُ الْأَمْرِ بِالتَّطْهِيرِ إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ثُبُوتِ خَبَثٍ فِي الْمَحَلِّ لِيَكُونَ الْغَسْلُ فِيهِ إزَالَةُ الْخَبَثِ فَكَانَ إثْبَاتُهُ فِي الْمَحَلِّ أَمْرًا حُكْمِيًّا غَيْرَ مَعْقُولٍ لِطَهَارَةِ الْأَعْضَاءِ حَقِيقَةً وَشَرْعًا فَإِنَّ الْمُحْدِثَ لَوْ غَمَسَ يَدَهُ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يَتَنَجَّسُ. وَهَذِهِ النُّسْخَةُ أَصَحُّ فَإِنَّ الشَّيْخَ قَدْ ذَكَرَ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ أَنَّ الثَّابِتَ بِالنَّصِّ تَغَيُّرُ مَحَلِّ الطَّهَارَةِ مِنْ صِفَةٍ إلَى صِفَةٍ حَتَّى أَعْطَى لَهُ حُكْمَ النَّجَاسَةِ نَصًّا غَيْرُ مَعْقُولٍ فَلَمْ يَكُنْ تَغْيِيرًا لِصِفَةِ الْمُطَهِّرِ وَهُوَ الْمَاءُ فَبَقِيَ الْمَاءُ مُطَهِّرًا بِطَبْعِهِ مَعْقُولًا عَلَى مَا كَانَ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ قَوْلَهُ وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ بِالنَّصِّ كَذَا دَفْعًا لِسُؤَالٍ يُرَدُّ عَلَيْهِ وَهُوَ أَنَّ تَطْهِيرَ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لَمَّا كَانَ مَعْقُولَ الْمَعْنَى يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَ بِسَائِرِ الْمَائِعَاتِ الطَّاهِرَةِ عَلَى أَصْلِكُمْ كَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَقَالَ: النَّجَاسَةُ فِي الْأَعْضَاءِ ثَبَتَ بِالنَّصِّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى وَالشَّرْعُ أَثْبَتَ النَّجَاسَةَ فِي حَقِّ الْمَاءِ فَبَقِيَتْ النَّجَاسَةُ عَدَمًا فِي حَقِّ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ فَأَمَّا الْمَاءُ فَعَامِلٌ بِطَبْعِهِ أَيْ مُطَهِّرٌ وَمُزِيلٌ لِلْخَبَثِ بِطَبْعِهِ لَا يَتَوَقَّفُ عَمَلُهُ عَلَى قَصْدٍ وَإِرَادَةٍ. وَالنِّيَّةُ لِلْفِعْلِ الْقَائِمِ بِالْمَاءِ وَهُوَ التَّطْهِيرُ يَعْنِي لَوْ شُرِطَتْ النِّيَّةُ إنَّمَا تُشْتَرَطُ لِيَصِيرَ الْمَاءُ مُطَهِّرًا إلَّا لَأَنْ يَثْبُتَ خَبَثٌ فِي الْمَحَلِّ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ

стр. 1248

وَمَسْحُ الرَّأْسِ مُلْحَقٌ بِالْغَسْلِ لِقِيَامِهِ مَقَامَهُ وَانْتِقَالِهِ إلَيْهِ بِضَرْبٍ مِنْ الْحَرَجِ فَثَبَتَ أَنَّ النِّيَّةَ لَا يُشْتَرَطُ. ــ [كشف الأسرار] فِي الْمَحَلِّ قَبْلَ النِّيَّةِ وَلِهَذَا كَانَ الشَّرْطُ عِنْدَ الْخَصْمِ نِيَّةَ رَفْعِ الْحَدَثِ لَا إثْبَاتِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْفِعْلَ الْقَائِمَ بِالْمَاءِ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى النِّيَّةِ بَلْ هُوَ عَامِلٌ بِطَبْعِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْخَبَثُ فِي الْمَحَلِّ مَعْقُولًا أَوْ غَيْرَ مَعْقُولٍ فَكَانَ أَيْ غَسْلُ هَذَا الْمَحَلِّ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ الْحَدَثُ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى مِثْلَ غَسْلِ النَّجَسِ فِي عَدَمِ افْتِقَارِهِ إلَى النِّيَّةِ. بِخِلَافِ التُّرَابِ فَإِنَّهُ مُلَوَّثٌ بِطَبْعِهِ فَكَانَ إثْبَاتُ التَّطْهِيرِ بِهِ غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فَيُحْتَاجُ فِيهِ إلَى النِّيَّةِ لِيَظْهَرَ فِعْلُهُ عَلَى خِلَافِ طَبْعِهِ وَيَصِيرَ مُطَهَّرًا أَوْ بَعْدَمَا صَارَ مُطَهَّرًا بِالنِّيَّةِ وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ اسْتَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ كَمَا اسْتَغْنَى الْمَاءُ عَنْهَا وَتَحْصُلُ الطَّهَارَةُ بِاسْتِعْمَالِهِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَمَا فِي اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ فَثَبَتَ أَنَّهَا بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ إنَّمَا الْمُفَارَقَةُ فِي صِفَةِ الطَّهُورِيَّةِ لِلْآلَةِ وَأَنَّهُ لَا مُتَمَسَّكَ لِلْخَصْمِ فِي مَسْأَلَةِ التَّيَمُّمِ بَلْ هُوَ دَلِيلٌ لَنَا قَوْلُهُ (وَمَسْحُ الرَّأْسِ مُلْحَقٌ بِالْغَسْلِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْمَسْحَ شُرِعَ فِي الْوُضُوءِ مُطَهِّرًا أَوْ هُوَ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى فِي التَّطْهِيرِ؛ لِأَنَّ أَثَرَهُ فِي تَكْثِيرِ النَّجَاسَةِ لَا فِي إزَالَتِهَا فَكَانَ مِثْلَ التُّرَابِ فِي أَنَّهُ مُلَوِّثٌ لَا مُطَهِّرٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يُشْرَطَ فِيهِ النِّيَّةُ كَمَا فِي التَّيَمُّمِ فَقَالَ: هُوَ مُلْحَقٌ بِالْغَسْلِ لِقِيَامِهِ مَقَامَ الْغَسْلِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْغُسْلُ لِسِرَايَةِ الْحَدَثِ إلَيْهِ كَسِرَايَتِهِ إلَى سَائِرِ الْأَعْضَاءِ إلَّا أَنَّ الْحُكْمَ انْتَقَلَ مِنْ الْغَسْلِ إلَى الْمَسْحِ بِسَبَبِ ضَرْبٍ مِنْ الْحَرَجِ فَإِنَّ فِي غَسْلِ الرَّأْسِ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ خُصُوصًا فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ لِمَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ كَثِيرٌ حَرَجًا عَظِيمًا وَفِيهِ إفْسَادُ الثِّيَابِ وَالْعَمَائِمِ وَالْقَلَانِسِ فَشُرِعَ فِيهِ الْمَسْحُ ابْتِدَاءً تَخْفِيفًا وَتَيْسِيرًا وَلَمَّا قَامَ الْمَسْحُ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مَقَامَ الْغَسْلِ أَخَذَ حُكْمَهُ فَاسْتَغْنَى عَنْ النِّيَّةِ كَالْغَسْلِ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ غُسْلٌ فَيُعْتَبَرُ الْجُزْءُ فِيهِ بِالْكُلِّ. وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ أَنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ بِنَفْسِهِ لَا بِفِعْلِنَا إلَّا أَنَّهُ إذَا قَالَ حَتَّى لَمْ يَكُنْ سَيَّالًا ضَعُفَ عَنْ التَّطْهِيرِ لِلنَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ؛ لِأَنَّ تَطْهِيرَهَا بِإِزَالَةِ عَيْنِهَا وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ النَّجَاسَةُ ضَعِيفَةٌ؛ لِأَنَّهَا حُكْمِيَّةٌ دُونَ الْعَيْنِ فَاسْتُغْنِيَ عَنْ الْإِزَالَةِ لِإِفَادَةِ الطُّهْرِ فَصَارَ الْبَلَلُ كَالسَّائِلِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْإِزَالَةِ فِي إفَادَةِ الطُّهْرِ قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُشْتَرَطَ) أَيْ النِّيَّةُ لِيَصِيرَ الْوُضُوءُ قُرْبَةً جَوَابٌ عَنْ طَرِيقَةٍ أُخْرَى سَلَكَهَا الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ أَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِفِعْلٍ يُؤْتَى بِهِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعَالَى بِأَمْرِهِ وَحُكْمُهُ الثَّوَابُ وَكُلُّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْوُضُوءِ وَقَالَ النَّبِيُّ «الطَّهَارَةُ عَلَى الطَّهَارَةِ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ عِبَادَةً لَا يَتَأَدَّى بِدُونِ النِّيَّةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَهُ بِشَرْطِ الْإِخْلَاصِ وَالْإِخْلَاصُ عَمَلُ الْقَلْبِ بِالنِّيَّةِ بِجِهَةِ الْأَمْر إلَّا أَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ تَتَأَدَّى بِالتُّرَابِ فَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ الطَّهَارَةَ الْحَقِيقِيَّةَ غَيْرُ مَطْلُوبَةٍ فِي هَذَا الِاسْتِعْمَالِ بَلْ الْمَطْلُوبُ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ النِّيَّةِ فَقَالَ: إنَّا نُسَلِّمُ أَنَّ النِّيَّةَ لِيَصِيرَ الْوُضُوءُ قُرْبَةً شَرْطٌ وَإِنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهِ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ النِّيَّةِ. ، لَكِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَيْ الْوُضُوءَ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا قُرْبَةً بَلْ الْوُضُوءُ الْمَشْرُوعُ نَوْعَانِ: نَوْعٌ شُرِعَ بِطَرِيقِ الْقُرْبَةِ وَهُوَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ النِّيَّةِ وَنَوْعٌ شُرِعَ تَطْهِيرًا مُجَرَّدًا وَهُوَ حَاصِلٌ بِدُونِ النِّيَّةِ كَغَسْلِ الثَّوْبِ يَعْنِي إذَا نَوَى غَسْلَ الثَّوْبِ لِلصَّلَاةِ وَقَعَ عِبَادَةً مُوجِبَةً لِلثَّوَابِ وَإِذَا لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ وَقَعَ مُعْتَبَرًا أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَقَعْ عِبَادَةً حَتَّى جَازَ أَدَاءُ الصَّلَاةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الطَّهَارَةُ دُونَ الْقُرْبَةِ وَالصَّلَاةُ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي كَوْنِ الْوُضُوءِ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا يَسْتَغْنِي عَنْ وَصْفِ الْقُرْبَةِ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ الَّتِي أَوْجَبَتْ اشْتِرَاطَ الْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ لَا تَدُلُّ عَلَى تَعَلُّقِ جَوَازِ الصَّلَاةِ بِوَصْفِ الْقُرْبَةِ

стр. 1249

وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ لِتَصِيرَ قُرْبَةً؛ لِأَنَّا نُسَلِّمُ أَنَّ النِّيَّةَ لِتَصِيرَ قُرْبَةً شَرْطٌ لَكِنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يُشْرَعْ إلَّا قُرْبَةٌ بَلْ شُرِعَ بِوَصْفِ الْقُرْبَةِ وَبِوَصْفِ التَّطْهِيرِ أَيْضًا كَغَسْلِ الثَّوْبِ وَالصَّلَاةُ تَسْتَغْنِي فِي ذَلِكَ عَنْ وَصْفِ الْقُرْبَةِ وَإِنَّمَا تَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى وَصْفِ التَّطْهِيرِ حَتَّى إنَّ مَنْ تَوَضَّأَ لِلنَّفْلِ صَلَّى بِهِ الْفَرَائِضَ وَمَنْ تَوَضَّأَ لِلْفَرْضِ صَلَّى بِهِ غَيْرَهُ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي النِّكَاحِ إنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْبَكَارَةِ وَكُلُّ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فَيَضْطَرُّهُ إلَى الْفِقْهِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ إنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ فَكَانَ حُجَّةً فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ وَمَا يُبْتَذَلُ فِي الْعَادَةِ بِخِلَافِ النِّكَاحِ فَيَظْهَرُ بِهِ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الْحُجَّةَ ضَرُورِيَّةٌ بَلْ هِيَ أَصْلِيَّةٌ إلَّا أَنَّ فِيهَا ضَرْبَ شُبْهَةٍ. ــ [كشف الأسرار] وَلِأَنَّهَا لَا نِهَايَةَ فِي الْعِبَادَاتِ فَلَا تَحْتَاجُ إلَى قُرْبَةٍ أُخْرَى لِيَصِيرَ عِبَادَةً كَذَا فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ وَإِنَّمَا يُحْتَاجُ فِيهِ أَيْ فِي كَوْنِ الْوُضُوءِ مِنْ شَرْطِهَا إلَى وَصْفِ التَّطْهِيرِ لِيَصِيرَ الْعَبْدُ بِهِ أَهْلًا لِلْقِيَامِ فِي مَقَامِ الْمُنَاجَاةِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] . وَقَوْلُهُ ﵇ «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطُّهُورُ» وَكَذَا فِي تَسْمِيَتِهِ وُضُوءًا وَطَهَارَةً دَلِيلٌ عَلَيْهِ وَهَذَا الْوَصْفُ يَحْصُلُ بِدُونِ النِّيَّةِ حَتَّى إنَّ مَنْ تَوَضَّأَ لِكَذَا صَلَّى بِهِ غَيْرَهُ لِبَقَاءِ صِفَةِ الطَّهَارَةِ إذْ لَوْ احْتَاجَتْ الصَّلَاةُ إلَى وَصْفِ الْقُرْبَةِ لَمْ تَجُزْ الصَّلَاةُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْقُرْبَةِ قَدْ انْتَهَى بِفَرَاغِهِ عَنْ الصَّلَاةِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي حَالَةِ الْوُضُوءِ وَإِنَّمَا النَّافِي وَصْفُ الطَّهَارَةِ لَا غَيْرُ وَلَمَّا جَازَتْ بِالْإِجْمَاعِ عَرَفْنَا أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِوَصْفِ التَّطْهِيرِ لَا بِوَصْفِ الْقُرْبَةِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ مَشَايِخِنَا يَظُنُّونَ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ مِنْ الْوُضُوءِ يَتَأَدَّى بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَذَلِكَ غَلَطٌ فَإِنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ عِبَادَةٌ وَالْوُضُوءُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، وَلَكِنَّ الْعِبَادَةَ مَتَى لَمْ تَكُنْ مَقْصُودَةً سَقَطَتْ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِدُونِ الْعِبَادَةِ كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَالْجِهَادِ وَنَحْوِهِمَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ عِبَادَةٌ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بَلْ الْمَقْصُودُ مِنْهَا التَّمَكُّنُ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ بِالطَّهَارَةِ فَإِذَا طَهُرَتْ الْأَعْضَاءُ بِأَيِّ سَبَبٍ كَأَنْ سَقَطَ الْأَمْرُ كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ يَسْقُطُ بِسَعْيٍ لَا لِلْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْجُمُعَةِ بِالْحُصُولِ فِي الْمَسْجِدِ فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ حَصَلَ سَقَطَ الْأَمْرُ قَوْلُهُ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ قَوْلُهُ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فَلَا يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ اعْتِبَارًا بِالْحُدُودِ. وَهُوَ أَيْ هَذَا التَّعْلِيلُ بَعْدَ كَوْنِهِ تَعْلِيلًا بِالْعَدَمِ الَّذِي هُوَ احْتِجَاجٌ بِلَا دَلِيلٍ بَاطِلٌ أَيْ مُنْتَقِضٌ بِالْبَكَارَةِ وَكُلُّ مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ مِنْ الْوِلَادَةِ وَالْعُيُوبِ الَّتِي فِي مَوَاضِعِ الْعَوْرَةِ فَإِنَّ شَهَادَتَهُنَّ فِيهَا مَقْبُولَةٌ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَالٍ فَيُضْطَرُّ وُرُودُ هَذَا النَّقْضِ الْمُعَلَّلِ الطَّارِدِ إلَى الْفِقْهِ أَيْ إلَى الرُّجُوعِ إلَى الْمَعْنَى الْفِقْهِيِّ الَّذِي بَنَى الشَّافِعِيُّ هَذَا الْحُكْمُ عَلَيْهِ وَهُوَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مُنْفَرِدَةً أَوْ مُنْضَمَّةً إلَى شَهَادَةِ الرِّجَالِ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ عِنْدَ الْخَصْمِ وَأَنَّ الْأَصْلَ فِيهَا عَدَمُ الْقَبُولِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَقَلَ الْأَمْرَ إلَى النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ بِشَرْطِ عَدَمِ الرِّجَالِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] كَمَا نَقَلَ أَمْرَ الطَّهَارَةِ إلَى التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ أَصْلِيَّةٍ وَإِنَّمَا صِيرَ إلَيْهَا لِلضَّرُورَةِ وَكَذَا نُقْصَانُ عَقْلِهِنَّ كَمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَقِلَّةُ ضَبْطِهِنَّ كَمَا وَرَدَ بِهِ الْكِتَابُ وَاخْتِلَالُ وِلَايَتِهِنَّ فِي الْإِمَارَاتِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مُخِلَّةٌ بِمَا هُوَ الرُّكْنُ فِي الشَّهَادَةِ فَكَانَ الْأَصْلُ فِيهَا عَدَمَ الْقَبُولِ فَكَانَتْ حُجَّةً بِانْفِرَادِهَا فِي مَوْضِعِ الضَّرُورَةِ مِثْلَ الْبَكَارَةِ وَمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ وَمُنْضَمَّةً إلَى شَهَادَةِ الرِّجَالِ فِيمَا يُبْتَذَلُ فِي الْعَادَةِ وَهُوَ أَمْوَالٌ؛ لِأَنَّهَا لِلْبِذْلَةِ وَالتِّجَارَةُ دَائِمَةٌ بَيْنَ النَّاسِ وَأَكْثَرَ مَا يَقَعُ فِي بَابِهَا وَكَذَا الْمُبَايَعَاتُ تَقَعُ بَغْتَةً وَرُبَّمَا يَتَعَذَّرُ إحْضَارُ الذُّكُورِ فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُنَّ فِي ذَلِكَ الْبَابِ لَضَاقَ الْأَمْرُ فَقُبِلَتْ تَوْسِعَةً وَدَفْعًا لِلضَّرُورَةِ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ السَّبَبُ الْمُؤَدِّي إلَيْهِ كَوْنَ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ مَالًا أُقِيمَ هَذَا السَّبَبُ مُقَامَ الْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِنَّ عِنْدَ الْعَدَمِ فَقُبِلَتْ وَإِنْ فُقِدَتْ الْحَاجَةُ بِوُجُودِ الرِّجَالِ تَوْسِعَةً كَمَا أُقِيمَ السَّفَرُ مُقَامَ الْمَشَقَّةِ. بِخِلَافِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى الْأَبْضَاعِ وَلَمْ يَجُزْ الِابْتِذَالُ وَالْإِبَاحَةُ فِيهَا فَكَانَتْ أَعْظَمَ خَطَرًا مِنْ الْأَمْوَالِ وَلِهَذَا اخْتَصَّ النِّكَاحُ بِشَرْطِ الشَّهَادَةِ وَالْوَلِيِّ وَلَا يُوجَدُ فِيهِ الضَّرُورَةُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ بَغْتَةً وَفِي كُلِّ وَقْتٍ وَإِنَّمَا يَقَعُ بَعْدَ تَدَبُّرٍ وَتَشَاوُرٍ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَاعْتِبَارُ شَهَادَتِهِنَّ فِيمَا فِيهِ

