Полный текст (1 522 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
نَفْعِ الْخَطَأِ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ الْقِصَاصَ ضَمَانًا زَائِدًا لِمَعْنَى الِانْتِقَامِ وَتَشَفِّي الصَّدْرِ نَظَرًا لِلْوَلِيِّ وَإِبْقَاءً لِلْحَيَاةِ فَشَرْعُهُ لَا يَنْفِي الضَّمَانَ الْأَصْلِيَّ لَكِنَّهُ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَجِبُ حَقًّا لِلْعَبْدِ حَتَّى يَعْمَلَ فِيهِ إسْقَاطُهُ وَيُورَثُ عَنْهُ وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ لِمُسْتَحِقٍّ وَاحِدٍ بِمُقَابَلَةِ مَحَلٍّ وَاحِدٍ فَأَثْبَتْنَا الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْيِيرِ، وَلَنَا أَنَّهُ أَتْلَفَ مَضْمُونًا فَيَتَقَيَّدُ ضَمَانُهُ بِالْمِثْلِ مَا أَمْكَنَ كَإِتْلَافِ الْمَالِ وَتَفْوِيتِ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ، وَالْمَالُ لَيْسَ بِمِثْلٍ لِلْمُتْلَفِ لِمَا ذَكَرْنَا وَالْقِصَاصُ مِثْلٌ لَهُ صُورَةً؛ لِأَنَّهُ قَتْلٌ وَإِفَاتَةُ حَيَاةٍ كَالْأَوَّلِ، وَمَعْنَى لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقَتْلِ لَيْسَ إلَّا الِانْتِقَامُ وَالثَّانِي فِي مَعْنَى الِانْتِقَامِ كَالْأَوَّلِ وَلِهَذَا سُمِّيَ قِصَاصًا وَفِيهِ مُقَابَلَةُ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ كَمَا قَالَ تَعَالَى، ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] ، فَمَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمِثْلِ الْكَامِلِ لَا يَجُوزُ الْمَصِيرُ إلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ سَابِقٌ عَلَى أَقْسَامِ الْقَضَاءِ أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ بِالْفِدْيَةِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْمِثْلِ الْكَامِلِ وَهُوَ الصَّوْمُ لِمَا ذَكَرْنَا.
(فَإِنْ قِيلَ) كَمَا أَنَّ الْمَالَ لَيْسَ بِمِثْلٍ لِلْقِصَاصِ أَوْ النَّفْسِ فَكَذَا الْقَتْلُ لَيْسَ بِمِثْلٍ لِلْقَطْعِ مَعَ الْقَتْلِ فِيمَا تَقَدَّمَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْقَتْلِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ (قُلْنَا) الْمَالُ لَيْسَ بِمِثْلٍ لِلنَّفْسِ صُورَةً وَلَا مَعْنًى فَأَمَّا الْقَتْلُ فَمِثْلٌ لِلْقَطْعِ صُورَةً وَمَعْنًى وَمِثْلٌ لِلْقَطْعِ مَعْنًى لَا صُورَةً فَلِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمُمَاثَلَةِ كَانَ الْوَاجِبُ فِي الِابْتِدَاءِ أَحَدَهُمَا إمَّا الْجَمْعُ أَوْ الِاقْتِصَارُ فَلَا يَكُونُ الِاقْتِصَارُ انْتِقَالًا عَنْ الْوَاجِبِ الْأَصْلِيِّ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى اسْتِيفَائِهِ إلَى خَلَفِهِ بِخِلَافِ الدِّيَةِ فِي الْقَتْلِ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ كَانَتْ خَلَفًا عَنْ الْقِصَاصِ؛ لِأَنَّهُ الْوَاجِبُ الْأَصْلِيُّ دُونَ الدِّيَةِ الَّتِي لَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفَائِتِ بِوَجْهٍ فَيَكُونُ خِيَارُ الدِّيَةِ انْتِقَالًا عَنْ الْأَصْلِ إلَى الْخَلَفِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الِاقْتِصَارَ بِمَنْزِلَةِ اسْتِيفَاءِ بَعْضِ الْحَقِّ وَإِسْقَاطِ الْبَاقِي وَلِهَذَا جَازَ الِاقْتِصَارُ بِالْإِجْمَاعِ قَوْلُهُ (وَهُوَ) أَيْ الْقِصَاصُ إلَى الْأَحْيَاءِ الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِيَّةِ الضَّمَانِ أَقْرَبُ.
بَيَانُهُ أَنَّ الْأَوَّلَ أَفَاتَ حَيَاةً فَيَكُونُ الْمِثْلُ الْقَائِمُ مَقَامَهُ مَا يَنْجَبِرُ بِهِ الْفَائِتُ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِإِتْلَافِ حَيَاةٍ تَحْصُلُ بِهِ حَيَاةٌ لِلْوَلِيِّ الْقَائِمِ مَقَامَ الْقَتِيلِ وَذَلِكَ فِي الْقِصَاصِ دُونَ إيجَابِ الْمَالِ؛ لِأَنَّ إفَاتَةَ الْحَيَاةِ مَضْمُونَةٌ بِمَا تَقُومُ مَقَامَهَا وَإِنَّمَا تَقُومُ مَقَامَ الْحَيَاةِ حَيَاةٌ أُخْرَى لَا مَالَ إذْ كُلُّ الدُّنْيَا لَا يُسَوَّى بِحَيَاةِ سَاعَةٍ وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةً لَنَا وَذَلِكَ فِي شَرْعِيَّتِهِ وَاسْتِيفَائِهِ، أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَنْ قَصَدَ قَتْلَ عَدُوِّهِ وَتَفَكَّرَ أَنَّهُ يَقْتَصُّ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَنْزَجِرُ عَنْ ذَلِكَ فَيَكُنْ الْقِصَاصُ حَيَاةً لَهُمَا جَمِيعًا فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْخِطَابُ لِكَافَّةِ النَّاسِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ مَنْ قَتَلَ إنْسَانًا يَصِيرُ حَرْبًا عَلَى أَوْلِيَاءِ الْقَتْلِ خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ وَهُمْ يَخَافُونَهُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَعِينُ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِهِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَادَاتُ الْمُتَغَلِّبَةِ فَمَتَى قَتَلُوهُ قِصَاصًا انْدَفَعَ عَنْهُمْ الشَّرُّ وَالْهَلَاكُ وَبَقِيَتْ حَيَاتُهُمْ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْخِطَابُ لِلْوَرَثَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى سَمَّى دَفْعَ الْهَلَاكِ مِنْ الْحَيِّ إحْيَاءً قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] .
فَيَكُونُ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةُ أَوْلَادِهِ وَفِي حَيَاتِهِمْ حَيَاةٌ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الرَّجُلِ بِبَقَاءِ وَلَدِهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى وَلِهَذَا يَسْعَى لِوَلَدِهِ كَمَا سَعَى لِنَفْسِهِ فَثَبَتَ أَنَّ الْقِصَاصَ إلَى الْإِحْيَاءِ أَقْرَبُ، وَإِنَّمَا قَالَ أَقْرَبُ؛ لِأَنَّ لِلْمَالِ نَوْعَ قُرْبِ إلَى الْمَقْصُودِ إذْ بِوُجُوبِهِ قَدْ يَمْتَنِعُ الْقَاتِلُ عَنْ الْقَتْلِ وَبِاسْتِيفَائِهِ قَدْ يَمْتَنِعُ الْوَلِيُّ عَنْ انْتِقَامٍ لَكِنَّهُ دُونَ الْقِصَاصِ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَلِهَذَا كَانَ الْقِصَاصُ
стр. 177
وَإِنَّمَا شُرِعَ عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ صِيَانَةً لِلدَّمِ عَنْ الْهَدَرِ وَمِنَّةً عَلَى الْقَاتِلِ بِأَنْ سَلَّمَتْ لَهُ نَفْسَهُ وَلِلْقَتِيلِ بِأَنْ لَمْ يُهْدَرْ حَقُّهُ، وَلِهَذَا قُلْنَا نَحْنُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ إنَّ الْقِصَاصَ لَا يُضْمَنُ لِوَلِيِّهِ بِالشَّهَادَةِ الْبَاطِلَةِ عَلَى الْعَفْوِ أَوْ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِثْلٌ صُورَةً وَمَعْنًى
ــ
[كشف الأسرار]
أَقْرَبَ إلَى الْمَقْصُودِ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا شُرِعَ الْمَالُ) جَوَابٌ عَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ الْمَالَ مِثْلٌ لِلنَّفْسِ بِدَلِيلِ حَالَةِ الْخَطَأِ فَقَالَ إنَّمَا شُرِعَ الْمَالُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِأَجْلِ صِيَانَةِ الدَّمِ عَنْ الْهَدَرِ فَإِنَّهُ عَظِيمُ الْخَطَرِ وَتَعَذُّرُ إيجَابِ الْقِصَاصِ لَا بِطَرِيقِ أَنَّهُ مِثْلٌ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْقِصَاصَ نِهَايَةٌ فِي الْعُقُوبَاتِ الْمُعَجَّلَةِ فِي الدُّنْيَا فَلَا يَجُوزُ مُؤَاخَذَةُ الْخَاطِئِ بِهِ لِكَوْنِهِ مَعْذُورًا فِيهِ وَنَفْسُ الْمَقْتُولِ مُحْتَرَمَةٌ لَا تَسْقُطُ حُرْمَتُهَا بِعُذْرِ الْخَاطِئِ فَوَجَبَ صِيَانَتُهَا عَنْ الْهَدَرِ فَأَوْجَبَ الشَّرْعُ الْمَالَ فِي حَالَةِ الْخَطَأِ لِصِيَانَةِ النَّفْسِ الْمُحْتَرَمَةِ عَنْ الْإِهْدَارِ لَا بِطَرِيقِ أَنَّهُ مِثْلٌ كَمَا أَوْجَبَ الْفِدْيَةَ عَلَى الشَّيْخِ الْفَانِي عِنْدَ وُقُوعِ الْيَأْسِ لَهُ عَنْ الصَّوْمِ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِطْعَامَ مِثْلُ الصَّوْمِ، فَيَكُونُ فِي إيجَابِ الْمَالِ مِنَّةٌ عَلَى الْقَاتِلِ بِأَنْ سَلِمَتْ لَهُ نَفْسُهُ بِهِ مَعَ أَنَّهُ قَتَلَ نَفْسًا مَعْصُومَةً وَمِنَّةً عَلَى الْمَقْتُولِ بِأَنْ لَمْ يُهْدَرْ حَقُّهُ بِإِيجَابِ شَيْءٍ يَقْضِي بِهِ حَوَائِجَهُ أَوْ حَوَائِجَ وَرَثَتِهِ مَعَ أَنَّ الْقَاتِلَ مَعْذُورٌ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْخَطَأِ فَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ مَوَاضِعِ الْعَمْدِ يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ تَعَذُّرُ الْقِصَاصِ مَعَ بَقَاءِ الْمَحَلِّ لِمَعْنًى فِي الْمَحَلِّ يَجِبُ الْمَالُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْمَخْصُوصَ مِنْ الْقِيَاسِ بِالنَّصِّ يَلْحَقُهُ مَا يَكُونُ فِي مَعْنَاهُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَالْأَبُ إذَا قَتَلَ ابْنَهُ عَمْدًا يَجِبُ الْمَالُ لِتَعَذُّرِ إيجَابِ الْقِصَاصِ بِحُرْمَةِ الْأُبُوَّةِ وَإِذَا عَفَا أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ يَجِبُ لِلْآخَرِ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ لِمَعْنًى فِي الْمُقَاتِلِ وَهُوَ أَنَّهُ أَحَيًّا بَعْضَ نَفْسِهِ بِعَفْوِ الشَّرِيكِ فَكَانَ ذَلِكَ فِي مَعْنَى الْخَطَأِ فَوَجَبَ الْمَالُ لِلْآخَرِ بِخِلَافِ مَا إذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ؛ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الِاسْتِيفَاءُ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ فَلَا يَكُونُ فِي مَعْنَى الْخَاطِئِ، وَفِي لَفْظِ الشَّيْخِ إشَارَةٌ إلَى مَا ذَكَرْنَا حَيْثُ قَالَ وَإِنَّمَا شُرِعَ عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ وَلَمْ يَقُلْ فِي حَالَةِ الْخَطَأِ إذْ وُجُوبُ الْمَالِ لَيْسَ مُخْتَصًّا بِحَالَةِ الْخَطَأِ بَلْ هُوَ ثَابِتٌ فِي غَيْرِهِ مِنْ الصُّوَرِ كَمَا ذَكَرْنَا فَلِهَذَا قَالَ عِنْدَ عَدَمِ الْمِثْلِ لِيَكُونَ شَامِلًا لِلصُّوَرِ جَمْعًا قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَا يَكُونُ الْمَالُ مِثْلًا لَهُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَ بِهِ قُلْنَا إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ بِالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ ثُمَّ رَجَعُوا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهِ لَمْ يَضْمَنُوا لِوَلِيِّ الْقِصَاصِ شَيْئًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ يَضْمَنُونَ الدِّيَةَ لَهُ.
١ -
وَكَذَا إذَا قَتَلَ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ إنْسَانٌ آخَرُ لَا يَضْمَنُ لِوَلِيِّ الْقِصَاصِ شَيْئًا وَمَا ذُكِرَ هَهُنَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِنْدَهُ يَضْمَنُ لِوَلِيِّ الْقِصَاصِ الدِّيَةَ كَالشَّاهِدِ، وَرَأَيْت فِي التَّهْذِيبِ وَلَوْ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ لِوَرَثَتِهِ وَحَقُّ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي تَرِكَتِهِ وَلَوْ عَفَا وَارِثُهُ عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى الدِّيَةِ لِلْوَارِثِ كَالْقِصَاصِ وَحَقُّ مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ فِي تَرِكَتِهِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ لَا يَضْمَنُ عِنْدَهُ شَيْئًا لِوَلِيِّ الْقِصَاصِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُنَا وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْأَسْرَارِ أَيْضًا، وَسَنَذْكُرُ الْفَرْقَ لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْوِفَاقِ.
وَقَوْلُهُ (أَوْ بِقَتْلِ الْقَاتِلِ) إضَافَةُ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ، لَهُ أَنَّ الْقِصَاصَ مِلْكٌ مُتَقَوِّمٌ لِلْوَلِيِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَاتِلَ إذَا صَالَحَ فِي مَرَضِهِ عَلَى الدِّيَةِ يُعْتَبَرُ ذَلِكَ جَمِيعُ الْمَالِ وَقَدْ أَتْلَفُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ بِشَهَادَتِهِمْ فَيَضْمَنُونَ عِنْدَ الرُّجُوعِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالًا كَمَا تُضْمَنُ النَّفْسُ بِالْإِتْلَافِ حَالَةَ الْخَطَأِ وَكَذَا الْقَاتِلُ أَتْلَفَ عَلَيْهِ حَقَّهُ الْمُتَقَوَّمَ فَيَضْمَنُ.
، وَإِنْ لَمْ يَضْمَنْ عِنْدَهُ كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي التَّهْذِيبِ وَالْأَسْرَارِ فَالْفَرْقُ لَهُ أَنَّ الْقَاتِلَ إنَّمَا أَتْلَفَهُ ضِمْنًا لِإِتْلَافِ الْمَحَلِّ لَا قَصْدًا إلَيْهِ فَلَا يَضْمَنُ بِخِلَافِ
стр. 178
وَإِنَّمَا شُرِعَتْ الدِّيَةُ صِيَانَةً لِلدَّمِ عَنْ الْهَدْرِ وَالْعَفْوُ عَنْ الْقِصَاصِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَكَانَ جَائِزًا أَنْ يُهْدَرَ بَلْ حَسَنًا وَلِهَذَا قُلْنَا إنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَا يُضْمَنُ بِالشَّهَادَةِ بِالطَّلَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ وَبِقَتْلِ الْمَنْكُوحَةِ وَبِرِدَّتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ
ــ
[كشف الأسرار]
الشَّاهِدِ فَإِنَّهُ أَتْلَفَهُ قَصْدًا إلَيْهِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْقِصَاصِ ضَرُورِيٌّ فَيَظْهَرُ فِي حَقِّ الْوَلِيِّ مِنْ حَيْثُ تَطَرُّقُهُ إلَى الِاسْتِيفَاءِ دُونَ الْمَمْلُوكِ عَلَيْهِ حَتَّى لَمْ يَصِرْ الْمَحَلُّ مَمْلُوكًا لَهُ فَلَا يَظْهَرُ فِي حَقِّ الْقَتْلِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْأَسْرَارِ.
، وَلَنَا أَنَّ الْمُتْلَفَ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فَلَا يُضْمَنُ الْمَالُ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَيْسَ بِمِثْلٍ لَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْقِصَاصِ مِلْكُ مَنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَمِلْكُ حَيَاتِهِ فِي حَقِّ الِاسْتِيفَاءِ وَشَرْعِيَّتِهِ لِمَعْنَى الْإِحْيَاءِ فَلَا يَكُونُ الْمَالُ مِثْلًا إلَّا أَنَّ الْقَاتِلَ إنَّمَا يَلْتَزِمُ فِي الصُّلْحِ الدِّيَةَ بِمُقَابَلَةِ مَا هُوَ مِنْ أُصُولِ حَوَائِجِهِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى هَذَا الصُّلْحِ لِإِبْقَاءِ نَفْسِهِ وَحَاجَتِهِ مُقَدَّمَةً عَلَى حَقِّ الْوَارِثِ فَلِهَذَا يُعْتَبَرُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ.
قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا شُرِعَتْ الدِّيَةُ) جَوَابٌ عَنْ الْخَطَأِ الَّذِي هُوَ الْمَقِيسُ عَلَيْهِ لِلْخَصْمِ فَقَالَ لَا يَجُوزُ الْقِيَاسُ عَلَى الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ الْمَالِ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِصِيَانَةِ الدَّمِ عَنْ الْهَدْرِ وَإِظْهَارِ خَطَرِ الْمَحَلِّ وَمَا فِي الشَّهَادَةِ إرَاقَةُ دَمٍ لِيُصَانَ بِالضَّمَانِ بَلْ فِيهَا إبْطَالُ مِلْكِ الْقِصَاصِ بِإِثْبَاتِ الْعَفْوِ وَالْعَفْوُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ فَيَكُونُ إهْدَارُهُ جَائِزًا بِهَذَا الطَّرِيقِ وَهُوَ الْعَفْوُ بَلْ حَسَنًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] .
وَلِأَنَّ الْقِصَاصَ حَيَاةٌ حُكْمًا وَفِي الْعَفْوِ حَيَاةٌ حَقِيقَةً فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الضَّمَانِ لِمَعْنَى الصِّيَانَةِ وَصَارَ كَأَنَّ الشُّهُودَ أَثْنَوْا عَلَيْهِ بِفِعْلٍ مَنْدُوبٍ وَالْمُرَادُ مِنْ الْإِهْدَارِ هَهُنَا عَدَمُ إيجَابِ شَيْءٍ مِنْ الْمَالِ بِمُقَابَلَتِهِ قَوْلُهُ (وَلِهَذَا أَيْ وَلِمَا بَيَّنَّا أَنَّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ) مُتَقَوِّمٍ لَا يُضْمَنُ بِالْمَالِ قُلْنَا إذَا شَهِدَ شَاهِدَانِ بِالتَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ بَعْدَ الدُّخُولِ ثُمَّ رَجَعَا بَعْدَ الْقَضَاءِ بِالْفُرْقَةِ لَمْ يَضْمَنَا شَيْئًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَضْمَنَانِ لِلزَّوْجِ مَهْرَ مِثْلِهَا وَكَذَلِكَ إنْ قَتَلَ رَجُلٌ مَنْكُوحَةَ رَجُلٍ لَمْ يَضْمَنْ الْقَاتِلُ شَيْئًا مِنْ الْمَهْرِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَضْمَنُ مَهْرَ الْمِثْلِ لِلزَّوْجِ.
، وَكَذَلِكَ لَوْ ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ الدُّخُولِ لَمْ تَغْرَمْ لِلزَّوْجِ شَيْئًا عِنْدَنَا وَعِنْدَهُ لَهُ مَهْرُ الْمِثْلِ عَلَيْهَا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ، وَذَكَرَ فِي إشَارَاتِ الْأَسْرَارِ لِلشَّيْخِ أَبِي الْفَضْلِ الْكَرْمَانِيِّ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ رُجُوعِ شُهُودِ الطَّلَاقِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي جَانِبِ الشَّافِعِيِّ وَلَا يَلْزَمُ الْمَرْأَةَ إذَا ارْتَدَّتْ بَعْدَ الدُّخُولِ لَا تَضْمَنُ لِلزَّوْجِ شَيْئًا وَقَدْ فَوَّتَتْ عَلَيْهِ الْمِلْكَ بِالرِّدَّةِ كَمَا فَوَّتَ الشَّاهِدُ بِالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الرِّدَّةَ تُؤَثِّرُ فِي تَغْيِيرِ الِاعْتِقَادِ لَا فِي النِّكَاحِ قَصْدًا وَالشَّاهِدُ أَتْلَفَ بِالشَّهَادَةِ قَصْدًا، فَهَذَا يُخَالِفُ مَا ذُكِرَ فِي الْمَبْسُوطِ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي مَسْأَلَةِ الرِّدَّةِ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ لَهُ فِي مَسْأَلَةِ الرِّدَّةِ قَوْلَيْنِ، وَذُكِرَ فِي التَّهْذِيبِ إنْ وُجِدَتْ الرِّدَّةُ بَعْدَ الدُّخُولِ فَقَدْ اسْتَقَرَّ مَهْرُهَا بِالدُّخُولِ فَلَا يَسْقُطُ بِالرِّدَّةِ وَإِنْ وُجِدَتْ قَبْلَ الدُّخُولِ نُظِرَ فَإِنْ ارْتَدَّتْ الْمَرْأَةُ سَقَطَ مَهْرُهَا؛ لِأَنَّ الْفَسْخَ مِنْ قِبَلِهَا وَإِنْ ارْتَدَّ الزَّوْجُ فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْمَهْرِ.
وَهَذَا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْفَضْلِ تَمَسَّكَ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ مُتَقَوِّمٌ عَلَى الزَّوْجِ ثُبُوتًا فَيَكُونُ مُتَقَوِّمًا عَلَيْهِ زَوَالًا؛ لِأَنَّ الزَّائِلَ عَيْنُ الثَّابِتِ فَمِنْ ضَرُورَةِ تَقَوُّمِهِ فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ تَقَوُّمُهُ فِي الْحَالَةِ الْأُخْرَى كَمِلْكِ الْيَمِينِ بَلْ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مِلْكَ الْيَمِينِ يَجُوزُ اكْتِسَابُهُ بِلَا بَدَلٍ بِخِلَافِ مِلْكِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ مَهْرٍ وَيَجِبُ بِالْفَاسِدِ قِيمَتُهُ كَمَا فِي الْأَعْيَانِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ خَالَعَهَا عَلَى مَالٍ يَجُوزُ وَمَا لَمْ يَكُنْ مُتَقَوِّمًا لَا يَصِيرُ مُتَقَوِّمًا بِالْعَقْدِ كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَإِنَّمَا الْمُعَاوَضَةُ لِإِقَامَةِ الْمُسَمَّى مِنْ الْمَالِ مُقَامَ أَصْلِ الْقِيمَةِ بِتَرَاضِيهِمَا، وَلَنَا أَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ لَيْسَ
стр. 179
وَإِنَّمَا يُقَوَّمُ بِالْمَالِ بُضْعُ الْمَرْأَةِ تَعْظِيمًا لِخَطَرِهِ وَإِنَّمَا الْخَطَرُ لِلْمَمْلُوكِ فَأَمَّا الْمِلْكُ الْوَارِدُ عَلَيْهِ فَلَا، حَتَّى صَحَّ إبْطَالُهُ بِغَيْرِ شُهُودٍ وَلَا وَلِيٍّ وَلِهَذَا لَمْ يُجْعَلْ لَهُ حُكْمُ التَّقَوُّمِ عِنْدَ الزَّوَالِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يُتَعَرَّضُ لَهُ بِالِاسْتِيلَاءِ بَلْ إطْلَاقٌ لَهُ وَلَا يَلْزَمُ الشَّهَادَةَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ فَإِنَّهَا عِنْدَ الرُّجُوعِ يُوجِبُ ضَمَانَ نِصْفِ الْمَهْرِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُجِبْ قِيمَةً لِلْبُضْعِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمْ يُجِبْ مَهْرَ الْمِثْلِ تَامًّا
ــ
[كشف الأسرار]
بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فَلَا يَضْمَنُ بِالْمَالِ عِنْدَ الْإِتْلَافِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْإِتْلَافِ مُقَدَّرٌ بِالْمِثْلِ وَلَا مُمَاثَلَةَ بَيْنَهُمَا صُورَةً وَلَا مَعْنًى؛ لِأَنَّ مَعْنَى الشَّيْءِ مَا شُرِعَ أَوْ خُلِقَ ذَلِكَ الشَّيْءُ لَهُ وَمِلْكُ النِّكَاحِ شُرِعَ لِلسَّكَنِ وَالِازْدِوَاجِ وَإِقَامَةِ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي النَّسْلِ وَإِبْقَاءِ الْعَالَمِ وَالْمَالُ خُلِقَ بَذْلَةً لِإِقَامَةِ الْمَصَالِحِ فَأَنَّى يَتَمَاثَلَانِ، وَلِأَنَّ مِلْكَ النِّكَاحِ فِي حُكْمِ جُزْءٍ مِنْ الْآدَمِيِّ بِمَعْنَى تَفْرِيعِ الْآدَمِيِّ مِنْهُ فَكَانَ مُعْتَبَرًا بِهِ مَعْنًى وَأَنَّهُ خَلْقُ مَالِكِ الْمَالِ وَالْمَالُ خُلِقَ بَذْلَةً مَمْلُوكًا لَهُ فَكَيْفَ يَتَشَابَهَانِ قَوْلُهُ.
(وَإِنَّمَا يُقَوَّمُ بِالْمَالِ بُضْعُ الْمَرْأَةِ) جَوَابٌ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ ثُبُوتًا فَيَتَقَوَّمُ زَوَالًا فَقَالَ إنَّمَا الْمُتَقَوِّمُ عِنْدَ الثُّبُوتِ بُضْعُ الْمَرْأَةِ لَا الْمِلْكُ الْوَارِدُ عَلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَقَوُّمِهِ تَقَوُّمُ الْمِلْكِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لِإِظْهَارِ خَطَرِ ذَلِكَ الْمَحَلِّ لِيَكُونَ مَصُونًا عَنْ الِابْتِذَالِ وَلَا يُمْتَلَكُ مَجَّانًا فَإِنَّ مَا يَتَمَلَّكُهُ الْمَرْءُ مَجَّانًا لَا يَعْظُمُ خَطَرُهُ عِنْدَهُ وَذَلِكَ مَحَلٌّ لَهُ خَطَرٌ مِثْلُ خَطَرِ النُّفُوسِ؛ لِأَنَّ النَّسْلَ يَحْصُلُ مِنْهُ فَأَمَّا الْمِلْكُ الْوَارِدُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِذِي خَطَرٍ وَلِهَذَا صَحَّ إزَالَتُهُ بِالطَّلَاقِ مِنْ غَيْرِ شُهُودٍ وَلَا وَلِيٍّ وَلَا عِوَضٍ، وَلَا يُقَالُ عَدَمُ تَوَقُّفِهِ عَلَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ حَالَةَ الْإِبْطَالِ لَا يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ غَيْرَ خَطِيرٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَإِنَّهُ لَوْ أَتْلَفَ مَالَهُ الْمُتَقَوِّمَ بِلَا شَهَادَةٍ بِأَنْ يَأْكُلَهُ أَوْ يُلْقِيَهُ فِي الْبَحْرِ صَحَّ وَمَعَ هَذَا لَوْ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ إنْسَانٌ ضَمِنَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا ضَمِنَ ثَمَّةَ بِاعْتِبَارِ مَمْلُوكِهِ الَّذِي هُوَ مُتَقَوِّمٌ فِي ذَاتِهِ حَقِيقَةً لَا بِاعْتِبَارِ مِلْكِهِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَقَوِّمٍ حَقِيقَةً فَلَا يَضْمَنُ قَوْلُهُ.
(وَلِهَذَا) أَيْ وَلِأَنَّ تَقَوُّمَ الْبُضْعِ لِإِظْهَارِ خَطَرِهِ، لَمْ يَجْعَلْ لَهُ أَيْ لِلْبُضْعِ حُكْمَ التَّقَوُّمِ، عِنْدَ الزَّوَالِ أَيْ عِنْدَ خُرُوجِهِ عَنْ مِلْكِ الزَّوْجِ أَوْ عِنْدَ زَوَالِ مِلْكِ الزَّوْجِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْخَطَرِ لِلْمَحَلِّ إنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ التَّمَلُّكِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ بِإِثْبَاتِ الْمِلْكِ فَأَمَّا عِنْدَ زَوَالِ الِاسْتِيلَاءِ عَنْهُ وَإِطْلَاقِهِ فَلَا وَلِهَذَا لَوْ زَوَّجَ الْأَبُ الصَّغِيرَ بِمَالِهِ يَصِحُّ وَلَوْ خَالَعَ ابْنَتَهُ الصَّغِيرَةَ بِمَالِهَا مِنْ زَوْجِهَا لَمْ يَصِحَّ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَلْزَمُ الشَّهَادَةَ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْبُضْعُ مُتَقَوِّمًا عِنْدَ الزَّوَالِ لَمَا ضَمِنَ الشُّهُودُ شَيْئًا بِالشَّهَادَةِ عَلَى الطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ ثُمَّ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِشَهَادَتِهِمْ وَقَدْ ضَمِنُوا نِصْفَ الْمَهْرِ عِنْدَكُمْ فَثَبَتَ أَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ عِنْدَ الزَّوَالِ أَيْضًا فَقَالَ الشَّيْخُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ قِيمَةً لِمَا أَتْلَفُوا عَلَيْهِ وَهُوَ الْبُضْعُ فَقِيمَتُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ تَامًّا وَلَا يَغْرَمُونَهُ بَلْ يَغْرَمُونَ نِصْفَ الْمُسَمَّى وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ بِكَثِيرٍ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ بِكَثِيرٍ فَلَوْ ضَمِنُوا بَدَلَ الْمُتْلَفِ لَمَا اُعْتُبِرَ نِصْفُ الْوَاجِبِ بِالْعَقْدِ كَمَا فِي مَالٍ اشْتَرَاهُ الْإِنْسَانُ لَا يُعْتَبَرُ الثَّمَنُ عِنْدَ الْإِتْلَافِ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي جَوَابًا عَنْ النَّقْضِ.
، ثُمَّ بَيَّنَ وَجْهَ لُزُومِ نِصْفِ الْمُسَمَّى فَقَالَ لَكِنَّ الْمُسَمَّى إلَى آخِرِهِ، وَبَيَانُهُ أَنَّ عَوْدَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ إلَيْهَا بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ مُسْقِطٌ جَمِيعَ الصَّدَاقِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْفُرْقَةُ مُضَافَةً إلَى الزَّوْجِ وَلَمْ تَكُنْ بِانْتِهَاءِ النِّكَاحِ فَهُمْ بِإِضَافَةِ الْفُرْقَةِ إلَيْهِ مَنَعُوا الْعِلَّةَ الْمُسْقِطَةَ مِنْ أَنْ تَعْمَلَ عَمَلَهَا فِي النِّصْفِ فَكَأَنَّهُمْ أَلْزَمُوا الزَّوْجَ ذَلِكَ النِّصْفَ بِشَهَادَتِهِمْ أَوْ كَأَنَّهُمْ فَوَّتُوا يَدَهُ فِي ذَلِكَ النِّصْفَ بَعْدَ فَوَاتِ تَسْلِيمِ الْبُضْعِ فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِينَ فِي حَقِّهِ فَيَضْمَنُونَ ذَلِكَ عِنْدَ الرُّجُوعِ، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنَّ الِابْنَ إذَا أَكْرَهَ امْرَأَةَ أَبِيهِ حَتَّى زَنَى بِهَا قَبْلَ الدُّخُولِ يَغْرَمُ الْأَبُ نِصْفَ الْمَهْرِ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الِابْنِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا تَصِيرُ الْفُرْقَةُ بِهِ مُضَافَةً إلَى الْأَبِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هُوَ بِإِكْرَاهِهِ إيَّاهَا مَنَعَ صَيْرُورَةَ
стр. 180
كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ لَكِنَّ الْمُسَمَّى الْوَاجِبَ بِالْعَقْدِ لَا يُسْتَحَقُّ تَسْلِيمُهُ عِنْدَ سُقُوطِ تَسْلِيمِ الْبُضْعِ فَلَمَّا أَوْجَبُوا عَلَيْهِ تَسْلِيمَ النِّصْفِ مَعَ فَوَاتِ تَسْلِيمِ الْبُضْعِ كَانَ قَصْرًا لِيَدِهِ عَنْ ذَلِكَ الْمَالِ فَأَشْبَهَ الْغَصْبَ.
فَأَمَّا الْقَضَاءُ الَّذِي فِي حُكْمِ الْأَدَاءِ فَمِثْلَ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَبْدٍ بِغَيْرِ عَيْنِهِ أَنَّهُ إذَا أَدَّى الْقِيمَةَ أُجْبِرَتْ عَلَى الْقَبُولِ وَقِيمَةِ الشَّيْءِ قَضَاءً لَهُ لَا مَحَالَةَ إنَّمَا يُصَارُ إلَيْهَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الْأَصْلِ وَهَذَا الْأَصْلُ لَمَّا كَانَ مَجْهُولًا مِنْ وَجْهٍ وَمَعْلُومًا مِنْ وَجْهٍ صَحَّ تَسْلِيمُهُ مِنْ وَجْهٍ وَاحْتَمَلَ الْعَجْزَ فَإِنْ أَدَّى صَحَّ وَإِنْ اخْتَارَ جَانِبَ الْعَجْزِ وَجَبَتْ قِيمَتُهُ
ــ
[كشف الأسرار]
الْفُرْقَةِ مُضَافَةً إلَيْهَا وَذَا مُوجِبٌ نِصْفَ الصَّدَاقِ عَلَى الْأَبِ فَكَأَنَّهُ أَلْزَمَهُ ذَلِكَ أَوْ قَصَرَ يَدَهُ عَنْهُ فَلِذَلِكَ يَضْمَنُ، وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ مُخْتَارُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَعِبَارَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ فِيهِ أَنَّ الْمَهْرَ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إذَا ارْتَدَّتْ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ أَوْ قَبَّلَتْ ابْنَ الزَّوْجِ يَسْقُطُ عَنْهُ كُلُّ الْمَهْرِ، فَالشُّهُودُ بِشَهَادَتِهِمْ أَكَّدُوا مَا كَانَ عَلَى شَرَفِ السُّقُوطِ فَكَأَنَّهُمْ أَلْزَمُوهُ ذَلِكَ فَلِهَذَا ضَمِنُوا.
، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا لَا نُسَلِّمُ التَّأْكِيدَ بَلْ الْمَهْرُ كُلُّهُ وَجَبَ مُتَأَكِّدًا بِنَفْسِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَهُ إلَّا الْوَطْءُ الَّذِي جَرَى مَجْرَى الْقَبْضِ وَهَذَا الْعَقْدُ لَا يَتَعَلَّقُ تَمَامُهُ بِالْقَبْضِ عَلَى مَا عُرِفَ.
، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا التَّأْكِيدَ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَأْكِيدَ الْوَاجِبِ سَبَبٌ لِلضَّمَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ لَوْ شَهِدَا عَلَى الْوَاهِبِ يَأْخُذُ الْعِوَضَ حَتَّى أَبْطَلَ الْقَاضِي عَلَيْهِ حَقَّ الرُّجُوعِ ثُمَّ رَجَعَا وَقَدْ هَلَكَتْ الْهِبَةُ لَمْ يَضْمَنَا لِلْوَاهِبِ شَيْئًا وَقَدْ أَكَّدَا بِثُبُوتِ الْعِوَضِ حُكْمَ زَوَالِ مِلْكِهِ وَلَمْ يَجْرِ مَجْرَى الْإِزَالَةِ ابْتِدَاءً كَذَا فِي الْأَسْرَارِ.
، وَلَمَّا كَانَ جَوَابُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَقْرَبَ إلَى التَّحْقِيقِ اخْتَارَ الشَّيْخُ قَوْلَهُ (كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ) مُتَّصِلًا بِقَوْلِهِ تَامًّا كَامِلًا لَا بِقَوْلِهِ قِيمَةً لِلْبُضْعِ عَلَى مَا ظَنَّهُ الْبَعْضُ فَإِنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ إذَا كَانَ مَا ذَكَرْنَا بَعْدَ الدُّخُولِ يَجِبُ عَلَى الشُّهُودِ تَمَامُ مَهْرِ الْمِثْلِ قَوْلًا وَاحِدًا وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيّ عَنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ الرَّبِيعِ عَنْهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ نِصْفُ مَهْرِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يَغْرَمْ لَهَا إلَّا نِصْفَ الْمُسَمَّى وَقَدْ عَادَ إلَيْهِ نِصْفُهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا بِالْإِقَالَةِ ثُمَّ رَجَعَا لَمْ يَغْرَمَا شَيْئًا؛ لِأَنَّهُمَا إنْ أَخْرَجَا السِّلْعَةَ عَنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَقَدْ رَدَّ إلَيْهِ الثَّمَنَ، وَالْأَصَحُّ هُوَ الْأَوَّلُ؛ لِأَنَّهُمْ أَتْلَفُوا جَمِيعَ الْبُضْعِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ جَمِيعُ بَدَلِهِ وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا غَرِمَ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَإِنْ غَرِمَ الْمُسَمَّى سَوَاءٌ كَانَ مَهْرُ الْمِثْلِ أَقَلَّ مِنْ الْمُسَمَّى أَوْ أَكْثَرَ وَكَذَا لَوْ بَرَّأَتْهُ عَنْ الصَّدَاقِ يَرْجِعُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ عَلَى الشُّهُودِ وَإِنْ لَمْ يَغْرَمْ شَيْئًا كَذَا فِي التَّهْذِيبِ، فَالشَّيْخُ بِقَوْلِهِ تَامًّا كَامِلًا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ أَشَارَ إلَى هَذَا الْمَذْهَبِ
[الْقَضَاءُ الَّذِي فِي حُكْمِ الْأَدَاءِ]
قَوْلُهُ (فَمِثْلُ رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَبْدٍ) إذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً عَلَى عَبْدٍ مُطْلَقٍ وَجَبَ الْوَسَطُ عِنْدَنَا إنْ أَتَاهَا بِالْعَيْنِ أُجْبِرَتْ عَلَى الْقَبُولِ وَإِنْ أَتَاهَا بِالْقِيمَةِ أُجْبِرَتْ عَلَى الْقَبُولِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ لَا تَصِحُّ التَّسْمِيَةُ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَيَكُونُ قِيَاسَ الْبَيْعِ وَالْعَبْدُ الْمُطْلَقُ لَا يُسْتَحَقُّ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ فَكَذَا بِالنِّكَاحِ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمُسَمَّى مَهْرًا هُوَ الْمَالِيَّةُ وَبِمُجَرَّدِ ذِكْرِ الْعَبْدِ لَا تَصِيرُ الْمَالِيَّةُ مَعْلُومَةً فَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ بِعَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ لِبَقَاءِ الْجَهَالَةِ فِيهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ سَمَّى ثَوْبًا أَوْ دَابَّةً أَوْ دَارًا لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ فَكَذَا إذَا سَمَّى عَبْدًا.