стр. 1250

وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ أَصْلِيَّةٌ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ حُقُوقِ الْبَشَرِ نَظِيرُ هَذِهِ الْحُجَّةِ فِي احْتِمَالِ الشُّبْهَةِ وَالنِّكَاحُ مِنْ جِنْسِ مَا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ فَكَانَ فَوْقَ مَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ فِي أَصْلِ الْوَضْعِ فَبَطَلَ الْقِيَاسُ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَثْبُتُ مَعَ الْهَزْلِ الَّذِي لَا يَثْبُتُ بِهِ الْمَالُ فَلَأَنْ يَثْبُتَ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْمَالُ أَوْلَى. وَإِذَا ثَبَتَ دَفْعُ الْعِلَلِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوهِهِ كَانَتْ غَايَتُهُ أَنْ يُلْجِئَ إلَى الِانْتِقَالِ (وَهَذَا بَابُ وُجُوهِ الِانْتِقَالِ) : وَهُوَ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ:. الْأَوَّلُ الِانْتِقَالُ مِنْ عِلَّةٍ إلَى أُخْرَى لِإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِي الِانْتِقَالُ مِنْ حُكْمٍ إلَى حُكْمٍ آخَر بِالْعِلَّةِ الْأُولَى وَالثَّالِثُ الِانْتِقَالُ إلَى حُكْمٍ آخَرَ وَعِلَّةٍ أُخْرَى هَذِهِ كُلُّهَا صَحِيحَةٌ وَالرَّابِعُ الِانْتِقَالُ مِنْ عِلَّةٍ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ لَا لِإِثْبَاتِ الْعِلَّةِ الْأُولَى وَهَذَا الْوَجْهُ بَاطِلٌ عِنْدَنَا وَمِنْ النَّاسِ مَنْ اسْتَحْسَنَ هَذَا أَيْضًا أَمَّا الْوُجُوهُ الْأُولَى فَإِنَّمَا صَحَّتْ ــ [كشف الأسرار] ضَرُورَةٌ وَيُبْتَذَلُ عَادَةً لَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهَا فِيمَا لَا ضَرُورَةَ فِيهِ وَلَهُ خَطَرٌ لَيْسَ لِغَيْرِهِ فَيَظْهَرُ بِهِ أَيْ بِسَبَبِ بَيَانِهِ أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ إلَى آخِرِهِ فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ لِأَصْحَابِنَا أَيْضًا؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ كَذَا يَعْنِي أَنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ أَنَّهَا حُجَّةٌ ضَرُورِيَّةٌ احْتَجْنَا إلَى الْمَنْعِ وَإِلَى بَيَانِ مُسْتَنَدِهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيَانِ الْمَعْنَى فَيَظْهَرُ الْفِقْهُ مِنْ جَانِبِ أَصْحَابِنَا أَيْضًا وَهُوَ أَنَّ شَهَادَتَهُنَّ أَصْلِيَّةٌ كَشَهَادَةِ الرِّجَالِ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إنَّمَا يَصِيرُ شَاهِدًا بِالْوِلَايَةِ وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْحُرِّيَّةِ وَالْعَقْلِ وَالنِّسَاءُ فِيهِمَا مِثْلُ الرِّجَالِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ نُقْصَانِ الْعَقْلِ سَاقِطُ الْعِبْرَةِ؛ لِأَنَّ عَقْلَهُنَّ اُعْتُبِرَ كَامِلًا فِي التَّكَالِيفِ بِالْإِجْمَاعِ وَالْقَبُولُ يُبْتَنَى عَلَى الْعَدَالَةِ وَانْتِفَاءِ التُّهْمَةِ وَلَهُنَّ عَدَالَةٌ مِثْلُ الرِّجَالِ وَلِهَذَا قُبِلَتْ مِنْهُنَّ رِوَايَةُ الْأَخْبَارِ وَالضَّلَالُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ مَجْبُورٌ بِضَمِّ امْرَأَةٍ أُخْرَى إلَيْهَا فَلَئِنْ نُفِيَ نَوْعُ شُبْهَةٍ بَعْدَ الْخَبَرِ وَهِيَ شُبْهَةُ ظَاهِرِ الْبَدَلِيَّةِ لَا حَقِيقَةِ الْبَدَلِيَّةِ فَإِنَّ شَهَادَتَهُنَّ حُجَّةٌ مَعَ وُجُودِ الرِّجَالِ بِالْإِجْمَاعِ تُعْتَبَرُ فِيمَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْحُدُودِ وَغَيْرِهَا فَأَمَّا فِيمَا يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ فَلَا وَعَلَى هَذَا كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ حُجَّةٌ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَتَهُنَّ مُنْفَرِدَةً عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ. فَعِنْدَ الْخَصْمِ قَبُولُ شَهَادَتِهِنَّ حُكْمٌ مَخْصُوصٌ ثَابِتٌ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْقَبُولِ فَيَتَبَيَّنُ حَقِيقَةً ذَلِكَ بِالتَّحَاكُمِ إلَى الْأُصُولِ فَمَتَى ثَبَتَ لِلْخَصْمِ ظُهُورُ الْخَلَلِ فِيمَا هُوَ رُكْنُ الشَّهَادَةِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَبُولَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ وَمَتَى قَامَ الدَّلِيلُ لَنَا أَنَّ مَا هُوَ الرُّكْنُ كَامِلٌ تَبَيَّنَ أَنَّ الْقَبُولَ أَصْلٌ وَعَدَمَ الْقَبُولِ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَقَدْ قَامَ كَمَا بَيَّنَّا قَوْلُهُ (وَهِيَ مَعَ ذَلِكَ) أَيْ مَعَ تَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ فِيهَا أَصْلِيَّةٌ غَيْرُ ضَرُورِيَّةٍ؛ لِأَنَّ عَامَّةَ حُقُوقِ الْبَشَرِ أَيْ حُجَجُ عَامَّةِ حُقُوقِهِمْ يَعْنِي الْحُجَجَ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا أَكْثَرُ الْحُقُوقِ نَظِيرُ هَذِهِ الْحُجَّةِ فِي احْتِمَالِ الشُّبْهَةِ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَهِيَ لَا تَخْلُو عَنْ احْتِمَالِ كَذِبٍ وَسَهْوٍ وَغَلَطٍ وَإِنْ تَرَجَّحَ فِيهَا جَانِبُ الصِّدْقِ، ثُمَّ إنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ بِاحْتِمَالِ الشُّبْهَةِ عَنْ كَوْنِهِ أَصْلِيَّةً وَلَمْ تَصِرْ ضَرُورِيَّةً فَكَذَا هَذِهِ وَالنِّكَاحُ مِنْ جِنْسِ مَا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ أَيْ يَثْبُتُ مَعَ الشُّبُهَاتِ الْمُقَارِنَةِ إيَّاهُ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ مَعَ الْهَزْلِ وَالْكُرْهِ وَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ وَلَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ الطَّارِئَةِ فَإِنَّ رَجُلًا لَوْ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ الْغَيْرِ وَدَخَلَ بِهَا وَيَثْبُتُ لَهُ شُبْهَةُ النِّكَاحِ حَتَّى سَقَطَ بِهِ الْحَدُّ وَجَبَتْ الْعِدَّةُ لَا يَبْطُلُ النِّكَاحُ الثَّابِتُ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الطَّارِئَةِ فَكَانَ أَيْ النِّكَاحُ فِي الثُّبُوتِ فَوْقَ مَا لَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ وَلَا يَثْبُتُ مَعَهَا أَيْضًا وَهُوَ الْمَالُ فَبَطَلَ الْقِيَاسُ بِهِ أَيْ بِمَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ فَلَا يَسْتَقِيمُ قِيَاسُهُ بِهِ بِوَجْهٍ وَعَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَا يَكُونُ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إلَى الْمَذْكُورِ؛ لِأَنَّ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ فِي قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ غَيْرُ مَذْكُورٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَلَكِنَّهُ مَعْلُومٌ فَيَجُوزُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَكَانَ فَوْقَ مَا يَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ أَيْ النِّكَاحُ الَّذِي يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ فَوْقَ الْحَدِّ الَّذِي يَسْقُطُ بِهَا فِي الثُّيُوبِ فَبَطَلَ قِيَاسُ النِّكَاحِ بِالْحَدِّ فِي اشْتِرَاطِ الذُّكُورَةِ لِثُبُوتِهِ أَلَا تَرَى تَوْضِيحًا لِقَوْلِهِ النِّكَاحُ مِنْ جِنْسِ مَا يَثْبُتُ بِالشُّبُهَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ وُجُوهِ الِانْتِقَالِ] (بَابُ الِانْتِقَالِ) الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الِانْتِقَالِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْمُمَانَعَةِ؛ لِأَنَّ السَّائِلَ لَمَّا مَنَعَ وَصْفَ الْمُجِيبِ عَنْ كَوْنِهِ عِلَّةً لَمْ يَجِدْ مِنْ إثْبَاتِهِ بِدَلِيلٍ آخَرَ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ مِنْهُ فِي الْقَوْلِ بِمُوجِبِ الْعِلَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ الْحُكْمَ الَّذِي رَتَّبَهُ

стр. 1251

لِأَنَّهُ لَمْ يَدَعْ إلَّا الْحُكْمَ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ فَمَا دَامَ يَسْعَى فِي إثْبَاتِ تِلْكَ الْعِلَّةِ لَمْ يَكُنْ مُنْقَطِعًا وَذَلِكَ مِثْلُ مَنْ عَلَّلَ بِوَصْفٍ مَمْنُوعٍ فَقَالَ فِي الصَّبِيِّ الْمُودَعِ إذَا اسْتَهْلَكَ الْوَدِيعَةَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى الِاسْتِهْلَالِ فَلَمَّا أَنْكَرَهُ الْخَصْمُ احْتَاجَ إلَى إثْبَاتِهِ وَهَذَا هُوَ الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ وَكَذَلِكَ إذَا ادَّعَى حُكْمًا بِوَصْفٍ فَسَلَّمَ لَهُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ انْقِطَاعًا؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ إثْبَاتُ مَا ادَّعَاهُ وَالتَّسْلِيمُ يُحَقِّقُهُ فَلَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ فَإِذَا أَمْكَنَهُ إثْبَاتُ حُكْمٍ آخَرَ بِذَلِكَ الْوَصْفِ كَانَ ذَلِكَ آيَةَ كَمَالِ الْفِقْهِ وَصِحَّةِ الْوَصْفِ مِثْلُ قَوْلِنَا إنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِالْإِقَالَةِ فَلَا يَمْنَعُ الصَّرْفَ إلَى الْكَفَّارَةِ كَالْإِجَارَةِ وَالْبَيْعِ. ــ [كشف الأسرار] الْمُجِيبُ عَلَى الْعِلَّةِ وَادَّعَى النِّزَاعَ فِي حُكْمٍ آخَرَ لَمْ يَتِمَّ مَرَامُ الْمُجِيبِ فَيَنْتَقِلُ إلَى إثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمُتَنَازَعِ فِيهِ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ إنْ أَمْكَنَهُ أَوْ بِعِلَّةٍ أُخْرَى إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ ذَلِكَ وَالرَّابِعُ فِي فَسَادِ الْوَضْعِ وَالْمُنَاقَضَةِ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ دَفْعُهُمَا بِبَيَانِ الْمُلَاءَمَةِ وَالتَّأْثِيرِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدَّعَ أَيْ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ أَيْ الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ الِانْتِفَالِ مِثْلُ مَنْ عَلَّلَ بِوَصْفٍ مَمْنُوعٍ أَيْ غَيْرِ مُسَلَّمٍ عِنْدَ السَّائِلِ فَقَالَ فِي نَفْيِ الضَّمَانِ عَنْ الصَّبِيِّ الْمُودَعِ إذَا اسْتَهْلَكَ الْوَدِيعَةَ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَى الِاسْتِهْلَاكِ فَلَمَّا أَنْكَرَ الْخَصْمُ كَوْنَهُ اسْتِهْلَاكًا احْتَاجَ الْمُجِيبُ إلَى إثْبَاتِهِ وَهَذَا أَيْ إثْبَاتُ مَا ادَّعَاهُ حُجَّةً بِدَلِيلٍ آخَرَ مِنْ غَيْرِ إعْرَاضٍ عَنْ الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ وَاشْتِغَالٍ بِعِلَّةٍ أُخْرَى مِنْ بَابِ الْفِقْهِ فَيَكُونُ حَسَنًا مُسْتَقِيمًا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَعَلَى هَذَا اشْتَغَلَ بِإِثْبَاتِ الْأَصْلِ الثَّانِي تَفَرَّعَ مِنْهُ مَوْضِعُ الْخِلَافِ حَتَّى يَرْتَفِعَ الْخِلَافُ بِإِثْبَاتِ الْأَصْلِ فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ صَحِيحٌ نَحْوُ مَا إذَا وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي الْجَهْرِ بِالتَّسْمِيَةِ فَإِذَا قَالَ الْمُعَلِّلُ: هَذَا يَبْتَنِي عَلَى أَصْلٍ وَهُوَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ لَيْسَتْ بِآيَةٍ مِنْ الْفَاتِحَةِ، ثُمَّ يَشْتَغِلُ بِإِثْبَاتِ ذَلِكَ الْأَصْلِ حَتَّى يُثْبِتَ الْفَرْعَ بِثُبُوتِ الْأَصْلِ يَكُونُ مُسْتَقِيمًا. وَكَذَا إذَا عُلِّلَ بِقِيَاسٍ فَقَالَ خَصْمُهُ: الْقِيَاسُ عِنْدِي لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَاشْتَغَلَ لِإِثْبَاتِ كَوْنِهِ حُجَّةً بِقَوْلِ صَحَابِيٍّ فَيَقُولُ خَصْمُهُ: قَوْلُ الْوَاحِدِ مِنْ الصَّحَابَةِ عِنْدِي لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَاشْتَغَلَ بِإِثْبَاتِ كَوْنِهِ حُجَّةً بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَيَقُولُ خَصْمُهُ: خَبَرُ الْوَاحِدِ عِنْدِي لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَيُحْتَجُّ بِالْكِتَابِ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ حُجَّةٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ طَرِيقًا مُسْتَقِيمًا وَيَكُونُ هَذَا كُلُّهُ سَعْيًا فِي إثْبَاتِ مَا رَامَ إثْبَاتَهُ فِي الِابْتِدَاءِ قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَمِثْلُ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ الْقِسْمُ الثَّانِي فِي أَنَّهُ لَيْسَ بِانْقِطَاعٍ كَانَ ذَلِكَ آيَةَ كَمَالِ الْفِقْهِ أَيْ فِي الْمُجِيبِ حَيْثُ عَلَّلَ عَلَى وَجْهٍ أَمْكَنَهُ إثْبَاتُ حُكْمٍ آخَرَ بِتِلْكَ الْعِلَّةِ وَصِحَّةُ الْوَصْفِ فِي نَفْسِهِ حَيْثُ أَمْكَنَ إجْرَاؤُهُ فِي الْفُرُوعِ مِثْلُ قَوْلِنَا فِي جَوَازِ إعْتَاقِ الْمُكَاتَبِ الَّذِي لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا مِنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ عَنْ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ إنَّ الْكِتَابَةَ عَقْدٌ يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِالْإِقَالَةِ عِنْدَ التَّرَاضِي وَعِنْدَ عَجْزِ الْمُكَاتَبِ عَنْ أَدَاءِ الْبَدَلِ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ التَّدْبِيرِ فَإِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَحْتَمِلْ الْفَسْخَ لَمْ يَجُزْ إعْتَاقُ الْمُدَبَّرِ عَنْ الْكَفَّارَةِ وَكَذَا الِاسْتِيلَادُ فَلَا يَمْنَعُ صَرْفَ الرَّقَبَةِ إلَى الْكَفَّارَةِ كَالْإِجَازَةِ وَالْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَوْ أَجَّرَ الْعَبْدَ أَوْ بَاعَهُ بِشَرْطِ الْخِيَار لِنَفْسِهِ، ثُمَّ أَعْتَقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ جَازَ بِالْإِجْمَاعِ وَقِيلَ: الْمُرَادُ أَنَّ الْبَيْعَ تَصَرُّفٌ لَا يُخْرِجُ الْعَبْدَ الْمَبِيعَ عَنْ صَلَاحِيَّتِهِ لِلصَّرْفِ إلَى الْكَفَّارَةِ لِاحْتِمَالِهِ الْفَسْخَ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي عَنْ الْكَفَّارَةِ أَوْ عَادَ إلَى مِلْكِ الْبَائِعِ بِإِقَالَةٍ أَوْ رُدَّ بِعَيْبٍ أَوْ شِرَاءٍ كَانَ لَهُ أَنْ يَعْتِقَهُ عَنْ الْكَفَّارَةِ فَكَذَا فِي الْكِتَابَةِ فَإِنْ قَالَ السَّائِلُ: أَنَا أَقُولُ بِمُوجِبِ هَذِهِ الْعِلَّةِ فَعِنْدِي لَا يَمْنَعُ هَذَا الْعَقْدَ عَنْ الصَّرْفِ إلَى الْكَفَّارَةِ، وَلَكِنَّ الْمَانِعَ نُقْصَانُ تَمَكُّنٍ فِي الرِّقِّ بِسَبَبِ هَذَا الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ مُسْتَحَقٌّ لِلْعَبْدِ بِسَبَبِ الْكِتَابَةِ كَعِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ. قِيلَ لَهُ: وَجَبَ هَذِهِ الْعِلَّةُ أَنْ لَا يُوجِبَ هَذَا الْعَقْدَ نُقْصَانًا مَانِعًا مِنْ الصَّرْفِ إلَى الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّ مَا يُمْكِنُ نُقْصَانًا لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ نُقْصَانَ الرِّقِّ ثُبُوتُ الْحُرِّيَّةِ مِنْ وَجْهٍ وَكَمَا أَنَّ ثُبُوتَ الْحُرِّيَّةِ مِنْ جَمِيعِ الْوُجُوهِ لَا يَحْتَمِلُ الْفَسْخَ لَا يَحْتَمِلُهُ ثُبُوتُهَا مِنْ وَجْهٍ فَهَذَا إثْبَاتُ الْحُكْمِ الثَّانِي بِالْعِلَّةِ الْأُولَى أَيْضًا قَوْلُهُ (أَوْ لَا يَتَضَمَّنُ مَا يَمْنَعُ) الْخَصْمَ يَقُولُ: عَقْدُ الْكِتَابَةِ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْعَبْدِ لِلْعِتْقِ فَوْقَ الِاسْتِيلَادِ وَالتَّدْبِيرِ وَلِهَذَا يَصِيرُ أَحَقَّ بِمَكَاسِبِهِ وَيَمْتَنِعُ عَلَى الْمَوْلَى التَّصَرُّفَاتُ فِيهِ، ثُمَّ إمَّا أَنْ يُقَالَ تَمَكَّنَ بِهَذَا السَّبَبِ نُقْصَانٌ فِي رِقِّهِ أَوْ يُقَالُ صَارَ هُوَ كَالزَّائِلِ عَنْ ذَلِكَ الْمَوْلَى مِنْ وَجْهٍ.

стр. 1252

فَإِنْ قَالَ: عِنْدِي لَا يَمْنَعُ هَذَا الْعَقْدَ قِيلَ لَهُ: وَجَبَ أَنْ لَا يُوجِبَ فِي الرِّقِّ نَقْصًا مَانِعًا مِنْ الصَّرْفِ إلَى الْكَفَّارَةِ أَوْ لَا يَتَضَمَّنُ مَا يَمْنَعُ وَإِذَا عَلَّلَ بِوَصْفٍ آخَرَ لِحُكْمٍ آخَرَ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا ادَّعَاهُ صَارَ مُسَلَّمًا فَلَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ لَكِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَخْلُو عَنْ ضَرْبِ غَفْلَةٍ. وَأَمَّا الرَّابِعُ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ اسْتَحْسَنَهُ وَاحْتَجَّ بِقِصَّةِ إبْرَاهِيمَ فِي مُحَاجَّةِ اللَّعِينِ فَإِنَّهُ انْتَقَلَ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ كَمَا قَصَّ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وَالصَّحِيحُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا يُعَدُّ انْقِطَاعًا؛ لِأَنَّ النَّظَرَ شُرِعَ لِبَيَانِ الْحَقِّ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَنَاهِيًا لَمْ يَقَعْ بِهِ الْإِبَانَةُ كَمَا إذَا لَزِمَهُ النَّقْضُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ الِاحْتِرَازُ بِوَصْفٍ زَائِدٍ فَلَأَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ التَّعْلِيلُ الْمُبْتَدَأُ أَوْلَى ــ [كشف الأسرار] وَهَذَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ يَلْزَمُهُ الْأَرْشُ وَلَوْ أَتْلَفَهُ تَضَمَّنَ قِيمَتَهُ وَلَوْ وَطِئَ مُكَاتَبَتَهُ تَضَمَّنَ الْعُقْرَ وَثُبُوتُ حُكْمِ الزَّوَالِ عَنْ مِلْكِهِ مِنْ وَجْهٍ كَافٍ لِلْمَنْعِ مِنْ التَّكْفِيرِ بِهِ أَوْ يُقَالُ هُوَ فِي حَقِّ الْمَوْلَى كَفَائِتِ الْمَنْفَعَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِمَنَافِعِهِ وَمَكَاسِبِهِ فَلَا يَجُوزُ صَرْفُهُ إلَى الْكَفَّارَةِ كَالرَّقَبَةِ الْعَمْيَاءِ كَذَا فِي ظِهَارِ الْمَبْسُوطِ فَالشَّيْخُ ﵀ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَجَبَ أَنْ لَا تُوجِبُ نُقْصَانًا فِي الرِّقِّ رَدَّ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَبِقَوْلِهِ أَوْ لَا يَتَضَمَّنُ مَا يَمْنَعُ رَدَّ الْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ يَعْنِي لَوْ قَالَ: إنَّا نُسَلِّمُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُوجِبُ نُقْصَانًا فِي الرِّقِّ، وَلَكِنَّهُ تَضَمَّنَ مَعْنًى يَمْنَعُ الصَّرْفَ وَهُوَ صَيْرُورِيَّةُ كَالزَّائِلِ عَنْ ذَلِكَ أَوْ كَفَائِتِ الْمَنْفَعَةِ نَقُولُ: لَمَّا كَانَ هَذَا الْعَقْدُ مُحْتَمِلًا لِلْفَسْخِ وَجَبَ أَنْ لَا يَتَضَمَّنَ مَعْنًى يَمْنَعُهُ مِنْ صَرْفِهِ إلَى الْكَفَّارَةِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ فَإِنَّ بِالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ زَوَالًا عَنْ مِلْكِهِ مِنْ وَجْهٍ لِانْعِقَادِ سَبَبِ الزَّوَالِ وَهَذَا لَوْ مَاتَ مِنْ الْخِيَارِ لَزِمَ الْبَيْعُ وَبِالْإِجَارَةِ فَاتَتْ الْمَنَافِعُ عَنْ مِلْكِهِ، ثُمَّ إنَّهُمَا لَا يُمْنَعَانِ عَنْ الصَّرْفِ إلَى الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهُمَا يَحْتَمِلَانِ الْفَسْخَ وَكَذَا الْكِتَابَةُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى تَضَمَّنَ هَذَا الْعَقْدَ مَا يَمْنَعُ الصَّرْفَ إلَى الْكَفَّارَةِ عِنْدَ الْخَصْمِ تَضَمُّنَهُ اسْتِحْقَاقَ الْعِتْقِ وَإِنْ لَمْ تُوجِبْ نُقْصَانًا فِي الرِّقِّ فَنَقُولُ: إنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِهِ الْفَسْخَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ بِسَبَبِ الْكِتَابَةِ لَا يَتَمَكَّنُ نُقْصَانٌ فِي رِقِّ الْمُكَاتَبِ وَلَا يَصِيرُ الْعِتْقُ مُسْتَحَقًّا لَهُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعِتْقِ فِي الْكِتَابَةِ مُتَعَلِّقٌ بِشَرْطِ الْأَدَاءِ وَلَوْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِشَرْطٍ آخَرَ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ الِاسْتِحْقَاقُ فَكَذَلِكَ بِهَذَا الشَّرْطِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ التَّعْلِيقَ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ يَمْنَعُ الْفَسْخَ وَهَذَا الشَّرْطُ لَا يَمْنَعُ بِخِلَافِ الِاسْتِيلَادِ؛ لِأَنَّ بِهِ يَتَمَكَّنُ النُّقْصَانُ فِي الرِّقِّ حَتَّى لَا تَعُودَ إلَى الْحَالَةِ الْأُولَى بِحَالٍ وَبِخِلَافِ التَّدْبِيرِ؛ لِأَنَّ الْعِتْقَ بِالتَّدْبِيرِ صَارَ مُسْتَحَقًّا لِلْمُدَبَّرِ وَلِهَذَا لَا يَحْتَمِلُ التَّدْبِيرُ الْفَسْخَ وَإِذَا عُلِّلَ بِوَصْفٍ آخَرَ لِحُكْمٍ آخَرَ يَعْنِي إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ إثْبَاتُ الْحُكْمِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ بِالْعِلَّةِ الْأُولَى فَانْتَقَلَ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى لِإِثْبَاتِهِ فَهُوَ صَحِيحٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَا ادَّعَاهُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ الَّذِي زَعَمَ أَنَّ خَصْمَهُ يُنَازِعُهُ فِيهِ بِالْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ صَارَ مُسْلِمًا فَإِذَا احْتَاجَ إلَى إثْبَاتِ حُكْمٍ آخَرَ كَانَ لَهُ أَنْ يُثْبِتَ بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَلَا يُعَدَّ ذَلِكَ انْقِطَاعًا. وَذَلِكَ مِثْلُ أَنْ نَقُولَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَعْدَمَا سَلَّمَ الْخَصْمُ إنَّ هَذَا الْعَقْدَ بِنَفْسِهِ لَا يَمْنَعُ الصَّرْفَ إلَى الْكَفَّارَةِ هَذِهِ رَقَبَةٌ مَمْلُوكَةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَجُوزَ صَرْفُهَا إلَى الْكَفَّارَةِ قِيَاسًا عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَلَكِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ التَّعْلِيلِ الَّذِي يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الِانْتِقَالِ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى وَحُكْمٍ آخَرَ لَا يَخْلُو عَنْ ضَرْبِ غَفْلَةٍ حَيْثُ لَمْ يَعْرِفْ الْمُعَلِّلُ مَوْضِعَ الْخِلَافِ فِي ابْتِدَاءِ تَعْلِيلِهِ. قَوْلُهُ (أَمَّا الرَّابِعُ) وَهُوَ الِانْتِقَالُ عَنْ عِلَّةٍ إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ فَصَحِيحٌ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ النَّظَرِ؛ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه حِينَ حَاجَّ اللَّعِينَ وَهُوَ نُمْرُودُ بْنُ كَنْعَانَ وَكَانَ يَدَّعِي الْأُلُوهِيَّةَ بِقَوْلِهِ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وَعَارَضَهُ اللَّعِينُ بِقَوْلِهِ ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] انْتَقَلَ إلَى حُجَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ٢٥٨] وَكَانَ هَذَا مِنْهُ انْتِقَالًا إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الَّذِي رَامَ بِالْحُجَّةِ الْأُولَى هُوَ بَيَانُ أَنَّ الْأُلُوهِيَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهَا وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْمَدْحِ لَهُ بِهِ فَثَبَتَ أَنَّهُ صَحِيحٌ وَكَذَلِكَ الْمُدَّعِي إذَا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ فَعُورِضَ بِجُرْحٍ فِيهِمَا كَانَ لَهُ أَنْ يُقِيمَ شَاهِدَيْنِ آخَرَيْنِ لِإِثْبَاتِ مُدَّعَاهُ وَالصَّحِيحُ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الِانْتِقَالِ يُعَدُّ انْقِطَاعًا؛ لِأَنَّ الْمُنَاظَرَةَ شُرِعَتْ لِإِبَانَةِ الْحَقِّ فَإِنَّ تَفْسِيرَ الْمُنَاظَرَةِ النَّظَرُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فِي النِّسْبَةِ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ لِإِظْهَارِ الصَّوَابِ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ

стр. 1253

عَلَيْهِ فَلَيْسَ مَا فِي قِصَّةِ الْحُجَّةِ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ الْأُولَى كَانَتْ لَازِمَةً أَلَا يُرَى أَنَّهُ عَارِضٌ بِأَمْرٍ بَاطِلٍ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اللَّعِينُ مُنْقَطِعًا إلَّا أَنَّ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه لَمَّا خَافَ الِاشْتِبَاهَ وَالتَّلْبِيسَ عَلَى الْقَوْمِ انْتَقَلَ إلَى دَفْعٍ آخَرَ دَفْعًا لِلِاشْتِبَاهِ إلَى مَا هُوَ حَالٌ عَمَّا يُوجِبُ لَبْسًا وَذَلِكَ حَسَنٌ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ وَخَوْفِ الِاشْتِبَاهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ــ [كشف الأسرار] أَيْ النَّظَرُ أَوْ الدَّلِيلُ مُتَنَاهِيًا لَمْ يَقَعْ بِهِ إبَانَةُ الْحَقِّ يَعْنِي لِوُجُودِ الِانْتِقَالِ وَلَمْ يُجْعَلْ انْقِطَاعًا لَطَالَ مَجْلِسُ الْمُنَاظَرَةِ مِنْ غَيْرِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ إبَانَةُ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ الْمُعَلِّلَ كُلَّمَا رُدَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ يَتَعَلَّقُ بِآخَرَ فَلَا يَنْتَهِي الْمُنَاظَرَةُ وَلَا يَحْصُلُ الْمَرَامُ وَهَذَا نَظِيرُ نَقْضٍ يَتَوَجَّهُ عَلَى الْعِلَّةِ فَإِنَّهُ يُعَدُّ انْقِطَاعًا وَلَا يَصِحُّ مِنْ الْمُعَلِّلِ إدْرَاجُ وَصْفٍ زَائِدٍ يَحْصُلُ بِهِ الِاحْتِرَازُ عَنْ النَّقْضِ مَعَ أَنَّهُ سَاعٍ فِي تَصْحِيحِ الْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَإِنَّ الْوَصْفَ الزَّائِدَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ بِنَفْسِهِ فَلَأَنْ يُعَدَّ انْقِطَاعًا مَعَ أَنَّهُ تَعْلِيلٌ مُسْتَبِدٌّ تَامٌّ بِنَفْسِهِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ الْأُولَى غَيْرُ صَالِحَةٍ أَصْلًا لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ بِهَا كَانَ أَوْلَى فَأَمَّا قِصَّةُ إبْرَاهِيمَ ﵇ فَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَيْ مِنْ قَبِيلِ الِانْتِقَالِ الْفَاسِدِ؛ لِأَنَّ الْحُجَّةَ الْأُولَى الَّتِي ذَكَرَهَا كَانَتْ لَازِمَةً عَلَى اللَّعِينِ؛ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ أَرَادَ بِقَوْلِهِ ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة: ٢٥٨] حَقِيقَةَ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ وَعَارَضَهُ اللَّعِينُ بِأَمْرٍ بَاطِلٍ وَهُوَ إطْلَاقُ أَحَدِ الْمَسْجُونَيْنِ وَقَتْلِ الْآخَرِ وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ فِي شَيْءٍ إلَّا بِطَرِيقِ الشُّبْهَةِ وَالْمَجَازِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَيْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ الْحُجَّةَ الْأُولَى لَازِمَةٌ وَأَنَّ الْمُعَارَضَةَ بَاطِلَةٌ كَانَ اللَّعِينُ مُنْقَطِعًا أَيْ مَحْجُوجًا بِتِلْكَ الْحُجَّةِ وَكَانَ يُمْكِنُ لِإِبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه أَنْ يَقُولَ: إنِّي أَرَدْتُ بِالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ حَقِيقَتَهُمَا لَا مَا أَرَيْتُ مِنْ الْإِطْلَاقِ وَالْقَتْلِ بَلْ أَنَا أَفْعَلُ كَمَا فَعَلْتَ وَلَكِنْ أَنْ قَدَرْت عَلَى الْإِمَاتَةِ وَالْإِحْيَاءِ فَأَمِتْ هَذَا الَّذِي أَطْلَقْتَهُ مِنْ غَيْرِ مُبَاشَرَةِ آلَةٍ وَسَبَبٍ وَأَحْيِ هَذَا الَّذِي قَتَلْتَهُ فَيَظْهَرُ بِهِ بُهْتُ اللَّعِينِ إلَّا أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا كَانُوا أَصْحَابَ الظَّوَاهِرِ وَكَانُو لَا يَتَأَمَّلُونَ فِي حَقَائِقِ الْمَعَانِي خَافَ الْخَلِيلُ ﵇ الِاشْتِبَاهَ وَالِالْتِبَاسَ عَلَيْهِمْ فَضَمَّ إلَى الْحُجَّةِ الْأُولَى حُجَّةً ظَاهِرَةً لَا يَكَادُ يَقَعُ فِيهَا الِاشْتِبَاهُ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ. وَذَلِكَ أَيْ الِانْتِقَالُ إلَى حُجَّةٍ أُخْرَى حَسَنٌ عِنْدَ قِيَامِ الْحُجَّةِ الْأُولَى وَخَوْفِ الِاشْتِبَاهِ فَإِنَّ الْمُجِيبَ إذَا تَكَلَّمَ بِكَلَامٍ دَقِيقٍ يَخْفَى عَلَى الْقَوْمِ وَالْخَصْمُ يُلْبِسُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَحَوَّلَ إلَى ظَاهِرٍ يُدْرِكُهُ الْقَوْمُ وَالْمُعَلِّلُ إذَا ثَبَتَ عِلَّتُهُ قَدْ يَقُومُ وَاَلَّذِي يُوَضِّحُ مَا ذَكَرْت فَيَأْتِي بِكَلَامٍ أَوْضَحَ مِنْ الْأَوَّلِ فِي إثْبَات مَا رَامَهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ حِجَجَ الشَّرْعِ أَنْوَارٌ فَضَمَّ حُجَّةً إلَى حُجَّةٍ كَضَمِّ سِرَاجِ إلَى سِرَاجٍ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى ضَعْفِ أَحَدِهِمَا أَوْ بُطْلَانِ أَثَرِهِ فَكَذَلِكَ ضَمُّ حُجَّةٍ إلَى حُجَّةٍ وَإِنَّمَا جَعَلْنَا هَذَا انْقِطَاعًا فِي وَضْعٍ يَكُونُ الِانْتِقَالُ لِلْعَجْزِ عَنْ إثْبَاتِ الْحُكْمِ بِالْعِلَّةِ وَأَمَّا الِانْتِقَالُ إلَى بَيِّنَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الْجَرْحِ فِي الَّتِي أَقَامَهَا فَإِنَّمَا يَجُوزُ صِيَانَةً لِحُقُوقِ النَّاسِ إذْ لَوْ لَمْ يَجُزْ الِانْتِقَالُ ضَاعَ حُقُوقُ النَّاسِ بِلَا تَدَارُكٍ وَذَكَرَ فِي عَيْنِ الْمَعَانِي أَنَّ إبْرَاهِيمَ ﵇ رَجَّحَ حُجَّتَهُ بِمَا يُشَاكِلُهَا دَفْعًا لِلتَّلْبِيسِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ إمَاتَةٌ، ثُمَّ إحْيَاءٌ وَالثَّانِي إزَالَةٌ، ثُمَّ إنْشَاءٌ فَالنَّفْسُ مُشْرِقَةٌ بِرُوحِهَا، ثُمَّ زَائِلُهُ عِنْدَ زُهُوقِهَا وَالشَّمْسُ مُشْرِقَةٌ بِنُورِهَا، ثُمَّ هِيَ بَاطِلَةٌ عِنْدَ غُرُوبِهَا فَكَانَتْ تَأْكِيدًا لَا انْتِقَالًا وَلَمْ يَقُلْ اللَّعِينُ فَلْيَأْتِ رَبُّك؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُعَانِدًا خَافَ الْفَضِيحَةَ أَوْ صَرَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى. وَاعْلَمْ أَنَّ الِانْقِطَاعَ كَمَا يَتَحَقَّقُ مِنْ جَانِبِ الْمُعَلِّلِ يَتَحَقَّقُ مِنْ جَانِبِ السَّائِلِ فَإِنَّ تَفْسِيرَهُ عَجْزُ الْمُنَاظِرِ وَقُصُورُهُ عَنْ بُلُوغِ مَا هَمَّ فِي أَوَّلِ مَا شَرَعَ فِيهِ مِنْ تَصْحِيحِ مَذْهَبِهِ وَذَلِكَ فِي جَانِبِ الْمُعَلِّلِ بِالْعَجْزِ عَنْ الْوَفَاءِ بِمَا ضَمِنَ مِنْ تَحْقِيقِ قَوْلِهِ بِالْحُجَّةِ الَّتِي أَبْرَزَهَا وَأَرَى تَصْدِيقَ قَوْلِهِ بِهَا وَفِي جَانِبِ السَّائِلِ بِالْعَجْزِ عَنْ الْمَنْعِ أَوْ عَنْ تَصْحِيحِ مَنْعِهِ بِإِسْنَادِهِ إلَى مُسْتَنَدٍ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَمَّا شَرَعَ