، وَلَنَا أَنَّ الْمَهْرَ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ عِوَضًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ وَالْحَيَوَانُ يَثْبُتُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ مُطْلَقًا فِي مُبَادَلَةِ مَا لَيْسَ بِمَالٍ بِمَالٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ فِي الدِّيَةِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَوْجَبَ فِي الْجَنِينِ غُرَّةً عَبْدًا أَوْ أَمَةً، فَإِذَا جَازَ أَنْ يَثْبُتَ الْحَيَوَانُ مُطْلَقًا دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ عِوَضًا عَمَّا لَيْسَ بِمَالٍ فَكَذَلِكَ يَثْبُتُ شَرْطًا وَهَذَا لِأَنَّ الْمَهْرَ بِاعْتِبَارِ الْمَالِيَّةِ مَالٌ وَجَبَ ابْتِدَاءً وَالْجَهَالَةُ الْمُسْتَدْرَكَةُ فِي الْتِزَامِ الْمَالِ ابْتِدَاءً لَا يَمْنَعُ صِحَّتَهُ كَمَا فِي الْإِقْرَارِ فَإِنَّ مَنْ أَقَرَّ لِإِنْسَانٍ بِعَبْدٍ صَحَّ إقْرَارُهُ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ عَيْنُ الْمَهْرِ عِوَضًا بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ لَزِمَ مُرَاعَاةُ الْجَانِبَيْنِ فَأَوْجَبَ الشَّرْعُ الْوَسَطَ نَظَرًا لَهُمَا كَمَا فِي الزَّكَوَاتِ أَوْجَبَ الْوَسَطَ نَظَرًا لِلْفُقَرَاءِ وَأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ، وَهَذَا بِخِلَافِ تَسْمِيَتِهِ
стр. 181
وَلَمَّا كَانَ الْأَصْلُ لَا يَتَحَقَّقُ أَدَاؤُهُ إلَّا بِتَعَيُّنِهِ وَلَا تَعْيِينَ إلَّا بِالتَّقْوِيمِ صَارَ التَّقْوِيمُ أَصْلًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَصَارَتْ الْقِيمَةُ مُزَاحِمَةً لِلْمُسَمَّى بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِدُونِ التَّقْوِيمِ فَصَارَتْ قِيمَتُهُ قَضَاءً مَحْضًا فَلَمْ يُعْتَبَرْ عِنْدَ الْقُدْرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمِنْ قَضِيَّةِ الشَّرْعِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ حُكْمَ الْأَمْرِ مَوْصُوفٌ بِالْحُسْنِ
ــ
[كشف الأسرار]
الثَّوْبَ أَوْ الدَّابَّةَ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِيهَا جَهَالَةُ الْجِنْسِ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَجْنَاسٍ مُخْتَلِفَةٍ وَمَعْنَى كُلِّ جِنْسٍ يُعْدَمُ فِي الْجِنْسِ الْآخَرِ فَلَا يَتَحَمَّلُ فَأَمَّا الْعَبْدُ هَهُنَا فَمَعْلُومُ الْجِنْسِ وَلَكِنَّهُ مَجْهُولُ الْوَصْفِ وَهِيَ جَهَالَةٌ يَسِيرَةٌ فَتَتَحَمَّلُ فِيمَا بُنِيَ عَلَى الْمُسَامَحَةِ وَهُوَ النِّكَاحُ دُونَ مَا بُنِيَ عَلَى الْمُضَايَقَةِ وَهُوَ الْبَيْعُ، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْوَسَطُ فَإِذَا أَتَى بِهِ أُجْبِرَتْ عَلَى الْقَبُولِ؛ لِأَنَّهُ أَدَّى عَيْنَ الْوَاجِبِ، وَلَوْ أَتَى بِالْقِيمَةِ أُجْبِرَتْ عَلَى الْقَبُولِ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ تَسْلِيمُ قِيمَةِ الشَّيْءِ قَضَاءً لَهُ لَا مَحَالَةَ إذْ هُوَ تَسْلِيمُ مِثْلِ الْوَاجِبِ وَلِهَذَا لَا يَجِبُ الْقِيمَةُ إلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الْأَصْلِ وَلَكِنَّ هَذَا الْأَصْلَ وَهُوَ الْمُسَمَّى لَمَّا كَانَ مَجْهُولًا بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ وَمَعْلُومًا بِاعْتِبَارِ الْجِنْسِ صَحَّ تَسْلِيمُهُ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ مَعْلُومًا كَمَا لَوْ كَانَ عَبْدًا لَهُ بِعَيْنِهِ، وَاحْتَمَلَ الْعَجْزَ بِاعْتِبَارِ جَهَالَةِ الْوَصْفِ إذْ لَا يُمْكِنُهُ تَسْلِيمُ الْمَجْهُولِ فَيَجِبُ الْقِيمَةُ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ كَمَا إذَا سَمَّى عَبْدَ نَفْسِهِ فَأَبَقَ ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ وَهُوَ الْعَبْدُ الْمُسَمَّى لَا يَتَحَقَّقُ أَدَاؤُهُ لِجَهَالَةِ وَصْفِهِ، إلَّا بِتَعْيِينِهِ أَيْ بِتَعَيُّنِ الْأَصْلِ وَهُوَ الْمُسَمَّى وَهُوَ إضَافَةُ الْمَصْدَرِ إلَى الْمَفْعُولِ.
وَلَا تَعْيِينَ إلَّا بِالتَّقْوِيمِ، صَارَ التَّقْوِيمُ أَيْ الْقِيمَةُ أَصْلًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إذْ هِيَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ قَبْلَ الْعَبْدِ الَّذِي يَقْضِي بِهِ فَكَانَ تَسْلِيمُهَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَدَاءً لَا قَضَاءً؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ خَلَفٌ عَنْ الْأَدَاءِ فَيَثْبُتُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْأَصْلِ لَا قَبْلَهُ، فَصَارَتْ الْقِيمَةُ مُزَاحِمَةً لِلْمُسَمَّى أَيْ مُسَاوِيَةً لَهُ فِي الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ أَصْلًا فِي الْإِيفَاءِ اعْتِبَارًا وَالْعَبْدُ أَصْلُ تَسْمِيَةٍ فَكَأَنَّهُ وَجَبَ بِالْعَقْدِ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ فَلِهَذَا يُخَيَّرُ الزَّوْجُ، وَإِنَّمَا يُخَيَّرُ هُوَ دُونَ الْمَرْأَةِ؛ لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْقِيمَةِ إنَّمَا وَجَبَ لِإِمْكَانِ التَّسْلِيمِ وَهُوَ عَلَيْهِ دُونَ الْمَرْأَةِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْمُعَيَّنِ وَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ الْمَوْصُوفِ؛ لِأَنَّ الْمُسَمَّى مَعْلُومٌ جِنْسًا وَوَصْفًا فَكَانَتْ قِيمَتُهُ قَضَاءً خَالِصًا فَلَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْأَصْلِ.
(فَإِنْ قِيلَ) فَعَلَى مَا ذَكَرْتُمْ يَصِيرُ كَأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ أَوْ قِيمَتِهِ وَذَلِكَ يُوجِبُ فَسَادَ التَّسْمِيَةِ فَيَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ إذَا كَمَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَيَّنَ الْعَبْدَ فَقَالَ تَزَوَّجْتُك عَلَى هَذَا الْعَبْدِ أَوْ قِيمَتِهِ لَمْ تَصِحَّ التَّسْمِيَةُ فَعِنْدَ جَهَالَةِ الْعَبْدِ أَوْلَى.
(قُلْنَا) إنَّمَا يُفْسِدُ التَّسْمِيَةَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ لِأَنَّهُ إذَا قَالَ عَلَيَّ عَبْدٌ وَقِيمَتُهُ صَارَتْ الْقِيمَةُ وَاجِبَةً بِالتَّسْمِيَةِ ابْتِدَاءً وَهِيَ مَجْهُولَةٌ؛ لِأَنَّهَا دَرَاهِمُ مُخْتَلِفَةُ الْعَدَدِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اخْتِلَافٍ يَقَعُ بَيْنِ الْمُقَوِّمِينَ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ عَلَيَّ عَبْدٌ أَوْ دَرَاهِمُ فَيَفْسُدُ لِلْجَهَالَةِ، فَأَمَّا إذَا قَالَ عَلَيَّ عَبْدٌ فَقَدْ صَحَّتْ التَّسْمِيَةُ؛ لِأَنَّ جَهَالَتَهُ لَا تَمْنَعُ الصِّحَّةَ وَلَمْ تَجِبْ الْقِيمَةُ بِهَذَا الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ مَا سَمَّاهَا فِيهِ لَكِنَّهَا اُعْتُبِرَتْ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ تَسْلِيمِ الْمُسَمَّى لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ إلَّا بِمَعْرِفَتِهَا، وَلَمَّا كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى تَسْمِيَةِ مُسَمًّى مَعْلُومٍ جَازَ أَنْ يَثْبُتَ كَمَا إذَا تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَاسْتُحِقَّ أَوْ هَلَكَ فَإِنَّ الْقِيمَةَ تَجِبُ وَيَنْتَصِفُ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِنَاءً عَلَى مُسَمًّى مَعْلُومٍ لَا ابْتِدَاءً كَذَا فِي الْأَسْرَارِ
[حُكْمَ الْأَمْرِ يُوصَفُ بِالْحُسْنِ]
قَوْلُهُ (وَمِنْ قَضِيَّةِ الشَّرْعِ) أَيْ وَمِنْ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ، فِي هَذَا الْبَابِ أَيْ بَابِ الْأَمْرِ، أَنَّ حُكْمَ الْأَمْرِ أَيْ الْمَأْمُورِ بِهِ يُوصَفُ بِالْحُسْنِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ ثُبُوتَ الْحُسْنِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ قَضَايَا الشَّرْع لَا مِنْ قَضَايَا اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ تَتَحَقَّقُ فِي الْقَبِيحِ كَالْكُفْرِ وَالسَّفَهِ وَالْعَبَثِ كَمَا يَتَحَقَّقُ فِي الْحُسْنِ، أَلَا تَرَى أَنَّ السُّلْطَانَ الْجَائِرَ إذَا أَمَرَ إنْسَانًا بِالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ
стр. 182
عُرِفَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ لَا بِالْعَقْلِ نَفْسِهِ إذْ الْعَقْلُ غَيْرُ مُوجِبٍ بِحَالٍ وَهَذَا الْبَابُ لِتَقْسِيمِهِ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ كَانَ أَمْرًا حَقِيقَةً حَتَّى إذَا خَالَفَهُ الْمَأْمُورُ وَلَمْ يَأْتِ بِمَا أَمَرَ بِهِ يُقَالُ خَالَفَ أَمْرَ السُّلْطَانِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَنَّ الْحُسْنَ مِنْ مُوجِبَاتِ الْأَمْرِ أَمْ مِنْ مَدْلُولَاتِهِ فَعِنْدَنَا هُوَ مِنْ مَدْلُولَاتِ الْأَمْرِ وَعِنْدَ الْأَشْعَرِيَّةِ وَأَصْحَابِ الْحَدِيثِ هُوَ مِنْ مُوجِبَاتِهِ، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ فِي الْأَفْعَالِ الْخَارِجَةِ عَنْ الِاضْطِرَارِ هَلْ يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ أَمْ لَا فَعِنْدَهُمْ لَا حَظَّ لَهُ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَيَكُونُ الْحُسْنُ ثَابِتًا بِنَفْسِ الْأَمْرِ لَا أَنَّ الْأَمْرَ دَلِيلٌ وَمَعْرُوفٌ عَلَى حُسْنِ سَبَقَ ثُبُوتُهُ بِالْعَقْلِ، وَعِنْدَنَا لَمَّا كَانَ لِلْعَقْلِ حَظٌّ فِي مَعْرِفَةِ حُسْنِ بَعْضِ الْمَشْرُوعَاتِ كَالْإِيمَانِ وَأَصْلِ الْعِبَادَاتِ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ كَانَ الْأَمْرُ دَلِيلًا وَمَعْرُوفًا لِمَا ثَبَتَ حُسْنُهُ فِي الْعَقْلِ وَمُوجِبًا لِمَا لَمْ يُعْرَفْ بِهِ كَذَا فِي الْمِيزَانِ، وَذُكِرَ فِي الْقَوَاطِعِ ذَهَبَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّ الْعَقْلَ بِذَاتِهِ لَيْسَ بِدَلِيلٍ عَلَى تَحْسِينِ شَيْءٍ وَلَا تَقْبِيحِهِ وَلَا يُعْرَفُ حُسْنُ الشَّيْءِ وَقُبْحُهُ حَتَّى يَرِدَ السَّمْعُ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا الْعَقْلُ آلَةٌ تُدْرَكُ بِهِ الْأَشْيَاءُ فَيُدْرَكُ بِهِ مَا حَسُنَ وَمَا قَبُحَ بَعْدَ أَنْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِالسَّمْعِ.
، وَذَهَبَ إلَى هَذَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵏، قَالَ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ ضَرْبَانِ، ضَرْبٌ عُلِمَ بِالْعَقْلِ كَحُسْنِ الْعَدْلِ وَالصِّدْقِ النَّافِعِ وَشُكْرِ النِّعْمَةِ وَقُبْحِ الظُّلْمِ وَالْكَذِبِ الضَّارِّ وَكُفْرَانِ النِّعْمَةِ، وَضَرْبٌ عُرِفَ بِالسَّمْعِ كَحُسْنِ مَقَادِيرِ الْعِبَادَاتِ وَهَيْئَاتِهَا وَقُبْحِ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ، قَالُوا وَسَبِيلُ السَّمْعِ إذَا وَرَدَ بِمُوجِبِ الْعَقْلِ أَنْ يَكُونَ وُرُودُهُ مُؤَكِّدًا لِمَا فِي الْعَقْلِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَبُو بَكْرٍ الْقَفَّالُ الشَّاشِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْفَارِسِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو حَامِدٍ وَالْحَلِيمِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ خُصُوصًا الْعِرَاقِيُّونَ مِنْهُمْ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ بِأَسْرِهِمْ.
، وَإِذَا عَرَفْت هَذَا فَنَقُولُ الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ عُرِفَ ذَلِكَ أَيْ كَوْنُهُ مَوْصُوفًا بِالْحُسْنِ، بِكَوْنِهِ مَأْمُورًا لَا بِالْعَقْلِ نَفْسِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْأَمْرِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَعَامَّةُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَلَا نَقُولُ أَنَّهُ أَيْ حُسْنَ الْمَأْمُورِ بِهِ ثَابِتٌ عَقْلًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ مَشَايِخِنَا؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ بِنَفْسِهِ غَيْرُ مُوجِبٍ عِنْدَنَا، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ نَفْسَهُ إلَى أَنَّ الْعَقْلَ لَيْسَ بِمُهْدَرٍ أَصْلًا بَلْ هُوَ آلَةٌ يُعْرَفُ بِهِ الْحُسْنُ بَعْدَ مَا ثَبَتَ بِالْأَمْرِ كَالسِّرَاجِ لِلْأَبْصَارِ وَلَكِنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ بِحَالٍ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا زَعَمَ الْخَصْمُ أَنَّهُ مُدْرَكٌ بِالْعَقْلِ قَبْلَ الشَّرْعِ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَمَسْأَلَةُ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ مَسْأَلَةٌ كَلَامِيَّةٌ عَظِيمَةٌ فَالْأَوْلَى أَنْ يُطْلَبَ تَحْقِيقُهَا مِنْ عِلْمِ الْكَلَامِ وَأَنْ يَقْتَصِرَ هَهُنَا عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَإِنَّمَا كَانَ الْحُسْنُ مِنْ مُوجِبَاتِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى طَلَبُ تَحْصِيلِ الْمَأْمُورِ بِأَبْلَغ الْجِهَاتِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا الطَّلَبُ إذَا كَانَ الْفِعْلُ حَسَنًا؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى حَكِيمٌ لَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ طَلَبُ مَا هُوَ قَبِيحٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] .
فَدَلَّ الْأَمْرُ عَلَى كَوْنِهِ حَسَنًا وَالْعَقْلُ إلَيْهِ هَادٍ لَا أَنَّهُ مُوجِبٌ بِنَفْسِهِ؛ إذْ لَوْ كَانَ حُسْنُ الْمَأْمُورِ بِهِ بِالْعَقْلِ لَمَا جَازَ وُرُودُ النَّسْخِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْحُسْنَ الْعَقْلِيَّ حَقِيقِيٌّ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّبْدِيلُ فَثَبَتَ أَنَّ حُسْنَ الْمَشْرُوعَاتِ بِالْأَمْرِ، وَالْعَقْلُ يُدْرِكُ الْحُسْنَ فِي بَعْضِهَا فِي ذَاتِهِ وَفِي بَعْضِهَا فِي غَيْرِهِ كَذَا رَأَيْت بِخَطِّ شَيْخِي قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ (فَإِنْ قِيلَ) الْفِعْلُ عَرَضٌ وَأَنَّهُ صِفَةٌ وَالصِّفَةُ لَا تَقُومُ بِهَا الصِّفَةُ فَكَيْفَ يَصِحُّ وَصْفُهُ بِالْحُسْنِ
стр. 183
(بَابُ بَيَانِ صِفَةِ الْحُسْنِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ)
الْمَأْمُورُ بِهِ نَوْعَانِ فِي هَذَا الْبَابِ: حَسَنٌ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ وَحَسَنٌ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، فَالْحَسَنُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ: ضَرْبٌ لَا يَقْبَلُ سُقُوطَ هَذَا الْوَصْفِ بِحَالٍ وَضَرْبٌ يَقْبَلُهُ، وَضَرْبٌ مِنْهُ مُلْحَقٌ بِهَذَا الْقِسْمِ لَكِنَّهُ مُشَابِهٌ لِمَا حَسُنَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ، وَاَلَّذِي حَسُنَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ ثَلَاثَةُ أَضْرُبٍ أَيْضًا: فَضَرْبٌ مِنْهُ مَا حَسُنَ لِغَيْرِهِ وَذَلِكَ الْغَيْرُ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ مَقْصُودًا لَا يَتَأَدَّى بِاَلَّذِي قَبْلَهُ بِحَالٍ وَضَرْبٌ مِنْهُ مَا حَسُنَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ لَكِنَّهُ يَتَأَدَّى بِنَفْسِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَكَانَ شَبِيهًا بِاَلَّذِي حَسُنَ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ وَضَرْبٌ مِنْهُ حَسَنٌ لِحَسَنٍ فِي شَرْطِهِ بَعْدَ مَا كَانَ حَسَنًا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ أَوْ مُلْحَقًا بِهِ وَهَذَا الْقِسْمُ سُمِّيَ جَامِعًا، أَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْقُبْحِ وَالْوُجُوبِ حَقِيقَةً، وَأَيْضًا الْفِعْلُ قَبْلَ الْوُجُودِ يُوصَفُ بِكَوْنِهِ حَسَنًا وَقَبِيحًا وَوَاجِبًا وَحَرَامًا وَالْمَعْدُومُ كَيْفَ يَقْبَلُ الصِّفَةَ حَقِيقَةً (قُلْنَا) هَذِهِ صِفَاتٌ رَاجِعَةٌ إلَى الذَّاتِ كَالْوُجُودِ مَعَ الْمَوْجُودِ وَالْحُدُوثِ مَعَ الْمُحْدَثِ، وَكَالْعَرَضِ الْوَاحِدِ الَّذِي يُوصَفُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ وَمُحْدَثٌ وَمَصْنُوعٌ وَعَرَضٌ وَصِفَةٌ وَلَوْنٌ وَسَوَادٌ فَهَذِهِ صِفَاتٌ رَاجِعَةٌ إلَى الذَّاتِ لَا مَعَانٍ زَائِدَةٌ عَلَيْهَا، وَلِأَنَّ الْفِعْلَ يُوصَفُ بِأَنَّهُ حَسَنٌ وَقَبِيحٌ لِدُخُولِهِ تَحْتَ تَحْسِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقْبِيحِهِ كَمَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ حَادِثٌ وَمُحْدَثٌ لِدُخُولِهِ تَحْتَ أَحْدَاثِ اللَّهِ تَعَالَى لَا أَنَّهُ مُحْدَثٌ لِحُدُوثٍ قَامَ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ الْحُدُوثَ مُحْدَثٌ فَيَحْتَاجُ إلَى حُدُوثٍ آخَرَ فَيُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِمَعَانٍ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَأَنَّهُ بَاطِلٌ.
وَلِأَنَّ هَذِهِ صِفَاتٌ إضَافِيَّةٌ وَأَسْمَاءٌ نِسْبِيَّةٌ وَالصِّفَاتُ الْإِضَافِيَّةُ لَيْسَتْ بِمَعَانٍ قَائِمَةٍ بِالذَّاتِ وَيَكُونُ الذَّاتُ مَوْصُوفَةً بِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَإِنَّمَا يَقْتَضِي وُجُودَ غَيْرٍ يَكُونُ عَلَقَةً بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ وَالِاسْمِ وَالْمُسَمَّى كَمَا فِي لَفْظِ الْأَبِ وَالِابْنِ وَالْأَخِ وَالذَّاتُ مَوْصُوفَةٌ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأُبُوَّةُ وَالْبُنُوَّةُ وَالْأُخُوَّةُ مَعَانِيَ قَائِمَةً بِالذَّاتِ مَوْصُوفَةً بِهَذِهِ الصِّفَاتِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْأُبُوَّةُ وَالْبُنُوَّةُ وَالْأُخُوَّةُ مَعَانِيَ قَائِمَةً بِالذَّاتِ زَائِدَةً عَلَيْهَا، ثُمَّ يُوصَفُ الْمَعْدُومُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ عَلَى الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَجَازًا؛ لِأَنَّ صِفَاتِ الذَّاتِ لَا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ الذَّاتِ وَكَذَا الْأَحْدَاثُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَعْدُومِ إلَّا حَالَةَ الْحُدُوثِ وَعَلَى الطَّرِيقِ الثَّالِثِ يُوصَفُ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِيقَةِ كَوَصْفِ الْمَعْدُومِ بِأَنَّهُ مَعْلُومٌ وَمَذْكُورٌ وَمُخْبَرٌ عَنْهُ كَذَا فِي الْمِيزَانِ.
[بَابُ بَيَانِ صِفَةِ الْحُسْنِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ وَهُوَ نَوْعَانِ]
[النَّوْع الْأَوَّل مَا حَسَن لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ]
(بَابُ بَيَانِ صِفَةِ الْحُسْنِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ)
الْمَأْمُور بِهِ نَوْعَانِ فِي هَذَا الْبَابُ أَيْ فِي وَصْفِ الْحُسْنِ حَسَنٌ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ أَيْ اتَّصَفَ بِالْحُسْنِ بِاعْتِبَارِ حُسْنٍ ثَبَتَ فِي ذَاتِهِ وَحَسَنٌ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ أَيْ اتَّصَفَ بِالْحُسْنِ بِاعْتِبَارِ حُسْنٍ ثَبَتَ فِي غَيْرِهِ.
، ضَرْبٌ لَا يَقْبَلُ سُقُوطَ هَذَا الْوَصْفِ وَهُوَ حَسَنٌ بِحَالٍ سَوَاءٌ كَانَ مُكْرَهًا أَوْ غَيْرَ مُكْرَهٍ كَالتَّصْدِيقِ، وَضَرْبٌ مِنْهُ يَقْبَلُهُ أَيْ يَقْبَلُ سُقُوطَ وَصْفِ الْحُسْنِ عَنْهُ كَالْإِقْرَارِ فَإِنَّ وَصْفَ الْحُسْنِ سَقَطَ عَنْهُ عِنْدَ الْإِكْرَاهِ هَذَا مَا دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ وَذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّ حُسْنَ الْإِقْرَارِ وَمَا يُضَاهِيهِ لَا يَسْقُطُ فِي حَالَةِ الْإِكْرَاهِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ صَبَرَ عَلَيْهِ حَتَّى قُتِلَ كَانَ مَأْجُورًا فَكَيْفَ يَكُونُ حُسْنُهُ سَاقِطًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَإِنَّمَا سَقَطَ وُجُوبُهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ سُقُوطُ حُسْنِهِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْوُجُوبِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْحُسْنِ كَالْمَنْدُوبِ عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوُجُوبَ سَاقِطٌ.
وَأُجِيبُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الصَّابِرِ عَلَيْهِ شَهِيدًا بَقَاءَ حُسْنِ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَقَطَ حُسْنُهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ إبَاحَةُ ضِدِّهِ وَهُوَ إجْرَاءُ كَلِمَةِ الْكُفْرِ بَلْ بَقِيَ ذَلِكَ حَرَامًا كَمَا كَانَ إلَّا أَنَّ التَّرَخُّصَ ثَبَتَ رِعَايَةً لِحَقِّ نَفْسِهِ، فَإِذَا صَبَرَ حَتَّى قُتِلَ كَانَ شَهِيدًا بِنَاءً عَلَى بَقَاءِ حُرْمَةِ إجْرَاءِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ لَا عَلَى بَقَاءِ حُسْنِ الْإِقْرَارِ.
وَقَوْلُهُ عَدَمُ الْوُجُوبِ لَيْسَ بِمُسْتَلْزِمٍ لِعَدَمِ الْحُسْنِ قُلْنَا أَرَادَ بِهِ عَدَمَ الْحُسْنِ مُطْلَقًا أَوْ عَدَمَ الْحُسْنِ الَّذِي ثَبَتَ بِنَاءً عَلَى الْوُجُوبِ فَالْأَوَّلُ مُسَلَّمٌ وَالثَّانِي مَمْنُوعٌ لِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ بِانْتِفَاءِ الْمَلْزُومِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ ضَرْبٌ
стр. 184
فَنَحْوُ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ حَسَنٌ لِعَيْنِهِ غَيْرَ أَنَّهُ نَوْعَانِ: تَصْدِيقٌ هُوَ رُكْنٌ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِحَالٍ حَتَّى أَنَّهُ مَتَى تَبَدَّلَ ضِدُّهُ كَانَ كُفْرًا، وَإِقْرَارٌ هُوَ رُكْنٌ مُلْحَقٌ بِهِ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِحَالٍ حَتَّى أَنَّهُ مَتَى تَبَدَّلَ بِضِدِّهِ بِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ لَمْ يَعُدْ كُفْرًا؛ لِأَنَّ اللِّسَانَ لَيْسَ مَعْدِنَ التَّصْدِيقِ لَكِنَّ تَرْكَ الْبَيَانِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يَدُلُّ عَلَى فَوَاتِ التَّصْدِيقِ فَكَانَ رُكْنًا دُونَ الْأَوَّلِ فَمَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَتَرَكَ الْبَيَانَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا وَمَنْ لَمْ يُصَادِفْ وَقْتًا يَتَمَكَّنُ فِيهِ مِنْ الْبَيَانِ وَكَانَ مُخْتَارًا فِي التَّصْدِيقِ كَانَ مُؤْمِنًا إنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ
ــ
[كشف الأسرار]
لَا يَقْبَلُ سُقُوطَ هَذَا الْوَصْفِ أَيْ كَوْنُهُ مَأْمُورًا بِهِ كَالتَّصْدِيقِ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ.
وَضَرْبٌ يَقْبَلُهُ أَيْ يَقْبَلُ سُقُوطَ هَذَا الْوَصْفِ كَالْإِقْرَارِ فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى مَأْمُورًا بِهِ فِي حَالَةِ الْإِكْرَاهِ وَهَذَا أَحْسَنُ وَلَكِنْ سِيَاقُ الْكَلَامِ يَأْبَاهُ، وَمَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ أَدَلُّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّهُ قَالَ: وَالنَّوْعُ الْأَوَّلُ قِسْمَانِ حَسَنٌ لِعَيْنِهِ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِحَالٍ يَعْنِي بِهِ السُّقُوطَ عَنْ الْمُكَلَّفِ وَحَسَنٌ لِعَيْنِهِ قَدْ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ.
وَضَرْبٌ مِنْهُ أَيْ مِنْ الَّذِي حَسُنَ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ مَا أُلْحِقَ بِهِ حُكْمًا لَكِنَّهُ يُشْبِهُ بِمَا حَسُنَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ نَظَرًا إلَى حَقِيقَتِهِ كَالزَّكَاةِ، لَا يَتَأَدَّى أَيْ ذَلِكَ الْغَيْرُ الَّذِي هُوَ مَقْصُودٌ كَالصَّلَاةِ وَالْجُمُعَةِ مَثَلًا بِاَلَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ الطَّهَارَةُ وَالسَّعْيُ، فَكَانَ شَبِيهًا بِاَلَّذِي حَسُنَ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ مِنْ حَيْثُ إنَّ مَا هُوَ مَوْصُوفٌ بِالْحُسْنِ حَقِيقَةً يَحْصُلُ بِنَفْسِ الْمَأْمُورِيَّةِ.
وَضَرْبٌ مِنْهُ مَا حَسُنَ لِحُسْنٍ فِي شَرْطِهِ بَعْدَمَا كَانَ حَسَنًا لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ كَالصَّلَاةِ، أَوْ مُلْحَقًا بِاَلَّذِي حَسُنَ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ كَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ حَسَنَةٌ لِعَيْنِهَا لِكَوْنِهَا تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى قَوْلًا وَفِعْلًا وَالزَّكَاةُ مُلْحَقَةٌ بِهَا وَقَدْ ازْدَادَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ حُسْنًا بِاعْتِبَارِ حُسْنِ شَرْطِهَا وَهُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْأَدَاءِ، وَهَذَا الْقِسْمُ يُسَمَّى جَامِعًا لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَا هُوَ حَسَنٌ لِعَيْنِهِ وَلِغَيْرِهِ، وَقَدْ يَجْتَمِعُ الْحُسْنُ بِالِاعْتِبَارَيْنِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ كَالْمَرْأَةِ الْجَمِيلَةِ إذَا تَزَيَّنَتْ بِزِينَةٍ اكْتَسَبَتْ حُسْنًا زَائِدًا عَلَى حُسْنِهَا بِتِلْكَ الزِّينَةِ، وَنَظِيرُهُ الظَّهْرُ الْمَحْلُوفُ بِأَدَائِهِ فَإِنْ أَدَّاهُ صَارَ حَسَنًا احْتِرَازًا عَنْ هَتْكِ حُرْمَةِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ كَانَ حَسَنًا فِي نَفْسِهِ.
قَوْلُهُ (فَنَحْوُ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ) اُحْتُرِزَ بِهِ عَمَّنْ آمَنَ بِوَحْدَانِيِّتِهِ تَعَالَى وَأَنْكَرَ الصِّفَاتِ كَالْفَلَاسِفَةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَقَوْلُهُ غَيْرَ أَنَّهُ نَوْعَانِ لَيْسَ بِمُجْرًى عَلَى ظَاهِرِهِ؛ لِأَنَّ النَّوْعَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُوجَدَ فِيهِ تَمَامُ مَاهِيَّةِ الْجِنْسِ مَعَ زِيَادَةِ قَيْدٍ وَلَا يُوجَدُ تَمَامُ مَاهِيَّةِ الْإِيمَانِ فِي الْإِقْرَارِ وَلَا فِي التَّصْدِيقِ عَلَى مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ غَيْرَ أَنَّهُ رُكْنَانِ أَيْ هُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى رُكْنَيْنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَصْدِيقٌ وَهُوَ رُكْنٌ وَإِقْرَارٌ هُوَ رُكْنٌ.
، وَاعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ شَرْطُ إجْرَاءِ الْأَحْكَامِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى أَنَّ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْبَيَانِ كَانَ مُؤْمِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ مُؤْمِنٍ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، كَمَا أَنَّ الْمُنَافِقَ إذَا وُجِدَ مِنْهُ الْإِقْرَارُ دُونَ التَّصْدِيقِ كَانَ مُؤْمِنًا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْإِقْرَارُ كَافِرًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى لِعَدَمِ التَّصْدِيقِ.
، وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ الْإِيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَالْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ إلَّا أَنَّ الْإِقْرَارَ رُكْنٌ زَائِدٌ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ بِعُذْرِ الْإِكْرَاهِ وَالتَّصْدِيقُ رُكْنٌ أَصْلِيٌّ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فَعِنْدَ هَؤُلَاءِ لَوْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَكَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُصَنِّفِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ ﵇ «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» وَالشَّهَادَةُ لَا تَكُونُ إلَّا بِاللِّسَانِ وَقَوْلِهِ ﵇، «أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» ، وَقَوْلِهِ ﵇، «أُمِرَتْ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» ، وَقَوْلِهِ ﷺ ، «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ»
стр. 185
وَكَ الصَّلَاةِ حَسُنَتْ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهَا مِنْ التَّعْظِيمِ لِلَّهِ تَعَالَى إلَّا أَنَّهَا دُونَ التَّصْدِيقِ وَهِيَ نَظِيرُ الْإِقْرَارِ حَتَّى سَقَطَتْ بِأَعْذَارٍ كَثِيرَةٍ
ــ
[كشف الأسرار]
وَتَمَسَّكَ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الْإِيمَانَ لُغَةً وَعُرْفًا: هُوَ التَّصْدِيقُ فَحَسْبُ وَأَنَّهُ عَمَلُ الْقَلْبِ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِاللِّسَانِ فَالْإِيمَانُ بِاَللَّهِ هُوَ تَصْدِيقُ اللَّهِ فِيمَا أَخْبَرَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ أَوْ تَصْدِيقُ رَسُولِهِ فِيمَا بَلَغَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فَمَنْ أَطْلَقَ اسْمَ الْإِيمَانِ عَلَى غَيْرِ التَّصْدِيقِ فَقَدْ صَرَفَهُ عَنْ مَفْهُومِهِ لُغَةً، وَبِأَنَّ الشَّيْءَ لَا وُجُودَ لَهُ إلَّا بِوُجُودِ رُكْنِهِ وَاَلَّذِي آمَنَ مَوْصُوفٌ بِالْإِيمَانِ عَلَى التَّحْقِيقِ مِنْ حِينِ آمَنَ إلَى أَنْ مَاتَ بَلْ إلَى الْأَبَدِ فَيَكُونُ مُؤْمِنًا بِوُجُودِ الْإِيمَانِ وَقِيَامُهُ بِهِ حَقِيقَةً وَلَا وُجُودَ لِلْإِقْرَارِ حَقِيقَةً فِي كُلِّ لَحْظَةٍ، فَدَلَّ أَنَّهُ مُؤْمِنٌ بِمَا مَعَهُ مِنْ التَّصْدِيقِ الْقَائِمِ بِقَلْبِهِ الدَّائِمِ بِتَجَدُّدِ أَمْثَالِهِ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْإِقْرَارَ لِيَكُونَ شَرْطًا لِإِجْرَاءِ أَحْكَامِ الدُّنْيَا إذْ لَا وُقُوفَ لِلْعِبَادِ عَلَى مَا فِي الْقَلْبِ فَلَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ دَلِيلٍ ظَاهِرٍ لِتَمَكُّنِهِمْ بِنَاءَ الْأَحْكَامِ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُطَّلِعُ عَلَى مَا فِي الضَّمَائِرِ فَيُجْرِي أَحْكَامَ الْآخِرَةِ عَلَى التَّصْدِيقِ بِدُونِ الْإِقْرَارِ حَتَّى أَنَّ مَنْ أَقَرَّ وَلَمْ يُصَدِّقْ فَهُوَ مُؤْمِنٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَمَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ فَهُوَ كَافِرٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ.
ثُمَّ لَمَّا كَانَ الْإِقْرَارُ رُكْنًا عِنْدَ الشَّيْخِ وَالشَّيْءُ لَا يَبْقَى بِدُونِ رُكْنِهِ لَزِمَ عَلَيْهِ بَقَاءُ الْإِيمَانِ حَالَةَ الْإِكْرَاهِ بِدُونِ الْإِقْرَارِ فَأَدْرَجَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ الْجَوَابَ عَنْهُ، فَقَالَ: الْإِقْرَارُ رُكْنٌ مُلْحَقٌ بِهِ أَيْ بِالتَّصْدِيقِ فِي كَوْنِهِ رُكْنًا، لَكِنَّهُ اسْتِدْرَاكٌ عَنْ قَوْلِهِ هُوَ رُكْنٌ أَيْ الْإِقْرَارُ مَعَ كَوْنِهِ رُكْنًا مُحْتَمِلٌ لِلسُّقُوطِ عَنْ الْمُكَلَّفِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ حَالَةُ الْإِكْرَاهِ؛ لِأَنَّ اللِّسَانَ لَيْسَ مَعْدِنَ التَّصْدِيقِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي الْإِيمَانِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ فَوَاتِ الْإِقْرَارِ فَوَاتُ التَّصْدِيقِ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ الْإِقْرَارُ رُكْنًا لَكِنَّ اللِّسَانَ لَمَّا كَانَ مُعَبِّرًا عَمَّا فِي الْقَلْبِ كَانَ الْإِقْرَارُ دَلِيلًا عَلَى التَّصْدِيقِ وُجُودًا وَعَدَمًا فَجُعِلَ رُكْنًا فِيهِ، وَقِيَامُ السَّيْفِ فِي مَسْأَلَةِ الْإِكْرَاهِ عَلَى رَأْسِهِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى تَبْدِيلِ الْإِقْرَارِ حَاجَتُهُ إلَى دَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْ نَفْسِهِ لَا تَبْدِيلُ التَّصْدِيقِ، فَلَمْ يَصْلُحْ عَدَمُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ التَّصْدِيقِ فَلَمْ يَبْقَ رُكْنًا فَأَمَّا فِي غَيْرِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَعَدَمُهُ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ التَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ عَنْهُ مَعَ كَوْنِهِ حَسَنًا لِعَيْنِهِ وَوَاجِبًا عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ وَكَلَّفَهُ فِي الْإِتْيَانِ بِهِ لَا يَكُونُ إلَّا لِتَبَدُّلِ الِاعْتِقَادِ فَصَلُحَ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا وَإِنْ كَانَ دُونَ التَّصْدِيقِ، مُخْتَارًا فِي التَّصْدِيقِ احْتِرَازًا عَنْ التَّصْدِيقِ حَالَةَ الْيَأْسِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُ أَصْلًا، كَانَ مُؤْمِنًا يَعْنِي عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَإِنَّمَا قَالَ إنْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّصْدِيقَ الِاخْتِيَارِيَّ مَعَ عَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْإِقْرَارِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ
[الصَّلَاةِ حَسُنَتْ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهَا]
قَوْلُهُ (وَكَالصَّلَاةِ) عَطْفٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى عَلَى قَوْلِهِ وَإِقْرَارٌ هُوَ رُكْنٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالْإِقْرَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فَكَانَا مِنْ الضَّرْبِ الثَّانِي فَكَانَ قَوْلُهُ وَإِقْرَارٌ هُوَ رُكْنُ ابْتِدَاءِ بَيَانِ الضَّرْبِ الثَّانِي، وَكَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ أَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ فَكَالتَّصْدِيقِ الَّذِي هُوَ الرُّكْنُ الْأَصْلِيُّ فِي الْإِيمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ عَنْ الْمُكَلَّفِ بِحَالٍ وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي فَكَالْإِقْرَارِ الَّذِي هُوَ رُكْنٌ مُلْحَقٌ بِالتَّصْدِيقِ؛ لِأَنَّهُ حَسَنٌ لِعَيْنِهِ إذْ هُوَ إقْرَارٌ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِقْرَارٌ بِالْعُبُودِيَّةِ لَهُ وَهُوَ حَسَنٌ وَضْعًا لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ إلَى آخِرِهِ وَكَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا حَسُنَتْ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهَا وَهُوَ التَّعْظِيمُ لِلَّهِ تَعَالَى قَوْلًا وَفِعْلًا لِجَمِيعِ الْجَوَارِحِ وَتَعْظِيمُ الْمُعَظَّمِ حَسَنٌ فِي الشَّاهِدِ
стр. 186
إلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ فِي الْإِيمَانِ بِخِلَافِ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ فِي الْإِقْرَارِ وُجُودًا وَعَدَمًا دَلَالَةً عَلَى التَّصْدِيقِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ الزَّكَاةُ وَالصَّوْمُ وَالْحَجُّ فَإِنَّ الصَّوْمَ صَارَ حَسَنًا لِمَعْنَى قَهْرِ النَّفْسِ وَالزَّكَاةُ لِمَعْنَى حَاجَةِ الْفَقِيرِ وَالْحَجُّ لِمَعْنَى شَرَفِ الْمَكَانِ إلَّا
أَنَّ هَذِهِ الْوَسَائِطَ غَيْرُ مُسْتَحِقَّةٍ لِأَنْفُسِهَا؛ لِأَنَّ النَّفْسَ لَيْسَتْ بِجَانِيَةٍ فِي صِفَتِهَا وَالْفَقِيرَ لَيْسَ بِمُسْتَحِقِّ عِبَادَةٍ وَالْبَيْتَ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ لِنَفْسِهِ فَصَارَ هَذَا كَالْقِسْمِ الثَّانِي عِبَادَةً خَالِصَةً لِلَّهِ حَتَّى شَرَطْنَا لَهَا أَهْلِيَّةً كَامِلَةً
ــ
[كشف الأسرار]
فَدَلَّ أَنَّهَا حَسُنَتْ فِي ذَاتِهَا وَضْعًا وَلِهَذَا كَانَتْ رَأْسَ الْعِبَادَاتِ قَالَ ﵇، «الصَّلَاةُ عِمَادُ الدِّينِ» ، وَقَالَ ﵇، «وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ» ، لَكِنَّهَا تَسْقُطُ بِالْأَعْذَارِ إلَّا أَنَّ اعْتِبَارَ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى اللَّفْظِ فِي كَلَامِ الْمَشَايِخِ خُصُوصًا تَصْنِيفَاتُ الشَّيْخِ غَيْرُ غَرِيبٍ، وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقَالَ الْحَسَنُ لِعَيْنِهِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْحَسَنِ حَقِيقَةً فِي ذَاتِهِ أَوْ حُكْمًا يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ مَا حَسُنَ لِعَيْنِهِ حَقِيقَةً وَمَا أُلْحِقَ بِهِ حُكْمًا.
، وَالْقِسْمُ الْأَوَّلُ بِاعْتِبَارِ احْتِمَالِ السُّقُوطِ وَعَدَمِهِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ أَيْضًا مَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ وَمَا لَا يَحْتَمِلُ فَجَعَلَ الْأَقْسَامَ ثَلَاثَةً فَالْقِسْمُ الْمُتَوَسِّطُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ بِاعْتِبَارِ أَصْلِ التَّقْسِيمِ وَمُسْتَبِدٍّ بِاعْتِبَارِ الْحَاصِلِ.