стр. 1254

بَابُ مَعْرِفَةِ أَقْسَامِ الْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ وَالشُّرُوطِ جُمْلَةِ مَا يَثْبُتُ بِالْحُجَجِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا سَابِقًا عَلَى بَابِ الْقِيَاسِ شَيْئَانِ الْأَحْكَامُ الْمَشْرُوعَةُ وَالثَّانِي مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ الْمَشْرُوعَةُ وَإِنَّمَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ لِلْقِيَاسِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فَأَلْحَقْنَاهَا بِهَذَا الْبَابِ لِيَكُونَ وَسِيلَةً بَعْدَ أَحْكَامِ طُرُقِ التَّعْلِيلِ أَمَّا الْأَحْكَامُ فَأَنْوَاعٌ حُقُوقُ اللَّهِ : خَالِصَةً وَحُقُوقُ الْعِبَادِ خَالِصَةً وَالثَّالِثُ مَا اجْتَمَعَ فِيهِ الْحَقَّانِ وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى غَالِبٌ وَالرَّابِعُ مَا اجْتَمَعَا وَحَقُّ الْعَبْدِ فِيهِ غَالِبٌ. وَحُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى ثَمَانِيَةُ أَنْوَاعٍ. عِبَادَاتٌ خَالِصَةٌ، وَعُقُوبَاتٌ خَالِصَةٌ، وَعُقُوبَاتٌ قَاصِرَةٌ وَحُقُوقٌ دَائِرَةٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَعِبَادَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ وَمُؤْنَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَمُؤْنَةٌ فِيهَا شُبْهَةُ الْعُقُوبَةِ وَحَقٌّ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ. وَالْعِبَادَاتُ نَوْعَانِ الْإِيمَانُ وَفُرُوعُهُ. ــ [كشف الأسرار] فِي التَّعْلِيلِ أَوْ الْمَنْعِ فَقَدْ أَظْهَرَ أَنَّهُ يُرِيدُ تَصْحِيحَهُ فَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ فَقَدْ انْقَطَعَ وَأَنَّهُ أَنْوَاعٌ أَرْبَعَةٌ عَلَى مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀: أَحَدُهُمَا وَهُوَ أَظْهَرُهَا السُّكُوتُ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَنْ اللَّعِينِ عِنْدَ إظْهَارِ الْخَلِيلِ ﵇ حُجَّتَهُ بِقَوْلِهِ ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] . وَالثَّانِي جَحْدُ مَا يُعْلَمُ ضَرُورَةً أَوْ بِطَرِيقِ الْمُشَاهَدَةِ جَحْدُ مِثْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا عَجْزُهُ عَنْ دَفْعِ عِلَّةِ الْمُعَلِّلِ فَكَانَ انْقِطَاعًا. وَالثَّالِثُ الْمَنْعُ بَعْدَ تَسْلِيمٍ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلَى الْمَنْعِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَتَنَاقُضِ الْكَلَامِ إلَّا عَجْزُهُ عَنْ الدَّفْعِ لِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ خَصْمُهُ وَلَا يُقَالُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَسْلِيمُهُ عَنْ سَهْوٍ أَوْ غَفْلَةٍ؛ لِأَنَّ عِنْدَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ وَجْهُ الدَّفْعِ بِطَرِيقِ التَّسْلِيمِ، ثُمَّ يَبْتَنِي عَلَيْهِ اسْتِدْرَاكُ مَا سَهَا فِيهِ فَأَمَّا أَنْ يَرْجِعَ عَنْ التَّسْلِيمِ إلَى الْمَنْعِ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ الدَّفْعِ بِطَرِيقِ التَّسْلِيمِ فَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْعَجْزِ. وَالرَّابِعُ عَجْزُ الْمُعَلِّلِ عَنْ تَصْحِيحِ الْعِلَّةِ الَّتِي قَصَدَ إثْبَاتَ الْحُكْمِ بِهَا حَتَّى انْتَقَلَ مِنْهَا إلَى عِلَّةٍ أُخْرَى لِإِثْبَاتِ الْحُكْمِ فَإِنَّ ذَلِكَ انْقِطَاعٌ؛ لِأَنَّهُ عَجْزٌ عَنْ إظْهَارِ مُرَادِهِ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَجْزِ ابْتِدَاءً عَنْ إقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَى الْحُكْمِ الَّذِي ادَّعَاهُ، ثُمَّ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الِانْتِقَالِ إنَّمَا يَكُونُ انْقِطَاعًا فِي حَقِّ الْمُعَلِّلِ دُونَ السَّائِلِ فَإِنَّهُ لَوْ انْتَقَلَ مِنْ دَلِيلٍ إلَى دَلِيلٍ لَا يَكُونُ بِهِ بَأْسٌ؛ لِأَنَّهُ مُعَارِضٌ لِكَلَامِ الْمُجِيبِ فَمَا دَامَ فِي الْمُعَارَضَةِ بِدَلِيلٍ يَصْلُحُ مُعَارِضًا لَا يَكُونُ مُنْقَطِعًا بِخِلَافِ الْمُجِيبِ إلَيْهِ أُشِيرُ فِي الْمِيزَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ مَعْرِفَةِ أَقْسَامِ الْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ وَالشُّرُوطِ] (بَابُ مَعْرِفَةِ أَقْسَامِ الْإِثْبَاتِ وَالْعِلَلِ وَالشُّرُوطِ) لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخُ ﵀ الْأَحْكَامَ فِي تَلْقِيبِ الْبَابِ كَمَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ الْأَحْكَامَ فِي هَذَا الْبَابِ؛ لِأَنَّ عَرْضَهُ مِنْ عَقْدِ الْبَابِ بَيَانُ الْأَسْبَابِ وَالْعِلَلِ وَالشُّرُوطِ دُونَ الْأَحْكَامِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ بِالْحُجَجِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا سَابِقًا أَيْ مَرَّ ذِكْرُهَا قَبْلَ بَابِ الْقِيَاسِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ أَوْ هُوَ سِيقَ مِنْ السَّوْقِ لَا مِنْ السَّبْقِ وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ سَابِقًا عَلَى بَابِ الْقِيَاسِ؛ لِأَنَّ بِالْقِيَاسِ لَا يَثْبُتُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عِنْدَ الشَّيْخِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي بَابِ حُكْمِ الْعِلَّةِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ لِلْقِيَاسِ أَيْ لِأَجْلِ الْقِيَاسِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهِيَ الْأَحْكَامُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ لِتَعْدِيَةِ حُكْمٍ مَعْلُومٍ بِسَبَبِهِ وَشَرْطِهِ بِوَصْفٍ مَعْلُومٍ عَلَى مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي أَوَّلِ بَابِ حُكْمِ الْعِلَّةِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ مَعْرِفَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَأَلْحَقْنَاهَا أَيْ تِلْكَ الْجُمْلَةَ يَعْنِي بَيَانَهَا بِهَذَا الْبَابِ وَهُوَ بَابُ الْقِيَاسِ لِيَكُونَ مَعْرِفَتُهَا وَسِيلَةً إلَيْهِ أَيْ إلَى الْقِيَاسِ بَعْدَ أَحْكَامِ طَرَفِ التَّعْلِيلِ وَالْوَسِيلَةُ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَى الْغَيْرِ وَالْجَمْعُ الْوُسُلُ وَالْوَسَائِلُ. وَلَا يُقَالُ لَمَّا كَانَتْ مَعْرِفَةُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَسِيلَةً إلَى الْقِيَاسِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تُذْكَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةُ قَبْلَ الْقِيَاسِ إذْ الْوَسَائِلُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَقَاصِدِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ كَوْنُ الْقِيَاسِ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الشَّرْعِ وَحُجَّةً مِنْ حُجَجِهِ أَوْجَبَ وَصْلَهُ بِالْحُجَجِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَتَرْتِيبَهُ عَلَيْهَا فَلِذَلِكَ لَزِمَ تَأْخِيرُ بَيَانِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ إلَى الْفَرَاغِ وَإِلْحَاقُهُ بِهِ قَوْلُهُ (حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى خَالِصَةً) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ قَالَ السَّيِّدُ الْإِمَامُ أَبُو الْقَاسِمِ ﵀ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ: الْحَقُّ الْمَوْجُودُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ فِي وُجُودِهِ وَمِنْهُ السِّحْرُ حَقٌّ وَالْعَيْنُ حَقٌّ أَيْ مَوْجُودٌ بِأَثَرِهِ وَهَذَا الدَّيْنُ حَقٌّ أَيْ مَوْجُودٌ صُورَةً وَمَعْنًى وَلِفُلَانِ حَقٌّ فِي ذِمَّةِ فُلَانٍ أَيْ شَيْءٌ مَوْجُودٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ قَالَ: وَحَقُّ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّفْعُ الْعَامُّ لِلْعَالَمِ فَلَا يَخْتَصُّ بِهِ أَحَدٌ وَيُنْسَبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى تَعْظِيمًا أَوْ لِئَلَّا يَخْتَصَّ بِهِ أَحَدٌ

стр. 1255

وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَصْلٌ وَمُلْحَقٌ بِهِ وَزَوَائِدُ أَمَّا الْأَصْلُ فَالتَّصْدِيقُ فِي الْإِيمَانِ أَصْلٌ مُحْكَمٌ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِحَالٍ بِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ وَلَا يَبْقَى مَعَ التَّبْدِيلِ بِحَالٍ وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ رُكْنٌ فِي الْإِيمَانِ مُلْحَقٌ بِالتَّصْدِيقِ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ دَلِيلٌ عَلَى التَّصْدِيقِ فَانْقَلَبَ رُكْنًا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهُوَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا أَيْضًا حَتَّى إذَا أُكْرِهَ الْكَافِرُ عَلَى الْإِيمَانِ فَآمَنَ صَحَّ إيمَانُهُ بِنَاءً عَلَى وُجُودِ أَحَدِ الرُّكْنَيْنِ بِخِلَافِ الرِّدَّةِ فِي الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ فِي الرِّدَّةِ دَلِيلٌ مَحْضٌ لَا رُكْنٌ. ــ [كشف الأسرار] مِنْ الْجَبَابِرَةِ لِحُرْمَةِ الْبَيْتِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةُ الْعَالَمِ بِاتِّحَادِهِ قِبْلَةً لِصَلَوَاتِهِمْ وَمَثَابَةً لِاعْتِذَارِ أَجْرَامِهِمْ وَكَحُرْمَةِ الزِّنَا لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ عُمُومِ النَّفْعِ فِي سَلَامَةِ الْإِنْسَانِ وَصِيَانَةِ الْفُرُشِ وَارْتِفَاعِ السَّيْفِ بَيْنَ الْعَشَائِرِ بِسَبَبِ التَّنَازُعِ بَيْنَ الزُّنَاةِ وَإِنَّمَا يُنْسَبُ إلَيْهِ تَعْظِيمًا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ حَقًّا لَهُ بِهَذَا الْوَجْهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَقًّا لَهُ بِجِهَةِ التَّخْلِيقِ؛ لِأَنَّ الْكُلَّ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ بَلْ الْإِضَافَةُ إلَيْهِ لِتَشْرِيفِ مَا عَظُمَ خَطَرُهُ وَقَوِيَ نَفْعُهُ وَشَاعَ فَضْلُهُ بِأَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ النَّاسُ كَافَّةً وَحَقُّ الْعَبْدِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ خَاصَّةٌ كَحُرْمَةِ مَالِ الْغَيْرِ فَإِنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ لِيَتَعَلَّقَ صِيَانَةُ مَالِهِ بِهَا فَلِهَذَا يُبَاحُ مَالُ الْغَيْرِ بِإِبَاحَةِ الْمِلْكِ وَلَا يُبَاحُ الزِّنَا بِإِبَاحَتِهَا وَلِإِبَاحَةِ أَهْلِهَا. وَعُقُوبَاتٌ قَاصِرَةُ الْمُرَادِ بِالْوَاحِدَةِ إذْ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ إلَّا حِرْمَانُ الْمِيرَاثِ وَلِهَذَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: وَعُقُوبَةٌ قَاصِرَةٌ وَكَذَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمُنْتَخَبِ أَيْضًا وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ يَعْنِي هَذِهِ الْأَنْوَاعُ الثَّلَاثَةُ مَوْجُودَةٌ فِي مَجْمُوعِ النَّوْعَيْنِ لَا أَنَّ كُلَّ نَوْعٍ مُنْقَسِمٌ إلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ لَا يُحْتَمَلُ السُّقُوطُ بِحَالٍ كَمَا يَحْتَمِلُهُ الْإِقْرَارُ بِعُذْرِ الْكُرْهِ وَبِغَيْرِهِ مِنْ الْأَعْذَارِ مِثْلُ إنْ صَارَ مُثْقَلَ اللِّسَانِ. وَلَا يَبْقَى أَيْ الْإِيمَانُ مَعَ تَبْدِيلِ التَّصْدِيقِ بَعْدَهُ بِحَالٍ سَوَاءٌ كَانَ بِالْإِكْرَاهِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَالْإِقْرَارُ مُلْحَقٌ بِالتَّصْدِيقِ وَالزَّوَائِدُ فِي الْإِيمَانِ تَكْرَارُ الشَّهَادَةِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَذَا قِيلَ وَهُوَ أَيْ الْإِقْرَارُ فِي الْأُصُولِ دَلِيلٌ عَلَى التَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّ اللِّسَانَ مُعَبِّرٌ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ فَانْقَلَبَ أَيْ الْإِقْرَارُ مُنْضَمًّا إلَى التَّصْدِيقِ رُكْنًا مِنْ الْإِيمَانِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِمَنْزِلَةِ عِلَّةٍ ذَاتِ وَصْفَيْنِ حَتَّى لَوْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ فَيَكُونُ مُؤْمِنًا فِي الْحُكْمِ وَلَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَوْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَعِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ الْإِقْرَارُ شَرْطُ إجْرَاءِ الْأَحْكَامِ وَرُكْنُ الْإِيمَانِ هُوَ التَّصْدِيقُ لَا غَيْرُ وَقَدْ مَرَّتْ الْمَسْأَلَةُ فِي بَابِ بَيَانِ حُسْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَهُوَ أَصْلٌ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا يَعْنِي التَّصْدِيقَ وَالْإِقْرَارَ وَإِنْ كَانَا رُكْنَيْنِ فِي مُطْلَقِ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الْكَيْلِ وَالْجِنْسِ فِي بَابِ الرِّبَا، لَكِنَّ الْإِقْرَارَ صَارَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا بِمَنْزِلَةِ التَّصْدِيقِ إعْلَاءً لِلْإِسْلَامِ كَمَا جُعِلَ أَحَدُ وَصْفَيْ عِلَّةِ الرِّبَا عِلَّةَ الْحُرْمَةِ رِبَا النَّسِيئَةِ وَلِهَذَا حَكَمْنَا بِالْإِيمَانِ بِوُجُودِ الْإِقْرَارِ وَإِنْ فَاتَ التَّصْدِيقُ حَتَّى لَوْ أُكْرِهَ الْحَرْبِيُّ أَوْ الذِّمِّيُّ عَلَى الْإِيمَانِ فَإِنْ صَحَّ إيمَانُهُ بِنَاءً عَلَى وُجُودِ الْإِقْرَارِ مَعَ أَنَّ قِيَامَ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى عَدَمِ التَّصْدِيقِ كَمَا حَكَمْنَا بِبَقَاءِ الْإِيمَانِ بِنَاءً عَلَى بَقَاءِ التَّصْدِيقِ مَعَ فَوَاتِ الْإِقْرَارِ بِالْإِكْرَاهِ إعْلَاءً لِلْإِسْلَامِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى الظَّوَاهِرِ وَالْإِقْرَارُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى مَا فِي الضَّمِيرِ وَالضَّمِيرُ أَمْرٌ بَاطِنٌ فَبُنِيَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَجُعِلَ هُوَ أَصْلًا فِيهِ وَفِي اعْتِبَارِ مُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ إعْلَاءُ الْإِسْلَامِ وَتَكْثِيرُ سَوَادِ الْمُسْلِمِينَ وَتَحْمِيلٌ لِلْكَافِرِ عَلَى الْإِيمَانِ الْحَقِيقِيِّ فَإِنَّهُ لَمَّا مُنِعَ عَنْ إظْهَارِ الْكُفْرِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ بِطَرِيقِ الْخَبَرِ رُبَّمَا يَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى الْإِيمَانِ بِطَرِيقِ الْإِخْلَاصِ كَمَا أَنَّ الْجِزْيَةَ وُضِعَتْ عَلَيْهِ لِتَحْمِلَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ إذَا عَايَنَ عِزَّةَ الْإِسْلَامِ وَمَذَلَّةَ الْكُفْرِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ بِمُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ يَثْبُتُ الْإِيمَانُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَعْرِفُ الْمُنَافِقِينَ بِالْوَحْيِ كَمَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ وَالْخَبَرُ ثُمَّ كَانَ يُعَامِلُهُمْ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا بِنَاءً عَلَى الْإِقْرَارِ الْمُجَرَّدِ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا بِخِلَافِ الرِّدَّةِ حَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ بِمُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ حَتَّى لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْكُفْرِ فَيَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ بِلِسَانِهِ لَا يَصِيرُ مُرْتَدًّا؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ أَيْ الْإِقْرَارَ بِاللِّسَانِ فِي الرِّدَّةِ دَلِيلٌ مَحْضٌ عَلَى مَا فِي الضَّمِيرِ

стр. 1256

وَالْأَصْلُ فِي فُرُوعِ الْإِيمَانِ هِيَ الصَّلَاةُ وَهِيَ عِمَادُ الدِّينِ شُرِعَتْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْبَدَنِ الَّذِي يَشْمَلُ ظَاهِرَ الْإِنْسَانِ وَبَاطِنَهُ إلَّا أَنَّهَا لَمَّا صَارَتْ أَصْلًا بِوَاسِطَةِ الْكَعْبَةِ كَانَتْ دُونَ الْإِيمَانِ الَّذِي صَارَ قُرْبَةً بِلَا وَاسِطَةٍ، ثُمَّ الزَّكَاةُ الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِأَحَدِ ضَرْبَيْ النِّعْمَةِ وَهُوَ الْمَالُ وَهِيَ دُونَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ نِعْمَةَ الْبَدَنِ أَصْلٌ وَنِعْمَةُ الْمَالِ فَرْعٌ وَالْأُولَى صَارَتْ قُرْبَةً هِيَ بِوَاسِطَةِ الْقِبْلَةِ الَّتِي هِيَ جَمَادٌ وَهَذِهِ صَارَتْ قُرْبَةً بِوَاسِطَةِ الْفَقِيرِ الَّذِي لَهُ ضَرْبُ اسْتِحْقَاقٍ فِي الصَّرْفِ. ــ [كشف الأسرار] مِنْ الِاعْتِقَادِ كَمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي التَّكَلُّمِ لَا رُكْنٌ فَإِنَّ الرُّكْنَ فِي الرِّدَّةِ تَبْدِيلُ الِاعْتِقَادِ لَا غَيْرُ وَهَذَا لَوْ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ يَكْفُرُ وَتَبِينُ مِنْهُ امْرَأَتُهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَلَوْ جَعَلْنَا الْإِقْرَارَ فِي الرِّدَّةِ رُكْنًا لَكَانَ ذَلِكَ سَعْيًا مِنَّا فِي إثْبَاتِ الْكُفْرِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ كَمَا كَانَ جَعْلُ الْإِقْرَارِ فِي الْإِيمَانِ رُكْنًا سَعْيًا فِي إعْلَاءِ الْإِسْلَامِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ دَلِيلٌ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ كَانَ قِيَامُ السَّيْفِ عَلَى رَأْسِهِ دَلِيلًا مُعَارِضًا لَهُ فَلَمْ يُثْبِتْ الرِّدَّةَ. قَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ فِي فُرُوعِ الْإِيمَانِ) الَّتِي هِيَ النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الْعِبَادَاتِ الصَّلَاةُ وَهَذَا لَمْ تَخْلُ عَنْهَا شَرِيعَةٌ مِنْ شَرَائِعِ الْمُرْسَلِينَ وَهِيَ عِمَادُ الدِّينِ كَمَا وَقَعَتْ إلَيْهِ الْإِشَارَةُ النَّبَوِيَّةُ فِي قَوْلِهِ ﵇ «الصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ مَنْ أَقَامَهَا فَقَدْ أَقَامَ الدِّينَ وَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ هَدَمَ الدِّينَ» شُرِعَتْ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْبَدَنِ الَّذِي يَشْمَلُ ظَاهِرَ الْإِنْسَانِ وَبَاطِنَهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ دَرَجَاتِ الشُّكْرِ أَنْ يَعْرِفَ النِّعْمَةَ، ثُمَّ لَا يَسْتَعْمِلَهَا بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ فِي عِصْيَانِ النِّعَمِ، ثُمَّ يُظْهِرَهَا بِمَقَالِهِ وَأَفْعَالِهِ لِكَوْنِ كِتْمَانِهَا كُفْرَانًا لَهَا. ، ثُمَّ أَوَّلُ دَرَجَاتِ الشُّكْرِ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ بِالنِّعْمَةِ إنَّمَا يَحْصُلُ بِكَوْنِ الشُّكْرِ مِنْ جِنْسِ النِّعَمِ وَنِعْمَةُ الْبَدَنِ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى نِعَمٍ ظَاهِرَةٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ السَّلِيمَةِ وَمَا يَحْصُلُ لَهُ بِهَا مِنْ التَّقَلُّبِ مِنْ حَالَةٍ إلَى حَالَةٍ مِنْ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالِانْحِنَاءِ وَعَلَى نِعَمٍ بَاطِنَةٍ مِنْ الْقُوَى النَّفْسَانِيَّةِ الْمُدْرِكَةِ لِلْمَعَانِي فَشُرِعَتْ الصَّلَاةُ شُكْرًا لِنِعَمِ ظَاهِرِ الْبَدَنِ وَبَاطِنِهِ فَأَرْكَانُ الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الصُّورَةِ لَهَا تَعَلُّقٌ بِظَاهِرِ الْبَدَنِ وَجُعِلَ أَفْضَلَ أَرْكَانِهَا طُولُ الْقُنُوتِ لِيُعْرَفَ مِمَّا يَلْحَقُهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ قَدْرُ الرَّاحَةِ الَّتِي يَنَالُهَا بِالتَّقَلُّبِ عَلَى حَسَبِ الْإِرَادَةِ وَمُوَافَقَةِ مَا تَهْوَاهُ نَفْسُهُ وَالنِّيَّةُ وَالْإِخْلَاصُ وَالْخُضُوعُ وَالْخُشُوعُ الَّتِي هِيَ رُوحُ الصَّلَاةِ وَمَعْنَاهَا تَتَعَلَّقُ بِالْبَاطِنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا شُرِعَتْ بِطَرِيقِ الشُّكْرِ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ: إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا» أَخْبَرَ أَنَّهُ يُصَلِّي لِلَّهِ تَعَالَى شُكْرًا عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ إلَّا أَنَّهَا أَيْ، لَكِنَّهَا كَذَا وَتَقْرِيرُهُ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَنَّ الصَّلَاةَ صَارَتْ قُرْبَةً بِوَاسِطَةِ الْبَيْتِ الَّذِي عَظَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَأُمِرْنَا بِتَعْظِيمِهِ لِإِضَافَتِهِ إلَى نَفْسِهِ فَقَالَ ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ [البقرة: ١٢٥] الْآيَةَ حَتَّى لَا تَتَأَدَّى هَذِهِ الْقُرْبَةُ إلَّا بِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي حَالَةِ الْإِمْكَانِ وَفِي ذَلِكَ مِنْ مَعْنَى التَّعْظِيمِ مَا أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] لِيَعْلَمَ بِهِ أَنَّ الْمَطْلُوبَ وَجْهُ اللَّهِ وَوَجْهُ اللَّهِ لَا جِهَةَ لَهُ فَجَعَلَ الشَّرْعُ اسْتِقْبَالَ جِهَةِ الْكَعْبَةِ فَإِنَّمَا مَقَامُ مَا هُوَ الْمَطْلُوبُ لِأَدَاءِ هَذِهِ الْقُرْبَةِ وَأَصْلُ الْإِيمَانِ فِيهِ تَقَرُّبٌ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِلَا وَاسِطَةٍ وَفِي الصَّلَاةِ تَقَرُّبٌ بِوَاسِطَةِ الْبَيْتِ فَكَانَتْ مِنْ شَرَائِعِ الْإِيمَانِ لَا مِنْ نَفْسِ الْإِيمَانِ. قَوْلُهُ (ثُمَّ الزَّكَاةُ) أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ فِي الرُّتْبَةِ الزَّكَاةُ الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِأَحَدِ ضَرْبَيْ النِّعْمَةِ وَهُوَ الْمَالُ فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ مَشْرُوعَةٌ لِإِظْهَارِ شُكْرِ النِّعْمَةِ بِهَا فِي الدِّينَا وَنَيْلِ الثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ فَكَمَا أَنَّ شُكْرَ نِعْمَةِ الْبَدَنِ بِعِبَادَةٍ تُؤَدَّى بِجَمِيعِ الْبَدَنِ وَهِيَ الصَّلَاةُ فَشُكْرُ نِعْمَةِ الْمَالِ بِعِبَادَةٍ مُؤَدَّاةٍ بِجِنْسِ تِلْكَ النِّعْمَةِ لِيَعْرِفَ بِزَوَالِ الْمَحْبُوبِ مِنْ الْمَالِ الْمَرْغُوبِ فِي اقْتِنَائِهِ إلَى مَنْ لَا يَصِلُ إلَيْهِ مِنْهُ نَفْعٌ وَبِمَا يَلْحَقُ طَبِيعَةٌ مِنْ الْمَشَقَّةِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَ بَعْضُ الْأَجْوَادِ إنَّا نَجِدُ فِي بَذْلِ الْمَالِ مَا يَجِدُهُ الْبُخَلَاءُ، وَلَكِنَّا نَتَصَبَّرُ وَلِهَذَا كَانَ الْجُودُ قَرِينَ الشُّجَاعَةِ وَقَلَّمَا يَفْتَرِقَانِ لِتَوَلُّدِهِمَا مِنْ قُوَّةِ الْقَلْبِ قَدْرَ مَا أَزَالَ إلَيْهِ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ وَأَتَى مِنْ الْبَسِيطَةِ فِي فَنُونِهَا إلَّا أَنَّ الزَّكَاةَ دُونَ الصَّلَاةِ فِي الرُّتْبَةِ؛ لِأَنَّ نِعْمَةَ الْبَدَنِ أَصْلٌ.

стр. 1257

ثُمَّ الصَّوْمُ قُرْبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِنِعْمَةِ الْبَدَنِ مُلْحَقَةٌ بِالْأَصْلِ كَأَنَّهَا وَسِيلَةٌ إلَى الْأَصْلِ وَهُوَ لَا يَصِيرُ قُرْبَةً إلَّا بِوَاسِطَةِ النَّفْسِ وَهِيَ دُونَ الْوَاسِطَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ حَتَّى صَارَتْ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ. ــ [كشف الأسرار] وَنِعْمَةُ الْمَالِ فَرْعٌ؛ لِأَنَّ الْمَالَ وِقَايَةُ النَّفْسِ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ بِدُونِهَا وَيُنْتَفَعُ بِالنَّفْسِ بِدُونِ الْمَالِ فَكَانَ الْمُتَعَلِّقُ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلٌ أَعْلَى رُتْبَةً مِمَّا تَعَلَّقَ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي هِيَ فَرْعٌ وَقَوْلُهُ وَالْأَوْلَى صَارَتْ قُرْبَةً دَلِيلٌ آخَرُ أَيْ وَلِأَنَّ الْأُولَى صَارَتْ قُرْبَةً بِوَاسِطَةِ الْقِبْلَةِ الَّتِي هِيَ جَمَادٌ لَا اسْتِحْقَاقَ لَهَا فِي التَّوَجُّهِ إلَيْهَا بِوَجْهٍ وَقَدْ يَسْقُطُ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا عِنْدَ خَوْفِ الْعَدُوِّ وَالسَّبُعِ وَالصَّلَاةِ عَلَى الدَّابَّةِ. وَهَذِهِ أَيْ الزَّكَاةُ صَارَتْ قُرْبَةً بِوَاسِطَةِ الْفَقِيرِ الَّذِي لَهُ ضَرْبُ اسْتِحْقَاقٍ فِي الصَّرْفِ إلَيْهِ فَإِنَّ الْمُؤَدِّيَ يَجْعَلُ الْمَالَ الْمُؤَدَّى خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي ضِمْنِ صَرْفِهِ إلَى الْمُحْتَاجِ لِيَكُونَ كِفَايَةً لَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَكَانَتْ الزَّكَاةُ دُونَ الصَّلَاةِ بِدَرَجَةٍ؛ لِأَنَّ الْخُلُوصَ فِي الْأُولَى أَزْيَدُ مِنْهُ فِي الثَّانِيَةِ فَكَانَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهَا أَكْمَلَ؛ لِأَنَّهَا بِهِ صَارَتْ عِبَادَةً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥] وَفِي قَوْلِهِ ضَرْبُ اسْتِحْقَاقٍ فِي الصَّرْفِ إشَارَةٌ إلَى نَفْيِ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ فَإِنَّ عِنْدَهُ لِلْفَقِيرِ حَقِيقَةَ اسْتِحْقَاقِ الْمَالِ حَتَّى صَارَ الْمَالُ بِمَنْزِلَةِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَقِيرِ وَلِهَذَا كَانَ لِلْفَقِيرِ عِنْدَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِقْدَارَ الزَّكَاةِ مِنْ الْمَالِ إذَا ظَفِرَ بِهِ فَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ لَهُ حَقِيقَةً وَلَكِنْ لَهُ صَلَاحِيَّةُ أَنْ يَصْرِفَ إلَيْهِ وَيَسْتَحِقَّ هَذَا الْقَدْرَ عَلَى صَاحِبِ الْمَالِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْأَدَاءَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى الْفَقِيرِ دَفْعًا لِحَاجَتِهِ وَلَا يُقَالُ لِمَا وَجَبَ الصَّرْفُ إلَيْهِ لِفَقْرِهِ كَانَ الْمَالُ حَقَّهُ فَيَكُونُ هُوَ مُسْتَحِقًّا لَهُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّا نَقُولُ مَا يَجِبُ لِفَقْرِهِ يَجِبُ رِزْقًا لَهُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الضَّامِنُ لِلرِّزْقِ دُونَ الْعَبِيدِ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِصَرْفِ هَذَا الْوَاجِبِ إلَيْهِ فَلَا يَصِيرُ الْمَالُ حَقَّهُ قَبْلَ الصَّرْفِ إلَيْهِ وَلَا يَخْرُجُ الزَّكَاةُ بِهِ عَنْ كَوْنِهَا عِبَادَةً خَالِصَةً قَوْلُهُ (ثُمَّ الصَّوْمُ قُرْبَةٌ) يَعْنِي بَعْدَ هَاتَيْنِ الْعِبَادَتَيْنِ فِي الرُّتْبَةِ الصَّوْمُ فَإِنَّهُ قُرْبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْبَدَنِ كَالصَّلَاةِ فَكَانَ مُلْحَقًا بِالصَّلَاةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَدَنِيٌّ خَالِصٌ، لَكِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ بِطَرِيقِ الرِّيَاضَةِ لِلرُّكُوبِ لَا مَقْصُودًا بِنَفْسِهِ وَلَا يَشْتَمِلُ أَيْضًا عَلَى أَفْعَالٍ مُتَفَرِّقَةٍ عَلَى أَعْضَاءِ الْبَدَنِ بَلْ يَتَأَدَّى بِرُكْنٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ اقْتِضَاءِ الشَّهْوَتَيْنِ فَكَانَ دُونَ الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ بِنَفْسِهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى أَرْكَانٍ تَتَأَدَّى بِجَمِيعِ الْبَدَنِ. وَدُونَ الزَّكَاةِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ قُرْبَةً إلَّا بِوَاسِطَةِ النَّفْسِ وَهِيَ دُونَ الْوَاسِطَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ يَعْنِي فِي الْمَنْزِلَةِ لَا فِي كَوْنِهَا وَاسِطَةً فَإِنَّ الْبَيْتَ مُعَظَّمٌ بِتَعْظِيمِ صَاحِبِ الشَّرْعِ إيَّاهُ وَالْفَقِيرُ مُسْتَحِقٌّ لِلصَّرْفِ إلَيْهِ بِفَقْرِهِ وَلَا قُبْحَ فِي صِفَةِ الْفَقْرِ، لَكِنَّ النَّفْسَ تَسْتَحِقُّ الْقَهْرَ لِمَيْلِهَا إلَى الشَّهَوَاتِ وَمُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ ﷻ وَكَوْنِهَا أَمَّارَةً بِالسُّوءِ وَهَذِهِ صِفَةُ قُبْحٍ فَيَكُونُ هَذِهِ الْوَاسِطَةُ دُونَ الْأُولَيَيْنِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَكَانَتْ أَقْوَى فِي كَوْنِهَا وَاسِطَةً وَأَقْرَبَ إلَى كَوْنِهَا مَقْصُودَةً وَلِهَذَا صَارَتْ هَذِهِ الْقُرْبَةُ مِنْ جِنْسِ الْجِهَادِ؛ لِأَنَّهُ قَهْرُ عَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّهِ الْبَاطِنِ كَمَا أَنَّ الْجِهَادَ قَهْرُ عَدُوِّ اللَّهِ وَعَدُوِّهِ الظَّاهِرِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ ﵇ «أَعْدَى عَدُوِّك نَفْسُك الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْك» . وَقَوْلُهُ ﵇ «أَفْضَلُ الْجِهَادِ أَنْ تُجَاهِدَ نَفْسَك وَهَوَاك» وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ وَهِيَ دُونَ الْوَاسِطَتَيْنِ أَنَّهَا دُونَهُمَا فِي كَوْنِهَا وَاسِطَةً؛ لِأَنَّ الْوَاسِطَةَ هَاهُنَا ذَاتُ الْفَاعِلِ وَفِي الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ الْوَاسِطَةُ غَيْرُهُمَا وَخَارِجَةٌ عَنْ ذَاتِهِمَا وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَصْلُحُ ذَاتُهُ وَاسِطَةً؛ لِأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فِي الْإِيمَانِ أَيْضًا إذْ الْإِيمَانُ لَا يُوجَدُ بِدُونِ الذَّاتِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ هَذِهِ الْوَاسِطَةُ دُونَ الْأُولَيَيْنِ لِكَوْنِهَا فِي حُكْمِ الْعَدَمِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الصَّوْمُ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةُ مِثْلُ الْإِيمَانِ، لَكِنَّ الصَّوْمَ شُرِعَ وَسِيلَةً إلَى الصَّلَاةِ كَمَا بَيَّنَّا فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ التَّبَعِ لَهَا فَكَانَ دُونَهَا وَكَذَا الزَّكَاةُ أَصْلٌ بِنَفْسِهَا لَيْسَتْ بِتَبَعٍ.

стр. 1258

ثُمَّ الْحَجُّ عِبَادَةُ هِجْرَةٍ وَسَفَرٍ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِأَفْعَالٍ تَقُومُ بِبِقَاعٍ مُعَظَّمَةٍ فَكَانَتْ دُونَ الصَّوْمِ كَأَنَّهَا وَسِيلَةٌ إلَيْهِ وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ تَابِعَةٌ لِلْحَجِّ، ثُمَّ الْجِهَادُ شُرِعَ لِإِعْلَاءِ الدِّينِ فَرْضٌ فِي الْأَصْلِ لَكِنَّ الْوَاسِطَةَ هَا هُنَا هِيَ الْمَقْصُودَةُ فَصَارَتْ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْوَاسِطَةَ كُفْرُ الْكَافِرِ وَذَلِكَ جِنَايَةٌ قَائِمَةٌ بِالْكَافِرِ مَقْصُودَةٌ بِالرَّدِّ وَالْمَحْوِ وَالِاعْتِكَافُ شُرِعَ لِإِدَامَةِ الصَّلَاةِ عَلَى مِقْدَارِ الْإِمْكَانِ فَكَانَ مِنْ التَّوَابِعِ وَلِذَلِكَ اُخْتُصَّ بِالْمَسَاجِدِ. ــ [كشف الأسرار] لِشَيْءٍ فَكَانَتْ فَوْقَ الصَّوْمِ فِي الرُّتْبَةِ، وَلَكِنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ أَوْجَهُ وَأَوْفَقُ لِسِيَاقِ الْكَلَامِ قَوْلُهُ (ثُمَّ الْحَجُّ عِبَادَةُ هِجْرَةٍ) أَيْ عَنْ الْأَوْلَادِ وَالْأَوْطَانِ وَالْأَقْرَانِ وَالْإِخْوَانِ وَسَفَرٌ إلَى زِيَارَةِ بَيْتِ الرَّحْمَنِ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِأَفْعَالٍ تَقُومُ أَيْ تَخْتَصُّ بِبِقَاعٍ أَوْ تَقَعُ فِي بِقَاعٍ مُعَظَّمَةٍ وَأَوْقَاتٍ شَرِيفَةٍ مِنْ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ وَالسَّعْيِ وَالرَّمْيِ وَغَيْرِهَا فَكَانَ الْحَجُّ دُونَ الصَّوْمِ فِي الرُّتْبَةِ كَأَنَّهَا أَيْ كَأَنَّ عِبَادَةَ الْحَجِّ وَسِيلَةٌ إلَى الصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا هَجَرَ الْأَوْطَانَ وَجَانَبَ الْأَهْلَ وَالْأَوْلَادَ وَانْقَطَعَ عَنْهُ مَوَادُّ الشَّهَوَاتِ فِي الْبَوَادِي وَانْسَدَّ عَلَيْهِ طَرِيقُ الْوُصُولِ إلَيْهَا فِي الْفَيَافِي ضَعَّفَ نَفْسَهُ وَزَالَ عَنْهَا الْجَمُوحَةَ وَقَدَرَ عَلَى قَهْرِهَا بِالصَّوْمِ فَكَانَ الْحَجُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَسِيلَةِ إلَى الصَّوْمِ فَكَانَ دُونَهُ (فَإِنْ قِيلَ) الْوَسَائِطُ فِي الْحَجُّ جَمَادَاتٌ لَيْسَتْ لَهَا صَلَاحِيَّةُ الِاسْتِحْقَاقِ وَالْوَاسِطَةُ فِي الصَّوْمِ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْقَهْرِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ فَوْقَ الصَّوْمِ وَمِثْلَ الصَّلَاةِ قُلْنَا: الْوَسَائِطُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ صَالِحَةً لِلِاسْتِحْقَاقِ، لَكِنَّ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ مَعْنَى التَّعْظِيمِ لِتِلْكَ الْبِقَاعِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي الصَّلَاةِ لِلْكَعْبَةِ إذْ التَّوَجُّهُ إلَيْهَا فِي الصَّلَاةِ لَيْسَ لِتَعْظِيمِهَا وَكَذَا مَعْنَى قَهْرِ النَّفْسِ الَّذِي فِي الصَّوْمِ مَوْجُودٌ فِي الْحَجِّ مَعَ هَذِهِ الْوَسَائِطِ فَلِذَلِكَ كَانَ دُونَ الصَّوْمِ وَالْعُمْرَةُ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ أَيْ قُرْبَةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَرَ بِهَا تَابِعَةٌ لِلْحَجِّ كَسُنَنِ الصَّلَاةِ لِلصَّلَاةِ وَلَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀؛ لِأَنَّ أَفْعَالَهَا مِنْ جِنْسِ أَفْعَالِ الْحَجِّ وَمَا بَيَّنَّا مِنْ الْوَسِيلَةِ لَا يُوجِبُ عَدَدًا مِنْ الْقُرْبَةِ وَلِهَذَا لَا يَتَكَرَّرُ فَرْضِيَّةُ الْحَجِّ فِي الْعُمْرِ فَعَرَفْنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ، ثُمَّ الْجِهَادُ يَعْنِي بَعْدَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ فِي الرُّتْبَةِ الْجِهَادُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ. فَرْضٌ فِي الْأَصْلِ أَيْ أَصْلُهُ فَرْضٌ عَلَى الْجَمِيعِ؛ لِأَنَّ إعْلَاءَ الدِّينِ فَرْضٌ عَلَى الْكُلِّ، لَكِنَّ الْوَاسِطَةَ هَاهُنَا وَهِيَ كَسْرُ شَوْكَةِ الْمُشْرِكِينَ وَدَفْعُ شَرِّهِمْ هِيَ الْمَقْصُودَةُ بِالرَّدِّ وَالْإِعْدَامِ؛ لِأَنَّ شَرْعِيَّةَ الْجِهَادِ لِإِزَالَةِ الْكُفْرِ وَإِعْدَامِهِ فَصَارَتْ هَذِهِ الْعِبَادَةُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَحْصُلْ كَمَا فِي التَّغَيُّرِ الْعَامِّ يَجِبُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَذَلِكَ أَيْ الْكُفْرُ جِنَايَةٌ قَائِمَةٌ بِالْكَافِرِ ثَابِتَةٌ بِاخْتِيَارِهِ فَكَانَ أَمْرًا عَارِضًا فِيهِ فَالْجِهَادُ الَّذِي شُرِعَ لِأَجْلِهِ لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً أَصْلِيَّةً بِخِلَافِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ فَإِنَّ الْوَسَائِطَ فِيهَا أَصْلِيَّةٌ ثَابِتَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لَا اخْتِيَارَ لِلْعَبْدِ فِيهَا فَكَانَتْ تِلْكَ الْعِبَادَاتُ أَصْلِيَّةً وَالِاعْتِكَافُ أَخَّرَ الِاعْتِكَافَ عَنْ الْجِهَادِ؛ لِأَنَّ الْجِهَادَ مِنْ الْفُرُوضِ وَالِاعْتِكَافُ مِنْ السُّنَنِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ لِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ عَلَى مِقْدَارِ الْإِمْكَانِ إذْ الْعَزِيمَةُ هِيَ الِاشْتِغَالُ بِالْعِبَادَةِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ لِتَوَاتُرِ النِّعَمِ عَلَى الْعَبْدِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ إلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَفَضَّلَ عَلَى عِبَادِهِ بِإِسْقَاطِهَا عَنْهُ فِي عَامَّةِ الْأَوْقَاتِ وَرَضِيَ بِأَدَائِهَا فِي أَزْمِنَةٍ قَلِيلَةٍ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ فَكَانَ الِاعْتِكَافُ أَخْذًا بِالْعَزِيمَةِ؛ لِأَنَّهُ إدَامَةُ الصَّلَاةِ إمَّا بِالِاشْتِغَالِ بِحَقِيقَةِ الْأَدَاءِ وَبِالِانْتِظَارِ لِلصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ لَهُ حُكْمَ الصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ صَحَّ النَّذْرُ بِالِاعْتِكَافِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الشَّرْعِ وَاجِبٌ مِنْ جِنْسهِ؛ لِأَنَّهُ نَذْرٌ بِالصَّلَاةِ مَعْنًى وَالتَّابِعُ لِلشَّيْءِ لَهُ حُكْمُ الْأَصْلِ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِأَنَّ الْمَقْصُودَ إدَامَةُ الصَّلَاةِ اُخْتُصَّ الِاعْتِكَافُ بِالْمَسَاجِدِ الَّتِي هِيَ أَمْكِنَةُ الصَّلَاةِ وَالْمُعَدَّةُ لَهَا. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀: الِاعْتِكَافُ قُرْبَةٌ زَائِدَةٌ يَعْنِي عَلَى الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْمَالِيَّةِ لِمَا فِيهَا مِنْ تَعْظِيمِ الْمَكَانِ الْمُعَظَّمِ بِالْمُقَامِ فِيهِ وَهُوَ الْمَسْجِدُ