وَكَانَ مِنْ حَقِّ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ الْحَسَنُ لِمَعْنًى فِي نَفْسِهِ ضَرْبَانِ مَا حَسُنَ لِعَيْنِهِ حَقِيقَةً وَمَا أُلْحِقَ بِهِ حُكْمًا وَالضَّرْبُ الْأَوَّلُ قِسْمَانِ مَا لَا يَقْبَلُ السُّقُوطَ وَمَا يَقْبَلُهُ إلَّا أَنَّ الشَّيْخَ عَدَّ الْأَقْسَامَ فِي أَوَّلِ الْبَابِ بِاعْتِبَارِ الْحَاصِلِ وَتَرَكَ التَّقْسِيمَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّهُ يَفْهَمُ مِمَّا ذُكِرَ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ.
وَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَأَرَادَ مِنْهُ أَيْ مِنْ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ الْحَسَنَ لِعَيْنِهِ مُطْلَقًا بِاعْتِبَارِ أَصْلِ التَّقْسِيمِ الْمَفْهُومِ مِمَّا ذَكَرَهُ فَدَخَلَ فِيهِ الْقِسْمَانِ الْأَوَّلَانِ وَلِهَذَا لَمْ يُفْرِدْ الْقِسْمَ الْمُتَوَسِّطَ بِالذِّكْرِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ وَكَالصَّلَاةِ عَطْفًا عَلَى فَنَحْوُ الْإِيمَانِ وَيَكُونُ الْكَافُ فِي مَحَلِّ الرَّفْعِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهَا دُونَ التَّصْدِيقِ إذْ لَوْ كَانَ عَطْفًا عَلَى الْإِقْرَارِ لَمْ يَبْقَ لِهَذَا الِاسْتِثْنَاءِ فَائِدَةٌ، وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ فِيمَا بَعْدُ: وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ فِي اقْتِضَاءِ صِفَةِ الْحَسَنِ يَتَنَاوَلُ الضَّرْبَ الْأَوَّلَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ حَيْثُ أَرَادَ بِهِ الْحَسَنَ لِعَيْنِهِ مُطْلَقًا كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
قَوْلُهُ (إلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّهَا لَمَّا كَانَتْ كَالْإِقْرَارِ فَهَلَّا جُعِلَتْ رُكْنًا مِنْ الْإِيمَانِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَوَاهِرُ النُّصُوصِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ مِنْ الْإِيمَانِ فَقَالَ الْإِقْرَارُ دَلِيلٌ عَلَى التَّصْدِيقِ وُجُودًا وَعَدَمًا كَمَا ذَكَرْنَا فَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا أَمَّا الصَّلَاةُ فَعَدَمُهَا لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ التَّصْدِيقِ أَصْلًا وَوُجُودُهَا لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى وُجُودِهِ إلَّا مُقَيَّدًا بِصِفَةٍ وَهُوَ الْجَمَاعَةُ حَتَّى لَوْ صَلَّى الْكَافِرُ مُنْفَرِدًا لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ فَلِهَذَا لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رُكْنًا فِيهِ
قَوْلُهُ (صَارَ حَسَنًا لِمَعْنَى قَهْرِ النَّفْسِ) بَيَانُهُ أَنَّ الصَّوْمَ إنَّمَا حَسُنَ لِحُصُولِ قَهْرِ النَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ الَّتِي هِيَ عَدُوُّ اللَّهِ وَعَدُوُّك بِهِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ تَعَالَى أَوْحَى إلَى دَاوُد ﵇ عَادِ نَفْسَك فَإِنَّهَا انْتَصَبَتْ لِمُعَادَاتِي وَقَالَ ﵇، «أَعْدَى عَدُوِّك نَفْسُك الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْك» ، لَا أَنَّهُ حَسَنٌ فِي ذَاتِهِ؛ لِأَنَّ تَجْوِيعَ النَّفْسِ وَمَنْعَ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ مَمْلُوكِهِ مَعَ النُّصُوصِ الْمُبِيحَةِ لَهَا مِثْلٌ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: ٤] ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧] ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨] لَيْسَ بِحَسَنٍ.
، وَكَذَا الزَّكَاةُ إنَّمَا صَارَتْ حَسَنَةً بِوَاسِطَةِ دَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ الَّذِي هُوَ مِنْ خَوَاصِّ الرَّحْمَنِ لَا لِنَفْسِهَا؛ لِأَنَّ تَمْلِيكَ الْمَالِ وَتَنْقِيصَهُ فِي ذَاتِهِ إضَاعَةٌ وَهِيَ حَرَامٌ شَرْعًا وَمَمْنُوعٌ عَقْلًا، وَكَذَا الْحَجُّ إنَّمَا صَارَ حَسَنًا بِوَاسِطَةِ أَنَّهُ زِيَارَةُ أَمْكِنَةٍ مُعَظَّمَةٍ مُحْتَرَمَةٍ عَظَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَشَرَّفَهَا عَلَى غَيْرِهَا قَالَ وَاحِدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ:
مَا أَنْتِ يَا مَكَّةُ إلَّا وَادِي ... شَرَّفَك اللَّهُ عَلَى الْبِلَادِ
، وَفِي زِيَارَتِهَا تَعْظِيمُ صَاحِبِهَا فَصَارَ
стр. 187
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
حَسَنًا بِوَاسِطَةِ شَرَفِ الْمَكَانِ لَا لِذَاتِهِ إذْ قَطْعُ الْمَسَافَةِ وَزِيَارَةُ أَمَاكِنَ مَعْلُومَةٍ يُسَاوِي فِي ذَاتِهِ سَفَرُ التِّجَارَةِ وَزِيَارَةُ الْبِلَادِ، غَيْرَ أَنَّ هَذِهِ الْوَسَائِطَ تَثْبُتُ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لَا اخْتِيَارَ لِلْعَبْدِ فِيهَا فَإِنَّ النَّفْسَ لَيْسَتْ بِجَانِيَةٍ فِي صِفَتِهَا بَلْ هِيَ مَجْبُولَةٌ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ كَالنَّارِ عَلَى صِفَةِ الْإِحْرَاقِ وَلِهَذَا لَا يُلَامُ أَحَدٌ عَلَى الْمَيْلِ إلَى الشَّهَوَاتِ وَلَا يُسْأَلُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّهُ طَبْعِيٌّ، وَلَا يُقَالُ لِمَا لَمْ تَكُنْ جَانِيَةً فِي صِفَتِهَا كَيْفَ اسْتَحَقَّتْ الْقَهْرَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا وَجَبَ قَهْرُهَا بِمُخَالَفَةِ هَوَاهَا لِئَلَّا يَقَعَ الْمَرْءُ فِي الْهَلَاكِ بِسَبَبِ مُتَابَعَتِهَا كَمَا أَنَّ التَّبَاعُدَ وَجَبَ عَنْ النَّارِ احْتِرَازًا عَنْ الْهَلَاكِ وَإِنْ كَانَتْ مَجْبُولَةً فِي صِفَةِ الْإِحْرَاقِ غَيْرَ مُخْتَارَةٍ.
، وَكَذَا الْفَقِيرُ لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ عِبَادَةً إذْ الْعِبَادَةُ لَا يَسْتَحِقُّهَا إلَّا اللَّهُ ، وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ بِفَقْرِهِ قَدْ يَسْتَحِقُّ إيصَالَ النَّفْعِ إلَيْهِ بِطَرِيقِ الْمَبَرَّةِ الَّتِي تَدْعُو إلَيْهَا الطَّبِيعَةُ إذْ هِيَ فِي الْأَصْلِ مَائِلَةٌ إلَى الْإِحْسَانِ إلَى الْغَيْرِ وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ الْجِنْسِ وَلَكِنْ لَا يَسْتَحِقُّ مَا هُوَ عِبَادَةٌ أَصْلًا لِمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَا الْبَيْت لَيْسَ بِمُسْتَحِقٍّ لِلتَّعْظِيمِ بِنَفْسِهِ إذْ هُوَ حَجَرٌ كَسَائِرِ الْبُيُوتِ بَلْ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُ مُعْظَمًا وَأَمْرُهُ أَبَانَا بِتَعْظِيمِهِ، وَلِمَا ثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْوَسَائِطَ ثَبَتَتْ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى بِدُونِ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ كَانَتْ مُضَافَةً إلَى اللَّهِ ﷻ وَسَقَطَ اعْتِبَارُهَا فِي حَقِّ الْعَبْدِ فَصَارَتْ هَذِهِ الْعِبَادَاتُ حَسَنَةً خَالِصَةً مِنْ الْعَبْدِ لِلرَّبِّ بِلَا وَاسِطَةٍ كَالصَّلَاةِ فَشَرَطَ لَهَا الْأَهْلِيَّةَ الْكَامِلَةَ فَلَا يَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ كَالصَّلَاةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ فِي فَصْلِ الزَّكَاةِ.
(فَإِنْ قِيلَ) الصَّلَاةُ صَارَتْ قُرْبَةً بِوَاسِطَةِ الْكَعْبَةِ أَيْضًا فَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مِنْ الضَّرْبِ الثَّالِثِ لَا مِنْ الثَّانِي كَالْحَجِّ.
(قُلْنَا) إنَّمَا أَرَادَ بِالْوَاسِطَةِ هَهُنَا مَا يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ الْحُسْنِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ عَلَيْهِ كَمَا بَيَّنَّا أَنَّ حُسْنَ هَذِهِ الْعِبَادَاتِ يَتَوَقَّفُ عَلَى هَذِهِ الْوَسَائِطِ الْمَذْكُورَةِ حَتَّى شَابَهَتْ بِاعْتِبَارِهَا الْحَسَنَ لِغَيْرِهِ وَالصَّلَاةُ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ حَسَنٌ فِي ذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ لَهُ عَلَى جِهَةِ الْكَعْبَةِ فَإِنَّهَا قَدْ كَانَتْ حَسَنَةً حِينَ كَانَتْ الْقِبْلَةُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَجِهَةَ الْمَشْرِقِ وَقَدْ تَبْقَى حَسَنَةً عِنْدَ فَوَاتِ هَذِهِ الْجِهَةِ حَالَةَ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَتَوَقَّفْ حُسْنُهَا عَلَى الْوَاسِطَةِ كَانَتْ الضَّرْبَ الثَّانِي بِخِلَافِ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ فَإِنَّهَا لَا تَكُونُ حَسَنَةً بِدُونِ وَسَائِطِهَا فَكَانَتْ فِي الضَّرْبِ الثَّالِثِ.
إلَيْهِ أَشَارَ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ بَدْرُ الدِّينِ الْكَرْدَرِيُّ فِي فَوَائِدِ التَّقْوِيمِ، فَصَارَ هَذَا أَيْ الْقِسْمُ الثَّالِثُ كَالْقِسْمِ الثَّانِي وَهُوَ الْإِقْرَارُ وَالصَّلَاةُ حَتَّى شَرَطْنَا لَهَا أَهْلِيَّةً كَامِلَةً؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ الْخَالِصَةَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى شُرِعَتْ عَلَى الْعِبَادِ ابْتِلَاءً وَهُوَ غَنِيٌّ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَتَوَقَّفَ وُجُوبُ حَقِّهِ لِغِنَاهُ عَلَى كَمَالِ الْأَهْلِيَّةِ فَلَمْ يَجِبْ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ بِخِلَافِ حُقُوقِ الْعِبَادِ فَإِنَّهَا يَجُوزُ أَنْ تَجِبَ بِأَهْلِيَّةٍ قَاصِرَةٍ لِحَاجَتِهِمْ فَيَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَيَنُوبُ الْوَلِيُّ مَنَابَهُمَا فِي الْأَدَاءِ، وَاعْلَمْ أَنَّ إيرَادَ الْإِيمَانِ فِي نَظَائِرِ هَذَا النَّوْعِ مُشْكِلٌ؛ لِأَنَّهُ فِي بَيَانِ الْحُسْنِ الَّذِي ثَبَتَ لِلْمَأْمُورِ بِهِ بِالْأَمْرِ وَعُرِفَ ذَلِكَ بِهِ لَا قَبْلَهُ بِالْعَقْلِ وَحُسْنُ الْإِيمَانِ ثَابِتٌ قَبْلَ الْأَمْرِ وَيُعْرَفُ بِالْعَقْلِ لَا بِتَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلَى وُرُودِ السَّمْعِ حَتَّى قُلْنَا بِوُجُوبِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ أَصْلًا، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي الْإِمَامُ الْإِيمَانَ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ بَلْ بَدَأَ بِالصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ حُسْنَ هَذِهِ الْهَيْئَةِ ثَابِتٌ بِالْأَمْرِ لَا بِالْعَقْلِ إلَّا أَنْ يَكُونَ حُسْنُهُ ثَابِتًا بِالسَّمْعِ عِنْدَ الشَّيْخِ لَا بِالْعَقْلِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيَّةِ لَكِنَّ قَوْلَهُ لَا يَقْبَلُ سُقُوطَ هَذَا الْوَصْفِ
стр. 188
وَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي: فَمِثْلُ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ مَقْصُودٍ إنَّمَا حَسَنٌ لِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ لَا يَتَأَدَّى بِهِ الْجُمُعَةُ، وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ عِنْدَنَا مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلٌ يُفِيدُ الطَّهَارَةَ لِلْبَدَنِ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ؛ لِأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ تَبَرُّدٌ وَتَطَهُّرٌ لَكِنْ إنَّمَا حَسُنَ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ إقَامَةُ الصَّلَاةِ وَلَا تَتَأَدَّى بِهِ الصَّلَاةُ بِحَالٍ وَيَسْقُطُ بِسُقُوطِهَا وَتَسْتَغْنِي عَنْ صِفَةِ الْقُرْبَةِ فِي الْوُضُوءِ حَتَّى يَصِحَّ بِغَيْرِ نِيَّةٍ عِنْدَنَا وَمِنْ حَيْثُ جَعْلُ الْوُضُوءِ فِي الشَّرْعِ قُرْبَةً يُرَادُ بِهَا ثَوَابُ الْآخِرَةِ كَسَائِرِ الْقُرَبِ لَا يَتَأَدَّى بِغَيْرِ نِيَّةٍ إلَّا أَنَّ الصَّلَاةَ تَسْتَغْنِي مِنْ هَذَا الْوَصْفِ فِي الْوُضُوءِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي الْجِهَادُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ إنَّمَا صَارَا حَسَنَيْنِ لِمَعْنَى كُفْرِ الْكَافِرِ وَإِسْلَامِ الْمَيِّتِ
ــ
[كشف الأسرار]
يَأْبَى هَذَا الِاحْتِمَالَ، ثُمَّ حَاصِلُ مَا ذُكِرَ أَنَّ التَّصْدِيقَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الْحُسْنِ وَالْإِقْرَارُ دُونَهُ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ وَالصَّلَاةُ دُونَهُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِرُكْنٍ فِي الْإِيمَانِ وَالصَّوْمُ وَاخْتَارَهُ دُونَهَا؛ لِأَنَّهَا مُشَابَهَةً لِلْحُسْنِ لِغَيْرِهِ
[النَّوْع الثَّانِي مَا حَسُنَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الضَّرْبُ الْأَوَّلُ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي) وَهُوَ مَا حَسُنَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ وَذَلِكَ الْغَيْرُ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِفِعْلِ مَقْصُودٍ فَمِثْلُ السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ مَقْصُودٍ أَيْ لَيْسَ بِحَسَنٍ فِي نَفْسِهِ إذْ هُوَ مَشْيٌ وَنَقْلُ أَقْدَامٍ وَإِنَّمَا حَسُنَ وَصَارَ مَأْمُورًا بِهِ لِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ إذْ بِهِ يُتَوَصَّلُ إلَى أَدَائِهَا فَكَانَ حَسَنًا لِغَيْرِهِ لَا لِذَاتِهِ ثُمَّ الْجُمُعَةُ لَا تَتَأَدَّى بِهِ بَلْ بِفِعْلٍ مَقْصُودٍ بَعْدِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مُشَابَهَةٌ بِالْحَسَنِ لِعَيْنِهِ أَصْلًا وَلِهَذَا قُدِّمَ هَذَا الضَّرْبُ عَلَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ غَيْرِهِ فِي كَوْنِهِ حَسَنًا لِغَيْرِهِ بِمُقَابَلَةِ التَّصْدِيقِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَمَعْنَى السَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ هُوَ الْإِقْبَالُ عَلَيْهَا وَالْمَشْيُ بِلَا سُرْعَةٍ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ ﵃ أَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] تَعَالَى أَقْبِلُوا عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي أُمِرْتُمْ بِهِ وَامْضُوا فِيهِ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ السَّكِينَةِ فَصْلٌ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا وَأَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُ يَمْشِي فِي الْجُمُعَةِ عَلَى هَيْئَتِهِ كَذَا فِي شَرْحِ التَّأْوِيلَاتِ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ) أَيْ وَكَالسَّعْيِ الْوُضُوءُ فِي كَوْنِهِ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ هُوَ فِعْلٌ يُفِيدُ الطَّهَارَةَ لِلْبَدَنِ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ أَيْ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ عِبَادَةً مَقْصُودَةً إذْ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ كَوْنِهَا حَسَنَةً لِذَاتِهَا وَأَنَّهُ فِي نَفْسِهِ تَبْرُدُ وَتَطْهُرُ وَذَلِكَ لَيْسَ بِحَسَنٍ لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا حَسَنٌ بِسَبَبِ التَّمَكُّنِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ فَكَانَ حَسَنًا لِغَيْرِهِ، وَلَا يَتَأَدَّى بِهِ أَيْ بِالْوُضُوءِ الصَّلَاةُ بِحَالٍ وَيَسْقُطُ بِسُقُوطِ الصَّلَاةِ فَكَانَ كَامِلًا فِي كَوْنِهِ حَسَنًا لِغَيْرِهِ، وَلِهَذَا جَازَ التَّيَمُّمُ لِصَلَاةِ الْعِيدِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ عِنْدَ خَوْفِ الْفَوْتِ؛ لِأَنَّ التَّوَضُّؤَ إنَّمَا يَلْزَمُهُ إذَا كَانَ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ وَلَوْ اشْتَغَلَ بِهِ هُنَا تَفُوتُهُ الصَّلَاةُ لَا إلَى خَلَفٍ فَتَسْقُطُ عَنْهُ وَإِذَا سَقَطَ عَنْهُ صَارَ وُجُودُ الْمَاءِ كَعَدَمِهِ فَكَانَ فَرْضُهُ التَّيَمُّمَ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَوْلُهُ (وَتَسْتَغْنِي) أَيْ الصَّلَاةُ عَنْ صِفَةِ الْقُرْبَةِ فِي الْوُضُوءِ جَوَابٌ عَمَّا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ النِّيَّةُ شَرْطٌ فِي الْوُضُوءِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ إذْ الْعِبَادَةُ اسْمٌ لِفِعْلٍ يُؤْتَى بِهِ تَعْظِيمًا لِلَّهِ تَعَالَى بِأَمْرِهِ وَحُكْمُهُ الثَّوَابُ وَكُلُّ ذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْوُضُوءِ وَقَالَ ﵇، «الطَّهَارَةُ عَلَى الطَّهَارَةِ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ عِبَادَةٌ كَانَتْ النِّيَّةُ مِنْ شَرْطِهِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ الْوُضُوءَ يَصْلُحُ أَنْ يَصِيرَ عِبَادَةً وَأَنْ لَا بُدَّ لِصَيْرُورَتِهِ عِبَادَةً مِنْ النِّيَّةِ وَلَكِنَّا نَقُولُ: صِحَّةُ الصَّلَاةِ تَسْتَغْنِي عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ بَلْ هِيَ إنَّمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِهِ طَهَارَةً وَبِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ بِطَرِيقِ التَّبَرُّدِ يَحْصُلُ الطَّهَارَةُ الَّتِي هِيَ شَرْطُ الصَّلَاةِ كَمَا لَوْ اسْتَدَامَ الطَّهَارَةَ وَلَمْ يَحْدُثْ حَتَّى حَضَرَتْ صَلَوَاتٌ، وَهَذَا لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهِ غَيْرُ الْمَقْصُودِ بَلْ مَقْصُودُ التَّمَكُّنِ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ بِالطَّهَارَةِ، فَإِذَا طَهُرَتْ الْأَعْضَاءُ بِأَيِّ سَبَبٍ كَأَنْ سَقَطَ الْأَمْرُ كَالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ يَسْقُطُ بِسَعْيٍ لَا لِلْجُمُعَةِ وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ أَنْ يَصِيرَ عِبَادَةً بِالنِّيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّمَكُّنُ مِنْ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ بِحُصُولِهِ فِي الْمَسْجِدِ لَا لِكَوْنِهِ عِبَادَةً فَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ حَصَلَ سَقَطَ الْأَمْرُ كَذَا هَذَا كَذَا فِي الْأَسْرَارِ
[الْجِهَادُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ حَسَنَيْنِ لِمَعْنَى فِي غَيْرهمَا]
قَوْلُهُ (وَالضَّرْبُ الثَّانِي) وَهُوَ الَّذِي حَسُنَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ وَذَلِكَ الْغَيْرُ يَتَأَدَّى بِالْمَأْمُورِ بِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى فِعْلٍ مَقْصُودٍ الْجِهَادُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ،
стр. 189
وَذَلِكَ مَعْنًى مُنْفَصِلٌ عَنْ الْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ حَتَّى أَنَّ الْكُفَّارَ إنْ أَسْلَمُوا لَمْ يَبْقَ الْجِهَادُ مَشْرُوعًا إنْ تُصُوِّرَ لَكِنَّهُ خِلَافُ الْخَبَرِ وَإِذَا صَارَ حَقُّ الْمُسْلِمِ مَقْضِيًّا بِصَلَاةِ الْبَعْضِ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ يَتَأَدَّى بِالْمَأْمُورِ بِهِ بِعَيْنِهِ كَانَ شَبِيهًا بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ
ــ
[كشف الأسرار]
أَمَّا الْجِهَادُ فَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَنٍ فِي وَضْعِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعْذِيبُ عِبَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَخْرِيبُ بِلَادِهِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حُسْنٌ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ ﵇ «الْآدَمِيُّ بُنْيَانُ الرَّبِّ مَلْعُونٌ مَنْ هَدَمَ بُنْيَانَ الرَّبِّ» ، وَسُئِلَ نَبِيٌّ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَنْ تَعْمِيرِ مُلُوكِ فَارِسَ وَقَدْ كَانُوا عَمَّرُوا الْأَعْمَارَ الطِّوَالَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ أَنَّهُمْ عَمَّرُوا بِلَادِي فَعَاشَ فِيهَا عِبَادِي وَفِي رِوَايَةٍ أَنْصَفُوا عِبَادِي وَعَمَّرُوا بِلَادِي فَأَدَمْت لَهُمْ الْمُلْكَ، وَإِنَّمَا صَارَ حَسَنًا بِوَاسِطَةِ كُفْرِ الْكَافِرِ فَإِنَّ الْكَافِرَ صَارَ عَدُوَّ اللَّهِ تَعَالَى وَلِلْمُسْلِمِينَ فَشُرِعَ الْجِهَادُ إعْدَامًا لِلْكَفَرَةِ وَإِعْزَازًا لِلدِّينِ الْحَقِّ وَإِعْلَاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَسَنَةٍ فِي ذَاتِهَا إذْ هِيَ بِدُونِ الْمَيِّتِ عَبَثٌ كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ أَبُو زَيْدٍ ﵀ وَإِنَّمَا صَارَتْ حَسَنَةً بِوَاسِطَةِ إسْلَامِ الْمَيِّتِ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَيِّتَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُسْلِمًا كَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ قَبِيحَةً مَنْهِيًّا عَنْهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤] ، الْآيَةَ فَصَارَتْ حَسَنَةً لِمَعْنًى فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ وَهُوَ قَضَاءُ حَقِّ الْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ.
قَوْلُهُ (وَذَلِكَ) أَيْ كُفْرُ الْكَافِرِ وَإِسْلَامُ الْمَيِّتِ مُنْفَصِلٌ عَنْ الْجِهَادِ وَالصَّلَاةِ فَإِنَّ الْكُفْرَ قَائِمٌ بِالْكَافِرِ وَالْإِسْلَامَ بِالْمَيِّتِ وَالْجِهَادَ قَائِمٌ بِالْمُجَاهِدِ وَالصَّلَاةَ بِالْمُصَلِّي، وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ تَحْقِيقُ كَوْنِ هَذَا الضَّرْبِ حَسَنًا لِغَيْرِهِ إذْ حُصُولُ الْمَقْصُودِ بِالْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ نَفْسِهِ يُوهِمُ أَنَّهُ مُلْحَقٌ بِالْحَسَنِ لِعَيْنِهِ كَالصَّوْمِ فَحَقَّقَ كَوْنَهُ حَسَنًا لِغَيْرِهِ بِقَوْلِهِ وَذَلِكَ مَعْنًى مُنْفَصِلٌ إلَى آخِرِهِ دَفْعًا لِذَلِكَ الْوَهْمِ.
قَوْلُهُ (لَكِنَّهُ خِلَافُ الْخَبَرِ) ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «لَنْ يَبْرَحَ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا تُقَاتِلُ عَلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ» وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ حَتَّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمْ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ» .
قَوْلُهُ (كَانَ شَبِيهًا بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ) وَهُوَ الْحَسَنُ لِعَيْنِهِ وَهَذَا الضَّرْبُ عَكْسُ الضَّرْبِ الثَّالِثِ مِنْ النَّوْعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ لِعَيْنِهِ شَبِيهٌ بِالْحَسَنِ لِغَيْرِهِ وَهَذَا الضَّرْبُ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ شَبِيهٌ بِالْحَسَنِ لِعَيْنِهِ، وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الْوَاسِطَةُ وَهِيَ كُفْرُ الْكَافِرِ وَإِسْلَامُ الْمَيِّتِ هَهُنَا دُونَ الصَّوْمِ وَنَظِيرِيهِ؛ لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَشِيئَتِهِ فَهِيَ تَثْبُتُ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَصُنْعِهِ عَنْ طَوَاعِيَةٍ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهَا وَإِذَا اُعْتُبِرَتْ كَانَتْ الْعِبَادَةُ حَسَنَةً لِمَعْنًى فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ تَتِمُّ بِالْعَبْدِ لِلرَّبِّ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ فَتَكُونُ الْوَاسِطَةُ الْمُضَافَةُ إلَى غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ فِعْلِ الْعِبَادَةِ صُورَةً وَمَعْنًى بِخِلَافِ تِلْكَ الْوَسَائِطِ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ بِصُنْعِ اللَّهِ تَعَالَى لَا بِصُنْعِ لِلْعَبْدِ فِيهَا فَسَقَطَ اعْتِبَارُهَا فَبَقِيَتْ الْعِبَادَةُ حَسَنَةً مِنْ الْعَبْدِ لِلرَّبِّ بِلَا وَاسِطَةٍ ثُمَّ حُكْمُ النَّوْعِ الْأَوَّلِ مَعَ ضُرُوبِهِ الثَّلَاثَةِ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا وَجَبَ بِالْأَمْرِ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْأَدَاءِ لَوْ بِاعْتِرَاضِ مَا يُسْقِطُهُ بِعَيْنِهِ.
وَحُكْمُ الضَّرْبَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنْ الْقِسْمِ الثَّانِي وَاحِدٌ أَيْضًا وَهُوَ بَقَاءُ الْوُجُوبِ بِبَقَاءِ وُجُوبِ الْغَيْرِ وَسُقُوطُهُ بِسُقُوطِ الْغَيْرِ حَتَّى إذَا حَمَلَهُ إنْسَانٌ مِنْ الْجَامِعِ إلَى مَوْضِعٍ مُكْرَهًا بَعْدَ السَّعْيِ قَبْلَ أَدَاءِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ إذَا خَلَّى عَنْهُ كَانَ السَّعْيُ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَإِذَا حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِدُونِ السَّعْيِ بِأَنْ حُمِلَ مُكْرَهًا إلَى الْجَامِعِ أَوْ كَانَ مُعْتَكِفًا فِيهِ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ سَقَطَ اعْتِبَارُ السَّعْيِ وَلَا يَتَمَكَّنُ بِعَدَمِهِ نُقْصَانٌ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَإِذَا سَقَطَتْ عَنْهُ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ سَقَطَ السَّعْيُ، وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْوُضُوءِ إلَّا أَنَّ مَعَ عَدَمِ السَّعْيِ يَتِمُّ أَدَاءُ الْجُمُعَةِ وَبِدُونِ الْوُضُوءِ
стр. 190
وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ فَمُخْتَصٌّ بِالْأَدَاءِ دُونَ الْقَضَاءِ وَذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ الْقُدْرَةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِهَا الْعَبْدُ مِنْ أَدَاءِ مَا لَزِمَهُ وَذَلِكَ شَرْطُ الْأَدَاءِ دُونَ الْوُجُوبِ وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَهُوَ نَوْعَانِ مُطْلَقٌ وَكَامِلٌ فَأَمَّا الْمُطْلَقُ مِنْهُ فَأَدْنَى مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ الْمَأْمُورُ مِنْ أَدَاءِ مَا لَزِمَهُ بَدَنِيًّا كَانَ أَوْ مَالِيًّا وَهَذَا فَضْلٌ وَمِنَّةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا
ــ
[كشف الأسرار]
لَا يَجُوزُ أَدَاءُ الصَّلَاةِ مِنْ الْمُحْدِثِ؛ لِأَنَّ مَنْ شَرْطِ الْجَوَازِ الطَّهَارَةَ عَنْ الْحَدَثِ هَكَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ قُلْت الْوُضُوءُ مُسَاوٍ لِلسَّعْيِ فِي هَذَا أَيْضًا؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْوُضُوءِ بِمَنْزِلَةِ فِعْلِ السَّعْيِ وَحُصُولِ الطَّهَارَةِ بِهِ بِمَنْزِلَةِ حُصُولِ الرَّجُلِ فِي الْجَامِعِ بِالسَّعْيِ وَقَدْ تَحْصُلُ الصَّلَاةُ بِدُونِ فِعْلِ الْوُضُوءِ كَمَا تَحْصُلُ الْجُمُعَةُ بِدُونِ فِعْلِ السَّعْيِ وَلَا يَحْصُلُ بِدُونِ صِفَةِ الطَّهَارَةِ كَمَا لَا تَحْصُلُ الْجُمُعَةُ بِدُونِ كَوْنِهِ فِي الْجَامِع، وَكَذَلِكَ لَوْ تُصُوِّرَ إسْلَامُ الْخَلْقِ عَنْ آخِرِهِمْ لَا تَبْقَى فَرِيضَةُ الْجِهَادِ أَيْضًا، وَكَذَلِكَ حَقُّ الْمَيِّتِ مَتَى سَقَطَ بِعَارِضٍ مُضَافٍ إلَى اخْتِيَارِهِ مِنْ بَغْيٍ أَوْ قَطْعِ طَرِيقٍ أَوْ كُفْرٍ سَقَطَ حَقُّهُ.
وَكَذَا إذَا قَامَ بِهِ الْوَلِيُّ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ وَمَتَى لَمْ يَقْضِ حَقُّهُ بِأَنْ صَلَّى عَلَيْهِ غَيْرُ الْوَلِيِّ كَانَتْ الصَّلَاةُ بَاقِيَةً عَلَى الْوَلِيِّ وَكَذَا إذَا لَمْ تَنْكَسِرْ شَوْكَةُ الْكُفَّارِ بِالْقِتَالِ مَرَّةً لَمْ يَسْقُطْ الْفَرْضُ وَوَجَبَ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لَهُ وَجَبَ بِمَنْزِلَةِ السَّبَبِ الْمُوجِبِ فَلَا يَبْقَى الْحُكْمُ بِدُونِ السَّبَبِ، كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
، ثُمَّ الشَّيْخُ لَمَّا ذَكَرَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ هَذِهِ الْأَحْكَامُ لَمْ يَذْكُرْهَا صَرِيحًا.
[الْقُدْرَةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِهَا الْعَبْدُ مِنْ أَدَاءِ مَا لَزِمَهُ شَرْطُ لِلْأَدَاءِ دُونَ الْوُجُوبِ]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّالِثُ) وَهُوَ الَّذِي سَمَّاهُ جَامِعًا يَخْتَصُّ بِالْأَدَاءِ دُونَ الْقَضَاءِ أَيْ هَذَا الْقِسْمُ يَتَأَتَّى فِي الْأَدَاءِ دُونَ الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا الْقِسْمَ إنَّمَا صَارَ جَامِعًا لِلْحُسْنِ الذَّاتِيِّ وَالْحُسْنِ الْإِضَافِيِّ بِاعْتِبَارِ اشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ وَهِيَ مَشْرُوطَةٌ فِي وُجُوبِ الْأَدَاءِ دُونَ وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى مَا سَتَعْرِفُهُ فَلَا يَتَأَتَّى فِي الْقَضَاءِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحُسْنَيْنِ فَيَكُونُ مُخْتَصًّا بِالْأَدَاءِ ضَرُورَةً، ثُمَّ الْحُسْنُ بِاعْتِبَارِ الْغَيْرِ إنَّمَا يَثْبُتُ فِي هَذَا الْقِسْمِ مَعَ كَوْنِهِ حُسْنًا لِذَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَا تَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَأْمُورًا بِهَا إلَّا بِقَدْرٍ مِنْ الْمُخَاطَبِ فَيَتَوَقَّفُ وُجُوبُهَا عَلَى الْقُدْرَةِ تَوَقُّفَ وُجُوبِ السَّعْيِ عَلَى وُجُوبِ الْجُمُعَةِ فَصَارَ حَسَنًا لِغَيْرِهِ مَعَ كَوْنِهِ حَسَنًا لِذَاتِهِ، وَذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى الْغَيْرِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ الضَّرْبُ الثَّالِثُ أَيْ الشَّيْءُ الَّذِي صَارَ الْحَسَنُ لِعَيْنِهِ حَسَنًا لِغَيْرِهِ بِوَاسِطَتِهِ هِيَ الْقُدْرَةُ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِهَا الْعَبْدُ مِنْ أَدَاءِ مَا لَزِمَهُ أَيْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ أَيْ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ الْقُدْرَةُ، شَرْطُ الْأَدَاءِ أَيْ شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ، دُونَ الْوُجُوبِ أَيْ دُونَ نَفْسِ الْوُجُوبِ.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ الشَّرْطُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ الْقُدْرَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، شَرْطُ الْأَدَاءِ أَيْ شَرْطُ حَقِيقَةِ الْأَدَاءِ، دُونَ الْوُجُوبِ أَيْ دُونَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ سَلَامَةُ الْآلَاتِ وَصِحَّةُ الْأَسْبَابِ لَا حَقِيقَةُ الْقُدْرَةِ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْوَجْهُ وَعَلَيْهِ دَلَّ مَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي كِتَابَيْهِمَا، وَأَصْلُ ذَلِكَ أَيْ أَصْلُ اشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ قَوْله تَعَالَى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أَيْ طَاقَتَهَا وَقُدْرَتَهَا أَيْ لَا يَأْمُرُهَا بِمَا لَيْسَ فِي طَاقَتِهَا فَثَبَتَ بِالنَّصِّ أَنَّ الْقُدْرَةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْأَمْرِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ قَدْ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّكْلِيفِ بِالْمُمْتَنِعِ وَهُوَ الْمُسَمَّى بِتَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَقْلًا وَلِهَذَا لَمْ يَقَعْ شَرْعًا وَقَالَتْ الْأَشْعَرِيَّةُ إنَّهُ جَائِزٌ عَقْلًا وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِهِ وَالْأَصَحُّ عَدَمُ الْوُقُوعِ وَالْخِلَافُ فِي التَّكْلِيفِ بِمَا هُوَ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ وَالْعَقْدِ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ فَأَمَّا التَّكْلِيفُ بِمَا هُوَ مُمْتَنِعٌ لِغَيْرِهِ كَإِيمَانِ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يُؤْمِنُ مِثْلِ فِرْعَوْنَ وَأَبِي جَهْلٍ وَسَائِرِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ مَاتُوا عَلَى كُفْرِهِمْ فَقَدْ اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى جَوَازِهِ عَقْلًا وَعَلَى وُقُوعِهِ شَرْعًا، فَالْأَشْعَرِيَّةُ تَمَسَّكُوا بِأَنَّ التَّكْلِيفَ مِنْهُ
стр. 191
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[كشف الأسرار]
تَصَرُّفٌ فِي عِبَادِهِ وَمَمَالِيكِهِ فَيَجُوزُ سَوَاءٌ أَطَاقَ الْعَبْدُ أَوْ لَمْ يُطِقْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ التَّكْلِيفِ إمَّا أَنْ كَانَ لِاسْتِحَالَتِهِ فِي ذَاتِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ قَبِيحًا لَا وَجْهَ إلَى الْأَوَّلِ لِتَصَوُّرِ صُدُورِ الْأَمْرِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمُمْتَنِعِ لِلْعَبْدِ وَلَا إلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الْقُبْحَ إنَّمَا يَكُونُ بِاعْتِبَارِ عَدَمِ حُصُولِ الْغَرَضِ وَالْقَدِيمُ مُنَزَّهٌ عَنْ الْغَرَضِ، وَتَمَسَّكَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ تَكْلِيفَ الْعَاجِزِ عَنْ الْفِعْلِ بِالْفِعْلِ يُعَدُّ سَفَهًا فِي الشَّاهِدِ كَتَكْلِيفِ الْأَعْمَى بِالنَّظَرِ فَلَا يَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلَى الْحَكِيمِ ﷻ ، تَحْقِيقُهُ أَنَّ حِكْمَةَ التَّكْلِيفِ هِيَ الِابْتِلَاءُ عِنْدَنَا وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِيمَا يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ بِاخْتِيَارِهِ فَيُثَابُ عَلَيْهِ أَوْ يَتْرُكُهُ بِاخْتِيَارِهِ فَيُعَاقَبُ عَلَيْهِ فَإِذَا كَانَ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُ وُجُودُ الْفِعْلِ مِنْهُ كَانَ مَجْبُورًا عَلَى تَرْكِ الْفِعْلِ فَيَكُونُ مَعْذُورًا فِي الِامْتِنَاعِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ، وَيُعْرَفُ بَاقِي الْكَلَامِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ.
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ هَهُنَا مِنْ قَوْلِهِ، وَهَذَا أَيْ اشْتِرَاطُ هَذِهِ الْقُدْرَةِ فَضْلٌ وَمِنَّةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَنَا يُوهِمُ بِظَاهِرِهِ أَنَّ التَّكْلِيفَ بِدُونِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ يَجُوزُ عِنْدَهُ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيَّةِ، وَمَا ذَكَرَ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ أَنَّ الْمُكْنَةَ الْأَصْلِيَّةَ مَشْرُوطَةٌ فِي الْعِبَادَاتِ تَحْقِيقًا لِلْعَدْلِ عَلَى مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وَالْمَيْسَرَةُ مَشْرُوطَةٌ فِي بَعْضِهَا تَحْقِيقًا لِلْفَضْلِ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ، وَمَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ أَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ مُكْنَةَ الْعَبْدِ مِنْهُ حِكْمَةً وَعَدْلًا يُشِيرُ إلَى خِلَافِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَوَجْهُ التَّوْفِيقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ إعْطَاءَ هَذِهِ الْقُدْرَةِ الَّتِي يَصِيرُ الْعَبْدُ بِهَا أَهْلًا لِلتَّكْلِيفِ الَّذِي هُوَ تَشْرِيفٌ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَمِنَّةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ عَلَى مَا عُرِفَ فِي مَسْأَلَةِ الْأَصْلَحِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ عِنْدَنَا وَبِنَاءُ التَّكْلِيفِ عَلَى هَذِهِ الْقُدْرَةِ وَاشْتِرَاطُهَا لَهُ فِيهِ عَدْلٌ وَحِكْمَةٌ وَهَذَا كَاشْتِرَاطِ الْعَقْلِ لِصِحَّةِ الْخِطَابِ عَدْلٌ وَحِكْمَةٌ؛ لِأَنَّ خِطَابَ مَنْ لَا يَفْهَمُ قَبِيحٌ وَخَلْقُ الْعَقْلِ فِي الْإِنْسَانِ لِيَصِيرَ أَهْلًا لِلْخِطَابِ فَضْلٌ وَمِنَّةٌ كَذَا ذُكِرَ فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا التَّأْوِيلُ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ لَكِنَّ سِيَاقَ الْكَلَامِ لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْكَلَامَ مَسُوقٌ لِاشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ لَا لِإِعْطَاءِ الْقُدْرَةِ وَخَلْقِهَا فِي الْمُكَلَّفِ فَالْأَوْجَهُ أَنْ تُصْرَفَ الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ وَهَذَا فَضْلٌ إلَى اشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ دُونَ إعْطَائِهَا.
وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ جَوَازَ التَّكْلِيفِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقُدْرَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي بِهَا يُوجَدُ الْفِعْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ إلَّا أَنَّهَا لَمَّا لَمْ تَسْبِقْ الْفِعْلَ وَلَا بُدَّ لِلتَّكْلِيفِ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَى الْفِعْلِ الْمَأْمُورِ بِهِ نُقِلَ الْحُكْمُ عَنْهَا إلَى سَلَامَةِ الْآلَاتِ وَصِحَّةِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تَحْدُثُ هَذِهِ الْقُدْرَةُ بِهَا عِنْدَ إرَادَةِ الْفِعْلِ عَادَةً فَشَرْطٌ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ سَلَامَةُ الْآلَاتِ وَصِحَّةُ الْأَسْبَابِ لِصَلَاحِيَّتِهَا لِقَبُولِ تِلْكَ الْقُدْرَةِ وَتَعَلُّقِ تِلْكَ الْقُدْرَةِ بِهَا لَا مَحَالَةَ، فَاشْتِرَاطُ هَذِهِ الْقُدْرَةِ مَعَ أَنَّ التَّكْلِيفَ صَحِيحٌ بِدُونِهَا بِنَاءً عَلَى تَوَهُّمِ وُجُودِ الْقُدْرَةِ الْحَقِيقِيَّةِ عِنْدَ الْفِعْلِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ يَكُونُ تَحْقِيقًا لِلْفَضْلِ إلَيْهِ أُشِيرَ فِي الْمِيزَانِ.
وَعَلَيْهِ دَلَّ سِيَاقُ كَلَامِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ ﵀ فَإِنَّهُ قَالَ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ الْقُدْرَةُ الَّتِي بِهَا يَتَمَكَّنُ الْمَأْمُورُ مِنْ الْأَدَاءِ غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهَا وَقْتَ الْأَمْرِ لِصِحَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَدَّى الْمَأْمُورُ بِهِ بِالْقُدْرَةِ الْمَوْجُودَةِ وَقْتَ الْأَمْرِ وَإِنَّمَا يَتَأَدَّى بِالْمَوْجُودِ مِنْهَا عِنْدَ الْأَدَاءِ وَذَلِكَ لَا يُوجَدُ سَابِقًا عَلَى الْأَدَاءِ فَإِنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَسْبِقُ الْفِعْلَ وَعَدَمُهَا عِنْدَ الْأَمْرِ لَا يَمْنَعُ صِحَّةَ الْأَمْرِ وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حَسَنًا بِمَنْزِلَةِ عَدَمِ
стр. 192
وَهَذَا شَرْطٌ فِي أَدَاءِ حُكْمِ كُلِّ أَمْرٍ حَتَّى أَجْمَعُوا أَنَّ الطَّهَارَة بِالْمَاءِ لَا تَجِبُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْهَا بِبَدَنِهِ وَعَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ إلَّا بِنُقْصَانٍ يَحِلُّ بِهِ أَوْ بِمَالِهِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ وَفِي مَرَضٍ يَزْدَادُ بِهِ وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ لَا يَجِبُ أَدَاؤُهَا إلَّا بِهَذِهِ الْقُدْرَةِ وَالْحَجُّ لَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ إلَّا بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَ السَّفَرِ الْمَخْصُوصِ بِهِ لَا يَحْصُلُ بِدُونِهِمَا فِي الْغَالِبِ وَلَا يَجِبُ الزَّكَاةُ إلَّا بِقُدْرَةٍ مَالِيَّةٍ حَتَّى إذَا هَلَكَ النِّصَابُ بَعْدَ الْحَوْلِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ سَقَطَ الْوَاجِبُ بِالْإِجْمَاعِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَأْمُورِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﵇ كَانَ رَسُولًا إلَى النَّاسِ كَافَّةً ثُمَّ صَحَّ الْأَمْرُ فِي حَقِّ الَّذِينَ وُجِدُوا بَعْدَهُ وَيَلْزَمُهُمْ الْأَدَاءُ بِشَرْطِ أَنْ يَبْلُغَهُمْ فَيَتَمَكَّنُوا مِنْ الْأَدَاءِ فَكَمَا يَحْسُنُ الْأَمْرُ قَبْلَ وُجُودِ الْمَأْمُورِ يَحْسُنُ قَبْلَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ الَّتِي يَتَمَكَّنُ بِهَا مِنْ الْأَدَاءِ وَلَكِنْ بِشَرْطِ التَّمَكُّنِ عِنْدَ الْأَدَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّصْرِيحَ بِهِ لَا يُعْدِمُ صِفَةَ الْحُسْنِ فِي الْأَمْرِ فَإِنَّ الْمَرِيضَ يُؤْمَرُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ إذَا بَرِئَ فَيَكُونُ ذَلِكَ حَسَنًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٣] أَيْ إذَا أَمِنْتُمْ مِنْ الْخَوْفِ فَصَلُّوا بِلَا إيمَاءٍ وَلَا مَشْيٍ فَثَبَتَ بِمَا ذُكِرَ ﵀ أَنَّ التَّكْلِيفَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ الْحَقِيقِيَّةِ صَحِيحٌ بِنَاءً عَلَى وُجُودِهَا عِنْدَ الْفِعْلِ فَاشْتِرَاطُ الْقُدْرَةِ الَّتِي هِيَ سَلَامَةُ الْآلَاتِ وَصِحَّةُ الْأَسْبَابِ عِنْدَ التَّكْلِيفِ يَكُونُ فَضْلًا لَا مَحَالَةَ.
قَوْلُهُ (وَهَذَا شَرْطٌ فِي أَدَاءِ حُكْمِ كُلِّ أَمْرٍ) أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْقُدْرَةِ بِسَلَامَةِ الْآلَاتِ شَرْطُ وُجُوبِ أَدَاءِ مَا ثَبَتَ بِكُلِّ أَمْرٍ سَوَاءٌ كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ حَسَنًا لَعَيْنه أَوْ لِغَيْرِهِ، حَتَّى أَجْمَعُوا أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْعَاجِزِ عَنْهَا بِبَدَنِهِ بِأَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِعْمَالِهِ حَقِيقَةً، وَتَأْوِيلُهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ فَإِنْ وَجَدَ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ ﵀ إنْ كَانَ الْمُعِينُ حُرًّا أَوْ امْرَأَتُهُ جَازَ لَهُ التَّيَمُّمُ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا إعَانَتُهُ وَإِنْ كَانَ مَمْلُوكًا اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِهِ، وَالْفَرْقُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَنَّ الْعَبْدَ وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَانَةُ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ بَدَنِهِ بِخِلَافِ الْحُرِّ وَعَنْ هَذَا قِيلَ إنْ كَانَ الْمُعِينُ يُعِينُهُ بِبَدَلٍ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْكُلِّ، فَثَبَتَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ قَوْلَهُ وَأَجْمَعُوا مُؤَوَّلٌ بِمَا ذَكَرْنَا عَلَى أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ إنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُعِينُهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ فِي الْمِصْرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَقْطُوعَ الْيَدَيْنِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَجِدُ فِي الْمِصْرِ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ بَعِيدٍ وَالْعَجْزُ بِعَارِضٍ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ بِخِلَافِ مَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُهُ (وَعَلَى مَنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ حُكْمًا بِأَنْ حَلَّ نُقْصَانٌ بِبَدَنِهِ بِأَنْ ازْدَادَ مَرَضُهُ بِالتَّوَضُّؤِ أَوْ بِمَالِهِ بِأَنْ لَا يَجِدَ الْمَاءَ إلَّا بِثَمَنٍ غَالٍ.
، وَاخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ الْغَالِي فَقِيلَ إنْ كَانَ لَا يَجِدُهُ إلَّا بِضَعْفِ الْقِيمَةِ فَهُوَ غَالٍ وَقِيلَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ تَقْوِيمِ الْمُقَوِّمِينَ فَهُوَ غَالٍ وَيُعْتَبَرُ قِيمَةُ الْمَاءِ فِي أَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَعِزُّ فِيهِ الْمَاءُ كَذَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ ﵀، وَقَوْلُهُ فِي مَرَضٍ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فِي الزِّيَادَةِ، وَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُشَوِّشٌ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَالْوُضُوءِ الصَّلَاةُ لَا يَجِبُ أَدَاؤُهَا إلَّا بِهَذِهِ الْقُدْرَةِ أَيْ الْمُكْنَةِ وَلِهَذَا كَانَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ بِحَسَبِ مَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ بِالْإِيمَاءِ؛ لِأَنَّ تَمَكُّنَ السَّفَرِ الْمَخْصُوصِ بِهِ أَيْ بِالْحَجِّ، لَا يَحْصُلُ دُونَهُمَا أَيْ دُونَ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ فِي الْغَالِبِ فَالزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ مِنْ ضَرُورَاتِ السَّفَرِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْعَادَةُ؛ لِأَنَّ الزَّادَ عِبَارَةٌ عَنْ قُوتِهِ وَالرَّاحِلَةَ عِبَارَةٌ عَمَّا تَحْمِلُهُ وَهُوَ لَا يَجِدُ بُدًّا عَنْهُمَا وَلَا يُشْتَرَطُ زِيَادَةُ الْمَالِ وَالْخَدَمِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ ح يَتَعَلَّقُ بِالْمُكْنَةِ الْمُيَسَّرَةِ وَهِيَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي الْغَالِبِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ بِدُونِهِمَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ كَمَا هُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ، وَقَدْ يُوجَدُ بِدُونِ الرَّاحِلَةِ أَيْضًا إلَّا أَنَّ ذَلِكَ نَادِرٌ لَا يَصِحُّ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ، وَلَا يُقَالُ أَدْنَى الْقُدْرَةِ فِيهِ صِحَّةُ الْبَدَنِ بِحَيْثُ يَقْدِرُ عَلَى الْمَشْيِ وَاكْتِسَابِ الزَّادِ فِي الطَّرِيقِ وَلِهَذَا صَحَّ النَّذْرُ بِهِ مَاشِيًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوُجُوبُ مُتَعَلِّقًا بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ
стр. 193
وَلِهَذَا قَالَ زُفَرُ فِي الْمَرْأَةِ تَطْهُرُ مِنْ حَيْضِهَا أَوْ نِفَاسِهَا أَوْ الْكَافِرِ يُسْلِمُ أَوْ الصَّبِيِّ يَبْلُغُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ أَنْ لَا صَلَاةَ عَلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يُدْرِكُوا وَقْتًا صَالِحًا لِلْأَدَاءِ لِمَا قُلْنَا لَكِنَّ أَصْحَابَنَا اسْتَحْسَنُوا بَعْدَ تَمَامِ الْحَيْضِ أَوْ دَلَالَةِ انْقِطَاعِهِ قَبْلَ تَمَامِهِ بِإِدْرَاكِ وَقْتِ الْغُسْلِ أَنَّهَا تَجِبُ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ يَسِيرٍ مِنْ الْوَقْتِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْقُدْرَةِ لَا بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ حَرَجٌ عَظِيمٌ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْهَلَاكِ فِي الْغَالِبِ وَالْحَرَجُ مَنْفِيٌّ وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا فِي الصَّلَاةِ الْقُدْرَةَ الْمُتَوَهَّمَةَ وَإِنْ كَانَ لَا يَتَحَقَّقُ الْأَدَاءُ بِهَا لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْخُلْفِ وَهُوَ الْقَضَاءُ لَا لِعَيْنِ الْأَدَاءِ وَلَا خُلْفَ لِلْحَجِّ يَنْتَفِي بِمُبَاشَرَتِهِ الْحَرَجُ فَلِذَلِكَ لَمْ تُعْتَبَرْ، إلَّا بِقُدْرَةٍ مَالِيَّةٍ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَدَائِهَا بِأَنْ كَانَ مَالِكًا لِلْمَالِ قَادِرًا عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِنَائِبِهِ حَتَّى لَوْ ثَبَتَ لَهُ التَّمَكُّنُ بِمَالِ الْغَيْرِ بِأَنْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ الْأَدَاءِ الزَّكَاةُ، وَهَذَا بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ حَيْثُ ثَبَتَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمَاءِ بِالْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْعِبَادَةِ فِيهَا غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بَلْ الْمَقْصُودُ الطَّهَارَةُ وَهِيَ تَحْصُلُ بِالْإِبَاحَةِ وَهَهُنَا مَعْنَى الْعِبَادَةِ مَقْصُودٌ مَعَ ذَلِكَ صِفَةُ الْغِنَى فِي الْمُؤَدَّى مُعْتَبَرٌ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْإِبَاحَةِ.
وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ بَعِيدًا مِنْ مَالِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ يَجِدُ الْمَصْرِفَ لَا يَثْبُتُ التَّمَكُّنُ حَتَّى لَوْ هَلَكَ الْمَالُ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهِ سَقَطَ الْوَاجِبُ بِالْإِجْمَاعِ.
، وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ فِي الْهَلَاكِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ خِلَافًا كَمَا سَيَأْتِي قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قَالَ زُفَرُ إلَى آخِرِهِ) قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمَأْمُورَ بِفِعْلٍ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى تَحْصِيلِ الْمَأْمُورِ بِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ تَكْلِيفَ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ لَيْسَ بِحِكْمَةٍ إلَّا أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا سَلَامَةُ الْآلَاتِ وَصِحَّةُ الْأَسْبَابِ وَهِيَ تُسَمَّى قُدْرَةً لِحُدُوثِ الْقُدْرَةِ فِيهَا عِنْدَ قَصْدِ الْفِعْلِ فِي الْمُعْتَادِ.
وَالثَّانِي حَقِيقَةُ الْقُدْرَةِ الَّتِي يُوجَدُ بِهَا الْفِعْلُ وَالتَّكْلِيفُ يَعْتَمِدُ الْأُولَى وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَمِدَ الثَّانِيَةَ غَيْرَ أَنَّ تَعَذُّرَ تَقَدُّمِ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ مَنَعَ عَنْ ذَلِكَ فَنَقَلَ الشَّرْطِيَّةَ إلَى الْأُولَى لِحُصُولِ الثَّانِيَةِ بِهَا عَادَةً عِنْدَ الْفِعْلِ فَثَبَتَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ حَقِيقَةً عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَوْ عَزَمَ عَلَى الْفِعْلِ لَوَجَدَ الْفِعْلَ بِالْقُدْرَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَكَانَتْ حَالَةُ وُجُودِ الْفِعْلِ حَالَةَ وُجُودِ الْقُدْرَتَيْنِ جَمِيعًا، فَلِهَذَا قَالَ زُفَرُ ﵀ إذَا صَارَ الْإِنْسَانُ أَهْلًا لِلتَّكْلِيفِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ بِأَنْ أَسْلَمَ الْكَافِرُ أَوْ بَلَغَ الصَّبِيُّ أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ أَوْ أَفَاقَ الْمَجْنُونُ فِي آخِرِ الْوَقْتِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ أَدَاءِ الْفَرْضِ فِيهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِقَادِرٍ عَلَى الْفِعْلِ حَقِيقَةً لِفَوَاتِ الْوَقْتِ الَّذِي هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِ الْقُدْرَةِ فَلَمْ يَثْبُتْ التَّكْلِيفُ لِعَدَمِ شَرْطِهِ.
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ احْتِمَالَ الْقُدْرَةِ ثَابِتٌ بِاحْتِمَالِ امْتِدَادِ الْوَقْتِ وَهُوَ كَافٍ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ احْتِمَالٌ بَعِيدٌ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ شَرْطًا لِلتَّكْلِيفِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّ احْتِمَالَ سَفَرِ الْحَجِّ بِدُونِ زَادٍ وَرَاحِلَةٍ وَاحْتِمَالَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّوْمِ لِلشَّيْخِ الْفَانِي وَاحْتِمَالَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِلْمَرِيضِ الْمُدْنَفِ وَالْمُقْعَدِ بِزَوَالِ الْمَرَضِ وَالزَّمَانَةِ وَاحْتِمَالَ الْإِبْصَارِ لِلْأَعْمَى بِزَوَالِ الْعَمَى أَقْرَبُ إلَى الْوُجُودِ مِنْ هَذَا الِاحْتِمَالِ وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَصْلُحْ شَرْطًا لِلتَّكْلِيفِ فَهَذَا أَوْلَى.
قَوْلُهُ (لَكِنَّ أَصْحَابَنَا اسْتَحْسَنُوا) أَيْ عَمِلُوا بِالدَّلِيلِ الْخَفِيِّ الْأَقْوَى وَتَرَكُوا الْقِيَاسَ الَّذِي عَمِلَ بِهِ زُفَرُ بَعْدَ تَمَامِ الْحَيْضِ بِأَنْ انْقَطَعَ الدَّمُ عَلَى الْعَشَرَةِ، أَوْ دَلَالَةُ انْقِطَاعِهِ أَيْ الْحَيْضِ قَبْلَ تَمَامِهِ بِأَنْ انْقَطَعَ الدَّمُ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ بِإِدْرَاكِ وَقْتِ الْغُسْلِ بَعْدَ الِانْقِطَاعِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الدَّمَ إذَا انْقَطَعَ عَلَى الْعَشَرَةِ أَيْ تَمَّ الْحَيْضُ بِتَمَامِ الْعَشَرَةِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ شَيْءٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ كَانَ عَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ عِنْدَنَا وَإِنْ لَمْ تُدْرِكْ وَقْتَ الْغُسْلِ، وَإِنْ انْقَطَعَ عَلَى مَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ
стр. 194
يَصْلُحُ لِلْإِحْرَامِ بِهَا وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْفُصُولِ؛ لِأَنَّا نَحْتَاجُ إلَى سَبَبِ الْوُجُوبِ وَذَلِكَ جُزْءٌ مِنْ الْوَقْتِ وَنَحْتَاجُ لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ إلَى احْتِمَالِ وُجُودِ الْقُدْرَةِ لَا إلَى تَحَقُّقِ الْقُدْرَةِ وُجُودًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَرْطُ حَقِيقَةِ الْأَدَاءِ فَأَمَّا سَابِقًا عَلَيْهِ فَلَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَسْبِقُ الْفِعْلَ إلَّا فِي الْأَسْبَابِ وَالْآلَاتِ لَكِنَّ تَوَهُّمَ الْقُدْرَةِ يَكْفِي لِوُجُوبِ الْأَصْلِ مَشْرُوعًا ثُمَّ الْعَجْزُ الْحَالِيُّ دَلِيلُ النَّقْلِ إلَى الْبَدَلِ الْمَشْرُوعِ عِنْدَ فَوَاتِ الْأَصْلِ، وَقَدْ وُجِدَ احْتِمَالُ الْقُدْرَةِ بِاحْتِمَالِ امْتِدَادِ الْوَقْتِ عَنْ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ بِوَقْفِ الشَّمْسِ كَمَا كَانَ لِسُلَيْمَانَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه
ــ
[كشف الأسرار]
وَتَتَحَرَّمُ لِلصَّلَاةِ كَانَ عَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ زَمَانَ الِاغْتِسَالِ فِيمَا دُونَ الْعَشَرَةِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَيْضِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمَةِ، وَلِهَذَا لَا يَنْقَطِعُ حَقُّ الرَّجْعَةِ لِلزَّوْجِ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّمَ يَسِيلُ تَارَةً وَيَنْقَطِعُ أُخْرَى فَبِمُجَرَّدِ الِانْقِطَاعِ لَا يُحْكَمُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْحَيْضِ لِجَوَازِ أَنْ يُعَاوِدَهَا الدَّمُ فَإِذَا اغْتَسَلَتْ يُحْكَمُ بِطَهَارَتِهَا فَلَمَّا كَانَتْ مُدَّةُ الِاغْتِسَالِ مِنْ الْحَيْضِ وَجَبَ أَنْ يُدْرَكَ جُزْءٌ مِنْ الْوَقْتِ بَعْدَ مُدَّةِ الِاغْتِسَالِ لِيَجِبَ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ.
وَقَوْلُهُ يَصْلُحُ لِلْإِحْرَامِ لِمُبَالَغَةِ جَانِبِ الْقِلَّةِ لَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَرْطًا حَتَّى لَوْ أَدْرَكَتْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهَا الصَّلَاةُ وَكَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْفُصُولِ أَيْ كَمَا اسْتَحْسَنُوا فِي الْحَيْضِ اسْتَحْسَنُوا فِي إيجَابِ الصَّلَاةِ عَلَى الْكَافِرِ إذَا أَسْلَمَ وَالصَّبِيِّ إذَا بَلَغَ وَالْمَجْنُونِ إذْ أَفَاقَ فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ ذَكَرَ فِي الْمُلَخَّصِ فِي الْفَتْوَى فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَوْ زَالَ الْعُذْرُ الْمُسْقِطُ لِلْقَضَاءِ كَالْجُنُونِ وَالصِّبَا وَالْكُفْرِ وَالْحَيْضِ فِي قَدْرِ تَكْبِيرَةٍ مِنْ الْوَقْتِ لَزِمَهُ تِلْكَ الصَّلَاةُ، وَلَوْ زَالَ قُبَيْلَ الْغُرُوبِ لَزِمَهُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَلَوْ زَالَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ لَزِمَهُ الْعِشَاءُ وَالْمَغْرِبُ وَكَذَا ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَيْضًا.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ هُوَ جُزْءٌ مِنْ الْوَقْتِ قَدْ وُجِدَ فِي حَقِّ الْأَهْلِ فَيَثْبُتُ بِهِ أَصْلُ الْوُجُوبِ إذْ هُوَ لَيْسَ بِمُفْتَقِرٍ إلَى شَيْءٍ آخَرَ وَكَذَا شَرْطُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ مَوْجُودٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُتَوَقِّفٍ عَلَى حَقِيقَةِ الْقُدْرَةِ لِامْتِنَاعِ تَقَدُّمِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ وَاسْتِحَالَةِ تَقَدُّمِ الْمَشْرُوطِ عَلَى شَرْطِهِ بَلْ هُوَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى تَوَهُّمِ الْقُدْرَةِ الَّذِي ثَبَتَ بِنَاءً عَلَى سَلَامَةِ الْآلَاتِ وَصِحَّةِ الْأَسْبَابِ وَقَدْ وُجِدَا لِتَوَهُّمٍ هَهُنَا لِجَوَازِ أَنْ يَظْهَرَ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ امْتِدَادٌ بِتَوَقُّفِ الشَّمْسِ فَيَسَعُ الْأَدَاءَ فَيَثْبُتُ بِهَذَا الْقَدْرِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ ثُمَّ بِالْعَجْزِ الْحَالِيِّ عَنْ الْأَدَاءِ يَنْتَقِلُ الْحُكْمُ إلَى خَلْفِهِ وَهُوَ الْقَضَاءُ.
يُوضِحُهُ أَنَّ فِي أَوَامِرِ الْعِبَادِ يَثْبُتُ لُزُومُ الْأَدَاءِ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ الْقُدْرَةِ فَإِنَّ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ اسْقِنِي مَاءً غَدًا يَكُونُ أَمْرًا صَحِيحًا مُوجِبًا لِلْأَدَاءِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِي الْحَالِ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ غَدًا لِجَوَازِ أَنْ يَمُوتَ قَبْلَهُ أَوْ يَظْهَرَ عَارِضٌ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ فَكَذَلِكَ فِي أَوَامِرِ الشَّرْعِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ يَثْبُتُ بِهَذَا الْقَدْرِ كَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ ﵀.
(فَإِنْ قِيلَ) قَدْ ذَكَرْت أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى نَوْعَيْنِ: قُدْرَةُ سَلَامَةِ الْآلَةِ وَالْقُدْرَةُ الْحَقِيقِيَّةِ فَنَحْنُ نُسَلِّمُ أَنَّ تَوَهُّمَ الْقُدْرَةِ الْحَقِيقِيَّةِ كَافٍ لِصِحَّةِ التَّكْلِيفِ إذَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى سَلَامَةِ الْآلَةِ وَوُجُودِهَا حَقِيقَةً وَلَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ تَوَهُّمَ حُدُوثِ الْآلَةِ وَسَلَامَتِهَا كَافٍ لِصِحَّتِهِ فَإِنَّ تَوَهُّمَ حُدُوثِ آلَةِ الطَّيَرَان لِلْإِنْسَانِ ثَابِتٌ وَكَذَلِكَ تَوَهُّمُ حُدُوثِ سَلَامَةِ آلَةِ الْأَبْصَارِ وَالْمَشْيِ لِلْأَعْمَى وَالْمُقْعَدِ ثَابِتٌ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ التَّكْلِيفُ بِالطَّيَرَانِ وَالْإِبْصَارِ وَالْمَشْيِ وَالتَّوَهُّمُ الَّذِي ذَكَرْتُمْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ لِلْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ كَالْيَدِ لِلْبَطْشِ وَالرِّجْلِ لِلْمَشْيِ فَلَا يَصِحُّ بِنَاءُ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ.
(قُلْنَا) تَوَهُّمُ هَذِهِ الْقُدْرَةِ إنَّمَا لَا يَصْلُحُ شَرْطُ التَّكْلِيفِ إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ عَيْنَ مَا كُلِّفَ بِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ غَيْرَهُ فَهُوَ كَافٍ لِصِحَّتِهِ كَالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ حَقِيقَةَ التَّوَضُّؤِ لَا يَصِحُّ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ حَقِيقَةً فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ خَلَفُهُ وَهُوَ التَّيَمُّمُ فَتَوَهُّمُ الْمَاءِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا كَافٍ لِصِحَّةِ الْأَمْرِ بِهِ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي حَقِّ خَلَفِهِ وَيَشْتَرِطُ ح سَلَامَةَ آلَاتِ الْخَلَفِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ لَا سَلَامَةُ آلَاتِ الْأَصْلِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا
стр. 195
وَذَلِكَ نَظِيرُ مَسِّ السَّمَاءِ فَصَارَ مَشْرُوعًا ثُمَّ وَجَبَ النَّقْلُ لِلْعَجْزِ الْحَالِيِّ كَمَنْ هَجَمَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَهُوَ فِي السَّفَرِ أَنَّ خِطَابَ الْأَصْلِ عَلَيْهِ يَتَوَجَّهُ لِاحْتِمَالِ وُجُودِ الْمَاءِ ثُمَّ بِالْعَجْزِ الْحَالِيِّ يَنْتَقِلُ إلَى التُّرَابِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّكْلِيفِ إيجَابُ خَلَفِهِ لَا حَقِيقَةُ الْأَدَاءِ فَيُشْتَرَطُ سَلَامَةُ الْآلَاتِ فِي حَقِّ الْخَلَفِ وَهُوَ الْقَضَاءُ لَا سَلَامَةُ آلَاتِ الْأَصْلِ وَهُوَ الْأَدَاءُ بَلْ يَكْفِي فِيهِ تَوَهُّمُ الْحُدُوثِ.
قَوْلُهُ (بِاحْتِمَالِ امْتِدَادِ الْوَقْتِ عَنْ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ) كَلِمَةُ عَنْ بِمَعْنَى مِنْ الْبَيَانِيَّةِ وَيَتَعَلَّقُ بِالْوَقْتِ، وَالْوَقْتُ بِمَعْنَى الزَّمَانِ، وَالْبَاءُ فِي بِوَقْفِ الشَّمْسِ لِلسَّبَبِيَّةِ وَتَتَعَلَّقُ بِالِامْتِدَادِ أَيْ بِاحْتِمَالِ امْتِدَادِ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِسَبَبِ وَقْفِ الشَّمْسِ، كَمَا كَانَ لِسُلَيْمَانَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ، رُوِيَ «أَنَّ سُلَيْمَانَ ﵇ لَمَّا عُرِضَ لَهُ الْخَيْلُ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ وَفَاتَهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ أَوْ وِرْدٌ لَهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِاشْتِغَالِهِ بِهَا وَأَهْلَكَ تِلْكَ الْخَيْلَ بِالْعَقْرِ وَضَرْبِ الْأَعْنَاقِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣] تَشَؤُّمًا بِهَا حَيْثُ شَغَلَتْهُ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ وَعِبَادَتِهِ وَقَهْرًا لِلنَّفْسِ بِمَنْعِهَا عَنْ حُظُوظِهَا جَازَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ أَكْرَمَهُ بِرَدِّ الشَّمْسِ إلَى مَوْضِعِهَا مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ لِيَتَدَارَكَ مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ الْوَرْدِ وَبِتَسْخِيرِ الرِّيحِ بَدَلًا عَنْ الْخَيْلِ فَتَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ» ، إلَيْهِ أُشِيرَ فِي كِتَابِ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَكِتَابِ حِصَصِ الْأَتْقِيَاءِ مِنْ قَصَصِ الْأَنْبِيَاءِ ﵈.
قَوْلُهُ (وَذَلِكَ نَظِيرُ مَسِّ السَّمَاءِ) أَيْ اعْتِبَارِ تَوَهُّمِ الْقُدْرَةِ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فِي وُجُوبِ الْأَدَاءِ لِخَلَفِهِ نَظِيرُ اعْتِبَارِنَا تَوَهُّمَ الْبِرِّ وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فِي انْعِقَادِ الْيَمِينِ عَلَى مَسِّ السَّمَاءِ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ، فَإِذَا حَلَفَ لَيَمَسُّ السَّمَاءَ أَوْ لَيُحَوِّلَنَّ هَذَا الْحَجَرَ ذَهَبًا انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ عِنْدَنَا وَيَأْثَمُ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْيَمِينِ تَعْظِيمُ الْمُقْسَمِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ مِنْهَا هَتْكُ حُرْمَةِ الِاسْمِ بِاسْتِعْمَالِ الْيَمِينِ فِي هَذَا الْمَحِلِّ، وَقَالَ زُفَرُ ﵀ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ انْعِقَادِ الْيَمِينِ أَنْ يَكُونَ مَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ فِي وُسْعِهِ إيجَادُهُ وَلِهَذَا لَمْ يَنْعَقِدْ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ هَهُنَا.
وَلَكِنَّنَا نَقُولُ انْعِقَادُ الْيَمِينِ بِاعْتِبَارِ تَوَهُّمِ الصِّدْقِ فِي الْخَبَرِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فَإِنَّ السَّمَاءَ عَيْنٌ مَمْسُوسَةٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ الْجِنِّ ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ﴾ [الجن: ٨] وَالْمَلَائِكَةُ يَصْعَدُونَ إلَيْهَا وَلَوْ أَقْدَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى صُعُودِهَا لَصَعِدَهَا كَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ ﵉ وَكَذَلِكَ الْحَجَرُ مَحَلٌّ قَابِلٌ لِلتَّحَوُّلِ لَوْ حَوَّلَهُ اللَّهُ فَيَنْعَقِدُ يَمِينُهُ ثُمَّ يَحْنَثُ فِي الْحَالِ لِعَجْزِهِ عَنْ إيجَادِ شَرْطِ الْبِرِّ ظَاهِرًا وَذَلِكَ كَافٍ لِلْحِنْثِ وَلَا يُؤَخَّرُ الْحِنْثُ إلَى حِينِ الْمَوْتِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَهَذَا بِخِلَافِ الْغَمُوسِ؛ لِأَنَّ تَصَوُّرَ الْبِرِّ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ مُسْتَحِيلٌ فِيهِ بِمَرَّةٍ فَلَا يَنْعَقِدُ لِلْخَلَفِ وَهُوَ الْكَفَّارَةُ، وَلَا يُقَالُ: إعَادَةُ الزَّمَانِ الْمَاضِي فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَيْضًا وَقَدْ فَعَلَهُ لِسُلَيْمَانَ ﵇ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَنْعَقِدَ يَمِينُ الْغَمُوسِ بِهَذَا الطَّرِيقِ أَيْضًا؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ تَصَوُّرَ إعَادَةِ الزَّمَانِ الْمَاضِي عَلَى أَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ فِعْلٍ قَدْ وُجِدَ مِنْهُ كَاذِبًا فَيَسْتَحِيلُ فِيهِ الصِّدْقُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَإِنْ أَعَادَ الزَّمَانَ لَا يَصِيرُ الْفِعْلُ فِيهِ مَوْجُودًا مِنْ الْحَالِفِ بِدُونِ أَنْ يَفْعَلَهُ فَلِهَذَا لَمْ يَنْعَقِدْ الْغَمُوسُ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَوْلُهُ (فَصَارَ مَشْرُوعًا) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَقَدْ وُجِدَ احْتِمَالُ الْقُدْرَةِ، وَالضَّمِيرُ الْمُسْتَكِنُ فِي فَصَارَ رَاجِعٌ إلَى وُجُوبِ الْأَصْلِ أَيْ فَصَارَ وُجُوبُ الْأَصْلِ وَهُوَ الْأَدَاءُ مَشْرُوعًا بِهَذَا الِاحْتِمَالِ، ثُمَّ وَجَبَ النَّقْلُ يَعْنِي إلَى خَلَفِهِ وَهُوَ الْقَضَاءُ لِلْعَجْزِ الْحَالِيِّ.
قَوْلُهُ (كَمَنْ هَجَمَ) أَيْ دَخَلَ، وَإِنَّمَا اخْتَارَ لَفْظَ الْهُجُومِ دُونَ الدُّخُولِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْإِتْيَانُ بَغْتَةً وَالدُّخُولُ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَإِتْيَانُ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، وَلِأَنَّ الْعَجْزَ فِي هَذِهِ
стр. 196
وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ فِي اقْتِضَاءِ صِفَةِ الْحُسْنِ يَتَنَاوَلُ الضَّرْبَ الْأَوَّلَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ كَمَالَ الْأَمْرِ يَقْتَضِي كَمَالَ صِفَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَكَذَلِكَ كَوْنُهُ عِبَادَةً يَقْتَضِي هَذَا الْمَعْنَى، وَيَحْتَمِلُ الضَّرْبَ الثَّانِيَ بِدَلِيلٍ وَعَلَى هَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لَمَّا تَنَاوَلَ الْأَمْرُ بَعْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْجُمُعَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى صِفَةِ حُسْنِهِ وَعَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمَشْرُوعُ دُونَ غَيْرِهِ حَتَّى قَالَا لَا يَصِحُّ أَدَاءُ الظُّهْرِ مِنْ الْمُقِيمِ مَا لَمْ تَفُتْ الْجُمُعَةُ
ــ
[كشف الأسرار]
الْحَالَةِ أَكْثَرُ فَإِنَّ مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ بِاسْتِئْذَانٍ رُبَّمَا يَتَهَيَّأُ لِذَلِكَ فَأَمَّا إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ بَغْتَةً فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ التَّهَيُّؤُ لِذَلِكَ فَهُجُومُ وَقْتِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُسَافِرِ مَعَ اشْتِغَالِهِ بِتَعَبِ السَّفَرِ وَعَدَمِ مَنْ يُعْلِمُهُ بِالْوَقْتِ مِنْ مُؤَذِّنٍ وَنَحْوِهِ يُحَقِّقُ الْعَجْزَ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِعَدَمِ تَهْيِئَتِهِ الْمَاءَ قَبْلَ ذَلِكَ وَمَعَ ذَلِكَ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ خِطَابُ الْأَصْلِ أَيْ الْوُضُوءُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ، لِاحْتِمَالِ حُدُوثِ الْمَاءِ بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ كَمَا هُوَ مَنْقُولٌ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ ثُمَّ يَنْتَقِلُ بِالْعَجْزِ الظَّاهِرِيِّ إلَى خَلَفِهِ وَهُوَ التُّرَابُ
قَوْلُهُ (وَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ) أَيْ الْمُطْلَقُ عَنْ الْقَرِينَةِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ حَسَنٌ لِعَيْنِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ يَتَنَاوَلُ الضَّرْبَ الْأَوَّلَ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: هُوَ الْحَسَنُ لِعَيْنِهِ وَقَدْ تَنَوَّعَ نَوْعَيْنِ مَا حَسُنَ لِعَيْنِهِ حَقِيقَةً وَمَا أُلْحِقَ بِهِ حُكْمًا فَالْأَمْرُ الْمُطْلَقُ يَتَنَاوَلُ الضَّرْبَ الْأَوَّلَ دُونَ مَا عَدَاهُ مِنْ الْأَقْسَامِ، أَوْ مَعْنَاهُ يَتَنَاوَلُ الضَّرْبَ الْأَوَّلَ أَيْ النَّوْعَ الْأَوَّلَ وَهُوَ الْحَسَنُ لِعَيْنِهِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ أَيْ مِنْ التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ الْمَأْمُورُ بِهِ نَوْعَانِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَ بَعْدَهُ وَيَحْتَمِلُ الضَّرْبَ الثَّانِيَ أَيْ مَا حَسُنَ لِغَيْرِهِ نَصَّ عَلَى هَذَا فِي غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْكُتُبِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ أَيْضًا فَقَالَ، وَأَمَّا الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ فِي الْعِبَادَةِ فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا حَسُنَ لِمَعْنًى فِي عَيْنِهِ مِثْلُ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَالصَّلَاةِ إلَّا بِدَلِيلٍ يَصْرِفُهُ إلَى غَيْرِهِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَثْبُتُ بِهِ حُسْنُ الْمَأْمُورِ بِهِ لِعَيْنِهِ وَعِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا يَثْبُتُ الْحَسَنُ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَ الْحَسَنِ فِيهِ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ عَلَى مَا مَرَّ وَهُوَ ضَرُورِيٌّ وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِالْأَدْنَى وَهُوَ الْحَسَنُ لِغَيْرِهِ فَلَا يَثْبُتُ مَا وَرَاءَهُ إلَّا بِدَلِيلٍ زَائِدٍ، وَلَكِنَّا نَقُولُ يَثْبُتُ بِمُطْلَقِ الْأَمْرِ أَقْوَى أَنْوَاعِ الطَّلَبِ وَهُوَ الْإِيجَابُ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ كَمَالَ صِفَةِ الْحُسْنِ فِي الْمَأْمُورِ بِهِ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الطَّلَبِ مِنْ الْحَكِيمِ لَمَّا اقْتَضَى نَفْسَ الْحُسْنِ فَكَمَالُهُ يَقْتَضِي كَمَالَ الْحُسْنِ أَيْضًا وَذَلِكَ فِي الْحُسْنِ الذَّاتِيِّ إذْ هُوَ الْحُسْنُ الْحَقِيقِيُّ وَالْحُسْنُ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْغَيْرِ لَهُ شَبَهٌ بِالْمَجَازِ؛ لِأَنَّهُ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، وَلِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَمْرِ بِفِعْلٍ هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى عِبَادَةٌ فَكَانَ الْأَمْرُ بِهِ اسْتِعْبَادًا إذْ لَا فَرْقَ فِي الْمَعْنَى بَيْنَ قَوْلِهِ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَيْنَ قَوْلِهِ اُعْبُدُونِي بِهَا وَالْعِبَادَةُ لِلَّهِ تَعَالَى حَسَنَةٌ لِعَيْنِهَا.
، فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الشَّيْخِ وَكَذَلِكَ كَوْنُهُ عِبَادَةً يَقْتَضِي هَذَا الْمَعْنَى، وَقَوْلُهُمْ ثَبَتَ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ فَيَثْبُتُ الْأَدْنَى قُلْنَا ثُبُوتُهُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ يَمْنَعُ ثُبُوتَ الْعُمُومِ وَلَا يَمْنَعُ ثُبُوتَ صِفَةِ الْكَمَالِ فِيهِ وَكَلَامُنَا فِي ذَلِكَ، وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ وَأَكْثَرُ مَشَايِخِنَا قَالُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَرْعُ مَسْأَلَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ فَمَنْ قَالَ الْحُسْنُ عَقْلِيٌّ قَالَ يُعْرَفُ بِالْعَقْلِ أَنَّ الْحُسْنَ رَاجِعٌ إلَى ذَاتِهِ أَوْ إلَى غَيْرِ مُتَّصِلٍ بِهِ وَمَنْ قَالَ هُوَ شَرْعِيٌّ فَالْحُسْنُ عِنْدَهُمْ مَا أَمَرَ بِهِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَأْمُورٍ بِهِ حَسَنًا إلَّا إذَا ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّهُ حَسَنٌ لِغَيْرِهِ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ.
قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ يَقْتَضِي كَمَالَ صِفَةِ الْحُسْنِ لِلْمَأْمُورِ بِهِ قَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَمَّا تَنَاوَلَ الْأَمْرَ بَعْدَ الزَّوَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ الْجُمُعَةَ وَهُوَ قَوْلُهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] ، دَلَّ هَذَا الْأَمْرُ عَلَى صِفَةِ حُسْنِهِ أَيْ عَلَى كَوْنِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَهُوَ الْجُمُعَةُ حَسَنًا لِعَيْنِهِ، وَعَلَى أَنَّهُ أَيْ الْمَأْمُورُ بِهِ هُوَ الْمَشْرُوعُ فِي حَقِّ مَنْ تَنَاوَلَهُ الْأَمْرُ دُونَ غَيْرِهِ حَتَّى لَوْ صَلَّى الصَّحِيحُ الْمُقِيمُ الظُّهْرَ فِي مَنْزِله وَلَمْ يَشْهَدْ الْجُمُعَةَ
стр. 197
وَقَالَا لَمَّا لَمْ يُخَاطَبْ الْمَرِيضُ وَالْعَبْدُ وَالْمُسَافِرُ بِالْجُمُعَةِ بَلْ بِالظُّهْرِ صَارَ الظُّهْرُ حَسَنًا مَشْرُوعًا فِي حَقِّهِمْ فَإِذَا أَدَّوْهَا لَمْ تُنْتَقَضْ بِالْجُمُعَةِ مِنْ بَعْدُ، وَقُلْنَا نَحْنُ لَا خِلَافَ فِي هَذَا الْأَصْلِ لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي مَعْرِفَةِ كَيْفِيَّةِ الْأَمْرِ بِالْجُمُعَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى نَسْخِ الظُّهْرِ كَمَا قُلْتُمْ أَلَا تَرَى أَنَّ بَعْدَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ يُقْضَى الظُّهْرُ وَلَا يَصْلُحُ قَضَاءٌ لِلْجُمُعَةِ وَلَا تُقْضَى الْجُمُعَةُ بِالْإِجْمَاعِ فَثَبَتَ أَنَّهُ عَوْدٌ إلَى الْأَصْلِ
ــ
[كشف الأسرار]
لَا يُجْزِيهِ إلَّا إذَا أَعَادَ الظُّهْرَ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ الْجُمُعَةِ عِنْدَ زُفَرَ وَبَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهَا هِيَ الْجُمُعَةُ فِي حَقِّهِ إذْ هُوَ مَأْمُورٌ بِالسَّعْيِ إلَى الْجُمُعَةِ وَتَرْكِ الِاشْتِغَالِ بِالظُّهْرِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ فَوْتُ الْجُمُعَةِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ انْتِفَاءُ شَرْعِيَّةِ الظُّهْرِ قَبْلَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ ضَرُورَةً إلَّا أَنَّ عِنْدَ زُفَرَ فَوْتُ الْجُمُعَةِ بِفَرَاغِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يَشْتَرِطُ السُّلْطَانَ لِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَوْتُهَا بِخُرُوجِ الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ السُّلْطَانَ عِنْدَهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَوْلُهُ (وَقَالَا) أَيْ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ إنَّ الْمَعْذُورَ إذَا صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَصَلَّاهَا لَا يُنْتَقَضُ بِهِ الظُّهْرُ وَهُوَ الْقِيَاسُ حَتَّى لَوْ شَرَعَ مَعَ الْإِمَامِ فَقَبْلَ أَنْ يُتِمَّ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الظُّهْرِ، وَعِنْدَنَا يُنْتَقَضُ الظُّهْرُ وَيَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ، وَجْهُ قَوْلِهِمَا أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ فِي حَقِّهِ كَسَائِرِ الْأَيَّامِ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ خِطَابُ الظُّهْرِ وَصَارَ الظُّهْرُ حَسَنًا مَشْرُوعًا فِي حَقِّهِ وَلِهَذَا صَحَّ أَدَاءُ الظُّهْرِ مِنْهُ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ غَيْرِ إسَاءَةٍ وَإِذَا صَحَّ أَدَاؤُهُ فِي وَقْتِهِ لَمْ يُنْتَقَضْ بِالْجُمُعَةِ كَمَا إذَا صَلَّى الظُّهْرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الْجَمَاعَةَ أَوْ كَمَا إذَا صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَدَّى الْعَصْرَ وَيَلْزَمُ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَوْ أَدَّى الْجُمُعَةَ قَبْلَ أَدَاءِ الظُّهْرِ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُمَا كَمَا لَوْ أَدَّى غَيْرُ الْمَعْذُورِ الظُّهْرَ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ وَاحِدٌ وَقَدْ تَعَيَّنَ الظُّهْرُ فِي حَقِّهِ فَانْدَفَعَ غَيْرُهُ ضَرُورَةً وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْمَعْذُورَ لَوْ أَدَّى الْجُمُعَةَ قَبْلَ أَدَاءِ الظُّهْرِ يَجُوزُ عَنْ فَرْضِ الْوَقْتِ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا لَوْ أَدَّى الظُّهْرَ، فَالْأَوْجَهُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَارِ وَهُوَ أَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ وَاحِدٌ وَأَجْمَعْنَا أَنَّ الْمَعْذُورَ لَمْ يُؤْمَرْ بِإِقَامَةِ الْجُمُعَةِ عَيْنًا بَلْ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ، فَإِذَا أَدَّى أَحَدَهُمَا انْدَفَعَ الْآخَرُ كَالْمُكَفِّرِ عَنْ الْيَمِينِ إذَا كَفَّرَ بِنَوْعٍ بَطَلَ سَائِرُ الْأَنْوَاعِ وَلَمْ تَرَخَّصْ نَقْضُ مَا أَدَّى بِالْآخَرِ كَمَا إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ لَمْ يُنْتَقَضْ بِالظُّهْرِ.
قَوْلُهُ (وَقُلْنَا نَحْنُ لَا خِلَافَ فِي هَذَا الْأَصْلِ) يَعْنِي فِي كَوْنِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ مُقْتَضِيًا لِكَمَالِ الْحُسْنِ لَكِنَّ الْكَلَامَ فِي كَيْفِيَّةِ تَوَجُّهِ الْأَمْرِ بِالْجُمُعَةِ فَيَقُولُ الْفَرْضُ الْأَصْلِيُّ فِي هَذَا الْيَوْمِ هُوَ الظُّهْرُ فِي حَقِّ الْكَافَّةِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْعَيْنِ مَا يُخَاطَبُ الْآحَادُ بِإِقَامَتِهِ تُرَخِّصُ شَرَائِطَ لَا يَتَمَكَّنُ الْوَاحِدُ مِنْ إقَامَتِهَا بِنَفْسِهِ فَبَقِيَ الْفَرْضُ كَمَا كَانَ مَشْرُوعًا.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا فَاتَهُ فَرْضُ الْوَقْتِ أَصْلًا يَنْوِي قَضَاءَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْوَقْتِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُ فَرْضِ الْوَقْتِ الظُّهْرَ لِمَا صَحَّ نِيَّةُ قَضَاءِ الظُّهْرِ بَعْدَ فَوَاتِ الْوَقْتِ فَثَبَتَ أَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ هُوَ الظُّهْرُ فِي حَقِّ الْكُلِّ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ إلَّا أَنَّ الْأَمْرَ وَرَدَ بِأَدَاءِ الْجُمُعَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ النَّسْخِ لِلظُّهْرِ كَمَا زَعَمَ الْخَصْمُ؛ لِأَنَّهُ بَعْدَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ وَبَقَاءِ الْوَقْتِ يُؤَدَّى الظُّهْرُ وَهُوَ لَا يَصْلُحُ قَضَاءً لِلْجُمُعَةِ لِاخْتِلَافِهِمَا اسْمًا وَمِقْدَارًا وَشُرُوطًا كَيْفَ وَلَا قَضَاءَ لِلْجُمُعَةِ بِالْإِجْمَاعِ فَعَرَفْنَا أَنَّ مُوجِبَ الْأَمْرِ لَيْسَ نَسْخَ الظُّهْرِ بَلْ قَضِيَّتُهُ إقَامَةُ الْجُمُعَةِ مَقَامَ الظُّهْرِ بِفِعْلِنَا غَيْرَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ حَتْمٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَعْذُورِ بَلْ رُخِّصَ لَهُ أَنْ لَا يُقِيمَ الْجُمُعَةَ مَقَامَ الظُّهْرِ بِفِعْلِهِ وَيَأْتِي بِالْفَرْضِ الْأَصْلِيِّ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا أَنَّ الْمُسَافِرَ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ قَبْلَ الظُّهْرِ كَانَ ذَلِكَ فَرْضَ وَقْتِهِ.
وَكَذَا الْمُقِيمُ الصَّحِيحُ إذَا صَلَّى الظُّهْرَ بَعْدَ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ كَانَ فَرْضَ وَقْتِهِ وَفَرْضُ الْوَقْتِ مَا عُلِّقَ إلَّا بِالْوَقْتِ فَأَمَّا الْفَوْتُ فَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ قَضَاءُ
стр. 198
وَثَبَتَ أَنَّ قَضِيَّةَ الْأَمْرِ أَدَاءُ الظُّهْرِ بِالْجُمُعَةِ فَصَارَ ذَلِكَ مُقَرِّرًا لَا نَاسِخًا فَصَحَّ الْأَدَاءُ وَأَمَرَ بِنَقْضِهِ بِالْجُمُعَةِ كَمَا أَمَرَ بِإِسْقَاطِهِ بِالْجُمُعَةِ وَإِنَّمَا وَضَعَ عَنْ الْمَعْذُورِ أَدَاءُ الظُّهْرِ بِالْجُمُعَةِ رُخْصَةً فَلَمْ يَبْطُلْ بِهِ الْعَزِيمَةُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إنَّ الضَّرْبَ الثَّالِثَ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ يَخْتَصُّ بِالْأَدَاءِ دُونَ الْقَضَاءِ، أَمَّا إذَا فَاتَ الْأَدَاءُ بِحَالِ الْقُدْرَةِ بِتَقْصِيرِ الْمُخَاطَبِ فَقَدْ بَقِيَ تَحْتَ عُهْدَتِهِ وَجُعِلَ الشَّرْطُ بِمَنْزِلَةِ الْقَائِمِ حُكْمًا لِتَقْصِيرِهِ وَأَمَّا إذَا فَاتَ لَا بِتَقْصِيرِهِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقُدْرَةَ كَانَتْ شَرْطًا لِوُجُوبِ الْأَدَاءِ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَلَمْ يُشْتَرَطْ لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْفَائِتِ فَتَبَيَّنَ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الظُّهْرَ مَشْرُوعٌ فِي حَقِّ الصَّحِيحِ الْمُقِيمِ كَمَا أَنَّ الْجُمُعَةَ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ وَصَارَ كَأَنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ الدُّلُوكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَبَبًا لِلظُّهْرِ وَالْجُمُعَةِ عَلَى أَنْ يَخْتَارَ الْعَبْدُ الْجُمُعَةَ وَأَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ الظُّهْرِ إذَا أُدِّيَتْ، وَمِثَالُهُ وَقْتُ رَمَضَانَ عُلِّقَتْ شَرْعِيَّةُ الصَّوْمِ بِالشَّهْرِ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَيَسْقُطُ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ بِعِدَّةٍ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا قُلْنَا إذَا صَلَّى الْمُقِيمُ الظُّهْرَ صَحَّ؛ لِأَنَّهُ فَرْضُ وَقْتِهِ وَلَمْ يُنْسَخْ بِالْجُمُعَةِ كَمَا فِي حَقِّ الْمَعْذُورِ؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي كَوْنِ الظُّهْرِ مَشْرُوعَ الْوَقْتِ فِي حَقِّهِمَا وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي وُجُوبِ الْفِعْلِ وَعَدَمِهِ وَعَدَمُ الْوُجُوبِ لَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ كَالْمُسَافِرِ إذَا صَامَ الشَّهْرَ صَحَّ كَالْمُقِيمِ وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا فِي أَنَّ الشَّهْرَ سَبَبُ شَرْعِ هَذَا الصَّوْمِ فِي حَقِّهِمَا إلَّا أَنَّ الصَّحِيحَ الْمُقِيمُ يَأْثَمُ بِتَرْكِ الْجُمُعَةِ بِأَدَاءِ الظُّهْرِ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ النَّهْيُ لِمَعْنًى فِي غَيْرِ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْفِعْلِ لَمْ يُوجِبْ فَسَادَ الْفِعْلِ.
وَأَمَّا الْمُسَافِرُ إذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ بَعْدَ الظُّهْرِ فَقَدْ انْتَقَضَ ظُهْرُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يُسَاوِي الْمُقِيمَ فِي شَرْعِيَّةِ الْجُمُعَةِ فِي حَقِّهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا وَإِنَّمَا يُفَارِقُهُ فِي أَنْ ثَبَتَ لَهُ رُخْصَةُ التَّرْكِ وَهَذِهِ رُخْصَةٌ حَقِيقِيَّةٌ؛ لِأَنَّهَا رُخْصَةُ تَرْفِيهٍ بِالْإِجْمَاعِ وَهِيَ مُحَقِّقَةٌ لِلْعَزِيمَةِ لَا نَافِيَةٌ لَهَا فَإِذَا قُدِّمَ عَلَى الْعَزِيمَةِ صَارَ مُعْرِضًا عَنْ الرُّخْصَةِ الَّتِي هِيَ حَقُّهُ فَالْتَحَقَ بِالْمُقِيمِ وَالْمُقِيمُ يَفْسُدُ ظُهْرُهُ بِجُمُعَتِهِ كَذَا هَذَا كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَغَيْرِهِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ لَا أَدْرِي مَا أَصْلُ فَرْضِ الْوَقْتِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَلَكِنْ يَسْقُطُ الْفَرْضُ عَنْهُ بِأَدَاءِ الظُّهْرِ أَوْ الْجُمُعَةِ، يُرِيدُ بِهِ أَنَّ أَصْلَ الْفَرْضِ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ وَيَتَعَيَّنُ بِفِعْلِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ قَوْلُهُ.
(وَثَبَتَ أَنَّ قَضِيَّةَ الْأَمْرِ) يَعْنِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] .
أَدَاءُ الظُّهْرِ بِالْجُمُعَةِ أَيْ إقَامَتُهَا مَقَامَ الظُّهْرِ بِالْفِعْلِ وَإِسْقَاطُهُ عَنْ الذِّمَّةِ بِأَدَائِهَا، فَصَارَ ذَلِكَ أَيْ الْأَمْرُ بِالْجُمُعَةِ مُقَرِّرًا لِلظُّهْرِ لَا نَاسِخًا لَهُ بِمَنْزِلَةِ فِدَاءِ إسْمَاعِيلَ ﵇ بِالْكَبْشِ حَيْثُ وَقَعَ الذَّبْحُ عَنْ إسْمَاعِيلَ وَلِهَذَا سُمِّيَ ذَبِيحًا، وَأَمَرَ بِنَقْضِهِ أَيْ الظُّهْرِ بِالْجُمُعَةِ بَعْدَمَا أُدِّيَ كَمَا أَمَرَ بِإِسْقَاطِهِ بِالْجُمُعَةِ قَبْلَ الْأَدَاءِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] يَتَنَاوَلُ مَنْ صَلَّى الظُّهْرَ وَمَنْ لَمْ يُصَلِّهِ وَلِأَنَّهُ وَقَعَ مَكْرُوهًا وَسَبِيلُهُ النَّقْضُ بِالْإِعَادَةِ وَلَا يُقَالُ فِي الْأَمْرِ بِالنَّقْضِ إبْطَالُ الْعَمَلِ وَهُوَ حَرَامٌ مَنْهِيٌّ فَلَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّقْضَ لِلْإِكْمَالِ جَائِزٌ وَلِأَنَّهُ إبْطَالٌ ضِمْنِيٌّ فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ.
(وَإِنَّمَا وُضِعَ عَنْ الْمَعْذُورِ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ إنَّ الْمَعْذُورَ رُخِّصَ لَهُ تَرْكُ الْجُمُعَةِ فَإِذَا تَرَخَّصَ وَأَدَّى الظُّهْرَ فِي بَيْتِهِ اسْتَوْفَى مُوجِبَ الرُّخْصَةِ فَلَا يَكُونُ أَدَاءُ الْجُمُعَةِ مِنْهُ نَقْضًا لِمَا صَنَعَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ تَبْدِيلُ الرُّخْصَةِ بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّيْخُ فِي قَوْلِهِ وَلَمْ يُنْتَقَضْ بِالْجُمُعَةِ مِنْ بَعْدُ، فَقَالَ الْعَمَلُ بِالرُّخْصَةِ لَا يُوجِبُ إبْطَالَ الْعَزِيمَةِ إذَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ أَمْكَنَ هَهُنَا لِبَقَاءِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ أَدَاءِ الظُّهْرِ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ جُمُعَتُهُ بَعْدَمَا حَضَرَ وَأَدَّى الْجُمُعَةَ لَكَانَ عَائِدًا عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ؛ لِأَنَّ السُّقُوطَ كَانَ لِدَفْعِ الْحَرَجِ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ كَانَ فِيهِ إثْبَاتُ حَرَجٍ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّ غَيْرِ الْمَعْذُورِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ قَوْلُهُ.
(يَخْتَصُّ بِالْأَدَاءِ دُونَ الْقَضَاءِ) حَتَّى إذَا قَدَرَ فِي الْوَقْتِ عَلَى الْأَدَاءِ ثُمَّ زَالَتْ الْقُدْرَةُ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ كَانَ الْقَضَاءُ وَاجِبًا عَلَيْهِ، حُكْمًا لِتَقْصِيرِهِ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِإِسْقَاطِ الْوَاجِبِ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ وَهِيَ لَا تَصْلُحُ سَبَبًا لِلتَّخْفِيفِ، فَلَمْ يُشْرَطْ الْبَقَاءُ الْوَاجِبُ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الشَّيْءِ غَيْرُ وُجُودِهِ وَلِهَذَا صَحَّ إثْبَاتُ الْوُجُودِ
стр. 199
وَلِهَذَا قُلْنَا لَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَلِهَذَا قُلْنَا إذَا مَلَكَ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ فَلَمْ يَحُجَّ حَتَّى هَلَكَ الْمَالُ لَمْ يَبْطُلْ عَنْهُ الْحَجُّ وَكَذَلِكَ صَدَقَةُ الْفِطْرِ لَا تَسْقُطُ بِهَلَاكِ الْمَالِ لِمَا ذَكَرْنَا
ــ
[كشف الأسرار]
وَنَفْيُ الْبَقَاءِ بِأَنْ يُقَالَ وُجِدَ وَلَمْ يَبْقَ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ شَرْطُ الْوُجُودِ شَرْطَ الْبَقَاءِ؛ لِأَنَّ مَا هُوَ شَرْطُ الشَّيْءِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِغَيْرِهِ كَالشُّهُودِ فِي بَابِ النِّكَاحِ شَرْطٌ لِلِانْعِقَادِ لَا لِلْبَقَاءِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ تَكْلِيفُ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ؛ لِأَنَّهُ بَقَاءُ التَّكْلِيفِ الْأَوَّلِ الَّذِي وُجِدَ شَرْطُهُ لَا أَنَّهُ تَكْلِيفٌ ابْتِدَائِيٌّ فَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْقُدْرَةُ.
، وَهَذَا إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ بِالنَّصِّ الَّذِي وَجَبَ بِهِ الْأَدَاءُ فَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ بِنَصٍّ مَقْصُودٍ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يَشْتَرِطَ الْقُدْرَةَ فِي الْقَضَاءِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ تَكْلِيفٌ آخَرُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْقُدْرَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ أَنَّ فِي النَّفَسِ الْأَخِيرِ مِنْ الْعُمُرِ يَلْزَمُهُ تَدَارُكُ مَا فَاتَهُ مِنْ الصَّلَوَاتِ وَالصِّيَامَاتِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهَا وَتَيَقَّنَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِقَادِرٍ عَلَى تَدَارُكِهَا وَلِهَذَا تَبْقَى عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَلَيْسَ ذَلِكَ كَالْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ الْوَقْتِ فِي حَقِّ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّا اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي خَلْفِهِ وَلَا خَلَفَ لِلْقَضَاءِ فَلَمْ يُعْتَبَرْ وَقَدْ بَقِيَتْ الْفَوَائِتُ عَلَيْهِ فَعُلِمَ أَنَّ الْقُدْرَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْأَدَاءِ.
وَلَا يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مَا إذَا فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ فِي الصِّحَّةِ فَقَضَاهَا فِي حَالَةِ الْمَرَضِ قَاعِدًا أَوْ مُضْطَجِعًا أَوْ مُومِيًا حَيْثُ يَخْرُجُ عَنْ الْعُهْدَةِ وَلَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ الْقُدْرَةَ فِي الْقَضَاءِ لِمَا خَرَجَ عَنْ الْعُهْدَةِ؛ لِأَنَّ الْقِيَامَ وَالرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ كَانَتْ وَاجِبَةً وَلَمْ يَأْتِ بِهَا؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُ قَضَاهَا كَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي الْأَدَاءِ أَصْلُ الْقُدْرَةِ الَّتِي تُمَكِّنُهُ مِنْ الْأَدَاءِ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا لَا قُدْرَةً مُكَيِّفَةً فَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ اسْتِطَاعَتَهُ عَلَى الْقِيَامِ مَا كَانَتْ شَرْطًا فِي الِابْتِدَاءِ بَلْ شَرَطْنَا ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قَادِرًا عَلَى الْقِيَامِ لَا أَنْ يَكُونَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْقِيَامِ مَشْرُوطَةً فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَرِيضًا فِي الْوَقْتِ يَلْزَمُهُ الصَّلَاةُ عَلَى مَا يَسْتَطِيعُهُ فَعُلِمَ أَنَّ الشَّرْطَ هُوَ مُطْلَقُ الْقُدْرَةِ لَا الْقُدْرَةُ الْمُكَيِّفَةُ فَيَكُونُ اشْتِرَاطُ الْقِيَامِ وَالرُّكُوعِ وَغَيْرِهِمَا أَمْرًا عَارِضًا زَائِدًا، كَذَا رَأَيْت فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ وَلَمْ يَتَّضِحْ لِي هَذَا الْجَوَابُ وَقَوْلُهُ.
(وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِعَدَمِ اشْتِرَاطِهَا لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ قُلْنَا لَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ وَإِنْ كَانَ عَجْزًا كُلِّيًّا فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ فَيَبْقَى تَحْتَ عُهْدَتِهِ مُؤَاخَذًا بِهِ فَثَبَتَ أَنَّ دَوَامَ الْقُدْرَةِ لَيْسَ بِشَرْطٍ لِلْبَقَاءِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ أَثَرُ عَدَمِ السُّقُوطِ فِي حَقِّ الْإِثْمِ دُونَ وُجُوبِ الْفِعْلِ فَإِنَّ الْفِعْلَ سَاقِطٌ عَنْ الْمَيِّتِ بِالْإِجْمَاعِ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ بَقَاءِ الْقُدْرَةِ لِبَقَائِهِ فَإِنَّ مَا ثَبَتَ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ لَا يَسْقُطُ بِالْمَوْتِ فِي حَقِّ الْإِثْمِ أَيْضًا فَإِنَّهُ إذَا فَرَّطَ فِي أَدَاءِ الزَّكَاةِ بَعْدَ التَّمَكُّنِ حَتَّى هَلَكَ الْمَالُ يَبْقَى الْوَاجِبُ فِي حَقِّ الْإِثْمِ حَتَّى جَازَ أَنْ يُؤَاخَذَ بِهِ فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ سَقَطَ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَلَا يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِدْلَال.
، وَالْحَاصِلُ أَنَّ بَقَاءَ الْوُجُوبِ يَسْتَغْنِي عَنْ الْقُدْرَةِ عِنْدَ الشَّيْخِ وَإِنْ كَانَ لَا يَثْبُتُ ابْتِدَاءً بِدُونِ الْقُدْرَةِ وَيَظْهَرُ ثَمَرَتُهُ فِيمَا إذَا مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقْدِرَ ثَانِيًا أَثِمَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَوْتِ بِتَأْخِيرِهِ مُخْتَارًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْقُدْرَةُ قَائِمَةً عِنْدَ الْإِيجَابِ وَلَمْ يَقْدِرْ حَتَّى مَاتَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ لِعَدَمِ شَرْطِ الْوُجُوبِ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْحَجِّ مَثَلًا بِمِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ حَالَ أَمْنِ الطَّرِيقِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ فَإِنْ لَمْ يَحُجَّ وَلَمْ يَقْدِرْ بَعْدُ حَتَّى مَاتَ يُؤَاخَذُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلَيْهِ أَصْلًا لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ حَالَةَ الْبَقَاءِ مَطْلُوبًا مِنْهُ فَأَمَّا إذَا كَانَ مَطْلُوبًا مِنْهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْفِعْلِ بِدُونِ الْقُدْرَةِ لَا يَجُوزُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ اشْتِرَاطُ الْقُدْرَةِ حَالَةَ الْفِعْلِ فَيَجِبُ الْفِعْلُ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ فِي
стр. 200
وَأَمَّا الْكَامِلُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ فَالْقُدْرَةُ الْمُيَسَّرَةُ وَهَذِهِ زَائِدَةٌ عَلَى الْأُولَى بِدَرَجَةِ كَرَامَةٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَفَرْقُ مَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْأُولَى لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ فَلَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا الْوَاجِبُ فَبَقِيَ شَرْطًا مَحْضًا فَلَمْ يُشْتَرَطْ دَوَامُهَا لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ
ــ
[كشف الأسرار]
تِلْكَ الْحَالَةِ فَإِنَّهُ إذَا وَجَبَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ قَائِمًا يَقْضِيهَا فِي حَالَةِ الْمَرَضِ مُضْطَجِعًا وَيَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْعُهْدَةِ وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ مُضْطَجِعًا يَقْضِيهَا فِي حَالَةِ الصِّحَّةِ قَائِمًا لَا مُضْطَجِعًا فَلَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ الْقُدْرَةُ حَالَةَ الْبَقَاءِ وَلَمْ يَكُنْ حَالَ الْبَقَاءِ مَنْظُورًا إلَيْهَا فِي ذَلِكَ لَكَانَ الْجَوَابُ عَلَى الْعَكْسِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ.
، وَبَعْضُ الْحُذَّاقِ مِنْ تَلَامِذَةِ شَيْخِنَا كَانَ يَقُولُ لَا فَرْقَ فِي اشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ بَيْنَ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ إذَا كَانَ مَطْلُوبًا بِنَفْسِهِ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقُدْرَةُ الَّتِي هِيَ سَلَامَةُ الْآلَاتِ حَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ مَطْلُوبًا لِغَيْرِهِ يُشْتَرَطُ فِيهِ نَفْسُ التَّوَهُّمِ لَا غَيْرُ عَلَى مَا مَرَّ فَكَذَا الْقَضَاءُ إذَا كَانَ الْفِعْلُ مِنْهُ مَقْصُودًا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقُدْرَةُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْفِعْلُ فِيهِ مَقْصُودًا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّوَهُّمُ أَيْضًا فَفِي النَّفَسِ الْأَخِيرِ إنَّمَا يَبْقَى عَلَيْهِ وُجُوبُ قَضَاءِ الصَّلَوَاتِ الْمُتَكَثِّرَةِ وَالصِّيَامَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ بِنَاءً عَلَى تَوَهُّمِ الِامْتِدَادِ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْمُؤَاخَذَةِ كَمَا إنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ يَثْبُتُ فِي الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ الْوَقْتِ بِنَاءً عَلَى التَّوَهُّمِ لِيَظْهَرَ أَثَرُهُ فِي الْقَضَاءِ وَكَانَ يُخْرِجُ الْفُرُوعَ وَيَقُولَ إنَّمَا يَبْقَى الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ فِي الذِّمَّةِ بَعْدَ فَوَاتِ الْقُدْرَةِ لِتَوَهُّمِ حُدُوثِ الْقُدْرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ لَمْ تُشْتَرَطْ لِلْبَقَاءِ.
وَكَذَلِكَ مَا ثَبَتَ بِقُدْرَةٍ مُيَسَّرَةٍ يَبْقَى بَعْدَ فَوَاتِ الْقُدْرَةِ كَالْكَفَّارَةِ بِالْمَالِ تَبْقَى بَعْدَ فَوَاتِ الْمَالِ بِنَاءً عَلَى تَوَهُّمِ حُدُوثِ الْقُدْرَةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ مَلَكَ بَعْدَ فَوَاتِ الْمَالِ وَانْتِقَالِ الْحُكْمِ إلَى الصَّوْمِ مَا يُؤَدِّي بِهِ الْكَفَّارَةَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ بِالْمَالِ وَلَوْ كَانَ بَقَاءُ الْقُدْرَةِ شَرْطًا لِبَقَائِهِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجِبَ الْكَفَّارَةُ بِالْمَالِ بَعْدَ سُقُوطِهَا بِفَوَاتِ الْمَالِ كَمَا لَوْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ ثُمَّ مَلَكَ الْمَالَ وَإِنَّمَا يَسْقُطُ الزَّكَاةُ بِهَلَاكِ الْمَالِ لِتَعَيُّنِ الْمَحِلِّ حَتَّى لَوْ سُرِقَ مَالُ الزَّكَاةِ أَوْ صَارَ ضِمَارًا سَقَطَ عَنْهُ الزَّكَاةُ لِفَوَاتِ الْقُدْرَةِ وَلَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ سِنِينَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةُ السِّنِينَ الْمَاضِيَةِ وَلَكِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ الزَّكَاةِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ وَكَذَا الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُتَعَلِّقٌ بِنَمَاءٍ مُتَعَيِّنٍ فَبِهَلَاكِهِ لَمْ يَبْقَ التَّوَهُّمُ وَكَانَ يَقُولُ لَا أَجِدُ فَرْقًا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي أَنَّهُ تُعْتَبَرُ الْقُدْرَةُ عِنْدَ الْفِعْلِ وَيَكْفِي قَبْلَهُ التَّوَهُّمُ.
وَيَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ فِي الْقَضَاءِ مَا مَرَّ فِي بَابِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ أَنَّ الْأَدَاءَ إنَّمَا يَفُوتُ مَضْمُونًا إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى الْمِثْلِ حَتَّى لَوْ عَجَزَ عَنْ الْمِثْلِ سَقَطَ كَمَا فِي سُقُوطِ فَضْلِ الْوَقْتِ وَغَصْبِ الْمَنَافِعِ وَإِتْلَافِ مِلْكِ النِّكَاحِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْقُدْرَةُ شَرْطًا فِي الْقَضَاءِ لَمَا سَقَطَ بِالْعَجْزِ إلَّا أَنَّ مَا وَجَبَ بِالْقُدْرَةِ الْمُمَكِّنَةِ يَبْقَى بَعْدَ فَوَاتِ تِلْكَ الْقُدْرَةِ لِتَوَهُّمِ الْقُدْرَةِ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنْ تَحَقَّقَ التَّوَهُّمُ وَجَبَ الْفِعْلُ وَإِلَّا ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي الْمُؤَاخَذَةِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ.
وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ فِي مَسْأَلَةِ التَّفْرِيطِ أَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْمَشْرُوطَةَ لِابْتِدَاءِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ يُشْتَرَطُ لِبَقَاءِ وُجُودِ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهَا شَرْطُ الْأَدَاءِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَا كَلَّفَ أَدَاءَ مَا لَيْسَ فِي الْقُدْرَةِ وَأَسْقَطَ بِالْحَرَجِ كَثِيرًا مِنْ حُقُوقِهِ وَالْأَدَاءُ حَقِيقَتُهُ وَقْتَ الْفِعْلِ فَيُشْتَرَطُ قِيَامُ تِلْكَ الْقُدْرَةِ الْمَشْرُوطَةِ لِلْأَدَاءِ وَقْتَ الْفِعْلِ أَيْضًا، أَلَا تَرَى أَنَّا نَشْتَرِطُ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّوَضُّؤِ بِالْمَاءِ حِينَ الْمُبَاشَرَةِ وَقِيَامَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَدَاءِ الصَّلَاةِ قَائِمًا حِينَ الْأَدَاءِ لَا حِينَ الْوُجُوبِ
[الْقُدْرَةُ الْمُيَسَّرَةُ وَالْمُمَكَّنَة]
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْكَامِلُ مِنْ هَذَا الْقِسْمِ) أَيْ مِنْ الشَّرْطِ الَّذِي بَيَّنَّا أَنَّ الْوَاجِبَ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ وَيَزْدَادُ حُسْنًا بِاشْتِرَاطِهِ الْقُدْرَةَ الْمُيَسِّرَةَ، وَهَذِهِ زَائِدَةٌ عَلَى الْأُولَى وَهِيَ الْمُمَكِّنَةُ بِدَرَجَةٍ؛ لِأَنَّ بِهَا يَثْبُتُ الْإِمْكَانُ ثُمَّ الْيُسْرُ، وَإِنَّمَا شُرِطَتْ هَذِهِ الْقُدْرَةُ فِي أَكْثَرِ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْبَدَنِيَّةِ؛ لِأَنَّ أَدَاءَهَا أَشَقُّ عَلَى النَّفْسِ مِنْ الْعِبَادَاتِ
стр. 201
وَهَذِهِ لَمَّا كَانَتْ مُيَسَّرَةً غَيَّرَتْ صِفَةَ الْوَاجِبِ فَجَعَلَتْهُ سَمْحًا سَهْلًا لَيِّنًا فَيُشْتَرَطُ بَقَاءُ هَذِهِ الْقُدْرَةِ لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ لَا لِمَعْنَى أَنَّهَا شَرْطٌ لَكِنْ لِمَعْنَى تَبَدُّلِ صِفَةِ الْوَاجِبِ بِهَا فَإِذَا انْقَطَعَتْ هَذِهِ الْقُدْرَةُ بَطَلَ ذَلِكَ الْوَصْفُ فَيَبْطُلُ الْحَقُّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ بِدُونِ ذَلِكَ الْوَصْفِ وَلِهَذَا قُلْنَا الزَّكَاةُ تَسْقُطُ بِهَلَاكِ النِّصَابِ
ــ
[كشف الأسرار]
الْبَدَنِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ شَقِيقُ الرُّوحِ مَحْبُوبُ النَّفْسِ فِي حَقِّ الْعَامَّةِ وَالْمُفَارَقَةُ عَنْ الْمَحْبُوبِ بِالِاخْتِيَارِ أَمْرٌ شَاقٌّ إلَيْهِ أَشَارَ أَبُو الْيُسْرِ، وَفَرْقُ مَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ أَيْ الْقُدْرَتَيْنِ أَنَّ الْأُولَى لَمَّا شُرِطَتْ لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ لَمْ يَتَغَيَّرْ بِهَا صِفَةُ الْوَاجِبِ إذْ لَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِدُونِهَا فَكَانَتْ شَرْطًا مَحْضًا لَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْعِلَّةِ بِوَجْهٍ وَالشَّرْطُ الْمَحْضُ لَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهُ لِبَقَاءِ الْمَشْرُوطِ كَالطَّهَارَةِ شَرْطٌ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ وَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهَا لِبَقَاءِ الْجَوَازِ وَكَالشُّهُودِ فِي بَابِ النِّكَاحِ كَمَا ذَكَرْنَا، وَهَذِهِ أَيْ الْقُدْرَةُ الْمُيَسِّرَةُ، غَيَّرَتْ صِفَةَ الْوَاجِبِ صِفَةً لِمَوْصُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ مُيَسِّرَةٌ.
وَقَوْلُهُ شَرْطٌ جَوَابٌ لِمَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَشَرْطٌ بِالْفَاءِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ غَيَّرَتْ جَوَابٌ لِمَا، وَقَوْلُهُ فَجَعَلَتْهُ تَفْسِيرًا لِلتَّغْيِيرِ، وَقَوْلُهُ سَمْحًا سَهْلًا لَيِّنًا أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ وَهَذِهِ الْقُدْرَةُ لَمَّا كَانَتْ قُدْرَةً مُيَسِّرَةً مُغَيِّرَةً صِفَةَ الْوَاجِبِ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِمْكَانِ إلَى صِفَةِ السُّهُولَةِ شُرِطَ بَقَاؤُهَا لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ.
، وَلَيْسَ مَعْنَى التَّغْيِيرِ أَنَّهُ كَانَ وَاجِبًا أَوَّلًا بِقُدْرَةٍ مُمْكِنَةٍ بِصِفَةِ الْعُسْرِ ثُمَّ تُغَيَّرُ بِاشْتِرَاطِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ إلَى وَصْفِ الْيُسْرِ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا بِقُدْرَةٍ مُمَكِّنَةٍ لَكَانَ جَائِزًا فَلَمَّا تَوَقَّفَ الْوُجُوبُ عَلَى هَذِهِ الْقُدْرَةِ دُونَ الْمُمَكِّنَةِ صَارَ كَأَنَّ الْوَاجِبَ تَغَيَّرَ مِنْ الْعُسْرِ إلَى الْيُسْرِ بِوَاسِطَتِهَا فَكَانَتْ مُغَيِّرَةً وَصَارَتْ شَرْطًا فِي مَعْنَى الْعِلَّةِ فَيُشْتَرَطُ دَوَامُهَا بِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْعِلَّةِ لَا بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا شَرْطٌ، وَلَا يُقَالُ بَقَاءُ الْحُكْمِ يَسْتَغْنِي عَنْ بَقَاءِ الْعِلَّةِ أَيْضًا كَاسْتِغْنَاءِ الْمَشْرُوطِ عَنْ بَقَاءِ الشَّرْطِ فَيَجِبُ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ دَوَامُهَا أَيْضًا؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ إذَا أَمْكَنَ الْبَقَاءُ بِدُونِ الْعِلَّةِ كَالرَّمْلِ فِي الْحَجِّ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فَبَقَاءُ الْعِلَّةِ شَرْطٌ وَهَهُنَا مِمَّا لَا يُمْكِنُ؛ لِأَنَّ الْيُسْرَ لَا يَبْقَى بِدُونِهَا وَالْوَاجِبُ لَا يَبْقَى بِدُونِ هَذَا الْوَصْفِ، لِمَعْنَى تَبَدُّلِ صِفَةِ الْوَاجِبِ أَيْ مِنْ الْعُسْرِ إلَى الْيُسْرِ، ذَلِكَ الْوَصْفُ أَيْ الْيُسْرُ، فَيَبْطُلُ الْحَقُّ أَيْ الْوَاجِبُ؛ لِأَنَّهُ مَتَى وَجَبَ بِصِفَةٍ لَا تَبْقَى إلَّا بِتِلْكَ الصِّفَةِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِاشْتِرَاطِ بَقَاءِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهَا قُلْنَا الزَّكَاةُ تَسْقُطُ بِهَلَاكِ الْمَالِ عِنْدَنَا وَكَذَا الْعُشْرُ وَالْخَرَاجُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ وُجُوبَهُ أَيْ وُجُوبَ هَذَا الْوَاجِبِ بِقُدْرَةٍ مُيَسِّرَةٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ الْأَدَاءِ وَلَمْ يُؤَدِّ ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ بِالتَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ ثُمَّ بِهَلَاكِ الْمَالِ عَجَزَ عَنْ الْأَدَاءِ لِعَدَمِ مَا يُؤَدِّي بِهِ وَمَنْ تَقَرَّرَ عَلَيْهِ الْوُجُوبُ لَمْ يَبْرَأْ بِالْعَجْزِ عَنْ الْأَدَاءِ فَبَقِيَ عَلَيْهِ إلَى الْآخِرَةِ كَمَا فِي دُيُونِ الْعِبَادِ وَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالْحَجِّ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ جُزْءٌ مِنْ النِّصَابِ فَلَمَّا لَمْ يُؤَدِّ حَتَّى ذَهَبَ الْمَالُ بَعْدَ تَمَكُّنِهِ مِنْهُ صَارَ مُفَوِّتًا لِلْحَقِّ عَنْ مَحِلِّهِ فَيَضْمَنُ كَمَنْ لَمْ يُصَلِّ حَتَّى ذَهَبَ الْوَقْتُ، وَلَنَا أَنَّ الْحَقَّ الْمُسْتَحَقَّ إذَا وَجَبَ بِوَصْفٍ لَا يَبْقَى إلَّا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَاقِيَ عَيْنُ الْوَاجِبِ ابْتِدَاءً لَا غَيْرُهُ كَالْمِلْكِ إذَا ثَبَتَ مَبِيعًا يَبْقَى كَذَلِكَ وَإِنْ ثَبَتَ هِبَةً تَبْقَى كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ مَا فِي الذِّمَّةِ مِنْ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ مَالٍ وَهَذَا الْوَاجِبُ وَجَبَ بَعْدَ نَمَاءِ الْمَالِ حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ هَلَاكِ ذَلِكَ الْمَالِ الَّذِي هُوَ نَمَاءٌ لَا تُقْلَبُ غَرَامَةً يَأْتِي عَلَى أَصْلِ مَالِهِ.
(فَإِنْ قِيلَ) الْبَاقِي عِنْدِي غَيْرُ الْوَاجِبِ ابْتِدَاءً بَلْ هُوَ مِثْلُهُ ضَمِنَهُ بِالتَّفْوِيتِ عَنْ وَقْتِهِ وَهُوَ أَوَّلُ أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ كَتَفْوِيتِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ عَنْ الْوَقْتِ أَوْ بِالْمَنْعِ عَنْ الْفَقِيرِ بَعْدَ تَعَيُّنِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ مَحِلًّا لِلصَّرْفِ إلَى الْفَقِيرِ كَمَنْعِ الرَّهْنِ عَنْ الْمُرْتَهِن.