стр. 1259

وَالْعِبَادَةُ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ فَلَمْ تَكُنْ خَالِصَةً حَتَّى لَمْ يُشْتَرَطْ لَهَا كَمَالُ الْأَهْلِيَّةِ. وَالْمُؤْنَةُ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الْقُرْبَةِ هِيَ الْعُشْرُ حَتَّى لَا يُبْتَدَأَ عَلَى الْكَافِرِ وَأَجَازَ مُحَمَّدٌ ﵀ بَقَاءَهُ عَلَى الْكَافِرِ وَالْخَرَاجُ مُؤْنَةٌ فِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ الِاشْتِغَالُ بِالزِّرَاعَةِ وَهِيَ الذُّلُّ فِي الشَّرِيعَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شُرِعَ مُؤْنَةً لِحِفْظِ الْأَرْضِ وَإِنْزَالِهَا وَلِذَلِكَ لَا يُبْتَدَأُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَجَازَ الْبَقَاءُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا لِمَا تَرَدَّدَ لَا يَجِبُ بِالشَّكِّ وَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ ــ [كشف الأسرار] وَلِمَا فِي شَرْطِهَا مِنْ مَنْعِ النَّفْسِ عَنْ اقْتِضَاءِ الشَّهْوَتَيْنِ وَهُوَ الصَّوْمُ وَالْمَقْصُودُ بِهَا تَكْثِيرُ الصَّلَوَاتِ إمَّا حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا بِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي مَكَانِهَا عَلَى صِفَةِ الِاسْتِعْدَادِ بِالطَّهَارَةِ. قَوْلُهُ (وَالْعِبَادَةُ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الْمُؤْنَةِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ) الْمَئُونَةُ الثِّقَلُ فَعُولَةٌ مِنْ مَأَنْت الْقَوْمَ أَمْأَنُهُمْ إذَا احْتَمَلْت مَئُونَتَهُمْ وَقِيلَ: الْعُدَّةُ مِنْ قَوْلِهِمْ أَتَانِي فُلَانٌ وَمَا مَأَنْتُ لَهُ مَأْنًا إذَا لَمْ يَسْتَعِدَّ لَهُ وَقِيلَ: إنَّهَا مِنْ مِنْت الرَّجُلَ أَمُونُهُ وَالْهَمْزَةُ فِيهَا كَهِيَ فِي أَدْؤُرٍ وَقِيلَ: هِيَ مُفْعَلَةٌ مِنْ الْأَوْنِ وَهُوَ الْخَرْجُ وَالْعَدْلُ؛ لِأَنَّهُ ثِقَلٌ عَلَى الْإِنْسَانِ أَوْ مِنْ الْأَيْنِ وَهُوَ التَّعَبُ وَالشِّدَّةُ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ وَالصِّحَاحِ. وَهَذَا الْوَاجِبُ مُشْتَمِلٌ عَلَى مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْمَئُونَةِ؛ لِأَنَّ تَسْمِيَتَهُ فِي الشَّرْعِ صَدَقَةٌ وَكَوْنُهُ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ عَنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَاعْتِبَارُ صِفَةِ الْغِنَاءِ فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ كَمَا فِي الزَّكَاةِ وَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ فِي أَدَائِهِ حَتَّى لَا يَتَأَدَّى بِدُونِ النِّيَّةِ بِحَالٍ وَعَدَمُ صِحَّةِ أَدَائِهِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ حَتَّى لَوْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهِ لَا يَجُوزُ كَمَا لَوْ زَكَّى مَالَهُ وَتَعَلَّقَ وُجُوبُهُ بِالْوَقْتِ وَوُجُوبُ صَرْفِهِ إلَى مَصَارِفِ الصَّدَقَاتِ تَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ عِبَادَةً. وَوُجُوبُهُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِسَبَبِ رَأْسِ الْغَيْرِ وَكَوْنُ الرَّأْسِ فِيهِ سَبَبًا يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ فِيهِ مَعْنَى الْمَئُونَةِ كَالنَّفَقَةِ وَإِلَى مَعْنَى الْمَئُونَةِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﵇ فِي قَوْلِهِ «أَدُّوا عَمَّنْ تَمُونُونِ» إلَّا أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ لَمَّا كَانَ رَاجِحًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعَانِي قُلْنَا هَذَا الْوَاجِبُ عِبَادَةٌ فِيهِ مَعْنَى الْمَئُونَةِ وَلَمَّا قَصَرَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً خَالِصَةً لَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ كَمَالُ الْأَهْلِيَّةِ كَمَا شُرِطَ لِلْعِبَادَاتِ الْخَالِصَةِ حَتَّى وَجَبَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ الْغَنِيَّيْنِ فِي مَالِهِمَا كَنَفَقَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَإِنَّ عِنْدَهُمَا تَجِبُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ فِي مَالِ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لِأَنْفُسِهِمَا وَرَقِيقُهُمَا يَتَوَلَّى أَدَاءَ ذَلِكَ عَنْ مَالِهِمَا الْأَبُ أَوْ وَصِيُّ الْأَبِ أَوْ الْجَدُّ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَبٌ وَلَا وَصِيُّ أَبٍ أَوْ وَصِيُّ الْجَدِّ بَعْدَ الْجَدِّ أَوْ وَصِيٌّ نَصَّبَهُ الْقَاضِي لَهُمَا وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا تَجِبُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ عَلَيْهِمَا فِي مَالِهِمَا فَإِنْ كَانَ الْأَبُ غَنِيًّا يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَوْ أَدَّاهَا مِنْ مَالِهِمَا ضَمِنَ وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ عَلَى الْأَبِ بِسَبَبِ رَأْسِ الْوَلَدِ كَمَا يَجِبُ بِسَبَبِ رَأْسِ الْعَبْدِ الْكَافِرِ فَإِذَا أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ ضَمِنَ كَمَا إذَا أَدَّى صَدَقَةً وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ عِنْدَهُ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ أَوْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهَا رَاجِحٌ فَلَا تَجِبُ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ لِسُقُوطِ الْخِطَابِ عَنْهُمَا وَعَلَيْهِ يُبْنَى الْوُجُوبُ وَاسْتَحْسَنَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَقَالَا: فِي هَذِهِ الصَّدَقَةِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَمَعْنَى الْمَئُونَةِ كَمَا بَيَّنَّا فَبِاعْتِبَارِ مَعْنَى الصَّدَقَةِ لَمْ تَجِبْ مَعَ الْفَقْرِ كَالزَّكَاةِ وَبِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْمَئُونَةِ صَحَّ الْإِيجَابُ عَلَى الصَّغِيرِ كَالْعُشْرِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَعْنَى الصَّدَقَةِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْأَسْرَارِ وَكَلَامُ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ أَوْضَحُ. قَوْلُهُ (وَالْمَئُونَةُ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الْقُرْبَةِ هِيَ الْعُشْرُ) . لِأَنَّ سَبَبَهُ الْأَرْضُ النَّامِيَةُ فَبِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِالْأَرْضِ هُوَ مَئُونَةٌ؛ لِأَنَّ مَئُونَةَ الشَّيْءِ سَبَبُ بَقَائِهِ وَالْعُشْرُ سَبَبُ بَقَاءِ الْأَرْضِ وَبِاعْتِبَارِ تَعَلُّقِهِ بِالنَّمَاءِ وَهُوَ الْخَارِجُ كَتَعَلُّقِ الزَّكَاةِ بِهِ أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ مَصْرِفَهُ الْفُقَرَاءُ كَمَصْرِفِ الزَّكَاةِ تَحَقَّقَ فِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَأَخَذَ شَبَهًا بِالزَّكَاةِ إلَّا أَنَّ الْأَرْضَ أَصْلٌ وَالنَّمَاءُ وَصْفٌ تَابِعٌ وَكَذَا الْمَحَلُّ شَرْطٌ وَالشَّرْطُ تَابِعٌ فَكَانَ مَعْنَى الْمَئُونَةِ فِيهِ أَصْلًا وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ تَبَعًا حَتَّى لَا يُبْتَدَأَ عَلَى الْكَافِرِ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ وَإِنْ كَانَ تَابِعًا، لَكِنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْقُرْبَةِ بِوَجْهٍ وَأَجَازَ مُحَمَّدٌ ﵀ بَقَاءَهُ عَلَى الْكَافِرِ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْمَئُونَةِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ وَالْخَرَاجُ

стр. 1260

وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْعُشْرِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَنْقَلِبُ خَرَاجِيًّا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يَجِبُ تَضْعِيفُهُ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ يُنَافِي صِفَةَ الْقُرْبَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَبْقَى الْعُشْرُ؛ لِأَنَّهُ قُرْبَةٌ مِنْ وَجْهٍ فَلِهَذَا يَبْقَى الْخَرَاجُ وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ رِوَايَتَانِ فِي صَرْفِ الْعُشْرِ الْبَاقِي عَلَى الْكَافِرِ كَأَنَّهُ جَعَلَهُ خَرَاجِيًّا فِي رِوَايَةٍ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ إلَّا بِشَرْطِ التَّضْعِيفِ لَكِنَّ التَّضْعِيفَ ضَرُورِيٌّ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ مَعَ إمْكَانِ الْأَصْلِ وَهُوَ الْخَرَاجُ فَصَارَ الصَّحِيحُ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀. ــ [كشف الأسرار] مَئُونَةٌ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ بَقَاءِ الْأَرْضِ كَالْعُشْرِ فِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَهُ أَيْ سَبَبَ شَرْعِيَّتِهِ فِي الْأَصْلِ أَوْ سَبَبُ وَضْعِهِ عَلَى الْأَرْضِ لَا سَبَبُ وُجُوبِهِ فَإِنَّهُ هُوَ الْأَرْضُ عَلَى مَا مَرَّ الِاشْتِغَالُ بِالزِّرَاعَةِ فَإِنَّ الْإِمَامَ إذَا فَتَحَ بَلْدَةً عَنْوَةً وَأَقَرَّ أَهْلَهَا فَلَمْ يُسَلِّمُوا وَاشْتَغَلُوا بِالزِّرَاعَةِ وَضَعَ عَلَى جَمَاجِمِهِمْ الْجِزْيَةَ وَعَلَى أُرَاضِيهِمْ الْخَرَاجَ فَكَانَ سَبَبُ وَضْعِهِ الِاشْتِغَالَ بِالزِّرَاعَةِ وَهُوَ سَبَبُ الذُّلِّ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى مَا «قَالَ ﵇ حِينَ رَأَى آلَةَ الزِّرَاعَةِ فِي دَارِ قَوْمٍ مَا دَخَلَ هَذَا دَارَ قَوْمٍ إلَّا ذُلُّوا» وَذَلِكَ لِمَا فِي الِاشْتِغَالِ بِالزِّرَاعَةِ عِمَارَةُ الدُّنْيَا وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْجِهَادِ وَهُمَا مِنْ عَادَةِ الْكُفَّارِ فَكَانَ وُجُوبُ الْخَرَاجِ بِاعْتِبَارِ الْأَرْضِ مَئُونَةً وَبِاعْتِبَارِ الِاشْتِغَالِ بِالزِّرَاعَةِ عُقُوبَةً. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ شُرِعَ مَئُونَةً لِحِفْظِ الْأَرْضِ وَإِنْزَالِهَا كَمَا بَيَّنَّاهُ مُشْبَعًا فِي بَابِ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ جَعَلَ فِي الْعُشْرِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ كَرَامَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَجَعَلَ فِي الْخَرَاجِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ إهَانَةً لِلْكَافِرِينَ وَإِنْزَالُ الْأَرْضِ رِيعَهَا وَمَا يَحْصُلُ مِنْهَا جَمْعٌ نَزَلَ وَهُوَ الزِّيَادَةُ وَالْفَضْلُ وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ الْخَرَاجَ فِي الْأَرَاضِي أَصْلٌ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الْإِسْلَامِ، لَكِنَّ الشَّرْعَ نَقَلَ عَنْهُ إلَى الْعُشْرِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَأَوْجَبَ الصَّرْفَ إلَى مَصَارِفِ الزَّكَاةِ لِيَصِيرَ بِهِ نَوْعَ عِبَادَةٍ تَكْرِمَةً لِلْمُسْلِمِينَ وَلِذَلِكَ أَيْ وَلِكَوْنِ الْخَرَاجِ مُتَضَمِّنًا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَالذُّلِّ لَا يُبْتَدَأُ الْخَرَاجُ عَلَى الْمُسْلِمِ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَ أَهْلُ الدَّارِ طَوْعًا أَوْ قُسِّمَتْ الْأَرَاضِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُوضَعْ الْخَرَاجُ عَلَى أَرَاضِيهمْ وَجَازَ الْبَقَاءُ أَيْ بَقَاءُ الْخَرَاجِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَتَّى لَوْ اشْتَرَى مِنْ كَافِرٍ أَرْضَ خَرَاجٍ أَوْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ وَلَهُ أَرْضُ خَرَاجٍ يُؤْخَذُ مِنْهُ الْخَرَاجُ دُونَ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ الْخَرَاجَ لَمَّا تَرَدَّدَ بَيْنَ الْمَئُونَةِ وَالْعُقُوبَةِ لَمْ يَجِبْ بِالشَّكِّ أَيْ لَمْ يُمْكِنُ إيجَابُهُ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً بِمَعْنَى الْمَئُونَةِ لِمُعَارَضَةِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ إيَّاهُ وَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ يَعْنِي لَا يَسْقُطُ بَعْدَ الْوُجُوبُ بِالشَّكِّ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ سَقَطَ لَسَقَطَ بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَقَدْ عَارَضَهُ مَعْنَى الْمَئُونَةِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْبَقَاءَ فَلَا يَسْقُطُ بِالشَّكِّ. وَكَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي الْعُشْرِ أَيْ وَكَمَا قَالُوا جَمِيعًا فِي الْخَرَاجِ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي الْعُشْرِ يَعْنِي لَا يُبْتَدَأُ الْعُشْرُ عَلَى الْكَافِرِ وَلَكِنْ يَجُوزُ الْبَقَاءُ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ مَلَكَ الذِّمِّيُّ أَرْضًا عُشْرِيَّةً تَبْقَى عُشْرِيَّةً كَمَا كَانَتْ؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ يَجِبُ مَئُونَةً لِلْأَرْضِ النَّامِيَةِ كَالْخَرَاجِ فَيَكُونُ الْكَافِرُ أَهْلًا لَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ تَحَمُّلِ الْمُؤَنِ إلَّا أَنَّ فِي أَدَاءِ الْعُشْرِ لِلْمُؤْمِنِ قُرْبَةً وَثَوَابًا؛ لِأَنَّهُ يُصْرَفُ إلَى مَصَارِفِ الزَّكَاةِ وَيُقْضَى بِهِ رِزْقُ عَبِيدِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلُ مَا يَكُونُ فِي نَفَقَةِ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَوْلَادِ وَإِذَا كَانَ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي الْأَدَاءِ تَابِعًا أَمْكَنَ الْإِيجَابُ عَلَى الْكَافِرِ بِلَا تَضْمِينِ قُرْبَةٍ فِي أَدَائِهَا كَمَا فِي النَّفَقَاتِ وَلِأَنَّا نُوجِبُ الْعُشْرَ وَنَصْرِفُهُ إلَى مَصَارِفِ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجُ كَصَدَقَاتِ بَنِي ثَعْلَبٍ وَهَذَا بِخِلَافِ ابْتِدَاءِ إيجَابِ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ مَانِعٌ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرْبِ كَرَامَةٍ مَعَ إمْكَانِ وَضْعِ الْخَرَاجِ كَمَا أَنَّ الْإِسْلَامَ مَانِعٌ مِنْ وَضْعِ الْخَرَاجِ مَعَ إمْكَانِ وَضْعِ الْعُشْرِ فَأَمَّا بَعْدَمَا صَارَتْ عُشْرِيَّةً فَيَسْتَقِيمُ إيجَابُهُ عَلَى الْكَافِرِ فَلَا تَصِيرُ خَرَاجِيَّةً بِكُفْرِهِ كَالْخَرَاجِيَّةِ لَا تَصِيرُ عُشْرِيَّةً بِإِسْلَامِ الْمَالِكِ وَحَاصِلُ مَذْهَبِهِ أَنَّ مَا صَارَ وَظِيفَةً لِلْأَرْضِ لَا تَتَغَيَّرُ بِتَبَدُّلِ الْمَالِكِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: يَجِبُ تَضْعِيفُهُ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ مَأْخُوذًا مِنْ الْمُسْلِمِ يَجِبُ تَضْعِيفُهُ إذَا وَجَبَ أَخْذُهُ مِنْ الْكَافِرِ كَصَدَقَاتِ بَنِي ثَعْلَبٍ وَمَا يَمُرُّ بِهِ الذِّمِّيُّ عَلَى الْعَاشِرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: يَنْقَلِبُ خَرَاجًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ لَا يُمْكِنُ إلْغَاؤُهُ مِنْ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّ.