(قُلْنَا) الزَّكَاةُ لَيْسَتْ بِمُوَقَّتَةٍ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَفْوِيتُهَا عَنْ الْوَقْتِ وَكَذَا الْمَنْعُ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ إلَّا بِتَحَقُّقِ يَدِ الْغَاصِبِ عَلَى الْمَالِ
стр. 202
لِأَنَّ الشَّرْعَ عَلَّقَ الْوُجُوبَ بِقُدْرَةٍ مُيَسَّرَةٍ أَلَا تَرَى أَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى الْأَدَاءِ تَحْصُلُ بِمَالٍ مُطْلَقٍ ثُمَّ شُرِطَ النَّمَاءُ فِي الْمَالِ لِيَكُونَ الْمُؤَدَّى جُزْءًا مِنْهُ فَيَكُونَ فِي غَايَةِ التَّيْسِيرِ فَلَوْ قُلْنَا بِبَقَاءِ الْوَاجِبِ بِدُونِ النِّصَابِ لَانْقَلَبَ غَرَامَةً مَحْضَةً فَيَتَبَدَّلُ الْوَاجِبُ فَلِذَلِكَ سَقَطَ بِهَلَاكِ الْمَالِ وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ النِّصَابَ شَرْطٌ لِابْتِدَاءِ الْوُجُوبِ وَلَا يُشْتَرَطُ لِبَقَائِهِ فَإِنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ الْبَاقِي يَبْقَى بِقِسْطِهِ؛ لِأَنَّ شَرْطَ النِّصَابِ لَا يُغَيِّرُ صِفَةَ الْوَاجِبِ أَلَا تَرَى أَنَّ تَيْسِيرَ أَدَاءِ الْخَمْسَةِ مِنْ الْمِائَتَيْنِ وَتَيْسِيرَ أَدَاءِ الدِّرْهَمِ مِنْ الْأَرْبَعِينَ سَوَاءٌ لَا يَخْتَلِفُ؛ لِأَنَّهُ رُبُعُ عُشْرٍ بِكُلِّ حَالٍ
ــ
[كشف الأسرار]
بِأَنْ أَبْطَلَ عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ حَقَّهُ مِنْ مِلْكٍ كَمَا فِي مَنْعِ الْوَدِيعَةِ عَنْ الْمَالِكِ أَوْ يَدٍ مُتَقَوِّمَةٍ كَمَا فِي مَنْعِ الرَّهْنِ عَنْ الْمُرْتَهِنِ وَلَا تَصَوُّرَ لِيَدِ الْغَاصِبِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ عَلَى الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ صَاحِبِ الْمَالِ مِلْكًا وَيَدًا وَإِنَّمَا حَقُّ الْفَقِيرِ فِي أَنْ تَعَيَّنَ مَحِلًّا لِلصَّرْفِ إلَيْهِ وَبِالْمَنْعِ لَا تَبْطُلُ تِلْكَ الْمَحَلِّيَّةُ فَلَا يُوجِبُ الضَّمَانَ كَمَنْعِ الْمُشْتَرِي الدَّارَ عَنْ الشَّفِيعِ حَتَّى صَارَ بَحْرًا وَمَنْعِ الْمَوْلَى الْعَبْدَ الْمَدْيُونَ عَنْ الْبَيْعِ أَوْ الْعَبْدَ الْجَانِيَ عَنْ أَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارِ الْأَرْشِ حَتَّى هَلَكَ لَا يُوجِبُ الضَّمَانَ وَلَا عَلَى مَا فِي ذِمَّتِهِ مِنْ فِعْلِ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يُتَصَوَّرُ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ، وَلِأَنَّهُ بِالْمَنْعِ إنَّمَا يَضْمَنُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ وِلَايَةٍ وَلَهُ وِلَايَةُ الْمَنْعِ مَا دَامَ يَتَحَرَّى مَنْ هُوَ أَوْلَى كَالْإِمَامِ حَتَّى قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ مَشَايِخِنَا إذَا طَلَبَ السَّاعِي فَامْتَنَعَ مِنْ الْأَدَاءِ إلَيْهِ حَتَّى هَلَكَ الْمَالُ ضَمِنَ وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ؛ لِأَنَّ السَّاعِيَ مُتَعَيِّنٌ لِلْأَخْذِ فَيَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ عِنْدَ طَلَبِهِ فَبِالِامْتِنَاعِ يَصِيرُ مُفَوِّتًا.
وَمَشَايِخُنَا يَقُولُونَ لَا يَصِيرُ ضَامِنًا، وَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو سَهْلٍ الزَّجَّاجِيُّ وَأَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ وَهُوَ الْأَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ مَا فَوَّتَ بِهَذَا الْحَبْسِ عَلَى أَحَدٍ مِلْكًا وَلَا يَدًا وَلَهُ رَأْيٌ فِي اخْتِيَارِ مَحَلِّ الْأَدَاءِ إنْ شَاءَ مِنْ السَّائِمَةِ وَإِنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِهَا فَإِنَّمَا حَبَسَ السَّائِمَةَ لِيُؤَدِّيَ مِنْ مَحَلٍّ آخَرَ فَلَا يَضْمَنُ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَالْمَبْسُوطِ.
قَوْلُهُ (عَلَّقَ وُجُوبَهُ) أَيْ وُجُوبَ هَذَا الْجَوَابِ وَهُوَ الزَّكَاةُ بِقُدْرَةٍ مُيَسِّرَةٍ بِدَلِيلَيْنِ، أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُكْنَةَ الْأَصْلِيَّةَ تَحْصُلُ بِمِلْكِ الْخَمْسَةِ مَثَلًا وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُوجِبْهَا الشَّرْعُ إلَّا بَعْدَ مِلْكِ الْمِائَتَيْنِ لِيَكُونَ الْوَاجِبُ قَلِيلًا مِنْ كَثِيرٍ، وَالثَّانِي أَنَّ الْوُجُوبَ تَعَلَّقَ بِوَصْفِ النَّمَاءِ لِئَلَّا يُنْتَقَضَ بِهِ أَصْلُ الْمَالِ وَإِنَّمَا يُفَوَّتُ بِهِ بَعْضُ النَّمَاءِ غَيْرَ أَنَّ الشَّرْعَ أَقَامَ الْمُدَّةَ فِي النِّصَابِ الْمُعَدِّ لِلنُّمُوِّ مَقَامَ حَقِيقَتِهِ تَيْسِيرًا لِمَا فِي التَّعْلِيقِ بِحَقِيقَةِ النُّمُوِّ ضَرْبُ حَرَجٍ فَعَرَفْنَا أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِقُدْرَةٍ مُيَسِّرَةٍ، وَإِلَى الْوَجْهِ الثَّانِي أُشِيرَ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ، بِمَالٍ مُطْلَقٍ أَيْ عَنْ صِفَةِ النَّمَاءِ، فَيَتَبَدَّلُ الْوَاجِبُ أَيْ مِنْ الْيُسْرِ إلَى الْعُسْرِ فَكَانَ غَيْرَ الْأَوَّلِ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِسَبَبٍ آخَرَ كَصَلَاةِ الْمُقِيمِ لَا يَتَغَيَّرُ إلَى الرَّكْعَتَيْنِ إلَّا بِمُغَيِّرٍ وَهُوَ السَّفَرُ وَكَذَا عَلَى الْعَكْسِ.
١ -
قَوْلُهُ (وَلَا يَلْزَمُ) جَوَابُ السُّؤَالِ وَهُوَ أَنْ يُقَالَ: إنَّ اشْتِرَاطَ النِّصَابِ فِي الِابْتِدَاءِ لِلتَّيْسِيرِ كَاشْتِرَاطِ النَّمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُكْنَةَ الْأَصْلِيَّةَ تَثْبُتُ بِدُونِهِ كَمَا ذَكَرْنَا فَوَجَبَ أَنْ يُشْتَرَطَ بَقَاؤُهُ لِبَقَاءِ الْوُجُوبِ كَمَا شُرِطَ لِابْتِدَائِهِ وَلَوْ مَلَكَ بَعْضَ النِّصَابِ فِي الِابْتِدَاءِ لَا يَجِبُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الزَّكَاةِ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ لَا يَبْقَى بِبَقَاءِ الْبَعْضِ شَيْءٌ مِنْ الْوَاجِبِ وَقَدْ قُلْتُمْ بِخِلَافِهِ، فَقَالَ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْيُسْرَ فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ بَلْ الْيُسْرُ فِي إيجَابِ الْقَلِيلِ مِنْ الْكَثِيرِ وَذَلِكَ ثَابِتٌ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ فَإِنَّهُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إلَّا أَدَاءُ رُبُعِ عُشْرِ الْبَاقِي وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْيُسْرَ فِي الِابْتِدَاءِ كَانَ بِإِيجَابِ رُبُعِ الْعُشْرِ فِي كُلِّ جُزْءٍ مِنْ النِّصَابِ وَلَمْ يَكُنْ يَزْدَادُ يُسْرُ مَا تَعَلَّقَ بِجُزْءٍ بِانْضِمَامِ جُزْءٍ آخَرَ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ رُبُعُ الْعُشْرِ أَيْضًا كَمَا تَعَلَّقَ بِذَلِكَ الْجُزْءِ فَكَمَا لَمْ يَزْدَدْ الْيُسْرُ بِانْضِمَامِ جُزْءٍ آخَرَ إلَيْهِ لَا يُنْتَقَضُ أَيْضًا بِهَلَاكِهِ إلَّا أَنَّ كَمَالَ النِّصَابِ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ لِيَصِيرَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ فَإِنَّ أَهْلَ الْوُجُوبِ هُوَ الْغَنِيُّ وَالشَّرْعُ أَكَّدَ هَذَا الشَّرْطَ فِي بَابِ الزَّكَاةِ فَاعْتُبِرَ الْغَنَاءُ بِالْمَالِ الَّذِي جُعِلَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الزَّكَاةِ لَا بِمَالٍ آخَرَ وَلَا يَحْصُلُ الْغَنَاءُ بِهِ لَوْلَا مَالٌ آخَرُ إلَّا إذَا كَانَ نِصَابًا كَامِلًا فَيُشْتَرَطُ النِّصَابُ لِيَصِيرَ بِهِ غَنِيًّا أَهْلًا لِلْوُجُوبِ وَالْغَنَاءُ لَا يَثْبُتُ بِمُطْلَقِ الْمَالِ بَلْ يَثْبُتُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَذَلِكَ أَمْرٌ لَا يُضْبَطُ لِاخْتِلَافِهِ بِالْأَشْخَاصِ وَالْأَزْمَانِ
стр. 203
لَكِنَّ الْغَنَاءَ وَصْفٌ لَا بُدَّ مِنْهُ لِيَصِيرَ الْمَوْصُوفُ بِهِ أَهْلًا لِلْإِغْنَاءِ إذْ الْإِغْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْغِنَى لَا يَتَحَقَّقُ كَالتَّمْلِيكِ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ وَالْغِنَى بِكَثْرَةِ الْمَالِ وَلَيْسَ لِلْكَثْرَةِ حَدٌّ تُعْرَفُ بِهِ وَأَحْوَالُ النَّاسِ فِيهِ شَتَّى فَقَدَّرَ الشَّرْعُ بِحَدٍّ وَاحِدٍ فَصَارَ ذَلِكَ شَرْطًا لِلْوُجُوبِ لِمَا كَانَ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْأَهْلِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ وَشَرْطُ الْوُجُوبِ لَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهُ إذْ الْوُجُوبُ فِي وَاجِبٍ وَاحِدٍ لَا يَتَكَرَّرُ فَأَمَّا قِيَامُ الْمَالِ بِصِفَةِ النَّمَاءِ فَمُيَسِّرٌ لِلْأَدَاءِ فَتُغَيَّرُ بِهِ صِفَةُ الْوَاجِبِ فَشَرَطْنَا دَوَامَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
وَالْأَمَاكِنِ فَتَوَلَّى الشَّارِعُ تَقْدِيرَهُ بِذَاتِهِ فَكَانَ النِّصَابُ شَرْطًا لِثُبُوتِ الْأَهْلِيَّةِ لَا لِثُبُوتِ الْيُسْرِ بَلْ الْيُسْرُ فِيمَا دُونَ النِّصَابِ أَكْثَرُ مِنْهُ فِي النِّصَابِ؛ لِأَنَّ إيتَاءَ دِرْهَمٍ مِنْ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا أَيْسَرُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ مِنْ إيتَاءِ خَمْسَةٍ مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ كَمَا أَنَّ إيتَاءَ خَمْسَةٍ مِنْ الْمِائَتَيْنِ أَيْسَرُ مِنْ إيتَاءِ أَلْفِ دِرْهَمٍ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ شَرْطُ الْوُجُوبِ لَا شَرْطُ الْيُسْرِ لَمْ يُشْتَرَطْ بَقَاؤُهُ لِبَقَاءِ الْوُجُوبِ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ.
قَوْلُهُ (وَلَكِنَّ الْغَنَاءَ وَصْفٌ) جَوَابُ سُؤَالٍ آخَرَ يَرُدُّ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْيُسْرُ وَجَبَ أَنْ لَا يُشْتَرَطَ فِي الِابْتِدَاءِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ لَا يَجِبُ إلَّا بِقُدْرَةٍ مُيَسِّرَةٍ فَقَالَ الْغَنَاءُ وَصْفٌ لَا بُدَّ مِنْهُ إلَى آخِرِهِ.
قَوْلُهُ (إلَّا غَنَاءً مِنْ غَيْرِ الْغِنَى لَا يَتَحَقَّقُ) .
(فَإِنْ قِيلَ) الْإِغْنَاءُ الْوَاجِبُ تَمْلِيكُ مَا يَدْفَعُ حَاجَةَ الْفَقِيرِ دُونَ الْإِغْنَاءِ الشَّرْعِيِّ وَتَحَقُّقُهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مِلْكِ النِّصَابِ فَكَيْفَ يَصِحُّ قَوْلُهُ وَالْإِغْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْغِنَى لَا يَتَحَقَّقُ.
(قُلْنَا) الْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ صِفَةِ الْحُسْنِ عَنْ الْإِغْنَاءِ أَيْ الْإِغْنَاءُ بِصِفَةِ الْحُسْنِ مِنْ غَيْرِ الْغِنَى لَا يَتَحَقَّقُ فَلَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ شَرْعًا؛ لِأَنَّهَا وَجَبَتْ لِدَفْعِ حَاجَةِ الْفَقِيرِ لَا لِإِحْوَاجِ الْمُؤَدِّي، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فِي التَّقْوِيمِ وَلَمَّا شُرِعَتْ أَيْ صَدَقَةُ الْفِطْرِ لِلْأَغْنِيَاءِ عَنْ الْفَقِيرِ لَمْ يَكُنْ الْفَقِيرُ أَهْلًا لِوُجُوبِهَا فَتَصِيرُ مَشْرُوعَةً لِإِحْوَاجِهِ فَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ حُسْنَ الْإِغْنَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ مُتَعَلِّقٌ بِالْغَنَاءِ الشَّرْعِيِّ دُونَ أَصْلِهِ، وَنَصَّ عَلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ أَيْضًا فَقَالَ: وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْإِغْنَاءُ بِصِفَةِ الْحُسْنِ مِنْ الْغِنَى وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا عِنْدَ عَدَمِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حُسْنُهُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ شَرْعًا.
(فَإِنْ قِيلَ) حُسْنُ الْإِغْنَاءِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْغَنَاءِ الشَّرْعِيِّ أَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ أَقْوَامًا عَلَى الْإِيثَارِ مَعَ مِسَاسِ حَاجَتِهِمْ إلَى مَا آتَوْا بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]
(قُلْنَا) بِنَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَى الْأُمُورِ الْغَالِبَةِ وَالْغَالِبُ مِنْ حَالِ الْبَشَرِ عَدَمُ الصَّبْرِ عَلَى الشِّدَّةِ وَإِظْهَارُ الْجَذَعِ وَالضَّجَرِ عِنْدَ إصَابَةِ الْمَكْرُوهِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا﴾ [المعارج: ٢٠] ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾ [المعارج: ٢١] فَقُلْنَا لَمْ يَحْسُنْ الْإِغْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْغِنَى لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى الْأَمْرِ الْمَذْمُومِ، فَأَمَّا مَنْ اُخْتُصَّ بِتَوْفِيقٍ مِنْ رَبِّهِ وَأُوتِيَ قُوَّةً فِي دِينِهِ حَتَّى آثَرَ مُرَادَ غَيْرِهِ عَلَى مُرَادِهِ وَصَبَرَ عَلَى الشَّدَائِدِ وَالْمَكَارِهِ فَحُسْنُ الْإِغْنَاءِ مِنْهُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْغِنَى الشَّرْعِيِّ بَلْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْ الْإِغْنَاءِ الصَّادِرِ عَنْ الْغِنَى قَالَ ﵇ «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جَهْدُ الْمُقِلِّ» ، إلَّا أَنَّ هَذَا لَمَّا كَانَ نَادِرًا لَمْ يَصْلُحْ لِبِنَاءِ الْحُكْمِ فَبُنِيَ عَلَى الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ (لَمَّا كَانَ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الْأَهْلِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ) يَعْنِي لَمَّا ثَبَتَ أَنَّ اشْتِرَاطَ النِّصَابِ لِثُبُوتِ الْأَهْلِيَّةِ وَأَصْلُ الْأَهْلِيَّةِ ثَابِتٌ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ كَانَ هَذَا أَمْرًا زَائِدًا عَلَى تِلْكَ الْأَهْلِيَّةِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ حَتَّى صَارَتْ أَهْلِيَّةُ هَذِهِ الْعِبَادَةِ بِالْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَمِلْكِ النِّصَابِ كَمَا أَنَّ الْقُدْرَةَ الْمُمْكِنَةَ مِنْ الْفِعْلِ فِي الصَّلَاةِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْأَهْلِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ اشْتِرَاطُهُ لِلْوُجُوبِ لَا لِلتَّيْسِيرِ كَاشْتِرَاطِ الْأَهْلِيَّةِ الْأَصْلِيَّةِ وَاشْتِرَاطِ الْقُدْرَةِ فِي الصَّلَاةِ فَلَمْ يُشْتَرَطْ دَوَامُهُ إلَى آخِرِهِ، وَلَا يُقَالُ لَمَّا كَانَ النِّصَابُ شَرْطَ الْأَهْلِيَّةِ لَا شَرْطَ الْيُسْرِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْقُطَ الزَّكَاةُ بِهَلَاكِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ سُقُوطُ الزَّكَاةِ لِفَوَاتِ النَّمَاءِ الَّذِي تَعَلَّقَ الْيُسْرُ بِهِ لَا لِفَوَاتِ النِّصَابِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ إذَا هَلَكَ بَعْضُهُ يَبْقَى بِقِسْطِهِ الْبَاقِي وَلَوْ كَانَ النِّصَابُ شَرْطَ الْيُسْرِ لَسَقَطَتْ الزَّكَاةُ
стр. 204
وَهَذَا بِخِلَافِ اسْتِهْلَاكِ النِّصَابِ فَإِنَّهُ لَا يُسْقِطُ الْحَقَّ وَقَدْ صَارَ غُرْمًا؛ لِأَنَّ النِّصَابَ صَارَ فِي حَقِّ الْوَاجِبِ حَقًّا لِصَاحِبِ الْحَقِّ فَيَصِيرُ الْمُسْتَهْلِكُ مُتَعَدِّيًا عَلَى صَاحِبِ الْحَقِّ فَعُدَّ قَائِمًا فِي حَقِّ صَاحِبِ الْحَقِّ فَصَارَ الْوَاجِبُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ غَيْرَ مُتَبَدِّلٍ، وَلِهَذَا قُلْنَا: إنَّ الْمُوسِرَ إذَا حَنِثَ فِي الْيَمِينِ ثُمَّ أُعْسِرَ وَذَهَبَ مَالُهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الشَّرْعَ خَيَّرَهُ عِنْدَ قِيَامِ الْقُدْرَةِ بِالْمَالِ وَالتَّخْيِيرُ تَيْسِيرٌ
ــ
[كشف الأسرار]
بِفَوَاتِ جُزْءٍ مِنْ النِّصَابِ لِانْتِفَاءِ الْكُلِّ بِفَوَاتِ جُزْئِهِ.
قَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ هَلَاكُ النِّصَابِ يُخَالِفُ اسْتِهْلَاكَهُ بِأَنْ أَنْفَقَهُ رَبُّ الْمَالِ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ أَوْ أَتْلَفَهُ مَجَانَةً بِأَنْ أَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ مَثَلًا فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ الْحَقُّ وَإِنْ فَاتَ النَّمَاءُ وَالْمِلْكُ كَمَا فِي الْهَلَاكِ؛ لِأَنَّ النِّصَابَ صَارَ فِي حَقِّ الْوَاجِبِ حَقًّا لِصَاحِبِ الْحَقِّ وَهُوَ الْفَقِيرُ، بَيَانُهُ أَنَّ النِّصَابَ وَإِنْ كَانَ فِي مِلْكِ رَبِّ الْمَالِ وَفِي يَدِهِ حَتَّى جَازَ بَيْعُهُ وَسَائِرُ تَصَرُّفَاتِهِ فِيهِ عِنْدَنَا وَلَكِنَّهُ فِي حَقِّ الْوَاجِبِ صَارَ حَقًّا لِلْفَقِيرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ صَارَ رَصْدًا لِقَضَاءِ حَقِّهِ مِنْهُ إذْ الْوَاجِبُ جُزْءٌ مِنْ النِّصَابِ لَا مُطْلَقُ الْمَالِ فِي الذِّمَّةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ النِّصَابَ مِنْ الْفَقِيرِ لَا يَنْوِي الزَّكَاةَ أَجْزَأَهُ عَنْ الزَّكَاةِ، وَلَوْ وَهَبَ مَالًا آخَرَ لَهُ لَمْ يُجْزِهِ عَنْهَا، وَكَذَلِكَ لَوْ هَلَكَ الْمَالُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْأَدَاءِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ الْوَاجِبُ مَالًا مُطْلَقًا فِي الذِّمَّةِ لَكَانَ هَلَاكُ النِّصَابِ وَبَقَاؤُهُ سَوَاءً.
وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَيْنِ كَانَ الْمُسْتَهْلِكُ جَانِيًا عَلَى مَحَلِّ الْحَقِّ بِالْإِتْلَافِ فَيُجْعَلُ الْمَحِلُّ قَائِمًا زَجْرًا عَلَيْهِ وَنَظَرًا لِصَاحِبِ الْحَقِّ إذْ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ قَائِمًا أَدَّى إلَى فَوَاتِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ يَصْرِفُ مَالَ الزَّكَاةِ إلَى حَاجَتِهِ فَلَا يَصِلُ الْفَقِيرُ إلَى حَقِّهِ وَإِذَا جُعِلَ قَائِمًا تَقْدِيرًا يَبْقَى الْوَاجِبُ بِبَقَائِهِ كَمَا يَثْبُتُ ابْتِدَاءً بِالنَّمَاءِ تَقْدِيرًا، وَهَذَا كَالْمَوْلَى إذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ الْجَانِيَ أَوْ قَتَلَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ بِالْجِنَايَةِ يَضْمَنُ الْقِيمَةَ لِأَوْلِيَاءِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ جَنَى عَلَى حَقِّهِمْ بِإِتْلَافِ مَحِلِّهِ وَلَوْ فَرَّطَ فِي تَسْلِيمِ الْعَبْدِ حَتَّى هَلَكَ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِلضَّمَانِ فَكَذَا هَذَا، وَلِأَنَّهُ خُوطِبَ بِأَدَاءِ الْعَيْنِ إلَى الْفَقِيرِ فَإِذَا أَقْدَمَ عَلَى الِاسْتِهْلَاكِ فَقَدْ قَصَدَ إسْقَاطَ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَنْ نَفْسِهِ فَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَيَجْعَلُ الْعَيْنَ كَالْقَائِمِ رَدًّا لِقَصْدِهِ، فَإِذَا هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فَلَا صُنْعَ مِنْ جِهَتِهِ فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ الْوَاجِبُ، وَنَظِيرُهُ الصَّائِمُ إذَا سَافَرَ لَمْ يَحِلَّ لَهُ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِاخْتِيَارِهِ وَقَصْدِهِ وَلَوْ مَرِضَ أُبِيحَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ آفَةٌ سَمَاوِيَّةٌ فَكَذَلِكَ هَهُنَا، وَلِأَنَّ السَّعْيَ لَا يَأْخُذُ ذَلِكَ الْوَاجِبَ بَلْ يَأْخُذُ وَاجِبًا آخَرَ بِسَبَبِهِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ قَدْ تَحَقَّقَ وَهُوَ الِاسْتِهْلَاكُ وَسَبَبُ الْوُجُوبِ إذَا تَحَقَّقَ أَمْكَنَ تَحْقِيقُ الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّ الْقُدْرَةَ الْمُيَسِّرَةَ شَرْطٌ لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ نَظَرًا لِمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَالْمُفَوِّتُ لَهَا لَا يَسْتَحِقُّ النَّظَرَ كَذَا فِي الْأَسْرَارِ وَطَرِيقَةُ الْإِمَامِ الْبُرَغْرِيِّ وَغَيْرِهِمَا.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِاشْتِرَاطِ بَقَاءِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ الَّذِي تَعَلَّقَ بِهَا قُلْنَا كَذَا، وَالتَّخْيِيرُ تَيْسِيرٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا ثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ شَرْعًا تُرُفِّقَ بِمَا هُوَ الْأَيْسَرُ عَلَيْهِ كَالْمُسَافِرِ إذَا خُيِّرَ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُخَيَّرًا وَكَانَ الْوَاجِبُ شَيْئًا عَيْنًا بِدُونِ اخْتِيَارِهِ كَانَ أَشَقَّ عَلَيْهِ كَالْمُقِيمِ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ عَيْنًا، وَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ قَدْ خُيِّرَ فِيهَا بَيْنَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ وَبَيْنَ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ يُفِدْ التَّخْيِيرُ التَّيْسِيرَ حَتَّى قُلْتُمْ إنَّهَا وَاجِبَةٌ بِقُدْرَةٍ مُمَكِّنَةٍ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ لَيْسَ بِتَخْيِيرٍ مَعْنًى فَلَا يُفِيدُ التَّيْسِيرَ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ التَّخْيِيرِ قَدْ يَكُونُ تَأْكِيدًا لِوَاجِبٍ وَقَدْ يَكُونُ تَيْسِيرًا لِأَمْرٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ.
، فَنَظِيرُ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] ، أَيْ لَا بُدَّ أَنْ يَصْدُرَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مِنْكُمْ، وَقَوْلُك لِوَلَدِك حِينَ غَضِبْت عَلَيْهِ إمَّا أَنْ تَقْرَأَ اللَّيْلَةَ رُبُعَ الْقُرْآنِ أَوْ تَقْرَأَ الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ أَوْ تَكْتُبَ كَذَا جُزْءٍ مِنْ الْعِلْمِ ثُمَّ تَنَامَ وَإِلَّا لَأَنْتَقِمَنَّ مِنْك فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ تَأْكِيدُ مَا أَوْجَبْت عَلَيْهِ مِنْ السَّهَرِ فِي التَّعَبِ
стр. 205
وَلِأَنَّهُ نَقَلَ إلَى الصَّوْمِ لِقِيَامِ الْعَجْزِ عِنْدَ أَدَاءِ الصَّوْمِ مَعَ تَوَهُّمِ الْقُدْرَةِ فِيمَا يَسْتَقْبِلُ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ مَا يُعْتَبَرُ فِي عَدَمِ سَائِرِ الْأَفْعَالِ وَهُوَ الْعَدَمُ فِي الْعُمُرِ كُلِّهِ لَكِنَّهُ اعْتَبَرَ الْعَدَمَ الْحَالِيَّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: ٨٩] وَتَقْدِيرُ الْعَجْزِ بِالْعُمُرِ يُبْطِلُ أَدَاءَ الصَّوْمِ فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْعَجْزَ الْحَالِيَّ وَكَذَلِكَ فِي طَعَامِ الظِّهَارِ وَسَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فَثَبَتَ أَنَّ الْقُدْرَةَ مُيَسِّرَةٌ فَكَانَتْ مِنْ قَبِيلِ الزَّكَاةِ إلَّا أَنَّ الْمَالَ هَهُنَا غَيْرُ عَيْنٍ فَأَيُّ مَالٍ أَصَابَهُ مِنْ بَعْدُ دَامَتْ بِهِ الْقُدْرَةُ وَلِهَذَا سَاوَى الِاسْتِهْلَاكُ الْهَلَاكَ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَمَّا كَانَ مُطْلَقًا عَنْ الْوَقْتِ وَلَمْ يَكُنْ مُتَعَيِّنًا لَمْ يَكُنْ الِاسْتِهْلَاكُ تَعَدِّيًا
ــ
[كشف الأسرار]
لَا التَّيْسِيرِ عَلَيْهِ وَمَعْنَاهُ لَا بُدَّ لَك مِنْ أَنْ تَفْعَلَ أَحَدَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَلْبَتَّةَ وَأَنْ لَا يَفُوتَ عَنْك السَّهَرُ لَا مَحَالَةَ، وَنَظِيرُ الثَّانِي قَوْلُك لِغُلَامِك اشْتَرِ بِهَذَا الدِّرْهَمِ لَحْمًا أَوْ خُبْزًا أَوْ فَاكِهَةً فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّيْسِيرُ وَمَعْنَاهُ اخْتَرْ مِنْهَا مَا تَيَسَّرَ عَلَيْك ثُمَّ يُعْرَفُ الْمَقْصُودُ فِي التَّخْيِيرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ بِكَوْنِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي خُيِّرَ الْمُكَلَّفُ فِيهَا مُتَمَاثِلَةً فِي الْمَعْنَى وَغَيْرَ مُتَمَاثِلَةٍ فِيهِ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ مُتَمَاثِلَةً فِي الْمَعْنَى فَالتَّخْيِيرُ يَقْتَصِرُ عَلَى الصُّورَةِ وَلَا عِبْرَةَ بِالصُّوَرِ فَيُفِيدُ تَأْكِيدَ الْوَاجِبِ وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً فِي الْمَعَانِي غَيْرَ مُتَمَاثِلَةٍ فِيهَا كَمَا فِي الصُّوَرِ " فح " يَتَعَدَّى أَثَرُ التَّخْيِيرِ إلَى الْمَعْنَى فَيُفِيدُ التَّيَسُّرَ لَا مَحَالَةَ، فَصَدَقَةُ الْفِطْرِ مِنْ الْقَبِيلِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا مِقْدَارُ مَالِيَّةِ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ وَقِيمَةُ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ تُسَاوِيهِ عِنْدَهُمْ وَكَذَا الْمَقْصُودُ دَفْعُ حَاجَةِ الْفَقِيرِ فِي هَذَا الْيَوْمِ وَالْكُلُّ فِيهِ سَوَاءٌ فَلَا يُفِيدُ التَّخْيِيرُ التَّيْسِيرَ قَصْدًا بَلْ يُفِيدُ التَّأْكِيدَ وَيَصِيرُ مَعْنَاهُ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقَعَ الْأَدَاءُ لَا مَحَالَةَ إمَّا بِنِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُمَاثِلُهُ فِي الْمَالِيَّةِ.
، وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ مِنْ الْقَبِيلِ الثَّانِي؛ لِأَنَّ مَالِيَّةَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ مُخْتَلِفَةٌ اخْتِلَافًا ظَاهِرًا فَالتَّخْيِيرُ فِيهَا يَقَعُ عَلَى الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى فَيُفِيدُ التَّيْسِيرَ.
١ -
وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرَ أَنَّ التَّخْيِيرَ يُفِيدُ التَّيْسِيرَ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَأَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِأَنَّ الْأَمْرَ بِأَحَدِ الْأَشْيَاءِ يُوجِبُ وَاحِدًا مِنْهَا غَيْرَ عَيْنٍ وَأَنَّ الْمَأْمُورَ مُخَيَّرٌ فِي تَعْيِينِ وَاحِدٍ مِنْهَا فِعْلًا فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ فَلَا يَسْتَقِيمُ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا بِأَنَّ الْكُلَّ وَاجِبٌ عَلَى طَرِيقِ الْبَدَلِ بِمَنْزِلَةِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ فَإِنَّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْكُلِّ وَيَسْقُطُ بِأَدَاءِ الْبَعْضِ وَلَمَّا كَانَ الْكُلُّ وَاجِبًا لَا يُفِيدُ التَّخْيِيرُ التَّيْسِيرَ وَالْمَسْأَلَةُ طَوِيلَةٌ مَذْكُورَةٌ فِي عَامَّةِ الْكُتُبِ.
قَوْلُهُ (وَلِأَنَّهُ نَقْلٌ) دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِقُدْرَةٍ مُيَسِّرَةٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا نَقَلَ إلَى الصَّوْمِ بِالْعَجْزِ الْحَالِيِّ مَعَ تَوَهُّمِ الْقُدْرَةِ فِيمَا بَعْدُ وَلَمْ يَعْتَبِرْ الْعَجْزَ الْمُسْتَدَامَ فِي الْعُمُرِ كَمَا اُعْتُبِرَ فِي سَائِرِ الْأَفْعَالِ مِثْلُ قَوْلِهِ إنْ لَمْ آتِ الْبَصْرَةَ فَعَبْدِي حُرٌّ أَوْ قَوْلُهُ إنْ لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ أَوْ إنْ لَمْ أُكَلِّمْ فُلَانًا فَعَلَيَّ كَذَا وَكَمَا اُعْتُبِرَ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْفَانِي حَتَّى لَوْ قَدَرَ بَعْدَ الْفِدْيَةِ لَا تُجْزِيهِ تِلْكَ الْفِدْيَةُ دَلَّ عَلَى تَيْسِيرِ الْأَمْرِ عَلَى الْمُكَلَّفِ حَيْثُ لَمْ يُشْتَرَطْ أَصْلُ الْمُكْنَةِ مَعَ احْتِمَالِ حُدُوثِهَا فِي الْعُمُرِ لِيَبْرَأَ عَنْهُمَا بِالصَّوْمِ وَلَا يَبْقَى تَحْتَ عُهْدَةِ الْوُجُوبِ إلَى حُدُوثِ الْقُدْرَةِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْعَجْزُ الْحَالِيُّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى، ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] ، فَإِنَّهُ تَعَالَى لَمَّا نَقَلَ الْحُكْمَ إلَى الصَّوْمِ عِنْدَ الْعَجْزِ وَلَوْ اُعْتُبِرَ الْعَجْزُ الْمُسْتَدَامُ فِي الْعُمُرِ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ إلَّا بِآخِرِ الْعُمُرِ لَا يَتَحَقَّقُ مِنْهُ أَدَاءُ الصَّوْمِ عُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ الْعَجْزُ الْحَالِيُّ.
وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ وَلَوْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَائِبٌ وَهُوَ لَا يَجِدُ مَا يُكَفِّرُ بِهِ أَجْزَأَهُ الصَّوْمُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ قُدْرَتُهُ عَلَى التَّكْفِيرِ بِالْمَالِ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِالْمِلْكِ بِدُونِ الْيَدِ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي مَالِهِ الْغَائِبِ عَبْدٌ " فح " لَا يُجْزِيهِ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ مُتَمَكِّنٌ مِنْ التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ، فَإِنَّ نُفُوذَ الْعِتْقِ بِاعْتِبَارِ الْمِلْكِ دُونَ الْيَدِ فَلَمَّا لَمْ يُشْتَرَطْ الِانْتِظَارُ إلَى وُصُولِ الْمَالِ فَلَأَنْ لَا يُشْتَرَطَ الِانْتِظَارُ إلَى حُصُولِهِ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ فِي طَعَامِ الظِّهَارِ يَعْنِي كَمَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْعَجْزُ الْحَالِيُّ فِيمَا ذَكَرْنَا فَكَذَلِكَ هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي جَمِيعِ الْكَفَّارَاتِ فِي نَقْلِ الْحُكْمِ عَنْ وَاجِبٍ إلَى مَا بَعْدَهُ مِثْلَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالصَّوْمِ وَالْقَتْلِ فَيُعْتَبَرُ فِي جَمِيعِهَا الْعَجْزُ الْحَالِيُّ فِي نَقْلِ الْحُكْمِ عَنْ الرَّقَبَةِ إلَى الصَّوْمِ.
وَكَذَلِكَ فِي النَّقْلِ عَنْ الصَّوْمِ إلَى الْإِطْعَامِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ وَالصَّوْمِ حَتَّى لَوْ مَرِضَ أَيَّامًا فَكَفَّرَ بِالْإِطْعَامِ
стр. 206
وَصَارَتْ هَذِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ نَظِيرَ اسْتِطَاعَةِ الْفِعْلِ الَّتِي لَا تَسْبِقُ الْفِعْلَ وَلِهَذَا قُلْنَا بَطَلَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي الْغَنَاءَ وَالْيُسْرَ وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ وَهُوَ يُنَافِي الْيُسْرَ
ــ
[كشف الأسرار]
جَازَ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ بَعْدُ فَثَبَتَ أَنَّ الْقُدْرَةَ الْمَشْرُوطَةَ فِيهَا مُيَسِّرَةٌ فَكَانَتْ أَيْ الْكَفَّارَاتُ مِنْ قَبِيلِ الزَّكَاةِ، وَإِنَّمَا خُصَّ الطَّعَامُ بِالذِّكْرِ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الصَّوْمِ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ مَا يُنْقَلُ إلَيْهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ كَالصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
وَلَمَّا ذَكَرَ الشَّيْخُ ﵀ أَنَّ الْكَفَّارَةَ مِنْ قَبِيلِ الزَّكَاةِ وَقَدْ فَارَقَتْهَا، فِي أَنَّ الْوَاجِبَ فِيهَا يَعُودُ بَعْدَ هَلَاكِ الْمَالِ بِإِصَابَةِ مَالٍ آخَرَ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَلَا يَعُودُ فِي الزَّكَاةِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا دُونَ الزَّكَاةِ، وَفِي أَنَّ الْوَاجِبَ بِالِاسْتِهْلَاكِ فِيهَا يَنْتَقِلُ إلَى الصَّوْمِ كَمَا يَنْتَقِلُ بِالْهَلَاكِ وَفِي الزَّكَاةِ خَالَفَ الِاسْتِهْلَاكُ الْهَلَاكَ كَمَا قَرَّرْنَا وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّهَا فَوْقَ الزَّكَاةِ تَعَرَّضَ لِلْجَوَابِ عَنْ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ: إلَّا أَنَّ الْمَالَ هَهُنَا غَيْرُ عَيْنٍ يَعْنِي الْوَاجِبَ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِهَذَا الْمَالِ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَالْقُدْرَةُ الْمُيَسِّرَةُ تَثْبُتُ بِمِلْكِ الْمَالِ وَلَا تَخْتَصُّ بِمَالٍ دُونَ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْمَالَ إنَّمَا اُعْتُبِرَ هَهُنَا لِكَوْنِهِ صَالِحًا لِلتَّقَرُّبِ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَيَحْصُلُ بِهِ الثَّوَابُ لِيَصِيرَ مُقَابِلًا بِالْأَثِمِ الَّذِي عَلَيْهِ وَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ النَّمَاءُ فَكَانَ الْمَالُ الْمَوْجُودُ وَقْتَ الْحِنْثِ وَالْمُسْتَفَادُ بَعْدَهُ فِيهِ سَوَاءً بِخِلَافِ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعَيْنِ فَلَا تَبْقَى الْقُدْرَةُ بِهَلَاكِ الْعَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ مِنْ بَعْدُ أَيْ مِنْ بَعْدِ الْحِنْثِ أَوْ مِنْ بَعْدِ الْهَلَاكِ، دَامَتْ أَيْ ثَبَتَتْ.
وَعَنْ الثَّانِي بِقَوْلِهِ وَلِهَذَا أَيْ وَلِكَوْنِ الْمَالِ غَيْرَ عَيْنٍ سَاوَى الِاسْتِهْلَاكُ الْهَلَاكَ فِي الْكَفَّارَاتِ حَتَّى إنَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ بِالْمَالِ إذَا أَتْلَفَ مَالَهُ جَازَ لَهُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ كَمَا إذَا هَلَكَ بِغَيْرِ صُنْعٍ مِنْهُ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ حَيْثُ فَارَقَ الِاسْتِهْلَاكُ الْهَلَاكَ كَمَا ذَكَرْنَا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْوَاجِبِ بَعْدَ فَوَاتِ الْقُدْرَةِ إنَّمَا يَكُونُ بِكَوْنِهِ مُوَقَّتًا كَالصَّلَاةِ فَإِنَّهَا لَمَّا شُرِعَتْ مُوَقَّتَةً كَانَ التَّأْخِيرُ عَنْ الْوَقْتِ جِنَايَةً عَلَى نَفْسِ الْحَقِّ بِالتَّفْوِيتِ أَوْ بِالتَّعَدِّي عَلَى مَحَلِّ الْوَاجِبِ بِأَنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِمَحِلِّ عَيْنٍ كَالزَّكَاةِ وَهَهُنَا الْوَاجِبُ لِمَا لَمْ يَكُنْ مُوَقَّتًا لِيُعَدَّ تَفْوِيتُهُ عَنْ الْوَقْتِ جِنَايَةً وَلَمْ يَكُنْ الْمَالُ مُتَعَيِّنًا أَيْضًا لِيَصِيرَ اسْتِهْلَاكُهُ تَعَدِّيًا كَانَ الِاسْتِهْلَاكُ كَالْهَلَاكِ ضَرُورَةً إلَيْهِ أُشِيرَ فِي طَرِيقَةِ الْإِمَامِ الْبُرَغْرِيِّ ﵀.