стр. 1261

وَأَمَّا الْحَقُّ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ فَخُمُسُ الْمَغَانِمِ وَالْمَعَادِنِ حَقٌّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى ثَابِتًا بِنَفْسِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ حَقُّهُ فَصَارَ الْمُصَابُ بِهِ لَهُ كُلُّهُ لَكِنَّهُ تَعَالَى أَوْجَبَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ لِلْغَانِمَيْنِ مِنَّةً مِنْهُ فَلَمْ يَكُنْ حَقًّا لَزِمَنَا أَدَاؤُهُ طَاعَةً لَهُ بَلْ هُوَ حَقٌّ اسْتَبَقَاهُ لِنَفْسِهِ فَتَوَلَّى السُّلْطَانُ أَخْذَهُ وَقِسْمَتَهُ وَلِهَذَا جَوَّزْنَا صَرْفَ الْخُمُسِ إلَى مَنْ اسْتَحَقَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ بِخِلَافِ الطَّاعَاتِ مِثْلِ الزَّكَوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ فَإِنَّهَا لَا تُرَدُّ إلَى الْمُلَّاكِ بَعْدَ الْأَخْذِ مِنْهُمْ وَلِهَذَا حَلَّ الْخُمُسُ لِبَنِي هَاشِمٍ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ التَّحْقِيق لَمْ يَصِرْ مِنْ الْأَوْسَاخِ ــ [كشف الأسرار] مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِي صَرْفِهِ إلَى مَصَارِفِ الزَّكَاةِ الَّتِي هِيَ عِبَادَةٌ وَالْكَافِرُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ فَلَمْ يَجِبْ بِحَيْثُ يَصْرِفُ إلَى الْفُقَرَاءِ فَإِنْ قَالَا: يَصْرِفُهُ إلَى الْمُقَاتِلَةِ فَهُوَ أَدَاءُ حَقٍّ آخَرَ لِمَا تَبَدَّلَ مُسْتَحِقُّهُ؛ لِأَنَّ الْعُشْرَ إنَّمَا عُرِفَ بِوَصْفِ الْعِبَادَةِ فَإِذَا سُلِبَ عَنْهُ هَذَا الْمَعْنَى لَمْ يَبْقَ عُشْرًا؛ لِأَنَّ الْمَشْرُوعَ يُعْرَفْ بِوَصْفِهِ وَإِذَا سَقَطَ الْأَوَّلُ وَوَجَبَ الْآخَرُ كَانَ الْخَرَاجُ بِهِ أَوْلَى مِنْ الْغَيْرِ تَسْمِيَةً كَمَا فِي ابْتِدَاءِ الْمَنِّ عَلَيْهِمْ بِخِلَافِ الْخَرَاجِ يَبْقَى عَلَى الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ مَئُونَةٌ مَالِيَّةٌ بِلَا ثَوَابٍ كَنَفَقَةِ دَابَّتِهِ وَمَا يَجِبُ صَرْفُهُ إلَى الْمُقَاتِلَةِ مِنْ الْجُعَلَاتِ عِنْدَ الْحَاجَةِ. وَلِأَنَّ اسْتِبْقَاءَهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ كَاسْتِبْقَاءِ الْآخِرَةِ بِاعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ مِنْ الِانْتِفَاع وَمَالُ الْمُسْلِمِ يَصْلُحُ لِذَلِكَ وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ يُنَافِي صِفَةَ الْقُرْبَةِ يَصْلُحُ دَلِيلًا لِكِلَا الْقَوْلَيْنِ يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْكُفْرُ يُنَافِي الْقُرْبَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِمُنَافَاتِهِ حُكْمَهَا وَهُوَ الثَّوَابُ يَجِبُ الْخَرَاجُ الَّذِي هُوَ أَخْذُ مُؤْنَتَيْ الْأَرْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِتَعَذُّرِ إيجَابِ الْآخَرِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ التَّضْعِيفُ الَّذِي هُوَ فِي حُكْمِ الْخَرَاجِ وَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ بِوَجْهٍ؛ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ فِي الْمَصِيرِ إلَى التَّضْعِيفِ أَقَلُّ مِنْهُ فِي الْمَصِيرِ إلَى الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّ فِي الْخَرَاجِ تَغْيِيرَ الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ جَمِيعًا وَفِي التَّضْعِيفِ تَغْيِيرُ الْوَصْفِ لَا غَيْرُ وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَلَا يُنَافِي الْعُقُوبَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ أَيْ لَا يُنَافِي مَا هُوَ عُقُوبَةٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَالرَّجْمِ وَالْقِصَاصِ فَلَا يُنَافِي الْمَئُونَةَ الَّتِي فِيهَا مَعْنَى الْعُقُوبَةِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى أَوْ مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِسْلَامَ يُنَافِي الْعُقُوبَةَ مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ أَنَّهُ سَبَبٌ فِي الْعِزِّ وَالْكَرَامَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨] فَلَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْعُقُوبَةِ الَّتِي هِيَ ذُلٌّ وَهَوَانٌ وَلَا يُنَافِيهَا مِنْ وَجْهٍ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ شَرَعَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ وَهِيَ عُقُوبَاتٌ مَحْضَةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يُثْبِتَ فِي حَقِّهِ مَا هُوَ مَئُونَةٌ فِيهِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ قُلْنَا: لَا يُبْتَدَأُ الْخَرَاجُ عَلَى الْمُسْلِمِ عَمَلًا بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَيَجُوزُ أَنْ يَبْقَى عَلَيْهِ عَمَلًا بِالْوَجْهِ الثَّانِي فَأَمَّا الْكُفْرُ فَيُنَافَى الْقُرْبَةَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يُمْكِنُ شُرُوعُ الْعُشْرِ فِي حَقِّ الْكَافِرِ ابْتِدَاءً وَبَقَاءً وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ رِوَايَتَانِ فِي الْعُشْرِ الْبَاقِي عَلَى الْكَافِر بَعْدِ تَمَلُّكِهِ لِلْأَرْضِ الْعُشْرِيَّةِ فَفِي رِوَايَةِ السِّيَرِ يُوضَعُ مَوْضِعَ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّ حَقَّ الْفُقَرَاءِ تَعَلَّقَ بِهِ فَهُوَ كَتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُقَاتِلَة بِالْأَرَاضِيِ الْخَرَاجِيَّةِ. وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سِمَاعَةَ عَنْهُ يُوضَعُ فِي بَيْتِ مَالِ الْخَرَاجِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُصْرَفُ إلَى الْفُقَرَاءِ مَا صَارَ لِلَّهِ تَعَالَى بِطَرِيقِ الْعِبَادَةِ وَمَالُ الْكَافِرِ لَا يَصْلُحُ لِذَلِكَ فَيُوضَعُ مَوْضِعَ الْخَرَاجِ كَالْمَالِ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْعَاشِرُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْجَوَابُ يَعْنِي لِأَبِي حَنِيفَةَ عَمَّا ذَكَرَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ ﵏ أَنَّ الْعُشْرَ غَيْرُ مَشْرُوعٍ فِي حَقِّ الْكَافِرِ إلَّا بِشَرْطِ التَّضْعِيفِ فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ عُشْرٍ وَاحِدٍ عَلَيْهِ فَهَذَا رَدٌّ لِكَلَامِ مُحَمَّدٍ. وَقَوْلُهُ: لَكِنَّ التَّضْعِيفَ إلَى آخِرِهِ رَدٌّ لِكَلَامِ أَبِي يُوسُفَ يَعْنِي أَنَّهُ ضَرُورِيٌّ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ ﵃ فِي قَوْمٍ بِأَعْيَانِهِمْ عِنْدَ تَعَذُّرِ إيجَابِ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ عَلَيْهِمْ خَوْفًا مِنْ الْفِتْنَةِ فَإِنَّهُمْ لَمَّا أَبَوْا قَبُولَ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ وَمَالُوا إلَى التَّضْعِيفِ وَقَدْ كَانُوا ذَوِي سَعَةٍ وَمَنَعَةٍ حَتَّى قِيلَ: إنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَكَانُوا قَرِيبًا مِنْ أَرْضِ الرُّومِ قَبِلُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ خَوْفًا مِنْ الْتِحَاقِهِمْ بِالرُّومِ وَصَيْرُورَتِهِمْ حَرْبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِنْ الْكُفَّارِ فَلَيْسُوا بِمَنْزِلَتِهِمْ لِإِمْكَانِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ وَالْخَرَاجِ مِنْهُمْ فَلَا يُصَارُ إلَى التَّضْعِيفِ فِي حَقِّهِمْ مَعَ إمْكَانِ إيجَابِ الْأَصْلِ وَهُوَ الْخَرَاجُ فَثَبَتَ أَنَّ الصَّحِيحَ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀. قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْحَقُّ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ) أَيْ الْحَقُّ الثَّابِتُ بِذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ

стр. 1262

غَيْرَ أَنَّا جَعَلْنَا النُّصْرَةَ عِلَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّهَا مِنْ الْأَفْعَالِ وَالطَّاعَاتِ فَكَانَ أَوْلَى بِالْكَرَامَةِ وَاعْتِبَارًا بِالْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ فَإِنَّهَا بِالنُّصْرَةِ بِالْإِجْمَاعِ. ــ [كشف الأسرار] يَكُونَ لَهُ سَبَبٌ يَجِبُ بِاعْتِبَارِهِ عَلَى الْعَبْدِ أَدَاؤُهُ بِطَرِيقِ الطَّاعَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا مِثْلُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَسَائِرِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقِ الْعِبَادِ فَخُمُسُ الْمَغَانِمِ وَالْمَعَادِنِ وَالْمَغْنَمُ وَالْغَنِيمَةُ مَا يَأْخُذُهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ وَالْمَعْدِنُ اسْمٌ لِمَا خَلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَرْضِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ سُمِّيَ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُقِيمُونَ بِهِ الصَّيْفَ وَالشِّتَاءَ مِنْ عَدَنَ بِالْمَكَانِ أَقَامَ بِهِ وَقِيلَ لِإِثْبَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ جَوْهَرَهُمَا وَإِثْبَاتُهُ إيَّاهُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى عَدَنَ فِيهَا أَيْ يَثْبُتُ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ حَقٌّ وَجَبَ أَيْ هُوَ حَقٌّ ثَبَتَ لِلَّهِ تَعَالَى بِحُكْمِ أُلُوهِيَّتِهِ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ حَقُّهُ؛ لِأَنَّهُ إعْزَازُ دِينِهِ وَإِعْلَاءُ كَلِمَتِهِ فَصَارَ الْمُصَابُ بِهِ لَهُ كُلُّهُ أَيْ صَارَ الْمُصَابُ بِالْجِهَادِ كُلُّهُ لِلَّهِ كَمَا أَخْبَرَ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ١] . وَمَعْنَى الْجَمْعِ بَيْنَ ذِكْرِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ أَنَّ الْحُكْمَ وَالْأَمْرَ فِيهَا لِلَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ حَقِّهِ لَا حَقَّ لِأَحَدٍ فِيهِ وَالرَّسُولُ يُنَفِّذُهُ فِيمَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ فَثَبَتَ أَنَّ مَجْمُوعَ الْمُصَابِ حَقُّهُ عَلَى الْخُلُوصِ، لَكِنَّهُ ﷻ أَوْجَبَ أَيْ أَثْبَتَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْمُصَابِ لِلْغَانِمِينَ مِنَّةً مِنْهُ أَيْ بِطَرِيقِ الْمِنَّةِ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَوْجِبَهَا بِالْجِهَادِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَعْمَلُهُ لِمَوْلَاهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى مَوْلَاهُ شَيْئًا، لَكِنَّهُ تَعَالَى أَثْبَتَهَا لِلْغَانِمِينَ جَزَاءً مُعَجَّلًا فِي الدُّنْيَا فَضْلًا مِنْهُ وَرَحْمَةً فَلَمْ يَكُنْ الْخُمُسُ حَقًّا لَزِمَنَا أَدَاؤُهُ بِطَرِيقِ الطَّاعَةِ بَلْ هُوَ حَقُّ اسْتِبْقَاءٍ لِنَفْسِهِ مِنْ الْمَالِ الَّذِي هُوَ خَالِصُ حَقِّهِ وَأَمْرٌ بِالصَّرْفِ إلَى مَنْ سَمَّاهُمْ فِي كِتَابِهِ فَتَوَلَّى السُّلْطَانُ أَخْذَهُ وَقِسْمَتَهُ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الشَّرْعِ وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْنَا عَلَى سَبِيلِ الطَّاعَةِ جَوَّزْنَا صَرْفَ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ إلَى مَنْ اسْتَحَقَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا مِنْ الْغَانِمِينَ وَإِلَى آبَائِهِمْ وَأَوْلَادِهِمْ وَكَذَا جَازَ صَرْفُ خُمُسِ الْمَعْدِنِ إلَى الْوَاحِدِ عِنْدَ حَاجَتِهِ أَيْضًا بِخِلَافِ مَا وَجَبَ عَلَى سَبِيلِ الطَّاعَةِ مِثْلُ الزَّكَوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ فَإِنَّ صَرْفَهَا لَا يَجُوزُ إلَى مَنْ أَدَّاهَا وَإِنْ افْتَقَرَ حَتَّى لَوْ سَلَّمَ الزَّكَاةَ إلَى السَّاعِي بَعْدَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ فَافْتَقَرَ قَبْلَ صَرْفِهَا إلَى الْفَقِيرِ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا مِنْ السَّاعِي وَيَصْرِفَهَا إلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ وَكَذَا لَوْ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ وَهُوَ فَقِيرٌ فَمَلَكَ مِنْ الطَّعَامِ مِقْدَارَ مَا يُؤَدِّي بِهِ الْكَفَّارَةَ مَثَلًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَى نَفْسِهِ أَوْ إلَى أَبَوَيْهِ أَوْ أَوْلَادِهِ. وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا وَجَبَتْ عَلَى سَبِيلِ الطَّاعَةِ كَانَ فِعْلُ الْإِيتَاءِ هُوَ الْمَقْصُودَ وَلَا يَحْصُلُ الْإِيتَاءُ أَوْ لَا يَتِمُّ بِالصَّرْفِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى وَلَدِهِ وَأَبَوَيْهِ فَأَمَّا هَاهُنَا فَالْفِعْلُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَى سَبِيلِ الطَّاعَةِ بَلْ هُوَ مَالُ اللَّهِ تَعَالَى أَمَرَ بِصَرْفِهِ إلَى جِهَةٍ فَإِذَا وُجِدَتْ تِلْكَ الْجِهَةُ فِي الْغَانِمِ كَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ سَوَاءً وَلِهَذَا أَيْ وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍّ لَزِمَنَا أَدَاؤُهُ بِطَرِيقِ الطَّاعَةِ حَلَّ خُمُسُ الْخُمُسِ لِبَنِي هَاشِمٍ؛ لِأَنَّهُ أَيْ خُمُسَ الْخَمْسِ عَلَى مَا قُلْنَا مِنْ التَّحْقِيقِ أَيْ أَثْبَتْنَا أَنَّهُ حَقٌّ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَصِرْ مِنْ الْأَوْسَاخِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ إنَّمَا يَصِيرُ وَسَخًا بِصَيْرُورَتِهِ آلَةً لِأَدَاءِ الْوَاجِبِ وَمَحَلًّا لِانْتِقَالِ الْآثَامِ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الدَّرَنِ فِي الْبَدَنِ إلَيْهِ فَيَصِيرُ خَبِيثًا كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي الْبَدَنِ يَصِيرُ خَبِيثًا طَبْعًا بِانْتِقَالِ الْأَوْسَاخِ إلَيْهِ أَوْ شَرْعًا بِانْتِقَالِ الْحَدَثِ أَوْ الْآثَامِ إلَيْهِ وَهَذَا الْمَالُ لَمْ يُؤَدِّ بِهِ وَاجِبٌ فَبَقِيَ طَيِّبًا كَمَا كَانَ فَحَلَّ لِبَنِي هَاشِمٍ بِخِلَافِ مَالِ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ صَارَ خَبِيثًا لِمَا ذَكَرْنَا فَلَمْ يَحِلَّ لِبَنِي هَاشِمٍ لِفَضِيلَتِهِمْ قَوْلُهُ (غَيْرَ أَنَّا) أَيْ، لَكِنَّا جَعَلْنَا النُّصْرَةَ عِلَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ فِي حَقِّ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: عِلَّةُ الِاسْتِحْقَاقِ الْقَرَابَةُ فِي حَقِّهِمْ وَتَظْهَرُ فَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ فِي سُقُوطِ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى فَعِنْدَنَا يَسْقُطُ بِوَفَاةِ الرَّسُولِ ﵇ لِانْتِهَاءِ الْعِلَّةِ وَهِيَ

стр. 1263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] النُّصْرَةُ بِوَفَاتِهِ كَمَا سَقَطَ نَصِيبُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ الزَّكَاةِ لِانْتِهَاءِ عِلَّةِ الِاسْتِحْقَاقِ وَهِيَ ضَعْفُ الْإِسْلَامِ إلَّا أَنَّ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ الْكَرْخِيِّ مِنْ مَشَايِخِنَا سَقَطَ هَذَا السَّهْمُ بِمَوْتِهِ فِي حَقِّ الْأَغْنِيَاءِ مِنْهُمْ دُونَ الْفُقَرَاءِ وَهُوَ مُخْتَارُ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ فِي الْأَسْرَارِ وَعِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ سَقَطَ فِي حَقِّ الْأَغْنِيَاءِ وَالْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ جَمِيعًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ هُوَ ثَابِتٌ لِبَقَاءِ الْعِلَّةِ وَهِيَ الْقَرَابَةُ فَيُقَسَّمُ عِنْدَنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ وَيَدْخُلُ مَنْ اتَّصَفَ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فِيهِمْ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَسَهْمُ الرَّسُولِ ﵇ سَاقِطٌ عِنْدَنَا بِوَفَاتِهِ أَيْضًا كَسَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى. وَعِنْدَهُ يُقَسَّمُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ كَمَا كَانَ يُقَسَّمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَهْمٌ لِلْإِمَامِ يَصْرِفُهُ إلَى مَصَالِحِ الدِّينِ وَسَهْمٌ لِذَوِي الْقُرْبَى يُقَسَّمُ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ لِمَا ذَكَرْنَاهُمْ قَالَ: وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الْقَرَابَةُ أَنَّهُ تَعَالَى قَالَ ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] وَالْمُرَادُ قَرَابَةُ الرَّسُولِ ﵇ كَمَا فَسَّرَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ وَهِيَ اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْقَرَابَةِ فَيَكُونُ مَأْخَذُ الِاشْتِقَاقِ عِلَّةً لِلْحُكْمِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] وَلِأَنَّهُ ﵇ قَالَ «يَا بَنِي هَاشِمٍ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَرِهَ لَكُمْ غُسَالَةَ النَّاسِ وَعَوَّضَكُمْ بِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُوَ خُمُسُ الْخُمُسِ» سُمِّيَ حَقُّهُمْ فِي الْخُمُسِ عِوَضًا عَنْ حِرْمَانِ الصَّدَقَةِ وَالْعِوَضِيَّةُ إنَّمَا تَثْبُتُ إذَا جَمَعَتْهُمَا عِلَّةٌ وَاحِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ خَلَفٌ عَنْ الْمُعَوَّضِ فَيَثْبُتُ بِمَا ثَبَتَ بِهِ الْأَصْلُ وَعِلَّةُ حِرْمَانِ الصَّدَقَةِ هِيَ الْقَرَابَةُ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْقَرَابَةُ عِلَّةً لِاسْتِحْقَاقِ خُمُسِ الْخُمُسِ الَّذِي هُوَ عِوَضٌ أَيْضًا يُوَضِّحُهُ أَنَّ حِرْمَانَهُمْ عَنْ الصَّدَقَةِ كَانَ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ الْكَرَامَةُ إذَا حُرِمُوا عَنْ الصَّدَقَةِ الَّتِي هِيَ مَالٌ خَبِيثٌ وَأُعْطُوا مِنْ مَالٍ طَيِّبٍ فَأَمَّا الْحِرْمَانُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَخَلَّفَهُ شَيْءٌ آخَرُ يَكُونُ إهَانَةً لَا كَرَامَةً وَمَا ذَكَرْتُمْ مُؤَدٍّ إلَيْهِ إذْ الْحِرْمَانُ ثَابِتٌ مِنْ غَيْرِ خَلَفٍ عَلَى أَصْلِكُمْ. وَالدَّلِيلُ لَنَا عَلَى أَنَّ النُّصْرَةَ عِلَّةُ الِاسْتِحْقَاقِ مِنْ النَّصِّ مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَسَمَ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى يَوْمَ خَيْبَرَ بَيْنَ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَجَاءَهُ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَجُبَيْرُ بْنِ مُطْعِمٍ وَهُوَ مِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فَقَالَا: إنَّا لَا نُنْكِرُ فَضْلَ بَنِي هَاشِمٍ لِمَكَانِك الَّذِي وَضَعَك اللَّهُ فِيهِمْ وَلَكِنْ نَحْنُ وَبَنُو مُطَّلِبٍ إلَيْك سَوَاءٌ فِي النَّسَبِ فَمَا بَالُك أَعْطَيْتَهُمْ وَحَرَمْتَنَا فَقَالَ: إنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوا مَعِي هَكَذَا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَإِسْلَامٍ وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» فَهُمَا سَأَلَا عَنْ تَخْصِيصِ بَنِي الْمُطَّلِبِ مَعَ اسْتِوَائِهِمْ فِي الْقَرَابَةِ وَقِيلَ بَنُو نَوْفَلٍ وَبَنُو عَبْدِ شَمْسٍ كَانُوا أَقْرَبَ إلَيْهِ مِنْ بَنِي الْمُطَّلِبِ؛ لِأَنَّ نَوْفَلًا وَعَبْدَ شَمْسٍ كَانَا أَخَوَيْ هَاشِمٍ لِأَبٍ وَأُمٍّ وَالْمُطَّلِبُ كَانَ أَخَا هَاشِمٍ لِأَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ، ثُمَّ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ ﵇ بَنِي الْمُطَّلِبِ وَلَمْ يُعْطِ بَنِي نَوْفَلٍ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَأُشْكِلَ عَلَيْهِمَا فَلِهَذَا سَأَلَاهُ فَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﵇ أَنَّ الِاسْتِحْقَاقَ بِالنُّصْرَةِ وَالِانْضِمَامِ إلَيْهِ صُحْبَةٌ لَا بِالْقَرَابَةِ وَالصُّحْبَةُ مُنْقَطِعَةٌ بِوَفَاتِهِ ﵇ فَبَطَلَ الِاسْتِحْقَاقُ وَلَا يُقَالُ: الْكِتَابُ يَقْتَضِي الِاسْتِحْقَاقَ بِالْقَرَابَةِ فَلَا يَجُوزُ إبْطَالُ مَا ثَبَتَ بِهِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مِنْ الْآحَادِ بَلْ هُوَ خَبَرٌ مَشْهُورٌ عَمِلَ بِهِ الْأُمَّةُ فَإِنَّ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى عِنْدَ مَنْ قَالَ بِبَقَائِهِ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﵇ مَقْسُومٌ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ دُونَ غَيْرِهِمْ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْخَبَرِ فَيَجُوزُ الزِّيَادَةُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ، ثُمَّ أَمَّا أَنْ يُقَالَ: ثَبَتَ أَنَّ النُّصْرَةَ عِلَّةٌ بِهَذَا الْخَبَرِ فَتُضَمُّ إلَى الْقَرَابَةِ الثَّابِتَةِ عِلَّةً بِالْكِتَابِ وَصَارَتَا عِلَّةً وَاحِدَةً.