قَوْلُهُ (وَصَارَتْ هَذِهِ الْقُدْرَةُ) أَيْ الْقُدْرَةُ الْمَالِيَّةُ فِي الْكَفَّارَةِ، عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهَا تَدُومُ بِأَيِّ مَالٍ أَصَابَهُ نَطِيرَ الِاسْتِطَاعَةِ الَّتِي لَا تَسْبِقُ الْفِعْلَ مِنْ حَيْثُ إنَّ وُجُودَهَا يُعْتَبَرُ حَالَةَ الْأَدَاءِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ كَالِاسْتِطَاعَةِ لَا يَتَقَدَّمُ الْفِعْلُ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ حَتَّى لَوْ كَانَ مُوسِرًا وَقْتَ الْحِنْثِ مُعْسِرًا وَقْتَ الْأَدَاءِ يُجْزِيهِ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ وَلَوْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ لَا يَجْزِيهِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا قُلْنَا) أَيْ وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ بِقُدْرَةٍ مُيَسِّرَةٍ وَأَنَّ مِنْ شَرْطِ وُجُوبِهَا الْغَنَاءُ قُلْنَا بَطَلَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ بِالدَّيْنِ أَيْ بِالدَّيْنِ الَّذِي اقْتَرَنَ بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ لَكِنْ إذَا لَحِقَهُ دَيْنٌ بَعْدَ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فَذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الزَّكَاةَ كَذَا فِي فَتَاوَى الْقَاضِي الْإِمَامِ فَخْرِ الدِّينِ ﵀؛ لِأَنَّ مَا عُرِفَ مَانِعًا لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ رَافِعًا؛ لِأَنَّهُ أَيْ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يُنَافِي الْغِنَى وَالْيُسْرَ؛ لِأَنَّ الْغِنَى إنَّمَا يَحْصُلُ بِمَا يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ وَهَذَا الْمَالُ مَشْغُولٌ بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ إذْ الْحَاجَةُ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ أَصْلِيَّةٌ فَلَا يَحْصُلُ الْغَنَاءُ بِمِلْكِ قَدْرِ الدَّيْنِ وَلِهَذَا حَلَّ لَهُ أَخْذُ الصَّدَقَةِ وَهِيَ لَا تَحِلُّ لِلْغَنِيِّ، وَكَذَلِكَ الْيُسْرُ فِيمَا إذَا كَانَ لِلْمُؤَدِّي فَضْلُ مَالٍ غَيْرُ مَشْغُولٍ بِحَاجَتِهِ وَنَعْنِي بِمَشْغُولِيَّةِ الْمَالِ بِالْحَاجَةِ أَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ لِقَضَاءِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ تَفْرِيغَ الذِّمَّةِ عَنْ الدَّيْنِ وَاجِبٌ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِهَذَا الْمَالِ فَكَانَ كَالْمَصْرُوفِ إلَى الدَّيْنِ كَالْمَاءِ الْمُعَدِّ
стр. 207
لِأَنَّهُ قَالَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ رَجُلٌ لَهُ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفٍ فَكَفَّرَ بِالصَّوْمِ بَعْدَ مَا يَقْضِي دَيْنَهُ بِمَالِهِ قَالَ يُجْزِئُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَصْرِفْ إلَى دَيْنِهِ مَا جَوَابُهُ فَقَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا يُجْزِئُهُ التَّكْفِيرُ بِالصَّوْمِ لِمَا قُلْنَا مِنْ فَوَاتِ صِفَةِ الْيُسْرِ بِهِ فَيُجْعَلُ الْمَالُ كَالْمَعْدُومِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَجِبُ بِالْمَالِ وَلَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ بِصِفَةِ الْيُسْرِ وَبِشَرْطِ الْقُدْرَةِ وَلِمَعْنَى الْإِغْنَاءِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ أَغْنُوهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ وَبِقَوْلِهِ «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» فَهَذَا الْإِغْنَاءُ وَجَبَ عِبَادَةً شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْغِنَى فَشُرِطَ الْكَمَالُ فِي سَبَبِهِ لِيَسْتَحِقَّ شُكْرَهُ فَيَكُونَ الْوَاجِبُ شَطْرًا مِنْ الْكَامِلِ، وَالدَّيْنُ يُسْقِطُ الْكَمَالَ وَلَا يُعْدِمُ أَصْلَهُ
ــ
[كشف الأسرار]
لِلْعَطَشِ، وَإِنَّمَا أَوْرَدَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِيَبْتَنِيَ عَلَيْهَا الْمَسْأَلَةَ الَّتِي تَلِيهَا وَيُبَيِّنَ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا.
قَوْلُهُ (لِأَنَّهُ قَالَ) أَيْ؛ لِأَنَّ مُحَمَّدًا وَالْإِضْمَارُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ جَائِزٌ عِنْدَ الشُّهْرَةِ وَعَدَمِ الِاشْتِبَاهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وَالْمَذْكُورُ فِي أُصُولِ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ قَوْلُهُ (وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيْ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ إذَا كَفَّرَ بِالصَّوْمِ قَبْلَ صَرْفِ الْأَلْفِ إلَى الدَّيْنِ مَا جَوَابُهُ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُجْزِيهِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ: أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لِهَذَا وَفِي هَذَا التَّعْلِيلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ وَبَعْدَهُ وَهَذَا؛ لِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي فِي يَدِهِ مُسْتَحَقٌّ بِدَيْنِهِ فَيُجْعَلُ كَالْمَعْدُومِ فِي حَقِّ التَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ كَالْمُسَافِرِ إذَا كَانَ مَعَهُ مَاءٌ وَهُوَ يُخَالِفُ الْعَطَشَ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُسْتَحَقٌّ بِعَطَشِهِ فَيُجْعَلُ كَالْمَعْدُومِ فِي حَقِّ التَّيَمُّمِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا يُجْزِيهِ اسْتِدْلَالًا بِالتَّقْيِيدِ الَّذِي ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ بَعْدَمَا يَقْضِي دَيْنَهُ، وَالتَّقْيِيدُ فِي الرِّوَايَةِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ مَا عَدَاهُ وَعَلَى هَذَا يُحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي الْكِتَابِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَالتَّعْلِيلُ بِقَوْلِهِ: إنَّ الصَّدَقَةَ تَحِلُّ لَهُ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّوْمَ يُجْزِيهِ فِي الْحَالَيْنِ وَالتَّقْيِيدُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ قَبْلَ قَضَاءِ الدَّيْنِ فَلِهَذَا اخْتَلَفُوا.
قَوْلُهُ (وَجَبَتْ بِصِفَةِ الْيُسْرِ) ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الزَّكَاةِ فِي الشَّرْعِ عَلَى الْيُسْرِ وَالسُّهُولَةِ وَلِهَذَا وَجَبَ الْقَلِيلُ مِنْ الْكَثِيرِ وَوَجَبَتْ فِي النَّمَاءِ لَا فِي أَصْلِ الْمَالِ تَيْسِيرًا عَلَى أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَلِهَذَا شُرِطَ لِتَكْرَارِ الْوَاجِبِ تَكْرَارُ الْحَوْلِ كَذَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ لِبَعْضِ الْمَشَايِخِ، وَشَرْطُ الْقُدْرَةِ يَعْنِي قُدْرَةً تُوجِبُ هَذَا الْيُسْرَ، وَلِمَعْنَى الْإِغْنَاءِ بِقَوْلِهِ ﵇ «أَغْنُوهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ» نَصَّ عَلَى مَعْنَى الْإِغْنَاءِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَرَدَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ رَوَى أَنَّ «رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يُؤَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى الْمُصَلَّى، وَقَالَ: أَغْنُوهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ» وَلَكِنَّ الْحُكْمَ يَثْبُتُ فِي الزَّكَاةِ بِطَرِيقِ الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ الْإِغْنَاءَ لَمَّا وَجَبَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ لِسَدِّ خَلَّةِ الْفَقِيرِ مَعَ قُصُورِ صِفَةِ الْغَنَاءِ فِيهَا لِقُصُورِ النِّصَابِ فَلَأَنْ يَجِبَ فِي الزَّكَاةِ لِهَذَا الْمَعْنَى مَعَ كَمَالِ صِفَةِ الْغَنَاءِ فِيهَا كَانَ أَوْلَى.
وَقَوْلُهُ ﵇ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ مُتَعَلِّقٌ بِالْإِغْنَاءِ لَا بِالْمَسْأَلَةِ يَعْنِي أَغْنُوهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ، ثُمَّ قِيلَ الْمِثْلُ زَائِدٌ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَفَائِدَتُهُ تَعْمِيمُ الْحُكْمِ إذْ لَوْ لَمْ يُذْكَرْ لَاقْتَصَرَ الْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمُعَيَّنِ، وَإِنَّمَا أَدْخَلَ اللَّامَ فِي قَوْلِهِ وَلِمَعْنَى الْإِغْنَاءِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ فِي صِفَةِ الْيُسْرِ وَشَرْطِ الْقُدْرَةِ تَشْتَرِكَانِ فَأَمَّا مَعْنَى الْإِغْنَاءِ فَمُخْتَصٌّ بِالزَّكَاةِ فَلِهَذَا أَفْرَدَهُ بِاللَّامِ.
قَوْلُهُ وَلِقَوْلِهِ ﵇ «لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى» ذَكَرَ فِي مَجَازَاتِ الْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُصَّدِّقَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ إذَا كَانَتْ لَهُ قُوَّةٌ مِنْ غِنَى وَالظَّهْرُ هَهُنَا كِنَايَةٌ عَنْ الْقُوَّةِ فَكَانَ الْمَالُ لِلْغِنَى بِمَنْزِلَةِ الظَّهْرِ الَّذِي عَلَيْهِ اعْتِمَادُهُ وَإِلَيْهِ اسْتِنَادُهُ وَلِذَلِكَ يُقَالُ فُلَانٌ ظَهْرٌ لِفُلَانٍ إذَا كَانَ يَتَقَوَّى بِهِ وَيَلْجَأُ فِي الْحَوَادِثِ إلَيْهِ، وَذَكَرَ فِي الْمُغْرِبِ وَأَمَّا لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى أَيْ صَادِرَةٌ عَنْ غِنًى فَالظَّهْرُ فِيهِ مَقْحَمٌ كَمَا فِي ظَهْرِ الْقَلْبِ وَظَهْرِ الْغَيْبِ، وَوَجْهُ التَّمَسُّكِ بِهِ أَنَّهُ ﵇ شَرَطَ الْغَنَاءَ لِوُجُوبِ الصَّدَقَةِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ لَا صَدَقَةَ
стр. 208
وَلِهَذَا حَلَّتْ لَهُ الصَّدَقَةُ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ الْإِغْنَاءُ وَلِهَذَا لَا يَتَأَدَّى الزَّكَاةُ إلَّا بِعَيْنٍ مُتَقَوِّمَةٍ.
وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ فَلَا تَسْتَغْنِي عَنْ شَرْطِ الْقُدْرَةِ وَعَنْ قِيَامِ صِفَةِ الْيُسْرِ فِي تِلْكَ الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ لِلْإِغْنَاءِ، أَلَا تَرَى أَنَّهَا شُرِعَتْ سَاتِرَةً أَوْ زَاجِرَةً لَا أَمْرًا أَصْلِيًّا لِلْفَقِيرِ إغْنَاءً، وَأَلَا تَرَى أَنَّهُ يَتَأَدَّى بِالتَّحْرِيرِ وَبِالصَّوْمِ وَلَا إغْنَاءَ فِيهِمَا لَكِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ نَيْلُ الثَّوَابِ لِيُقَابَلَ بِمُوجِبِ الْجِنَايَةِ وَمَا يَقَعُ بِهِ كِفَايَةُ الْفَقِيرِ فِي بَابِ الْكَفَّارَةِ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلثَّوَابِ وَلِذَلِكَ يَتَأَدَّى بِالْإِبَاحَةِ وَلَا إغْنَاءَ يَحْصُلُ بِهَا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْإِغْنَاءُ مَقْصُودًا لَمْ يَشْتَرِطْ صِفَةَ الْغِنَى فِي الْمُخَاطَبِ بِهَا بَلْ الْقُدْرَةُ وَالْيُسْرُ بِهَا شَرْطٌ وَذَلِكَ لَا يَنْعَدِمُ بِالدَّيْنِ وَيَتَبَيَّنُ أَنَّهَا لَمْ تَجِبْ شُكْرًا لِلْغِنَى بَلْ جَزَاءً لِلْفِعْلِ فَلَمْ يَشْتَرِطْ كَمَالَ صِفَةِ الْغِنَى إنَّمَا شَرَطَ أَدْنَى مَا يَصْلُحُ لِطَلَبِ الثَّوَابِ وَأَصْلُ الْمَالِ كَافٍ لِذَلِكَ
ــ
[كشف الأسرار]
لَيْسَ نَفْيَ الْوُجُودِ إذْ هِيَ تُوجَدُ وَتَصِحُّ بِدُونِ الْغَنَاءِ فَيُحْمَلُ عَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ أَشَدُّ مُنَاسَبَةً لِلْوُجُودِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَيْسَ اشْتِرَاطُهُ لِثُبُوتِ الْيُسْرِ فِي الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ بَلْ لِثُبُوتِ الْأَهْلِيَّةِ عَلَى مَا مَرَّ وَلَا احْتِيَاجَ لِثُبُوتِ الْأَهْلِيَّةِ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ غَنَاءَ الْفَقِيرِ فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّهَا وَجَبَتْ لِمَعْنَى الْإِغْنَاءِ، وَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّهَا وَجَبَتْ لِمَعْنَى إغْنَاءِ الْفَقِيرِ إنَّمَا يَجِبُ شُكْرًا لِنِعْمَةِ الْغَنَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَالَ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ بِهِ تَعَلَّقَ بَقَاءُ الْأَبْدَانِ وَبِهِ نِيطَ مَقَاصِدُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ «نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ» ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَخْلُوَ عَنْ شُكْرٍ يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى سَبِيلِ الْعِبَادَةِ كَنِعْمَةِ الْبَدَنِ وَلَمْ يَجِبْ فِي الْمَالِ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ سِوَى الزَّكَاةِ فَتَعَيَّنَتْ لِشُكْرِ نِعْمَةِ الْمَالِ.
ثُمَّ الشُّكْرُ يَسْتَدْعِي سَبَبًا كَامِلًا لِيُؤَثِّرَ فِي إيجَابِ الشُّكْرِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ كَامِلًا كَانَ مُلْحَقًا بِالْعَدَمِ مِنْ وَجْهٍ وَالْعَدَمُ لَا يُؤَثِّرُ فَيَمْتَنِعُ وُجُوبُ الشُّكْرِ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَالدَّيْنُ يُسْقِطُ الْكَمَالَ أَيْ عَنْ الْغِنَى قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ: وَحَاجَتُهُ إلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ بِالْمَالِ تُعْدِمُ تَمَامَ الْغِنَى بِمِلْكِهِ؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ اسْتِحْقَاقَ الْمَالِ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَحَقُّ بِجِهَةٍ كَالْمَصْرُوفِ إلَى تِلْكَ الْجِهَةِ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْمُعَدِّ لِلْعَطَشِ، وَلَا يُعْدِمُ أَصْلَهُ أَيْ أَصْلَ الْغِنَى؛ لِأَنَّ الْمَالَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ وَلِهَذَا جَازَتْ تَصَرُّفَاتُهُ فِيهِ وَلَمَّا زَالَ وَصْفُ الْكَمَالِ عَنْهُ لَمْ يَجِبْ بِهِ الْإِغْنَاءُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْغِنَى الْكَامِلِ وَقَدْ عُدِمَ.
قَوْلُهُ (شَطْرًا مِنْ الْكَامِلِ) أَيْ بَعْضًا مِنْهُ وَشَطْرُ الشَّيْءِ نِصْفُهُ إلَّا أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْبَعْضِ تَوَسُّعًا، وَمِنْهُ «قَوْلُهُ ﵇ فِي الْحَائِضِ تَقْعُدُ شَطْرَ عُمُرِهَا» ، سَمَّى الْبَعْضَ شَطْرًا تَوَسُّعًا فِي الْكَلَامِ وَاسْتِكْثَارًا لِلْقَلِيلِ وَمِثْلُهُ فِي التَّوَسُّعِ «تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ فَإِنَّهَا نِصْفُ الْعِلْمِ» ، كَذَا فِي الْمُغْرِبِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا حَلَّتْ) أَيْ وَلِانْتِفَاءِ الْغِنَى بِانْتِفَاءِ الْكَمَالِ عَنْهُ حَلَّتْ لِلْمَدْيُونِ الصَّدَقَةُ أَيْ الزَّكَاةُ وَهِيَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ إذَا لَمْ يَكُنْ عَامِلًا وَابْنِ السَّبِيلِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا لَا يَتَأَدَّى الزَّكَاةُ) أَيْ وَلِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ لِمَعْنَى الْإِغْنَاءِ لَا يَتَأَدَّى إلَّا بِعَيْنٍ مُتَقَوِّمَةٍ أَيْ بِتَمْلِيكِ عَيْنٍ مُتَقَوِّمَةٍ حَتَّى لَوْ أَسْكَنَ الْفَقِيرَ دَارِهِ سَنَةً بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَيْسَتْ بِعَيْنٍ مُتَقَوِّمَةٍ، وَكَذَا لَوْ أَبَاحَهُ طَعَامًا بِنِيَّةِ الزَّكَاةِ فَأَكَلَهُ الْفَقِيرُ لَا يُجْزِيهِ عَنْ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ أَكَلَ مَالَ الْغَيْرِ وَبِهِ لَا يَحْصُلُ الْغِنَى، قَالَ أَبُو الْيُسْرِ الزَّكَاةُ شُرِعَتْ لِإِغْنَاءِ الْفَقِيرِ لِقَوْلِهِ ﵇، «أَغْنُوهُمْ» وَالْوَاجِبُ فِيهَا هُوَ الْإِغْنَاءُ الْكَامِلُ وَهُوَ تَمْلِيكُ مَالٍ مُحْتَرَمٍ مُتَقَوِّمٍ بِلَا نُقْصَانٍ فِي نَفْسِهِ وَالْإِغْنَاءُ الْكَامِلُ لَا يَجِبُ إلَّا عَلَى الْغَنِيِّ الْكَامِلِ كَمَا فِي التَّمْلِيكِ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَا يَحْصُلُ إلَّا مِنْ الْمَالِكِ.
قَوْلُهُ (سَاتِرَةً أَوْ زَاجِرَةً) أَيْ سَاتِرَةً بَعْدَ الْجِنَايَةِ زَاجِرَةً قَبْلَهَا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ تَضَمَّنَتْ مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَالْعُقُوبَةِ فَبِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْعِبَادَةِ هِيَ سَاتِرَةٌ لِلذَّنْبِ أَيْ مَاحِيَةٌ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَقَالَ ﵇ «أَتْبِعْ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا» أَوْ هِيَ سَاتِرَةٌ لِمُرْتَكِبِ الذَّنْبِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا مَزَّقَ لِبَاسَ تَقْوَاهُ بِارْتِكَابِهِ حَتَّى صَارَ عُرْيَانًا سَتَرَتْهُ الْكَفَّارَةُ وَصَارَتْ تَرْقِيعًا لِمَا مَزَّقَ، وَبِاعْتِبَارِ مَعْنَى الْعُقُوبَةِ هِيَ زَاجِرَةٌ كَسَائِرِ الْعُقُوبَاتِ.
قَوْلُهُ (وَلِذَلِكَ) أَيْ وَلِأَنَّهَا لَمْ تُشْرَعْ لِلْإِغْنَاءِ تَتَأَدَّى بِالْإِبَاحَةِ، فِي الْمُخَاطَبِ بِهَا أَيْ فِي كَوْنِهِ مُخَاطَبًا بِأَدَاءِ الْكَفَّارَةِ، بَلْ شُرِطَتْ الْقُدْرَةُ وَالْيُسْرُ بِهَا أَيْ شُرِطَتْ الْقُدْرَةُ الْمُيَسِّرَةُ.
، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَلْ الْقُدْرَةُ وَالْيُسْرُ بِهَا أَيْ تَعَلَّقَتْ أَوْ وَجَبَتْ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ، وَذَلِكَ
стр. 209
وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَخْرُجُ سُقُوطُ الْعُشْرِ بِهَلَاكِ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِشَرْطِ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ عَلَى أَدَاءِ الْعُشْرِ يَسْتَغْنِي عَنْ قِيَامِ تِسْعَةِ الْأَعْشَارِ، لَكِنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ لِلْيُسْرِ وَلَمْ يَجِبْ إلَّا بِأَرْضٍ نَامِيَةٍ بِالْخَارِجِ فَشَرَطَ قِيَامَهُ لِبَقَاءِ صِفَةِ الْيُسْرِ وَكَذَلِكَ الْخَرَاجُ يَسْقُطُ إذَا اصْطَلَمَ الزَّرْعَ آفَةٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا وَجَبَ بِصِفَةِ الْيُسْرِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِسَلَامَةِ الْخَارِجِ إلَّا أَنَّهُ بِطَرِيقِ التَّقْدِيرِ بِالتَّمَكُّنِ لِكَوْنِ الْوَاجِبِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْخَارِجِ وَبِدَلِيلِ أَنَّ الْخَارِجَ إذَا قَلَّ حُطَّ الْخَرَاجُ إلَى نِصْفِ الْخَارِجِ وَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ سَقَطَ بِهَلَاكِ الْخَارِجِ حَتَّى لَا يَنْقَلِبَ غُرْمًا مَحْضًا وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْحَجِّ فَإِنَّهُ إذَا وَجَبَ بِمِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَمْ يَسْقُطْ بِفَوْتِهِمَا؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ بِشَرْطِ الْقُدْرَةِ دُونَ الْيُسْرِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الزَّادَ وَالرَّاحِلَةَ أَدْنَى مَا يُقْطَعُ بِهِ السَّفَرُ وَلَا يَقَعُ الْيُسْرُ إلَّا بِخَدَمٍ وَمَرَاكِبَ وَأَعْوَانٍ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ بِالْإِجْمَاعِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا لِدَوَامِ الْوَاجِبِ
ــ
[كشف الأسرار]
بِالدَّيْنِ أَيْ الْيُسْرُ لَا يَفُوتُ بِهِ بَلْ تَيْسِيرُ الْأَدَاءِ قَائِمٌ بِمِلْكِ الْمَالِ مَعَ قِيَامِ الدَّيْنِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْيُسْرَ فِيهَا ثَبَتَ بِالتَّخْيِيرِ أَوْ اعْتِبَارِ الْعَجْزِ الْحَالِيِّ كَمَا ذَكَرْنَا وَذَلِكَ لَا يَفُوتُ بِالدَّيْنِ، وَالِانْعِدَامُ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُحْدَثَةِ فَإِنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ لَمْ يُجَوِّزُوا عَدِمْته فَانْعَدَمَ؛ لِأَنَّ عَدِمْته بِمَعْنَى لَمْ أَجِدْهُ وَحَقِيقَتُهُ تَعُودُ إلَى قَوْلِك فَاتَ وَلَيْسَ لَهُ مُطَاوِعٌ فَكَذَا لِعَدِمْتُ إذْ لَيْسَ فِيهِ إحْدَاثُ فِعْلٍ، وَذَكَرَ فِي الْمُفَصَّلِ وَلَا يَقَعُ يَعْنِي انْفَعَلَ إلَّا حَيْثُ يَكُونُ عِلَاجٌ وَتَأْثِيرٌ، وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُهُمْ انْعَدَمَ خَطَأً إلَّا أَنَّهُ لَمَّا شَاعَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْكُتُبِ صَارَ اسْتِعْمَالُهُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْفَهْمِ، وَلِهَذَا قِيلَ الْخَطَأُ الْمُسْتَعْمَلُ أَوْلَى مِنْ الصَّوَابِ النَّادِرِ.
قَوْلُهُ (وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ) وَهُوَ أَنَّ بَقَاءَ الْقُدْرَةِ الْمُيَسِّرَةِ شَرْطٌ لِبَقَاءِ مَا تَعَلَّقَ بِهَا يَخْرُجُ مَسْأَلَةُ الْعُشْرِ، يُسْتَغْنَى عَنْ قِيَامِ تِسْعَةِ الْأَعْشَارِ يَعْنِي الْقُدْرَةَ عَلَى أَدَاءِ مَا هُوَ عُشْرٌ مِنْ الْجُمْلَةِ لَا تَفْتَقِرُ إلَى تِسْعَةِ الْأَعْشَارِ بِالنَّظَرِ إلَى ذَاتِهِ وَإِنْ افْتَقَرَتْ إلَيْهَا مِنْ حَيْثُ هُوَ عُشْرٌ كَمَا أَنَّ الْجُزْءَ لَا يَفْتَقِرُ إلَى الْكُلِّ نَظَرًا إلَى ذَاتِهِ فَأَمَّا مِنْ حَيْثُ هُوَ جُزْءٌ فَلَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، بِأَرْضٍ نَامِيَةٍ بِالْخَارِجِ أَيْ بِالنَّمَاءِ الْحَقِيقِيِّ.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ الْخَرَاجُ يَسْقُطُ) أَيْ كَمَا أَنَّ الْعُشْرَ يَسْقُطُ بِهَلَاكِ الْخَارِجِ فَكَذَا الْخَرَاجُ يَسْقُطُ، إذَا اصْطَلَمَ الزَّرْعَ أَيْ اسْتَأْصَلَهُ آفَةٌ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِنَمَاءِ الْأَرْضِ كَالْعُشْرِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْأَرْضُ سَبِخَةً لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَكَذَا لَوْ لَمْ يَسْلَمْ الْخَارِجُ لِرَبِّ الْأَرْضِ بِأَنْ زَرَعَهَا وَلَمْ تُخْرِجْ شَيْئًا أَوْ غَرِقَتْ الْأَرْضُ ثُمَّ نَضَبَ عَنْهَا الْمَاءُ فِي وَقْتٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى زِرَاعَتِهَا قَبْلَ مُضِيِّ السَّنَةِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْخَرَاجُ فَعَرَفْنَا أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقُدْرَةٍ مُيَسِّرَةٍ إلَّا أَنَّ النَّمَاءَ التَّقْدِيرِيَّ بِأَنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الزِّرَاعَةِ فِي وَقْتِهَا كَافٍ لِلْوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ اعْتِبَارُ النَّمَاءِ التَّقْدِيرِيِّ فِي الْخَرَاجِ لِكَوْنِ الْوَاجِبِ مِنْ خِلَافِ جِنْسِ الْخَارِجِ فَلَا يُجْعَلُ تَقْصِيرُهُ عُذْرًا فِي إبْطَالِ حَقِّ الْغُزَاةِ وَيُجْعَلُ النَّمَاءُ مَوْجُودًا حُكْمًا لِتَقْصِيرِهِ حَيْثُ عَطَّلَهَا مَعَ التَّمَكُّنِ كَمَا يُجْعَلُ مَوْجُودًا بَعْدَ حَوَلَانِ الْحَوْلِ فِي مَالِ الزَّكَاةِ بِخِلَافِ الْعُشْرِ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ إضَافِيٌّ فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُهُ إلَّا فِي النَّمَاءِ الْحَقِيقِيِّ وَبِخِلَافِ مَا إذَا أَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ حَيْثُ لَمْ يُعَطِّلْهَا إلَّا أَنَّهُ أُصِيبَ فَلَا يَغْرَمُ شَيْئًا كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى اسْتِيصَالِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ بَعْدَ الِاصْطِلَامِ مُدَّةٌ يُمْكِنُ فِيهَا اسْتِغْلَالُ الْأَرْضِ إلَى آخِرِ السَّنَةِ لَا يَسْقُطُ الْخَرَاجُ أَيْضًا كَذَا سَمِعْت مِنْ شَيْخِي قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ.
، قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ ﵀ وَمِمَّا حُمِدَ مِنْ سِيَرِ الْأَكَاسِرَةِ أَنَّهُمْ إذَا أَصَابَ زَرْعَ بَعْضِ الرَّعِيَّةِ آفَةٌ غَرِمُوا لَهُ مَا أَنْفَقَ فِي الزِّرَاعَةِ مِنْ بَيْتِ مَالِهِمْ وَقَالُوا التَّاجِرُ شَرِيكٌ فِي الْخُسْرَانِ كَمَا هُوَ شَرِيكٌ فِي الرِّبْحِ فَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ الْإِمَامُ شَيْئًا فَلَا أَقَلّ مِنْ أَنْ لَا يُغَرِّمَهُ الْخَرَاجَ.
قَوْلُهُ (وَبِدَلِيلِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، وَتَقْدِيرُهُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا بِسَلَامَةِ الْخَارِجِ وَبِدَلِيلِ كَذَا، حُطَّ إلَى نِصْفِ الْخَارِجِ يَعْنِي الْخَرَاجَ كُلَّهُ وَإِنَّمَا يَجِبُ إذَا لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ الْخَارِجِ فَإِذَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ النِّصْفِ حُطَّ إلَى نِصْفِ الْخَارِجِ لِيَسْلَمَ لَهُ النِّصْفُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالتَّنْصِيفُ عَيْنُ الْأَنْصَافِ فَلَوْ كَانَ الْخَارِجُ مَثَلًا يُسَاوِي دِينَارًا وَالْوَاجِبُ دِينَارٌ أَنْ يَجِبَ نِصْفُ دِينَارٍ.
قَوْلُهُ (وَهَذَا) أَيْ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الزَّكَاةِ وَالْعُشْرِ وَالْخَرَاجِ مُخَالِفٌ لِلْحَجِّ الَّذِي قَاسَهَا الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إذَا وَجَبَ بِمِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَمْ يَسْقُطْ بِفَوْتِهِمَا؛ لِأَنَّهَا أَيْ عِبَادَةُ الْحَجِّ وَجَبَتْ بِشَرْطِ الْقُدْرَةِ دُونَ صِفَةِ الْيُسْرِ فَإِنَّهُ تَعَالَى شَرَطَ
стр. 210
وَكَذَلِكَ لَا يَسْقُطُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ بِهَلَاكِ الرَّأْسِ وَذَهَابِ الْغِنَى؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ بِصِفَةِ الْيُسْرِ بَلْ بِشَرْطِ الْقُدْرَةِ وَقِيَامِ صِفَةِ الْأَهْلِيَّةِ بِالْغِنَى، أَلَا تَرَى أَنَّهَا وَجَبَتْ بِسَبَبِ رَأْسِ الْحُرِّ وَلَا يَقَعُ بِهِ الْغِنَى وَوُجِدَ الْغِنَى بِثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَلَا يَقَعُ بِهَا الْيُسْرُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَامِيَةٍ فَلَمْ يَكُنْ الْبَقَاءُ مُفْتَقِرًا إلَى دَوَامِ شَرْطِ الْوُجُوبِ وَلَا يَلْزَمُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عِنْدَ قِيَامِ الدَّيْنِ وَقْتَ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يُعْدِمُ الْغَنَاءَ الَّذِي هُوَ شَرْطُ الْوُجُوبِ وَبِهِ يَقَعُ أَهْلِيَّةُ الْإِغْنَاءِ
ــ
[كشف الأسرار]
فِيهِ نَفْسَ الِاسْتِطَاعَةِ بِقَوْلِهِ عَزَّ اسْمُهُ ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وَلَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ عَادَةً فَكَانَ مِلْكُهُمَا أَدْنَى مَا يُقْطَعُ بِهِ هَذَا السَّفَرُ، فَكَانَ أَيْ مِلْكُ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ شَرْطَ الْوُجُوبِ لَا شَرْطَ الْيُسْرِ فَلَا يُشْتَرَطُ دَوَامُهُ لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ، وَذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ الْحَجُّ لَا يَجِبُ إلَّا بِمِلْكِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَيَبْقَى بِدُونِهِ؛ لِأَنَّهُ شَرْطُ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ أَدَاءَ الْحَجِّ بِالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ وَلَا يَتَيَسَّرُ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ، وَإِنَّمَا يَتَيَسَّرُ بِهِمَا السَّفَرُ وَمَا لَا يَثْبُتُ بِهِ قُدْرَةُ الْأَدَاءِ وَلَا التَّيْسِيرُ لَا يُشْتَرَطُ لِلْأَدَاءِ فَعُلِمَ أَنَّهُ شَرَطَ الْوُجُوبَ رَحْمَةً عَلَيْنَا.
قَوْلُهُ (وَكَذَلِكَ) أَيْ وَكَمَا أَنَّ الْحَجَّ لَا يَسْقُطُ بَعْدَ الْوُجُوبِ بِفَوَاتِ الزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ لَا يَسْقُطُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ بِهَلَاكِ الرَّأْسِ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ بِأَنْ كَانَ لَهُ عَبْدٌ وَجَبَ عَلَيْهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ بِسَبَبِهِ فَهَلَكَ، وَذَهَابُ الْمَالِ الَّذِي هُوَ الشَّرْطُ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ ابْتِدَاءً بِدُونِهِمَا؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْغَنَاءِ لِلْوُجُوبِ لَا لِتَيْسِيرِ الْأَدَاءِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا يَسْتَقِيمُ إيجَابُهَا إلَّا عَلَى غِنًى كَمَا لَا يَسْتَقِيمُ إلَّا عَلَى مُؤْمِنٍ؛ لِأَنَّهَا مَا شُرِعَتْ إلَّا لِإِغْنَاءِ الْفَقِيرِ خُصُوصًا هَذِهِ الصَّدَقَةُ لِقَوْلِهِ ﵇ «أَغْنُوهُمْ» ، فَلَوْ كَانَ الْفَقِيرُ أَهْلًا لِوُجُوبِهَا عَلَيْهِ لَصَارَتْ مَشْرُوعَةً لِإِحْوَاجِهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَبَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا مَلَكَ مَا يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنْ إغْنَاءِ الْفَقِيرِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ بِهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ الْإِغْنَاءِ فَلَوْ اعْتَبَرَ هَذَا الْغَنَاءَ وَأَمَرَ بِالْإِغْنَاءِ لَعَادَ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ؛ لِأَنَّهُ ح يَصِيرُ مُحْتَاجًا إلَى الْمَسْأَلَةِ وَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ دَفْعَ حَاجَةِ نَفْسِهِ لِئَلَّا يَحْتَاجَ إلَى الْمَسْأَلَةِ أَوْلَى مِنْ دَفْعِ حَاجَةِ الْغَيْرِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَغَيْرُهُ أَيْضًا يَحْتَاجُ إلَيْهِ كَانَ الصَّرْفُ إلَى نَفْسِهِ أَوْلَى بَلْ وَاجِبًا إنْ خَافَ الْهَلَاكَ عَلَيْهَا وَلِهَذَا شَرَطَ الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنْ يَمْلِكَ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَاعًا فَاضِلًا مِنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ يَقُوتُهُ يَوْمَ الْفِطْرِ وَلَيْلَتَهُ إلَّا أَنَّ عِنْدَنَا مَا دُونَ النِّصَابِ لَهُ حُكْمُ الْعَدَمِ فِي الشَّرْعِ حَتَّى حَلَّ لِمَالِكِهِ الصَّدَقَةُ فَشَرَطْنَا النِّصَابَ لِيَثْبُتَ حُكْمُ الْوُجُودِ شَرْعًا فَيَتَحَقَّقُ الْإِغْنَاءُ، وَمَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ فِي جَوَابِ مَا يُقَالُ الْمُرَادُ مِنْ الْإِغْنَاءِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ الْإِغْنَاءُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ لَا الْإِغْنَاءُ الشَّرْعِيُّ فَلَا يَكُونُ الْغَنَاءُ الشَّرْعِيُّ شَرْطًا لِأَهْلِيَّتِهِ بِهِ إنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْإِغْنَاءِ كِفَايَةُ الْفَقِيرِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَبَقِيَ الْغَنَاءُ الْمَشْرُوطُ فِي جَانِبِ الْمُؤَدِّي مُطْلَقًا فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي الشَّرْعِ ضَعِيفٌ جِدًّا؛ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْغَنَاءِ فِي الْمُؤَدِّي مَا ثَبَتَ نَصًّا وَإِنَّمَا ثَبَتَ ضَرُورَةَ وُجُوبِ الْإِغْنَاءِ فَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ لَيْسَ الْغَنَاءَ الشَّرْعِيَّ فَأَنَّى يَثْبُتُ اشْتِرَاطُهُ فِي الْمُؤَدَّى بِهِ فَكَانَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا أَوْلَى.
قَوْلُهُ (بِثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَالْمَهْنَةِ) الْبِذْلَةُ بِالْكِسْرَةِ مَا يُبْتَذَلُ مِنْ الثِّيَابِ وَالْمَهْنَةِ بِالْفَتْحِ الْخِدْمَةُ، وَحَكَى أَبُو زَيْدٍ وَالْكِسَائِيُّ الْمِهْنَةَ بِالْكَسْرِ وَأَنْكَرَهُ الْأَصْمَعِيُّ كَذَا فِي الصِّحَاحِ، وَفِي الْمُغْرِبِ الْمَهْنَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا الْخِدْمَةُ وَالِابْتِذَالُ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْبِذْلَةُ وَالْمِهْنَةُ تَرَادُفًا، وَقِيلَ: أَرَادَ بِثِيَابِ الْبِذْلَةِ ثِيَابَ الْجَمَالِ الَّتِي تُلْبَسُ فِي الْأَعْيَادِ وَالْمَوَاسِمِ وَبِالْمَهْنَةِ الَّتِي تُلْبَسُ فِي غَيْرِهَا، فَإِذَا مَلَكَ مِنْ ثِيَابِ الْبِذْلَةِ وَالْمَهْنَةِ مَا يُسَاوِي نِصَابًا فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ يَجِبُ عَلَيْهِ صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَبِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الْمَالِ يَحْصُلُ أَصْلُ التَّمَكُّنِ وَالْغَنَاءِ فَأَمَّا صِفَةُ الْيُسْرِ فَمُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَالِ النَّامِي لِيَكُونَ الْأَدَاءُ مِنْ فَضْلِ الْمَالِ وَذَلِكَ لَيْسَ بِشَرْطٍ هَهُنَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ حَوَلَانُ الْحَوْلِ الْمُحَقِّقِ لِلنَّمَاءِ بَلْ إذَا مَلَكَ نِصَابًا بِلَيْلَةِ الْفِطْرِ تَلْزَمُهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ فَعَرَفْنَا أَنَّ الْغَنَاءَ شَرْطُ التَّمَكُّنِ لَا شَرْطُ الْيُسْرِ فَلَا
стр. 211
بِخِلَافِ الدَّيْنِ عَلَى الْعَبْدِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ قِيَامَ الْغِنَى بِمَالٍ آخَرَ يَفْضُلُ عَنْ حَاجَتِهِ بَالِغًا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ وَبِخِلَافِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ فَإِنَّهَا تَسْقُطُ بِدَيْنِ الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ لِلتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ الزَّكَاةَ تَقْتَضِي صِفَةَ الْغِنَى الْكَامِلِ بِعَيْنِ النِّصَابِ لَا بِغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا هُوَ فِي تَقْسِيمِ صِفَةِ حُكْمِ الْأَمْرِ وَصِفَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي نَفْسِهِ فَأَمَّا مَا يَكُونُ صِفَةً قَائِمَةً بِغَيْرِهِ وَهُوَ الْوَقْتُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْتِيبِهِ عَلَى الدَّرَجَةِ الْأُولَى وَهَذَا
ــ
[كشف الأسرار]
يُشْتَرَطُ دَوَامُهُ لِبَقَاءِ الْوَاجِبِ كَذَا ذَكَرَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَالْإِمَامُ الْبُرْغَرِيُّ فِي كِتَابَيْهِمَا قَوْلُهُ وَلَا يَلْزَمُ أَيْ عَلَى قَوْلِنَا صَدَقَةُ الْفِطْرِ لَمْ يَجِبْ بِصِفَةِ الْيُسْرِ أَنَّ الدَّيْنَ الْقَائِمَ وَقْتَ الْوُجُوبِ يَمْنَعُ عَنْ وُجُوبِهَا كَمَا فِي الزَّكَاةِ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً بِصِفَةِ الْيُسْرِ لَمْ يَكُنْ الدَّيْنُ مَانِعًا مِنْ الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ مَعَ الدَّيْنِ مُمْكِنٌ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ مَعَ أَنَّهَا تَجِبُ بِقُدْرَةِ مُيَسِّرَةٍ فَلَأَنْ لَا يَمْنَعَ فِيمَا تَجِبُ بِقُدْرَةٍ مُمَكِّنَةٍ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّا نَقُولُ الدَّيْنُ إنَّمَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ يُعْدِمُ الْغَنَاءَ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي فَصْلِ الزَّكَاةِ وَالْغَنَاءُ مِنْ شُرُوطِ الْأَهْلِيَّةِ فَعَدَمُهُ يُخِلُّ بِهَا فَيَمْتَنِعُ الْوُجُوبُ لَا مَحَالَةَ.