стр. 1264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [كشف الأسرار] وَيُضَافُ الْحُكْمُ إلَى آخِرِهِمَا وُجُودًا كَمَا هُوَ طَرِيقُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا أَوْ يُقَالُ: لَفْظُ الْقُرْبَى مُطْلَقٌ فَيَتَقَيَّدُ بِالنُّصْرَةِ كَتَقَيُّدِ الْأَيَّامِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِالتَّتَابُعِ أَوْ هُوَ مُجْمَلٌ فَيَلْتَحِقُ الْخَبَرُ بَيَانًا بِهِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ مِنْ الْبَيَانِ وَمِنْ الْمَعْقُولِ أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ أَنَّ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى ثَبَتَ لَهُمْ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ فَتَعْلِيقُ هَذِهِ الْكَرَامَةِ بِنُصْرَةِ الرَّسُولِ ﵇ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وُجِدَ مِنْهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ أَوْلَى مِنْ تَعْلِيقِهِ بِالنَّسَبِ؛ لِأَنَّ النُّصْرَةَ فِعْلٌ هُوَ طَاعَةٌ فِي الْأَصْلِ وَالْقَرَابَةُ أَمْرٌ ثَبَتَ خِلْقَةً لَا صُنْعَ فِيهِ لِأَحَدٍ وَتَعَلُّقُ الْكَرَامَاتِ بِالطَّاعَاتِ أَكْثَرُ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِمَا ثَبَتَ خِلْقَةً وَاعْتِبَارٌ بِالْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ فَإِنَّهَا لَمْ تُسْتَحَقَّ إلَّا بِالنُّصْرَةِ حَتَّى لَا يَمْلِكَهَا مَنْ دَخَلَ تَاجِرًا أَوْ يَمْلِكُهَا مَنْ دَخَلَ غَازِيًا وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ عَلَى قَصْدِ النُّصْرَةِ وَإِنَّهَا تَحْصُلُ بِالِاجْتِمَاعِ عَلَى قَصْدِ الْقِتَالِ فَثَبَتَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَا تَعْلِيلٌ بِوَصْفٍ ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ فِي الشَّرْعِ وَلَا يُقَالُ لَوْ كَانَ الْحُكْمُ مُتَعَلِّقًا بِالنُّصْرَةِ لَمَا ثَبَتَ الِاسْتِحْقَاقُ لِلنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ كَمَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ النُّصْرَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ مِنْ النُّصْرَةِ الِاجْتِمَاعُ إلَيْهِ فِي الشِّعْبِ وَالْوَادِي لَا نُصْرَةُ الْقِتَالِ وَمِثْلُهَا يَكُونُ مِنْ النِّسْوَانِ وَالْوِلْدَانِ وَإِلَيْهَا أُشِيرَ فِي قَوْلِهِ ﵇ «إنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَإِسْلَامٍ» . وَقِصَّةُ ذَلِكَ «أَنَّ قُرَيْشًا حِينَ أَرَادُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ سُوءًا قَامَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ بِالذَّبِّ عَنْهُ فَتَضَافَرَتْ قُرَيْشٌ عَلَى نَصْبِ الْعَدَاوَةِ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَكَتَبُوا صَحِيفَةً تَعَاقَدُوا فِيهَا عَلَى قَطْعِ الرَّحِمِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ وَأَنْ لَا يُصَاهِرُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يُخَالِطُوهُمْ حَتَّى تُسَلِّمُوا رَسُولَ اللَّهِ ﵇ إلَيْهِمْ لِيَقْتُلُوهُ وَعَلَّقُوهَا فِي الْكَعْبَةِ فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ ذَلِكَ دَخَلَ شِعْبَهُ الَّذِي كَانَ لَهُ بِأَسْفَلِ مَكَّةَ بِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ غَيْرَ أَبِي لَهَبٍ فَإِنَّهُ دَخَلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ فَتَحَصَّنُوا بِالشِّعْبِ وَبَقُوا فِيهِ ثَلَاثَ سِنِينَ مَقْطُوعًا عَنْهُمْ الْمِيرَةُ وَالتَّفَقُّدُ حَتَّى ضَاقَتْ بِهِمْ الْحَالُ وَجَعَلَ صِبْيَانُهُمْ يَتَضَاغَوْنَ مِنْ الْجُوعِ، ثُمَّ سَلَّطَ اللَّهُ الْأَرَضَةَ عَلَى الصَّحِيفَةِ فَأَكَلَتْ مِنْهَا كُلَّ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ ذِكْرِ جَوْرٍ وَقَطِيعَةٍ وَتَرَكَتْ مَا كَانَ مِنْ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَأُوحِيَ بِذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَهُ لِعَمِّهِ فَاجْتَمَعُوا وَلَبِسُوا أَحْسَنَ ثِيَابِهِمْ وَخَرَجُوا إلَى الْحِجْرِ فَجَلَسُوا مَجَالِسَ ذَوِي الْأَقْدَارِ مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ قَالَ أَبُو طَالِبٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّا قَدْ جَاءَكُمْ لِأَمْرٍ فَأَجِيبُوا فِيهِ بِالْمَعْرُوفِ فَقَالُوا مَرْحَبًا بِك فَقُلْ مَا تُحِبُّ فَعِنْدَنَا مَا يَسُرُّك فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: إنَّ مُحَمَّدًا أَخْبَرَنِي وَلَمْ يَكْذِبْنِي قَطُّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَلَّطَ عَلَى صَحِيفَتِكُمْ الْأَرَضَةَ فَلَحِسَتْ كُلَّ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ جَوْرٍ وَقَطِيعَةٍ وَتَرَكَتْ مَا كَانَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ كَانَ صَادِقًا نَزَعْتُمْ عَنْ سُوءِ رَأْيِكُمْ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا دَفَعْتُهُ إلَيْكُمْ فَقَتَلْتُمُوهُ أَوْ اسْتَبْقَيْتُمُوهُ فَقَالُوا: قَدْ أَنْصَفْتَنَا، ثُمَّ تَمَالَأَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي تَقَصِّي شَأْنِ الصَّحِيفَةِ فَلَمَّا أُحْضِرَتْ وَنُشِرَتْ إذْ هِيَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَعِنْدَ ذَلِكَ سُقِطَ فِي أَيْدِيهمْ وَعَلِمُوا أَنَّهُمْ كَانُوا ظَالِمِينَ، ثُمَّ مُزِّقَتْ الصَّحِيفَةُ وَخَرَجَ النَّاسُ مِنْ الشِّعْبِ وَأَمِنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا» . وَفِي رِوَايَةٍ «أَنَّهُمْ لَمَّا جَهَدُوا جَهْدًا شَدِيدًا رَقَّ لَهُمْ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمْ مُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَظْهَرُوا الْكَرَاهَةَ لِمَا نَالَهُمْ مِنْ الضُّرِّ وَالْبُؤْسِ فَأَجْمَعُوا عَلَى نَقْضِ تِلْكَ الصَّحِيفَةِ الْقَاطِعَةِ الظَّالِمَةِ فَقَامَ مُطْعِمٌ إلَى الصَّحِيفَةِ فَوَجَدَ الْأَرَضَةَ قَدْ أَكَلَتْهَا إلَّا بِاسْمِك اللَّهُمَّ فَلَمَّا مُزِّقَتْ وَبَطَلَ مَا فِيهَا فَرَّجَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ فَخَرَجُوا مِنْ الشِّعْبِ فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ إنَّهُمْ لَنْ يَزَالُوا مَعِي فِي جَاهِلِيَّةٍ وَإِسْلَامٍ» فَإِنْ قِيلَ فَإِذًا هَذِهِ.

стр. 1265

فَأَمَّا قَرَابَةُ النَّبِيِّ فَخِلْقَةٌ وَلِتَكُونَ لَهَا صِيَانَةٌ عَنْ أَعْوَاضِ الدُّنْيَا وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ النُّصْرَةُ وَصْفًا يَتِمُّ بِهَا الْقَرَابَةُ عِلَّةُ مَا سَبَقَ فِي بَابِ التَّرْجِيحِ أَنَّ مَا يَصْلُحُ عِلَّةً بِنَفْسِهِ لَا يَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ وَلِأَنَّهَا تُخَالِفُ جِنْسَ الْقَرَابَةِ فَلَمْ يَصْلُحْ وَصْفًا لَهَا ــ [كشف الأسرار] النُّصْرَةُ الَّتِي هِيَ الْعِلَّةُ عِنْدَكُمْ لَا تَكُونُ مِنْ الطَّاعَاتِ؛ لِأَنَّهَا وُجِدَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْكُفْرُ مُنَافٍ لِجَمِيعِ الطَّاعَاتِ فَلَا تَصْلُحُ سَبَبًا لِلْكَرَامَةِ قُلْنَا: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْفِعْلُ مِنْهُمْ مَخْصُوصًا بِالصِّيَانَةِ عَنْ الْفَسَادِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ لِتَعَلُّقِهِ بِالنَّبِيِّ ﷺ كَمَا رُوِيَ «أَنَّ عَلِيًّا ﵁ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : هَلْ نَفَعْت عَمَّك أَبَا طَالِبٍ فَقَالَ ﵇ كَانَ فِي طَمْطَامٍ مِنْ النَّارِ فَأَخْرَجْتُهُ إلَى ضَحْضَاحٍ مِنْهَا» وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ التَّخْفِيفُ إلَّا بِإِحْسَانِهِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ وَنُصْرَتِهِ لَهُ وَلَمْ يَبْطُلْ بِسَبَبِ الْكُفْرِ وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ الْعَذَابَ يُخَفَّفُ عَنْ أَبِي لَهَبٍ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ بِذَبْحِهِ نَسِيكَةً اسْتِبْشَارًا بِمَوْلِدِ النَّبِيِّ ﵇ وَكَانَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ فَلَمَّا صَلَحَ مِثْلُ هَذِهِ الْأَفْعَالِ مَعَ الْكُفْرِ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ فِي الْآخِرَةِ لَأَنْ يَصْلُحَ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ سَهْمِ الْغَنِيمَةِ فِي الدُّنْيَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ كَانَ أَوْلَى. قَوْلُهُ (وَلِيَكُونَ) عُطِفَ عَلَى الدَّلِيلِ الْأَوَّلِ أَيْ جَعَلْنَا النُّصْرَةَ عِلَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ دُونَ الْقَرَابَةِ لِكَذَا وَلِيَكُونَ جَعَلْنَا النُّصْرَةَ عِلَّةَ صِيَانَةٍ لِقَرَابَةِ الرَّسُولِ عَنْ أَعْوَاضِ الدُّنْيَا أَصْلًا؛ لِأَنَّ دَرَجَةَ قَرَابَتِهِ أَعْلَى مِنْ أَنْ تُجْعَلَ عِلَّةً لِاسْتِحْقَاقِ شَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا وَلِهَذَا صَارَتْ سَبَبًا لِلْحِرْمَانِ عَنْ الزَّكَاةِ وَلَمْ تَصْلُحْ سَبَبًا لِاسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ حَتَّى لَمْ يَرِثْ أَقْرِبَاءُ الرَّسُولِ ﵇ عَنْهُ فَثَبَتَ أَنَّ جَعْلَ النُّصْرَةِ عِلَّةً أَوْلَى قَوْلُهُ (وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ النُّصْرَةُ وَصْفًا يَتِمُّ بِهَا الْقَرَابَةُ عِلَّةً) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَمَّا قَالَ الْخَصْمُ أَنَا لَا أَهْدِرُ وَصْفَ النُّصْرَةِ وَلَكِنْ أَجْعَلُ الْقَرَابَةَ عِلَّةً كَمَا اقْتَضَاهُ النَّصُّ وَأَجْعَلُ النُّصْرَةَ وَصْفًا يَتِمُّ بِهَا الْقَرَابَةُ عِلَّةً وَيَتَرَجَّحُ بِهَا عَلَى الْقَرَابَةِ الَّتِي لَمْ يُوجَدْ فِيهَا وَصْفُ النُّصْرَةِ كَالْعَدَالَةِ فِي الشَّاهِدِ وَالنَّمَاءِ فِي النِّصَابِ وَالتَّأْثِيرِ فِي الْوَصْفِ الْمُلَائِمِ فَإِنَّ بِهَذِهِ الْأَوْصَافِ تَتِمُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عِلَّةً تَتَرَجَّحُ عَلَى مَا لَمْ يُوجَدْ فِيهِ هَذِهِ الْأَوْصَافُ وَلِهَذَا أَعْطَيْنَا بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ دُونَ غَيْرِهِمْ لِوُجُودِ هَذَا الْوَصْفِ فِي قَرَابَتِهِمْ دُونَ قَرَابَةٍ مِنْ سِوَاهُمْ. فَقَالَ الشَّيْخُ ﵀: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَجْعَلَ النُّصْرَةَ وَصْفًا مُتَمِّمًا لِلْقَرَابَةِ عِلَّةً وَمُرَجِّحًا لَهَا لِمَا مَرَّ أَنَّ مَا يَصْلُحُ عِلَّةً بِنَفْسِهِ لَا يَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ وَالنُّصْرَةُ بِنَفْسِهَا تَصْلُحُ عِلَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ كَمَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ فَلَا يَصْلُحُ وَصْفًا مُرَجِّحًا لِلْقَرَابَةِ؛ لِأَنَّهَا أَيْ وَلِأَنَّ النُّصْرَةَ تُخَالِفُ جِنْسَ الْقَرَابَةِ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ ذَاتٌ لَيْسَ فِيهَا صُنْعٌ لِأَحَدٍ وَالنُّصْرَةُ فِعْلٌ مِنْ جِنْسِ الطَّاعَاتِ فِي الْأَصْلِ. وَأَثَرُهُمَا مُخْتَلِفٌ أَيْضًا فَإِنَّ الْقَرَابَةَ سَبَبٌ لِإِيجَابِ الصِّلَةِ فِي مَالِ الْقَرِيبِ دُونَ غَيْرِهِ وَالنُّصْرَةُ سَبَبٌ لِإِيجَابِ الصِّلَةِ فِي مَالِ الْغَيْرِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَصْلُحْ النُّصْرَةُ وَصْفًا لِلْقَرَابَةِ لِتَتَرَجَّحَ الْقَرَابَةُ بِهِ كَمَا فِي ابْنَيْ عَمٍّ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ أَوْ زَوْجٌ لَا يَصْلُحُ الزَّوْجِيَّةُ أَوْ الْأُخُوَّةُ وَصْفًا مُرَجِّحًا لِقَرَابَةِ الْعُمُومَةِ لِلِاخْتِلَافِ بِخِلَافِ أَخَوَيْنِ لِأَبٍ أَحَدُهُمَا أَخٌ لِأُمٍّ حَيْثُ يَصْلُحُ الْأُخُوَّةُ لِأُمٍّ وَصْفًا مُرَجِّحًا لِلْإِخْوَةِ لِأَبٍ لِاتِّحَادِ جِنْسِ الْقَرَابَةِ عَلَى مَا مَرَّ بَيَانُهُ عَلَى أَنَّا إنْ سَلَّمْنَا أَنَّ النُّصْرَةَ تَصْلُحُ مُرَجِّحَةً لِلْقَرَابَةِ فَإِنَّمَا تَصْلُحُ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ ﵇ لَا بَعْدَ وَفَاتِهِ لِفَوَاتِ هَذَا الْوَصْفِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَكَانَتْ الْقَرَابَةُ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﵇ بِمَنْزِلَةِ نِصَابٍ لَمْ يَبْقَ نَمَاؤُهُ وَبِمَنْزِلَةِ شَاهِدٍ لَمْ تَبْقَ عَدَالَتُهُ فَسَارَتْ قَرَابَةُ بَنِي نَوْفَلٍ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَإِنْ قِيلَ: إذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ تُجْعَلَ النُّصْرَةُ وَصْفًا لِلْقَرَابَةِ نَجْعَلُ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عِلَّةً عَلَى حِدَةٍ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُعَلَّلًا بِعِلَّتَيْنِ. قُلْنَا: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْقَرَابَةَ بِانْفِرَادِهَا لَا تَصْلُحُ عِلَّةً بِالْإِجْمَاعِ فَإِنَّ بَنِي نَوْفَلٍ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ لَا يَسْتَحِقُّونَ شَيْئًا وَإِذَا لَمْ تَصْلُحْ الْقَرَابَةُ عِلَّةً وَلَمْ يَصْلُحْ النُّصْرَةُ وَصْفًا لَهَا كَانَتْ الْعِلَّةُ هِيَ النُّصْرَةَ لَا غَيْرُ كَمَا بَيَّنَّا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَدًّا لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ
следующие страницы →