قَوْلُهُ (بِخِلَافِ الدَّيْنِ عَلَى الْعَبْدِ) إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ الَّذِي هُوَ لِلْخِدْمَةِ دَيْنٌ بِأَنْ أَذِنَ لَهُ مَوْلَاهُ فِي التِّجَارَةِ فَعَلِقَتْ رَقَبَتُهُ بِهِ وَمَوْلَاهُ مُوسِرٌ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ؛ لِأَنَّ صِفَةَ الْغَنَاءِ ثَابِتَةٌ لَهُ بِمَا يَمْلِكُ مِنْ مَالٍ آخَرَ سِوَى هَذَا الْعَبْدِ وَمَالِيَّةُ مِنْ يُؤَدِّي عَنْهُ غَيْرِ مُعْتَبَرَةٍ لِلْوُجُوبِ كَمَا فِي وَلَدِهِ وَأُمِّ وَلَدِهِ وَبِسَبَبِ الْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْخِدْمَةِ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَهُ بِنَوْعٍ مِنْ خِدْمَتِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ عَلَى الْمَوْلَى؛ لِأَنَّهُ يَنْفِي غِنَاهُ وَلَا صَدَقَةَ إلَّا عَلَى الْغِنَى، ثُمَّ فُرِّقَ بَيْنَ دَيْنِ الْعَبْدِ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَبَيْنَهُ فِي الزَّكَاةِ حَيْثُ يَمْنَعُ دَيْنُهُ فِي الزَّكَاةِ وَلَا يَمْنَعُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَقَالَ بِخِلَافِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ إلَى آخِرِهِ، وَبَيَانُ الْفَرْقِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الزَّكَاةِ الْغَنَاءُ بِذَلِكَ الْمَالِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ حَتَّى لَوْ هَلَكَ ذَلِكَ الْمَالُ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا بِمَالٍ آخَرَ وَدَيْنُ الْعَبْدِ يَمْنَعُ الْغَنَاءَ بِمَالِيَّتِهِ، فَأَمَّا الْمُعْتَبَرُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَمُطْلَقُ الْغِنَى بِأَيِّ مَالٍ كَانَ وَدَيْنُ الْعَبْدِ لَا يَمْنَعُ الْغَنَاءَ بِمَالٍ آخَرَ فَافْتَرَقَا.
قَوْلُهُ (هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا) أَيْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ بَابِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ إلَى هَهُنَا، تَقْسِيمٌ فِي صِفَةِ حُكْمِ الْأَمْرِ وَهُوَ مَا مَرَّ فِي بَابِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ، وَتَقْسِيمٌ فِي صِفَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي نَفْسِهِ وَهُوَ مَا ذُكِرَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ تَقْسِيمِ الْحَسَنِ، فَأَمَّا مَا يَكُونُ صِفَةً لِلْمَأْمُورِ بِهِ قَائِمَةً بِغَيْرِهِ أَيْ بِغَيْرِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَهُوَ الْوَقْتُ إذْ الْمَأْمُورُ بِهِ قَدْ يُوصَفُ بِأَنَّهُ مُوَقَّتٌ كَمَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ حَسَنٌ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْتِيبِهِ أَيْ تَقْسِيمِهِ، عَلَى الدَّرَجَةِ الْأُولَى وَهُوَ الْأَدَاءُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُفْتَقِرُ إلَى الْوَقْتِ الْمَحْدُودِ فِي بَعْضِ الْأَوَامِرِ لَا الْقَضَاءُ الَّذِي هُوَ الدَّرَجَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُوَقَّتٍ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى أَيْ الْقِسْمَةُ الْأُولَى انْقَسَمَ إلَى نَوْعَيْنِ أَدَاءً وَقَضَاءٍ وَإِلَى حَسَنٍ لِعَيْنِهِ وَلِغَيْرِهِ ثُمَّ كُلُّ وَاحِدٍ إلَى أَنْوَاعٍ فَكَذَا فِي حُكْمِ الْوَقْتِ يَنْقَسِمُ إلَى مُوَقَّتٍ وَغَيْرِ مُوَقَّتٍ ثُمَّ إلَى مَا يَكُونُ ظَرْفًا وَمِعْيَارًا وَمُشْكِلًا فَهَذَا الِانْقِسَامُ وَالتَّرْتِيبُ كَالدَّرَجَةِ الْأُولَى كَمَا تَرَى إلَيْهِ أَشَارَ الْإِمَامُ الْمُحَقِّقُ الْعَلَّامَةُ بَدْرُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ ﵀.
، وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أُسْتَاذُ الْأَئِمَّةِ حَمِيدُ الْمِلَّةِ وَالدِّينِ ﵀ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ فِي الدَّرَجَةِ الْأُولَى مُرَتَّبٌ عَلَى الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَذَا تَرْتِيبٌ فِي نَفْسِهِ وَهَهُنَا انْقَسَمَ إلَى مُوَقَّتٍ وَغَيْرِ مُوَقَّتٍ وَهَذَا التَّرْتِيبُ فِي غَيْرِهِ وَالْمُوَقَّتُ يَنْقَسِمُ إلَى وَقْتِ الْأَدَاءِ وَوَقْتِ الْقَضَاءِ لِقَوْلِهِ ﵇ «فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا» ، قُلْت وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْوَجْهَ مَا ذَكَرَ الشَّيْخُ فِي شَرْحِ التَّقْوِيمِ ثُمَّ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ الْأَمْرِ مِنْ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ عَلَى نَوْعَيْنِ مُوَقَّتٍ وَغَيْرِ مُوَقَّتٍ فَغَيْرُ الْمُوَقَّتِ نَوْعٌ وَاحِدٌ.
وَأَمَّا الْمُوَقَّتُ فَهُوَ أَنْوَاعٌ، فَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِهِ انْقَسَمَ إلَى أَدَاءً وَقَضَاءٍ وَكِلَاهُمَا انْقَسَمَ إلَى مُوَقَّتٍ وَغَيْرِ مُوَقَّتٍ وَنَعْنِي بِهِ أَنَّ مَجْمُوعَ أَقْسَامِ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهَا مُوَقَّتَةً وَغَيْرَ
стр. 212
(بَابٌ) تَقْسِيمُ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي حُكْمِ الْوَقْتِ .
الْعِبَادَاتُ نَوْعَانِ: مُطْلَقَةٌ وَمُؤَقَّتَةٌ، أَمَّا الْمُطْلَقَةُ فَنَوْعٌ وَاحِدٌ وَأَمَّا الْمُؤَقَّتَةُ فَأَنْوَاعٌ نَوْعٌ جُعِلَ الْوَقْتُ ظَرْفًا لِلْمُؤَدَّى وَشَرْطًا لِلْأَدَاءِ وَسَبَبًا لِلْوُجُوبِ وَهُوَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَفْضُلُ عَنْ الْأَدَاءِ فَكَانَ ظَرْفًا لَا مِعْيَارًا وَالْأَدَاءُ يَفُوتُ بِفَوَاتِهِ فَكَانَ شَرْطًا وَالْأَدَاءُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صِفَةِ الْوَقْتِ
ــ
[كشف الأسرار]
مُوَقَّتَةٍ فَبَعْضُ أَقْسَامِ الْأَدَاءِ مُوَقَّتٌ وَبَعْضُهَا مَعَ جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْقَضَاءِ غَيْرُ مُوَقَّتٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابٌ تَقْسِيمُ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي حُكْمِ الْوَقْتِ]
[الْعِبَادَاتُ نَوْعَانِ مُطْلَقَةٌ وَمُؤَقَّتَةٌ وَهِيَ أَنْوَاعٌ]
[النَّوْع الْأَوَّل جُعِلَ الْوَقْتُ ظَرْفًا لِلْمُؤَدَّى وَشَرْطًا لِلْأَدَاءِ وَسَبَبًا لِلْوُجُوبِ]
بَابُ تَقْسِيمِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي حُكْمِ الْوَقْتِ قَوْلُهُ (مُطْلَقَةٌ) أَيْ غَيْرُ مُتَعَلِّقَةٍ بِوَقْتٍ، وَمُوَقَّتَةٌ أَيْ مُتَعَلِّقَةٌ بِوَقْتٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْوَقْتُ الْمَحْدُودُ الَّذِي اُخْتُصَّ جَوَازُ أَدَائِهَا بِهِ حَتَّى لَوْ فَاتَ صَارَ قَضَاءً أَمَّا أَصْلُ الْوَقْتِ فَلَا بُدَّ لِلْمَأْمُورِ بِهِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِالْأَمْرِ فِعْلٌ لَا مَحَالَةَ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ وَقْتٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ بِدُونِهِ وَلِهَذَا قَالَ مُطْلَقَةٌ وَلَمْ يَقُلْ غَيْرُ مُوَقَّتَةٍ كَمَا قَالَ غَيْرُهُ.
قَوْلُهُ (ظَرْفًا لِلْمُؤَدَّى وَشَرْطًا لِلْأَدَاءِ) (فَإِنْ قِيلَ) قَدْ يُسْتَفَادُ الشَّرْطِيَّةُ مِنْ الظَّرْفِيَّةِ؛ لِأَنَّ الظُّرُوفَ مَحَالُّ وَالْمَحَالُّ شُرُوطٌ عَلَى مَا عُرِفَ فَإِنَّهُ فَائِدَةٌ فِي قَوْلِهِ شَرْطًا لِلْأَدَاءِ، قُلْنَا: الْمُرَادُ مِنْ الْمُؤَدَّى الرَّكَعَاتُ الَّتِي تَحْصُلُ فِي الْوَقْتِ وَمِنْ الْأَدَاءِ إخْرَاجُهَا مِنْ الْعَدَمِ إلَى الْوُجُودِ فَكَانَا غَيْرَيْنِ وَاعْتُبِرَ هَذَا بِالزَّكَاةِ فَإِنَّ أَدَاءَهَا تَسْلِيمُ الدَّرَاهِمِ مَثَلًا إلَى الْفَقِيرِ وَالْمُؤَدَّى نَفْسُ تِلْكَ الدَّرَاهِمِ الَّتِي حَصَلَتْ فِي يَدِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يُسْتَفَادُ مِنْ ظَرْفِيَّةِ الْمُؤَدَّى شَرْطِيَّةُ الْأَدَاءِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ شَرْطَ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِغَيْرِهِ، عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّيْءِ الْمُعَيَّنِ ظَرْفًا لِشَيْءٍ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا لِوُجُودِهِ كَالْوِعَاءِ ظَرْفٌ لِمَا فِيهِ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يُوجَدُ بِدُونِ هَذَا الظَّرْفِ، ثُمَّ الْغَرَضُ مِنْ إيرَادِ هَذِهِ الْجُمَلِ الثَّلَاثِ بَيَانُ مَا وَقَعَ بِهِ الِاشْتِرَاكُ وَالِامْتِيَازُ لِوَقْتِ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ فَامْتَازَ وَقْتُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِ الصَّوْمِ بِكَوْنِهِ ظَرْفًا وَاشْتَرَكَا فِي كَوْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا شَرْطًا لِلْأَدَاءِ وَسَبَبًا لِلْوُجُوبِ فَيَكُونُ فِي قَوْلِهِ وَشَرْطًا لِلْأَدَاءِ فَائِدَةٌ عَظِيمَةٌ.
قَوْلُهُ (أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَفْضُلُ عَنْ الْأَدَاءِ) يَعْنِي إذَا اكْتَفَى فِي الْأَدَاءِ عَلَى الْقَدْرِ الْمَفْرُوضِ يَفْضُلُ الْوَقْتُ عَنْ الْأَدَاءِ وَلَوْ أَطَالَ رُكْنًا مِنْهُ مَضَى الْوَقْتُ قَبْلَ تَمَامِ الْأَدَاءِ، وَكَذَا يَجُوزُ الْأَدَاءُ فِي أَيِّ جُزْءٍ شَاءَ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ وَلَوْ كَانَ مِعْيَارًا لِمَا جَازَ فَثَبَتَ أَنَّهُ ظَرْفٌ لَا مِعْيَارٌ، وَتَفْسِيرُ الظَّرْفِ هَهُنَا أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ وَاقِعًا فِيهِ وَلَا يَكُونُ مُقَدَّرًا بِهِ وَتَفْسِيرُ الْمِعْيَارِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ الْمَأْمُورُ بِهِ وَاقِعًا فِيهِ وَمُقَدَّرًا بِهِ فَيَزْدَادُ وَيَنْتَقِصُ بِازْدِيَادِ الْوَقْتِ وَانْتِقَاصِهِ كَالْكَيْلِ فِي الْمَكِيلَاتِ فَكَانَ قَوْلُهُ ظَرْفًا مَحْضًا احْتِرَازًا عَنْ الْمِعْيَارِ فَإِنَّهُ ظَرْفٌ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِمَحْضٍ وَلِهَذَا أَكَّدَهُ بِقَوْلِهِ لَا مِعْيَارًا.
قَوْلُهُ (فَكَانَ شَرْطًا) ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الصَّلَاةِ لَا يَخْتَلِفُ بِالْإِتْيَانِ بِهِ فِي الْوَقْتِ وَخَارِجَ الْوَقْتِ مِنْ حَيْثُ الصُّورَةُ وَالْمَعْنَى فَعُلِمَ أَنَّ التَّفَاوُتَ إنَّمَا وَقَعَ بِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ حَتَّى سُمِّيَ أَحَدُهُمَا أَدَاءً وَالْآخَرُ قَضَاءً.
قَوْلُهُ (وَالْأَدَاءُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صِفَةِ الْوَقْتِ) فَإِنَّ الْأَدَاءَ فِي الْوَقْتِ الصَّحِيحِ كَامِلٌ وَفِي الْوَقْتِ النَّاقِصِ نَاقِصٌ وَإِنْ وُجِدَ جَمِيعُ شَرَائِطِهِ وَتَغَيُّرُهُ بِتَغَيُّرِ الْوَقْتِ عَلَامَةُ كَوْنِ الْوَقْتِ سَبَبًا لَهُ كَالْبَيْعِ لَمَّا كَانَ سَبَبًا لِلْمِلْكِ تَغَيَّرَ الْمِلْكُ بِتَغَيُّرِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْبَيْعُ صَحِيحًا كَانَ الْمِلْكُ صَحِيحًا وَلَوْ كَانَ فَاسِدًا كَانَ الْمِلْكُ فَاسِدًا حَتَّى ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي حِلِّ الْوَطْءِ وَثُبُوتِ الشُّفْعَةِ وَغَيْرِهِمَا عَلَى مَا عُرِفَ فِي فُرُوعِ الْفِقْهِ، وَلَا يُقَالُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُ صِفَةِ الْأَدَاءِ بِاخْتِلَافِ صِفَةِ الْوَقْتِ لِكَوْنِهِ ظَرْفًا لَا لِكَوْنِهِ سَبَبًا كَمَا فِي صَوْمِ يَوْمِ النَّحْرِ كَيْفَ وَالْوَقْتُ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْأَدَاءِ بَلْ السَّبَبُ فِيهِ الْخِطَابُ فَلَا يَصِحُّ هَذَا الِاسْتِدْلَال؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْأَصْلُ هُوَ اخْتِلَافُ الْحُكْمِ بِاخْتِلَافِ
стр. 213
وَيُفْسِدُ التَّعْجِيلُ قَبْلَهُ فَكَانَ سَبَبًا وَهَذَا الْقِسْمُ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ مِنْهَا مَا يُضَافُ إلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي مَا يُضَافُ إلَى مَا يَلِي ابْتِدَاءَ الشُّرُوعِ مِنْ سَائِرِ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ وَنَوْعٌ آخَرُ مَا يُضَافُ إلَى الْجُزْءِ النَّاقِصِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَفَسَادِهِ، وَالنَّوْعُ الرَّابِعُ مَا يُضَافُ إلَى جُمْلَةِ الْوَقْتِ وَدَلَالَةُ كَوْنِ الْوَقْتِ سَبَبًا نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ الْمُؤَقَّتَةِ مَا جُعِلَ الْوَقْتُ مِعْيَارًا لَهُ وَسَبَبًا لِوُجُوبِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ مَا جُعِلَ الْوَقْتُ مِعْيَارًا لَهُ وَلَمْ يُجْعَلْ سَبَبًا مِثْلُ أَوْقَاتِ صِيَامِ الْكَفَّارَةِ وَالنُّذُورِ وَالْأَصْلِ فِي أَنْوَاعِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْمُؤَقَّتَةِ أَنَّ الْوَقْتَ لَمَّا جُعِلَ سَبَبًا لِوُجُوبِهَا وَظَرْفًا لِأَدَائِهَا لَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ يَكُونَ كُلُّ الْوَقْتِ سَبَبًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ تَأْخِيرَ الْأَدَاءِ عَنْ وَقْتِهِ أَوْ تَقْدِيمَهُ عَلَى سَبَبِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ بَعْضُهُ سَبَبًا وَهُوَ مَا يَسْبِقُ الْأَدَاءَ حَتَّى يَقَعَ الْأَدَاءُ بَعْدَ سَبَبِهِ وَلَيْسَ بَعْدَ الْكُلِّ جُزْءٌ مُقَدَّرٌ فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَدْنَى (وَهُوَ)
ــ
[كشف الأسرار]
السَّبَبِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ يَصْرِفُهُ عَنْهُ، وَلِأَنَّ الْمُرَادَ مِنْ اخْتِلَافِ الْأَدَاءِ اخْتِلَافُ الْوَاجِبِ فِي الذِّمَّةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ كَامِلًا وَنَاقِصًا بِكَمَالِ الْوَقْتِ وَنُقْصَانِهِ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ وَإِنْ كَانَ بِالْخِطَابِ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ إلَّا تَسْلِيمُ ذَلِكَ الْوَاجِبِ الَّذِي ثَبَتَ بِالسَّبَبِ فِي الذِّمَّةِ فَيَخْتَلِفُ أَيْضًا بِاخْتِلَافِ الْوَاجِبِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الِاسْتِدْلَالَ صَحِيحٌ.
قَوْلُهُ (وَيُفْسِدُ التَّعْجِيلُ قَبْلَهُ) دَلِيلٌ آخَرُ عَلَى سَبَبِيَّةِ الْوَقْتِ، وَلَا يُقَالُ لَا يَصْلُحُ هَذَا دَلِيلًا عَلَى السَّبَبِيَّةِ؛ لِأَنَّ التَّعْجِيلَ كَمَا لَا يَجُوزُ قَبْلَ السَّبَبِ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الشَّرْطِ أَيْضًا كَالصَّلَاةِ قَبْلَ الطِّهَارَاتِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يُوجَدْ قَرِينَةٌ تُرَجِّحُ أَحَدَ الْجَانِبَيْنِ وَقَدْ وُجِدَ هَهُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفَسَادَ لِعَدَمِ السَّبَبِ وَهُوَ الدَّلِيلُ السَّابِقُ وَهُوَ تَغَيُّرُ الْأَدَاءِ بِتَغَيُّرِ الْوَقْتِ إذْ الْمَشْرُوطُ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ صِفَةِ الشَّرْطِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْفَسَادَ لِعَدَمِ السَّبَبِ لَا لِعَدَمِ الشَّرْطِ فَصَلَحَ دَلِيلًا عَلَى السَّبَبِيَّةِ، وَهَذَا كَالْمُشْتَرَكِ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى أَحَدِ مَفْهُومَيْهِ عَيْنًا مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ فَإِذَا انْضَمَّتْ إلَيْهِ قَرِينَةُ تَرْجِيحِ أَحَدِ مَفْهُومَيْهِ صَلَحَ دَلِيلًا عَلَيْهِ.
١ -
قَوْلُهُ (وَهَذَا الْقِسْمُ) أَيْ الْوَقْتُ الَّذِي هُوَ ظَرْفٌ بِالنَّظَرِ إلَى كَوْنِهِ سَبَبًا أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ فَكَانَ هَذَا فِي الْحَقِيقَةِ تَقْسِيمًا لِسَبَبِيَّتِهِ لَا لِنَفْسِهِ مَا يُضَافُ أَيْ سَبَبِيَّةٌ تُضَافُ إلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ أَيْ فِيمَا إذَا أَدَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، إلَى مَا يَلِي ابْتِدَاءَ الشُّرُوعِ أَيْ فِيمَا إذَا لَمْ يُؤَدَّ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، مَا يُضَافُ إلَى الْجُزْءِ النَّاقِصِ عِنْدَ ضِيقِ الْوَقْتِ وَفَسَادِهِ أَيْ فِيمَا إذَا أَخَّرَ الْعَصْرَ إلَى وَقْتِ الِاحْمِرَارِ.
وَقَوْلُهُ وَفَسَادُهُ تَفْسِيرٌ لِضِيقِ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا فَسَّرَهُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يُظَنُّ أَنَّ الْجُزْءَ الْأَخِيرَ مِنْ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ نَاقِصٌ فَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: " وَفَسَادُهُ " دَفْعًا لِهَذَا الْوَهْمِ، مَا يُضَافُ إلَى جُمْلَةِ الْوَقْتِ أَيْ فِيمَا إذَا فَاتَ الْأَدَاءُ فِي الْوَقْتِ، وَدَلَالَةُ كَوْنِ الْوَقْتِ سَبَبًا يَعْنِي مَا ذَكَرْنَا هُوَ عَلَامَةُ سَبَبِيَّةِ الْوَقْتِ فَأَمَّا الدَّلِيلُ عَلَى سَبَبِيَّتِهِ فَمَذْكُورٌ فِي مَوْضِعِهِ وَهُوَ بَابُ بَيَانِ أَسْبَابِ الشَّرَائِعِ
قَوْلُهُ (وَالْأَصْلُ فِي أَنْوَاعِ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ) أَيْ الْقِسْمِ الَّذِي هُوَ ظَرْفٌ وَأَرَادَ بِالْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ الْأُولَى دُونَ النَّوْعِ الْأَخِيرِ؛ لِأَنَّا لَا نَحْتَاجُ فِيهِ إلَى جَعْلِ الْجُزْءِ سَبَبًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْ جَعْلُ كُلِّ الْوَقْتِ سَبَبًا يُوجِبُ تَأْخِيرَ الْأَدَاءِ عَنْ وَقْتِهِ أَوْ تَقْدِيمَهُ عَلَى سَبَبِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رِعَايَةِ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ وَمَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ فَلَوْ رُوعِيَ فِيهِ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ يَلْزَمُ مِنْهُ تَأْخِيرُ الْأَدَاءِ عَنْ الْوَقْتِ وَفِيهِ إبْطَالُ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ وَالشَّرْطِيَّةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ، وَلَوْ رُوعِيَ مَعْنَى الظَّرْفِيَّةِ يَلْزَمُ مِنْهُ تَقْدِيمُ الْحُكْمِ عَلَى سَبَبِهِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ بِدَلَالَةِ الْعَقْلِ وَإِذَا لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُجْعَلَ كُلُّ الْوَقْتِ سَبَبًا وَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ مَعْنَى السَّبَبِيَّةِ وَجَبَ أَنْ يُجْعَلَ الْبَعْضُ سَبَبًا ضَرُورَةً، وَلَا يُقَالُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ أَنْ يُجْعَلَ مُطْلَقُ الْوَقْتِ سَبَبًا وَالْمُطْلَقُ مُغَايِرٌ لِلْكُلِّ وَالْبَعْضِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ فِي الْإِطْلَاقِ يَدْخُلُ الْكُلُّ وَالْبَعْضُ فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ أَنْ يَصِحَّ جَعْلُ الْكُلِّ سَبَبًا مِنْ حَيْثُ هُوَ مُطْلَقُ الْوَقْتِ وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِالْبَعْضِ، وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ السَّبَبِ وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ فِي مُطْلَقِ الْوَقْتِ، ثُمَّ لَمَّا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ الْبَعْضُ سَبَبًا لَزِمَ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا عَلَى الْأَدَاءِ لِيَقَعَ الْأَدَاءُ بَعْدَهُ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الْكُلِّ جُزْءٌ مُقَدَّرٌ أَيْ مِقْدَارٌ مَعْلُومٌ يُمْكِنُ تَرْجِيحُهُ عَلَى سَائِرِ الْأَجْزَاءِ مِثْلُ الرُّبُعِ وَالْخُمُسِ وَالْعُشْرِ وَنَحْوِهَا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ وَفَسَادِ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ وَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَدْنَى
стр. 214
وَلِهَذَا قَالُوا فِي الْكَافِرِ إذَا أَدْرَكَ الْجُزْءَ الْأَخِيرَ بَعْدَمَا أَسْلَمَ لَزِمَهُ فَرْضُ الْوَقْتِ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي نَوَادِرِ الصَّلَاةِ فِي مَسْأَلَةِ الْحَائِضِ إذَا طَهُرَتْ وَأَيَّامُهَا عَشْرَةٌ إنَّ الصَّلَاةَ تَلْزَمُهَا إذَا أَدْرَكَتْ شَيْئًا مِنْ الْوَقْتِ قَلِيلًا كَانَ ذَلِكَ أَوْ كَثِيرًا وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا كَانَ الْجُزْءُ السَّابِقُ أَوْلَى أَنْ يُجْعَلَ سَبَبًا لِعَدَمِ مَا يُزَاحِمُهُ، وَبِدَلِيلِ أَنَّ الْأَدَاءَ بَعْدَ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ صَحِيحٌ وَلَوْلَا أَنَّهُ سَبَبٌ لَمَا صَحَّ وَلَمَا صَارَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ سَبَبًا أَفَادَ الْوُجُوبَ بِنَفْسِهِ وَأَفَادَ صِحَّةَ الْأَدَاءِ لَكِنَّهُ لَمْ يُوجِبْ الْأَدَاءَ لِلْحَالِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ جَبْرٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا اخْتِيَارٍ مِنْ الْعَبْدِ ثُمَّ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْوُجُوبِ تَعْجِيلُ الْأَدَاءِ بَلْ الْأَدَاءُ مُتَرَاخٍ إلَى الطَّلَبِ كَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَمَهْرِ النِّكَاحِ يَجِبَانِ بِالْعَقْدِ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ يَتَأَخَّرُ إلَى الْمُطَالَبَةِ وَهُوَ الْخِطَابُ فَأَمَّا الْوُجُوبُ فَبِالْإِيجَابِ لِصِحَّةِ سَبَبِهِ لَا بِالْخِطَابِ
ــ
[كشف الأسرار]
وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ مِنْ الزَّمَانِ إذْ هُوَ مُرَادٌ بِكُلِّ حَالٍ وَلَا دَلِيلَ عَلَى الزَّائِدِ عَلَيْهِ فَتَعَيَّنَ لِلسَّبَبِيَّةِ وَلِهَذَا لَوْ أَدَّى بَعْدَ مُضِيِّ جُزْءٍ مِنْ الْوَقْتِ جَازَ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا) أَيْ وَلِكَوْنِ السَّبَبِيَّةِ مُقْتَصِرَةً عَلَى الْجُزْءِ الْأَدْنَى قَالُوا أَيْ أَصْحَابُنَا الثَّلَاثَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ ﵏ إنَّ الْكَافِرَ إذَا أَسْلَمَ وَقَدْ بَقِيَ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ الْوَقْتِ لَزِمَهُ فَرْضُ الْوَقْتِ أَيْ قَضَاؤُهُ لِوُجُودِ السَّبَبِ حَالَ صَيْرُورَتِهِ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ، وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي نَوَادِرِ الصَّلَاةِ أَرَادَ بِهِ النَّوَادِرَ الَّتِي رَوَاهَا أَبُو سُلَيْمَانَ عَنْهُ فَذَكَرَ فِيهَا امْرَأَةً أَيَّامُ أَقْرَائِهَا عَشْرَةٌ فَانْقَطَعَ الدَّمُ عَنْهَا وَعَلَيْهَا مِنْ الْوَقْتِ شَيْءٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ فَعَلَيْهَا قَضَاءُ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا خَصَّ مُحَمَّدًا ﵀ بِالذِّكْرِ وَإِنْ كَانَ قَوْلَهُمْ جَمِيعًا بِاعْتِبَارِ التَّصْنِيفِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ إنَّمَا يَكُونُ لِإِثْبَاتِ الْمَذْهَبِ أَوْ لِبَيَانِ تَأْثِيرِ الْأَصْلِ وَلَا يَكُونُ لِإِثْبَاتِ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ إثْبَاتُ الْأَصْلِ بِالْفَرْعِ وَمَا ذُكِرَ هَهُنَا مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
قَوْلُهُ (وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا) أَيْ وُجُوبُ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْجُزْءِ الْأَدْنَى بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ، كَانَ الْجُزْءُ السَّابِقُ أَوْلَى بِالسَّبَبِيَّةِ أَيْ حَالَ وُجُودِهِ لِعَدَمِ مَا يُزَاحِمُهُ إذْ الْمَعْدُومُ لَا يُعَارِضُ الْمَوْجُودَ.
قَوْلُهُ (أَفَادَ الْوُجُوبَ بِنَفْسِهِ) أَيْ أَفَادَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ الْوُجُوبَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَاجَ إلَى انْضِمَامِ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ الِاسْتِطَاعَةِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ لَمَّا وُجِدَ فِي حَقِّ الْأَهْلِ وَلَمْ يُوجَدْ مَانِعٌ ظَهَرَ تَأْثِيرُهُ لَا مَحَالَةَ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْبَاءُ زَائِدَةً وَالضَّمِيرُ رَاجِعًا إلَى الْوُجُوبِ أَيْ أَفَادَ نَفْسَ الْوُجُوبِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذُكِرَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ أَفَادَ الْوُجُوبَ نَفْسَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنْ يُثْبِتَ مَعْنًى فِي الذِّمَّةِ يُفِيدُ صِحَّةَ الْأَدَاءِ وَلَا يَأْثَمُ بِتَرْكِهِ قَبْلَ الطَّلَبِ، قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ أَبُو الْيُسْرِ: نَفْسُ الْوُجُوبُ اشْتِغَالُ الذِّمَّةِ بِالْوَاجِبِ كَالصَّبِيِّ إذَا أَتْلَفَ مَالَ إنْسَانٍ يَشْتَغِلُ ذِمَّتُهُ بِوُجُوبِ الْقِيمَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ بَلْ يَجِبُ عَلَى وَلِيِّهِ وَكَذَا الْقِصَاصُ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءُ الْوَاجِبِ وَهُوَ الْقِصَاصُ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ النَّفْسِ إذَا طُلِبَ مِنْ لَهُ الْقِصَاصُ بِتَسْلِيمِ النَّفْسِ لِاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ، ثُمَّ قَالَ الْوُجُوبُ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ وَالْأَمْرُ الْحُكْمِيُّ يُعْرَفُ بِالْحُكْمِ وَحُكْمُهُ أَنَّهُ إذَا أَدَّى مَا فِي ذِمَّتِهِ يَقَعُ وَاجِبًا.
قَوْلُهُ (وَأَفَادَ صِحَّةَ الْأَدَاءِ) ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ لَمَّا ثَبَتَ كَانَ جَوَازُ الْأَدَاءِ مِنْ ضَرُورَاتِهِ عَلَى مَا عَلَيْهِ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ فَإِنَّ الْوُجُوبَ يُفِيدُ جَوَازَ الْأَدَاءِ عِنْدَهُمْ، لَكِنَّهُ أَيْ لَكِنَّ السَّبَبَ أَوْ نَفْسَ الْوُجُوبِ لَا يُوجِبُ الْأَدَاءَ لِلْحَالِ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلَى قَوْلِهِ لَا يُوجِبُ الْأَدَاءَ لِلْحَالِ.
وَبَيَانُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ ثَبَتَ جَبْرًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِلَا اخْتِيَارٍ مِنْ الْعَبْدِ وَالْوُجُوبُ بِلَا اخْتِيَارٍ مِنْهُ فِي مُبَاشَرَةِ سَبَبِهِ لَا يُوجِبُ الْأَدَاءَ لِلْحَالِ كَثَوْبٍ هَبَّتْ بِهِ الرِّيحُ وَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِ إنْسَانٍ دَخَلَ فِي عُهْدَتِهِ حَتَّى صَحَّتْ مُطَالَبَةُ صَاحِبِهِ إيَّاهُ بِهِ وَلَكِنْ لَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ قَبْلَ الطَّلَبِ حَتَّى لَوْ هَلَكَ قَبْلَ الطَّلَبِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ حُصُولَهُ فِي يَدِهِ كَانَ بِغَيْرِ صُنْعِهِ فَكَذَا هَذَا بِخِلَافِ الْغَصْبِ فَأَنَّهُ مُخْتَارٌ مُتَعَدٍّ فِي مُبَاشَرَةِ سَبَبِ الضَّمَانِ فَيَجِبُ التَّسْلِيمُ قَبْلَ الطَّلَبِ إزَالَةً لِلتَّعَدِّي.
، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ دَلِيلًا عَلَى ثُبُوتِ نَفْسِ الْوُجُوبِ بِوُجُودِ نَفْسِ السَّبَبِ، وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْوُجُوبِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ لَا يُوجِبُ الْأَدَاءَ لِلْحَالِ فَيَكُونُ الْمَجْمُوعُ دَلِيلًا عَلَى الْمَجْمُوعِ.
، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْوُجُوبَ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِ الْعَبْدِ وَقُدْرَتِهِ
стр. 215
وَلِهَذَا كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ وَهُوَ كَثَوْبٍ هَبَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي دَارِ إنْسَانٍ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ إلَّا بِالطَّلَبِ وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَمْ يُوجَدْ الْمُطَالَبَةُ بِدَلَالَةِ أَنَّ الشَّرْعَ خَيَّرَهُ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْأَدَاءُ إلَّا أَنْ يَسْقُطَ خِيَارُهُ بِضِيقِ الْوَقْتِ.
وَلِهَذَا قُلْنَا إذَا مَاتَ قَبْلَ آخِرِ الْوَقْتِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَالنَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا مَرَّ عَلَيْهِمَا جَمِيعُ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَجَبَ الْأَصْلُ وَتَرَاخَى وُجُوبُ الْأَدَاءِ وَالْخِطَابُ فَكَذَلِكَ عَنْ الْجُزْءِ الْأَوَّلِ.
ــ
[كشف الأسرار]
تَوَقُّفَ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ عَلَيْهِ بَلْ يَثْبُتُ جَبْرًا عِنْدَ وُجُودِ سَبَبِهِ بِلَا اخْتِيَارٍ مِنْهُ وَقَدْ وُجِدَ السَّبَبُ هَهُنَا فَيَثْبُتُ الْوُجُوبُ شَاءَ الْعَبْدُ أَوْ أَبَى وَلَكِنْ لَا يَثْبُتُ بِهِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ضَرُورَةِ الْوُجُوبِ فِي الذِّمَّةِ تَعَجُّلُ الْأَدَاءِ أَيْ تَعْجِيلُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَإِنَّهُ يَنْفَكُّ عَنْهُ، كَمَا فِي ثَمَنِ الْبَيْعِ وَمَهْرِ النِّكَاحِ أَيْ الثَّمَنُ وَالْمَهْرُ الثَّابِتُ بِهِمَا، يَجِبَانِ بِالْعَقْدِ أَيْ عَقْدِ الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ لِامْتِنَاعِ خُلُوِّ الْبَيْعِ عَنْ الثَّمَنِ وَالنِّكَاحِ عَنْ الْمَهْرِ، وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ فِيهِمَا يَتَأَخَّرُ إلَى الْمُطَالَبَةِ حَتَّى لَوْ كَانَ الْبَيْعُ بِأَجَلٍ يَجِبُ الثَّمَنُ فِي الْحَالِ وَيَتَأَخَّرُ الْمُطَالَبَةُ إلَى حُلُولِ الْأَجَلِ وَكَمَا فِي صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ يَثْبُتُ نَفْسُ الْوُجُوبِ فِي حَقِّهِ وَيَنْعَدِمُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فِي الْحَالِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا يَثْبُتُ بِنَفْسِ الْوُجُوبِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ لِلْحَالِ بَلْ يَتَأَخَّرُ إلَى وُجُودِ دَلِيلِهِ وَهُوَ الطَّلَبُ وَلَمْ يُوجَدْ هَهُنَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ خَيَّرَهُ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ أَيْ فَوَّضَ إلَيْهِ تَعَيُّنَ الْجُزْءِ الَّذِي يُؤَدِّي فِيهِ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا طَالَبَهُ بِالْأَدَاءِ فِي كُلِّ وَقْتٍ لَا فِي جُزْءٍ مُعَيَّنٍ وَإِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ بَقِيَ الْعَبْدُ مُخَيَّرًا فِي الْأَدَاءِ فِي أَيِّ جُزْءٍ شَاءَ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَفُوتَ عَنْ الْوَقْتِ وَلِهَذَا يَتَعَيَّنُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ لِتَحَقُّقِ الْمُطَالَبَةِ فِيهِ.
قَوْلُهُ (وَأَمَّا الْوُجُوبُ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ وُجُوبُ الْأَدَاءِ يَتَأَخَّرُ إلَى الْمُطَالَبَةِ يَعْنِي الْوُجُوبَ يَثْبُتُ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ السَّبَبِ الَّذِي هُوَ عَلَامَةُ إيجَابِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْنَا لَا بِالْخِطَابِ بَلْ يَثْبُتُ بِهِ مُطَالَبَةُ الْوَاجِبِ بِالسَّبَبِ.
قَوْلُهُ (وَلِهَذَا كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ) أَيْ وَلِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ يَنْفَصِلُ عَنْ وُجُوبِ الْأَدَاءِ قُلْنَا الِاسْتِطَاعَةُ الَّتِي هِيَ سَلَامَةُ الْآلَاتِ، مُقَارِنَةٌ لِلْفِعْلِ أَيْ مَشْرُوطَةٌ لِوُجُودِ الْفِعْلِ لَا لِنَفْسِ الْوُجُوبِ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ كَالنَّائِمِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فِي حَقِّهِ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ فَثَبَتَ أَنَّ الْوُجُوبَ يَنْفَكُّ عَنْ وُجُوبِ الْأَدَاءِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ فِي نُسْخَةٍ لَهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ السَّبَبَ مُوجِبٌ وَهُوَ جَبْرِيٌّ لَا يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ؛ إذْ هِيَ شَرْطٌ فِي الْفِعْلِ الِاخْتِيَارِيِّ لَا فِي الْجَبْرِيِّ وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْتَرِطْ الْقُدْرَةَ سَابِقَةً عَلَى الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ نَفْسُ الْوُجُوبِ وَهُوَ جَبْرٌ وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ وَأَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ عَلَى مَا عُرِفَ أَمَّا فِعْلُ الْأَدَاءِ فَيَعْتَمِدُ الْقُدْرَةَ فَلِذَلِكَ كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ مَعَ الْفِعْلِ لَا مَعَ الْخِطَابِ.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ وَلِهَذَا كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ أَيْ لِأَجَلِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْمَعْنَى وَهُوَ أَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى فِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتِهِ كَانَتْ الِاسْتِطَاعَةُ مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ فَكَمَا أَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى فِعْلِ الْمُكَلَّفِ وَقُدْرَتِهِ كَذَلِكَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى وُجُودِ الْفِعْلِ وَالْقُدْرَةِ الْحَقِيقِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ الْحَقِيقِيَّةَ مُقَارِنَةٌ لِلْفِعْلِ فَنَفْسُ الْوُجُوبِ يَنْفَصِلُ عَنْ وُجُوبِ الْأَدَاءِ كَذَلِكَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ يَنْفَصِلُ عَنْ وُجُودِ نَفْسِ الْفِعْلِ وَالْقُدْرَةِ الْحَقِيقِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ مِنْ وُجُوبِ الْأَدَاءِ غَيْرُ مُرَادٍ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ إذْ لَوْ كَانَ مُرَادًا لَوُجِدَ الْإِيمَانُ مِنْ جَمِيعِ الْكَفَرَةِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ تَخَلُّفُ الْمُرَادِ عَنْ إرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهُ عَجْزٌ وَاضْطِرَارٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُتَعَالٍ عَنْهُ وَالْكُفَّارُ كُلُّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْإِيمَانِ وَلَمْ يُوجَدْ الْإِيمَانُ مِنْهُمْ حَالَ كُفْرِهِمْ وَكَذَلِكَ الْعِبَادَاتُ الْمَفْرُوضَةُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا ثُمَّ قَدْ لَا تُوجَدُ فَثَبَتَ أَنَّ وُجُودَ الْفِعْلِ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ وُجُوبِ الْخِطَابِ، فَحَصَلَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَشْيَاءُ ثَلَاثَةٌ نَفْسُ الْوُجُوبِ وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ وَوُجُودُ الْفِعْلِ فَنَفْسُ الْوُجُوبِ بِالسَّبَبِ وَوُجُوبُ الْأَدَاءِ بِالْخِطَابِ
следующие страницы →